← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1719

التمهيد - ابن عبد البر - ط المغربية

ابن عبد البر

Полный текст (8 345 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

الَّتِي عِنْدَنَا فَقَالَتْ أَخْشَى أَنْ تَكُونَ مَيْتَةً فَقَالَ أَلَا نَذْبَحُ لَكِ مِنْ غَنَمِنَا قَالَتْ بَلَى وَاحْتَجَّ بِأَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْمَيْتَةَ تَحْرِيمًا عَامَّا لَمْ يَخُصَّ مِنْهَا شَيْئًا بَعْدَ شَيءٍ فَكَانَ ذَلِكَ وَاقِعًا عَلَى الْجِلْدِ وَاللَّحْمِ جَمِيعًا وَاحْتَجَّ أَيْضًا بِقَوْلِ اللَّهِ لِمُوسَى ﵇ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بالواد الْمُقَدَّسِ طُوًى وَبِقَوْلِ كَعْبٍ وَغَيْرِهِ كَانَتْ نَعْلَا مُوسَى مِنْ جِلْدِ حِمَارٍ مَيِّتٍ هَذَا كُلُّهُ مَا احْتَجَّ بِهِ بَعْضُ مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَقَالَ إِنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ مُخْتَلَفٌ فِيهِ لِأَنَّ قَوْمًا يَقُولُونَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ وَقَوْمًا يَقُولُونَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ سَوْدَةَ وَقَوْمًا يَقُولُونَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ سَوْدَةَ وَمَرَّةً جَعَلُوهَا لِمَيْمُونَةَ وَمَرَّةً يَجْعَلُونَ الشَّاةَ لِسَوْدَةَ وَمَرَّةً جَعَلُوهَا لِمَوْلَاةِ مَيْمُونَةَ وَمَرَّةً قَالُوا عَنِ ابن عباس سمعت رسول الله ﷺ قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا كُلُّهُ لَيْسَ بِاخْتِلَافٍ يَضُرُّ لِأَنَّ الْغَرَضَ صَحِيحٌ وَالْمَقْصِدُ وَاضِحٌ ثَابِتٌ وَهُوَ أَنَّ الدِّبَاغَ يُطَهِّرُ إِهَابَ الْمَيْتَةِ وَسَوَاءٌ كَانَتِ

стр. 1262

الشَّاةُ لِمَيْمُونَةَ (أَوْ لِسَوْدَةَ) أَوْ لِمَنْ شَاءَ اللَّهُ وَمُمْكِنٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كُلُّهُ (أَوْ بَعْضُهُ) وَمُمْكِنٌ أَنْ يَسْمَعَ ابْنُ عَبَّاسٍ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا حَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ وَعْلَةَ قَوْلُهُ أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ وَذَلِكَ ثَابِتٌ عَنْهُ ﷺ وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ ثَبَتَ تَخْصِيصُ الْجِلْدِ بِشَرْطِ الدِّبَاغِ مِنْ جُمْلَةِ تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ وَالسُّنَّةُ هِيَ الْمُبَيِّنَةُ عَنِ اللَّهِ مُرَادَهُ مِنْ مُجْمَلَاتِ خِطَابِهِ وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ فِي كَرَاهِيَةِ لِبَاسِ مَا لَمْ يَكُنْ ذَكِيًّا مِنَ الْفِرَاءِ فَيُحْمَلُ ذَلِكَ عِنْدَنَا عَلَى التَّنَزُّهِ وَالِاخْتِيَارِ وَالِاسْتِحْبَابِ لِأَنَّهُمْ قَدْ رُوِيَ عَنْهُمْ خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ وَتَهْذِيبُ الْآثَارِ عَنْهُمْ أَنْ تُحْمَلَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَرَوَى شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي يَحْيَى الْهُذَلِيِّ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عُمَرَ قَالَ دِبَاغُ الأديم ذكاته

стр. 1263

وَرَوَى هِشَامٌ وَهَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ حَسَّانَ بْنِ بِلَالٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ دِبَاغُ الْأَدِيمِ ذَكَاتُهُ وَرَوَى جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ (عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ سَأَلَهَا عن الفراء فقالت لعل دباغه طهروه وَهَذَا أَشْبَهُ عَنْ عَائِشَةَ وَأَوْلَى لِأَنَّ الْأَعْمَشَ يَرْوِي عَنْ إِبْرَاهِيمَ) وَعُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ جَمِيعًا عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ دِبَاغُ الْأَدِيمِ ذَكَاتُهُ وَأَكْثَرُ أَحْوَالِ الرِّوَايَةِ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ أَنْ تُحْمَلَ عَلَى الِاخْتِلَافِ فَيُسْقِطُهَا وَالْحُجَّةُ فِيمَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ دُونَ غَيْرِهِ وَأَمَّا مَا ذَكَرُوهُ مِنْ نَعْلَيْ مُوسَى ﷺ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَكُونَا مِنْ جِلْدٍ مَدْبُوغٍ (وَإِنَّمَا كَانَتِ الْحُجَّةُ تَلْزَمُ لَوْ أَنَّهُمَا كَانَتَا مِنْ جِلْدِ مَيْتَةٍ مَدْبُوغٍ) هَذَا عَلَى أَنَّ فِي شَرِيعَتِنَا وَمِنْهَاجِنَا الَّذِي أُمِرْنَا بِاتِّبَاعِهِ قَوْلُهُ ﷺ أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ ذَكَرَ الْأَثْرَمُ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يسئل عَنْ رَجُلٍ يَقْدِمُ وَعَلَيْهِ جُلُودُ الثَّعَالِبِ أَوْ غَيْرُهَا مِنْ جُلُودِ الْمَيْتَةِ الْمَدْبُوغَةِ فَقَالَ إِنْ كان لبسه وهو يتنأول أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ فَلَا بَأْسَ إن

стр. 1264

يُصَلَّى خَلْفَهُ قِيلَ لَهُ فَتَرَاهُ أَنْتَ جَائِزًا قَالَ لَا نَحْنُ لَا نَرَاهُ جَائِزًا لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ وَلَكِنَّهُ إِذَا كَانَ يَتَأَوَّلُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَلَّى خَلْفَهُ فقيل له كيف وهو مخطيء فِي تَأْوِيلِهِ فَقَالَ وَإِنْ كَانَ مُخْطِئًا فِي تَأْوِيلِهِ لَيْسَ مَنْ تَأَوَّلَ كَمَنْ لَا يَتَأَوَّلُ ثُمَّ قَالَ كُلُّ مَنْ تَأَوَّلَ شَيْئًا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وعن أَصْحَابِهِ أَوْ عَنْ أَحَدِهِمْ فَيَذْهَبُ إِلَيْهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَلَّى خَلْفَهُ وَإِنْ قُلْنَا نَحْنُ خِلَافَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ لِأَنَّهُ قَدْ تَأَوَّلَ قِيلَ لَهُ فَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ لَيْسَ جِلْدُ الثَّعَالِبِ بِإِهَابٍ فَنَفَضَ يَدَهُ وَقَالَ ما أدري أي شيءهذا الْقَوْلُ ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَنْ تَأَوَّلَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَلَّى خَلْفَهُ يَعْنِي إِذَا كَانَ تَأْوِيلُهُ لَهُ وَجْهٌ فِي السُّنَّةِ (قَالَ أَبُو عُمَرَ مَا أَنْكَرَهُ أَحْمَدُ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ إِنَّ جُلُودَ الثَّعَالِبِ لَا يُقَالُ لِلْجِلْدِ مِنْهَا إِهَابٌ هُوَ قَوْلٌ يُحْكَى عَنِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ أَنَّهُ قَالَ إِنَّمَا الْإِهَابُ جِلْدُ مَا يُؤكَلُ لَحْمُهُ مِنَ الْأَنْعَامِ وَأَمَّا مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَإِنَّمَا هُوَ جِلْدٌ وَمَسْكٌ (١) وَقَدْ أَنْكَرَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَوْلَ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ هَذَا وَزَعَمَتْ أَنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي كُلَّ جِلْدٍ إِهَابًا وَاحْتَجَّتْ بِقَوْلِ عَنْتَرَةَ ... فَشَكَكْتُ بِالرُّمْحِ الطَّوِيلِ إِهَابَهُ ... لَيْسَ الْكَرِيمُ عَلَى الْقَنَا بِمُحَرَّمِ

стр. 1265

وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ أَيْضًا بَعْدَ مَا ذَكَرْنَا فِي حُكْمِ طَهَارَةِ الْجِلْدِ الْمَذْكُورِ بَعْدَ الدِّبَاغِ هَلْ هِيَ طَهَارَةٌ كَامِلَةٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ كَالْمُذَكَّى أَوْ هِيَ طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ تُبِيحُ الِانْتِفَاعَ بِهِ فِي شَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ فَذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ وَإِلَى جَوَازِ الِانْتِفَاعِ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ بَعْدَ الدِّبَاغِ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الْبَيْعِ وَغَيْرِهِ وَكَرَاهِيَةِ الِانْتِفَاعِ بِهَا قَبْلَ الدِّبَاغِ ذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ التابعين وهو قول يحيى ابن سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ وَعَامَّةِ عُلَمَاءِ الْحِجَازِ وَقَالَ حَدَّثَنَا إسحق قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ أَنَّهُ قَالَ سَأَلْتُ الْقَاسِمَ وَسَالِمًا عَنْ جُلُودِ الْمَيْتَةِ إِذَا دُبِغَتْ أَيَحِلُّ مَا يُجْعَلُ فِيهَا قَالَا نَعَمْ وَيَحِلُّ ثَمَنُهَا إِذَا بُيِّنَتْ مِمَّا كَانَتْ قَالَ وَحَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ الْعَلَّافُ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ لَا يَخْتَلِفُ عِنْدَنَا بِالْمَدِينَةِ أَنَّ دِبَاغَ جُلُودِ الْمَيْتَةِ طَهُورُهَا قَالَ وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ مِثْلُ ذَلِكَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ زَيْدٍ الْعَبْسِيُّ مَوْلًى لَهُمْ دِمَشْقِيٌّ قَالَ سَأَلْتُ الْأَوْزَاعِيَّ عَنْ جُلُودِ الْمَيْتَةِ فقال حدثني الزهري أن دباغها طهروها

стр. 1266

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَكَذَلِكَ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ وَابْنُ المبارك وإسحق بن إبراهيم وهو قول مالك ابن أَنَسٍ إِلَّا أَنَّ مَالِكًا مِنْ بَيْنِ هَؤُلَاءِ كَانَ يُرَخِّصُ فِي الِانْتِفَاعِ بِهَا بَعْدَ الدِّبَاغِ وَلَا يَرَى الصَّلَاةَ فِيهَا وَيَكْرَهُ بَيْعَهَا وَشِرَاءَهَا قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَسَائِرُ مَنْ ذَكَرْنَا جَعَلَهَا طَاهِرَةً بَعْدَ الدِّبَاغِ وَأَطْلَقَ الِانْتِفَاعَ بِهَا فِي كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْقَوْلُ الَّذِي نَخْتَارُهُ وَنَذْهَبُ إِلَيْهِ قَالَ أَبُو عُمَرَ قَوْلُهُ أَطْلَقَ الِانْتِفَاعَ بِهَا فِي كُلِّ شَيْءٍ يَعْنِي الْوُضُوءَ فِيهَا وَالصَّلَاةَ فِيهَا وَبَيْعَهَا وَشِرَاءَهَا وَسَائِرَ وُجُوهِ الِانْتِفَاعِ بِهَا وَبِثَمَنِهَا (كَالْجُلُودِ) الْمُذَكَّاةِ سَوَاءٍ (وَعَلَى هَذَا أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيُّ وَالْحَسَنُ ابن حَيٍّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا وَهُوَ قَوْلُ داود ابن عَلِيٍّ وَالطَّبَرِيِّ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ وَهْبٍ صَاحِبُ مَالِكٍ كُلُّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ دِبَاغُ الْإِهَابِ طَهُورُهُ لِلصَّلَاةِ وَالْوُضُوءِ وَالْبَيْعِ وَكُلِّ شَيْءٍ

стр. 1267

وَذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ فِي مُوَطَّئِهِ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ وَحَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ جَمِيعًا عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ قَالَ سَأَلْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ جُلُودِ الْمَيْتَةِ إِذَا دُبِغَتْ آكُلُ مَا جُعِلَ فِيهَا قَالَا نَعَمْ وَيَحِلُّ ثَمَنُهَا إِذَا بُيِّنَتْ مِمَّا كَانَتْ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ قُلْتُ لِعَطَاءٍ الْفَرْوُ مِنْ جُلُودِ الْمَيْتَةِ يُصَلَّي فِيهَا قَالَ نَعَمْ وَمَا بَأْسُهُ وَقَدْ دُبِغَ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَسَمِعْتُ اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ يَقُولُ لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ إِذَا دُبِغَتْ (وَلَا بَأْسَ بِالنِّعَالِ مِنَ الْمَيْتَةِ إِذَا دُبِغَتْ) وَلَا بَأْسَ بِالِاسْتِقَاءِ بِهَا وَالشُّرْبِ مِنْهَا وَالْوُضُوءِ فِيهَا قَالَ أَبُو عُمَرَ فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ عَنِ اللَّيْثِ بِذِكْرِ شَرْطِ الدِّبَاغِ أَوْلَى مِمَّا تَقَدَّمَ عَنْهُ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ لَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَرَى بَيْعَهَا وَإِنْ لَمْ تُدْبَغْ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَنْ يُنْتَفَعَ بِهَا

стр. 1268

قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا الْقَوْلُ مَأْخُوذٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِيهِ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الطَّهَارَةَ بِالدِّبَاغِ فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ طَهَارَةٌ كَامِلَةٌ فِي الْأَشْيَاءِ الرَّطْبَةِ وَالْيَابِسَةِ وَأَجَازَ الشُّرْبَ مِنْهَا وَالِاسْتِقَاءَ بِهَا وَالصَّلَاةَ عَلَيْهَا وَسَائِرَ مَا يَجُوزُ فِي الْجُلُودِ الْمُذَكَّاةِ مَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إسمعيل التِّرْمِذِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ أَنَّ أَبَا الْخَيْرِ حَدَّثَهُ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ وَعْلَةَ السَّبَئِيُّ قَالَ سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ إِنَّا نَكُونُ بِالْمَغْرِبِ فَيَأْتِينَا الْمَجُوسُ بِالْأَسْقِيَةِ فِيهَا الْمَاءُ وَالْوَدَكُ فَقَالَ اشْرَبْ فَقُلْتُ رَأْيٌ تَرَاهُ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ سمعت رسول الله ﷺ يَقُولُ دِبَاغُهَا طَهُورُهَا وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ قَالَ حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَعْلَةَ قَالَ سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ جُلُودِ الْمَيْتَةِ فَقَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دِبَاغُهَا طَهُورُهَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ حَدَّثَنَا مُطَّلِبُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ عَنِ اللَّيْثِ قَالَ حَدَّثَنِي هشام

стр. 1269

حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنِ ابْنِ وَعْلَةَ السبئي قال سألت عبد الله بن عباس عَنْ أَسْقِيَةٍ نَجِدُهَا بِالْمَغْرِبِ فِي مَغَازِينَا فِيهَا السَّمْنُ وَالزَّيْتُ لَعَلَّهَا تَكُونُ مَيْتَةً أَفَنَأْكُلُ مِنْهَا قَالَ لَا أَدْرِي وَلَكِنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ فَهَذِهِ الْآثَارُ كُلُّهَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فَهِمَ مِنَ الْخَبَرِ مَعْنَى عُمُومِ الِانْتِفَاعِ بِهِ وَحَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَعُمُومِهِ وَإِنَّمَا سُئِلَ عَنِ الشُّرْبِ فِيهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ فَأَطْلَقَ الطَّهَارَةَ عَلَيْهَا إِطْلَاقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِشَيْءٍ وَلَمْ تَخْتَلِفْ فَتْوَى ابْنِ عباس وغيره أن دباغ الاديم طهروه وَكَذَلِكَ لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَصْحَابِهِ فِي ذَلِكَ وَكَانَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ حَاشَا ابْنَ وَهْبٍ يَرَوْنَ أَنْ يُنْتَفَعَ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ إِذَا دُبِغَتْ فِي الْجُلُوسِ عَلَيْهَا وَالْعَمَلِ وَالِامْتِهَانِ فِي الْأَشْيَاءِ الْيَابِسَةِ كَالْغَرْبَلَةِ وَشِبْهِهَا وَلَا تُبَاعُ وَلَا يُتَوَضَّأُ فِيهَا وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهَا لِأَنَّ طَهَارَتَهَا لَيْسَتْ بِطَهَارَةٍ كَامِلَةٍ وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْمَيْتَةَ فَثَبَتَ تَحْرِيمُهَا بِالْكِتَابِ وَأَبَاحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الِاسْتِمْتَاعَ بِجِلْدِهَا وَالِانْتِفَاعَ بِهِ بَعْدَ الدِّبَاغِ

стр. 1270

وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ قُسَيْطٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ أَنْ يُسْتَمْتَعَ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ إِذَا دُبِغَتْ وَفَهِمَتْ عَائِشَةُ الْمُرَادَ مِنْ ذَلِكَ فَكَانَتْ تَكْرَهُ لِبَاسَ الْفِرَاءِ مِنَ الْجُلُودِ الَّتِي لَيْسَتْ مُذَكَّاةً حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى بْنُ أَبِي مَسَرَّةَ قَالَ حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ قَالَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَائِشَةَ أَلَا نَجْعَلُ لَكِ فَرْوًا تَلْبَسِينَهُ قَالَتْ إِنِّي لَأَكْرَهُ جُلُودَ الْمَيْتَةِ قَالَ إِنَّا لَا نَجْعَلُهُ إِلَّا ذَكِيًّا فَجَعَلْنَاهُ فَكَانَتْ تَلْبَسُهُ وَرَوَى مُجَاهِدٌ وَنَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَلْبَسُ إِلَّا ذَكِيًّا وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ عُمَرَ وَغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ مِثْلُ ذَلِكَ وَفِي نَعْلَيْ موسى ﵇ ما يحتج به ها هنا فَهَذَا (مَا) فِي طَهَارَةِ جُلُودِ الْمَيْتَةِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي عُمُومَهُ جَمِيعَ الْأُهُبِ وَهِيَ الْجُلُودُ كُلُّهَا لِأَنَّ اللَّفْظَ جَاءَ فِي ذَلِكَ مَجِيءَ عُمُومٍ لَمْ يَخُصَّ شَيْئًا مِنْهَا وَهَذَا أَيْضًا مَوْضِعُ اخْتِلَافٍ وَتَنَازُعٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فَأَمَّا مَالِكٌ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِهِمْ أَنَّ جِلْدَ الْخِنْزِيرِ لَا يَدْخُلُ (فِي عُمُومِ) قَوْلِهِ ﷺ أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فقد طَهُرَ لِأَنَّهُ مُحَرَّمُ الْعَيْنِ حَيًّا وَمَيِّتًا جِلْدُهُ مثل

стр. 1271

لَحْمِهِ لَا يَعْمَلُ فِيهِ الدِّبَاغُ كَمَا لَا تَعْمَلُ فِي لَحْمِهِ الذَّكَاةُ وَلَهُمْ فِي هَذَا الْأَصْلِ اضْطِرَابٌ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ بِشْرٍ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دُلَيْمٍ حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ حَدَّثَنَا الصُّمَادِحِيُّ عَنْ مَعْنِ بْنِ عِيسَى قَالَ سَمِعْتُ مَالِكًا وَسُئِلَ عَنْ جِلْدِ الْخِنْزِيرِ إِذَا دُبِغَ قَالَ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ سَمِعْنَا أَبَا عَمْرِو بْنَ أَبِي زَيْدٍ يَقُولُ سَمِعْتُ ابْنَ وَضَّاحٍ يَقُولُ حَدَّثَنَا موسى بن معاوية عن ممن بْنِ عِيسَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ لَا يُنْتَفَعُ بِجِلْدِ الْخِنْزِيرِ وَإِنَّ دُبِغَ قَالَ وَقَالَ لِي سَحْنُونٌ لَا بَأْسَ بِهِ

стр. 1272

وَأَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَيِّدٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُوسَى ابن مُعَاوِيَةَ عَنْ مَعْنِ بْنِ عِيسَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ جِلْدِ الْخِنْزِيرِ إِذَا دُبِغَ فكرهه قال ابن وضاح وسمعت سحنون يَقُولُ لَا بَأْسَ بِهِ قَالَ أَبُو عُمَرَ قَوْلُ سَحْنُونٍ هَذَا هُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَقَوْلُ دَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ وَأَصْحَابِهِ وَحُجَّتُهُمْ مَا حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ قَالَ حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ قال حدثنا إسحق بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ حَدَّثَنَا أبو غسان محمد ابن مُطَرِّفٍ قَالَ حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَعْلَةَ أَنَّهُ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ إِنَّا قَوْمٌ نَغْزُو أَرْضَ الْمَغْرِبِ وَإِنَّمَا أستقيتنا جُلُودُ الْمَيْتَةِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ أَيُّمَا مَسْكٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ (حَمَلُوهُ عَلَى الْعُمُومِ فِي كُلِّ جِلْدٍ) قَالَ أَبُو عُمَرَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهَذَا الْقَوْلِ عُمُومَ الْجُلُودِ الْمَعْهُودِ الِانْتِفَاعُ بِهَا

стр. 1273

وَأَمَّا جِلْدُ الْخِنْزِيرِ فَلَمْ يَدْخُلْ فِي هَذَا الْمَعْنَى لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي السُّؤَالِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْهُودٍ الِانْتِفَاعُ بِجِلْدِهِ إِذْ لَا تَعْمَلُ الذَّكَاةُ فِيهِ وَإِنَّمَا دَخَلَ فِي هَذَا الْعُمُومِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ مِنَ الْجُلُودِ مَا لَوْ ذُكِّيَ لأستغنى عن الدباغ يحتمل أَنْ يَكُونَ جِلْدُ الْخِنْزِيرِ غَيْرَ دَاخِلٍ فِي عُمُومِ هَذَا الْخَبَرِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَى عُمُومِ الْمُسُوكِ كَالَّتِي إِذَا ذُكِّيَتِ اسْتَغْنَتْ عَنِ الدِّبَاغِ) وَأَمَّا جِلْدُ الْخِنْزِيرِ فَالذَّكَاةُ فِيهِ وَالْمَيْتَةُ سَوَاءٌ لِأَنَّهُ لَا تَعْمَلُ فِيهِ الذَّكَاةُ وَذَكَرَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ خَفَّفَ ذَلِكَ فِي جُلُودِ السِّبَاعِ وَكَرِهَ جُلُودَ الْحَمِيرِ الْمُذَكَّاةِ وَدَلِيلٌ آخَرُ وَهُوَ مَا قَالَهُ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ أَنَّ الْإِهَابَ جِلْدُ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالْإِبِلِ وَمَا عَدَاهَا فَإِنَّمَا يُقَالُ لَهُ جِلْدٌ لَا إِهَابَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَمَّا جِلْدُ السَّبُعِ وَالْكَلْبِ إِذَا ذُكِّيَ فَلَا بَأْسَ بِبَيْعِهِ وَالشُّرْبِ فِيهِ وَالصَّلَاةِ بِهِ

стр. 1274

قَالَ أَبُو عُمَرَ الذَّكَاةُ عِنْدَ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ عَامِلَةٌ فِي السِّبَاعِ لِجُلُودِهَا وَغَيْرُ عَامِلَةٍ فِي الْحَمِيرِ وَالْبِغَالِ لِجُلُودِهَا وَالنَّهْيُ عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ أَقْوَى مِنَ النَّهْيِ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ لِأَنَّ قَوْمًا قَالُوا إِنَّ النَّهْيَ عَنِ الْحُمُرِ إِنَّمَا كَانَ لِقِلَّةِ الظَّهْرِ وَقَالَ آخَرُونَ إِنَّمَا نَهَى مِنْهَا عَنِ الْجَلَّالَةِ وَلَمْ يُعْتَلَّ بِمِثْلِ هَذِهِ الْعِلَلِ فِي السِّبَاعِ وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ لَا يَحِلُّ بَيْعُ جُلُودِ السِّبَاعِ وَلَا الصَّلَاةُ فِيهَا وَإِنْ دُبِغَتْ إِذَا لَمْ تُذَكَّ قَالَ وَلَوْ ذُكِّيَتْ لِجُلُودِهَا لَحَلَّ بَيْعُهَا وَالصَّلَاةُ فِيهَا قَالَ أَبُو عُمَرَ جَعَلَ التَّذْكِيَةَ فِي السِّبَاعِ لِجُلُودِهَا أَكْمَلَ طَهَارَةً مِنْ دِبَاغِهَا وَهَذَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ أُصُولِهِمْ فِي أَنَّ الذَّكَاةَ عَامِلَةٌ فِي السِّبَاعِ لِجُلُودِهَا وَأَنَّ طَهَارَةَ الدِّبَاغِ لَيْسَتْ عِنْدَهُمْ طَهَارَةً كَامِلَةً وَلَكِنَّهَا مُبِيحَةٌ لِلِانْتِفَاعِ فِيمَا ذَكَرُوهُ (عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ) فِي هَذَا الْبَابِ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَأَمَّا أَشْهَبُ فَقَالَ جِلْدُ الْمَيْتَةِ (إِذَا دُبِغَ) لَا أَكْرَهُ الصَّلَاةَ فِيهِ وَلَا الْوُضُوءَ مِنْهُ وَأَكْرَهُ بَيْعَهُ وَرَهْنَهُ فإن بيع

стр. 1275

أَوْ رُهِنَ لَمْ أَفْسَخْهُ قَالَ وَكَذَلِكَ جُلُودُ السِّبَاعِ إِذَا ذُكِّيَتْ وَدُبِغَتْ وَهِيَ عِنْدِي أَخَفُّ لِمَوْضِعِ الذَّكَاةِ مَعَ الدِّبَاغِ فَإِنْ لَمْ تُذَكَّ جُلُودُ السِّبَاعِ فَهِيَ كَسَائِرِ جُلُودِ الْمَيْتَةِ إِذَا دُبِغَتْ قَالَ أَشْهَبُ وَأَمَّا جُلُودُ السِّبَاعِ إِذَا ذُكِّيَتْ وَلَمْ تُدْبَغْ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا وَلَا ارْتِهَانُهَا وَلَا الِانْتِفَاعُ بِشَيْءٍ مِنْهَا فِي حَالٍ وَيُفْسَخُ الْبَيْعُ فِيهَا وَالرَّهْنُ وَيُؤَدَّبُ فَاعِلُ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يُعْذَرَ بِجَهَالَةٍ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَرَّمَ كُلَّ ذِي نَابٍ (مِنَ السِّبَاعِ) فَلَيْسَتِ الذَّكَاةُ فِيهَا ذَكَاةً كَمَا أَنَّهَا لَيْسَتْ فِي الْخِنْزِيرِ ذَكَاةً قَالَ أَبُو عُمَرَ قَوْلُ أَشْهَبَ هَذَا هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ جُلُودُ الْمَيْتَةِ كُلُّهَا تَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ وَكَذَلِكَ جِلْدُ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ إِذَا دُبِغَ إِلَّا الْكَلْبَ وَالْخِنْزِيرَ فَإِنَّ الذَّكَاةَ وَالدِّبَاغَ لَا يَعْمَلَانِ فِي جُلُودِهِمَا شَيْئًا قَالَ أَبُو عُمَرَ وَلَا تَعْمَلُ الذَّكَاةُ عندا لشافعي فِي جِلْدِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَقَدْ تقدم في باب إسمعيل بْنِ أَبِي حَكِيمٍ اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِيمَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَمَا لَا يُؤْكَلُ مِنَ السِّبَاعِ وَحَكَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الذَّكَاةَ عِنْدَهُ عَامِلَةٌ فِي السِّبَاعِ وَالْحُمُرِ لِجُلُودِهَا وَلَا تَعْمَلُ الذَّكَاةُ عِنْدَهُ فِي جِلْدِ الْخِنْزِيرِ شَيْئًا وَلَا عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ

стр. 1276

وَكَرِهَ الثَّوْرِيُّ جُلُودَ الثَّعَالِبِ وَالْهِرِّ وَسَائِرِ السِّبَاعِ وَلَمْ يَرَ بَأْسًا بِجُلُودِ الْحَمِيرِ قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا فِي الذَّكَاةِ دُونَ الدِّبَاغِ وَأَمَّا الدباغ فهو عنده مطهر لجلود الثعالب وغيثرها وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِجُلُودِ السِّبَاعِ لَا قَبْلَ الدِّبَاغِ وَلَا بَعْدَهُ مَذْبُوحَةً كَانَتْ أَوْ مَيْتَةً وَمِمَّنْ قَالَ هذا القول الأوزاعي وابن المبارك وإسحق وأبو ثور ويزيد بن هرون وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِنَّمَا أَبَاحَ الِانْتِفَاعَ بِجِلْدِ الْمَيْتَةِ الْمَدْبُوغِ إِذَا كَانَ مِمَّا يُؤْكَلُ (لَحْمُهُ) لِأَنَّ الْخِطَابَ الْوَارِدَ فِي ذَلِكَ إِنَّمَا خَرَجَ عَلَى شَاةٍ مَاتَتْ لِبَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ كُلُّ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَمَا لَمْ يُؤْكَلْ لَحْمُهُ فَدَاخِلٌ فِي عُمُومِ تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ فِي الْمَنْعِ مِنْ جِلْدِ الْمَيْتَةِ بَعْدَ الدِّبَاغِ لِأَنَّ الذَّكَاةَ غَيْرُ عَامِلَةٍ فِيهِ قَالُوا فَكَذَلِكَ السِّبَاعُ لَا تَعْمَلُ فِيهَا الذَّكَاةُ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْلِهَا وَلَا يَعْمَلُ فِيهَا الدِّبَاغُ لِأَنَّهَا مَيْتَةٌ لَمْ يَصِحَّ خُصُوصُ شَيْءٍ مِنْهَا وَزَعَمُوا أَنَّ قَوْلَ مَنْ أَجَازَ الِانْتِفَاعَ بِجِلْدِ الْخِنْزِيرِ بَعْدَ الدِّبَاغِ شذوذ لا يعرج عليه وحكى إسحق بْنُ مَنْصُورٍ الْكَوْسَجُ عَنِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فقد طهر إِنَّمَا يُقَالُ الْإِهَابُ لِجُلُودِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ

стр. 1277

وَأَمَّا السِّبَاعُ فَجُلُودٌ قَالَ الْكَوْسَجُ وَقَالَ لِي إسحق بن راهوية هو كما قال النضر إبن شُمَيْلٍ وَحُجَّةُ الْآخَرِينَ قَوْلُهُ ﷺ أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فقد فعم الاهب فَعَمَّ الْأُهُبَ كُلَّهَا فَكُلُّ إِهَابٍ دَاخِلٌ تَحْتَ هَذَا الْخِطَابِ إِلَّا أَنْ يَصِحَّ إِجْمَاعٌ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَيَخْرُجُ مِنَ الْجُمْلَةِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى وَيَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الزَّرَّادُ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ سَأَلْتُ سَحْنُونًا عَنْ لُبْسِ الْفِرَاءِ مِنَ الْقَلَنِيَّاتِ وَقُلْتُ لَهُ إِنَّهُ بَلَغَنِي فِيهَا عَنْكَ شَيْءٌ وَقَلْتُ إِنَّهُمْ لَيْسَ يَغْسِلُونَهَا إِنَّمَا يَذْبَحُونَهَا فَيَدْبُغُونَهَا بِذَلِكَ الدَّمِ قَالَ وَمَا ذَلِكَ الدَّمُ قَالَ أَلَيْسَ يَسِيرًا قُلْتُ بَلَى قَالَ أَوْ لَيْسَ يَذْهَبُ مَعَ الدِّبَاغِ قُلْتُ بَلَى قَالَ لَا بَأْسَ بِهِ إِذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الدِّبَاغِ الَّذِي يُطَهَّرُ بِهِ جُلُودُ الْمَيْتَةِ مَا هُوَ فَقَالَ أَصْحَابُ مَالِكٍ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِهِ كُلُّ شَيْءٍ دُبِغَ بِهِ الْجِلْدُ مِنْ مِلْحٍ أَوْ قُرَظٍ أَوْ شَبٍّ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ جَازَ الِانْتِفَاعُ بِهِ

стр. 1278

وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إِنَّ كُلَّ شَيْءٍ دُبِغَ بِهِ جِلْدُ الْمَيْتَةِ فَأَزَالَ شَعْرَهُ وَرَائِحَتَهُ وَذَهَبَ بِدَسَمِهِ وَنَشَّفَهُ فَقَدْ طَهَّرَهُ وَهُوَ بِذَلِكَ الدِّبَاغِ طَاهِرٌ وَهُوَ قَوْلُ دَاوُدَ وَذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ قَالَ قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ مَا دُبِغَتْ بِهِ الْجُلُودُ مِنْ دَقِيقٍ أَوْ قُرَظٍ أَوْ مِلْحٍ فَهُوَ لَهَا طَهُورٌ وَلِلشَّافِعِيِّ في هذه المسئلة قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا هَذَا وَالْآخَرُ إِنَّهُ لَا يُطَهِّرُهُ إِلَّا الشَّبُّ أَوِ الْقَرَظُ لِأَنَّهُ الدِّبَاغُ الْمَعْهُودُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي خَرَجَ عَلَيْهِ الْخِطَابُ (وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ)

стр. 1279

حَدِيثٌ سَابِعَ عَشَرَ لِزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مُسْنَدٌ صَحِيحٌ مَالِكٌ عَنْ زيد ابن أَسْلَمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَدَعْ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلْيَدْرَأْهُ مَا اسْتَطَاعَ فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ قِيلَ إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ يُكْنَى أَبَا جَعْفَرٍ تُوُفِّيَ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ وَهُوَ ابْنُ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ (سَنَةً) وَقَدْ ذَكَرْنَا أَبَاهُ فِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ بِمَا يُغْنِي عَنْ ذِكْرِهِ ها هنا وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ مِنْ ثِقَاتِ التَّابِعِينَ بِالْمَدِينَةِ هَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ جَمَاعَةُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ فِيمَا عَلِمْتُ وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ فِي هَذَا (الْحَدِيثِ) عَنْ مَالِكٍ غَيْرُ هَذَا الْإِسْنَادِ إِلَّا ابْنَ وَهْبٍ فَإِنَّ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَدَعْ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يديه

стр. 1280

هَذَا آخِرُ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَهُ وَلَمْ يَرَوِهِ أَحَدٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ مَالِكٍ إِلَّا ابْنُ وَهْبٍ وَعِنْدَ ابْنِ وَهْبٍ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ هَذَا الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى حَسْبَمَا ذَكَرْنَاهُ وَحَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ أَشْهَرُ وَحَدِيثُ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ مَعْرُوفٌ أَيْضًا حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أصبغ قال حدثنا إسمعيل بن إسحق الْقَاضِي قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي وَبَيْنَ يَدَيْهِ ابْنٌ لِمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فَضَرَبَهُ فَقَالَ مَرْوَانُ ضَرَبْتَ ابْنَ أَخِيكَ قَالَ مَا ضَرَبْتُ إِلَّا شَيْطَانًا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِنْ أَبَى فَرُدَّهُ فَإِنْ أَبَى فَقَاتِلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ

стр. 1281

قَالَ أَبُو عُمَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَرَاهِيَةُ الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي إِذَا كَانَ وَحْدَهُ وَصَلَّى إِلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْإِمَامِ إِذَا صَلَّى إِلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَلَا يَضُرُّهُ مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ كَمَا أَنَّ الْإِمَامَ وَالْمُنْفَرِدَ لَا يَضُرُّ أَحَدًا مِنْهُمَا مَا مَرَّ مِنْ وَرَاءِ سُتْرَةِ الْإِمَامِ وَسُتْرَةُ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ هَذَا فِي الْإِمَامِ وَفِي الْمُنْفَرِدِ لِقَوْلِهِ ﷺ إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي وَمَعْنَاهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ يُصَلِّي وَحْدَهُ بِدَلِيلِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَبِذَلِكَ قُلْنَا إِنَّ الْمَأْمُومَ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ مَنْ يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى أَتَانٍ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الِاحْتِلَامَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ (فَنَزَلْتُ) وَأَرْسَلْتُ الْأَتَانَ تَرْتَعُ وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ

стр. 1282

هَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَلَا تَرَى أَنَّهُ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ فَلَمْ يَدْرَأْهُ أَحَدٌ وَلَمْ يَدْفَعْهُ وَلَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ فَإِذَا كَانَ الْإِمَامُ أَوِ الْمُنْفَرِدُ يُصَلِّيَانِ إِلَى سُتْرَةٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ مَنْ يَمُرُّ مِنْ وَرَاءِ سُتْرَتِهِ وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ كُلُّهَا عَلَى مَا ذَكَرْتُ لَكَ لَا أَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ اخْتِلَافًا وَالْآثَارُ الثَّابِتَةُ دَالَّةٌ عَلَيْهَا وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ فِي الصَّلَاةِ جَائِزٌ وَالَّذِي يَجُوزُ مِنْهُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ الْقَلِيلُ نَحْوَ قَتْلِ الْبُرْغُوثِ وَحَكِّ الْجَرَبِ وَقَتْلِ الْعَقْرَبِ بِمَا خَفَّ مِنَ الضَّرْبِ مال لَمْ تَكُنِ الْمُتَابَعَةُ وَالطُّولُ وَالْمَشْيِ إِلَى الْقَوْمِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ قَرِيبًا وَدَرْءِ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي وَهَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ يَكْثُرْ فَإِنَّ كَثُرَ أَفْسَدَ وَمَا عَلِمْتُ أَحَدًا مِنَ الْعُلَمَاءِ خَالَفَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ وَلَا عَلِمْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ جَعَلَ بَيْنَ الْقَلِيلِ مِنَ الْعَمَلِ الْجَائِزِ فِي الصَّلَاةِ وَبَيْنَ الْكَثِيرِ الْمُفْسِدِ لَهَا حَدًّا لَا يَتَجَاوَزُ إِلَّا مَا تَعَارَفَهُ النَّاسُ وَالْآثَارُ الْمَرْفُوعَةُ فِي هَذَا الْبَابِ وَالْمَوْقُوفَةُ كَثِيرَةٌ (وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ فَتْلِ الدَّمِ وَقَتْلِ الْقَمْلِ فِي الصَّلَاةِ فِي بَابِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ) وَمِنَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ لَا يَجُوزُ مِنْهُ فِيهَا الْقَلِيلُ وَلَا الْكَثِيرُ وَهُوَ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَالْكَلَامُ عَمْدًا فِي غَيْرِ شأن الصلاة

стр. 1283

وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا بَايَنَهَا وَخَالَفَهَا مِنَ اللَّهْوِ وَالْمَعَاصِي وَمَا لَمْ تَرِدْ فِيهِ إِبَاحَةُ قَلِيلِ ذكل كُلِّهِ وَكَثِيرُهُ غَيْرُ جَائِزٍ شَيْءٌ مِنْهُ فِي الصَّلَاةِ وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَالْمُقَاتَلَةُ هُنَا الْمُدَافَعَةُ وَأَظُنُّهُ كَلَامًا خَرَجَ عَلَى التَّغْلِيظِ وَلِكُلِّ شَيْءٍ حَدٌّ وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يُقَاتِلُهُ بِسَيْفٍ وَلَا يُخَاطِبُهُ وَلَا يَبْلُغُ مِنْهُ مَبْلَغًا تَفْسُدُ بِهِ صَلَاتُهُ فَيَكُونُ فِعْلُهُ ذَلِكَ أَضَرَّ عَلَيْهِ مِنْ مُرُورِ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَمَا أَظُنُّ أَحَدًا بَلَغَ بِنَفْسِهِ إِذَا جَهِلَ أَوْ نَسِيَ فَمَرَّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي إِلَى أَكْثَرَ مِنَ الدَّفْعِ وَفِي إِجْمَاعِهِمْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مَا يُبَيِّنُ لَكَ الْمُرَادَ مِنَ الْحَدِيثِ وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي أَكْثَرِ ظَنِّي ضَمَّنَ رَجُلًا دَفَعَ آخَرَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي فَكَسَرَ أَنْفَهُ دِيَةَ مَا جَنَى عَلَى أَنْفِهِ وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَبْلُغَ ذَلِكَ بِهِ وَلِأَنَّ مَا تَوَلَّدَ عَنِ الْمُبَاحِ فَهُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ وَقَدْ كَانَ الثَّوْرِيُّ يَدْفَعُ الْمَارَّ بَيْنَ يَدَيْهِ إِذَا صَلَّى دَفْعًا عَنِيفًا وَذَكَرَ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ أَنَّهُ قَالَ يمر الرَّجُلُ يَتَبَخْتَرُ بَيْنَ يَدَيَّ وَأَنَا أُصَلِّي فَأَدْفَعُهُ وَيَمُرُّ الضَّعِيفُ فَلَا أَمْنَعُهُ وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ فِي هَذَا الْبَابِ وَذَكَرَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ إِذَا جَازَ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي فَلَا يَرُدُّهُ قَالَ وَكَذَلِكَ لَا يَرُدُّهُ وَهُوَ ساجد

стр. 1284

وَقَالَ أَشْهَبُ إِذَا مَرَّ قُدَّامَهُ فَلْيَرُدَّهُ بِإِشَارَةٍ وَلَا يَمْشِي إِلَيْهِ لِأَنَّ مَشْيَهُ إِلَيْهِ أَشَدُّ مِنْ مُرُورِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ فَإِنْ مَشَى إِلَيْهِ وَرَدَّهُ لَمْ تَفْسُدْ بِذَلِكَ صَلَاتُهُ قَالَ أَبُو عُمَرَ (إِنْ كَانَ مَشْيًا كَثِيرًا فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ) وَإِنَّمَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ وَيَدْرَأَهُ مَنْعًا لَا يَشْتَغِلُ بِهِ عَنْ صَلَاتِهِ فَإِنْ أَبَى عَلَيْهِ فَلْيَدَعْهُ يَبُوءُ بِإِثْمِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي مُرُورِهِ أَنَّهُ لَا يَقْطَعُ عَلَى الْمُصَلِّي صَلَاتَهُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ المؤمن قال حدثنا محمد ابن بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ مُجَالِدٍ عَنْ أَبِي الْوَدَّاكِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ وَادْرَءُوا مَا اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا لَمْ يَقْطَعِ الصَّلَاةَ شَيْءٌ فَإِنَّمَا هُوَ تَغْلِيطٌ عَلَى الْمَارِّ وَلِذَلِكَ جَاءَ فِيهِ مَا جَاءَ والله أعلم

стр. 1285

وَسَنَذْكُرُ اخْتِلَافَ النَّاسِ فِيمَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ وَمَا لَا يَقْطَعُهَا فِي مَوْضِعِهِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَالصَّحِيحُ عِنْدَنَا أَنَّ الصَّلَاةَ لَا يَقْطَعُهَا شَيْءٌ مِمَّا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ وَلَوْ كَانَ خِنْزِيرًا وَإِنَّمَا يَقْطَعُهَا مَا يُفْسِدُهَا مِنَ الْحَدَثِ وَغَيْرِهِ (مِمَّا جَاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ) وَأَمَّا الْحَدِيثُ بِأَنَّ الْإِمَامَ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ الْأَعْنَاقِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا إسحق بن إسمعيل الْأَيْلِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ جِئْتُ أَنَا وَالْفَضْلُ عَلَى أَتَانٍ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِعَرَفَةَ فَمَرَرْنَا بِبَعْضِ الصَّفِّ فَنَزَلْنَا عَنْهَا وَتَرَكْنَاهَا تَرْتَعُ وَدَخَلْنَا مَعَهُ فِي الصَّفِّ فَلَمْ يَقُلْ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ شَيْئًا فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ سُتْرَةَ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ وَأَوْضَحُ مِنْ هَذَا حَدِيثٌ حَدَّثَنَاهُ خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ السَّكَنِ قَالَ حَدَّثَنَا الحسين بن إسمعيل الْمَحَامِلِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ

стр. 1286

مُحَمَّدِ بْنِ تُرَابٍ الْحَضْرَمِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَزِيدَ الْأَرْقَطُ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ الْغَازِي عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ أَوِ الْعَصْرَ فَجَاءَتْ بَهْمَةٌ لِتَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَدْرَؤُهَا حَتَّى رَأَيْتُهُ أَلْصَقَ مَنْكِبَهُ بِالْجِدَارِ فَمَرَّتْ خَلْفَهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ تَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَمْ يَكْرَهْ أَنْ تَمُرَّ خَلْفَهُ وَهَذَا الْحَدِيثُ خُولِفَ فِيهِ خلاد هنا فروى عن هشام بن الغزي عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ وَقَدْ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَحَدَّثَنَا

стр. 1287

سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَا جَمِيعًا حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ هِشَامِ بْنِ الْغَازِي عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ ثَنِيَّةِ أَذَاخِرَ بحضرته الصَّلَاةُ إِلَى جِدَارٍ فَاتَّخَذَهُ قِبْلَةً وَنَحْنُ خَلْفَهُ فَجَاءَتْ بَهْمَةٌ لِتَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَمَا زَالَ يَدْرَؤُهَا حَتَّى أَلْصَقَ بَطْنَهُ بِالْجِدَارِ وَمَرَّتْ مِنْ وَرَائِهِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي إِلَى سُتْرَةٍ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ إِنْ لَمْ يَكُنْ جِدَارٌ نَصَبَ أَمَامَهُ شَيْئًا وَكَانَ يَأْمُرُ بِذَلِكَ ﷺ وَالسُّتْرَةُ فِي الصَّلَاةِ سُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ مَعْمُولٌ بِهَا رَوَى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ يَوْمَ الْعِيدِ أَمَرَ بِالْحَرْبَةِ فَتُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَيُصَلِّي إِلَيْهَا وَالنَّاسُ وَرَاءَهُ وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ

стр. 1288

فِي السَّفَرِ قَالَ فَمِنْ ثَمَّ اتَّخَذَهَا الْأُمَرَاءُ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ وَجَمِيعُهُمْ وَرَوَى شُعْبَةُ عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ شَهِدَ النبي ﷺ بِالْبَطْحَاءِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ تَمُرُّ مِنْ وَرَائِهَا الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ وَصَلَّى الظُّهْرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى شَجَرَةٍ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ أَيْضًا عَنْ أبي إسحق عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ عَنْ عَلِيٍّ وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الْعَبْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِيهِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا جَعَلْتَ بَيْنَ يَدَيْكَ

стр. 1289

مِثْلَ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ فَلَا يَضُرُّكَ مَنْ مَرَّ مِنْ بَيْنِ يَدَيْكَ وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يزيد المقريء قَالَ حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ عَنْ سُتْرَةِ الْمُصَلِّي فَقَالَ مِثْلُ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ وَأَمَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالدُّنُوِّ مِنَ السُّتْرَةِ رَوَاهُ سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى سُتْرَةٍ فَلْيَدْنُ مِنْهَا لَا يَقْطَعُ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ وَهُوَ حَدِيثٌ مُخْتَلَفٌ فِي إِسْنَادِهِ وَلَكِنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ ذَكَرَهُ النَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وغيرهما

стр. 1290

وَمِقْدَارُ الدُّنُوِّ مِنَ السُّتْرَةِ مَوْجُودٌ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ بِلَالٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذْ صَلَّى بِالْكَعْبَةِ جَعَلَ عَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ وَعَمُودَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ وَثَلَاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ وَكَانَ الْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ وَجَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ هَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَجَمَاعَةٌ عَنْ مَالِكٍ وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي بَابِ نَافِعٍ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ قَالَ عَطَاءٌ أَقَلُّ مَا يَكْفِيكَ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ يَسْتَحِبَّانِ ثَلَاثَةَ أَذْرُعٍ وَلَا يُوجِبَانِ ذَلِكَ وَلَمْ يَحُدَّ فِيهِ (أَيْضًا) مَالِكٌ حَدًّا وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُغَفَّلِ يَجْعَلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السُّتْرَةِ سِتَّةَ أَذْرُعٍ وَقَالَ عِكْرِمَةُ إِذَا كَانَ بيك وَبَيْنَ الَّذِي يَقْطَعُ الصَّلَاةَ قَذْفَةُ حَجَرٍ لَمْ يَقْطَعِ الصَّلَاةَ وَرَوَى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ قَالَ كَانَ بَيْنَ مَقَامِ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ مَمَرَّ عَنْزٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ حدثنا القعنبي والنفيلي قالا جميعا حثدنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ كَانَ بَيْنَ مَقَامِ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ مَمَرُّ عَنْزٍ

стр. 1291

قَالَ أَبُو عُمَرَ حَدِيثُ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ بِلَالٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ فِي الْكَعْبَةِ ثَلَاثَةَ أَذْرُعٍ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ مِنْ جِهَةِ الْإِسْنَادِ وَكِلَاهُمَا حَسَنٌ وَأَمَّا اسْتِقْبَالُ السُّتْرَةِ وَالصَّمْدُ لَهَا فَلَا تَحْدِيدَ فِي ذَلِكَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ وَحَسْبُ الْمُصَلِّي أَنْ تَكُونَ سُتْرَتُهُ قُبَالَةَ وَجْهِهِ وَقَدْ رُوِّينَا عَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ قَالَ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى إِلَى عُودٍ وَلَا عَمُودٍ وَلَا شَجَرَةٍ إِلَّا جَعَلَهُ عَلَى حَاجِبِهِ الْأَيْمَنِ أَوِ الْأَيْسَرِ وَلَا يَصْمُدُ لَهُ صَمْدًا خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ فَهَذَا مَا جَاءَ مِنَ الْآثَارِ الَّتِي اجْتَمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَيْهَا وَلَا أَعْلَمُهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الْعَمَلِ بِهَا وَلَا أَنْكَرَ أَحَدٌ مِنْهُمْ شَيْئًا مِنْهَا وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ قَدِ اسْتَحْسَنَ شَيْئًا وَاسْتَحْسَنَ غَيْرُهُ مَا يَقْرُبُ مِنْهُ وَهَذَا كُلُّهُ بِحَمْدِ اللَّهِ سَوَاءٌ أَوْ قَرِيبٌ مِنَ السَّوَاءِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَأَمَّا صِفَةُ السُّتْرَةِ وَقَدْرُهَا فِي ارْتِفَاعِهَا وَغِلَظِهَا فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذلك

стр. 1292

فَقَالَ مَالِكٌ أَقَلُّ مَا يُجْزِئُ فِي السُّتْرَةِ غِلَظُ الرُّمْحِ وَكَذَلِكَ السَّوْطُ وَالْعَصَا وَارْتِفَاعُهَا قَدْرُ عظم الذراع هذا أقل ما يجزيء عنده وهو قول الشافعي في ذكل كُلِّهِ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ أَقَلُّ السُّتْرَةِ قَدْرُ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ وَيَكُونُ ارْتِفَاعُهَا عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ ذِرَاعًا وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَقَالَ قَتَادَةُ ذِرَاعٌ وَشِبْرٌ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ قَدْرُ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ وَلَمْ يَحُدَّ ذِرَاعًا وَلَا عَظْمَ ذِرَاعٍ ولا غير ذلك وقال يجزيء السَّهْمُ وَالسَّوْطُ وَالسَّيْفُ يَعْنِي فِي الْغِلَظِ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يُعَرَّضُ وَلَا يُنْصَبُ وَفِي الْخَطِّ فَكُلُّ من ذكرنا قوله أنه لا يجزيء عِنْدَهُ أَقَلُّ مِنْ عَظْمِ الذِّرَاعِ أَوْ أَقَلُّ مِنْ ذِرَاعٍ لَا يُجِيزُ الْخَطَّ وَلَا أَنْ يُعَرِّضَ الْعَصَا وَالْعُودَ فِي الْأَرْضِ فَيُصَلِّي إِلَيْهَا وَهُمْ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ كُلُّهُمْ يَقُولُ الْخَطُّ لَيْسَ بِشَيْءٍ وَهُوَ بَاطِلٌ وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِلَّا مَا ذَكَرْنَا وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو ثَوْرٍ إِذَا لَمْ يَجْعَلْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ شَيْئًا وَلَمْ يَجِدْ عَصًا يَنْصِبُهَا فَلْيَخُطَّ خَطًّا وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ بِالْعِرَاقِ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ إِذَا لَمْ (يَكُنْ) يَنْتَصِبْ لَهُ عَرَّضَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَصَلَّى إِلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ خَطَّ خطا وهو قول سعيد بين جُبَيْرٍ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالسَّوْطُ يُعَرِّضُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الْخَطِّ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ بِمِصْرَ لَا يَخُطُّ (الرَّجُلُ) بَيْنَ يَدَيْهِ خَطًّا إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ ثَابِتٌ فَيُتَّبَعُ

стр. 1293

قَالَ أَبُو عُمَرَ احْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى الْخَطِّ بِمَا أَخْبَرَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ قَالَ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ حَدَّثَنَا إسمعيل ابن أُمَيَّةَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو عَمْرِو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حُرَيْثٍ أَنَّهُ سَمِعَ جَدَّهُ حُرَيْثًا يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ شَيْئًا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَنْصِبْ عَصَاهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَصًا فَلْيَخُطَّ خَطًّا وَلَا يَضُرُّهُ مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ (حَدِيثٌ) صَحِيحٌ وَإِلَيْهِ ذَهَبُوا ورأيت أن علي بن الْمَدِينِيِّ كَانَ يُصَحِّحُ هَذَا الْحَدِيثَ وَيَحْتَجُّ بِهِ

стр. 1294

وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ إِذْ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ أَبُو عَمْرِو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حُرَيْثٍ هَذَا مَجْهُولٌ وَجَدُّهُ أَيْضًا مَجْهُولٌ لَيْسَ لَهُمَا ذِكْرٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَلَا يُحْتَجُّ بمثل هذا (من) الحديث واخلتف الْقَائِلُونَ بِالْخَطِّ فِي هَيْئَةِ الْخَطِّ فَقَالَتْ (مِنْهُمْ) طَائِفَةٌ يَكُونُ عَرْضًا مِنْهُمْ الْأَوْزَاعِيُّ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ يَكُونُ طُولًا كَالْعَصَا (يُقِيمُهَا) مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ الْخُرَيْبِيُّ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ يَكُونُ كَالْهِلَالِ وَالْمِحْرَابِ مِنْهُمْ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ

стр. 1295

حَدِيثٌ ثَامِنَ عَشَرَ لِزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مُسْنَدٌ صَحِيحٌ مَالِكٌ عَنْ زيد ابن أَسْلَمَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ الْخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ لِرَجُلٍ أَجْرٌ وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ فَأَمَّا الَّذِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَطَالَ لَهَا فِي مَرَجٍ أَوْ رَوْضَةٍ فَمَا أَصَابَتْ فِي طِيَلِهَا (ذَلِكَ) مِنَ الْمَرْجِ أَوِ الرَّوْضَةِ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٍ وَلَوْ أَنَّهَا قَطَعَتْ طِيَلَهَا ذَلِكَ فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ كَانَتْ آثَارُهَا وَأَرْوَاثُهَا حَسَنَاتٍ لَهُ وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهَرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يُسْقَى بِهِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ حَسَنَاتٍ فَهِيَ لِذَلِكَ أَجْرٌ وَرَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِّيًا وَتَعَفُّفًا وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا وَلَا ظُهُورِهَا فَهِيَ لِذَلِكَ سِتْرٌ وَرَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا وَرِيَاءً وَنِوَاءً لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ فَهِيَ عَلَى ذَلِكَ وِزْرٌ وَسُئِلَ عَنِ الْحُمُرِ فَقَالَ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيَّ فِيهَا (شَيْءٌ) إِلَّا هَذِهِ الْآيَةَ الْجَامِعَةَ الْفَاذَّةَ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ

стр. 1296

أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ اسْمُهُ ذَكْوَانُ وَهُوَ وَالِدُ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ مَدَنِيٌّ نَزَلَ الْكُوفَةَ ثِقَةٌ مَأْمُونٌ عَلَى مَا رَوَى وَحَمَلَ مِنْ أَثَرٍ فِي الدِّينِ مِنْ خِيَارِ التَّابِعِينَ وَهُوَ مَوْلًى لِجُوَيْرِيَةَ امْرَأَةٌ مِنْ غَطَفَانَ رَوَى عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ سُمَيٌّ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ والقعقاع ابن حَكِيمٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ وَابْنُهُ سُهَيْلٌ وَرَوَى عَنْهُ مَنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ الْأَعْمَشُ وَالْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ وَعَاصِمُ بْنُ أَبِي النَّجُودِ وَتُوُفِّيَ أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ إِحْدَى وَمِائَةٍ وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ إِذَا نَظَرَ إِلَى أَبِي صَالِحٍ هَذَا قَالَ مَا عَلَى هَذَا أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ الْأَعْيَانَ لَا يُؤْجَرُ الْمَرْءُ فِي اكْتِسَابِهَا إِنَّمَا يُؤْجَرُ فِي اسْتِعْمَالِ مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِعَمَلِهِ مَعَ النِّيَّةِ الَّتِي تَزْكُو بِهَا الْأَعْمَالُ إِذَا نَوَى بِهَا صَاحِبُهَا وَجْهَ اللَّهِ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ وَمَا يُقَرِّبُهُ مِنْ رَبِّهِ إِذَا كَانَ (ذَلِكَ) عَلَى سُنَّةٍ أَلَا تَرَى أَنَّ الْخَيْلَ أَجْرٌ لِمَنِ اكْتَسَبَهَا وَوِزْرٌ عَلَى مَنِ اكْتَسَبَهَا عَلَى مَا جَاءَ بِهِ الْحَدِيثُ وَهِيَ جِنْسٌ وَاحِدٌ قَالَ اللَّهُ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ والصابرين ونبلوا أَخْبَارَكُمْ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ

стр. 1297

عَمَلًا وَقَالَ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ وَفِيهِ أَنَّ الْحَسَنَاتِ تُكْتَبُ لِلْمَرْءِ إِذَا كَانَ لَهُ فِيهَا سَبَبٌ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ قَصْدَهَا تَفَضُّلًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةً مِنْهُ بِهِمْ وَلَيْسَ هَذَا حُكْمُ (اكْتِسَابِ) السَّيِّئَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ يَدُلُّكَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِي هذا الحديث حركات الخيل ونقلبه فِي سَيِّئَاتِ الْمُفْتَخِرِ بِهَا كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ فِي حَسَنَاتِ الْمُحْتَسِبِ الْمُرِيدِ بِهَا الْبِرَّ أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَوْ قَطَعَتْ حَبْلَهَا نَهَارًا فَأَفْسَدَتْ زَرْعًا أَوْ رَمَحَتْ فَقَتَلَتْ أَوْ جُنَّتْ أَنَّ صاحبها برئ مِنَ الضَّمَانِ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهَرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَهَا كَانَ ذَلِكَ لَهُ حَسَنَاتٍ وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا صَنَعَ شَيْئًا يُرِيدُ بِهِ اللَّهَ فَكُلُّ مَا كَانَ بِسَبَبٍ مِنْهُ وَإِلَيْهِ كَانَ لَهُ حُكْمُهُ فِي الْأَجْرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ ﷺ مَنْ كَانَ مُنْتَظِرًا الصَّلَاةَ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ وَقَالَ ﷺ انْتِظَارُ

стр. 1298

الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ ذَلِكُمُ الرِّبَاطُ ذَلِكُمُ الرِّبَاطُ لِأَنَّ انْتِظَارَ الصَّلَاةِ سَبَبُ شُهُودِهَا وَكَذَلِكَ انْتِظَارُ الْعَدُوِّ فِي الْمَوْضِعِ الْمَخُوفِ فِيهِ إِرْصَادٌ لِلْعَدُوِّ (وَقُوَّةٌ لِأَهْلِ الْمَوْضِعِ وَعِدَّةٌ لِلِقَاءِ الْعَدُوِّ) (وَسَبَبٌ لِذَلِكَ كُلِّهِ) وَمِنْهُ قَوْلُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَأَحْتَسِبُ فِي نَوْمَتِي مِثْلَ مَا أَحْتَسِبُ فِي قَوْمَتِي وَكَانَ يَنَامُ بَعْضَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ بَعْضَهُ وَبِالنَّوْمِ كَانَ يَقْوَى عَلَى الْقِيَامِ وَكَذَلِكَ يَقْوَى بِرَعْيِ الْخَيْلِ وَأَكْلِهَا وَشُرْبِهَا عَلَى مُلَاقَاةِ الْعَدُوِّ إِذَا احْتِيجَ إِلَيْهَا وَهَذَا كُلُّهُ فِي تَعْظِيمِ فِعْلِ الرِّبَاطِ لِأَنَّهُ جُلُوسٌ وَانْتِظَارٌ وَاسْتِعْدَادٌ لِلْعَدُوِّ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الْخَوْفِ وَالرَّوْعَاتِ أَحْيَانًا وَقَدْ يُكْتَبُ لِلرَّجُلِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ إِذَا حَبَسَهُ عَنْهُ عُذْرٌ مِنْ مَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ وَفِي ذَلِكَ الْمَعْنَى شُعْبَةٌ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى وَقَدْ أَتَيْنَا بِمَا رُوِيَ فِيهِ مِنَ الْآثَارِ فِي بَابِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ وَالْحَمْدُ لله

стр. 1299

وَرَوَى يَحْيَى بْنُ سَلَامٍ قَالَ أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ مَنِ ارْتَبَطَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَانَ بَوْلُهُ وَرَوْثُهُ فِي أَجْرِهِ وَرَوَى صَالِحُ بن يحيى بن المقدام بن معدي كرب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ مَنِ ارْتَبَطَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَانَ عَلَفُهُ وَشُرْبُهُ وَبَوْلُهُ وَرَوْثُهُ فِي مِيزَانِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَمَّا قَوْلُهُ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَعْنِي ارْتَبَطَهَا مِنَ الرِّبَاطِ قَالَ الْخَلِيلُ الرِّبَاطُ مُلَازَمَةُ الثُّغُورِ وَمُوَاظَبَةُ الصَّلَاةِ أَيْضًا قَالَ وَالرِّبَاطُ الشَّيْءُ الَّذِي تَرْبُطُ بِهِ وَتُرْبَطُ (أَيْضًا) وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ عَنْ أَبِي زَيْدٍ الرِّبَاطُ مِنَ الْخَيْلِ الْخَمْسُ فَمَا فَوْقَهَا وَجَمَاعَةٌ رَبَطٌ وَهِيَ الَّتِي تَرْتَبِطُ يُقَالُ مِنْهُ رَبَطَ يَرْبُطُ رَبْطًا وَارْتَبَطَ يَرْتَبِطُ ارْتِبَاطًا وَمَرْبِطُ الْخَيْلِ وَمَرَابِطُ الْخَيْلِ قَالَ الشَّاعِرُ ... أَمَرَ الْإِلَهُ بِرَبْطِهَا لِعَدُوِّهِ ... فِي الْحَرْبِ إِنَّ اللَّهَ خَيْرُ مُوَفِّقِ

стр. 1300

وَقَالَتْ لَيْلَى الْأَخْيَلِيَّةُ ... لَا تَقْرَبَنَّ الدَّهْرَ آلَ مُحَرِّقٍ ... إِنْ ظَالِمًا أَبَدًا وَإِنْ مَظْلُومَا ... ... قَوْمٌ رِبَاطُ الْخَيْلِ حَوْلَ بُيُوتِهِمْ ... وَأَسِنَّةٌ زُرْقٌ تُخَلْنَ نُجُومَا ... وَيُنْشَدُ لِابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ مِنْ قَوْلِهِ ... أَحِبُّوا الْخَيْلَ وَاصْطَبِرُوا عَلَيْهَا ... فَإِنَّ الْعِزَّ فِيهَا وَالْجَمَالَا ... ... إِذَا مَا الْخَيْلُ ضَيَّعَهَا أُنَاسٌ ... رَبَطْنَاهَا فَشَارَكَتِ الْعِيَالَا ... ... نُقَاسِمُهَا الْمَعِيشَةَ كُلَّ يَوْمٍ ... ... وَنَكْسُوهَا الْبَرَاقِعَ وَالْجَلَالَا ... وَقَالَ مَكْحُولُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ... تَلُومُ عَلَيَّ رَبْطَ الْجِيَادِ وَحَبْسَهَا ... وَأَوْصَى بِهَا اللَّهُ النَّبِيَّ مُحَمَّدًا ... وَقَالَ الْأَخْطَلُ ... ما زال فينا رباط الخيل نعرفه ... وَفِي كُلَيْبٍ رِبَاطُ اللُّؤْمِ وَالْعَارِ ... وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ فَمَا أَصَابَتْ فِي طِيَلِهَا فَالطِّيَلُ الْحَبْلُ يُطَوَّلُ فِيهِ لِلدَّابَّةِ وَهُوَ مَكْسُورُ الْأَوَّلِ وَقَلَّمَا يَأْتِي فِي الْأَفْعَالِ
следующие страницы →