Полный текст (5 319 стр.). Показаны 5181–5220 · переход к 5186.
стр. 5181
فَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْمَفْرُوضَيْنِ أَقَلَّ مِنَ الصَّوَابِ وَخَطَؤُهُ زَائِدٌ وَالْآخَرُ أَكْثَرَ مِنَ الصَّوَابِ وَخَطَؤُهُ نَاقِصٌ فَتَضْرِبُ بِفَاضِلِ الْعَدَدَيْنِ فِي النَّاقِصِ مِنَ الْخَطَأَيْنِ وَتَقْسِمُ الْمَبْلَغَ عَلَى مَجْمُوعِهِمَا فَمَا خَرَجَ نُقِصَ مِنْ أَعْظَمِ الْمَفْرُوضَيْنِ أَوْ تَضْرِبُ بِفَاضِلِ الْعَدَدَيْنِ فِي الزَّائِدِ مِنَ الْخَطَأَيْنِ وَتَقْسِمُ عَلَى مجموعهما فَمَا خرج زيد على أَصْغَر المفروضيين وَلَا يُقَالُ فِي هَذَا الْفَصْلِ أَصْغَرُ الْخَطَأَيْنِ وَأَعْظَمُهُمَا لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ مُسَاوِيًا كَقَوْلِكَ نُرِيدُ عَدَدًا إِنْ نَقَصَ ربعه بَقِي خَمْسَة عشر فنفرضه سِتَّةَ عَشَرَ يَبْقَى اثْنَا عَشَرَ وَالْخَطَأُ ثَلَاثَةٌ نَاقِصَةٌ أَوْ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ يَبْقَى أَحَدٌ وَعِشْرُونَ وَالْخَطَأُ سِتَّةٌ زَائِدَةٌ فَجَاءَ هَاهُنَا الزَّائِدُ أَعْظَمَ أَوِ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ تَبْقَى سِتَّةَ عَشَرَ وَنِصْفٌ وَالْخَطَأُ وَاحِدٌ وَنِصْفٌ زَائِدٌ فَجَاءَ هَاهُنَا النَّاقِصُ أَعْظَمَ أَوِ الثَّانِي أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ تَبْقَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَالْخَطَأُ ثَلَاثَةٌ زَائِدَةٌ فَقَدْ تَسَاوَى الْخَطَآنِ وَهَذِهِ الْعَوَارِضُ مَأْمُونَةٌ فِي الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ وَطُرُقُ الْعَمَلِ بِالْخَطَأِ كَثِيرَةٌ غَيْرَ أَنَّ بَعْضَهَا أَيْسَرُ وَبَعْضَهَا أَعْسَرُ وَوَقَعَ لِبَعْضِ الْأَنْدَلُسِيِّينَ أَنَّ الصَّوَابَ يَخْرُجُ مِنْ خَطَأَيْنِ وَثَلَاثَةٍ وَأَكْثَرَ إِذَا وَقَعَ التَّغَيُّرُ فِي الْعَدَدِ الْمَطْلُوبِ بِأَنْ يُعْطَفَ عَلَيْهِ أَو يسْتَثْنى مِنْهُ وَهَذِه بحار من الرياضيات مِنْهَا مَا أحاطت بِهِ الْأَفْكَارُ وَمِنْهَا مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ سُبْحَانَهُ فَسُبْحَانَ مَنْ يَعْلَمُ مَا لَا يَتَنَاهَى عَلَى التَّفْصِيلِ وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
стр. 5182
٣
- (الْقسم الثَّالِث كتاب الْجَامِع)
стр. 5183
(فارغة)
стр. 5184
(كِتَابُ الْجَامِعِ)
هَذَا الْكِتَابُ يَخْتَصُّ بِمَذْهَبِ مَالِكٍ لَا يُوجَدُ فِي تَصَانِيفِ غَيْرِهِ مِنَ الْمَذَاهِبِ وَهُوَ مِنْ مَحَاسِنِ التَّصْنِيفِ لِأَنَّهُ تَقَعُ فِيهِ مَسَائِلُ لَا يُنَاسِبُ وَضْعُهَا فِي رُبْعٍ مِنْ أَرْبَاعِ الْفِقْهِ أَعْنِي الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ وَالْأَقْضِيَةَ وَالْجِنَايَاتِ فَجَمَعَهَا الْمَالِكِيَّةُ فِي أَوَاخِرِ تَصَانِيفِهَا وَسَمَّوْهَا بِالْجَامِعِ أَيْ جَامِعِ الْأَشْتَاتِ مِنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي لَا تُنَاسِبُ غَيْرَهُ مِنَ الْكُتُبِ وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَجْنَاسٍ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَقِيدَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَقْوَالِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَفْعَالِ وَهُوَ الْأَفْعَالُ وَالتُّرُوكُ بِجَمِيعِ الْجَوَارِحِ
(الْجِنْسُ الْأَوَّلُ الْعَقِيدَةُ)
قَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ وَغَيْرُهُ مَذْهَبُ مَالِكٍ وُجُوبُ النَّظَرِ وَامْتِنَاعُ التَّقْلِيدِ فِي أُصُولِ الدِّيَانَاتِ قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَايِينِيُّ لَمْ يَرَ بِالتَّقْلِيدِ إِلَّا أَهْلُ الظَّاهِرِ فَيَتَعَيَّنُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ عِنْدَ أَوَّلِ بُلُوغِهِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ لِجَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ مِنَ الْمُمْكِنَاتِ خَالِقًا وَمُدَبِّرًا هُوَ وَاجِبُ الْوُجُودِ أَزَلِيٌّ أَبَدِيٌّ حَيٌّ بِحَيَاةٍ قَادِرٌ بِقُدْرَةٍ مُرِيدٌ بِإِرَادَةٍ عَالِمٌ بِعِلْمٍ سَمِيعٌ بِسَمْعٍ بَصِيرٌ بِبَصَرٍ مُتَكَلِّمٌ بِكَلَامٍ وَأَنَّ صِفَاتِهِ تَعَالَى وَاجِبَةُ الْوُجُودِ أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ عَامَّةُ التَّعَلُّقِ فَيَتَعَلَّقُ عِلْمُهُ بِجَمِيعِ الْجُزْئِيَّاتِ وَالْكُلِّيَّاتِ وَالْوَاجِبَاتِ وَالْمُمْكِنَاتِ وَإِرَادَتُهُ تَعَالَى مُتَعَلِّقَةٌ بِجَمِيعِ الْمُمْكِنَاتِ وَعِلْمُهُ مُتَعَلِّقٌ بِجَمِيعِ الْمَعْلُومَاتِ وَبَصَرُهُ مُتَعَلِّقٌ بِجَمِيعِ الموجودات
стр. 5185
٠ - وَسَمْعُهُ سُبْحَانَهُ مُتَعَلِّقٌ بِجَمِيعِ الْأَصْوَاتِ وَالْكَلَامِ النَّفْسَانِيِّ حَيْثُ كَانَ مِنْ خَلْقِهِ وَالْقَائِمُ بِذَاتِهِ وَأَنَّ قُدْرَتَهُ تَعَالَى عَامَّةُ التَّعَلُّقِ بِجَمِيعِ الْمُمْكِنَاتِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْعَالَمِ مِنَ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِمْ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير﴾ لَهُ أَن يفعل الْأَصْلَح لِعِبَادِهِ وَله أَن لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يسْأَلُون﴾ وَأَنَّهُ وَاحِدٌ فِي ذَاتِهِ لَا نَظِيرَ لَهُ وَلَا شريك وَلَا يسْتَحق الْعباد غَيْرُهُ سُبْحَانَهُ وَأَنَّ جَمِيعَ رُسُلِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِم صَادِقُونَ فِيمَا جاؤا بِهِ وَأَن مُحَمَّد عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَنَّ جَمِيعَ مَا جَاءَ بِهِ حَقٌّ وَمَا أَخْبَرَ بِهِ صِدْقٌ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَأَحْوَالِهِ وَالْقِيَامَةِ وَأَهْوَالِهَا مِنَ الصِّرَاطِ وَالْمِيزَانِ وَجَمِيعُ الْمُغَيَّبَاتِ عِبَادٌ كَالْمَلَائِكَةِ وَالْجَانِّ وَغَيْرِهِمْ وَأَدِلَّةُ جَمِيعِ هَذِهِ الْعَقَائِدِ مَبْسُوطَةٌ فِي عِلْمِ أُصُولِ الدِّينِ وَكَذَلِكَ تَفْصِيلُ هَذِهِ الْحَقَائِقِ وَتَفَارِيعِهَا وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ وَالنَّارَ حَقٌّ مَخْلُوقَتَانِ وَأَنَّهُ لَا يُخَلَّدُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ فِي النَّارِ بِكَبِيرَةٍ وَأَنَّ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ وَأَنَّ الْإِيمَانَ اعْتِقَادٌ بِالْقَلْبِ ونطق بِاللِّسَانِ وَعمل بالجوراح وَأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى قَائِمٌ بِذَاتِهِ مَحْفُوظٌ فِي الصُّدُورِ وَمَقْرُوءٌ بِالْأَلْسِنَةِ مَكْتُوبٌ فِي الْمَصَاحِفِ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيُكَلِّمُهُمْ وَفِي الْجَوَاهِرِ أَمَّا الْقِيَامُ بِدَفْعِ شُبَهِ الْمُبْطِلِينَ فَلَا يَتَعَرَّضُ لَهُ إِلَّا مَنْ طَالَعَ عُلُومَ الشَّرِيعَةِ وَحَفِظَ الْكَثِيرَ مِنْهَا وَفَهِمَ مَقَاصِدَهَا وأحكامها وَأخذ ذَلِك عَن أيمة فاوضهم فِيهَا وراجعهم فِي ألفاظها وأعرضها وَبَلَغَ دَرَجَةَ الْإِمَامَةِ فِي هَذَا الْعِلْمِ بِصُحْبَةِ الأيمة الَّذِينَ أَرْشَدُوهُ لِلصَّوَابِ وَحَذَّرُوهُ مِنَ الْخَطَأِ وَالضَّلَالِ حَتَّى ثَبَتَ الْحَقُّ فِي نَفْسِهِ ثُبُوتًا فَيَكُونُ الْقِيَامُ بِدَفْعِ الشُّبُهَاتِ حِينَئِذٍ فَرْضَ كِفَايَةٍ عَلَيْهِ وَعَلَى أَمْثَالِهِ وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَلَا يَجُوزُ لَهُمُ التَّعَرُّضُ لِذَلِكَ لِأَنَّهُ رُبَّمَا ضَعُفَ عَنْ رَدِّ تِلْكَ الشُّبْهَة فَيتَعَلَّق بِنَفسِهِ مِنْهَا لَا يَقْدِرُ عَلَى إِزَالَتِهِ فَيَكُونُ قَدْ تَسَبَّبَ إِلَى هَلَاكِهِ نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الْعِصْمَةَ
стр. 5186
وَكَذَلِكَ الْقِيَامُ بِالْفَتْوَى فَرْضُ كِفَايَةٍ أَيْضًا وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مُقَدِّمَةِ الْكِتَابِ قَبْلَ الطَّهَارَةِ مَا هُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ أَيْضًا مِنَ الْفِقْهِ وَمَا هُوَ فَرْضُ عَيْنٍ وَأَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِبَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ بَلْ هُوَ علمك بِحَالَتِكَ الَّتِي أَنْتَ فِيهَا فَيُطَالَعُ مِنْ هُنَاكَ وَفِي التَّلْقِينِ يَجِبُ النَّظَرُ وَالِاعْتِبَارُ الْمُؤَدِّيَيْنِ لِلْعِلْمِ بِمَا افْتُرِضَ عَلَيْكَ أَوْ نُدِبْتَ إِلَيْهِ وَطَلَبُ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَفِي تَعَلُّمِهِ فَضِيلَة عَظِيمَة وَلَا يجوز لمن قيه فَضْلُ النَّظَرِ وَالِاجْتِهَادِ وَقُوَّةُ الِاسْتِدْلَالِ تَقْلِيدُ غَيْرِهِ وَفُرِضَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ لِنَفْسِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فاعتبروا يَا أولي الْأَبْصَار﴾ وَمَنْ لَا فَضْلَ فِيهِ لِذَلِكَ فَهُوَ فِي سَعَةٍ مِنْ تَقْلِيدِ مَنْ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنه أفقه وَأعلم وأدين وَأَوْرَع وقته وَيَلْزَمُهُ الْأَخْذُ بِمَا يُفْتِيهِ بِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
(فَرْعٌ)
قَالَ ابْنُ يُونُسَ وَأَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ خَيْرَ الْقُرُونِ الصَّحَابَةُ ﵃ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ كَمَا أَخْبَرَ ﵇ وَأَنَّ أَفْضَلَهُمْ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ ثُمَّ عَلِيٌّ وَقِيلَ ثُمَّ عُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَلَا يَفْضُلُ بَيْنَهُمَا وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ الْقَوْلَانِ وَأَنَّ الْمُهَاجِرِينَ أَفْضَلُ عَصْرِهِ ﵇ وَأَن أفضلهم الْعشْرَة وَأفضل الْعشْرَة الأيمة الْأَرْبَعَةُ ثُمَّ أَهْلُ بَدْرٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْمُهَاجِرُونَ على قدر الْهِجْرَة والسبق أَن مَنْ رَآهُ سَاعَةً أَوْ مَرَّةً أَفْضَلُ مَنْ التَّابِعين تنبه لَيْسَ هَذِهِ التَّفْضِيلَاتُ مِمَّا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْمُكَلَّفِ اكْتِسَابَهُ أَوِ اعْتِقَادَهُ بَلْ لَوْ غَفَلَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُطْلَقًا لَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِي الدِّينِ نَعَمْ مَتَى خَطَرَتْ بِالْبَالِ أَوْ تَحَدَّثَ فِيهَا بِاللِّسَانِ وَجَبَ الْإِنْصَافُ وَتَوْفِيَةُ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ وَيَجِبُ الْكَفُّ عَنْ ذِكْرِهِمْ إِلَّا بِخَيْرٍ وَأَنَّ الْإِمَامَةَ خَاصَّةٌ فِي قُرَيْشٍ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ
стр. 5187
الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ وَأَنَّ نَصْبَ الْإِمَامِ لِلْأُمَّةِ وَاجِبٌ مَعَ الْقُدْرَةِ وَأَنَّهُ مَوْكُولٌ إِلَى أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ دُونَ النَّصِّ وَأَنَّهُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ وَيجب طَاعَة الأيمة وَإِجْلَالُهُمْ وَكَذَلِكَ نُوَّابُهُمْ فَإِنْ عَصَوْا بِظُلْمٍ أَوْ تَعْطِيلِ حَدٍّ وَجَبَ الْوَعْظُ وَحَرُمَتْ طَاعَتُهُ فِي الْمعْصِيَة وإعانته عَلَيْهَا لقَوْله ﷺ َ - لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ وَلَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ عَلَى مَنْ وَلِيَ وَإِنْ جَارَ وَيُغْزَى مَعَهُ الْعَدُوُّ وَيُحَجُّ الْبَيْتُ وَتُدْفَعُ لَهُ الزَّكَوَاتُ إِذَا طَلَبَهَا وَتُصَلَّى خَلْفَهُ الْجُمُعَةُ وَالْعِيدَانِ قَالَ مَالِكٌ لَا يُصَلَّى خَلْفَ الْمُبْتَدِعِ مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يَخَافَهُ فَيُصَلِّي وَاخْتُلِفَ فِي الْإِعَادَةِ قَاعِدَةٌ ضَبْطُ الْمَصَالِحِ الْعَامَّة وَاجِبٌ وَلَا تَنْضَبِطُ إِلَّا بعظمة الأيمة فِي نَفْسِ الرَّعِيَّةِ وَمَتَى اخْتَلَف عَلَيْهِمْ أَوْ أُهِينُوا تَعَذَّرَتِ الْمَصْلَحَةُ وَلِذَلِكَ قُلْنَا لَا يَتَقَدَّمُ فِي إِمَامَةِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَلَا غَيْرِهَا لِأَنَّ ذَلِكَ مُخِلٌّ بِأُبَّهَتِهِمْ
(فَرْعٌ)
قَالَ وَمَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ لَا يُعْذَرُ مَنْ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ لِبِدْعَةٍ لِأَنَّ الْخَوَارِجَ اجْتَهَدُوا فِي التَّأْوِيلِ فَلَمْ يُعْذَرُوا وَسَمَّاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - مَارِقِينَ مِنَ الدِّينِ وَجَعَلَ الْمُجْتَهِدَ فِي الْأَحْكَامِ مَأْجُورًا وَإِنْ أَخْطَأَ
(فَرْعٌ)
قَالَ أَنْكَرَ مَالِكٌ رِوَايَةَ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْبِدَعِ مِنَ التَّجْسِيمِ وَغَيْرِهِ وَلَمْ يُنْكِرْ حَدِيثَ الضَّحِكِ وَلَا حَدِيثَ التَّنْزِيلِ وَأَنْكَرَ حَدِيثَ أَنَّ الْعَرْشَ اهْتَزَّ لِمَوْتِ سَعْدٍ تَنْبِيهٌ الْأَصْحَابُ مُتَّفِقُونَ عَلَى إِنْكَارِ الْبِدَعِ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ وَغَيْرُهُ وَلَا يَسْتَقِيمُ ذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِهِ لِأَنَّهَا خَمْسَةُ أَقْسَامٍ وَاجِبَةٌ كَتَدْوِينِ الْقُرْآنِ وَالشَّرَائِعِ إِنْ خِيفَ عَلَيْهَا الضَّيَاعُ فَإِنَّ التَّبْلِيغَ لِمَنْ بَعْدَنَا مِنَ الْقُرُونِ وَاجِبٌ إِجْمَاعًا
стр. 5188
وَمُحَرَّمَةٌ كَالْمُكُوسِ الْحَادِثَةِ وَغَيْرِهَا وَمَنْدُوبَةٌ كَصَلَاةِ التَّرَاوِيحِ وَإِقَامَة صور الأيمة وَالْقُضَاةِ بِالْمَلَابِسِ وَغَيْرِهَا مِنَ الزَّخَارِفِ وَالسِّيَاسَاتِ وَرُبَّمَا وَجَبَتْ وَمَكْرُوهَةٌ كَتَخْصِيصِ الْأَيَّامِ الْفَاضِلَةِ وَغَيْرِهَا بِنَوْعٍ مِنَ الْعِبَادَةِ وَمُبَاحَةٌ كَاتِّخَاذِ الْمَنَاخِلِ فَفِي الْأَثَرِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَوَّلُ شَيْءٍ أَحْدَثَهُ النَّاسُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - المناخل لَك إِصْلَاحَ الْأَغْذِيَةِ الْمُبَاحَةِ مُبَاحٌ فَالْبِدْعَةُ إِذَا عَرَضَتْ تُعْرَضُ عَلَى قَوَاعِدِ الشَّرْعِ وَأَدِلَّتِهِ فَإِنِ اقْتَضَتْهَا قَاعِدَةُ تَحْرِيمٍ حُرِّمَتْ أَوْ إِيجَابٍ وَجَبَتْ أَوْ إِبَاحَةٍ أُبِيحَتْ وَإِنْ نُظِرَ إِلَيْهَا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ بِالنَّظَرِ إِلَى كَوْنِهَا بِدْعَةً مَعَ قَطْعِ النّظر عَمَّا يتقاضها كُرِهَتْ فَهَذَا تَفْصِيلُ أَحْوَالِ الْبِدَعِ فَيُتَمَسَّكُ بِالسُّنَنِ مَا أَمْكَنَ وَلِبَعْضِ السَّلَفِ الصَّالِحِ يُسَمَّى أَبَا الْعَبَّاسِ الْإِبْيَانِيَّ الْأَنْدَلُسِيَّ ثَلَاثٌ لَوْ كُتِبْنَ فِي ظُفُرٍ لَوَسِعَهُنَّ وَفِيهِنَّ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ اتَّبِعْ لَا تَبْتَدِعْ اتَّضِعْ لَا تَرْتَفِعْ مِنْ وَرَعٍ لَا تَتَّسِعْ وَسَيَأْتِي فِي الْأَفْعَالِ فُرُوعٌ عَدِيدَةٌ مِنَ الْبِدَعِ مُفْرَدَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
(فَرْعٌ)
قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ يَجِبُ أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَسْمَعَ مُوسَى ﵇ كَلَامَهُ الْقَائِمَ بِذَاتِهِ لَا كَلَامًا قَامَ بِغَيْرِهِ وَتَقْرِيرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَأَدِلَّتُهَا ذَكَرْتُهُ مَبْسُوطًا سَهْلًا فِي كِتَابِ الْأَنْقَادِ فِي الِاعْتِقَادِ
(مَسْأَلَةٌ)
قَالَ يَجِبُ أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّ يَدَيْهِ مَبْسُوطَتَانِ وَأَنَّ يَدَهُ غَيْرُ نِعْمَتِهِ قُلْتُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَذَاهِبُ لِأَهْلِ الْحَقِّ مَعَ جَمِيعِ النُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِي الْجَوَارِحِ كَالْوَجْهِ وَالْجَنْبِ والقدم قيل يتَوَقَّف على تَأْوِيلِهَا وَيُعْتَقَدُ أَنَّ ظَاهِرَهَا غَيْرُ مُرَادٍ وَيُحْكى أَنَّهُ مَذْهَبُ السَّلَفِ فَإِنَّهُ تَهَجَّمَ عَلَى جِهَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِالظَّنِّ
стр. 5189
وَالتَّخْمِينِ وَقِيلَ يَجِبُ تَأْوِيلُهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَفَلا يتدبرون الْقُرْآن﴾ وَقَالَ ﴿ليدبروا آيَاته﴾ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ النُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى النَّظَرِ وَالِاعْتِبَارِ وَتَدَبُّرُ الْكَلَامِ هُوَ رَدُّهُ إِلَى دُبُرِهِ وَهُوَ الْمَعْنَى الْخَفِيُّ بِدَلِيلٍ مُرْشِدٍ لَهُ وَالْقَوْلَانِ لِلشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ وَإِذَا قُلْنَا بِالتَّأْوِيلِ فَيُحْمَلُ مَذْهَبُ السَّلَفِ ﵃ عَلَى مَوَاطِنِ اسْتِوَاءِ الْأَدِلَّةِ وَعَدَمِ التَّرْجِيحِ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ لِلْأَشْعَرِيَّةِ وَعَلَى أَيِّ شَيْءٍ تَأَوَّلَ فَقِيلَ عَلَى صِفَاتٍ مَجْهُولَةٍ غَيْرِ الصِّفَاتِ السَّبْعَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِعِلْمِهَا وَقِيلَ بَلِ الصِّفَاتِ السَّبْعَةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يُنَاسِبُ كُلَّ آيَةٍ فَالْيَدُ لِلْقُدْرَةِ وَالْعَيْنُ لِلْعِلْمِ وَالْقَدَمُ وَنَحْوُهُ لِلْقُدْرَةِ وَالْوَجْهُ لِلذَّاتِ وَالْجَنْبُ لِلطَّاعَةِ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَحَامِلَ الْمُنَاسِبَةَ مِنَ الْمَجَازَاتِ لِهَذِهِ الْحَقَائِقِ وَمَتَى تَعَذَّرَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى حَقِيقَتِهِ تَعَيَّنَ صَرْفُهُ لِأَقْرَبِ الْمَجَازَاتِ إِلَيْهِ لُغَةً فَائِدَةٌ وَرَدَتِ النُّصُوصُ بِإِفْرَادِ الْيَدِ وتثنيتها وَجَمعهَا ﴿يَد الله فَوق أَيْديهم﴾ ﴿لما خلقت بيَدي﴾ ﴿أولم يرو أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فهم لَهَا مالكون﴾ مَعَ أَنَّ الْمُتَجَوَّزَ إِلَيْهِ وَاحِدٌ فِي نَفْسِهِ وَهُوَ الْقُدْرَةُ وَسَبَبُهُ أَنَّ الْقُدْرَةَ لَهَا مُتَعَلِّقٌ فَإِنْ عُبِّرَ عَنِ الْقُدْرَةِ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهَا أُفْرِدَتْ أَوْ بِاعْتِبَارِ مُتَعَلِّقَاتِهَا جُمِعَتْ أَوْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ مُتَعَلِّقَاتِهَا قِسْمَانِ ثُنِّيَتْ وَاخْتُلِفَ فِي تَقْدِيرِ التَّثْنِيَةِ فَقيل الْجَوَاهِر والأعراض إِذا لَمْ تُوجِدِ الْقُدْرَةُ غَيْرَهُمَا أَوْ أَمْرُ الدُّنْيَا وَأَمْرُ الْآخِرَةِ أَوِ الْخُيُورُ وَالشُّرُورُ
стр. 5190
(مَسْأَلَةٌ)
مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالِاعْتِقَادِ مَا يَتَعَلَّقُ بِرَسُولِ الله ﷺ َ - من أَحْوَاله وَهِي أَقسَام نسبه ﷺ َ - هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قصي ابْن كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ هَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْهُ ﷺ َ - وَالْمجْمَع عَلَيْهِ وأضافوا فيهمَا بَيْنَ عَدْنَانَ وَإِسْمَاعِيلَ ﵇ وَفِيمَا بَيْنَ إِسْمَاعِيلَ وَآدَمَ ﵉ اخْتِلَافًا كَثِيرًا وَسُمِّيَ هَاشِمٌ هَاشِمًا لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ هَشَّمَ الثَّرِيدَ لِقَوْمِهِ وَقُصَيٌّ لِأَنَّهُ تَقَصَّى مَعَ أُمِّهِ لِأَخْوَالِهِ وَسَكَنَ مَعَهُمْ فِي بَادِيَتِهِمْ فَبَعُدَ عَنْ مَكَّةَ وَكَانَ يُدْعَى مُجَمِّعًا لِأَنَّهُ لَمَّا رَجَعَ إِلَى مَكَّةَ جَمَّعَ قَبَائِلَ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ وَاسْمُ هَاشِمٍ عَمْرٌو وَاسْمُ عَبْدِ مَنَافٍ الْمُغِيرَةُ وَاسْمُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ شَيْبَةُ لِشَيْبَةٍ كَانَتْ فِي ذُؤَابَتِهِ وَقِيلَ اسْمه عبد الْمطلب أمه ﷺ َ - آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زهرَة بن كلاب قرشية زهرية ومرضعاته ﷺ َ - رَحْمَةُ ابْنَةُ ثُوَيْبَةَ جَارِيَةِ أَبِي لَهَبٍ أَرْضَعَتْهُ مَعَ حَمْزَةَ وَأَرْضَعَتْ مَعَهُمَا أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الْأَسَدِ ثُمَّ أَرْضَعَتْهُ حَلِيمَةُ بِنْتُ أَبِي ذُؤَيْب السعدية من بني سعد صفته ﷺ َ - كَانَ ﷺ َ - ربع الْقَامَة من الْقَوْم لَيْسَ بالطويل الباين وَلَا بالقصي ضَخْمَ الرَّأْسِ كَثِيرَ شَعْرِهِ رَجِلًا غَيْرَ سَبْطٍ جعد غَيْرَ قَطَطٍ كَثَّ اللِّحْيَةِ تُوُفِّيَ وَفِي عَنْفَقَتِهِ شَعرَات بيض أَزْهَر اللَّوْن أَبيض مشرب بِحُمْرَةٍ فِي وَجْهِهِ تَدْوِيرٌ أَدْعَجَ الْعَيْنَيْنِ عَظِيمَهُمَا مُشْرَبَهُمَا حُمْرَةً أَهْدَبَ الْأَشْفَارِ شَثْنَ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ جليل وَهُوَ رُؤْس الْمَنَاكِبِ لَهُ مَسْرُبَةٌ وَهِيَ شَعَرَاتٌ مِنَ الصَّدْرِ إِلَى السُّرَّةِ إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ كَأَنَّمَا يَمْشِي فِي صَبَبٍ وَإِذَا الْتَفَتَ الْتَفَتَ
стр. 5191
مَعًا بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوءَةِ ﷺ َ - نبئ على رَأس الْأَرْبَعين أَوْلَاده ﷺ َ - كُلُّهُمْ مِنْ خَدِيجَةَ إِلَّا إِبْرَاهِيمَ فَإِنَّهُ مِنْ مَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةِ زَيْنَبُ وَفَاطِمَةُ وَرُقَيَّةُ وَأُمُّ كُلْثُومٍ أسلمن كُلهنَّ وهاجرن وأصغرهن زينت ثُمَّ رُقَيَّةُ ثُمَّ أُمُّ كُلْثُومٍ ثُمَّ فَاطِمَةُ وَفِي ذَلِك اخْتِلَاف زوج ﷺ َ - رُقَيَّةَ ثُمَّ أُمَّ كُلْثُومٍ وَتَزَوَّجَ عَلَيٌّ فَاطِمَةَ رَضِي الله عَن جَمِيعهم وَولده ﷺ َ - مِنْ خَدِيجَةَ أَرْبَعَةٌ الْقَاسِمُ وَبِهِ كَانَ يُكَنَّى ﷺ َ - وَعَبْدُ اللَّهِ وَالطَّاهِرُ وَفِيمَا عَدَا الْقَاسِمِ خِلَافٌ قِيلَ لَمْ يَلِدْ غَيْرَهُ وَقِيلَ اثْنَانِ وَقِيلَ ثَلَاثَةٌ وَأَمَّا إِبْرَاهِيمُ فَمِنْ مَارِيَةَ أَزْوَاجُهُ ﷺ َ - فِي الْمُقَدِّمَاتِ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ مِنْهُنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ خَدِيجَةُ ثُمَّ سَوْدَةُ ثُمَّ تَزَوَّجَ عَائِشَةَ ثُمَّ أُمَّ سَلَمَةَ اسْمُهَا هِنْدٌ ثُمَّ حَفْصَةَ بِنْتَ عمر بن الْخطاب ثمَّ زينت بنت خُزَيْمَة الْهِلَالِيَّة ثمَّ زينت بِنْتَ جَحْشٍ بِنْتَ عَمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - ثُمَّ أُمَّ حَبِيبَةَ أُخْتَ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ثُمَّ جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ ثُمَّ صَفِيَّةَ بنت حييّ ابْن أَخْطَبَ ثُمَّ مَيْمُونَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ وَلَمْ يَتَزَوَّجْ عَلَى خَدِيجَةَ فِي حَيَاتِهَا تُوُفِّيَ مِنْهُنَّ اثْنَتَانِ فِي حَيَاتِهِ خَدِيجَةُ وَزَيْنَبُ بِنْتُ خُزَيْمَةَ وَتُوُفِّيَ رَسُول الله ﷺ َ - عَن التسع الْبَاقِيَات والمروية بطرِيق الْآحَاد سَبْعَة فَاطِمَةُ بِنْتُ الضَّحَّاكِ وَأَسْمَاءُ بِنْتُ النُّعْمَانِ وَالْعَالِيَةُ بِنْتُ ظَبْيَانَ وَسَنَا بِنْتُ الصَّلْتِ وَقُبَيْلَةُ بِنْتُ قَيْسٍ وَأُمُّ شَرِيكٍ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ شُرَيْحٍ وَهِنْدُ بِنْتُ يَزِيدَ وَالشَّنْبَاءُ وَمُلَيْكَةُ بِنْتُ دَاوُدَ وَشِرَافُ بنت خَليفَة وليلى بنت الْحطيم وَخَوْلَة بنت الْهُذيْل وليل بنت الْحَكِيم سراريه ﷺ َ - مَارِيَة الْقبْطِيَّة وَرَيْحَانَة بنت شمعمون مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ وَجَارِيَتَانِ أُخْرَيَانِ
стр. 5192
(الْجِنْس الثَّانِي الْأَقْوَال)
وَهِيَ نَوْعَانِ مَأْمُورٌ بِهِ وَمَنْهِيٌّ عَنْهُ النَّوْعُ الْأَوَّلُ الْمَأْمُورُ بِهِ التَّلَفُّظُ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَالصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ َ - وَحَكَى الْقَاضِي فِي الشِّفَا أَنَّ التَّلَفُّظَ بِالشَّهَادَتَيْنِ مُعْتَبر من الْإِيمَانِ فَمَنْ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِهِمَا مَعَ الْإِمْكَانِ فَهُوَ عَلَى كُفْرِهِ وَإِنْ آمَنَ قَلْبُهُ عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ وَأَنَّ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ َ - وَاجِبَةٌ مَرَّةً فِي الْعُمْرِ وَالذِّكْرُ وَالدُّعَاءُ وَالتَّسْبِيحُ وَالتَّهْلِيلُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْهُورِ وَالتَّلْحِينُ حَرَامٌ قَالَهُ فِي الْجَوَاهِرِ لِأَنَّ ثَمَرَةَ قِرَاءَتِهِ الْخَشْيَةُ وَتَجْدِيدُ التَّوْبَةِ وَالِاعْتِبَارُ بِقَصَصِهِ وَالشَّوْقُ لِوَعْدِهِ وَالْحَذَرُ مِنْ وَعِيدِهِ وَالتَّلْحِينُ يُنَافِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ مُطْرِبٌ وَالطَّرَبُ يَمْنَعُ ذَلِكَ وَلِأَنَّهُ يَجِبُ تَنْزِيهُهُ عَن مشابهة الأغاني والمطربات لِأَن شَأْنُهَا اللَّهْوُ وَاللَّعِبُ قَالَ وَيَنْبَغِي أَنْ تُقَسَّمَ قِرَاءَتُهُ إِلَى تَفْخِيمٍ وَإِعْظَامٍ فِيمَا يَلِيقُ بِهِ ذَلِك وَإِلَى تخزين وَتَرْقِيقٍ عَلَى حَسَبِ الْمَوَاعِظِ وَالْأَحْوَالِ الْمُقَرِّرِ لَهَا وَقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ عَلَى هَذَا الْقِسْمِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذكرُوا اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زادتهم إِيمَانًا﴾ وَمِنَ الْمَأْمُورِ إِقْرَاءُ الْعُلُومِ النَّافِعَةِ فِي الدِّينِ وَتَعَلُّمُهَا وَالْحَثُّ عَلَى الْخَيْرِ وَالصَّدَقَةِ وَالْمَعْرُوفِ وَالْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ وَنَحْوُ ذَلِكَ النَّوْعُ الثَّانِي الْمَنْهِيُّ عَنْهُ وَهُوَ الْغِيبَةُ وَالنَّمِيمَةُ وَالْبُهْتَانُ وَالْكَذِبُ وَالْقَذْفُ وَالتَّلَفُّظُ بِفُحْشِ الْكَلَامِ وَإِطْلَاقُ مَا لَا يَحِلُّ إِطْلَاقُهُ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ أَوْ عَلَى رَسُولِهِ أَوْ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ أَوْ أَنْبِيَائِهِ أَوْ مَلَائِكَتِهِ أَوِ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ َ - أَنَّهُ قَالَ (الْخِيَانَةُ وَالْخَدِيعَةُ فِي النَّارِ) وَقَالَ ﷺ َ -
(مِنْ شَرِّ النَّاسِ ذُو الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْه وَهَؤُلَاء بِوَجْه) وَقَالَ ﷺ َ -
(إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ مَنِ اتَّقَاهُ
стр. 5193
النَّاس اتقاء شَره) وَقَالَ ﷺ َ -
(الْغِيبَةُ أَنْ تَذْكُرَ مِنَ الْمَرْءِ مَا يَكْرَهُ أَنْ يَسْمَعَ) قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ حَقًّا قَالَ إِذَا قُلْتَ بَاطِلًا فَذَلِكَ الْبُهْتَانُ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يُسْتَثْنَى مِنَ الْغِيبَةِ خمس صور الأولى النَّصِيحَة لقَوْله ﷺ َ - لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ حِينَ شَاوَرَتْهُ أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَرَجُلٌ صُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ وَأما أَوب جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ الْعَصَا عَنْ عَاتِقِهِ وَيُشْتَرَطُ فِي هَذَا الْقِسْمِ مَسِيسُ الْحَاجَةِ لِذَلِكَ وَالِاقْتِصَارُ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِتِلْكَ الْمَصْلَحَةِ الْمُشَاوَرِ فِيهَا أَوِ الَّتِي يُعْتَقَدُ أَنَّ الْمَنْصُوحَ يُسَارِعُ فِيهَا وَلَا يُثْلَمُ الْعِرْضُ مَعَ ذَلِكَ وَلَا يُبَيَّنُ ذَلِكَ الثَّانِيَةُ الْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ فِي الشُّهُودِ وَالرُّوَاةِ بِمَا يَمْنَعُ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ خَاصَّةً فَلَا يَقُول هُوَ ابْن زنا الثَّالِثَةُ الْمُعْلِنُ بِالْفُسُوقِ كَقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ:
(فَمِثْلُكِ حُبْلَى قد طرقت ومرضعا … )
يَفْتَخِرُ بِالزِّنَا فِي شِعْرِهِ فَلَا يَتَضَرَّرُ بِأَنْ يُحْكَى ذَلِكَ عَنْهُ وَالْغِيبَةُ إِنَّمَا حُرِّمَتْ لِحَقِّ الْمُغْتَابِ الرَّابِعَةُ أَرْبَابُ الْبِدَعِ وَالتَّصَانِيفِ الْمُضِلَّةِ مِنَ الْكُتُبِ يَنْبَغِي أَنْ يُشَهَّرَ فِي النَّاسِ أَنَّهُمْ عَلَى غَيْرِ الصَّوَابِ تَنْفِيرًا عَنْ تِلْكَ الْمَفَاسِدِ وَهُوَ دَاخِلٌ فِي النَّصِيحَةِ غَيْرَ أَنَّ هَذَا الْقِسْمَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْمُشَاوَرَةِ الْخَامِسَةُ إِذَا كُنْتَ أَنْتَ وَالْمَقُولُ لَهُ الْغِيبَةُ قَدْ سَبَقَ لَكُمَا الْعِلْمُ بِالْمُغْتَابِ بِهِ فَإِنَّ ذِكْرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَحُطُّ مِنْ قَدْرِ الْمُغْتَابِ عِنْدَهُ وَسَأَلْتُ جَمَاعَةً مِنَ الْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ عَمَّا يرْوى من قَوْله ﷺ َ - لَا غِيبَةَ فِي فَاسِقٍ فَقَالُوا لَمْ
стр. 5194
يَصِحَّ وَلَا يُتَفَكَّهُ بِعِرْضِ الْفَاسِقِ وَفِي الْمُقَدِّمَاتِ ثَلَاثَةٌ لَا غِيبَةَ فِيهِمْ الْإِمَامُ الْجَائِرُ وَالْفَاسِقُ الْمُعْلِنُ وَصَاحِبُ الْبِدْعَةِ وَفِي الْمُنْتَقَى لَا غِيبَةَ فِي تَجْرِيحِ الرَّاوِي وَالشَّاهِدِ وَلَا الْمُتَحَيِّلِ عَلَى النَّاس ليصرف كَيده عَنْهُم وَلَا رَاجِعٌ لِمَا تَقَدَّمَ وَفِي الْمُقَدِّمَاتِ وَيَنْبَغِي لِأَهْلِ الْفَضْلِ حِفْظُ أَلْسِنَتِهِمْ مِمَّا لَا يَعْنِيهِمْ وَلَا يَتَكَلَّمُونَ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا إِلَّا فِيمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ لِأَنَّ فِي الْإِكْثَارِ مِنَ الْكَلَامِ السَّقْطَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - (مَنْ وَقَاهُ اللَّهُ شَرَّ اثْنَيْنِ وَلَجَ الْجَنَّةَ مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ) وَدَخَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَهُوَ يَجْبِذُ لِسَانَهُ فَقَالَ لَهُ مَهْ فَقَالَ إِنَّ هَذَا أَوْرَدَنِي الْمَوَارِدَ قَالَ مَالِكٌ ﵀ مَنْ عَدَّ كَلَامَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلَامُهُ إِلَّا فِيمَا يَعْنِيهِ وَقَالَ ﷺ َ - (مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ) وَعنهُ ﷺ َ -
(إِذَا أَصْبَحَ الْعَبْدُ أَصْبَحَتِ الْأَعْضَاءُ تَسْتَعِيذُ مِنْ شَرِّ اللِّسَانِ وَتَقُولُ اتَّقِ اللَّهَ فِينَا إِنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا وَإِنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا) نَقَلَهُ فِي الْمُنْتَقَى
(مَسْأَلَةٌ)
الْفَرْقُ بَيْنَ الْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَالْغَمْزِ وَاللَّمْزِ أَنَّ الْغِيبَةَ ذِكْرُ الْإِنْسَانِ بِمَا يَكْرَهُ لِمَا فِيهَا مِنْ مَفْسَدَةِ الْأَعْرَاضِ وَالنَّمِيمَةَ أَنْ يَنْقُلَ إِلَيْهِ عَنْ غَيْرِهِ أَنَّهُ يَتَعَرَّضُ لِأَذَاهُ لِمَا فِيهَا مِنْ مَفْسَدَةِ إِلْقَاءِ الْبَغْضَاءِ بَيْنَ النَّاسِ وَيُسْتَثْنَى مِنْهَا أَنَّ فُلَانًا يَقْصِدُ قَتْلَكَ فِي مَوْضِعِ كَذَا أَوْ يَأْخُذُ مَالَكَ فِي وَقْتِ كَذَا وَنَحْوُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنَ النَّصِيحَةِ الْوَاجِبَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْغِيبَةِ وَالْغَمْزَ أَنْ تَعِيبَ الْإِنْسَانَ بِحُضُورِهِ وَاللَّمْزَ بِغِيبَتِهِ وَقِيلَ بِالْعَكْسِ
(مَسْأَلَةٌ)
قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي جَامِعِ الْمُخْتَصَرِ قَالَ مَالِكٌ الْإِيمَانُ عَمَلٌ وَقَوْلٌ يَزِيدُ
стр. 5195
وَيَنْقُصُ وَعَنْهُ دَعِ الْكَلَامَ فِي نُقْصَانِهِ خَوْفًا مِنَ الذَّرِيعَةِ مِنْ قَوْلِ الْخَوَارِجِ بِإِحْبَاطِ الْإِيمَانِ بِالذُّنُوبِ تَنْبِيهٌ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ إِنَّمَا يُوصَفُ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ إِذَا فُسِّرَ بِعَمَلِ الْجَوَارِحِ أَمَّا اعْتِقَادُ الْقَلْبِ وَتَصْدِيقُهُ فَلَا لِأَنَّهُ إِنْ وُجِدَ فَقَدْ آمَنَ وَإِلَّا فَهُوَ كَافِرٌ وَالْحَقُّ أَنَّ الْجَمِيعَ قَابِلٌ لِلزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ أَمَّا الْأَعْمَالُ فَظَاهِرٌ وَأَمَّا مَا فِي الْقَلْبِ فَبِاعْتِبَارِ زَمَانِهِ وَمَكَانِهِ وَمُتَعَلِّقِهِ أَمَّا زَمَانُهُ فَلِأَنَّهُ عَرَضٌ لَا يَبْقَى زَمَانَيْنِ فَإِذَا طَالَ زَمَانُهُ وَعُدِمَ طَرَيَانُ الْغَفْلَةِ عَلَيْهِ فَقَدْ زَادَ وَإِلَّا نَقَصَ وَأَمَّا مَكَانُهُ فَلِأَنَّ النَّفْسَ ذَاتُ جَوَاهِرَ يُمْكِنُ أَنْ يَقُومَ بِجَوْهَرَيْنِ إِيمَانَانِ وَبِثَلَاثَةٍ فَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ وَيَكُونُ الْجَمِيعُ مُتَعَلِّقًا بِشَيْءٍ وَاحِدٍ فَإِنَّ اجْتِمَاعَ الْأَمْثَالِ فِي التَّعَلُّقِ دُونَ الْمَحَلِّ لَيْسَ مُحَالًا وَأَمَّا مُتَعَلِّقُهُ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ بَعْدَ إِيمَانِهِ الْمُعْتَبَرِ إِذَا تَجَدَّدَ لَهُ الْعِلْمُ بِآيَةٍ أَوْ خَبَرٍ أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى تَجَدَّدَ لَهُ بِهَا إِيمَانٌ
(مَسْأَلَةٌ)
قَالَ قِيلَ لِمَالِكٍ أَقُولُ أَنَا مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ مَحْمُودٌ أَوْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَقَالَ قُلْ مُؤْمِنٌ وَلَا تَجْعَلْ مَعَهَا غَيْرَهَا مَعْنَاهُ لَا تَقُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ وَهَذِهِ مَسْأَلَةُ خِلَافٍ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ قَالَ الْأَشْعَرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا يَجُوزُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْإِيمَانَ يَجِبُ فِيهِ الْجَزْمُ وَلَا جَزْمَ مَعَ التَّعْلِيقِ وَقَالَ غَيْرُهُمْ بَلْ يَجُوزُ لِأَحَدِ وُجُوهٍ إِمَّا أَنْ يُرِيدَ الْمُسْتَقْبَلَ وَهُوَ مَجْهُولٌ حُصُولُ الْإِيمَانِ فِيهِ أَوْ يُرِيدُ نَفْعَ الْإِيمَانِ الْحَاضِرِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَهُوَ مَجْهُولُ الْحُصُولِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لِلْجَهْلِ بِالْخَاتِمَةِ أَوْ يَكُونُ ذِكْرُ الِاسْتِثْنَاءِ لِلتَّبَرُّكِ لَا لِلتَّعْلِيقِ
(مَسْأَلَةٌ)
قَالَ رَجُلٌ لِمَالِكٍ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْش اسْتَوَى﴾ كَيْفَ اسْتَوَى قَالَ الِاسْتِوَاءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ وَالْكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ وَأُرَاكَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ أَخْرِجُوهُ قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ اللَّهُ تَعَالَى فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ دُونَ أَرْضِهِ وَإِنَّهُ فِي كُلِّ
стр. 5196
مَكَانٍ بِعِلْمِهِ وَقَالَ فِي الرِّسَالَةِ اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ الْمَجِيدِ بِذَاتِهِ وَهَذَا أَقْرَبُ لِلتَّأْوِيلِ مِنَ الْأَوَّلِ أَيْ بِغَيْرِ مُعِينٍ بَلْ بِذَاتِهِ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَغَيْرِهِ وَخَصَّ اللَّهُ تَعَالَى الْعَرْشَ بِالِاسْتِوَاءِ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ أَجْزَاءِ الْعَالَمِ فَيَبْقَى غَيْرُهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى فَقَالَ جَمَاعَةٌ عَنِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ وَعَنِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ إِنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ الْجِهَةَ لِأَجْلِ هَذِهِ الْإِطْلَاقَاتِ وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ هَذَا إِنَّمَا يَلْزَمُهُمْ إِذَا لم يصرحوا بِأَنَّهُ لَيْسَ كمثله شَيْء وَبِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ النُّصُوصِ النَّافِيَةِ لِلْجِهَةِ وَإِنَّمَا قَصْدُهُمْ إِجْرَاءُ النُّصُوصِ كَمَا جَاءَتْ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ وَيَقُولُونَ لَهَا مَعَانٍ لَا نُدْرِكُهَا وَيَقُولُونَ هَذَا اسْتِوَاءٌ لَا يُشْبِهُ الِاسْتِوَاءَاتِ كَمَا أَنَّ ذَاتَهُ لَا تُشْبِهُ الذَّوَاتِ فَكَذَلِكَ يَكُونُ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ دُونَ أَرْضِهِ فَوْقِيَّةٌ لَا تُشْبِهُ الْفَوْقِيَّاتِ وَهَذَا أَقْرَبُ لِمَنَاصِبِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْجِهَةِ وَمعنى قَول مَالك الاستواب غَيْرُ مَجْهُولٍ أَنَّ عُقُولَنَا دَالَّتُنَا عَلَى الِاسْتِوَاءِ اللَّائِقِ بِاللَّهِ وَجَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ وَهُوَ الِاسْتِيلَاءُ دُونَ الْجُلُوسِ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الْأَجْسَامِ وَقَوْلُهُ وَالْكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ مَعْنَاهُ أَنَّ ذَاتَ اللَّهِ تَعَالَى لَا تُوصَفُ بِمَا وَضَعَتِ الْعَرَب لَهُ كَيفَ وَهُوَ الْأَحْوَال المتنقلة والهيآت الْجَسِيمَةُ مِنَ التَّرَبُّعِ وَغَيْرِهِ فَلَا يُعْقَلُ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ تَعَالَى لِاسْتِحَالَتِهِ فِي جِهَةِ الرُّبُوبِيَّةِ وَقَوْلُهُ وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ مَعْنَاهُ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ فِي سِيرَةِ السَّلَفِ بِالسُّؤَالِ عَنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الْمُثِيرَةِ لِلْأَهْوَاءِ الْفَاسِدَةِ فَهُوَ بِدْعَةٌ وَرَأَيْتُ لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵁ جَوَابًا لِكَلَامٍ كَتَبَ بِهِ إِلَيْهِ مَالِكٌ إِنَّكَ تَتَحَدَّثُ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَإِنَّ السَّلَفَ لَمْ يَكُونُوا يَتَحَدَّثُونَ فِيهِ فَأَجَابَ بِأَنَّ السَّلَفَ ﵃ لَمْ تَكُنِ الْبِدَعُ ظَهَرَتْ فِي زَمَانِهِمْ فَكَانَ تَحْرِيكُ الْجَوَابِ عَنْهَا دَاعِيَةً لِإِظْهَارِهَا فَهُوَ سَعْيٌ فِي مُنْكَرٍ عَظِيمٍ فَلِذَلِكَ تُرِكَ قَالَ وَفِي زَمَانِنَا ظَهَرَتِ الْبِدَعُ فَلَوْ سَكَتْنَا كُنَّا مُقِرِّينَ لِلْبِدَعِ فَافْتَرَقَ الْحَالُ وَهَذَا جَوَابٌ سَدِيدٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبِدَعَ ظَهَرَتْ بِبِلَادِهِ بِالْعِرَاقِ وَمَالِكٌ لَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ بِبَلَدِهِ فَلِذَلِكَ أَنْكَرَ فَهَذَا وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ كَلَامِ الْإِمَامَيْنِ وَعَنِ الشَّافِعِيِّ ﵁ لَوْ وَجَدْتُ الْمُتَكَلِّمِينَ لَضَرَبْتُهُمْ بِالْحَدِيدِ قَالَ لِي بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ مُتَعَيِّنٌ فِيهِمْ يَوْمَئِذٍ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَ
стр. 5197
الشَّافِعِي تَحْرِيمُ الِاشْتِغَالِ بِأُصُولِ الدِّينِ قَلَتُ لَهُ لَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ الْمُتَكَلِّمِينَ الْيَوْمَ فِي عُرْفِنَا إِنَّمَا هُوَ الْأَشْعَرِيُّ وَأَصْحَابُهُ وَلَمْ يُدْرِكُوا الشَّافِعِيَّ وَلَا تِلْكَ الطَّبَقَةَ الْأُولَى إِنَّمَا كَانَ فِي زَمَانِ الشَّافِعِيِّ عمر بْنُ عَبِيدٍ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ الْمُبْتَدِعَةِ أَهْلِ الضَّلَالَةِ وَلَوْ وَجَدْنَاهُمْ نَحْنُ ضَرَبْنَاهُمْ بِالسَّيْفِ فَضْلًا عَنِ الْحَدِيدِ فَكَلَامُهُ ذَمٌّ لِأُولَئِكَ لَا لِأَصْحَابِنَا وَأَمَّا أَصْحَابُنَا الْقَائِمُونَ بِحُجَّةِ اللَّهِ وَالنَّاصِرُونَ لِدِينِ اللَّهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعَظَّمُوا وَلَا يُهْتَضَمُوا لِأَنَّهُمُ الْقَائِمُونَ بِفَرْضِ كِفَايَةٍ عَنِ الْأُمَّةِ فَقَدْ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ إِقَامَةَ الْحُجَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى فَرْضُ كِفَايَةٍ قَالَ لِي ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ يَكْفِي فِي ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ قُلْتُ لَهُ فَمَنْ لَا يَعْتَقِدُهُمَا كَيْفَ تُقَامُ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ بِهِمَا فَسكت تبيه قَالَ الْغَزَالِيُّ يُشْتَرَطُ فِي الطَّائِفَةِ الَّتِي تَقُومُ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ أَنْ يَكُونَ وَافِرَ الْعَقْلِ لِأَنَّهُ عِلْمٌ دَقِيقٌ وَأَنْ يَسْتَكْثِرَ مِنْهُ لِأَنَّهُ لَا أَكْفَرَ مِنْ نِصْفِ أُصُولِيٍّ وَأَنْ يَكُونَ دَيِّنًا فَإِنَّ قَلِيلَ الدِّينِ إِذَا وَقَعَتْ لَهُ الشُّبْهَةُ لَا يَطْلُبُ لَهَا جَوَابًا وَأَنْ يَكُونَ فَصِيحًا لِأَنَّ الْفَدْمَ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِي هَذَا الْبَابِ
(الْجِنْس الثَّالِثُ الْأَفْعَالُ)
وَهِيَ أَنْوَاعٌ النَّوْعُ الْأَوَّلُ أَفْعَالُ الْقُلُوبِ وَهِيَ مَأْمُورَاتٌ وَمَنْهِيَّاتٌ فَمِنَ الْمَأْمُورَاتِ الْإِخْلَاصُ وَالْيَقِين وَالتَّقوى وَالصَّبْر والرضى وَالْقَنَاعَةُ وَالزُّهْدُ وَالْوَرَعُ وَالتَّوَكُّلُ وَسَلَامَةُ الصَّدْرِ وَحُسْنُ النَّظَرِ وَسَخَاوَةُ النَّفْسِ وَرُؤْيَةُ الْمِنَّةِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ وَنَحْوُهَا مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ وَمِنَ الْمَنْهِيَّاتِ الْغِلُّ وَالْحِقْدُ وَالْحَسَدُ وَالْبَغْيُ وَالْغَضَبُ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْغِشُّ وَالْكِبْرُ وَالْعُجْبُ وَالرِّيَاءُ وَالسُّمْعَةُ وَالْبُخْلُ وَالْإِعْرَاضُ عَنِ الْحَقِّ اسْتِكْبَارًا وَالطَّمَعُ وَخَوْفُ الْفَقْرِ وَالسُّخْطُ بِالْقَضَاءِ وَالْبَطَرُ وَتَعْظِيمُ الْأَغْنِيَاءِ لِغِنَاهُمْ وَالِاسْتِهَانَةُ بِالْفُقَرَاءِ
стр. 5198
لِفَقْرِهِمْ وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ وَالتَّنَافُسُ فِي الدُّنْيَا وَالْمُبَاهَاةُ والتزين للمخلوقين والمداهنة وَحب الْمَدْح بِمَا لَا يَفْعَلْ وَالِاشْتِغَالُ بِعُيُوبِ الْخَلْقِ عَنْ عُيُوبِ النَّفْسِ وَنِسْيَانُ النِّعْمَةِ وَالرَّغْبَةُ وَالرَّهْبَةُ لِغَيْرِ اللَّهِ
(مَسْأَلَةٌ)
التَّقْوَى مِنَ الْوِقَايَةِ لِأَنَّ طَاعَةَ اللَّهِ تَقِي عَذَابه كاتقاء السهْم بالترس والتقي جمع تقاة اخْتلف الْعُلَمَاءُ فِي حَقِيقَتِهَا شَرْعًا فَقَالَ أَهْلُ الْحَقِّ هِيَ اجْتِنَابُ الْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ لِأَنَّ فِي الْجَمِيعِ عُقُوبَةً وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ هِيَ اجْتِنَابُ الْكَبَائِرِ فَقَطْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُم سيآتكم﴾ وَإِذَا كَانَتِ الْكَبَائِرُ يَقِينَا اجْتِنَابُهَا عَذَابَ الصَّغَائِرِ لَمْ يَكُنِ اجْتِنَابُ الصَّغِيرَةِ تَقْوَى لِأَنَّهُ لَا يَحْسُنُ فِيمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السِّهَامِ جِدَارٌ أَنْ يُقَالَ اتَّقَى السِّهَامَ بِتُرْسِهِ وَجَوَابُهُ أَنَّ الصَّغِيرَةَ فِيهَا التعزيز وَالذَّمُّ عَاجِلًا وَالْعُقُوبَةُ آجِلًا فَاجْتِنَابُ الْكَبِيرَةِ إِنَّمَا يقي الْعقُوبَة الآجلة وَبَقِي التعزيز وَالذَّمُّ فَيُدْفَعَانِ بِاجْتِنَابِ الصَّغِيرَةِ فَصَحَّ أَنَّ اجْتِنَابَهَا تَقْوَى شَرْعِيَّةٌ وَدَلَّ عَلَى هَذَا أَيْضًا قَوْلُهُ ﷺ َ -
(أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى وأَنْ تَذْكُرَ الْمَقَابِرَ وَالْبِلَا)
(مَسْأَلَةٌ)
لَيْسَ الزُّهْدُ عَدَمَ ذَاتِ الْيَدِ بَلْ عَدَمَ احْتِفَالِ الْقَلْبِ بِالدُّنْيَا وَإِنْ كَانَتْ فِي مِلْكِهِ فَقَدْ يَكُونُ الزَّاهِدُ مِنْ أَغْنَى النَّاسِ وَهُوَ زَاهِدٌ وَقَدْ يَكُونُ الشَّدِيدُ الْفَقْرِ غَيْرَ زَاهِدٍ بَلْ فِي غَايَةِ الْحِرْصِ بِحَسَبِ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ قَلْبُهُ مِنَ الرَّغْبَةِ فِي الدُّنْيَا وَالزُّهْدُ فِي الْمُحَرَّمَاتِ وَاجِبٌ وَفِي الْوَاجِبَاتِ حَرَامٌ وَفِي الْمَنْدُوبَاتِ مَكْرُوهٌ وَفِي الْمُبَاحَاتِ مَنْدُوبٌ وَإِنْ كَانَتْ مُبَاحَةً لِأَنَّ الْمَيْلَ إِلَيْهَا يُفْضِي لِارْتِكَابِ الْمَحْظُورِ أَوِ الْمَكْرُوهِ فَتَرْكُهَا مِنْ بَابِ الْوَسَائِلِ الْمَنْدُوبَةِ
стр. 5199
(مَسْأَلَةٌ)
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَوَّلِ الْعَصْرِ الَّذِي أَدْرَكته هَل يدْخل الزّهْد والروع فِي الْمُبَاحِ فَسَلَّمَهُ بَعْضُهُمْ وَمَنَعَهُ آخَرُونَ وَصَنَّفَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَأَكْثَرُوا التَّشْنِيعَ فَقَالَ الْأَنْبَارِيُّ ﵀ لَا يَدْخُلُ الْوَرَعُ فِيهَا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَوَّى بَيْنَ طَرَفَيْهَا وَالْوَرَعُ مَنْدُوبٌ وَالنَّدْبُ مَعَ التَّسْوِيَةِ مُتَعَذِّرٌ وَعَمِلَ فِي ذَلِكَ مُجَلَّدًا وَقَالَ بَهَاءُ الدِّينِ بْنُ الْحِمْيَرِيِّ وَغَيْرُهُ بَلْ تَدْخُلُ وَمَا زَالَ السَّلَفُ الصَّالِحُ عَلَى الزُّهْدِ فِي الْمُبَاحَاتِ وَنَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿أَذهَبْتُم طَيِّبَاتكُمْ فِي حَيَاتكُم الدُّنْيَا﴾ وَغَيْرُهُ مِنَ النُّصُوصِ وَالْكُلُّ عَلَى الصَّوَابِ وَطَرِيقُ الْجَمْعِ أَنَّ الْمُبَاحَ لَا زُهْدَ فِيهِ وَلَا وَرَعَ مِنْ حَيْثُ ذَاتِهِ وَهُمَا فِيهِ مِنْ حَيْثُ أَنَّ الِاسْتِكْثَارَ مِنَ الْمُبَاحِ يُخْرِجُ إِلَى كَثْرَةِ الِاكْتِسَابِ الْمُوقِعِ فِي الشُّبُهَاتِ وَبَطَرِ النُّفُوسِ لقَوْله تَعَالَى ﴿إِن الْإِنْسَان ليطْغى أَن رَآهُ اسْتغنى﴾ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا الْمُبَاحُ وَسِيلَةٌ لَهُ فَهُوَ مَزْهُودٌ فِيهِ بِالْعَرَضِ لَا بِالذَّاتِ قَالَ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ الزُّهْدُ غير الْوَرَعُ فَالزُّهْدُ فِي الْحَلَالِ لَا فِي الْحَرَامِ وَحِفْظُ الْمَالِ خَوْفَ الْمَسْأَلَةِ مَأْمُورٌ بِهِ
(مَسْأَلَةٌ)
الْوَرَعُ هُوَ تَرْكُ مَا لَا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا مِمَّا بِهِ الْبَأْس وَأَصله قَوْله ﷺ َ - (الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا شُبُهَاتٌ فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ) وَهُوَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ وَمِنْهُ الْخُرُوجُ عَنْ خِلَافِ الْعُلَمَاءِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ فَإِنِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي فِعْلٍ هُوَ مُبَاحٌ أَمْ حَرَامٌ فَالْوَرَعُ التَّرْكُ أَوْ مُبَاحٌ أَوْ وَاجِبٌ فَالْوَرَعُ الْفِعْلُ مَعَ اعْتِقَادِ الْوُجُوبِ أَوْ مَنْدُوبٌ أَوْ حَرَامٌ فَالْوَرَعُ
стр. 5200
التَّرْكُ أَوْ مَكْرُوهٌ أَوْ وَاجِبٌ فَالْوَرَعُ الْفِعْلُ أم مَشْرُوعٌ أَوْ غَيْرُ مَشْرُوعٍ فَالْوَرَعُ الْفِعْلُ لِأَنَّ الْمُثبت للشرعية مقدم كالبنية الْمُثْبِتَةِ كَاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي شَرْعِيَّةِ الْفَاتِحَةِ فِي صَلَاة الْجِنَازَة فمالك يَقُول لَيْسَ بِمَشْرُوعَةٍ وَالشَّافِعِيُّ يَقُولُ مَشْرُوعَةٌ وَاجِبَةٌ فَالْوَرَعُ الْقِرَاءَةُ وَكَالْبَسْمَلَةِ قَالَ مَالِكٌ مَكْرُوهَةٌ فِي الصَّلَاةِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَاجِبَةٌ فَالْوَرَعُ أَنْ تُقْرَأَ وَعَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ وَهَذَا مَعَ تَقَارُبِ أَدِلَّةِ الْمُخْتَلِفِينَ أَمَّا إِذَا كَانَ أَحَدُ الدَّلِيلَيْنِ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ بِحَيْثُ لَوْ حَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ لَنَقَضْنَاهُ لَمْ يَحْسُنِ الْوَرَعُ فِي مِثْلِ مَا لَو كَانَ دَلِيله فِيمَا تدخله قضايا الْحُكَّام وَلَا يُنْقَضُ وَأَمَّا إِذَا اخْتَلَفُوا بِالْوُجُوبِ وَالتَّحْرِيمِ فَلَا وَرَعَ أَوِ النَّدْبِ وَالْكَرَاهَةِ فَلَا وَرَعَ لِتَسَاوِي الْإِقْدَامِ وَالْإِحْجَامِ تَنْبِيهٌ كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْمَالِكِيَّ يَعْتَقِدُ بُطْلَانَ صَلَاةِ الشَّافِعِيِّ إِذا لم يتدلك فِي غسله أَو يسمح جَمِيعَ رَأْسِهِ وَنَحْوَهُ وَأَنَّ الشَّافِعِيَّ يَعْتَقِدُ بُطْلَانَ صَلَاةِ الْمَالِكِيِّ إِذَا لَمْ يُبَسْمِلْ وَأَنَّ الْوَرَعَ صَوْنُ الْعِبَادَةِ وَنَحْوِهَا عَنِ الْبُطْلَانِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَلَيْسَ الْوَرَعُ لِتَحْصِيلِ صِحَّةِ الْعِبَادَةِ بَلْ هِيَ حَاصِلَةٌ إِجْمَاعًا وَأَجْمَعَ كُلُّ فَرِيقٍ مَعَ خَصْمِهِ عَلَى صِحَّةِ تَصَرُّفَاتِهِ وَعِبَادَاتِهِ الْوَاقِعَةِ عَلَى وَجْهِ التَّقْلِيدِ الْمُعْتَبَرِ وَإِنَّمَا الْوَرَعُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ لَيْسَ إِلَّا فَافْهَمْ ذَلِكَ وَنَصَّ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ مِنَ الْوَرَعِ مُعَامَلَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ دُونَ الْمُسْلِمِينَ مُعَلِّلًا ذَلِكَ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُمْ لَيْسُوا مُخَاطَبِينَ بِالْفُرُوعِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فَلَا تَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الْمَكَاسِبُ وَالْعُقُودُ الْفَاسِدَةُ بِخِلَافِ الْمُسْلِمِينَ وَثَانِيهِمَا أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا أَسْلَمَ لم يجب عَلَيْهِ رد الغضوب إِذَا كَانَ حَرْبِيًّا وَلَا رَدُّ الرِّبَا إِذَا كَانَ ذِمِّيًّا وَلَوْ تَابَ الْمُسْلِمُ وَجَبَ عَلَيْهِ رد جَمِيع ذَلِك لمَكَان التَّحْرِيمُ فِي حَقِّهِ أَغْلَظَ
(مَسْأَلَةٌ)
التَّوَكُّلُ هُوَ اعْتِمَادُ الْقَلْبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا يَجْلِبُهُ مِنْ خَيْرٍ أَوْ يَدْفَعُهُ مِنْ ضُرٍّ
стр. 5201
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ مِنْ شَرْطِهِ تَرْكُ الْأَسْبَابِ فَنَحَا إِلَيْهِ الْغَزَالِيُّ فِي إِحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ وَغَيْرِهِ وَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ بَلِ الْأَحْسَنُ مُلَابَسَةُ الْأَسْبَابِ لِلْمَنْقُولِ وَالْمَعْقُولِ أَمَّا الْمَنْقُولُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمن رِبَاط الْخَيل﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عدوا﴾ وَأَمَرَ تَعَالَى بِمُلَابَسَةِ أَسْبَابِ الِاحْتِيَاطِ وَالْحَذَرِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ وَرَسُولُهُ ﷺ َ - سَيِّدُ الْمُتَوَكِّلِينَ وَكَانَ يَطُوفُ عَلَى الْقَبَائِلِ وَيَقُولُ مَنْ يَعْصِمُنِي حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالَاتِ رَبِّي وَكَانَ لَهُ جَمَاعَةٌ يَحْرُسُونَهُ مِنَ الْعَدُوِّ حَتَّى نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالله يَعْصِمك من النَّاس﴾ وَدَخَلَ مَكَّةَ مُظَاهِرًا بَيْنَ دِرْعَيْنِ فِي كَتِيبَتِهِ الْخَضْرَاءِ مِنَ الْحَدِيدِ وَكَانَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ وَأَكْمَلِ أَحْوَالِهِ يَدَّخِرُ قُوتَ عِيَالِهِ سَنَةً وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَهُوَ أَنَّ الْمَلِكَ الْعَظِيمَ إِذَا كَانَتْ لَهُ عَوَائِدُ فِي أَيَّامٍ لَا يُحْسِنُ إِلَّا فِيهَا أَوْ أَبْوَابٌ لَا يَخْرُجُ إِلَّا مِنْهَا أَوْ أَمْكِنَةٌ لَا يُوَقِّعُ إِلَّا فِيهَا فَالْأَدَبُ مَعَهُ أَنْ لَا يُطْلَبَ مِنْهُ فِعْلٌ إِلَّا حَيْثُ عَوَّدَهُ وَأَنْ لَا يُخَالِفَ عَوَائِدَهُ بَلْ يجْرِي عَلَيْهَا وَالله مَالك الْمُلُوكِ وَأَعْظَمُ الْعُظَمَاءِ بَلْ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ رَتَّبَ مُلْكَهُ عَلَى عَوَائِدَ أَرَادَهَا وَأَسْبَابٍ قَدَّرَهَا وَرَبَطَ بِهَا آثَارَ قُدْرَتِهِ وَلَوْ شَاءَ لَمْ يَرْبِطْهَا فَجَعَلَ الرِّيَّ بِالشُّرْبِ وَالشِّبَعَ بِالْأَكْلِ وَالِاحْتِرَاقَ بِالنَّارِ وَالْحَيَاةَ بِالتَّنَفُّسِ فِي الْهَوَاءِ فَمَنْ رَامَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى تَحْصِيلَ هَذِهِ الْآثَارِ بِدُونِ أَسْبَابِهَا فَقَدْ أَسَاءَ الْأَدَبَ بَلْ يَلْتَمِسُ فَضْلَ اللَّهِ تَعَالَى فِي عَوَائِدِهِ وَقَدِ انْقَسَمَتِ الْخَلَائِقُ فِي هَذَا الْمَقَامِ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ قِسْمٌ عَامَلُوا الله تَعَالَى
стр. 5202
بِاعْتِمَادِ قُلُوبِهِمْ عَلَى قُدْرَتِهِ مَعَ إِهْمَالِ الْأَسْبَابِ وَالْعَوَائِدِ فَلَجُّوا فِي الْبِحَارِ فِي زَمَنِ الْهَوْلِ وَسَلَكُوا الْقِفَارَ الْعَظِيمَةَ الْمُهْلِكَةَ بِغَيْرِ زَادٍ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ جِنْسِ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ فَهَؤُلَاءِ فَاتَهُمُ الْأَدَبُ وَهُمْ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُبَّادِ وَقِسْمٌ لَاحَظُوا الْأَسْبَابَ وَأَعْرَضُوا عَنِ التَّوَكُّلِ وَهُمْ عَامَّةُ الْخَلْقِ وَهُمْ شَرُّ الْأَقْسَامِ وَرُبَّمَا وَصَلُوا بِذَلِكَ لِلْكُفْرِ وَقِسْمٌ اعْتَمَدَتْ قُلُوبُهُمْ عَلَى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَطَلَبُوا فَضْلَهُ فِي عَوَائِدِهِ مُلَاحِظِينَ فِي تِلْكَ الْأَسْبَابِ مُسَبِّبَهَا وَمُيَسِّرَهَا فَجَمَعُوا بَيْنَ التَّوَكُّلِ وَالْأَدَبِ وَهَؤُلَاءِ هُمُ النَّبِيُّونَ وَالصِّدِّيقُونَ وَخَاصَّةُ عِبَادِ اللَّهِ الْعُلَمَاءُ بِاللَّهِ وَالْعَارِفُونَ بِمُعَامَلَتِهِ جَعَلَنَا اللَّهُ مِنْهُمْ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ
(مَسْأَلَةٌ)
حُسْنُ الْخُلُقِ هُوَ الِاتِّصَافُ بِمَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ أَوِ التَّسَبُّبُ إِلَيْهَا وَسُوءُ الْخُلُقِ هُوَ ارْتِكَابُ مَنَاهِي الشَّرِيعَةِ أَوِ التَّوَسُّلُ إِلَيْهَا وَتَحْتَ هَذِهِ الْجُمْلَةِ أُمُورٌ لَا يُحْصِيهَا الضَّبْطُ قَالَ ابْنُ يُونُسَ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَوِ الْأَمِيرِ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ شَأْنِهِ حُبُّ الْمَدْحِ وَأَنْ يَعْرِفَ النَّاسُ مِنْهُ ذَلِكَ فَيَقْتَحِمُونَ عَلَيْهِ مِنْهُ فَيَضْحَكُونَ مِنْهُ بِهِ وَيَغْتَابُونَهُ بِهِ بَلْ تَكُونُ هِمَّتُهُ فِي ثَلَاثِ خِصَالٍ فِي رضى ربه ورضى سُلْطَانِهِ إِنْ كَانَ فَوْقَ الْأَمِيرِ أَوِ الْقَاضِي سُلْطَان وَرَضي صَالِحِ مَنْ يَلِي عَلَيْهِ وَكَانَ الشَّافِعِيُّ ﵁ يَقُولُ لَمَّا رَأَيْتُ النَّاسَ لَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى حَالَةٍ أَخَذْتُ لِنَفْسِي بِالَّذِي أَوْلَى بهَا ونظم هَذَا الْمَعْنى الشَّيْخ الْحَافِظ زيد الدّين ابْن عَبْدِ الْعَظِيمِ الْمُحَدِّثُ فِي مَدْرَسَةِ الْكَامِلِ
(اعْمَلْ لِنَفْسِكَ صَالِحًا لَا تَحْتَفِلْ … بِكَبِيرِ قِيلٍ فِي الْأَنَامِ وَقَالِ)
(فَالنَّاسُ لَا يُرْجَى اجْتِمَاعُ قُلُوبِهِمْ … لَا بُدَّ مِنْ مُثْنٍ عَلَيْكَ وَقَالِ)
(مَسْأَلَةٌ)
الْحَسَدُ تَمَنِّي الْقَلْبِ زَوَالَ النِّعْمَةِ عَنِ الْمَحْسُودِ وَاتِّصَالَهَا بِكَ وَهُوَ أَخَفُّ الْحَسَدَيْنِ وَشَرُّهُمَا تَمَنِّي زَوَالِهَا وَإِنْ لَمْ تَصِلْ إِلَيْكَ وَأَصْلُ تَحْرِيمِهِ الْكتاب
стр. 5203
وَالسُّنَةُ وَالْإِجْمَاعُ فَالْكِتَابُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِد﴾ ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ من فَضله﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَلَا تمنوا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ وَالسّنة قَوْله ﷺ َ - (لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا) وَأَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى تَحْرِيمِهِ وَالْفرق بَينه وَبني الْغِبْطَةِ تَمَنِّي مِثْلِ مَا لِغَيْرِكَ لَا عَيْنِ مَا لِغَيْرِكَ وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنْهَا بِالْحَسَدِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْمُشَابَهَةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - (لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ) أَيْ لَا غِبْطَةَ إِلَّا فِي هَاتَيْنِ عَلَى وَجْهِ الْمُبَالَغَةِ وَهِيَ أَوَّلُ مَعْصِيَةٍ عُصِيَ اللَّهُ بِهَا فِي الْأَرْضِ حَسَدَ إِبْلِيسُ آدَمَ
(مَسْأَلَةٌ)
الْكِبْرُ لِلَّهِ عَلَى أَعْدَائِهِ حَسَنٌ وَعَلَى عِبَادِهِ احْتِقَارًا لَهُمْ حَرَامٌ وَكَبِيرَةٌ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ -
(لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنَ الْكِبْرِ) فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَحَدَنَا يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً فَقَالَ (إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجمال وَلَكِن الْكبر بطر الْحق وغمض النَّاسِ) قَالَ الْعُلَمَاءُ بَطَرُ الْحَقِّ رَدُّهُ عَلَى قَائِله وغمض النَّاس احتقارهم وَقَوله ﷺ َ - (لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ وَعِيدٌ عَظِيمٌ يَقْتَضِي أَنَّ الْكِبْرَ مِنَ الْكَبَائِرِ) وَعَدَمُ دُخُولِهِ الْجَنَّةَ مُطْلَقًا عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ لِأَنَّ صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ عِنْدَهُمْ مُخَلَّدٌ وَعِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ لَا يَدْخُلُ فِي وَقْتٍ يَدْخُلُهَا غَيْرُ الْمُتَكَبِّرِينَ أَيْ فِي الْمَبْدَأِ وَالنَّفْيُ الْعَامُّ قَدْ يُرَادُ بِهِ الْخَاصُّ إِذَا اقْتَضَتْهُ النُّصُوص
стр. 5204
وَالْقَوَاعِدُ وَالْكِبْرُ مِنْ أَعْظَمِ ذُنُوبِ الْقَلْبِ نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ حَتَّى قَالَ بَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ كُلُّ ذُنُوبِ الْقَلْبِ يَكُونُ مَعَهُ الْفَتْحُ إِلَّا الْكِبْرَ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعُجْبِ أَنَّ الْعُجْبَ رُؤْيَتُهُ لِلْعِبَادَةِ وَالْكِبْرَ رَاجِعٌ لِلْخُلُقِ
(مَسْأَلَةٌ)
الرِّيَاءُ هُوَ إِيقَاعُ الْقُرْبَةِ يَقْصِدُ بِهَا النَّاسَ فَلَا رِيَاءَ فِي غَيْرِ قُرْبَةٍ كَالتَّجَمُّلِ بِاللِّبَاسِ وَنَحْوِهِ لَا رِيَاء فِيهِ وَإِرَادَة غير النَّاس بالقربة لَيْسَ رِيَاءً كَمَنْ حَجَّ لِيَتَّجِرَ أَوْ غَزَا لِيَغْنَمَ لَا يُفْسِدُ بِذَلِكَ قُرْبَتَهُ وَالرِّيَاءُ قِسْمَانِ رِيَاءُ إِخْلَاصٍ وَهُوَ أَنْ لَا يَفْعَلَ الْقُرْبَةَ إِلَّا لِلنَّاسِ وَرِيَاءُ شِرْكٍ وَهُوَ أَنْ يَفْعَلَهَا لِلَّهِ تَعَالَى وَلِلنَّاسِ وَهُوَ أَخَفُّهُمَا وَهُوَ مُحَرَّمٌ بِالْإِجْمَاع وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الَّذين هم يراؤن وَيمْنَعُونَ الماعون﴾ وَمَتَى شَمِلَ الرِّيَاءُ الْعِبَادَةَ بَطَلَتْ إِجْمَاعًا لقَوْله ﷺ َ - حِكَايَةً عَنِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ فَمَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشَرَكَ فِيهِ غَيْرِي تَرَكْتُهُ لِلشَّرِيكِ فَإِنْ شَمِلَ بَعْضَ الْعِبَادَةِ وَهِيَ مِمَّا يَتَوَقَّفُ آخِرُهَا عَلَى أَوَّلِهَا كَالصَّلَاةِ فَقَدْ وَقَعَ لِلْعُلَمَاءِ فِي صِحَّتِهَا تَرَدُّدٌ حَكَاهُ المحاسبي فِي الرِّعَايَة وَالْغَزالِيّ فِي الإحباء وَمَتَى عَرَضَ الرِّيَاءُ فِي الْعِبَادَةِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهَا أَمر بِدفع الرقاء وَعَمَلِ الْعِبَادَةِ فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ وَلَصِقَ الرِّيَاءُ بِصَدْرِهِ فَإِنْ كَانَتِ الْقُرْبَةُ مَنْدُوبَةً تَعَيَّنَ التَّرْكُ لِتَقَدُّمِ الْمُحَرَّمِ عَلَى الْمَنْدُوبِ أَوْ وَاجِبَةً أُمِرَ بِمُجَاهَدَةِ النَّفْسِ إِذْ لَا سَبِيلَ لِتَرْكِ الْوَاجِبِ وَأَغْرَاضُ الرِّيَاءِ ثَلَاثَةٌ اسْتِجْلَابُ الْخُيُورِ وَدَرْءُ الشُّرُورِ وَالتَّعْظِيمُ مِنَ الْخَلْقِ وَبَسْطُ هَذَا الْبَابِ وَمُدَاوَاتُهُ إِذَا عَرَضَ مَبْسُوطٌ فِي كِتَابِ الرَّقَائِقِ وَمِمَّا يَلْحَقُ بِالرِّيَاءِ تَرْكُ الْعَمَلِ خَشْيَةَ الرِّيَاءِ فَإِنَّ الْعَبْدَ مَأْمُورٌ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَتَرْكِ الْمُفْسِدَاتِ لَا بِتَرْكِ الْعَمَلِ لِأَجَلِ الْمُفْسِدَاتِ
стр. 5205
(فَرْعٌ)
قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ قِيلَ لِمَالِكٍ الْمُصَلِّي لِلَّهِ يَقَعُ فِي نَفْسِهِ مَحَبَّةُ عِلْمِ النَّاسِ بِهِ وَأَنْ يَكُونَ فِي طَرِيقِ الْمَسْجِدِ قَالَ إِنْ كَانَ أَوَّلُ ذَلِكَ لِلَّهِ فَلَا بَأْسَ قُلْتُ كَوْنُ الْعَبْدِ يُحِبُّ أَنْ يُعَظِّمَهُ النَّاسُ غَيْرُ الْعَمَلِ لِهَذَا الْغَرَضِ الْأَوَّلُ جِبِلِّيٌّ وَالثَّانِي كسبي وتحويل الطَّاعَة عَن موضوعها
(فَرْعٌ)
التَّسْمِيعُ حَرَامٌ وَهُوَ غَيْرُ الرِّيَاءِ لِأَنَّهُ إِنْ عَمِلَ الْعَمَلَ خَالِصًا ثُمَّ يُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ لِغَرَضِ الرِّيَاءِ مِنَ التَّعْظِيمِ وَغَيْرِهِ فَهُوَ بَعْدَ الْعَمَلِ وَالرِّيَاءُ مُقَارِنٌ وَفِي الْخَبَرِ مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهِ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَيْ يُنَادِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هَذَا فُلَانٌ عَمِلَ لِي عَمَلًا ثُمَّ أَرَادَ بِهِ غَيْرِي
(مَسْأَلَةٌ)
السُّخْطُ بِالْقَضَاءِ حَرَامٌ إِجْمَاعًا قَالَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ وَغَيره السخط بالمقدر وَهِي عبارَة رَدِيئَة قَالَ الْمُحَقِّقُونَ يجب الرضى بِالْقَضَاءِ دُونَ الْمَقْضِيِّ وَبِالْقَدَرِ دُونَ الْمَقْدُورِ وَتَحْرِيرُهُ أَنَّ الطَّبِيبَ إِذَا وَصَفَ لِلْعَلِيلِ دَوَاءً مُرًّا أَوْ قَطَعَ يَدَهُ الْمُتَآكِلَةَ فَإِنْ قَالَ بِئْسَ مَا وَصَفَ الطَّبِيبُ فَهُوَ بُغْضٌ وَسُخْطٌ بِقَضَاءِ الطَّبِيبِ وَإِنْ قَالَ نِعْمَ مَا صَنَعَ غَيْرَ أَنِّي وَجَدْتُ لِلْقَطْعِ وَمَرَارَةِ الدَّوَاءِ أَلَمًا كَثِيرًا فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ قَدْحًا فِي الطَّبِيبِ بَلِ الْأَوَّلُ قَدْحٌ فِيهِ وَطَعْنٌ عَلَيْهِ فَعَلَى هَذَا إِذَا ابْتُلِيَ الْإِنْسَانُ بِمَرَضٍ فَتَأَلَّمَ مِنَ الْمَرَضِ بِمُقْتَضى طبعه فَهَذَا لَيْسَ عدم رضى بِالْقضَاءِ بل عدم رضى بِالْمَقْضِيِّ وَإِنْ قَالَ أَيُّ شَيْءٍ عَمِلْتُ حَتَّى أَصَابَنِي هَذَا وَمَا ذَنْبِي وَمَا كُنْتُ أَسْتَأْهِلُهُ فَهَذَا عدم رضى بِالْقَضَاءِ لَا بِالْمَقْضِيِّ فَتَأَمَّلْ هَذَا فَهُوَ حَسَنٌ تَنْبِيهٌ كُلُّ مُؤْلِمٍ لِلْمُؤْمِنِ كَفَّارَةٌ لَهُ لِقَوْلِهِ ﷺ َ -
(لَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ وَصَبٌ
стр. 5206
وَلَا نَصَبٌ حَتَّى الشَّوْكَةِ يَطَؤُهَا إِلَّا كُفِّرَ الله بِهَا مِنْ ذُنُوبِهِ) وَالسُّخْطُ مَعْصِيَةٌ وَالصَّبْرُ قُرْبَةٌ وَعَمَلٌ صَالِحٌ فَإِذَا تَسَخَّطَ حَصَلَتْ سَيِّئَةٌ قَدْرَ الَّتِي كفر بهَا الْمُصِيبَة أَو أقل وَأعظم بِحَسَبِ كَثِيرِ السُّخْطِ وَقَلِيلِهِ وَعِظَمِ الْمُصِيبَةِ وَصِغَرِهَا فَإِنَّ التَّكْفِيرَ تَابِعٌ لِذَلِكَ فَالتَّكْفِيرُ وَاقِعٌ قَطْعًا سَخِطَ أَوْ صَبَرَ غَيْرَ أَنَّهُ إِنْ صَبَرَ اجْتَمَعَ التَّكْفِيرُ وَالْأَجْرُ وَإِنْ سَخِطَ قَدْ يَعُودُ الْمُكَفَّرُ بِمَا جَنَاهُ ثَانِيًا بِالتَّسَخُّطِ أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ أَوْ أَكْثَرَ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ مِنْ تَرْتِيبِ الْمَثُوبَاتِ عَلَى الْمَصَائِبِ أَيْ إِذَا صَبَرَ وَإِلَّا فَالْمُصِيبَةُ لَا ثَوَابَ فِيهَا قَطْعًا مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا مُصِيبَةٌ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ كَسْبِهِ وَلَا ثَوَابَ إِلَّا فِي مُكْتَسَبٍ وَالتَّكْفِيرُ يَكُونُ بِغَيْرِ الْمُكْتَسَبِ كَالْعَذَابِ وَسَائِرِ الْعُقُوبَاتِ
(مَسْأَلَةٌ)
الْمُدَاهَنَةُ قَدْ تَكُونُ مُبَاحَةً أَوْ وَاجِبَةً كَمَا قَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ ﵁ إِنَّا لَنَكْشِرُ فِي وُجُوهِ أَقْوَامٍ وَإِنَّ قُلُوبَنَا لَتَلْعَنُهُمْ فَيَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَ مَعَ الْفَاسِقِ مِنَ الْوِدَادِ ظَاهِرًا مَا يَعْتَقِدُ خِلَافَهُ وَإِنَّمَا يَحْرُمُ مِنَ الْمُدَاهَنَةِ مَا كَانَ عَلَى بَاطِلٍ وَأَمَّا لِأَجْلِ التَّقِيَّةِ وَالتَّوَدُّدِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ بِكَلَامِ صِدْقٍ بِأَنْ يَشْكُرَهُ بِمَا فِيهِ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ مَا مِنْ أَحَدٍ وَإِنْ كَثُرَ فُجُورُهُ وَفُحْشُهُ إِلَّا وَفِيهِ خَيْرٌ
(مَسْأَلَةٌ)
الرَّغْبَةٌ وَالرَّهْبَةُ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى إِنْ أُرِيدَ بِهَا خَوْفُ الظُّلْمَةِ أَوِ السِّبَاعِ أَوِ الْغَلَاءِ أَوِ الْأَمْرَاضِ إِنْ سَلَّطَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْضَ ذَلِكَ فَهَذَا لَا يُنْهَى عَنْهُ وَقَدْ يُؤْمَرُ بِهِ كَمَا أُمِرْنَا أَنْ لَا نَقْدَمَ عَلَى الْوَبَاءِ وَأَنْ نَفِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَنَا مِنَ الْأَسَدِ وَإِنْ أُرِيدَ بِهَا أَنَّا نَخَافُ الْأَسْبَابَ وَالْخَلْقَ مِنْ حَيْثُ هُمْ هُمْ بِحَيْثُ نَعْصِي اللَّهَ تَعَالَى لِأَجْلِهِمْ فَهَذَا حَرَامٌ وَهُوَ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كعذاب الله﴾ قَالَ أَرْبَابُ الْمَعَانِي فِتْنَةُ النَّاسِ مُؤْلِمَةٌ وَعَذَابُ الله كَذَلِك
стр. 5207
فَالشَّبَهُ وَاقِعٌ فَلِمَ أُنْكِرَ التَّشْبِيهُ وَأَجَابُوا بِأَنَّ عَذَابَ اللَّهِ تَعَالَى حَاثٌّ عَلَى طَاعَتِهِ وَمَانِعٌ مِنْ مُخَالَفَتِهِ هَذَا وَضْعُهُ فَمَنْ أُوذِيَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ أَيْ بِسَبَبِهَا فَجَعَلَ ذَلِكَ حَاثًّا عَلَى طَاعَةِ الْخَلْقِ فِي مُوَافَقَتِهِمْ عَلَى تَرْكِ الطَّاعَةِ وَمُلَابَسَةِ الْمَعْصِيَةِ فَهَذَا جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ فَاسْتَحَقَّ الذَّمَّ فِي إِيقَاعِ الشَّبَهِ بَيْنَهُمَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ
(مَسْأَلَةٌ)
التَّطَيُّرُ وَالطِّيَرَةُ حرَام لما فِي الحَدِيث أَنه ﷺ َ - كَانَ يُحِبُّ الْفَألَ وَيَكْرَهُ الطِّيَرَةَ وَلِأَنَّهَا مِنْ بَابِ سُوءِ الظَّنِّ بِاللَّهِ تَعَالَى وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَن التطير هُوَ الظَّن السيىء بِاللَّهِ وَالطِّيَرَةَ هُوَ الْفِعْلُ الْمُرَتَّبُ عَلَيْهِ وَلَا يَكَادُ الْمُتَطَيِّرُ يَسْلَمُ مِمَّا تَطَيَّرَ مِنْهُ إِذَا فَعَلَهُ وَغَيْرُهُ لَا يَتَأَذَّى بِهِ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فَقَالَ الْمُتَطَيِّرُ اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ يَضُرُّهُ فَضَرَّهُ عُقُوبَةً لَهُ عَلَى سُوءِ الظَّن وَغير المتطير لم يسيء ظَنّه بِاللَّه فَلم يواخذه وأصل ذَلِك قوه ﷺ َ - حِكَايَةً عَنِ اللَّهِ
(أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ) وَفِي رِوَايَةٍ فَلْيَظُنَّ بِي خَيْرًا ثُمَّ هَذَا الْمَقَامُ يَحْتَاجُ إِلَى تَحْقِيقٍ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَوْ خَافَ الْهَلَاكَ عِنْدَ مُلَاقَاةِ السَّبُعِ لَمْ يَحْرُمْ إِجْمَاعًا فَيَتَعَيَّنُ أَنَّ الْأَشْيَاءَ فِي الْعَالَمِ قِسْمَانِ مَا جَرَتِ الْعَادة بِأَن مُؤْذٍ كَالسُّمُومِ وَالسِّبَاعِ وَمُعَادَاةِ النَّاسِ وَالتُّخُمِ وَأَكْلِ الأغذية الثَّقِيلَة المنفخة عِنْد سيىء الْهَضْمِ وَنَحْوِهَا فَالْخَوْفُ فِي هَذَا الْقِسْمِ لَيْسَ حَرَامًا لِأَنَّهُ خَوْفٌ عِنْدَ سَبَبٍ مُحَقَّقٍ فِي مَجَارِي الْعَادَاتِ قَالَ صَاحِبُ الْقَبَسِ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ لَا عَدْوَى مَحْمُولٌ عَلَى بَعْضِ الْأَمْرَاضِ بِدَلِيلِ الْوَبَاءِ وَقِسْمٌ لَمْ تَطَّرِدِ الْعَادَةُ بِأَذِيَّتِهِ كَالشَّقِّ وَالْعُبُورِ بَيْنَ الْغَنَمِ وَشِرَاءِ الصَّابُونِ يَوْمَ السَّبْتِ وَنَحْوِهَا فَهَذَا حَرَامٌ الْخَوْفُ مِنْهُ لِأَنَّهُ سُوءُ ظَنٍّ بِاللَّهِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ وَمِنَ الْأَشْيَاءِ مَا هُوَ قَرِيبٌ مَنْ أَحَدِ الْقِسْمَيْنِ وَلم تتمخض كَالْعَدْوَى فِي بَعْضِ الْأَمْرَاضِ وَنَحْوِهَا فَالْوَرَعُ تَرْكُ الْخَوْفِ حَذَرًا مِنَ الطِّيَرَةِ وَمِنْ ذَلِكَ الشُّؤْمُ
стр. 5208
الْوَارِد فِي الْأَحَادِيثِ فَفِي الصِّحَاحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - قَالَ (الشُّؤْمُ فِي الدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ) وَفِي بَعْضِهَا إِنْ كَانَ فَفِي الدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ قَالَ صَاحِبُ الْمُنْتَقَى يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِنْ كَانَ النَّاسُ يَعْتَقِدُونَ الشُّؤْمَ فَإِنَّمَا يَعْتَقِدُونَهُ فِي هَذِهِ الثَّلَاثِ أَوْ إِنْ كَانَ مَعْنَاهُ وَاقِعًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَفِي هَذِهِ الثَّلَاثِ وَقِيلَ أَخْبَرَ بِذَلِكَ مُجْمَلًا أَوَّلًا ثُمَّ أَخْبَرَ بِهِ وَاقِعًا فِي الثَّلَاثِ فَلِذَلِكَ أُحِلَّ ثُمَّ حُرِّمَ كَمَا قَالَ فِي الدَّجَّالِ إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ وَإِنْ لَمْ أَكُنْ فِيكُمْ فَامْرؤ حَجِيجُ نَفْسِهِ وَالله خليفتي عَلَيْكُم ثمَّ أخبر ﷺ َ - أَنَّ الدَّجَّالَ إِنَّمَا يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ وَكَذَلِكَ سُئِلَ ﷺ َ - عَنْ أَكْلِ الضِّبَابِ فَقَالَ إِنَّهُ قَدْ مُسِخَتْ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ وَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ أَوْ مَا هَذَا مَعْنَاهُ ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ الْمُسُوخَ لَمْ تُعَقِّبْ فَقَدْ أَخْبَرَ بِالْمَسْخِ مُجْمَلًا ثُمَّ أَخْبَرَ بِهِ مُفَصَّلًا وَهُوَ كَثِيرٌ فِي السُّنَّةِ فَتَنَبَّهْ لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ فَبِهَا يَحْصُلُ لَكَ الْجَمْعُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ وَلَا مَانِعَ أَنْ تَجْرِيَ عَادَتُهُ أَنْ يَجْعَلَ هَذِهِ الثَّلَاثَ أَحْيَانًا سَبَبًا لِلضَّرَرِ فَفِي الصِّحَاحِ يَا رَسُولَ اللَّهِ دَارٌ سَكَنَّاهَا وَالْعَدَدُ كَثِيرٌ وَالْمَالُ وَافِرٌ فَقَلَّ الْعَدَدُ وَذَهَبَ الْمَالُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - دَعُوهَا ذَمِيمَةٌ وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ إِنَّمَا تَحَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - عَنْ أَقْوَالِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي الثَّلَاثِ قَالَ الْبَاجِيُّ وَلَا بُعْدَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَادَةً وَفِي الْمُوَطَّأ قَالَ ﷺ َ - لَا عَدْوَى وَلَا هَامَ وَلَا صَفَرَ وَلَا يَحُلَّ الْمُمْرِضُ عَلَى الصَّحِيحِ وَلْيَحُلَّ الْمُصِحُّ حَيْثُ شَاءَ قَالَ الْبَاجِيُّ قَالَ ابْنُ دِينَارٍ لَا يعدي مَرِيض مَرِيضا خلاف لما كَانَت الْعَرَب تَفْعَلهُ وتعتقده فَبين ﷺ َ - أَنَّ ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا هَامَ قَالَ مَالِكٌ مَعْنَاهُ وَلَا يُتَطَيَّرُ بِالْهَامِ كَانَتِ الْعَرَبُ تَقُولُ إِذَا وَقَعَتْ هَامَّةٌ
стр. 5209
عَلَى بَيْتٍ خَرَجَ مِنْهُ مَيِّتٌ وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَقُولُ إِذَا قُتِلَ أَحَدٌ خَرَجَ مِنْ رَأْسِهِ طَائِرٌ لَا يَزَالُ يَقُولُ اسْقُونِي اسْقُونِي حَتَّى يُقْتَلَ قَاتِلُهُ فَعَلَى الْأَوَّلِ يكون الْخَيْر نَهْيًا وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ تَكْذِيبًا وَلَا صَفَرَ هُوَ الشَّهْرُ الَّذِي كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ تُحَرِّمُ فِيهِ شَهْرَ صَفَرٍ لِتَسْتَبِيحَ الْمُحَرَّمَ وَقِيلَ كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ تَقُولُ هُوَ دَاءٌ فِي الْفَرْجِ يَقْتُلُ فَقَالَ ﷺ َ - لَا يَمُوتُ إِلَّا بِأَجْلِهِ وَالْمُمْرِضُ ذُو الْمَاشِيَةِ الْمَرِيضَةِ وَالْمُصِحُّ ذُو الْمَاشِيَةِ الصَّحِيحَةِ قَالَ ابْنُ دِينَارٍ لَا يُؤْذِي الْمُمْرِضُ الْمُصِحَّ بِإِيرَادِ مَاشِيَتِهِ على مَا شيته فَيُؤْذِيهِ بِذَلِكَ وَنُسِخَ بِقَوْلِهِ لَا عَدْوَى وَقِيلَ لَا يَحُلُّ الْمَجْذُومُ مَحَلَّ الصَّحِيحِ مَعَهُ يُؤْذِيهِ وَإِنْ كَانَ لَا يُعْدِي فَالنَّفْسُ تَكْرَهُهُ فَهُوَ مِنْ بَابِ إِزَالَةِ الضَّرَرِ لَا مِنَ الْعَدْوَى وَقيل هُوَ نَاسخ لقَوْله ﷺ َ - لَا عَدْوَى تَنْبِيهٌ قَالَ الطُّرْطُوشِيُّ إِنَّ أَخْذَ الفال بالمصحف وَضرب الرمل وَالشعر وَنَحْوِهِ حَرَامٌ وَهُوَ مِنْ بَابِ الِاسْتِقْسَامِ بِالْأَزْلَامِ مَعَ أَنَّ الْفَأْلِ حَسَنٌ بِالسُّنَّةِ وَتَحْرِيرُهُ أَنَّ الْفَالَ الْحَسَنَ هُوَ مَا يَعْرِضُ مِنْ غَيْرِ كَسْبٍ مِثْلُ قَائِلٍ يَقُولُ يَا مُفْلِحُ وَنَحْوِهِ وَالتَّفَاؤُلُ الْمُكْتَسَبُ حَرَامٌ كَمَا قَالَهُ الطُّرْطُوشِيُّ فِي تَعْلِيقِهِ
(النَّوْع الثَّانِي الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ)
فَفِي الْجَوَاهِرِ يُسَمِّي اللَّهَ تَعَالَى عَلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ عِنْدَ الِابْتِدَاءِ وَيَحْمَدُهُ عِنْدَ الِانْتِهَاءِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي ذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - كَانَ إِذَا وَضَعَ يَدَهُ فِي الطَّعَامِ قَالَ باسم الله اللَّهُمَّ بَارك لنا فِيمَا رزقنا وَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كثيرا أطيبا مُبَارَكًا فِيهِ وَلَا يَأْكُل مُتكئا لقَوْله ﷺ َ -
(وَأَمَّا أَنَا فَلَا آكُلُ مُتَّكِئًا) قِيلَ
стр. 5210
مَعْنَاهُ عَلَى جَنْبِهِ وَقِيلَ يَتَهَيَّأُ لِلطَّعَامِ تَهَيُّئًا كُلِّيًّا اهْتِمَامًا بِهِ وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنِ الرَّجُلِ يَأْكُلُ وَاضِعًا يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى الْأَرْضِ فَقَالَ إِنِّي لَأَتَّقِيهِ وَأَكْرَهُهُ وَمَا سَمِعْتُ فِيهِ شَيْئًا لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الِاتِّكَاءِ وَيَأْكُلُ بِيَمِينِهِ وَيَشْرَبُ بِيَمِينِهِ لقَوْله ﷺ َ -
(إِذا أكل أحدكُم فَليَأْكُل يَمِينه وَلَا يَأْكُلْ بِشِمَالِهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ) وَيَأْكُلُ مِمَّا يَلِيهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الطَّعَامُ مُخْتَلِفًا أَلْوَانًا لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - أَكَلَ مَعَ أَعْرَابِيٍّ ثَرِيدًا فَجَعَلَ الْأَعْرَابِيُّ يَتَعَدَّى جِهَته فَقَالَ لَهُ ﷺ َ - كُلْ مِمَّا يَلِيكَ فَلَمَّا حَضَرَ التَّمْرُ جَعَلَ رَسُول الله ﷺ َ - يَأْكُل من جِهَات عديد فَقَالَ لَهُ الْأَعْرَابِيُّ كُلْ مِمَّا يَلِيكَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - إِنَّمَا ذَلِكَ فِي الثَّرِيدِ أَوْ نَحْوِهِ وَلِأَنَّهُ مَعَ عَدَمِ الِاخْتِلَافِ سُوءُ أَدِبٍ مِنْ جِهَةِ وَضْعِهِ أَصَابِعَهُ الْوَاصِلَةَ إِلَى فَمِهِ وَرُبَّمَا اسْتَصْحَبَتْ رِيقَهُ بَيْنَ يَدَيْ جَلِيسِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَتِهِ لِذَلِكَ وَمَعَ الِاخْتِلَافِ الْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ لِذَلِكَ وَرَخَّصَ الشَّيْخُ أَبُو الْوَلِيدِ أَنْ يَتَعَدَّى مَا يَلِيهِ مُطْلَقًا إِذَا أَكَلَ مَعَ أَهْلِهِ وَمَعَ مَنْ لَا يلْزمه الْأَدَب مَعَه وَقَالَ مَالِكٌ وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ أَكَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - وَكَانَ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ حَوْلَ الْقَصْعَةِ وَإِذَا كَانَ جَمَاعَةٌ فَأُدِيرَ عَلَيْهِمْ مَا يَشْرَبُونَ مِنْ لَبَنٍ أَوْ مَاءٍ أَوْ نَحْوِهِ فَلْيَأْخُذْهُ بَعْدَ الْأَوَّلِ الْأَيْمَنُ فَالْأَيْمَنُ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - شَرِبَ وَعَنْ يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ فَاسْتَأْذَنَ رَسُولُ الله ﷺ َ - الأعربي لِأَبِي بَكْرٍ فَقَالَ لَا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أحد فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ حَقٌّ لَهُ وَلِأَنَّ الْأَيْمَنَ أفضل فَيقدم
стр. 5211
وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْكُلَ الْإِنْسَانُ مَعَ الْقَوْمِ مِثْلَ مَا يَأْكُلُونَ مِنْ تَصْغِيرِ اللُّقَمِ وَإِطَالَةِ الْمَضْغِ وَالرِّسْلِ فِي الْأَكْلِ وَإِنْ خَالَفَ ذَلِكَ عَادَتَهُ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَنْهَمَ فِي الْأَكْلِ وَيُكْثِرَ مِنْهُ لقَوْله ﷺ َ -
(مَا مَلَأَ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ) وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ ثُلُثَ بَطْنِهِ لِلطَّعَامِ وَثُلُثَهُ لِلْمَاءِ وَثُلُثَهُ لِلنَّفَسِ كَذَلِكَ وَرَدَ الْحَدِيثُ وَيَغْسِلُ يَدَيْهِ مِنَ الدَّسَمِ وَفَاهُ وَإِنْ كَانَ لَبَنًا وَأَمَّا تَعَمُّدُ الْغَسْلِ لِلْأَكْلِ فَكَرِهَهُ مَالِكٌ وَقَالَ زِيّ الْأَعَاجِم وَفِي الصَّحِيح قَالَ ﷺ َ - الْغَسْلُ قَبْلَ الطَّعَامِ أَمَانٌ مِنَ الْفَقْرِ وَبَعْدَهُ أَمَانٌ مِنَ اللَّمَمِ قَالَ أَرْبَابُ الْمَعَانِيَ إِنَّمَا أَمْنٌ مِنَ الْفَقْرِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجْرَى عَادَتَهُ أَنَّ مَنِ اسْتَهَانَ بِالطَّعَامِ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجُوعَ بِالْقَحْطِ وَغَيْرِهِ وَإِذَا لَمْ يَغْسِلْ قَبْلَ الطَّعَامِ فَقَدْ أَهَانَهُ بِخَلْطِ الْوَسَخِ الَّذِي عَلَى الْيَدِ مَعَهُ فَيُخْشَى عَلَيْهِ الْفَقْرُ وَإِنْ لَمْ يَغْسِلْ بَعْدَ الطَّعَامِ خُشِيَ عَلَيْهِ إِلْمَامُ الْجَانِّ بِهِ لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا يَعِيشُونَ بِالرَّوَائِحِ فَإِذَا شَمُّوهُ رُبَّمَا عَبَثُوا بِهِ وَبِهَذَا يَظْهَرُ قَوْلُ مَالِكٍ إِنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى يَدِهِ وَسَخٌ لَا يَغْسِلُ لِأَنَّهُ إِفْسَادٌ لِلْمَاءِ بِغَيْرِ حِكْمَةٍ وَلَا يَنْفُخُ فِي طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ لِمَا يُخْشَى مِنْ خُرُوجِ رِيقِهِ مَعَ النَّفْخِ فَهُوَ قَذَارَةٌ وَلَا يَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ وَلَكِنْ يُنَحِّيهِ عَنْ فِيهِ وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - كَانَ يَشْرَبُ وَيُنَحِّي عَنْ فِيهِ ثُمَّ يَشْرَبُ وَلِأَنَّ النَّفَسَ تَنْبَعِثُ مَعَهُ الْفَضَلَاتُ فَيُفْسِدُ الْمَاءَ وَيُنْتِنُ الْإِنَاءَ مَعَ الطُّولِ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - نَهَى عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا وَشَرِبَ قَائِمًا لِيَدُلَّ عَلَى الْجَوَازِ وَفِي الْمُوَطَّأِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخطاب وَعُثْمَان بن عَفَّان وَعلي ابْن أَبِي طَالِبٍ ﵃ كَانُوا يَشْرَبُونَ قِيَامًا وَكَانَتْ عَائِشَةُ وَغَيْرُهَا لَا تَرَى بِالشُّرْبِ قَائِمًا بَأْسًا قَالَ الْبَاجِيُّ عَلَى هَذَا جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ وَكَرِهَهُ قَوْمٌ لِمَا فِي مُسْلِمٍ لَا يشربأحد مِنْكُمْ قَائِمًا فَمَنْ نَسِيَ فَلْيَبْصُقْ قَالَ وَالْأَصَحُّ أَنه مَوْقُوف
стр. 5212
عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ شَرِبَ قَائِمًا وَأَصْحَابُهُ جُلُوسٌ فَلَمْ يُوَافِقْهُمْ فِيهِ وَيَكُونُ آخِرَهُمْ شُرْبًا وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الْأَكْلِ قَائِمًا قَالَ النَّخَعِيُّ إِنَّمَا كُرِهَ الشُّرْبُ قَائِمًا لِدَاءٍ يَحْصُلُ فِي الْجَوْفِ وَلَا يَقْرِنُ التَّمْر لنَهْيه ﷺ َ - عَنْهُ إِلَّا أَنْ يَقْرِنَ مَنْ مَعَهُ وَلَوْ كَانَ هُوَ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ وَلَوْ أَكَلَ مَعَ مَنْ لَا يَلْزَمُهُ الْأَدَبُ مَعَهُ مِنْ أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ لَجَازَ لَهُ ذَلِكَ وَقِيلَ إِنَّمَا نَهَى الله عَن الْقرَان لَيْلًا يَسْتَأْثِرَ الْآكِلُ عَلَى مَنْ مَعَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْوَلِيدِ فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ إِذَا كَانَ هُوَ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ وَإِنْ كَانُوا لَا يَقْرِنُونَ ثُمَّ قَالَ وَالْأَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ لِلْمَعْنَيَيْنِ فَلَا يَأْكُلُ قِرَانًا وَإِنْ كَانَ هُوَ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ وَمَنْ أَكَلَ ثَوْمًا نِيئًا فَلَا يَقْرَبِ الْمَسَاجِد لقَوْله ﷺ َ -
(مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسَاجِدَنَا يُؤْذِينَا بِرِيحِ الثُّومِ) وَكَذَلِكَ الْبَصَلُ وَالْكُرَّاثُ إِنْ كَانَ يُؤْذِي مِثْلُهُ قِيَاسًا عَلَيْهِ
(فَرْعٌ)
فِي الْمُنْتَقَى إِذَا رَأَى فِي إِنَائِهِ قَذَاةً أَرَاقَهَا إِنْ كَانَتْ فِي مَاءٍ وَإِنْ كَانَتْ فِي لَبَنٍ أَزَالَهَا لِسُهُولَةِ الْمَاءِ دُونَ غَيْرِهِ لِمَا فِي الْمُوَطَّأِ قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَا أُرْوَى مِنْ نَفَسٍ وَاحِدٍ فَقَالَ ﷺ َ - أَبِنِ الْقَدَحَ عَنْ فِيكَ ثُمَّ تَنَفَّسْ قَالَ فَإِنِّي أَرَى الْقَذَاةَ فِيهِ قَالَ أَهْرِقْهَا
(فَرْعٌ)
قَالَ ابْنُ يُونُسَ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ فِي الْجُلْجُلَانِ وَالْفُولِ وَشِبْهِهِ لَا بَأْسَ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِهِ فِي الْحَمَّامِ وَيَدْهِنَ جِسْمَهُ بِالسَّمْنِ وَالزَّيْتِ مِنَ الشِّقَاقِ قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ قِيلَ لِمَالِكٍ أَيَغْسِلُ يَدَهُ مِنَ الدَّقِيقِ قَالَ غَيْرُهُ أَعْجَبُ إِلَيَّ وَيَجُوزُ
стр. 5213
(فَرْعٌ)
قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ وَابْنُ يُونُسَ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - أَنَّهُ أَكَلَ الرُّطَبَ بِالْبِطِّيخِ هَذَا بِيَدٍ وَهَذَا بِيَدٍ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا مُسْتَثْنًى مِنَ الْأَكْلِ بِالشِّمَالِ
(النَّوْعُ الثَّالِثُ اللِّبَاسُ)
وَفِي الْمُقَدِّمَاتِ هُوَ خَمْسَةٌ وَاجِبٌ وَمَنْدُوبٌ وَمُبَاحٌ وَمَحْظُورٌ وَمَكْرُوهٌ وَعَامٌّ وَخَاصٌّ وَلِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَلِحَقِّ اللَّابِسِ فَالْوَاجِبُ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى سَتْرُ الْعَوْرَةِ عَنْ أَبْصَارِ الْمَخْلُوقِينَ وَهُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الرِّجَال وَالنِّسَاء وَالْوَاجِب لحق الملابس مَا يَقِي الْحَرَّ وَالْبَرْدَ وَيَدْفَعُ الضَّرَرَ فِي الْحَرْبِ صَوْنًا لِلنَّفْسِ وَهُوَ عَامٌّ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْمَنْدُوبُ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَالرِّدَاءِ لِلْإِمَامِ وَالْخُرُوجِ لِلْمَسْجِدِ لِلصَّلَاةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْد كل مَسْجِد﴾ وَالثيَاب الْحَسَنَة للْجُمُعَة وَالْعِيدَيْنِ لقَوْله ﷺ َ - مَا عَلَى أَحَدِكُمْ لَوِ اتَّخَذَ ثَوْبَيْنِ لِجُمُعَتِهِ سِوَى ثَوْبَيْ مِهْنَتِهِ وَالْمَنْدُوبُ لِحَقِّ اللَّابِسِ مَا تجمل بِهِ من غير سرف لقَوْله ﷺ َ - لِلَّذِي نَزَعَ الثَّوْبَيْنِ الْخَلَقَيْنِ وَلَبِسَ الْجَدِيدَيْنِ مَا لَهُ ضَرَبَ اللَّهُ عُنُقَهُ أَلَيْسَ هَذَا خَيْرًا لَهُ وَقَالَ عُمَرُ ﵁ إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ أَنْظُرَ إِلَى الْقَارِئِ أَبْيَضَ الثِّيَابِ وَقَالَ ﵁ إِذَا أَوْسَعَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَوْسِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَهُوَ عَامٌّ فِي الرِّجَال وَالنِّسَاء والمباح ثِيَاب الْكتاب والقط وَالصُّوفِ غَيْرَ السُّرُفِ وَهُوَ عَامٌّ وَالْمَحْظُورُ ثِيَابُ الْحَرِير لقَوْل ﷺ َ - فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خلاق لَهُ فِي الْآخِرَة وَقَوله ﷺ َ - فِي الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ هَذَانِ حِلٌّ لِإِنَاثِ أُمَّتِي مُحَرَّمٌ عَلَى ذُكُورِهِمْ فَهُوَ خَاصٌّ لِلرِّجَالِ وَقِيلَ مُبَاحٌ لَهُمْ فِي الْحَرْبِ عَنْ مَالِكٍ وَمُجْمَعٌ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ الْحَرْبِ إِلَّا لِضَرُورَةٍ لِأَنَّ النَّبِي ﷺ َ - أرخص لعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَالزُّبَيْر ابْن الْعَوَّامِ فِي قَمِيصِ
стр. 5214
الْحَرِيرِ لِلْحَكَّةِ وَكَرِهَهُ مَالِكٌ إِذْ لَمْ يَبْلُغْهُ الْحَدِيثُ وَرُوِيَ عَنْهُ التَّرْخِيصُ فِيهِ قَالَ ابْنُ يُونُس كره مَالك الْحَرِير للصبيان كالذهر
(مَسْأَلَةٌ)
قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ التَّخَتُّمُ بِالذَّهَبِ يَجُوزُ لِلنِّسَاءِ دُونَ الرِّجَالِ وَبِالْفِضَّةِ مُبَاحٌ لَهُمَا وَالَّذِي نبذه ﷺ َ - خَاتَمُ ذَهَبٍ فَخَلَعَ النَّاسُ خَوَاتِمَهُمْ وَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَهُ مُطْلَقًا إِلَّا لِذِي سُلْطَانٍ وَالْجُمْهُورُ أَنْ يُلْبَسَ فِي الشِّمَالِ لِأَنَّ التَّنَاوُلَ بِالْيَمِينِ فَيَجْعَلُهُ فِي الْيَسَارِ وَاخْتَارَ بَعْضُهُمُ الْيَمِينَ لِأَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَن النَّبِي ﷺ َ - وَلِأَنَّهُ مِنَ الزِّينَةِ فَيَخْتَصُّ بِهِ الْيَمِينُ كَمَا توثر الْيُمْنَى بِالِانْتِعَالِ وَقَدْ يَكُونُ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَحْتَاجُ لِخَلْعِهِ عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ وَلَا يَجُوزُ التَّخَتُّمُ بِالْحَدِيدِ لِأَنَّهُ حلية أهل النَّار وَلَا بالشبة لنَهْيه ﷺ َ - عَنْهُ وَقَدْ أَجَازَ ذَلِكَ وَالتَّخَتُّمَ بِالذَّهَبِ لِلرِّجَالِ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ النَّهْيُ وَهُوَ شَاذٌّ قَالَ ابْنُ يُونُسَ كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَجْعَلَ فِي خَاتَمِهِ مِسْمَارَ ذَهَبٍ أَوْ يَخْلِطَهُ بِحَبَّةِ ذَهَبٍ لِئَلَّا يَصْدَأَ وَلَا بَأْسَ بِرَبْطِ الْأَسْنَانِ بِالذَّهَبِ وَكُرِهَ لِلْمَرْأَةِ دُمْلُجُ الْحَدِيدِ وَفِي الْقَبَسِ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - وَعَلَيْهِ خَاتَمٌ شِبْهٌ يَعْنِي الصُّفْرَ فَقَالَ لَهُ إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ الْأَصْنَامِ وَجَاءَ إِلَيْهِ آخر وَعَلِيهِ خَاتم حَدِيد فَقَالَ مَالِي أَرَى عَلَيْكَ حِلْيَةَ أَهْلِ النَّارِ وَجَاءَ إِلَيْهِ آخَرُ وَعَلَيْهِ خَاتَمٌ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ اطْرَحْ عَنْكَ حِلْيَةَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَرُويَ أَنَّهُ كَانَ للنَّبِي ﷺ َ - خَاتَمٌ مِنْ حَدِيدٍ قَدْ لَوَى عَلَيْهِ بِفِضَّةٍ وَقَالَ عَلَيٌّ ﵁ نَهَانِي النَّبِيُّ ﷺ َ - أَنْ أَتَخَتَّمَ فِي الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ فَتَأَوَّلَهُ التِّرْمِذِيُّ عَلَى كَرَاهَةِ التَّخَتُّمِ فِيهِمَا قَالَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ ذَلِكَ مِنْ بَابِ تَشَبُّهِ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ فِي التَّخَتُّمِ فِي الْأَصَابِعِ كُلِّهَا
(فَرْعٌ)
وَفِي الْمُقَدِّمَاتِ وَمِنَ الْمُحَرَّمِ الْمَخِيطُ فِي الْإِحْرَامِ وَالْجُلُوسُ عَلَى بُسُطِ الْحَرِيرِ وَالِارْتِفَاقُ بِمَرَافِقِ الْحَرِيرِ وَيَجُوزُ ذَلِكَ لِلنِّسَاءِ عِنْدَ مَنْ رَأَى ذَلِكَ لِبَاسًا قَالَ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بِدَلِيلِ حَدِيثِ أَنَسٌ فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طول
стр. 5215
مَا لُبِسَ فَسَمَّى الْجُلُوسَ لِبَاسًا قَالَ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لِبَاسًا قَالَ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى النَّهْيُ عَنِ الْحَرِيرِ إِنَّمَا جَاءَ لِلتَّشَبُّهِ بِالْكُفَّارِ فَيُجْتَنَبُ الْجُلُوسُ عَلَيْهِ نَفْيًا لِلتَّشَبُّهِ بِهِمْ وَأَمَّا السُّتُورُ الَّتِي تُوضَعُ فِي الْبُيُوتِ مُعَلَّقَةً فَلَا بَأْسَ بِهَا لِأَنَّهَا لِبَاسُ الْحِيطَانِ وَهُمْ غَيْرُ مُكَلَّفِينَ وَرَخَّصَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْجُلُوسَ عَلَى بُسُطِ الْحَرِيرِ وَالِارْتِفَاقَ بِمَرَافِقِهِ وَقَالَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ وَلَمْ يَرَهُ لِبَاسًا وَالْجُمْهُورُ أَنَّهُ لِبَاسٌ
(مَسْأَلَةٌ)
قَالَ وَمن الْمحرم من النِّسَاءِ دُونَ الرِّجَالِ الَّذِي يَصِفُ مِنَ الثِّيَابِ لقَوْله ﷺ َ -
(نِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ) الْحَدِيثَ
(فَرْعٌ)
قَالَ اخْتُلِفَ فِي الْعَلَمِ مِنَ الْحَرِيرِ فِي الثَّوْبِ فَأَجَازَهُ بعض الْعلمَاء لنَهْيه ﷺ َ - عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَقَالَ لَا يُلْبَسُ مِنْهُ إِلَّا هَكَذَا أَوْ هَكَذَا وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى وَأَجَازَهُ عُمَرُ ﵁ فِي مِثْلِ الْأَرْبَعَةِ أَصَابِعَ
(فَرْعٌ)
قَالَ الْخَزُّ الَّذِي سُدَاهُ حَرِيرٌ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ هُوَ مُبَاحٌ مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ وَوَافَقَهُ جَمَاعَةٌ وَقِيلَ حرَام وَقيل فِي حلَّة عُطَارِد السِّرّ الَّتِي قَالَ فِيهَا ﷺ َ - إِنَّمَا يلبس هَذِه من لَا خلاق لَهُ فِي الْآخِرَةِ إِنَّهَا كَانَتْ يُخَالِطُهَا الْحَرِيرُ مُضَلَّعَةً بِالْخَزِّ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَقِيلَ مَكْرُوهٌ قَالَ وَهُوَ أَقْرَبُ الْأَقْوَالِ لِلصِّحَّةِ لِأَنَّهُ مِنَ الشُّبُهَاتِ وَمَوْرِدُ النَّصِّ إِنَّمَا هُوَ فِي الصَّرْفِ وَالرَّابِعُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْخَزِّ فَيَجُوزُ اتِّبَاعًا لِلسَّلَفِ وَقَدْ روى مطرف أَنه كَانَ على مَالك ابْن أَنَسٍ كِسَاءُ إِبْرَيْسَمٍ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنَ الثِّيَابِ الْمَشُوبَةِ بِالْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ فَيَمْتَنِعُ لِأَنَّ الرُّخَصَ لَا يُقَاس عَلَيْهَا
стр. 5216
(فَرْعٌ)
قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَمِنَ الْمُحَرَّمِ الزَّائِدُ الَّذِي يَخْرُجُ بِهِ صَاحِبُهُ لِلْخُيَلَاءِ وَالْكِبْرِ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يحب كل مختال كفور﴾ وَقَالَ ﷺ َ -
(إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطَرًا) وَفِي الْجَوَاهِرِ مَا سُدَاهُ غَيْرُ حَرِيرٍ مَكْرُوهٌ خِلَافٌ لِنَقْلِ الْمُقَدِّمَاتِ فَأَجْرَى صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ الْكَرَاهَةَ عَلَى ظَاهِرِهَا وَتَأَوَّلَهَا أَبُو الْوَلِيدِ بِالتَّحْرِيمِ وَنَقَلَ ابْنُ حَبِيبٍ جَوَازَ الْخَزِّ عَنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عُثْمَانُ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ تَابِعِيًّا وَفِي الْمُنْتَقَى الْخَزُّ حَرِيرٌ وَوَبَرٌ قَالَ صَاحِبُ الْمُنْتَقَى مَذْهَبُ مَالِكٍ الْكَرَاهَةُ فِيمَا سُدَاهُ حَرِيرٌ وَلُحْمَتُهُ غَيرهَا لِأَن حَرِيرٌ مُسْتَهْلَكٌ لَا يُمْكِنُ تَخْلِيصُهُ قَالَ صَاحِبُ الْقَبَسِ الْخَزُّ سُدَاهُ حَرِيرٌ وَلُحْمَتُهُ صُوفٌ أَوْ كَتَّانٌ أَوْ قُطْنٌ قَالَ فِي الْمُنْتَقَى وَالْيَسِيرُ مَا كَانَ فِيهِ خطوط وَلَعَلَّه ﷺ َ - إِنَّمَا نَهَى عَنْهُ لِأَنَّ أَكْثَرَهَا كَانَ حَرِيرًا سُدَاهَا وَبَعْضُ لُحْمَتِهَا وَوَافَقَهُ صَاحِبُ الْمُنْتَقَى أَنَّهُ مَا لُحْمَتُهُ وَبَرٌ
(فَرْعٌ)
قَالَ وَمِنَ الْمُحَرَّمِ اشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ وَهِيَ أَنْ يَلْتَحِفَ فِي الثَّوْبِ وَيَرْفَعَهُ وَيُلْقِيَهُ عَلَى أَحَدِ مَنْكِبَيْهِ وَيُخْرِجَ يَدَهُ مِنْ تَحْتِهِ وَالِاحْتِبَاءُ وَهُوَ أَنْ يَجْلِسَ وَيَضُمَّ رُكْبَتَيْهِ إِلَى صَدْرِهِ وَيُدِيرَ ثَوْبَهُ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ بِهِ رُكْبَتَيْهِ وَيَشُدَّهُ حَتَّى يَكُونَ كَالْمُعْتَمِدِ عَلَيْهِ فَهَذَا إِذَا فَعَلَهُ بَدَتْ عَوْرَتُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ تَحْتَهُ ثَوْبٌ وَلِذَلِكَ إِذَا كَانَ مَعَ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ إِزَارٌ يحوز وَقِيلَ يَمْتَنِعُ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ إِزَارٌ لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنْ هَاتَيْنِ اللُّبْسَتَيْنِ
стр. 5217
(فَرْعٌ)
قَالَ اللِّبَاسُ الْمَكْرُوهُ مَا خَالَفَ زِيَّ الْعَرَبِ وَأَشْبَهَ زِيَّ الْعَجَمِ وَمِنْهُ التَّعْمِيمُ بِغَيْرِ الْتِحَاءٍ وَقَدْ رُويَ أَنَّ تِلْكَ عِمَّةُ الشَّيْطَانِ وَصفَة عمائم قوم لوط وَأمر ﷺ َ - بالتلحي وَنَهَى عَنِ الِانْتِعَاطِ وَهُوَ التَّعْمِيمُ بِغَيْرِ ذُؤَابَةٍ وَلَا حَنَكٍ قَالَهُ فِي الْمُنْتَقَى وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنِ الصَّلَاةِ بِغَيْرِ حَنَكٍ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ كَأَنَّهُ اسْتَعْظَمَ السَّائِلُ ذَلِكَ وَمَا أَفْتَى مَالِكٌ حَتَّى أَجَازَهُ أَرْبَعُونَ مُحَنَّكًا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ شِعَارُ الْعُلَمَاءِ وَفِي التَّلْقِينِ مِنَ الْمَكْرُوهِ التَّلَثُّمُ وَتَغْطِيَةُ الْأَنْفِ فِي الصَّلَاةِ
(فَرْعٌ)
فِي الْجَوَاهِرِ لَا يُلْبَسُ الْقَبَاءُ الْحَسَنُ لِأَنَّهُ شُهْرَةٌ وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ لِبَاسِ الصُّوفِ فَقَالَ لَا خَيْرَ فِي الشُّهْرَةِ وَلَوْ كَانَ يَلْبَسُهُ تَارَةً وَيَتْرُكُهُ أُخْرَى لَرَجَوْتُ وَمِنْ غَلِيظِ الْقُطْنِ مَا هُوَ بِثَمَنِهِ
(فَرْعٌ)
قَالَ مِنَ الْمُحَرَّمِ تَشَبُّهُ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ وَالرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ فِي اللُّبْسِ وَالتَّخَتُّمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مَلْعُونٌ فَاعِلُهُ كَالْمَخَانِيثِ وَنَحْوِهِمْ وَعَنْ مَالِكٍ لَا يُعْجِبُنِي اكْتِحَالُ الرَّجُلِ بِالْإِثْمِدِ وَمَا كَانَ مِنْ عَمَلِ النَّاسِ وَمَا سَمِعْتُ فِيهِ شَيْئًا لِأَنَّ فِيهِ زِينَةً تُشْبِهُ حَالَ النِّسَاءِ
(فَرْعٌ)
قَالَ تَحْرُمُ إِضَافَةُ شَيْءٍ مِنَ الْحَرِيرِ لِلثِّيَابِ وَإِنَّ قَلَّ وَقِيلَ يَجُوزُ اتِّخَاذُ
стр. 5218
الطَّوْقِ مِنْهُ وَاللَّبِنَةِ لِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ مِنِ اسْتِثْنَاءِ الْعَلَمِ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يَجُوزُ وَإِنْ عَظُمَ وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ وَفِي الصَّلَاةِ فِيهِ وَلَمْ يُجِزْ مَالِكٌ فِي الثَّوْبِ إِلَّا الْخَطَّ الرَّقِيقَ قَالَ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُخَاطَ الثَّوْبُ بِالْحَرِيرِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَلَا يُسْتَعْمَلُ مَا بُطِّنَ بِالْحَرِيرِ أَوْ حُشِيَ أَوْ رُقِّمَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ يُرِيدُ إِنْ كَانَ كَثِيرًا وَجَوَّزَ ابْنُ الْقَاسِمِ رَايَةً مِنْهُ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ
(فَرْعٌ)
قَالَ يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يُجَاوِزَ بِثَوْبِهِ الْكَعْبَيْنِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ فِي أَنْصَافِ السَّاقِ إِلَى مَا فَوْقَ الْكَعْبَيْنِ فَفِي الصَّحِيحِ سُتْرَةُ الْمُؤْمِنِ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ فَإِنْ زَادَ فَإِلَى الْكَعْبَيْنِ فَمَا زَادَ فَفِي النَّارِ فَائِدَةٌ زَادَ يَكُونُ قَاصِرًا لَا مَفْعُولَ لَهُ وَمُتَعَدِّيًا فَإِنْ كَانَ هُنَا قَاصِرًا نَحْوَ زَادَ الْمَالُ يَكُونُ التَّقْدِيرُ فَصَاحِبُهُ فِي النَّارِ وَإِن كَانَ مُتَعَدِّيا نَحْو ﴿وزدناهم هدى﴾ يَكُونُ التَّقْدِيرُ فَزَائِدُهُ فِي النَّارِ
(فَرْعٌ)
قَالَ يَجُوزُ نَقْشُ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْخَاتَمِ وَكَانَ نَقْشُ خَاتَمِ مَالِكٍ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ وَقَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ قِيلَ لِمَالِكٍ أَفَتَجْعَلُ فَصَّهُ لِلْكَفِّ قَالَ لَا
(فَرْعٌ)
قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ يُسْتَحَبُّ فِي الِانْتِعَالِ الِابْتِدَاءُ بِالْيَمِينِ فِي اللُّبْسِ وَبِالْيَسَارِ فِي الْخَلْعِ وَهِيَ قَاعِدَةٌ الْبِدَايَةُ فِي كُلِّ كَمَالٍ بِالْيَمِينِ وَفِي كُلِّ نَقْصٍ بِالشِّمَالِ وَالنَّقْصُ فِي الْخَلْعِ لِأَنَّهُ تَعْرِيَةٌ وَيُقْدَّمُ الْيَمِينُ فِي الْخُرُوجِ مِنَ الْخَلَاءِ دُونَ دُخُولِهِ وَفِي دُخُولِ الْمَسْجِدِ دُونَ خُرُوجِهِ وَعَلَى هَذَا فقس
стр. 5219
وَلَا يمشي فِي نعل وَاحِد وَلَا يقف فِيهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَشْيُ الْخَفِيفُ لِلنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ بِخِلَافِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِلُبْسِ الْأُخْرَى وَيَلْبَسَهُمَا جَمِيعًا أَوْ يَخْلَعَهُمَا وَفِي الْمُقَدِّمَاتِ النَّهْيُ عَنِ الْمَشْيِ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ نَهْيُ أَدَبٍ لِمَا فِيهِ مِنَ السَّمَاجَةِ وَمُخَالَفَةِ الْعَادَةِ لَا نَهْيُ تَحْرِيمٍ خِلَافًا لِأَهْلِ الظَّاهِرِ فَإِنِ انْقَطَعَ قُبَالُ نَعْلِهِ اخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ فِي إِبَاحَةِ وُقُوفِهِ فِي نَعْلٍ حَتَّى يُصْلِحَ الْأُخْرَى أَجَازَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمنع أصْبع إِلَّا أَنْ يَطُولَ ذَلِكَ وَمَنَعَا مَعًا الْمَشْيَ فِيهَا حَتَّى يُصْلِحَ الْأُخْرَى فِي وَقْتِ الْإِصْلَاحِ
(فَرْعٌ)
قَالَ سَتْرُ الْجُدُرِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لِمَا رَوَى عَلِيُّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - أَنْ تُسْتَرَ الْجُدُرُ إِلَّا جِدَارَ الْكَعْبَةِ
(فَرْعٌ)
فِي الْمُنْتَقى قَالَ مَالك لم أردك أَحَدًا يُرْسِلُ ذُؤَابَتَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ إِلَّا عَامِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَبَيْنَ الْيَدَيْنِ أَجْمَلُ
(فَرْعٌ)
قَالَ الْقَلَنْسُوَةُ لَيْسَتْ بِدْعَةً وَقَدْ كَانَتْ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ قَلَنْسُوَةٌ
(فَرْعٌ)
قَالَ يُبَاحُ الْمُمَشَّقُ الْمَصْبُوغُ بِالْمِشْقِ وَهُوَ الْمِغْرَةُ اتِّفَاقًا وَالْمَصْبُوغُ بِالزَّعْفَرَانِ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَلْبَسُهُ وَأَبَاحَهُ مَالِكٌ وَكَرِهَهُ بَعْضُ التَّابِعِينَ لِمَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ َ - أَنَّهُ كَانَ يَنْهَى أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ وَيُحْتَمَلُ حمله على
стр. 5220
الْمُحَرَّمِ لِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - أَنَّهُ كَانَ يَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ وَهُوَ عَامٌّ أَوْ يَكُونُ النَّهْيُ عَنِ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْجَسَدِ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ
(فَرْعٌ)
قَالَ كَرِهَ مَالِكٌ لِلصِّبْيَانِ لُبْسَ الذَّهَبِ قَالَ وَيَحْتَمِلُ ذَلِكَ الْكَرَاهَةَ لِمَنْ يُلْبِسُهُمْ إِيَّاهُ لِأَنَّهُمْ مِنْ جِنْسٍ يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَصِلِ التَّحْرِيمُ لِعَدَمِ التَّكْلِيفِ وَيَحْتَمِلُ الْكَرَاهَةَ عَلَى الصَّبِيِّ اللَّابِسِ لِأَنَّهُمْ يُنْدَبُونَ فَيُكْرَهُ لَهُمْ ذَلِكَ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ لِعُمُومِ النَّهْي وليلا يعتادونه فَيَبْعَثَهُمْ ذَلِكَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ فَيَكُونُ ذَلِكَ وَسِيلَةً لِفَسَادِ أَخْلَاقِهِمْ فَكَرِهَهُ لِذَلِكَ وَلَمْ يُحَرِّمْهُ
(فَرْعٌ)
قَالَ ابْنُ يُونُسَ قَالَ مَالِكٌ لَا بَأْسَ بِالتَّقَنُّعِ بِالثَّوْبِ لِحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ وَلِغَيْرِهِ فَلَا وَرَأَتْ سكنية أَوْ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْحُسَيْنِ بَعْضَ وَلَدِهَا مُتَقَنِّعًا رَأْسَهُ فَقَالَتْ اكْشِفْ رَأْسَكَ فَإِنَّ الْقِنَاعَ رِيبَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَذَلَّةٌ بِالنَّهَارِ وَنَهَى عُمَرُ ﵁ النِّسَاءَ عَنْ لُبْسِ الْقُبَاطِي وَقَالَ إِنْ لَمْ يَكْشِفْ فَهُوَ يَصِفُ
(فَرْعٌ)
قَالَ قَالَ مَالِكٌ أَحَبُّ إِلَيَّ النَّعْلُ الْمُدَوَّرُ الْمُخَصَّرُ وَيَكُونُ لَهُ عَقِبٌ مُؤَخَّرٌ قَالَ وَرَأَيْتُ نَعْلَ النَّبِيِّ ﷺ َ - إِلَى التَّقْدِيرِ مَا هِيَ وَهِيَ مُخْتَصَرَةٌ يَخْتَصِرُهَا مِنْ مُؤَخَّرِهَا وَيُعْقِبُهُ مِنْ خَلْفِهَا وَكَانَ لَهَا زِمَامَانِ فِي كُلِّ نَعْلٍ قَالَ مَالِكٌ وَلَا بَأْسَ بِالِانْتِعَالِ قَائِمًا
(فَرْعٌ)
قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ قِيلَ لِمَالِكٍ الْمِنْطَقَةُ مِنْ شَأْنِ الْعَجَمِ فَهَلْ يَشُدُّهَا عَلَى ثِيَابِهِ مَنْ أَرَادَ السَّفَرَ قَالَ لَا بَأْسَ بِهِ
следующие страницы →