Полный текст (8 345 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ اسْمُهُ ذَكْوَانُ وَهُوَ وَالِدُ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ مَدَنِيٌّ نَزَلَ الْكُوفَةَ ثِقَةٌ مَأْمُونٌ عَلَى مَا رَوَى وَحَمَلَ مِنْ أَثَرٍ فِي الدِّينِ مِنْ خِيَارِ التَّابِعِينَ وَهُوَ مَوْلًى لِجُوَيْرِيَةَ امْرَأَةٌ مِنْ غَطَفَانَ رَوَى عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ سُمَيٌّ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ والقعقاع ابن حَكِيمٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ وَابْنُهُ سُهَيْلٌ وَرَوَى عَنْهُ مَنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ الْأَعْمَشُ وَالْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ وَعَاصِمُ بْنُ أَبِي النَّجُودِ وَتُوُفِّيَ أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ إِحْدَى وَمِائَةٍ وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ إِذَا نَظَرَ إِلَى أَبِي صَالِحٍ هَذَا قَالَ مَا عَلَى هَذَا أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ الْأَعْيَانَ لَا يُؤْجَرُ الْمَرْءُ فِي اكْتِسَابِهَا إِنَّمَا يُؤْجَرُ فِي اسْتِعْمَالِ مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِعَمَلِهِ مَعَ النِّيَّةِ الَّتِي تَزْكُو بِهَا الْأَعْمَالُ إِذَا نَوَى بِهَا صَاحِبُهَا وَجْهَ اللَّهِ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ وَمَا يُقَرِّبُهُ مِنْ رَبِّهِ إِذَا كَانَ (ذَلِكَ) عَلَى سُنَّةٍ أَلَا تَرَى أَنَّ الْخَيْلَ أَجْرٌ لِمَنِ اكْتَسَبَهَا وَوِزْرٌ عَلَى مَنِ اكْتَسَبَهَا عَلَى مَا جَاءَ بِهِ الْحَدِيثُ وَهِيَ جِنْسٌ وَاحِدٌ قَالَ اللَّهُ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ والصابرين ونبلوا أَخْبَارَكُمْ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ
стр. 1297
عَمَلًا وَقَالَ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ وَفِيهِ أَنَّ الْحَسَنَاتِ تُكْتَبُ لِلْمَرْءِ إِذَا كَانَ لَهُ فِيهَا سَبَبٌ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ قَصْدَهَا تَفَضُّلًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةً مِنْهُ بِهِمْ وَلَيْسَ هَذَا حُكْمُ (اكْتِسَابِ) السَّيِّئَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ يَدُلُّكَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِي هذا الحديث حركات الخيل ونقلبه فِي سَيِّئَاتِ الْمُفْتَخِرِ بِهَا كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ فِي حَسَنَاتِ الْمُحْتَسِبِ الْمُرِيدِ بِهَا الْبِرَّ أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَوْ قَطَعَتْ حَبْلَهَا نَهَارًا فَأَفْسَدَتْ زَرْعًا أَوْ رَمَحَتْ فَقَتَلَتْ أَوْ جُنَّتْ أَنَّ صاحبها برئ مِنَ الضَّمَانِ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهَرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَهَا كَانَ ذَلِكَ لَهُ حَسَنَاتٍ وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا صَنَعَ شَيْئًا يُرِيدُ بِهِ اللَّهَ فَكُلُّ مَا كَانَ بِسَبَبٍ مِنْهُ وَإِلَيْهِ كَانَ لَهُ حُكْمُهُ فِي الْأَجْرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ ﷺ مَنْ كَانَ مُنْتَظِرًا الصَّلَاةَ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ وَقَالَ ﷺ انْتِظَارُ
стр. 1298
الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ ذَلِكُمُ الرِّبَاطُ ذَلِكُمُ الرِّبَاطُ لِأَنَّ انْتِظَارَ الصَّلَاةِ سَبَبُ شُهُودِهَا وَكَذَلِكَ انْتِظَارُ الْعَدُوِّ فِي الْمَوْضِعِ الْمَخُوفِ فِيهِ إِرْصَادٌ لِلْعَدُوِّ (وَقُوَّةٌ لِأَهْلِ الْمَوْضِعِ وَعِدَّةٌ لِلِقَاءِ الْعَدُوِّ) (وَسَبَبٌ لِذَلِكَ كُلِّهِ) وَمِنْهُ قَوْلُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَأَحْتَسِبُ فِي نَوْمَتِي مِثْلَ مَا أَحْتَسِبُ فِي قَوْمَتِي وَكَانَ يَنَامُ بَعْضَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ بَعْضَهُ وَبِالنَّوْمِ كَانَ يَقْوَى عَلَى الْقِيَامِ وَكَذَلِكَ يَقْوَى بِرَعْيِ الْخَيْلِ وَأَكْلِهَا وَشُرْبِهَا عَلَى مُلَاقَاةِ الْعَدُوِّ إِذَا احْتِيجَ إِلَيْهَا وَهَذَا كُلُّهُ فِي تَعْظِيمِ فِعْلِ الرِّبَاطِ لِأَنَّهُ جُلُوسٌ وَانْتِظَارٌ وَاسْتِعْدَادٌ لِلْعَدُوِّ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الْخَوْفِ وَالرَّوْعَاتِ أَحْيَانًا وَقَدْ يُكْتَبُ لِلرَّجُلِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ إِذَا حَبَسَهُ عَنْهُ عُذْرٌ مِنْ مَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ وَفِي ذَلِكَ الْمَعْنَى شُعْبَةٌ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى وَقَدْ أَتَيْنَا بِمَا رُوِيَ فِيهِ مِنَ الْآثَارِ فِي بَابِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ وَالْحَمْدُ لله
стр. 1299
وَرَوَى يَحْيَى بْنُ سَلَامٍ قَالَ أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ مَنِ ارْتَبَطَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَانَ بَوْلُهُ وَرَوْثُهُ فِي أَجْرِهِ وَرَوَى صَالِحُ بن يحيى بن المقدام بن معدي كرب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ مَنِ ارْتَبَطَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَانَ عَلَفُهُ وَشُرْبُهُ وَبَوْلُهُ وَرَوْثُهُ فِي مِيزَانِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَمَّا قَوْلُهُ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَعْنِي ارْتَبَطَهَا مِنَ الرِّبَاطِ قَالَ الْخَلِيلُ الرِّبَاطُ مُلَازَمَةُ الثُّغُورِ وَمُوَاظَبَةُ الصَّلَاةِ أَيْضًا قَالَ وَالرِّبَاطُ الشَّيْءُ الَّذِي تَرْبُطُ بِهِ وَتُرْبَطُ (أَيْضًا) وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ عَنْ أَبِي زَيْدٍ الرِّبَاطُ مِنَ الْخَيْلِ الْخَمْسُ فَمَا فَوْقَهَا وَجَمَاعَةٌ رَبَطٌ وَهِيَ الَّتِي تَرْتَبِطُ يُقَالُ مِنْهُ رَبَطَ يَرْبُطُ رَبْطًا وَارْتَبَطَ يَرْتَبِطُ ارْتِبَاطًا وَمَرْبِطُ الْخَيْلِ وَمَرَابِطُ الْخَيْلِ قَالَ الشَّاعِرُ ... أَمَرَ الْإِلَهُ بِرَبْطِهَا لِعَدُوِّهِ ... فِي الْحَرْبِ إِنَّ اللَّهَ خَيْرُ مُوَفِّقِ
стр. 1300
وَقَالَتْ لَيْلَى الْأَخْيَلِيَّةُ ... لَا تَقْرَبَنَّ الدَّهْرَ آلَ مُحَرِّقٍ ... إِنْ ظَالِمًا أَبَدًا وَإِنْ مَظْلُومَا ... ... قَوْمٌ رِبَاطُ الْخَيْلِ حَوْلَ بُيُوتِهِمْ ... وَأَسِنَّةٌ زُرْقٌ تُخَلْنَ نُجُومَا ... وَيُنْشَدُ لِابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ مِنْ قَوْلِهِ ... أَحِبُّوا الْخَيْلَ وَاصْطَبِرُوا عَلَيْهَا ... فَإِنَّ الْعِزَّ فِيهَا وَالْجَمَالَا ... ... إِذَا مَا الْخَيْلُ ضَيَّعَهَا أُنَاسٌ ... رَبَطْنَاهَا فَشَارَكَتِ الْعِيَالَا ... ... نُقَاسِمُهَا الْمَعِيشَةَ كُلَّ يَوْمٍ ... ... وَنَكْسُوهَا الْبَرَاقِعَ وَالْجَلَالَا ... وَقَالَ مَكْحُولُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ... تَلُومُ عَلَيَّ رَبْطَ الْجِيَادِ وَحَبْسَهَا ... وَأَوْصَى بِهَا اللَّهُ النَّبِيَّ مُحَمَّدًا ... وَقَالَ الْأَخْطَلُ ... ما زال فينا رباط الخيل نعرفه ... وَفِي كُلَيْبٍ رِبَاطُ اللُّؤْمِ وَالْعَارِ ... وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ فَمَا أَصَابَتْ فِي طِيَلِهَا فَالطِّيَلُ الْحَبْلُ يُطَوَّلُ فِيهِ لِلدَّابَّةِ وَهُوَ مَكْسُورُ الْأَوَّلِ وَقَلَّمَا يَأْتِي فِي الْأَفْعَالِ
стр. 1301
وَأَمَّا الْأَسْمَاءُ فَكَثِيرٌ مِثْلُ قِمَعٍ وَضِلَعٍ وَنِطَعٍ وَعِنَبٍ وَشِبَعٍ وَسِرَرِ الصَّبِيِّ وَطِيَلِ الدَّابَّةِ قَالَ الْقَطَامِيُّ وَاسْمُهُ عُمَيْرُ بْنُ شُيَيْمٍ التَّغْلِبِيُّ ... إِنَّا مُحَيُّوكَ فَاسْلَمْ أَيُّهَا الطَّلَلُ ... ... وَإِنْ بَلِيتَ وَإِنْ طَالَتْ بِكَ الطِّيَلُ ... وَفِيهِ لُغَةٌ أُخْرَى طِوَلٌ يُقَالُ طَالَ طِوَلُكَ وَطَالَ طِيَلُكَ جَمِيعًا مَكْسُورَةُ الْأَوَّلِ مَفْتُوحَةُ الثَّانِي قَالَ طَرَفَةُ ... لَعَمْرِكَ إِنَّ الْمَوْتَ مَا أَخْطَأَ الْفَتَى ... لَكَالطِّوَلِ الْمَرْخِيِّ وَثِنْيَاهُ بِالْيَدِ ... لَا يُقَالُ فِي الْخَيْلِ إِلَّا بِكَسْرٍ الْأَوَّلِ وَفَتْحِ الثَّانِي يُقَالُ أَرْخِ لِلْفَرَسِ مِنْ طوله وَمِنْ طِيَالِهِ وَأَمَّا طُوَالُ الدَّهْرِ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ فَيُقَالُ بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ وَكَذَلِكَ الطُّوَلُ وَالطُّوَالُ مِنَ الطُّولِ وَأَمَّا قَوْلُهُ مِنَ الْمَرْجِ أَوِ الرَّوْضَةِ فَقِيلَ الْمَرْجُ مَوْضِعُ الْكَلَأِ وَأَكْثَرُ مَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْمُطْمَئِنِّ (مِنَ الْأَرْضِ) وَالرَّوْضَةُ الْمَوْضِعُ الْمُرْتَفِعُ وَأَمَّا قَوْلُهُ فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ فَإِنَّ الِاسْتِنَانَ أَنْ تَلِجَ فِي عَدْوِهَا فِي إِقْبَالِهَا وَإِدْبَارِهَا يُقَالُ
стр. 1302
جَاءَتِ الْإِبِلُ سَنَنًا أَيْ تَسْتَنُّ فِي عَدْوِهَا وَتُسْرِعُ أَنْشَدَ يَعْقُوبُ بْنُ السِّكِّيتِ لِأَبِي قِلَابَةَ الْهُذَلِيِّ ... وَمِنْهَا عُصْبَةٌ أُخْرَى سِرَاعٌ ... رَمَتْهَا الرِّيحُ كَالسَّنَنِ الطِّرَابِ ... ... ... أَيْ كَإِبِلٍ تَسْتَنُّ فِي عَدْوِهَا قَالَ وَرَمَتْهَا اسْتَخَفَّتْهَا قَالَ وَالطِّرَابُ الَّتِي قَدْ طَرِبَتْ إِلَى أَوْلَادِهَا وَقَالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ ... فَبَلَغَنَا صُنْعُهُ حَتَّى نَشَا ... فَارِهَ الْبَالِ لَجُوجًا فِي السَّنَنِ ... فَارِهَ الْبَالِ أَيْ نَاعِمَ الْبَالِ وَقَالَ عَوْفُ بْنُ الْجَزْعِ ... بَنُو الْمُغِيرَةِ فِي السَّوَادِ كَأَنَّهَا ... سَنَنٌ تَحَيَّرُ حَوْلَ حَوْضِ الْمُبَكِّرِ ... ... ... قَالَ يَعْقُوبُ يَقُولُ فَرَّقُوا الْخَيْلَ فَكَأَنَّهَا إِبِلٌ جَاءَتْ سَنَنًا ثُمَّ تَفَرَّقَتْ حَوْلَ حَوْضِ الْمُبَكِّرِ (وَالْمُبَكِّرِ) الَّذِي يَسْقِي إِبِلَهُ بُكْرَةً يُقَالُ أَبْكَرَ الرَّجُلُ وَبَكَّرَ وَابْتَكَرَ وَمِنْ هَذَا (أَيْضًا) حَدِيثُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً لَهَا ضُرُوعٌ كَضُرُوعِ الْبَقَرِ يُغَذَّى بِهَا وِلْدَانُ الْجَنَّةِ حَتَّى أَنَّهُمْ لَيَسْتَنُّونَ كَاسْتِنَانِ الْبَكَارَةِ وَالْبَكَارَةُ صِغَارُ الْإِبِلِ
стр. 1303
وَمِنْ هَذَا أَيْضًا قَوْلُهُمْ فِي الْمَثَلِ السَّائِرِ اسْتَنَّتِ الْفِصَالُ حَتَّى الْقَرْعَى يُضْرَبُ هَذَا الْمَثَلُ لِلرَّجُلِ الضَّعِيفِ يَرَى الْجُلَدَاءَ يَفْعَلُونَ شَيْئًا فَيَفْعَلُ مِثْلَهُ فَكَأَنَّهُ قَالَ وَلَوْ قَطَعَتْ حَبْلَهَا الَّذِي رُبِطَتْ بِهِ فَجَعَلَتْ تَجْرِي وَتَعْدُو مِنْ شَرَفٍ إِلَى شَرَفٍ يُرِيدُ مَنْ كُدْيَةٍ إِلَى كُدْيَةٍ كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ حَسَنَاتٍ لِصَاحِبِهَا لِأَنَّهُ أَرَادَ بِاتِّخَاذِهَا وَجْهَ اللَّهِ (وَأَمَّا قَوْلُهُ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ فَالشَّرَفُ مَا ارْتَفَعَ مِنَ الْأَرْضِ) وَأَمَّا قَوْلُهُ تَغَنِّيًا وَتَعَفُّفًا فَإِنَّهُ أَرَادَ اسْتِغْنَاءً عَنِ النَّاسِ وَتَعَفُّفًا عَنِ السُّؤَالِ يُقَالُ مِنْهُ تَغَنَّيْتُ بِمَا رَزَقَنِي اللَّهُ تَغَنِّيًا وَتَغَانَيْتُ تَغَانِيًا وَاسْتَغْنَيْتُ اسْتِغْنَاءً كُلُّ ذَلِكَ قَدْ قَالَتْهُ الْعَرَبُ فِي ذَلِكَ قَالَ الشَّاعِرُ ... كِلَانَا غَنِيٌّ عَنْ أَخِيهِ حَيَاتَهُ ... وَنَحْنُ إِذَا مُتْنَا أَشَدُّ تَغَانِيَا ... ... ... وَقَالَ الْأَعْشَى ... وَكُنْتُ امْرَأً زَمَنًا بِالْعِرَاقِ ... عَفِيفَ الْمُنَاخِ طويل التغن
стр. 1304
وَعَلَى هَذَا (الْمَعْنَى) كَانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ﵀ يُفَسِّرُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ يَقُولُ يَسْتَغْنِي بِهِ وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا فَلِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ قَالَ مِنْهُمْ قَائِلُونَ مَعْنَاهُ حُسْنُ مَلَكَتِهَا وَتَعَهُّدُ شِبَعِهَا وَالْإِحْسَانُ إِلَيْهَا وَرُكُوبُهَا غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهَا كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ لَا تَتَّخِذُوا ظُهُورَهَا كَرَاسِيَّ وَخَصَّ رِقَابَهَا بِالذِّكْرِ لِأَنَّ الرِّقَابَ تُسْتَعَارُ كَثِيرًا فِي مَوْضِعِ الْحُقُوقِ اللَّازِمَةِ وَالْفُرُوضِ الْوَاجِبَةِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ وَكَثُرَ عِنْدَهُمُ اسْتِعْمَالُ ذَلِكَ وَاسْتِعَارَتُهُ حَتَّى جَعَلُوهُ فِي الرُّبَاعِ وَالْأَمْوَالِ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ كَثِيرٍ ... غَمْرُ الرِّدَاءِ إِذَا تَبَسَّمَ ضَاحِكًا ... غَلِقَتْ لِضِحْكَتِهِ رِقَابُ الْمَالِ
стр. 1305
قَالَ أَبُو عُمَرَ مَنْ ذَهَبَ فِي تَأْوِيلِ قوله ﷺ ولم ينس حَقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا إِلَى حُسْنِ التَّمَلُّكِ وَالتَّعَهُّدِ بِالْإِحْسَانِ فَهُوَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ مَذْهَبُ مَنْ قَالَ إِنَّ الْمَالَ لَيْسَ فِيهِ حَقٌّ وَاجِبٌ سِوَى الزَّكَاةِ وَلَمْ يَرَ فِي الْخَيْلِ زَكَاةً وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ قَالَ حَدَّثَنَا بَقِيٌّ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دُحَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَمِّي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَا (جَمِيعًا) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ مَنْ أَدَّى زَكَاةَ مَالِهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَتَصَدَّقَ وَعَلَى هَذَا مَذْهَبُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْأَمْوَالِ حَقٌّ وَاجِبٌ غَيْرُ الزَّكَاةِ وَمِنْ حُجَّتِهِمْ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ دَرَّاجٍ أَبِي السَّمْحِ عَنِ ابْنِ حُجَيْرَةَ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم
стр. 1306
قَالَ إِذَا أَدَّيْتَ زَكَاةَ مَالِكَ فَقَدْ قَضَيْتَ مَا عَلَيْكَ وَقَالَ آخَرُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ ذَلِكَ إِطْرَاقُ فَحْلِهَا وَإِفْقَارُ ظَهْرِهَا وَحَمَلَ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَإِلَى هَذَا وَنَحْوِهِ ذَهَبَ ابْنُ نَافِعٍ فِيمَا أَظُنُّ لِأَنَّ يَحْيَى بْنَ يَحْيَى قَالَ سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ نَافِعٍ عَنْ حَقِّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا وَظُهُورِهَا فَقَالَ يُرِيدُ أَنْ لَا يَنْسَى أَنْ يَتَصَدَّقَ لِلَّهِ بِبَعْضِ مَا يَكْتَسِبُ عَلَيْهَا وَهَذَا مَذْهَبُ مَنْ قَالَ فِي الْمَالِ حُقُوقٌ سِوَى الزَّكَاةِ وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ مُجَاهِدٌ وَالشَّعْبِيُّ وَالْحَسَنُ ذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ وَابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ قَالَ سِوَى الزَّكَاةِ قَالَ وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ وَعَلِيٌّ قَالَا حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ بَيَانٍ عَنْ عَامِرٍ قَالَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ وزاد فيه إسمعيل بْنُ سَالِمٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ تَصِلُ الْقَرَابَةَ وَتُعْطِي الْمَسَاكِينَ قَالَ وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ أَبِي حَيَّانَ قَالَ حَدَّثَنَا مُزَاحِمُ بْنُ زُفَرَ قَالَ كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ عَطَاءٍ (فَأَتَاهُ أَعْرَابِيٌّ) فَسَأَلَهُ إِنَّ لِي إِبِلًا فَهَلْ عَلَيَّ فِيهَا حَقٌّ بَعْدَ الصَّدَقَةِ قال نعم
стр. 1307
قَالَ وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ هِشَامٍ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ رَشِيقٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ زُفَرَ القاضي بمصر قال حدثنا محمد ابن رَوْحٍ أَبُو يَزِيدَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ قُرَيْبٍ الْأَصْمَعِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ سَمِعْتُ الْحَسَنَ يُحَدِّثُ عَنْ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ الْمِنْقَرِيِّ وَكَانَ مِمَّنْ نَزَلَ الْبَصْرَةَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ هَذَا سَيِّدُ أَهْلِ الْوَبَرِ قَالَ قَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا خَيْرُ الْمَالِ قَالَ نِعْمَ الْمَالُ الْأَرْبَعُونَ وَالْأَكْثَرُ السِّتُّونَ وَوَيْلٌ لِأَصْحَابٍ الْمَئِينِ إِلَّا مَنْ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ فِي رُسُلِهِ وَنَجْدَتِهَا وَأَفْقَرَ ظَهْرَهَا وَأَطْرَقَ فَحْلَهَا وَمَنَحَ غَزِيرَهَا وَنَحَرَ سَمِينَهَا فَأَطْعَمَ الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ
стр. 1308
(فَقَدْ جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَاشِيَةِ حَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ وَهَذَا بَيِّنٌ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ أَيْضًا حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ وَلَا بَقَرٍ وَلَا غَنَمٍ لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا إِلَّا أُقْعِدَ لَهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقَاعٍ قَرْقَرٍ تَطَأُهُ ذَاتُ الظِّلْفِ بِظِلْفِهَا وَتَنْطَحُهُ ذَاتُ الْقَرْنِ بِقَرْنِهَا لَيْسَ فِيهَا يَوْمَئِذٍ جَمَّاءُ وَلَا مَكْسُورَةُ الْقَرْنِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا حَقُّهَا قَالَ إِطْرَاقُ فَحْلِهَا وَإِعَارَةُ دَلْوِهَا وَمَنْحُهَا وَحَلْبُهَا عَلَى الْمَاءِ وَحَمْلٌ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) وَقَالَ آخَرُونَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ وَلَمْ يَنْسَ حق الله في رقابهما وَلَا ظُهُورِهَا الزَّكَاةَ الْوَاجِبَةَ (فِيهَا) وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ أَوْجَبَ الزَّكَاةَ فِي الْخَيْلِ إِلَّا أَبَا حَنِيفَةَ وَشَيْخَهُ حَمَّادَ بْنَ أَبِي سُلَيْمَانَ وَخَالَفَ أَبَا حَنِيفَةَ فِي ذَلِكَ صَاحِبَاهُ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَسَائِرُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ
стр. 1309
فَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَكَانَ يَقُولُ إِذَا كَانَتِ الْخَيْلُ سَائِمَةً ذُكُورًا وَإِنَاثًا يُطْلَبُ نَسْلُهَا فَالزَّكَاةُ فِيهَا عَنْ كُلِّ فَرَسٍ دِينَارٌ قَالَ وَإِنْ شَاءَ قَوَّمَهَا وَأَعْطَى عَنْ كُلِّ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ قَوْلِهِ لِأَنَّ الْمَوَاشِيَ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ لَا يَجُوزُ تَقْوِيمُهَا عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَحُجَّةُ مَنْ لَمْ يُوجِبِ الزَّكَاةَ فِي الْخَيْلِ قَوْلُهُ ﷺ لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فِي فَرَسِهِ صَدَقَةٌ وَسَيَأْتِي هَذَا الْحَدِيثُ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَرَوَى عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (أَنَّهُ) قَالَ عَفَوْتُ لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُؤْخَذَ مِنَ الْخَيْلِ شَيْءٌ وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَخَذَ مِنَ الْخَيْلِ صَدَقَةً إِلَّا خَبَرٌ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ
стр. 1310
الْخَطَّابِ فِيهِ اضْطِرَابٌ وَعَنْ عُثْمَانَ فِيهِ خَبَرٌ مُنْقَطِعٌ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ أَنْ لَا صَدَقَةَ فِي الْخَيْلِ وَبِذَلِكَ قَالَ عُلَمَاءُ التَّابِعِينَ وَفُقَهَاءُ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ فَأَمَّا الَّذِي رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ فَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّ جُبَيْرَ بْنَ يَعْلَى أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ يَعْلَى بْنَ أُمَيَّةَ يَقُولُ ابْتَاعَ عبد الرحمن بن أمية أخو يعلى ابن أُمَيَّةَ مِنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَرَسًا أُنْثَى بِمِائَةِ قَلُوصٍ فَنَدِمَ الْبَائِعُ فَلَحِقَ بِعُمَرَ فَقَالَ غَصَبَنِي يَعْلَى وَأَخُوهُ فَرَسًا لِي فَكَتَبَ إِلَى يَعْلَى أَنِ الْحَقْ بِي فَأَتَاهُ فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِنَّ الْخَيْلَ لَتَبْلُغُ هَذَا عِنْدَكُمْ فَقَالَ مَا عَلِمْتُ فَرَسًا قَبْلَ هَذَا بَلَغَ هَذَا فَقَالَ عُمَرُ نَأْخُذُ مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً (شَاةً) وَلَا نَأْخُذُ مِنَ الْخَيْلِ شَيْئًا خُذْ مِنْ كُلِّ فَرَسٍ دِينَارًا (قَالَ) فَضَرَبَ عَلَى الْخَيْلِ دِينَارًا دِينَارًا
стр. 1311
وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي حُسَيْنٍ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ إِنَّ عُثْمَانَ كَانَ يُصَدِّقُ الْخَيْلَ وَإِنَّ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ أَخْبَرَهُ إِنَّهُ كَانَ يَأْتِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بِصَدَقَةِ الْخَيْلِ (قَالَ ابْنُ أَبِي حُسَيْنٍ) قَالَ ابْنُ شِهَابٍ لَمْ أَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَنَّ صَدَقَةَ الْخَيْلِ قَالَ أَبُو عُمَرَ الْخَبَرُ فِي صَدَقَةِ الْخَيْلِ عَنْ عُمَرَ صَحِيحٌ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ أَيْضًا حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ المثنى حدثنا عبد الله بن محمد ابن أسماء حدثنا جويرية عن مالك عن الزهري أَنَّ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ أَخْبَرَهُ قَالَ لَقَدْ رَأَيْتُ أَبِي يُقَيِّمُ الْخَيْلَ ثُمَّ يَدْفَعُ صَدَقَتَهَا إِلَى عُمَرَ ﵁ وَهَذَا حُجَّةٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَمَعْنَى قَوْلِهِ وَاللَّهُ
стр. 1312
أَعْلَمُ تَفَرَّدَ بِهِ جُوَيْرِيَةُ عَنْ مَالِكٍ (وَجُوَيْرِيَةُ ثِقَةٌ) وَقَدْ ذَكَرَ مَعْمَرٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ وَغَيْرِهِ كَلَامًا مَعْنَاهُ عَنْ عُمَرَ أَنَّ أَهْلَ الشَّامِ أَلَحُّوا عَلَيْهِ فِي أَخْذِ الصَّدَقَاتِ مِنْ خَيْلِهِمْ وَعَبِيدِهِمْ فَكَانَ يَأْخُذُهَا مِنْهُمْ وَكَانَ يَرْزُقُهُمْ مِثْلَ ذَلِكَ مِنَ الْأَجُرِّيَّةِ (قَالَ) فَلَمَّا كَانَ مُعَاوِيَةُ حَسَبَ ذَلِكَ فَإِذَا الَّذِي كَانَ يُعْطِيهِمْ أَكْثَرَ مِنَ الَّذِي كَانَ يَأْخُذُ مِنْهُمْ فَتَرَكَ ذَلِكَ وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْهُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُعْطِهِمْ شَيْئًا وَأَمَّا قَوْلُهُ وَرَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا وَرِيَاءً وَنِوَاءً لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ فَالْفَخْرُ وَالرِّيَاءُ مَعْرُوفَانِ فَأَمَّا النِّوَاءُ فَهُوَ مُصْدَرُ نَاوَأْتُ الْعَدُوَّ مُنَاوَأَةً وَنِوَاءً (وَهِيَ الْمُسَاوَاةُ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ أَصْلُهُ مِنْ نَاءَ إِلَيْكَ وَنُؤْتَ إِلَيْهِ أَيْ نَهَضَ إِلَيْكَ وَنَهَضْتَ إِلَيْهِ قَالَ بِشْرُ بْنُ أَبِي خَازِمٍ ... بَلَتْ قُتَيْبَةَ فِي النِّوَاءِ بِفَارِسٍ ... لَا طَائِشٍ رَعِشٍ وَلَا وَقَّافِ ... وَقَالَ أَعْشَى بَاهِلَةَ ... أَمَا يُصِبْكَ عَدُوٌّ فِي مُنَاوَأَةٍ ... يَوْمًا فَقَدْ كُنْتَ تستعلى وتنتصر
стр. 1313
وَقَالَ أَوْسُ بْنُ حُجْرٍ ... إِذَا أَنْتَ نَاوَأْتَ الرِّجَالَ فَلِمَ تَنُوءُ ... بِقَرْنَيْنِ غَرَّتْكَ الْقُرُونُ الْكَوَامِلُ ... ... إِذَا مَا اسْتَوَى قَرْنَاكَ لَمْ يَهْتَضِمْهُمَا ... عَزِيزٌ وَلَمْ يَأْكُلْ صَفِيفَكَ آكِلُ ... ... وَلَا يَسْتَوِي قَرْنُ النِّطَاحِ الَّذِي بِهِ ... تَنُوءُ وَقَرْنٌ كُلَّمَا قُمْتَ مَائِلُ ... ... ... (وَقَالَ جَرِيرٌ ... إِنِّي امْرُؤٌ لَمْ أَرُدْ فيمن إناوئه ... للناس ظلما ولا للحرب امتحانا) ... وَأَمَّا قَوْلُهُ الْآيَةُ الْجَامِعَةُ الْفَاذَّةُ فَالْفَاذُّ هُوَ الشَّاذُّ وَالْفَاذَّةُ الشَّاذَّةُ قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ يُقَالُ مَا يَدَعُ فِي الْحَرْبِ فَلَانٌ شَاذًّا وَلَا فَاذًّا أَيْ إِنَّهُ شُجَاعٌ لَا يَلْقَاهُ أَحَدٌ إِلَّا قَتَلَهُ وَيُقَالُ فَاذَّةٌ وَفَذَّةٌ وَفَاذٌّ وَفَذٌّ وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ قَالَ أَبُو عُمَرَ يَعْنِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهَا آيَةٌ مُنْفَرِدَةٌ فِي عُمُومِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَلَا أَعْلَمُ آيَةً أعم منهإن لِأَنَّهَا تَعُمُّ كُلَّ خَيْرٍ وَكُلَّ شَرٍّ
стр. 1314
فَأَمَّا الْخَيْرُ فَلَا خِلَافَ بَيْنِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى فِي الْقِيَامَةِ مَا عَمِلَ مِنَ الْخَيْرِ وَيُثَابُ عَلَيْهِ وَأَمَّا الشَّرُّ فَلِلَّهِ أَنْ يَغْفِرَ وَلَهُ أَنْ يُعَاقِبَ قَالَ اللَّهِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ وَلَمَّا نَزَلَتْ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ بَكَى أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكُلُّ مَا نَعْمَلُ نَجْزِي بِهِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَسْتَ تَمْرَضُ أَلَسْتَ تَنْصَبُ أَلَسْتَ تُصِيبُكَ اللَّأْوَاءُ فَذَلِكَ مَا تُجْزَوْنَ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَقَالَ ﷺ الْمَرَضُ كَفَّارَةٌ وَمَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا كَفَّرَ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ وَقَوْلُهُ فِي الْحُمُرِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِثْلُ قَوْلِهِ ﷺ فِي كُلِّ (ذِي) كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ وَكَانَ الْحُمَيْدِيُّ ﵀ يَقُولُ إِنِ اتخذت حمارا
стр. 1315
فَانْظُرْ كَيْفَ تَتَّخِذُهُ أَمَّا الْخَيْلُ فَقَدْ جَاءَ فِيهَا مَا جَاءَ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كَلَامَهُ ذَلِكَ فِي الْخَيْلِ كَانَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْحُمُرِ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيَّ فِيهَا شَيْءٌ إِلَّا الْآيَةَ الْجَامِعَةَ الْفَاذَّةَ فَكَانَ قَوْلُهُ فِي الْخَيْلِ نَزَلَ عَلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ لَقَدْ عُوتِبْتُ اللَّيْلَةَ فِي الْخَيْلِ وَهَذَا يُعَضِّدُ قَوْلَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ (كَانَ) لَا يَتَكَلَّمُ فِي شَيْءٍ إِلَّا بِوَحْيٍ وَتَلَا وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ وَبُقُولِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكْتُبُ كُلَّ مَا أَسْمَعُ مِنْكَ قَالَ نَعَمْ قَالَ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ قَالَ نَعَمْ فَإِنِّي لَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا
стр. 1316
حَدِيثٌ تَاسِعَ عَشَرَ لِزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مُسْنَدٌ مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ ابْنِ أَسْلَمَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي الدِّيلِ يُقَالُ له بسر ابن مِحْجَنٍ عَنْ (أَبِيهِ مِحْجَنٍ) أَنَّهُ كَانَ فِي مَجْلِسٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَذَّنَ بِالصَّلَاةِ فَقَامَ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى ثُمَّ رَجَعَ وَمِحْجَنٌ فِي مَجْلِسِهِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ النَّاسِ أَلَسْتَ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ قَالَ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَكِنِّي قَدْ صَلَّيْتُ فِي أَهْلِي فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا جِئْتَ فَصَلِّ مَعَ النَّاسِ وَإِنْ كُنْتَ قَدْ صَلَّيْتَ اخْتَلَفَ النَّاسُ عَنْ زيد ابن أَسْلَمَ فِي اسْمِ هَذَا الرَّجُلِ فَقَالَ مَالِكٌ وَأَكْثَرُ الرُّوَاةِ لَهُ عَنْ زَيْدٍ فِيهِ بُسْرُ بْنُ مِحْجَنٍ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ (كَذَلِكَ هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ عِنْدَ جُمْهُورِ رُوَاتِهِ (٣) وَقِيلَ فِيهِ
стр. 1317
بِشْرُ بْنُ عُمَرَ الزَّهْرَانِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ (عَنْ) بِشْرِ بْنِ مِحْجَنٍ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ كَانَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ يَرْوِي هَذَا الْحَدِيثَ قَدِيمًا عَنْ زيد ابن أَسْلَمَ فَيَقُولُ فِيهِ بِشْرٌ فَقِيلَ لَهُ هُوَ بُسْرٌ فَقَالَ عَنْ بُسْرٍ أَوْ بِشْرٍ وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنِ ابْنِ مِحْجَنٍ وَلَمْ يَقُلْ بُسْرٌ وَلَا بِشْرٌ) وَقَالَ فِيهِ الثَّوْرِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ بِشْرٌ بِالشِّينِ الْمَنْقُوطَةِ وَكَانَ أَبُو نُعَيْمٍ يَقُولُ بِالسِّينِ كَمَا قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ تَابَعَهُ (وَرَوَاهُ الدراوردي عن زيد ابن أَسْلَمَ فَقَالَ فِيهِ عَنْ بِشْرٍ بِالْمَنْقُوطَةِ كَمَا قَالَ الثَّوْرِيُّ وَرَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ زَيْدِ ابن أَسْلَمَ فَقَالَ فِيهِ بُسْرٌ كَمَا قَالَ مَالِكٌ وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَيْضًا حَنْظَلَةُ بْنُ عَلِيٍّ الأسلمي عن بشر إبن مِحْجَنٍ وَلَمْ يَذْكُرْ أَبَاهُ وَرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ نَجِيحٍ عَنْ زيد ابن أَسْلَمَ عَنْ بِشْرِ بْنِ مِحْجَنٍ عَنْ أَبِيهِ بِالْمَنْقُوطَةِ كَمَا قَالَ الثَّوْرِيُّ فِي رِوَايَةِ أَصْحَابِ الثَّوْرِيِّ عَنْهُ وَقَدْ قِيلَ فِيهِ عَنِ الثَّوْرِيِّ بُسْرٌ أَيْضًا) وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا الْمَيْمُونُ بْنُ حَمْزَةَ الْحُسَيْنِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدُ بْنِ سَلَامَةَ الْأَزْدِيُّ قال
стр. 1318
سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ أَبِي دَاوُدَ الْبُرُلُّسِيَّ يَقُولُ سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ صَالِحٍ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ بِمِصْرَ يَقُولُ سَمِعْتُ جَمَاعَةً مِنْ وَلَدِهِ وَمِنْ رَهْطِهِ فَمَا اخْتَلَفَ (عَلَيَّ) مِنْهُمُ اثْنَانِ أَنَّهُ بِشْرٌ كَمَا قَالَ الثَّوْرِيُّ قَالَ أَبُو عُمَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وُجُوهٌ مِنَ الْفِقْهِ أَحَدُهَا قَوْلُهُ ﷺ لِمِحْجَنٍ الدِّيلِيِّ مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ النَّاسِ أَلَسْتَ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ وَفِي هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ لَا يُصَلِّي لَيْسَ بِمُسْلِمٍ وَإِنْ كَانَ مُوَحِّدًا وَهَذَا مَوْضِعُ اخْتِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَتَقْرِيرُ هَذَا الْخِطَابِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ أَحَدًا لَا يَكُونُ مُسْلِمًا إِلَّا أَنْ يُصَلِّيَ فَمَنْ لَمْ يُصَلِّ فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ وَفِيهِ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِالصَّلَاةِ بِعَمَلِهَا وَإِقَامَتِهَا أَنَّهُ يُوكِلُ إِلَى ذَلِكَ إِذَا قَالَ إِنِّي أُصَلِّي لِأَنَّ مِحْجَنًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ قَدْ صَلَّيْتُ فِي أَهْلِي فَقَبِلَ مِنْهُ وَلَا حُجَّةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِمَنْ قَالَ إِنَّ الْإِقْرَارَ بِالصَّلَاةِ دُونَ إِقَامَتِهَا يَحْقِنُ الدَّمَ لِأَنَّهُ لَمْ يقل إني مؤمن بالصلاة مقر بها غير أَنِّي لَا أُصَلِّي بَلْ قَالَ لَهُ قَدْ صَلَّيْتُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ
стр. 1319
لَمْ يُنْجِهِ إِلَّا قَوْلُهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ صَلَّيْتُ فِي أَهْلِي وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِ تَارِكِ الصَّلَاةِ عَامِدًا وَهُوَ عَلَى فِعْلِهَا قَادِرٌ فَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ تَكْفِيرُ تَارِكِ الصَّلَاةِ قَالُوا مَنْ لَمْ يصل فهو كفار وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ لَاحَظَّ فِي الْإِسْلَامِ لِمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَنْ لَمْ يُصَلِّ فَلَا دِينَ لَهُ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَالْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ وَأَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ مَنْ تَرَكَ صَلَاةً وَاحِدَةً مُتَعَمِّدًا حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا لِغَيْرِ عُذْرٍ وَأَبَى مِنْ قَضَائِهَا وَأَدَائِهَا وَقَالَ لَا أُصَلِّي فَهُوَ كَافِرٌ وَدَمُهُ وَمَالُهُ حَلَالٌ وَلَا يَرِثُهُ وَرَثَتُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَيُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ وَحُكْمُ مَالِهِ مَا وَصَفْنَا كَحُكْمِ مَالِ الْمُرْتَدِّ وَبِهَذَا قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ وَأَبُو خَيْثَمَةَ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَكَذَلِكَ كَانَ رَأْيُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ لَدُنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى زَمَانِنَا هَذَا إِنَّ تَارِكَ الصَّلَاةِ عَمْدًا مِنْ
стр. 1320
غَيْرِ عُذْرٍ حَتَّى يَذْهَبَ وَقْتُهَا كَافِرٌ إِذَا أَبَى مِنْ قَضَائِهَا وَقَالَ لَا أُصَلِّيهَا قَالَ إِسْحَاقُ وَذَهَابُ الْوَقْتِ أَنْ يُؤَخَّرَ الظُّهْرُ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ وَالْمَغْرِبَ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ قَالَ وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ مَنْ سَبَّ اللَّهَ أَوْ سَبَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوْ دَفَعَ شَيْئًا أَنْزَلَهُ اللَّهُ أَوْ قَتَلَ نَبِيًّا مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مُقِرٌّ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ أَنَّهُ كَافِرٌ فَكَذَلِكَ تَارِكُ الصَّلَاةِ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا عَامِدًا قَالَ وَلَقَدْ أَجْمَعُوا فِي الصَّلَاةِ عَلَى شَيْءٍ لَمْ يُجْمِعُوا عَلَيْهِ فِي سَائِرِ الشَّرَائِعِ لِأَنَّهُمْ بِأَجْمَعِهِمْ قَالُوا مَنْ عُرِفَ بِالْكُفْرِ ثُمَّ رَأَوْهُ يُصَلِّي الصَّلَاةَ فِي وَقْتِهَا حَتَّى صلى صلوات كَثِيرَةً فِي وَقْتِهَا وَلَمْ يَعْلَمُوا مِنْهُ إِقْرَارًا بِاللِّسَانِ أَنَّهُ يُحْكَمُ لَهُ بِالْإِيمَانِ وَلَمْ يَحْكُمُوا لَهُ فِي الصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ بِمِثْلِ ذَلِكَ قَالَ إِسْحَاقُ فَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ تَارِكَ الصَّلَاةِ كَافِرًا فَقَدْ نَاقَضَ وَخَالَفَ أَصْلَ قَوْلِهِ وَقَوْلِ غَيْرِهِ قَالَ وَلَقَدْ كَفَرَ إِبْلِيسُ إِذْ لَمْ يَسْجُدِ السَّجْدَةَ الَّتِي أُمِرَ بِسُجُودِهَا قَالَ وَكَذَلِكَ تَارِكُ الصَّلَاةِ عَمْدًا (حَتَّى يَذْهَبَ وَقْتُهَا كَافِرٌ إِذَا أَبَى مِنْ قَضَائِهَا) وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لَا يُكَفَّرُ أَحَدٌ بِذَنْبٍ إِلَّا تَارِكُ الصَّلَاةِ عَمْدًا ثُمَّ ذَكَرَ اسْتِتَابَتَهُ وَقَتْلَهُ
стр. 1321
وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ مَا رُوِيَ مِنَ الْآثَارِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (فِي تَكْفِيرِ تَارِكِ الصَّلَاةِ مِنْهَا حَدِيثُ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لَيْسَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ أَوْ قَالَ بَيْنَ الشِّرْكِ إِلَّا تَرْكُ الصَّلَاةِ وَحَدِيثُ بُرَيْدَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ وَقَوْلُهُ ﷺ مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ يَعْنِي مُتَعَمِّدًا فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ هَذَا كُلُّهُ مِمَّا احْتَجَّ بِهِ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِقَوْلِهِ الْمَذْكُورِ وَاحْتَجَّ أَيْضًا بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كان إِذَا غَزَا قَوْمًا لَمْ يُغِرْ عَلَيْهِمْ حَتَّى يُصْبِحَ فَإِذَا أَصْبَحَ كَانَ إِذَا سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ وَإِذَا لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ وَوَضَعَ السَّيْفَ وَاحْتَجَّ أَيْضًا بِقَوْلِ اللَّهِ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا
стр. 1322
الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا وَبِقَوْلِهِ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَبِقَوْلِهِ إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَبِقَوْلِهِ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَبِآيَاتٍ نَحْوِ هَذَا كَثِيرَةٍ وَآثَارٍ وَاحْتَجَّ غَيْرُهُ مِمَّنْ ذَهَبَ مَذْهَبَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ حُشِرَ مَعَ قَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَبِحَدِيثِ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا فَذَلِكَ الْمُسْلِمُ قَالُوا هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يُصَلِّ صَلَاتَنَا وَلَمْ يَسْتَقْبِلْ قِبْلَتَنَا فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ وَبِمَا رَوَاهُ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ أَوْصَانِي خَلِيلِي أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ بِسَبْعٍ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا وَإِنْ قُطِّعْتَ وَإِنْ حُرِّقْتَ وَلَا تَتْرُكْ صَلَاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ (الذِّمَّةُ) ولا تشرب
стр. 1323
الْخَمْرَ فَإِنَّهَا مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ وَأَطِعْ وَالِدَيْكَ وَإِنْ أَمَرَاكَ أَنْ تَخْرُجَ لَهُمَا مِنْ دُنْيَاكَ فَافْعَلْ وَلَا تُنَازِعِ الْأَمْرَ أَهْلَهُ وَإِنْ رَأَيْتَ أَنَّكَ أَنْتَ وَلَا تَفِرَّ مِنَ الزَّحْفِ فَإِنَّ فِيهِ الْهَلَكَةَ وَأَنْفِقْ عَلَى أَهْلِكَ مِنْ طَوْلِكَ وَأَخِفْهُمْ فِي اللَّهِ وَلَا تَرْفَعْ عَصَاكَ عَنْهُمْ وَبِمَا رُوِيَ عَنِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ قَدَّمْنَا الذِّكْرَ عَنْهُمْ (بِذَلِكَ) وَجَدْتُ فِي كِتَابِ أَبِي ﵀ بخطه أن أحمد بن سعيد ابن حَزْمٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَدْرٍ الْبَاهِلِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو شُرَيْحٍ مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ كَاتِبٌ الْعُمَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جابر عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ ترك الصلا وَرَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ قال حدثنا
стр. 1324
مُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فَذَكَرَهُ وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ ﷺ إِنَّ العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فَقَدْ كَفَرَ وَذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ قَالَ أَنْبَأَنِي الْحَسَنُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُكْثِرُ ذِكْرَ الصَّلَاةِ فِي الْقُرْآنِ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ عَلَى مَوَاقِيتِهَا فَقَالَ مَا كُنَّا نَرَى إِلَّا أَنْ تُتْرَكَ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ تَرْكُهَا الْكُفْرُ وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ ثَانٍ قَالَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ الْإِمَامُ لِتَارِكِ الصَّلَاةِ صَلِّ فَإِنْ قَالَ لَا أُصَلِّي سُئِلَ فَإِنْ ذَكَرَ عِلَّةً تَحْبِسُهُ أُمِرَ بِالصَّلَاةِ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِ فَإِنْ أَبَى مِنَ الصَّلَاةِ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا قَتَلَهُ الْإِمَامُ وَإِنَّمَا يُسْتَتَابُ مَا دَامَ وَقْتُ الصَّلَاةِ قَائِمًا يُسْتَتَابُ فِي أَدَائِهَا وَإِقَامَتِهَا فَإِنْ أَبَى قُتِلَ وَوَرِثَهُ ورثته وهذا
стр. 1325
قَوْلُ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَمَذْهَبُهُمْ وَبَعْضُهُمْ يَرْوِيهِ عَنْ مَالِكٍ وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَجَلِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ وَهْبٍ يَقُولُ قَالَ مَالِكٌ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ وَأَبَى أَنْ يُصَلِّيَ قُتِلَ وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَجَمِيعُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ قَوْلُ مَكْحُولٍ وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَوَكِيعٍ وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ اسْتَحَلَّ دِمَاءَ مَانِعِي الزَّكَاةِ وَقَالَ وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ فَقَاتَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ فِي جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ وَأَرَاقَ دِمَاءَهُمْ لِمَنْعِهِمُ الزَّكَاةَ وَإِبَايِتِهِمْ مِنْ أَدَائِهَا فَمَنِ امْتَنَعَ مِنَ الصَّلَاةِ وَأَبَى مِنْ إِقَامَتِهَا كَانَ أَحْرَى بِذَلِكَ أَلَا تَرَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ شَبَّهَ الزَّكَاةَ بِالصَّلَاةِ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ كَانُوا مُقِرِّينَ بِالْإِسْلَامِ وَالشَّهَادَةِ يُوَضِّحُ لَكَ ذَلِكَ قَوْلُ عُمَرَ لِأَبِي بَكْرٍ كَيْفَ تُقَاتِلُهُمْ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مني دماءهم وأمولاهم إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ هَذَا مِنْ حَقِّهَا وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا أَوْ عِقَالًا مِمَّا كَانُوا يُعْطُونَ
стр. 1326
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَلَوْ كَفَرَ الْقَوْمُ لَقَالَ أَبُو بَكْرٍ قَدْ تَرَكُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَصَارُوا مُشْرِكِينَ وَقَدْ قَالُوا لِأَبِي بَكْرٍ بَعْدَ الْإِسَارِ مَا كَفَرْنَا بَعْدَ إِيمَانِنَا وَلَكِنْ شَحَحْنَا عَلَى أَمْوَالِنَا وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي شِعْرِهِمْ قَالَ شَاعِرُهُمْ ... أَلَا فَأَصْبِحِينَا قَبْلَ نَائِرَةِ الْفَجْرِ ... لَعَلَّ مَنَايَانَا قَرِيبٌ وَمَا نَدْرِي ... ... أَطَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كَانَ بَيْنَنَا ... ... فَيَا عَجَبًا مَا بَالُ مُلْكِ أَبِي بَكْرِ ... ... فَإِنَّ الَّذِي سَأَلُوكُمْ فَمَنَعْتُمْ ... لَكَالتَّمْرِ أَوْ أَشْهَى إِلَيْهِمْ مِنَ التَّمْرِ ... ... ... فَرَأَى أَبُو بَكْرٍ فِي عَامَّةِ الصَّحَابَةِ وَمَعَهُ عُمَرُ قِتَالَهَمْ وَبَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَغَيْرَهُ إِلَى قِتَالِ مَنِ ارْتَدَّ هَذَا كُلُّهُ احْتَجَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ ﵀ وَقَالَ فَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مَنِ امْتَنَعَ مِمَّا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ كَانَ عَلَى الْإِمَامِ أَخْذُهُ بِهِ وَقِتَالُهُ عَلَيْهِ وَإِنْ أَتَى ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ وَأَمَّا تَوْرِيثُ وَرَثَتِهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَلِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمَّا وَلِيَ رَدَّ عَلَى وَرَثَةِ مَانِعِي الزَّكَاةِ كُلَّ مَا وَجَدَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ بِأَيْدِي النَّاسِ
стр. 1327
وَقَدْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ سَبَاهُمْ كَمَا سَبَى أَهْلَ الرِّدَّةِ فَخَالَفَهُ فِي ذَلِكَ عُمَرُ لِصَلَاتِهِمْ وَتَوْحِيدِهِمْ وَرَدَّ إِلَى وَرَثَتِهِمْ أَمْوَالَهُمْ فِي جَمَاعَةِ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَحَدٌ وَقَالَ أَهْلُ السِّيَرِ إِنَّ عُمَرَ لَمَّا وَلِيَ أَرْسَلَ إِلَى النِّسْوَةِ اللَّاتِي كَانَ الْمُسْلِمُونَ حَازُوهُنَّ (فَخَيَّرَهُنَّ) أَنْ يَمْكُثْنَ عِنْدَ مَنْ هُنَّ عِنْدَهُ بِتَزْوِيجٍ وَصَدَاقٍ أَوْ يَرْجِعْنَ إِلَى أَهْلِيهِنَّ بِالْفِدَاءِ فَاخْتَرْنَ أَنْ يَمْكُثْنَ عِنْدَ مَنْ كُنَّ عِنْدَهُ فَمَكَثْنَ عِنْدَهُمْ بِتَزْوِيجٍ وَصَدَاقٍ قَالَ وَكَانَ الصَّدَاقُ الَّذِي جُعِلَ لِمَنِ اخْتَارَ أَهْلَهُ عَشْرَ أَوَاقٍ لِكُلِّ امْرَأَةٍ وَالْأُوقِيَّةُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا فَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِفِعْلِ عُمَرَ هَذَا فِي جَمَاعَةِ الصَّحَابَةِ أَيْضًا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ (وَرَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ يَزِيدَ قَالَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَأَنْ أَكُونَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ثَلَاثٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حُمُرِ النَّعَمِ الْخَلِيفَةُ بَعْدَهُ وَعَنْ قَوْمٍ أَقَرُّوا بِالزَّكَاةِ وَلَمْ يُؤَدُّوهَا أَيَحِلُّ لَنَا قِتَالُهُمْ وَعَنِ الكلالة (١)
стр. 1328
وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ النُّكْرِيِّ عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَوَاعِدُ الدِّينِ ثَلَاثَةٌ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَالصَّلَاةُ وَصَوْمُ رَمَضَانَ ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ تَجِدُهُ كَثِيرَ الْمَالِ وَلَا يُزَكِّي فَلَا يُقَالُ لِذَلِكَ كَافِرٌ وَلَا يحل دمه وقد ذكرنا هذا الحديث فإسناده فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ مِنْ كِتَابِ الِاسْتِذْكَارِ) وَمِنْ حُجَّتِهِ أَيْضًا مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ عَنِ (الْحَسَنِ) عَنْ ضَبَّةَ بْنِ مِحْصَنٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّهُ سَيَكُونُ أُمَرَاءُ تَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ فَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ بَرِئَ وَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ سَلِمَ وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نُقَاتِلُهُمْ قَالَ لَا مَا صَلَّوُا الْخَمْسَ
стр. 1329
وَفِيهِ دَلِيلٌ (عَلَى) أَنَّهُمْ إِنْ لَمْ يُصَلُّوا الْخَمْسَ قُوتِلُوا وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا قَوْلُهُ ﷺ نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يُصَلِّ لَمْ يُنْهَ عَنْ قَتْلِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ الَّذِينَ شَاوَرُوهُ فِي قَتْلِ مَالِكِ بْنِ الدَّخْشَمِ أَلَيْسَ يُصَلِّي قَالُوا بَلَى وَلَا صَلَاةَ لَهُ فَنَهَاهُمْ عَنْ قَتْلِهِ (لِصَلَاتِهِ إِذْ قَالُوا لَهُ بَلَى إِنَّهُ يُصَلِّي وَلَوْ قَالُوا إِنَّهُ لَا يُصَلِّي مَا نَهَاهُمْ عَنْ قَتْلِهِ) وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَلَمْ يَحْتَجَّ عَلَيْهِمْ فِي الْمَنْعِ مِنْ قَتْلِهِ إِلَّا بِالشَّهَادَةِ وَالصَّلَاةِ لِأَنَّهُ قَالَ لَهُمْ أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالُوا بَلَى وَلَا شَهَادَةَ لَهُ فَقَالَ أَلَيْسَ يُصَلِّي قَالُوا بَلَى وَلَا صَلَاةَ لَهُ قَالَ أُولَئِكَ الَّذِينَ نَهَانِي اللَّهُ عَنْ قَتْلِهِمْ وَقَدْ قَالَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ وَاعْتَلُّوا فِي دَفْعِ الْآثَارِ الْمَرْوِيَّةِ فِي تَكْفِيرِ تَارِكِ الصَّلَاةِ بِأَنْ
стр. 1330
قَالُوا مَعْنَاهَا مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ جَاحِدًا (لَهَا مُعَانِدًا) مُسْتَكْبِرًا غَيْرَ مُقِرٍّ بِفَرْضِهَا قَالُوا وَيَلْزَمُ مَنْ كَفَّرَهُمْ بِتِلْكَ الْآثَارِ وَقَبِلَهَا عَلَى ظَاهِرِهَا فِيهِمْ أَنْ يُكَفِّرَ الْقَاتِلَ وَالشَّاتِمَ لِلْمُسْلِمِ وَأَنْ يُكَفِّرَ الزَّانِيَ وَشَارِبَ الْخَمْرِ وَالسَّارِقَ وَالْمُنْتَهِبَ وَمَنْ رَغِبَ عَنْ نَسَبِ أَبِيهِ فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ وَقَالَ لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً ذَاتَ شَرَفٍ يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ (فِيهَا) أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَقَالَ لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ فَإِنَّهُ كُفْرٌ بِكُمْ أَنْ تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ وَقَالَ لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ إِلَى آثَارٍ مِثْلِ هَذِهِ لَا يُخْرِجُ بِهَا الْعُلَمَاءُ الْمُؤْمِنَ مِنَ الْإِسْلَامِ وَإِنْ كَانَ بِفِعْلِ ذَلِكَ فَاسِقًا عِنْدَهُمْ فَغَيْرُ نَكِيرٍ أَنْ تَكُونَ الْآثَارُ فِي تَارِكِ الصَّلَاةِ كَذَلِكَ
стр. 1331
قَالُوا وَمَعْنَى قَوْلِهِ سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ أَنَّهُ لَيْسَ بِكُفْرٍ يُخْرِجُ عَنِ الْمِلَّةِ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا وَرَدَ مِنْ تَكْفِيرِ مَنْ ذَكَرْنَا مِمَّنْ يَضْرِبُ بَعْضُهُمْ رِقَابَ بَعْضٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ وَقَدْ جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ أَحَدُ الَّذِينَ رُوِيَ عَنْهُمْ تَكْفِيرُ تَارِكِ الصَّلَاةِ (أَنَّهُ) قَالَ فِي حُكْمِ الْحَاكِمِ (الْجَائِرِ) كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إسمعيل قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ حُجَيْرٍ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَيْسَ بِالْكُفْرِ الَّذِي تَذْهَبُونَ إِلَيْهِ إِنَّهُ لَيْسَ بِكُفْرٍ يَنْقُلُ عَنِ الْمِلَّةِ ثُمَّ قَرَأَ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لَا يَبْلُغُ الْمَرْءُ حَقِيقَةَ الْكُفْرِ حَتَّى يَدْعُوَ مَثْنَى مَثْنَى وَقَالُوا يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ ﷺ لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ يُرِيدُ مُسْتَكْمِلَ الْإِيمَانِ لِأَنَّ الْإِيمَانَ يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ وَيَنْقُصُ بِالْمَعْصِيَةِ وَكَذَلِكَ السَّارِقُ وَشَارِبُ الْخَمْرِ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُمْ
стр. 1332
وَعَلَى نَحْوِ ذَلِكَ تَأَوَّلُوا قَوْلَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لَا حَظَّ فِي الْإِسْلَامِ لِمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ قَالُوا أَرَادَ أَنَّهُ لَا كَبِيرَ حَظٍّ لَهُ وَلَا حَظًّا كَامِلًا لَهُ فِي الْإِسْلَامِ وَمِثْلُهُ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَمَا أَشْبَهَهُ وَجَعَلُوهُ كَقَوْلِهِ لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ أَيْ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ صَلَاةٌ كَامِلَةٌ وَمِثْلُهُ الْحَدِيثُ لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِالطَّوَّافِ عَلَيْكُمْ يُرِيدُ لَيْسَ هُوَ الْمِسْكِينُ حَقًّا لِأَنَّ هُنَاكَ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مَسْكَنَةً مِنْهُ وَهُوَ الَّذِي لَا يَسْأَلُ وَنَحْوَ هَذَا مِمَّا اعْتَلُّوا بِهِ وَقَدْ رَأَى مَالِكٌ اسْتِتَابَةَ الْإِبَاضِيَّةِ وَالْقَدَرِيَّةِ فَإِنْ تَابُوا والا قتلوا ذكر ذلك إسمعيل الْقَاضِي عَنْ أَبِي ثَابِتٍ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَالَ قُلْتُ لِأَبِي ثَابِتٍ هَذَا رَأْيُ مَالِكٍ فِي هَؤُلَاءِ حَسْبُ قَالَ بَلْ فِي كُلِّ أَهْلِ الْبِدَعِ قَالَ الْقَاضِي وَإِنَّمَا رَأَى مَالِكٌ ذَلِكَ فِيهِمْ لِإِفْسَادِهِمْ فِي الْأَرْضِ وَهُمْ أَعْظَمُ إِفْسَادًا مِنَ الْمُحَارِبِينَ لِأَنَّ إِفْسَادَ الدِّينِ أَعْظَمُ مِنْ إِفْسَادِ الْمَالِ لَا أَنَّهُمْ كُفَّارٌ قَالَ أَبُو عُمَرَ فَهَذَا مَالِكٌ يُرِيقُ دِمَاءَ هَؤُلَاءِ وَلَيْسُوا عِنْدَهُ كُفَّارًا فَكَذَلِكَ تَارِكُ الصَّلَاةِ عِنْدَهُ مِنْ هَذَا الْبَابِ قَتْلُهُ لَا مِنْ جِهَةِ الكفر
стр. 1333
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَارِكَ الصَّلَاةِ لَيْسَ بِكَافِرٍ كُفْرًا يَنْقُلُ عَنِ الْإِسْلَامِ إِذَا كَانَ مُؤْمِنًا بِهَا مُعْتَقِدًا لَهَا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ أُمِرَ بِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ أَنْ يُضْرَبَ فِي قَبْرِهِ مِائَةَ جَلْدَةٍ فَلَمْ يَزَلْ يَسْأَلُ اللَّهَ وَيَدْعُوهُ حَتَّى صَارَتْ جَلْدَةً (وَاحِدَةً) فَامْتَلَأَ قَبْرُهُ نَارًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ عَلَامَ جَلَدْتُمُونِي قَالُوا إِنَّكَ صَلَّيْتَ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ وَمَرَرْتَ عَلَى مَظْلُومٍ فَلَمْ تَنْصُرْهُ قَالَ الطَّحَاوِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَارِكَ الصَّلَاةِ لَيْسَ بِكَافِرٍ لِأَنَّ مَنْ صَلَّى صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ فَلَمْ يُصَلِّ وَقَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ وَلَوْ كَانَ كَافِرًا مَا أُجِيبَتْ لَهُ دَعْوَةٌ لِأَنَّ اللَّهَ ﵎ يَقُولُ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ وَقَدْ ذَكَرْنَا إِسْنَادَ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ هَذَا فِي بَابِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عِنْدَ قَوْلِهِ ﷺ خمس صلوات كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ ثُمَّ قَالَ وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكُفْرَ مِنْهُ مالا يَنْقُلُ عَنِ الْإِسْلَامِ قَوْلُهُ ﷺ يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ وَكَافِرُ
стр. 1334
النِّعْمَةِ يُسَمَّى كَافِرًا وَأَصْلُ الْكُفْرِ فِي اللُّغَةِ السَّتْرُ وَمِنْهُ قِيلَ لِلَّيْلِ كَافِرٌ لِأَنَّهُ يَسْتُرُ قَالَ لَبِيدٌ فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمَامُهَا أَيْ سَتَرَهَا وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ ثَالِثٌ قَالَهُ ابْنُ شِهَابٍ رَوَاهُ شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ عَنْهُ قَالَ إِذَا تَرَكَ الرَّجُلُ الصَّلَاةَ فَإِنْ كَانَ إِنَّمَا تَرَكَهَا لِأَنَّهُ ابْتَدَعَ دِينًا غَيْرَ الْإِسْلَامِ قُتِلَ وَإِنْ كَانَ إِنَّمَا هُوَ فَاسِقٌ فَإِنَّهُ يُضْرَبُ ضَرْبًا مُبَرِّحًا وَيُسْجَنُ حَتَّى يَرْجِعَ قَالَ وَالَّذِي يُفْطِرُ فِي رَمَضَانَ كَذَلِكَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ وَهُوَ قَوْلُنَا وَإِلَيْهِ يَذْهَبُ جَمَاعَةٌ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ قَالَ أَبُو عُمَرَ بِهَذَا يَقُولُ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي تَارِكِ الصَّلَاةِ إِنَّهُ يُسْجَنُ وَيُضْرَبُ وَلَا يُقْتَلُ وَابْنُ شِهَابٍ الْقَائِلُ مَا ذَكَرْنَا هُوَ الْقَائِلُ أَيْضًا فِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نَزَلَتِ الْفَرَائِضُ بَعْدُ وَقَوْلُهُ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ عِنْدَهُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ (وَاللَّهُ أَعْلَمُ) وَهُوَ قَوْلُ الطَّائِفَتَيْنِ
стр. 1335
اللَّتَيْنِ ذَكَرْنَا قَوْلَهُمْ قَبْلَ قَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ كُلُّهُمْ يَقُولُونَ الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي تَارِكِ الصَّلَاةِ كَمَا عَلِمْتَ وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ أَعْنِي مَذْهَبَ ابْنِ شِهَابٍ في أنه يضرب ويسجد وَلَا يُقْتَلُ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا قَالُوا وَحَقُّهَا الثَّلَاثُ الَّتِي قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ كُفْرٌ بَعْدَ إِيمَانٍ أَوْ زِنًا بَعْدَ إِحْصَانٍ أَوْ قَتْلُ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ قَالُوا وَالْكَافِرُ جَاحِدٌ وَتَارِكُ الصَّلَاةِ الْمُقِرُّ بِالْإِسْلَامِ لَيْسَ بِجَاحِدٍ وَلَا كَافِرٍ وَلَيْسَ بِمُسْتَكْبِرٍ وَلَا مُعَانِدٍ وَإِنَّمَا يَكْفُرُ بِالصَّلَاةِ مَنْ جَحَدَهَا وَاسْتَكْبَرَ عَنْ أَدَائِهَا قَالُوا وَقَدْ كَانَ مُؤْمِنًا عِنْدَ الْجَمِيعِ بِيَقِينٍ قَبْلَ تَرْكِهِ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ اختلفوا فيه إذاترك الصَّلَاةَ فَلَا يَجِبُ قَتْلُهُ إِلَّا بِيَقِينٍ (وَلَا يقين) مع
следующие страницы →