Полный текст (8 345 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
ابن حَبِيبٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ قَالَ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَفَّ النَّاسُ صُفُوفَهُمْ ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَقْبَلَ يَمْشِي حَتَّى إِذَا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ ذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَغْتَسِلْ فَقَالَ لِلنَّاسِ مَكَانَكُمْ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى قَامَ فِي مُصَلَّاهُ فَكَبَّرَ وَرَأَسُهُ يَنْطِفُ وَذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ وَيُونُسَ بْنِ يَزِيدَ وَالزُّبَيْدِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلَهُ سَوَاءً بِمَعْنَاهُ وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ مِثْلَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ كَبَّرَ قَبْلَ أَنْ يَذْكُرَ وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّهُ لَمَّا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ ذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَغْتَسِلْ فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ ذَكَرَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَنْتَظِرُوهُ فَلَوْ صَحَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَعْنًى يُشْكَلُ حِينَئِذٍ لِأَنَّ انْتِظَارَهُمْ لَوْ كَانَ وَهُمْ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي هَذَا الْبَابِ وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ فَلَمَّا قَامَ فِي مُصَلَّاهِ أَيْ قَامَ فِي صَلَاتِهِ فَلَمَّا احْتَمَلَ الْوَجْهَيْنِ كَانَتْ رِوَايَةُ مَنْ رَوَى أَنَّهُ كَانَ كَبَّرَ يُفَسِّرُ مَا أَبْهَمَ مَنْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ لِأَنَّ الثِّقَاةِ مِنْ رُوَاةِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ قَالُوا فِيهِ أَنَّهُ كَبَّرَ ثُمَّ أَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ امْكُثُوا وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ شُيُوخِنَا أَنَّ فِي إِشَارَتِهِ إِلَيْهِمْ أَنِ امْكُثُوا دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ بنى بهم اذا انْصَرَفَ إِلَيْهِمْ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ وَهَذَا جَهْلٌ وَغَلَطٌ فَاحِشٌ وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى مَا صَنَعَ وَهُوَ غَيْرُ طَاهِرٍ وَسَنُبَيِّنُ هَذَا الْمَعْنَى بَعْدُ فِي هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
стр. 177
وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ لَهُمْ وَجَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ فَأَوْمَأَ إِلَيْهِمْ وَكَلَامُهُ وَإِشَارَتُهُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ لِأَنَّهُ كَانَ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ الصَّائِغُ حَدَّثَنَا عَفَّانُ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ أَخْبَرَنَا زياد الأعلم عن الحسن عن أبي بكرة قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ فَأَوْمَأَ إِلَيْهِمْ أَنِ امْكُثُوا مَكَانَكُمْ ثُمَّ دَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ وَرَأَسُهُ يَنْطِفُ فصلى واخبرنا عبد الله (جـ) بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ زِيَادٍ الْأَعْلَمِ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ أَنْ مَكَانَكُمْ ثُمَّ جَاءَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ فَصَلَّى بِهِمْ قَالَ وَحَدَّثَنَا عثمان ابن أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ أَخْبَرَنَا حماد ابن سَلَمَةَ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ قَالَ فَكَبَّرَ وَقَالَ فِي آخِرِهِ فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنِّي كُنْتُ جُنُبًا فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ وَحَدِيثِ مَالِكٍ أَنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ ذَكَرَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ فِي الصَّلَاةِ
стр. 178
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ يُصَحِّحُ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى أَنَّهُ كَانَ كَبَّرَ ثُمَّ أَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ امْكُثُوا وَفِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَبَّرَ حِينَ انْصَرَفَ بَعْدَ غُسْلِهِ فَوَاجِبٌ أَنْ تُقْبَلَ هَذِهِ الزِّيَادَةُ أَيْضًا لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ مُنْفَرِدَةٌ أَدَّاهَا ثِقَةٌ فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهَا هَذَا مَا يُوجِبُهُ الْحُكْمُ فِي تَرْتِيبِ الْآثَارِ وَتَهْذِيبِهَا إِلَّا أَنَّ هَا هُنَا اعْتِرَاضَاتٍ تَعْتَرِضُ عَلَى مَذْهَبِنَا فِي هَذَا الْبَابِ قَدْ نَزَعَ غَيْرُنَا بِهَا وَنَحْنُ ذاكر ما يجب به العلم فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِعَوْنِ اللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَمَّا مَالِكٌ ﵀ فَإِنَّهُ أَدْخَلَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي مُوَطَّئِهِ فِي بَابِ إِعَادَةِ الْجُنُبِ غُسْلَهُ إِذَا صَلَّى وَلَمْ يَذْكُرْ يَعْنِي حَالَهُ أَنَّهُ كَانَ جُنُبًا حِينَ صَلَّى وَالَّذِي يَجِيءُ عِنْدِي عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ مِنَ الْقَوْلِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ ﵀ إِلَّا الْإِعْلَامَ أَنَّ الْجُنُبَ إِذَا صَلَّى نَاسِيًا قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ ثُمَّ ذَكَرَ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَغْتَسِلَ وَيُعِيدَ مَا صَلَّى وَهُوَ جُنُبٌ وَأَنَّ نِسْيَانَهُ لِجَنَابَتِهِ لَا يُسْقِطُ عَنْهُ الْإِعَادَةَ وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَطَهِّرٍ وَاللَّهُ لَا يَقْبَلُ صَلَاةً بِغَيْرٍ طَهُورٍ لَا مِنْ نَاسٍ وَلَا مِنْ مُتَعَمِّدٍ وَهَذَا أَصْلٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ أَنَّ النِّسْيَانَ لَا يُسْقِطُ فَرْضَهَا الْوَاجِبَ فِيهَا ثُمَّ أَرْدَفَ مَالِكٌ حَدِيثَهُ الْمَذْكُورَ فِي هَذَا الْبَابِ بِفِعْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ صَلَّى بِالنَّاسِ وَهُوَ جُنُبٌ نَاسِيًا ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ أَنْ صَلَّى فَاغْتَسَلَ وَأَعَادَ صَلَاتَهُ وَلَمْ يُعِدْ أَحَدٌ مِمَّنْ خَلْفَهُ فَمِنْ فِعْلِ عُمَرَ ﵁ أَخَذَ مَالِكٌ مَذْهَبَهُ فِي الْقَوْمِ يُصَلُّونَ خَلْفَ الْإِمَامِ الْجُنُبِ لَا مِنَ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 179
وَسَنَذْكُرُ وَجْهَ ذَلِكَ فِيمَا بَعْدُ مِنْ هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَإِنَّهُ احْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي جَوَازِ صَلَاةِ الْقَوْمِ خَلْفَ الْإِمَامِ الْجُنُبِ وَجَعَلَهُ دَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ وَأَرْدَفَهُ بِفِعْلِ عُمَرَ فِي جَمَاعَةِ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ وَمِمَّا جَاءَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ فِي الْإِمَامِ يُصَلِّي بِالْقَوْمِ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ أَنَّهُ يُعِيدُ وَلَا يُعِيدُونَ ثُمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَهَذَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ مَذَاهِبِ الْإِسْلَامِ وَالسُّنَنِ لِأَنَّ النَّاسَ إِنَّمَا كُلِّفُوا فِي غَيْرِهِمُ الْأَغْلَبَ مِمَّا يَظْهَرُ لَهُمْ أَنَّ مُسْلِمًا لَا يُصَلِّي عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ ولم يكلفو عِلْمَ مَا يَغِيبُ عَنْهُمْ قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ إِنَّ النَّاسَ إِنَّمَا كُلِّفُوا فِي غَيْرِهِمُ الْأَغْلَبَ مِمَّا يَظْهَرُ لَهُمْ وَلَمْ يكلفو عِلْمَ مَا غَابَ عَنْهُمْ مِنْ حَالِ إِمَامِهِمْ فَقَوْلٌ صَحِيحٌ إِلَّا أَنَّ اسْتِدْلَالَهُ بِحَدِيثِ هَذَا الْبَابِ عَلَى جَوَازِ صَلَاةِ الْقَوْمِ خَلْفَ الْإِمَامِ الْجُنُبِ هُوَ خَارِجٌ عَلَى مَذْهَبِهِ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ الَّذِي يُجِيزُ فِيهِ إِحْرَامَ الْمَأْمُومِ قَبْلَ إِمَامِهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِذْ كَبَّرَ وَهُوَ جُنُبٌ ثُمَّ ذَكَرَ حَالَهُ فَأَشَارَ إِلَى أَصْحَابِهِ أَنِ امْكُثُوا وَانْصَرَفَ فَاغْتَسَلَ لَا يَخْلُو أَمْرُهُ إِذْ رَجَعَ مِنْ أَحَدِ ثَلَاثَةٍ وُجُوهٍ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بَنَى عَلَى التَّكْبِيرَةِ الَّتِي كَبَّرَهَا وَهُوَ جُنُبٌ وَبَنَى الْقَوْمُ مَعَهُ عَلَى تَكْبِيرِهِمْ فَإِنْ كَانَ هَذَا فَهُوَ مَنْسُوخٌ بِالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ فَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُهُ ﷺ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ فَكَيْفَ يَبْنِي عَلَى مَا صَلَّى وَهُوَ غَيْرُ طَاهِرٍ هَذَا لَا يَظُنُّهُ ذُو لُبٍّ وَلَا يَقُولُهُ أَحَدٌ لِأَنَّ عُلَمَاءَ الْمُسْلِمِينَ
стр. 180
مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ الْإِمَامُ لَا يَبْنِي عَلَى شَيْءٍ عَمِلَهُ فِي صَلَاتِهِ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي بِنَاءِ الْمُحْدِثِ عَلَى مَا صَلَّى وَهُوَ طَاهِرٌ قَبْلَ حَدَثِهِ فِي صَلَاتِهِ وَسَنَذْكُرُ أَقْوَالَهُمْ فِي ذَلِكَ وَفِي بِنَاءِ الرَّاعِفِ فِي آخِرِ الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ محمد حدثنا حمد بْنُ بَكْرٍ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يقبل اله صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ وَقَدْ ذَكَرْنَا أَسَانِيدَ قَوْلِهِ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرٍ طَهُورٍ فِي بَابِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حين انْصَرَفَ بَعْدَ غُسْلِهِ اسْتَأْنَفَ صَلَاتَهُ وَاسْتَأْنَفَهَا أَصْحَابُهُ مَعَهُ بِإِحْرَامٍ جَدِيدٍ وَأَبْطَلُوا إِحْرَامَهُمْ مَعَهُ وَقَدْ كان لهم أن يعتدوا به او اسْتَخْلَفَ لَهُمْ مَنْ يُتِمُّ بِهِمْ فَهَذَا الْوَجْهُ وَإِنْ صَحَّ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ مِنْ وَجْهٍ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ صَلَاةِ الْقَوْمِ خَلْفَ الْإِمَامِ الْجُنُبِ لِأَنَّهُمْ إِذَا اسْتَأْنَفُوا إِحْرَامَهُمْ فَلَمْ يُصَلُّوا وَرَاءَ جُنُبٍ بَلْ قَدْ يَسْتَدِلُّ بِمِثْلِ هَذَا لَوْ صَحَّ مَنْ أَبْطَلَ صَلَاتَهُمْ خَلْفَهُ وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ مَالِكٍ وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ كَبَّرَ مُحْرِمًا مُسْتَأْنِفًا لِصَلَاتِهِ وَبَنَى الْقَوْمُ خَلْفَهُ عَلَى مَا مَضَى مِنْ إِحْرَامِهِمْ فَهَذَا أَيْضًا وَإِنْ كَانَ فِيهِ النُّكْتَةُ الْمُجِيزَةُ لِصَلَاةِ الْمَأْمُومِ خَلْفَ الْإِمَامِ الْجُنُبِ لاستجزائهم واعتدادهم
стр. 181
بِإِحْرَامِهِمْ خَلْفَهُ لَوْ صَحَّ فَإِنَّ ذَلِكَ أَيْضًا لَا يَخْرُجُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ إِحْرَامُ الْقَوْمِ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ قَبْلَ إِحْرَامِ إِمَامِهِمْ فِيهَا وَهَذَا غَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ لَا يَحْتَمِلُ الْحَدِيثُ غَيْرَ هَذِهِ الْأَوْجُهِ وَلَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِهَا فَلِذَلِكَ قُلْنَا إِنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِحَدِيثِ هَذَا الْبَابِ عَلَى جَوَازِ صَلَاةِ الْقَوْمِ خَلْفَ الْإِمَامِ الْجُنُبِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ فَتَدَبَّرْ ذَلِكَ تَجِدْهُ كَذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَيَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَصْلِهِ لِأَنَّ صَلَاةَ الْقَوْمِ عِنْدَهُ غَيْرُ مُرْتَبِطَةٍ بِصَلَاةِ إِمَامِهِمْ لِأَنَّ الْإِمَامَ قَدْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ إِذَا كَانَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ وَتَصِحُّ صَلَاةُ مَنْ خَلْفَهُ وَقَدْ تَبْطُلُ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ وَتَصِحُّ صَلَاةُ الْإِمَامِ بِوُجُوهٍ أَيْضًا كَثِيرَةٍ فَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ صَلَاتُهُمَا مُرْتَبِطَةً وَلَا يَضُرُّ عِنْدَهُ اخْتِلَافُ نِيَّاتِهِمَا لِأَنَّ كُلًّا يُحْرِمُ لِنَفْسِهِ وَيُصَلِّي لِنَفْسِهِ وَلَا يَحْمِلُ فَرْضًا عَنْ صَاحِبِهِ فَجَائِزٌ عِنْدَهُ أَنْ يُحْرِمَ الْمَأْمُومُ قَبْلَ إِمَامِهِ وَإِنْ كَانَ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ ذَلِكَ وَلَهُ عَلَى هَذَا دَلَائِلُ قَدْ ذَكَرَهَا هُوَ وَأَصْحَابُهُ فِي كُتُبِهِمْ وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِي الْقَوْمِ يُصَلُّونَ خَلَفَ إِمَامٍ نَاسٍ لِجَنَابَتِهِ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِمْ وَإِنَّمَا الْإِعَادَةُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ إِذَا عَلِمَ اغْتَسَلَ وَصَلَّى كُلَّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا وَهُوَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَحَسْبُكَ بِحَدِيثِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ صَلَّى بِجَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ صَلَاةَ الصُّبْحِ ثُمَّ غَدَا إِلَى أَرْضِهِ بِالْجُرْفِ فَوَجَدَ فِي ثَوْبِهِ احْتِلَامًا فَغَسَلَهُ وَاغْتَسَلَ وَأَعَادَ صَلَاتَهُ وَحْدَهُ وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِإِعَادَةٍ وَهَذَا فِي جماعتهم
стр. 182
مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ أَفْتَى بِذَلِكَ رَوَاهُ شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عُمَرَ فِي جُنُبٍ صَلَّى يقوم قَالَ يُعِيدُ وَلَا يُعِيدُونَ قَالَ شُعْبَةُ وَقَالَ حَمَّادٌ أَعْجَبُ إِلَيَّ أَنْ يُعِيدُوا وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ عَنْ حَجَّاجٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ فِي الْجُنُبِ يُصَلِّي بِالْقَوْمِ قَالَ يُعِيدُ وَلَا يُعِيدُونَ قَالَ وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عن خالد ابن مَسْلَمَةَ قَالَ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْمُصْطَلِقِ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ صَلَّى بِالنَّاسِ صَلَاةَ الْفَجْرَ فَلَمَّا أَصْبَحَ وَارْتَفَعِ النَّهَارُ فَإِذَا هُوَ بِأَثَرِ الْجَنَابَةِ فَقَالَ كَبُرَتْ وَاللَّهِ كَبُرَتْ وَاللَّهِ فَأَعَادَ الصَّلَاةَ وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ أَنْ يُعِيدُوا وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ يُعِيدُ وَلَا يُعِيدُونَ وَسَأَلْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ حَرْبٍ فَقَالَ إِذَا صَحَّ لَنَا عَنْ عُمَرَ شَيْءٌ اتَّبَعْنَاهُ يُعِيدُ وَلَا يُعِيدُونَ وَذُكِرَ عَنِ الْحَسَنِ وَإِبْرَاهِيمَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مِثْلُهُ وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ وَدَاوُدَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ عَلَيْهِمُ الْإِعَادَةُ لِأَنَّ صَلَاتَهُمْ مُرْتَبِطَةٌ بِصَلَاةِ إِمَامِهِمْ فَإِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ صَلَاةٌ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ وَرُوِيَ إِيجَابُ الْإِعَادَةِ عَلَى مَنْ صَلَّى خَلْفَ جنب أو غير متوضىء عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِنْ حَدِيثِ عبد الرزاق
стр. 183
عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ عَلِيٍّ وَهُوَ مُنْقَطِعٌ وَفِيهِ عَنْ عُمَرَ خَبَرٌ ضَعِيفٌ لَا يَصِحُّ وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَذَكَرَ الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ إِذَا صَلَّى إِمَامٌ بِقَوْمٍ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ ثُمَّ ذَكَرَ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّ فَإِنَّهُ يعيد ويعيدون ويبتدؤون الصَّلَاةَ فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِهِ أَعَادَ وَحْدَهُ وَلَمْ يُعِيدُوا وَاخْتَلَفَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فِي الْإِمَامِ يَتَمَادَى فِي صَلَاتِهِ ذَاكِرًا لِجَنَابَتِهِ أَوْ ذَاكِرًا أَنَّهُ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ أَوْ مُبْتَدِئًا صَلَاتَهُ كَذَلِكَ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مَعْرُوفٌ بِالْإِسْلَامِ فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ إِذَا عَلِمَ الْإِمَامُ بِأَنَّهُ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ وَتَمَادَى فِي صَلَاتِهِ عَامِدًا بَطُلَتْ صَلَاةُ مَنْ خَلْفَهُ لِأَنَّهُ أَفْسَدَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ صَلَاةُ الْقَوْمِ جَائِزَةٌ تَامَّةٌ وَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُكَلَّفُوا عِلْمَ مَا غَابَ عَنْهُمْ وَقَدْ صَلَّوْا خَلْفَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ فِي عِلْمِهِمْ وَبِهَذَا قَالَ جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ نَافِعٍ صَاحِبُ مَالِكٍ وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ عَمْدِ الْإِمَامِ وَنِسْيَانِهِ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُكَلَّفُوا عِلْمَ الْغَيْبِ فِي حَالِهِ فَحَالُهُمْ فِي ذَلِكَ وَاحِدَةٌ وَإِنَّمَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُمْ إِذَا عَلِمُوا بِأَنَّ إِمَامَهُمْ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ فَتَمَادَوْا خَلْفَهُ فَيَكُونُونَ حِينَئِذٍ الْمُفْسِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَمَّا هُوَ فَغَيْرُ مُفْسِدٍ عَلَيْهِمْ بِمَا لَا يَظْهَرُ مِنْ حَالِهِ إِلَيْهِمْ لَكِنَّ حَالَهُ فِي نَفْسِهِ تَخْتَلِفُ فَيَأْثَمُ فِي عَمْدِهِ إِنْ تَمَادَى بِهِمْ وَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ وسها عنه
стр. 184
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ أَوْضَحْنَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الْقَوْلَ بِأَنَّ حَدِيثَ هَذَا الْبَابِ لَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ فِي جَوَازِ صَلَاةِ مَنْ صَلَّى خَلَفَ إِمَامٍ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَنَّ أَصْلَ مَذْهَبِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِعْلُ عُمَرَ ﵁ فِي جَمَاعَةِ الصَّحَابَةِ لَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهِ وَلَا خَالَفَهُ فِيهِ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَقَدْ كَانُوا يُخَالِفُونَهُ فِي أَقَلِّ مِنْ هَذَا مِمَّا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ فَكَيْفَ بِمِثْلِ هَذَا الْأَصْلِ الْجَسِيمِ وَالْحُكْمِ الْعَظِيمِ وَفِي تَسْلِيمِهِمْ ذَلِكَ لِعُمَرَ وَإِجْمَاعِهِمْ عَلَيْهِ مَا تَسْكُنُ الْقُلُوبُ فِي ذَلِكَ إِلَيْهِ لِأَنَّهُمْ خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ فَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمْ إِضَافَةُ إِقْرَارِ مَا لَا يَرْضَوْنَهُ إِلَيْهِمْ وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَإِنَّهُ جَعَلَ حَدِيثَ هَذَا الْبَابِ أَصْلًا فِي جَوَازِ صَلَاةِ الْقَوْمِ خَلْفَ الْإِمَامِ الجنب وأردفه بفعل عمرر وَفَتْوَى عَلِيٍّ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لِذَلِكَ فِي هَذَا الْبَابِ وَالَّذِي تَحَصَّلَ عَلَيْهِ مَذْهَبُ مَالِكٍ عِنْدَ أَصْحَابِهِ فِي هَذَا الْبَابِ فِي إِمَامٍ أَحْرَمَ بِقَوْمٍ فَذَكَرَ أَنَّهُ جُنُبٌ أَوْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ أَنَّهُ يَخْرُجُ وَيُقَدِّمُ رَجُلًا فَإِنْ خَرَجَ وَلَمْ يُقَدِّمْ أَحَدًا قَدَّمُوا لِأَنْفُسِهِمْ مِنْ يُتِمُّ بِهِمْ صَلَاتَهُمْ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا وَصَلَّوْا أَفْذَاذًا أَجْزَأَتْهُمْ صَلَاتُهُمْ فَإِنِ انْتَظَرُوهُ وَلَمْ يُقَدِّمُوا أَحَدًا لَمْ تَفْسَدْ صَلَاتُهُمْ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنِ ابْنِ نَافِعٍ إِذَا انْصَرَفَ وَلَمْ يقدم واشار اليهم ان امكنوا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يُقَدِّمُوا أَحَدًا حَتَّى يَرْجِعَ فَيُتِمُّ بِهِمْ قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ إِنَّ الْقَوْمَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَنْتَظِرُونَ إِمَامَهُمْ حَتَّى يَرْجِعَ فَيُتِمُّ بِهِمْ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ وَإِنَّمَا وجهه حتى يرجع فيبتدىء بِهِمْ لَا يُتِمُّ بِهِمْ عَلَى أَصْلِ مَالِكٍ لِأَنَّ إِحْرَامَ الْإِمَامِ لَا يُجْتَزَأُ بِهِ بِإِجْمَاعٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ لِأَنَّهُ فَعَلَهُ عَلَى غَيْرِ طَهُورٍ وذلك باطل واذا
стр. 185
لم يجتزىء بِهِ اسْتَأْنَفَ إِحْرَامَهُ إِذَا انْصَرَفَ وَإِذَا اسْتَأْنَفَهُ لَزِمَهُمْ مِثْلُ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ لِيَكُونَ إِحْرَامُهُمْ بَعْدَ إِحْرَامِ إِمَامِهِمْ وَإِلَّا فَصَلَاتُهُمْ فَاسِدَةٌ لِقَوْلِهِ ﷺ فِي الْإِمَامِ إِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا هَذَا هُوَ عِنْدِي فِي تَحْصِيلِ مَذْهَبِهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَإِنَّهُ جَعَلَ هَذَا الْحَدِيثَ أَصْلًا فِي تَرْكِ الِاسْتِخْلَافِ فَقَالَ الِاخْتِيَارُ عِنْدِي إِذَا أَحْدَثَ الْإِمَامُ حَدَثًا لَا تَجُوزُ لَهُ مَعَهُ الصَّلَاةُ مِنْ رُعَافٍ أَوِ انْتِقَاضِ وُضُوءٍ أَوْ غَيْرِهِ أَنْ يُصَلِّيَ الْقَوْمُ فُرَادَى وَأَلَّا يُقَدِّمُوا أَحَدًا فَإِنْ قَدَّمُوا أَوْ قَدَّمَ الْإِمَامُ رَجُلًا مِنْهُمْ فَأَتَمَّ بِهِمْ مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِمْ أَجْزَأَتْهُمْ صَلَاتُهُمْ وَكَذَلِكَ لَوْ أَحْدَثَ الْإِمَامُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ وَالرَّابِعُ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَلَوْ أَنَّ إِمَامًا كَبَّرَ وَقَرَأَ وَرَكَعَ أَوْ لَمْ يَرْكَعْ حَتَّى ذَكَرَ أَنَّهُ عَلَى غَيْرِ طهارة فكان مخرجه ووضوؤه أَوْ غُسْلُهُ قَرِيبًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَقِفَ النَّاسُ فِي صَلَاتِهِمْ حَتَّى يَتَوَضَّأَ وَيَرْجِعَ فَيَسْتَأْنِفُ وَيُتِمُّونَ هُمْ لِأَنْفُسِهِمْ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ ذَكَرَ أَنَّهُ جُنُبٌ فَانْتَظَرَهُ الْقَوْمُ فَاسْتَأْنَفَ لِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِتَكْبِيرَةٍ كَبَّرَهَا وَهُوَ جُنُبٌ فَيُتِمُّ الْقَوْمُ لِأَنْفُسِهِمْ لِأَنَّهُمْ لَوْ أَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ حِينَ خَرَجَ عَنْهُمْ إِمَامُهُمْ أَجْزَأَتْهُمْ صَلَاتُهُمْ وَجَائِزٌ عِنْدَهُ أَنْ يَقْطَعُوا صَلَاتَهُمْ إِذَا رَابَهُمْ شَيْءٌ مِنْ إِمَامِهِمْ فَيُتِمُّونَ لِأَنْفُسِهِمْ عَلَى حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فِي قِصَّةِ مُعَاذٍ قَالَ وَإِنْ كَانَ خُرُوجُ الْإِمَامِ يَتَبَاعَدُ أَوْ طَهَارَتُهُ تَثْقُلُ صَلَّوْا لِأَنْفُسِهِمْ قَالَ وَلَوْ أَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنْ يَنْتَظِرُوا أَوْ كَلَّمَهُمْ بِذَلِكَ كَلَامًا جَازَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ في غيره صَلَاةٍ فَإِنِ انْتَظَرُوهُ وَكَانَ قَرِيبًا فَحَسَنٌ وَإِنْ خَالَفُوهُ فَصَلُّوا لِأَنْفُسِهِمْ
стр. 186
فُرَادَى أَوْ قَدَّمُوا غَيْرَهُ أَجْزَأَتْهُمْ صَلَاتُهُمْ قَالَ وَالِاخْتِيَارُ عِنْدِي لِلْمَأْمُومِينَ إِذَا فَسَدَتْ عَلَى الْإِمَامِ صَلَاتُهُ أَنْ يَبْنُوا فُرَادَى قَالَ وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَلَّا يَنْتَظِرُوهُ وَلَيْسَ أَحَدٌ فِي هَذَا كَرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنْ فَعَلُوا فَصَلَاتُهُمْ جَائِزَةٌ عَلَى مَا وَصَفْنَا قَالَ فَلَوْ أَنَّ إِمَامًا صَلَّى رَكْعَةً ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ جُنُبٌ فَخَرَجَ فَاغْتَسَلَ وَانْتَظَرَهُ الْقَوْمُ فَرَجَعَ فَبَنَى عَلَى الرَّكْعَةِ فَسَدَتْ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ صَلَاتُهُمْ لِأَنَّهُمْ يَأْتَمُّونَ بِهِ عَالِمِينَ أَنَّ صَلَاتَهُ فَاسِدَةٌ فَلَيْسَ له أن يبنى على رجعة صَلَّاهَا جُنُبًا قَالَ وَلَوْ عَلِمَ بَعْضُهُمْ وَلَمْ يَعْلَمْ بَعْضٌ فَسَدَتْ صَلَاةُ مَنْ عَلِمَ ذَلِكَ مِنْهُمْ قَالَ أَبُو عُمَرَ مَنْ أَجَازَ انْتِظَارَ الْقَوْمِ لِلْإِمَامِ إِذَا أَحْدَثَ احْتَجَّ بِحَدِيثِ هَذَا الْبَابِ وَفِيهِ مَا قَدْ ذَكَرْنَا وَاحْتَجَّ أَيْضًا بِمَا حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَكَمٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو خَلِيفَةَ الْفَضْلُ بْنُ الْحُبَابِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ صَلَّى بِالنَّاسِ فَأَهْوَى بِيَدِهِ فَأَصَابَ فَرْجَهُ فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنْ كَمَا أَنْتُمْ فَخَرَجَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِمْ فَأَعَادَ فَاحْتَجَّ بِهَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ وَمَا كَانَ مِثْلُهُمَا مَنْ كَرِهَ الِاسْتِخْلَافَ مِنَ الْعُلَمَاءِ
стр. 187
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَسْأَلُ عَنْ رَجُلٍ أَحْدَثَ وَهُوَ يُصَلِّي أيستخلف أم يقول لهم يبتدءون وَهُوَ كَيْفَ يَصْنَعُ فَقَالَ أَمَّا أَنَا فَيُعْجِبُنِي أَنْ يَتَوَضَّأَ وَيَسْتَقْبِلَ قِيلَ لَهُ فَهُمْ كَيْفَ يَصْنَعُونَ فَقَالَ أَمَّا هُمْ فَفِيهِ اخْتِلَافٌ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَمَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي احمد ابن حَنْبَلٍ ﵀ أَنْ لَا يَبْنِيَ فِي الْحَدَثِ سَمِعْتُهُ يَقُولُ الْحَدَثُ أَشَدُّ وَالرُّعَافُ أَسْهَلُ وَقَدْ تَابَعَ الشَّافِعِيُّ عَلَى تَرْكِ الِاسْتِخْلَافِ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ وَأَصْحَابُهُ فَقَالُوا إِذَا أَحْدَثَ الْإِمَامُ فِي صَلَاتِهِ صَلَّىُ الْقَوْمُ أَفْرَادًا وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَكُلُّهُمْ يَقُولُ بِالِاسْتِخْلَافِ لِمَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَإِنْ جَهِلَ الْإِمَامُ وَلَمْ يَسْتَخْلِفْ تَقَدَّمَهُمْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِإِذْنِهِمْ أَوْ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ وَأَتَمَّ بِهِمْ وَذَلِكَ عِنْدَهُمْ عَمَلٌ مُسْتَفِيضٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ إِلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ إِنَّمَا يَرَى الِاسْتِخْلَافَ لِمَنْ أَحْرَمَ وَهُوَ طَاهِرٌ ثُمَّ أَحْدَثَ وَلَا يَرَى لِإِمَامٍ جُنُبٍ أَوْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ إِذَا ذَكَرَ ذَلِكَ فِي صَلَاتِهِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ وَلَيْسَ عِنْدَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَوْضِعٌ لِلِاسْتِخْلَافِ لِأَنَّ الْقَوْمَ عِنْدَهُ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ كَإِمَامِهِمْ سَوَاءٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَصْلِهِ فِي ذَلِكَ قَالَ أَبُو عُمَرَ لَا تَبِينُ عِنْدِي حُجَّةُ مَنْ كَرِهَ الِاسْتِخْلَافَ اسْتِدْلَالًا بِحَدِيثِ هَذَا الْبَابِ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ فِي الِاسْتِخْلَافِ كَغَيْرِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَحَدٌ بَيْنَ يَدَيْهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ وَقَدْ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَانَكُمْ فَلَزِمَهُمْ أَنْ يَنْتَظِرُوهُ هَذَا لَوْ صَحَّ أَنَّهُ تَرَكَهُمْ فِي صَلَاةٍ فَكَيْفَ وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُمُ اسْتَأْنَفُوا مَعَهُ فَلَوْ صَحَّ هَذَا لَبَطَلَتِ النُّكْتَةُ الَّتِي مِنْهَا نَزَعُ مَنْ كَرِهِ الِاسْتِخْلَافَ وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الِاسْتِخْلَافِ فِيمَنْ يُقِيمُ لَهُمْ أمر
стр. 188
دِينِهِمْ وَالصَّلَاةُ أَعْظَمُ الدِّينِ وَفِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِخْلَافِ لِتَأَخُّرِ أَبِي بَكْرٍ وَتَقَدُّمِ النَّبِيِّ ﷺ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَحَسْبُكَ مَا مَضَى عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ عَمَلُ النَّاسِ وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي بَابِ أَبِي حَازِمٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ نَزَعَ قَوْمٌ فِي جَوَازِ بِنَاءِ المحديث عَلَى مَا صَلَّى قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ إِذَا تَوَضَّأَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَلَا وَجْهَ لِمَا نَزَعُوا بِهِ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَبْنِ عَلَى تَكْبِيرِهِ لَمَّا بَنَى قَبْلُ فِي هَذَا الْبَابِ وَلَوْ بَنَى مَا كَانَ فِيهِ حُجَّةٌ أَيْضًا لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ غَيْرَ جَائِزٍ الْيَوْمَ لِأَحَدٍ وَأَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِأَنَّ مَا عَمِلَهُ الْمَرْءُ مِنْ صَلَاتِهِ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ لَا يُعْتَدُّ بِهِ إِذْ لَا صَلَاةَ إِلَّا بِطَهُورٍ وَاتَّفَقَ مالك الشافعي عَلَى أَنَّ مَنْ أَحْدَثَ فِي صَلَاتِهِ لَمْ يَبْنِ عَلَى مَا مَضَى لَهُ مِنْهَا وَيَسْتَأْنِفُهَا إِذَا تَوَضَّأَ وَكَذَلِكَ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ لَا يبنى احد فِي الْقَيْءِ كَمَا لَا يَبْنِي فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحْدَاثِ وَاخْتَلَفَا فِي بِنَاءِ الرَّاعِفِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ يَبْنِي الرَّاعِفُ وَانْصَرَفَ عَنْ ذَلِكَ فِي الْجَدِيدِ وَقَالَ مَالِكٌ إِذَا رَعَفَ فِي أَوَّلِ صَلَاتِهِ وَلَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً بِسَجْدَتِهَا فَلَا يَبْنِي وَلَكِنَّهُ يَنْصَرِفُ فَيَغْسِلُ عَنْهُ الدَّمَ وَيَرْجِعُ فَيُعِيدُ الْإِقَامَةَ وَالتَّكْبِيرَ وَالْقِرَاءَةَ وَلَا يَبْنِي عِنْدَهُ إِلَّا مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً كَامِلَةً مِنْ صَلَاتِهِ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ ثُمَّ رَعَفَ خَرَجَ فَغَسَلَ الدَّمَ عَنْهُ وَبَنَى عَلَى مَا مَضَى وَصَلَّى حَيْثُ شَاءَ إِلَّا فِي الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ لَا يَبْنِي فِيهَا إِذَا أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْهَا ثُمَّ رَعَفَ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ وَإِذَا كَانَ الرَّاعِفُ إِمَامًا فَلَا يَعُودُ إِمَامًا فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ أَبَدًا وَلَا يُتِمُّ صَلَاتَهَ إِلَّا مَأْمُومًا أَوْ فَذًّا هَذَا تَحْصِيلُ مَذْهَبِهِ عِنْدَ جميع أصحابه
стр. 189
وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لَوْلَا أَنِّي أَكْرَهُ خِلَافَ مَنْ مَضَى مَا رَأَيْتُ أَنْ يَبْنِيَ الرَّاعِفُ وَرَأَيْتُ أَنْ يَتَكَلَّمَ وَيَسْتَأْنِفَ قَالَ وَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ إِنَّ الْفَذَّ لَا يَبْنِي فِي الرُّعَافِ وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَقَالَ لَا يَبْنِي الرَّاعِفُ إِذَا اسْتَدْبَرَ الْقِبْلَةَ لِغَسْلِ الدَّمِ عَنْهُ وَكُلُّ مَنِ اسْتَدْبَرَ الْقِبْلَةَ عِنْدَهُ وَهُوَ عَالِمٌ بِأَنَّهُ فِي صَلَاةٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْبِنَاءُ وَكَانَ عَلَيْهِ الاستيناف أَبَدًا وَالَّذِي يَسْهُو فَيُسَلِّمُ مِنْ رَكْعَتَيْنِ وَيَخْرُجُ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ أَكْمَلَ صَلَاتَهُ وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي صَلَاةٍ فَإِنَّ هَذَا يَبْنِي عِنْدَهُ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ أَوْ يُحْدِثْ أَوْ يَطُولُ أَمْرُهُ عَلَى حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ وَسَنَذْكُرُ أَقَاوِيلَ الْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَى حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ فِي بَابِ أَيُّوبَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَقَوْلُ ابْنِ شُبْرُمَةَ فِي هَذَا كَقَوْلِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ لَا يَبْنِي أَحَدٌ فِي الْحَدَثِ وَلَكِنَّهُ يَنْصَرِفُ فَيَتَوَضَّأُ وَيَسْتَقْبِلُ وَإِنْ كَانَ إِمَامًا اسْتَخْلَفَ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ إِنْ كَانَ حَدَثُهُ مِنْ قَيْءٍ أَوْ رِيحٍ تَوَضَّأَ وَاسْتَقْبَلَ وَإِنْ كَانَ مِنْ رُعَافٍ تَوَضَّأَ وَبَنَى وَكَذَلِكَ الدَّمُ غَيْرُ الرُّعَافِ وَالرُّعَافُ عِنْدَهُ حَدَثٌ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ إِذَا كَانَ حَدَثُهُ مِنْ رُعَافٍ أَوْ قَيْءٍ تَوَضَّأَ وَبَنَى وَإِنْ كَانَ حَدَثُهُ مِنْ بَوْلٍ أَوْ رِيحٍ أَوْ ضَحِكٍ أَعَادَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ الْقَيْءُ وَالرُّعَافُ سَوَاءٌ يَتَوَضَّأُ ثُمَّ يُتِمُّ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي الامام يرى بثوبه دما أو رعف أَوْ يَجِدُ حَدَثًا أَنَّهُ يَنْصَرِفُ وَيَقُولُ لِلْقَوْمِ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ وَيُصَلِّي كُلُّ إِنْسَانٍ لِنَفْسِهِ رَوَاهُ الزُّبَيْدِيُّ عَنْهُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى يَبْنِي فِي الْأَحْدَاثِ كُلِّهَا إِذَا
стр. 190
سَبَقَتْهُ فِي الصَّلَاةِ وَالْقَيْءُ وَالرُّعَافُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ حَدَثٌ كَسَائِرِ الْأَحْدَاثِ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ سَلَفِ أَهْلِ الْعِرَاقِ يَنْقُضُ الرُّعَافُ وَالْقَيْءُ وَكُلُّ مَا خَرَجَ مِنَ الْجَسَدِ مِنْ دَمٍ أو نجاسة عنده الطَّهَارَةُ كَسَائِرِ الْأَحْدَاثِ قِيَاسًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ لِأَنَّهُمْ أَثْبَتُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَهَا بِالْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَالرَّاعِفُ عِنْدَهُمْ يَنْصَرِفُ فَيَتَوَضَّأُ وَيَبْنِي عَلَى مَا صَلَّى عَلَى حَسَبِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَصْلِهِمْ فِي بِنَاءِ الْمُحْدِثِ وَهُمْ يَقُولُونَ إِنَّ الرَّاعِفَ لَوْ أَحْدَثَ بَعْدَ انْصِرَافِهِ تَوَضَّأَ وَاسْتَأْنَفَ وَلَمْ يَبْنِ وَإِنَّمَا يَبْنِي عِنْدَهُمْ مَنْ أَحْدَثَ فِي الصَّلَاةِ وَحَسْبُكَ بِمِثْلِ هَذَا ضَعْفًا فِي النَّظَرِ وَلَا يَصِحُّ بِهِ خَبَرٌ وَالْحُجَجُ لِلْفَرْقِ فِي هَذَا الْبَابِ تَطُولُ جِدًّا وَتَكْثُرُ وَفِي بَعْضِهَا تَشْعِيبٌ وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا هَا هُنَا مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي تَأْوِيلِ حَدِيثِ هَذَا الْبَابِ مِنَ الْمَذَاهِبِ وَأُصُولِ الْأَحْكَامِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَالْحُجَّةُ عِنْدَنَا أَلَّا وُضُوءُ عَلَى الرُّعَافِ وَالْقَيْءِ أَنَّ المتوضىء باجماع لا ينتقض وضوؤه بِاخْتِلَافٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ سُنَّةٌ يَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَيْهَا وَهِيَ مَعْدُومَةٌ هَا هُنَا وَبِاللَّهِ تَوَفُّقُنَا وَسَنَذْكُرُ أَحْكَامَ الْمُسْتَحَاضَةِ فِي بَابِ نَافِعٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
стр. 191
حَدِيثٌ رَابِعٌ لِإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ مُرْسَلٌ مَالِكٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمِعَ امْرَأَةً تُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ مَنْ هَذِهِ فَقِيلَ الْحَوْلَاءُ بِنْتُ تُوَيْتٍ لَا تَنَامُ اللَّيْلَ فَكَرِهَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى عَرَفْنَا الْكَرَاهَةَ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا اكْلُفُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا لَكَمَ بِهِ طَاقَةٌ قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا حَدِيثٌ منقطع من رواية اسماعيل ابن أَبِي حَكِيمٍ وَقَدْ يَتَّصِلُ مَعْنًى وَلَفْظًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ طُرُقٍ صِحَاحٍ ثَابِتَةٍ وَالْحَوْلَاءُ هَذِهِ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ بَنِيَ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى وَهِيَ الْحَوْلَاءُ بِنْتُ تُوَيْتِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ حَدَّثَنِي أَبُو الْقَاسِمِ خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ الْحَافِظُ ﵀ قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي الْعَقِبِ وَأَبُو الْمَيْمُونِ الْبَجَلِيُّ جَمِيعًا بِدِمَشْقَ قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ قَالَ عُرْوَةُ أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ الْحَوْلَاءَ بِنْتَ تُوَيْتِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى مَرَّتْ بِهَا وَعِنْدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ الْحَوْلَاءُ بِنْتُ تُوَيْتٍ قَالُوا إِنَّهَا لَا تَنَامُ اللَّيْلَ فَقَالَ رَسُولُ
стр. 192
اللَّهِ ﷺ لَا تَنَامُ اللَّيْلَ خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ فَوَاللَّهِ لَا يَسْأَمُ اللَّهُ حَتَّى تَسْأَمُوا وَذَكَرَهُ الْبَزَّارُ قَالَ حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَخْزَمَ الطَّائِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ بِمَعْنَاهُ وَأَمَّا حَدِيثُ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ فَرَوَاهُ الْقَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ كَانَتْ عِنْدِي امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ مَنْ هَذِهِ فَقُلْتُ لَهُ هَذِهِ فُلَانَةٌ لَا تَنَامُ اللَّيْلَ تَذْكُرُ مِنْ صَلَاتِهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَهْ عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ مِنَ الْأَعْمَالِ فَوَاللَّهِ لَا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْخَضِرِ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ قَالَ حَدَّثَنَا القعبي عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ فَذَكَرَهُ وَبِهِ عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي يَدُومُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ وَرَوَى الْأَوْزَاعِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا هَكَذَا حَدَّثَ بِهِ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ حَبِيبٍ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ وَهُوَ عِنْدِي حَدِيثٌ آخَرُ لَيْسَ حَدِيثَ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ إِلَّا أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى الْأَوْزَاعِيِّ
стр. 193
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن معاوية قال حدثنا اسحاق ابْنُ أَبِي حَسَّانَ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ حَبِيبٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَفِيهِ قَالَتْ عَائِشَةُ كَانَ أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا دِيمَ عَلَيْهَا وَإِنْ قَلَّتْ قَالَتْ وَكَانَ إِذَا صَلَّى صَلَاةً دَاوَمَ عَلَيْهَا قَالَ أَبُو سَلَمَةَ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ حَدَّثَنَا أَبُو الدَّحْدَاحِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ التَّمِيمِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ الدِّمَشْقِيُّ السُّلَمِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيُّ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ قَدْرَ مَا تُطِيقُونَ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا قَالَتْ وَكَانَ أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ وَإِنْ قَلَّتْ قَالَتْ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا صَلَّى صَلَاةً دَاوَمَ عليها ثم قرأ أبو سلمة والذين هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ وَقَدْ رُوِيَ حَدِيثُ الْحَوْلَاءِ هَذَا مُتَّصِلًا مُسْنَدًا مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ ذَكَرَهُ الْعُقَيْلِيُّ أَبُو جَعْفَرٍ ﵀ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ
стр. 194
الْبَغْدَادِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ الْأَسْوَدِ عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَا تَصَوَّرْتُ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ إِلَّا سَمِعْتُ صَوْتًا قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ تِلْكَ الْحَوْلَاءُ بِنْتُ تُوَيْتٍ لَا تَنَامُ إِذَا نَامَ النَّاسُ قَالَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا أَخْبَرَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ إِجَازَةً قَالَ أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ أَحْمَدَ إِجَازَةً عَنِ الْعُقَيْلِيِّ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مُوسَى الْمَكِّيِّ قَالَ أَبُو عُمَرَ قَوْلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا مَعْنَاهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ مِنَ الثَّوَابِ وَالْعَطَاءِ عَلَى الْعَمَلِ حَتَّى تَمَلُّوا أَنْتُمْ وَلَا يَسْأَمُ مِنْ أَفْضَالِهِ عَلَيْكُمْ إِلَّا بِسَآمَتِكُمْ (هـ) عَنِ الْعَمَلِ لَهُ وَأَنْتُمْ مَتَى تَكَلَّفْتُمْ مِنَ الْعِبَادَةِ مَا لَا تُطِيقُونَ لَحِقَكُمُ الْمَلَلُ وَأَدْرَكَكُمُ الضَّعْفُ وَالسَّآمَةُ وَانْقَطَعَ عَمَلُكُمْ فَانْقَطَعَ عَنْكُمُ الثَّوَابُ لِانْقِطَاعِ الْعَمَلِ يَحُضُّهُمْ ﷺ عَلَى الْقَلِيلِ الدَّائِمِ وَيُخْبِرُهُمْ أَنَّ النُّفُوسَ لَا تَحْتَمِلُ الْإِسْرَافَ عَلَيْهَا وَأَنَّ الْمَلَلَ سَبَبٌ إِلَى قطع العمل
стр. 195
وَمِنْ هَذَا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﵇ لَا تُشَادُّوا الدِّينَ فَإِنَّهُ مَنْ يُغَالِبُ الدِّينَ يَغْلِبُهُ الدِّينُ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ فَإِنَّ الْمُنْبَتَّ لَا يَقْطَعُ أَرْضًا وَلَا يُبْقِي ظَهْرًا وَقَالَ ﷺ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَكَانَ يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ لَا تَفْعَلْ فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ نَفِهَتْ نَفْسُكَ يَعْنِي أَعْيَتْ وَكَلَّتْ يُقَالُ لِلْمُعْيِ مُنْفِهٍ وَنَافِهٍ وَجَمْعُ نَافِهٍ نُفْهٍ كَذَلِكَ فَسَّرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ وَأَبِي عَمْرٍو قَالَ وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ الايغال السير الشديد وأما الوغول فَهُوَ الدُّخُولُ وَقَدْ جَعَلَ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ ﵀ الْغُلُوَّ فِي أَعْمَالِ الْبِرِّ سَيِّئَةً وَالتَّقْصِيرَ سَيِّئَةً فَقَالَ الْحَسَنَةُ بَيْنَ سَيِّئَتَيْنِ وَأَمَّا لَفْظُهُ فِي قَوْلِهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا فَلَفْظٌ مُخْرَجٌ عَلَى مِثَالِ لَفْظٍ وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ سَوَاءً مَلَّ النَّاسُ أَوْ لَمْ يَمَلُّوا وَلَا يَدْخُلُهُ مَلَالٌ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ جَلَّ وَتَعَالَى عُلُوًّا كَبِيرًا وَإِنَّمَا جَاءَ لَفْظُ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى الْمَعْرُوفِ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ بِأَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا وَضَعُوا لَفْظًا بِإِزَاءِ لَفْظٍ وَقُبَالَتِهِ جَوَابًا لَهُ وَجَزَاءً ذَكَرُوهُ بِمِثْلِ لَفْظِهِ وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لَهُ فِي مَعْنَاهُ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ وجزاء سيئة بسيئة مِثْلُهَا وَقَوْلُهُ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَالْجَزَاءُ لَا يَكُونُ سَيِّئَةً وَالْقِصَاصُ لَا يَكُونُ اعْتِدَاءً لِأَنَّهُ حَقٌّ وَجَبَ وَمِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ ﵎ (هـ) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ وَقَوْلُهُ انما نحن مستهزؤن الله يستهزىء بهم وقوله انهم يكيدون كيدا واكيدا كَيْدًا وَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ هُزُؤٌ وَلَا مَكْرٌ وَلَا كَيْدٌ إِنَّمَا هُوَ جَزَاءٌ لِمَكْرِهِمْ وَاسْتِهْزَائِهِمْ وَجَزَاءُ كَيْدِهِمْ فَذَكَرَ الْجَزَاءَ بِمِثْلِ لَفْظِ الِابْتِدَاءِ لَمَّا وُضِعَ بِحِذَائِهِ وَكَذَلِكَ
стр. 196
قَوْلُهُ ﷺ إِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا أَيْ إِنَّ مَنْ مَلَّ مِنْ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ قُطِعَ عَنْهُ جَزَاؤُهُ فَأَخْرَجَ لَفْظَ قَطْعِ الْجَزَاءِ بِلَفْظِ الْمَلَالِ إِذْ كَانَ بِحِذَائِهِ وَجَوَابًا لَهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوُّ فِي الدِّينِ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالْغُلُوِّ فِي الدِّينِ حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عبد الله ابن عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لِكُلِّ عَامِلٍ فَتْرَةٌ وَلِكُلِّ فَتْرَةٍ شِرَّةٌ فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدْ أَفْلَحَ وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ ابن أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إن لكل عمل شرها وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى فَتْرَتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ هَكَذَا قال جعل من مَوْضِعِ الْفَتْرَةِ الشِّرَّةُ فَقُلِبَ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى عَلَى مَا فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَكِلَا الْوَجْهَيْنِ خَارِجَ مَعْنَاهُ وَالشِّرَّةُ الْحِرْصُ وَالشَّرِهُ وَالشَّرِهَانُ الْحَرِيصُ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُطَيْسٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ السَّجْسَجِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ أَفْضَلُ الْعِبَادَةِ أَخَفُّهَا قَالَ أَبُو عُمَرَ يُرِيدُ أَخَفَّهَا عَلَى الْقُلُوبِ وَأَحَبَّهَا إِلَى النُّفُوسِ فَإِنَّ ذَلِكَ أَحْرَى أَنْ يَدُومَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ حَتَّى يَصِيرَ لَهُ عَادَةً وَخُلُقًا
стр. 197
وَقَدْ كَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَرْوِي هَذَا الْحَدِيثَ أَفْضَلُ الْعِيَادَةِ أَخَفُّهَا يُرِيدُ عِيَادَةَ الْمَرْضَى فَمَنْ رَوَاهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِي هَذَا الْبَابِ وَلَا خِلَافَ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ وَالْحُكَمَاءِ أَنَّ السُّنَّةَ فِي الْعِيَادَةِ التَّخْفِيفُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَرِيضُ يَدْعُو الصَّدِيقَ إِلَى الْأُنْسِ بِهِ وَسَيَأْتِي ذِكْرُ الْعِيَادَةِ وَالْقَوْلُ فِيهَا فِي بَابِ بَلَاغَاتِ مَالِكٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيُّ يُكَنَّى أَبَا نَجِيحٍ وَقِيلَ يُكَنَّى أَبَا مُحَمَّدٍ وَقِيلَ أَبَا يَحْيَى مِنْ تَابِعِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ صِغَارِهِمْ لَقِيَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَهُوَ ثِقَةٌ حُجَّةٌ فِيمَا نَقَلَ وَأَبَوْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ وُلِدَ بِالْمَدِينَةِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ أَنَسٌ فَغَدَوْتُ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لِيُحَنِّكَهُ فَوَافَيْتُهُ وَبِيَدِهِ الْمِيسَمُ يَسِمُ إِبِلَ الصَّدَقَةِ قَالَ أَبُو عُمَرَ اسْمُ جَدِّهِ أَبِي طَلْحَةَ زَيْدُ بْنُ سَهْلٍ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ قَدْ ذَكَرْنَاهُ وَذَكَرْنَا طَرَفًا مِنْ أَخْبَارِهِ فِي كِتَابِنَا كِتَابِ الصَّحَابَةِ وَرَفَعْنَا هُنَاكَ فِي نَسَبِهِ وَأُمُّ إِسْحَاقَ بُثَيْنَةُ ابْنَةُ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ الزَّرَفِيُّ الانصاري وروى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ابْنُهُ اسحاق وروى عنه ابن شهاب ايضا ورو عن اسحاق جماعة من الايمة مِنْهُمْ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَهَمَّامُ بْنُ يَحْيَى وَلِإِسْحَاقَ إِخْوَةٌ جَمَاعَةٌ وَهُمْ عَمْرٌو وَعُمَرُ وَعَبْدُ اللَّهِ وَيَعْقُوبُ وَإِسْمَاعِيلُ بَنُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ كُلُّهمْ قَدْ رَوَى عَنْهُمُ الْعِلْمَ وَإِسْحَاقُ هَذَا أَرْفَعُهُمْ وَأَعْلَمُهُمْ وَأَثْبَتُهُمْ رِوَايَةً
стр. 198
قَالَ الْوَاقِدَيُّ كَانَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ لَا يُقَدِّمُ عَلَى إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ فِي الْحَدِيثِ أَحَدًا وَتُوفِيَ إِسْحَاقُ بِالْمَدِينَةِ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ وَقِيلَ كَانَتْ وَفَاتُهُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ لِمَالِكٍ عَنْهُ فِي الْمُوَطَّأِ مِنْ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ خَمْسَةَ عَشَرَ حَدِيثًا مِنْهَا عَنْ أَنَسٍ عَشْرَةٌ وَعَنْ رَافِعِ بْنِ إِسْحَاقَ حَدِيثَانِ وَعَنْ زُفَرَ بْنِ صَعْصَعَةَ حَدِيثٌ وَاحِدٌ وَعَنْ أَبِي مُرَّةً حَدِيثٌ وَاحِدٌ وَعَنْ حُمَيْدَةَ امْرَأَتِهِ حَدِيثٌ وَاحِدٌ
حَدِيثٌ أَوَّلُ لِإِسْحَاقَ عَنْ أنس مسند مالك عَنْ إِسْحَاقَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرُ أَنْصَارِيٍّ بِالْمَدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْلٍ وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءُ وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ قَالَ أَنَسٌ فَلَمَّا نَزَلَتْ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ قَامَ أَبُو طَلْحَةَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لَنْ تَنَالُوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وإن أحب أَمْوَالِي بَيْرُحَاءُ وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ شِئْتَ قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَخٍ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهُ فِي الْأَقْرَبِينَ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَسَّمَهَا أَبُو طَلْحَةَ بَيْنَ أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ هَكَذَا قَالَ يَحْيَى وَأَكْثَرُ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَقَسَّمَهَا أَبُو طَلْحَةُ وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ مِنْهُمُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَالْقَعْنَبِيُّ فِي رِوَايَةِ علي بن
стр. 199
عَبْدِ الْعَزِيزِ وَذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي كِتَابِهِ الْمَبْسُوطِ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ بِإِسْنَادِهِ سَوَاءً وَقَالَ فِي آخِرِهِ فَقَسَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ قَالَ أَبُو عُمَرَ فَأَضَافَ الْقِسْمَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ أَرَادَ أَقَارِبَ أَبِي طَلْحَةَ وَبَنِي عَمِّهِ وَذَلِكَ مَحْفُوظٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ وَأَمَّا إِضَافَةُ الْقِسْمَةِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهَذَا وَإِنْ كَانَ جَائِزًا فِي لِسَانِ الْعَرَبِ أَنْ يُضَافَ الْفِعْلُ إِلَى الْآمِرِ بِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ فِي رِوَايَةِ أَكْثَرِ الرُّوَاةِ لِلْمُوَطَّأِ وَلَا يُجِيزُ مِثْلَ هَذِهِ الْعِبَارَةِ أَهْلُ الْحَدِيثِ وَلَكِنَّهَا رِوَايَةُ مَنْ رَوَى ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَالْمَعْنَى فِيهِ بَيِّنٌ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ جَاءَ أَبُو طَلْحَةَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ (٠ب) عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ وَكَانَتْ دَارُ ابْنِ جَعْفَرٍ وَالدَّارُ الَّتِي تَلِيهَا إِلَى قَصْرِ ابْنِ جَدِيلَةَ حَوَائِطُ لِأَبِي طَلْحَةَ قَالَ وَكَانَ قَصْرُ ابْنِ جَدِيلَةَ حَائِطًا لِأَبِي طَلْحَةَ يُقَالُ لَهَا بَيْرُحَاءُ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا وَيَأْكُلُ مِنْ ثَمَرِهَا فَجَاءَ أَبُو طَلْحَةَ وَرَسُولُ اللَّهِ
стр. 200
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَإِنْ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءُ فَهِيَ لِلَّهِ ولرسوله ارجو بره وذخره اجعله يارسول اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَخٍ ذَلِكَ يَا أَبَا طَلْحَةَ مَالٌ رَابِحٌ قَدْ قَبِلْنَاهُ مِنْكَ وَرَدَدْنَاهُ عَلَيْكَ فَاجْعَلْهُ فِي الْأَقْرَبِينَ قَالَ فَتَصَدَّقَ بِهِ أَبُو طَلْحَةَ عَلَى ذَوِي رَحِمِهِ فَكَانَ مِنْهُمْ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَحَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ فَبَاعَ حَسَّانُ نَصِيبَهُ مِنْ مُعَاوِيَةَ فَقِيلَ لَهُ يَا حَسَّانُ تَبِيعُ صَدَقَةَ أَبِي طَلْحَةَ فَقَالَ أَلَا أَبِيعُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ بِصَاعٍ مِنْ دَرَاهِمَ وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ وَأُبَيٌّ عَنْ ثُمَامَةَ عَنْ أَنَسٍ وَهَذَا لَفْظُ حَدِيثِهِ قَالَ قَالَ أَنَسٌ كَانَتْ لِأَبِي طَلْحَةَ أَرْضٌ فَجَعَلَهَا لِلَّهِ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ اجْعَلْهَا فِي فُقَرَاءِ أَقَارِبِكَ فَجَعَلَهَا لِحَسَّانَ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ أَنَسٌ وَكَانَ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنِّي وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ من الفقه والعلم وجوه فمنها ان الرجال الْفَاضِلَ الْعَالِمَ قَدْ يُضَافُ إِلَيْهِ حُبُّ الْمَالِ وَقَدْ يُضِيفُهُ هُوَ إِلَى نَفْسِهِ وَلَيْسَ فِي ذلك نقيصة عليه ولاعلى مَنْ أَضَافَ ذَلِكَ إِلَيْهِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ وَجْهِ حِلِّهِ وَمَا أَبَاحَ اللَّهُ مِنْهُ وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ مِنْ خِيَارِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وقد أخبرنا الله
стр. 201
عز وجل عن الانسان وإنه لحب الخير لشديد قال المفسرون الخير ها هنا الْمَالُ وَفِيهِ إِبَاحَةُ اتِّخَاذِ الْجَنَّاتِ وَالْحَوَائِطِ وَهِيَ الَّتِي تُعْرَفُ عِنْدَنَا بِالْمُنَى فِي الْحَوَاضِرِ وَغَيْرِهَا وَفِيهِ إِبَاحَةُ دُخُولِ الْعُلَمَاءِ وَالْفُضَلَاءِ الْبَسَاتِينَ وَمَا جَانَسَهَا مِنَ الْجَنَّاتِ وَالْكُرُومِ وَغَيْرِهَا طَلَبًا لِلرَّاحَةِ وَالتَّفَرُّجِ وَالنَّظَرِ إِلَى مَا يُسَلِّي النَّفْسَ وَمَا يوجب شكر الله عزوجل عَلَى نِعَمِهِ وَفِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى إِبَاحَةِ كَسْبِ الْعَقَارِ وَفِي ذَلِكَ رَدٌّ لِمَا رُوِيَ عن ابن مسعود أنه قال لاتتخلوا الضَّيْعَةَ فَتَرْغَبُوا فِي الدُّنْيَا وَفِي كَسْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْعَقَارَ مِمَّا أفاء الله عليه من بني النظير وَفَدَكٍ وَغَيْرِهَا وَكَسْبِ الصَّحَابَةِ ﵃ مِنَ الْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرِينَ لِلْأَرَضِينَ وَالْحَوَائِطِ وَكَسْبِ التَّابِعِينَ بَعْدَهُمْ بِإِحْسَانٍ لِذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى وَلَا خِلَافَ عَلِمْتُهُ فِي أَنَّ كَسْبَ الْعَقَارِ مُبَاحٌ إِذَا كَانَ مِنْ حِلِّهِ وَلَمْ يَكُنْ سَبَبَ ذُلٍّ وَصَغَارٍ فَإِنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵁ كَرِهَ كَسْبَ أَرْضِ الْخَرَاجِ وَلَمْ ير شراءها وقال لاتجعل فِي عُنُقِكَ صَغَارًا وَفِيهِ إِبَاحَةُ الشُّرْبِ مِنْ الماء الصَّدِيقِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَمَاءِ الْحَوَائِطِ وَالْجَنَّاتِ وَالدُّورُ عِنْدَنَا مَمْلُوكٌ لِأَهْلِهِ لَهُمُ الْمَنْعُ مِنْهُ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ وَسَنَذْكُرُ مَعْنَى نَهْيِهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْمَاءِ وَعَنْ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ فِي بَابِ أَبِي الرِّجَالِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﷺ لاتمنع نَفْعَ بِئْرٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَإِذَا جَازَ الشُّرْبُ مِنْ مَاءِ الصَّدِيقِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ جَازَ الْأَكْلُ مِنْ ثِمَارِهِ وَطَعَامِهِ إِذَا عَلِمَ أَنَّ نَفْسَ صَاحِبِهِ تَطِيبُ بِهِ لِتَفَاهَتِهِ وَيُسْرِ مُؤْنَتِهِ وَلِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْمَوَدَّةِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ
стр. 202
جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ دَخَلْتُ بَيْتَ قَتَادَةَ فَأَبْصَرْتُ رُطَبًا فَجَعَلْتُ آكُلُهُ فَقَالَ مَا هَذَا قُلْتُ أَبْصَرْتُ رُطَبًا فِي بَيْتِكَ فَأَكَلْتُ قَالَ أَحْسَنْتَ قَالَ اللَّهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ أَوْ صَدِيقِكُمْ قَالَ إِذَا دَخَلْتَ بَيْتَ صَدِيقِكَ مِنْ غَيْرِ مُؤَامَرَتِهِ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ قَالَ مَعْمَرٌ وَدَخَلْتُ بَيْتَ قَتَادَةَ فَقُلْتُ أَأَشْرَبُ مِنْ هَذَا الْجُبِّ لِجُبٍّ فِيهِ مَاءٌ فَقَالَ أَنْتَ لَنَا صَدِيقٌ قَالَ مَعْمَرٌ وَقَالَ قَتَادَةُ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ إِذَا مَلَكَ الرَّجُلُ الْمِفْتَاحَ فَهُوَ (*) خَازِنٌ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَطْعَمَ الشَّيْءَ الْيَسِيرَ قَالَ وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ كُنَّا نَغْزُو فَنَمُرُّ بِالثِّمَارِ فَنَأْكُلُ مِنْهَا قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا عَلَى مَا قُلْنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ مِمَّا يَعْلَمُ أَنَّ صَاحِبَهُ تَطِيبُ بِهِ نَفْسُهُ وَكَانَ يَسِيرًا لَا يَتَشَاحَّ فِي مِثْلِهِ وَقَدْ كَانَ لَهُمْ فِي سَفَرِهِمْ ضِيَافَةٌ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا وَقَدْ يَكُونُ هَذَا مِنْهَا وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَحْتَلِبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ وَقَالَ لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسِهِ وَسَيَأْتِي هَذَا الْمَعْنَى مُمَهَّدًا فِي بَابِ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَفِيهِ إِبَاحَةُ اسْتِعْذَابِ الْمَاءِ وَتَفْضِيلُ بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ بِمَا فَضَّلَهُ اللَّهُ فِي خِلْقَتِهِ قَالَ اللَّهُ وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا ملح أجاج
стр. 203
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يُسْتَعْذَبُ لَهُ الْمَاءُ مِنْ بير السُّقْيَا وَفِي هَذَا الْمَعْنَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُ أَنَسٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْتِي بَيْرُحَاءَ وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ فَوَصَفَهُ بِالطَّيِّبِ وَفِيهِ اسْتِعْمَالُ ظَاهِرِ الْخِطَابِ وَعُمُومِهِ وَأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ لَمْ يَفْهَمُوا مِنْ فَحْوَى الْخِطَابِ غَيْرَ ذَلِكَ أَلَا تَرَى أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ حِينَ سَمِعَ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ لَمْ يَحْتَجْ أَنْ يَقِفَ حَتَّى يَرِدَ عَلَيْهِ الْبَيَانُ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُنْفِقَ مِنْهُ عِبَادُهُ بِآيَةٍ أُخْرَى أَوْ سُنَّةٍ مُبَيِّنَةٍ لِذَلِكَ فَإِنَّهُمْ يُحِبُّونَ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً وَفِي بِدَارِ أَبِي طَلْحَةَ إِلَى اسْتِعْمَالِ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ مَعْنَى حُبِّهِ فِي الْإِنْفَاقِ مِنْهُ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ مَعْنَى الْعُمُومِ وَمَا احْتَمَلَ الِاسْمُ الظَّاهِرُ مِنْهُ فِي أَقَلِّ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرِهِ وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى مَنْ أَبَى مِنِ اسْتِعْمَالِ الْعُمُومِ لِاحْتِمَالِهِ التَّخْصِيصَ وَهَذَا أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ كَبِيرٌ خَالَفَ فِيهِ أَهْلُ الْكُوفَةِ أَهْلَ الْحِجَازِ وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ بِحُجَجِهِ وَوُجُوهِهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ أَبَا طَلْحَةَ بَدَّرَ مِمَّا يُحِبُّ إِلَى حَائِطِهِ فَأَنْفَقَهُ وَجَعَلَهُ صَدَقَةً لِلَّهِ اسْتِدْلَالٌ صَحِيحٌ وَكَذَلِكَ فَعَلَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ بَدَّرَ مِمَّا يُحِبُّ إِلَى فَرَسٍ لَهُ فَجَعَلَهَا صَدَقَةً لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ دَاخِلٌ تَحْتَ عُمُومِ الْآيَةِ ذَكَرَ أَسَدُ بْنُ مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ (*) الْمُنْكَدِرِ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ
стр. 204
لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ قَالَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ لِي مَالٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ فَرَسِي هَذَا وَكَانَ لَهُ فَرَسٌ يُقَالُ لَهُ سُبُلٌ فَجَاءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فقال لأسامة بن زيد أأقبضه فَكَأَنَّ زَيْدًا وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ اللَّهَ قَدْ قَبِلَهَا مِنْكَ وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ مِثْلَهُ وَذَكَرَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَلْوَانِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ حَيَّانَ قَالَ حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ دَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَلَى صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ فَقَالَ لَهَا أَشْعَرْتِ أَنِّي أَعْطَيْتُ بِنَافِعٍ أَلْفَ دِينَارٍ أَعْطَانِي بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَتْ فَمَا تَنْتَظِرُ أَنْ تَبِيعَ قَالَ فَهَلَّا خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ قَالَتْ وَمَا هُوَ قَالَ هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ قَالَ أَظُنُّهُ تَأَوَّلَ قَوْلَ اللَّهِ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَرُوِّينَا عَنِ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أُمَّ وَلَدِ الرَّبِيعِ بْنِ خُشْمٍ قَالَتْ كَانَ إِذَا جَاءَ السَّائِلُ يَقُولُ لِي يَا فُلَانَةُ أَعْطِي السَّائِلَ سُكَّرًا فَإِنَّ الرَّبِيعَ يُحِبُّ السُّكَّرَ قَالَ سُفْيَانُ يَتَأَوَّلُ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ حَدَّثَنَاهُ خَلَفُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ قَالَا حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا الْمُؤَمِّلُ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ فَذَكَرَهُ
стр. 205
وَقَالَ الْحَسَنُ ﵀ إِنَّكُمْ لَا تَنَالُونَ مِمَّا تُحِبُّونَ إِلَّا بِتَرْكِ مَا تَشْتَهُونَ وَلَا تُدْرِكُونَ مَا تَأْمُلُونَ إِلَّا بِالصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُونَ وَفِيهِ أَنَّ لَفَظَ الصَّدَقَةِ يُخْرِجُ الشَّيْءَ الْمُتَصَدَّقَ بِهِ عَنْ مِلْكِ الَّذِي يَمْلِكُهُ قَبْلَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ فَإِنْ أَخْرَجَهَا إِلَى مَالِكٍ وَمَلَّكَهُ إِيَّاهَا اسْتَغْنَى بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ عَنْ غَيْرِهَا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا لِأَنَّ لَفْظُ الصَّدَقَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ اللَّهَ بِهَا مُعْطِيهَا لِمَا وَعَدَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَلَى الصَّدَقَةِ مِنْ جَزِيلِ الثَّوَابِ وَمَا أُرِيدَ بِهِ اللَّهُ فَلَا رُجُوعَ فِيهِ وَهَذَا مِمَّا أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ وَفِي هَذَا حُجَّةٌ لِمَالِكٍ فِي إِجَازَتِهِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ وَالْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ الْمُطَالَبَةُ بِالصَّدَقَةِ وَإِنْ لَمْ يَحُزْهَا حَتَّى يَحُوزَهَا وَتَصِحَّ لَهُ مَا دَامَ الْمُتَصَدِّقُ أَوِ الْوَاهِبُ حَيًّا وَإِنْ لَمْ تُقْبَضْ وَغَيْرُهُ لَا يَجْعَلُ اللَّفْظَ بِالصَّدَقَةِ وَلَا بِالْهِبَةِ شَيْئًا سَوَاءٌ كَانَ (*) لِمُعَيَّنٍ وَلَا لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ حَتَّى تُقْبَضَ وَلَيْسَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ عِنْدَهُمْ وَلَا لِلْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ أَنْ يُطَالِبَ وَاهِبَهَا بِإِخْرَاجِهَا إِلَيْهِ وَلَا يُوجِبَ عِنْدَهُمْ لَفْظَ الصَّدَقَةِ أَوِ الْهِبَةِ مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ حُكْمًا وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَسَنَذْكُرُ اخْتِلَافَهُمْ فِي هَذَا الْمَعْنَى وَمَا شَاكَلَهُ مِنْ مَعَانِي الْهِبَاتِ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَنُبَيِّنُ وُجُوهَ أَقَاوِيلِهِمْ وَاعْتِلَالِهِمْ لِمَذَاهِبِهِمْ هُنَاكَ بِحَوْلِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ لَا شَرِيكَ لَهُ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ قَدْ أَوْجَبَ حُكْمًا أَقَلُّهُ الْمُطَالَبَةُ عَلَى مَا قَالَ مَالِكٌ لِلْمُعَيَّنِ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَمِنْ طَرِيقِ الْقِيَاسِ لَوْلَا الْكَلَامُ الْمُتَقَدِّمُ مَا كَانَ الْقَبْضُ يُدْرَى مَا هُوَ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
стр. 206
فَإِذَا قَالَ الْمُتَصَدِّقُ مَالِي هَذَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ وَلَمْ يُمَلِّكْهُ أَحَدًا جَازَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَصْرِفَهُ فِي أَيِّ سَبِيلٍ مِنْ سُبُلِ اللَّهِ شَاءَ غَيْرَ أَنَّ الْأَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ أَوْلَى هَذَا إِذَا لَمْ يَبِنْ مُرَادُ الْمُتَصَدِّقِ فَإِنْ بَانَ مُرَادُهُ لَمْ يَتَعَدَّ ذَلِكَ الْوَجْهَ وَفِيهِ أَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْأَقَارِبِ مِنْ أَفْضَلِ أَعْمَالِ الْبِرِّ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُشِرْ بِذَلِكَ عَلَى أَبِي طَلْحَةَ إِلَّا وَهُوَ قَدِ اخْتَارَ ذَلِكَ لَهُ وَلَا يَخْتَارُ لَهُ إِلَّا الْأَفْضَلَ لَا مَحَالَةَ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْعِتْقَ مِنْ أَفْضَلِ أَعْمَالِ الْبِرِّ وَقَدْ فَضَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّدَقَةَ عَلَى الْأَقَارِبِ عَلَى الْعِتْقِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ قَالَ حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السُّرِّيِّ عَنْ عَبْدَةَ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ كَانَتْ لِي جَارِيَةٌ فَأَعْتَقْتُهَا فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ آجَرَكِ اللَّهُ أَمَا إِنَّكِ لَوْ
стр. 207
أَعْطَيْتِهَا إِخْوَانَكِ كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ وَرَوَى مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ لِقَرِيبٍ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِزَيْنَبَ الثَّقَفِيَّةِ زَوْجَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَزَيْنَبَ الْأَنْصَارِيَّةِ حِينَ أَتَتَاهُ تَسْأَلَانِهِ عَنِ النَّفَقَةِ عَلَى أَزْوَاجِهِمَا وَعَلَى أَيْتَامٍ فِي حُجُورِهِمَا هَلْ يُجْزِي ذَلِكَ عَنْهُمَا مِنَ الصَّدَقَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ (*) وَسَلَّمَ لَكُمَا أَجْرَانِ أَجْرُ الْقَرَابَةِ وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ وَرَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أُمِّهِ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ أَفْضَلَ الصَّدَقَةِ عَلَى ذِي الرحم الكاشح قيل في تأويل الكاشح ها هنا الْقَرِيبُ وَقِيلَ الْمُبْغِضُ الْمُعَادِي فَإِنَّهُ طَوَى كَشْحَهُ عَلَى بُغْضِهِ وَعَدَاوَتِهِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَفِيهِ إِجَازَةُ تَوَلِّي الْمُتَصَدِّقَ قَسْمَ صَدَقَتِهِ وَذَلِكَ عِنْدَ أَصْحَابِ مَالِكٍ إِذَا كَانَ مِنْهُ إِخْرَاجًا لها عن ملكه ويده وتمليكا (هـ) لِغَيْرِهِ وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ كَرِهَ أَكْلَ الصدقة التطوع للغني من غير مسئلة لِأَنَّ أَقَارِبَ أَبِي طَلْحَةَ الَّذِينَ قَسَّمَ عَلَيْهِمْ صَدَقَتَهُ تِلْكَ لَمْ يَبِنْ لَنَا أَنَّهُمْ فُقَرَاءُ
стр. 208
مِمَّنْ يَحِلُّ لَهُمْ أَخْذُ الصَّدَقَةِ الْمَفْرُوضَةِ وَقَدْ ذكر بعض أهل العلم أن أبي ابن كَعْبٍ كَانَ مِنْ أَيْسَرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ أَحَدُ الَّذِينَ قَسَّمَ عَلَيْهِمْ أَبُو طَلْحَةَ صَدَقَتَهُ هَذِهِ وَقَدْ عَارَضَهُ بَعْضُ مُخَالِفِيهِ فَزَعَمَ أَنَّ أُبَيًّا كَانَ فَقِيرًا وَاحْتَجَّ بِرِوَايَةِ مَنْ رَوَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَقَسَّمَهَا أَبُو طَلْحَةَ بَيْنَ فقراء أقاربه وهي لفظة مختلف فيه لَا تَثْبُتُ وَعَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ فَإِنَّ الصدقة التطوع جائز قبولها من غير مسئلة لِكُلِّ أَحَدٍ غَنِيًّا كَانَ أَوْ فَقِيرًا وَإِنْ كَانَ التَّنَزُّهُ عَنْهَا أَفْضَلَ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ وَسَنُبَيِّنُ وُجُوهَ هَذَا الْمَعْنَى فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ فُقَهَاءُ الْحِجَازِيِّينَ حَيْثُ قَالُوا فَيَمَنْ تَصَدَّقَ عَلَى رَجُلٍ أَوْ عَلَى قَوْمٍ بِصَدَقَةِ حَبْسٍ ذَكَرَ فِيهَا أَعْقَابَهُمْ أَوْ لَمْ يَذْكُرْ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهَا بَعْدَهُمْ مَرْجِعًا مِثْلَ أَنْ يَقُولَ عَلَى الْمَسَاكِينِ أَوْ عَلَى مَا لَا يُعْدَمُ وجوده من صفات البر فماتو وَانْقَرَضُوا إِنَّهَا تَرْجِعُ حَبْسًا عَلَى أَقْرَبِ النَّاسِ بِالْمُحْبِسِ يَوْمَ تَرْجِعُ لَا يَوْمَ حَبْسٍ أَلَا تَرَى أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ إِذْ جَعَلَ حَائِطَهُ ذَاكَ صَدَقَةً لِلَّهِ وَلَمْ يَذْكُرْ وَجْهًا مِنَ الْوُجُوهِ الَّتِي يَتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللَّهِ أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَجْعَلَهَا فِي أَقَارِبِهِ فَكَذَلِكَ كُلُّ صَدَقَةٍ لَا يُجْعَلُ لَهَا وَجْهٌ وَلَا يُذْكَرُ لَهَا مَرْجِعٌ تُصْرَفُ عَلَى أَقَارِبِ الْمُتَصَدِّقِ بِدَلِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ وَهَذَا عِنْدَ مَالِكٍ فِيمَا لَمْ يُرِدْ بِهِ صَاحِبُهُ حَيَاةَ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ إِذَا أَرَادَ ذَلِكَ فَهِيَ عِنْدُهُ الْعُمْرَى وَمَذْهَبُهُ فِي الْعُمْرَى أَنَّهَا (*) عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهَا تَرْجِعُ إِلَيْهِ عِنْدَ انْقِضَاءِ عُمْرِ الْمُعْمَرِ أَوْ إِلَى وَرَثَتِهِ مِيرَاثًا وَسَنَذْكُرُ قَوْلَهُ وَقَوْلَ غَيْرِهِ فِي الْعُمْرَى عِنْدَ ذِكْرِ الْحَدِيثِ فِيهَا فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا وَنُبَيِّنُ وُجُوهَ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ
стр. 209
وقد اختلف قول مالك فيمن قال هذا الدَّارُ أَوْ هَذَا الشَّيْءُ حَبْسٌ عَلَى فُلَانٍ أَوْ عَلَى قَوْمٍ وَلَمْ يَعْقُبْهُمْ وَلَا جَعَلَ لَهَا مَرْجِعًا إِلَى الْمَسَاكِينِ وَنَحْوِهِمْ فَمَرَّةً قَالَ تَرْجِعُ مِلْكًا إِلَى رَبِّهَا إِذَا هَلَكَ الْمُحْبِسُ عَلَيْهِ كَالْعُمْرَى وَمَرَّةً قَالَ لَا تَرْجِعُ إِلَيْهِ أَبَدًا وَهُوَ تَحْصِيلُ مَذْهَبِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْمَغْرِبِ مِنْ أَصْحَابِهِ وَحَكَوْا عَنْهُ نُصُوصًا فِيمَنْ حَبَسَ حَبْسًا عَلَى نَفَرٍ مَا عَاشُوا فَانْقَرَضُوا فَالْحَبْسُ رَاجِعٌ إِلَى عُصْبَةِ الْمُحْبِسِ حَبْسًا وَلَا يَرْجِعُ إِلَى مَنْ حَبَسَهُ وَإِنْ كَانَ حَيًّا وَيَدْخُلُ النِّسَاءُ فِي الْغَلَّةِ مَعَهُمْ وَالسُّكْنَى وَلَوْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ حَبْسٍ عَلَى وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ مَرْجِعًا غَيْرَ ذَلِكَ فَانْقَرَضَ وَلَدُهُ وَوَلَدُ وَلَدِهِ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ فَأَرَادَ بَيْعَهُ فَلَا سَبِيلَ لَهُ إِلَى ذَلِكَ فَإِذَا انْقَرَضَ فَهُوَ حَبْسُ صَدَقَةٍ عَلَى عَصَبَةِ الْمُحْبِسِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَإِذَا انْقَرَضَ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَيْهِ مِنْ عَصَبَتِهِ فَإِلَى الَّذِينَ يَلُونَهُمْ فَإِذَا انْقَرَضَ كُلُّ مَنْ تَمَسُّهُ بِهِ رَحِمٌ مِنْ عَصَبَتِهِ رَجَعَتْ عَلَى مَا عَلَيْهِ أَحْبَاسُ الْمُسْلِمِينَ يَجْتَهِدُ الْحَاكِمُ فِي وَضْعِ غَلَّتِهَا وَكِرَائِهَا بَعْدَ صَدَقَتِهَا وَلَا يُبَاعُ وَلَا يُورَثُ شَيْءٌ مِنَ الْعَقَارِ إِذَا أُجْرِيَ عَلَيْهِ اسْمُ الصَّدَقَةِ الْحَبْسِ وَلَفْظُ الْوَلَدِ فِي التَّحْبِيسِ يَدْخُلُ فِيهِ وَلَدُ الْوَلَدِ أَبَدًا وَكَذَلِكَ لَفْظُ الْبَنَاتِ يَدْخُلُ فِيهِ بَنَاتُ الْبَنِينَ أَبَدًا إِذَا اجْتَمَعُوا وَلَا يُفَضَّلُ الْأَعْيَانُ إِلَّا عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ وَلَيْسَ وَلَدُ الْبَنَاتِ مِنَ الْعَقِبِ وَلَا مِنَ الْوَلَدِ إِذْ لَيْسُوا مِنَ الْعَصَبَاتِ هَذَا كُلُّهُ تَحْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ إِلَّا أَنَّ عَنْ بَعْضِ الْبَغْدَادِيِّينَ الْمَالِكِيِّينَ خِلَافًا فِي بَعْضِ هَذَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
стр. 210
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْمُعَدَّلِ قِيلَ لِمَالِكٍ فَلَوْ قَالَ فِي صَدَقَتِهِ هَذَا حَبْسٌ عَلَى فُلَانٍ هَلْ تَكُونُ بِذَلِكَ مُحْبَسَةً قَالَ لَا لِأَنَّهَا لِمَنْ لَيْسَ بِمَجْهُولٍ وَقَدْ حَبَسَهَا عَلَى فُلَانٍ فَهِيَ عُمْرَى لِأَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ تَحْبِيسَهَا غَيْرُ ثَابِتٍ وَلَا دَائِمٍ وَأَنَّهُ إِلَى غَايَةٍ قِيلَ فَلَوْ قَالَ هِيَ صَدَقَةٌ مُحْبَسَةٌ وَفُلَانٌ يَأْخُذُهَا مَا عَاشَ قَالَ إِذَا تَكُونُ مُحْبَسَةً قَالَ وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لَهُمْ هِيَ صَدَقَةٌ عَلَى فُلَانٍ وَهِيَ مُحْبَسَةٌ (*) وَالْأَلْفَاظُ الَّتِي بِهَا يَنْقَطِعُ مِلْكُ الشَّيْءِ عَنْ رَبِّهِ وَلَا يَعُودُ إِلَيْهِ أَبَدًا عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنْ يَقُولَ حَبْسُ صَدَقَةٍ أَوْ حَبْسٌ لَا يُبَاعُ أَوْ حَبْسٌ عَلَى أَعْقَابٍ وَمَجْهُولِينَ مِثْلَ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ أَوْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ عِنْدَهُمْ مُؤَبَّدٌ لَا يَرْجِعُ مِلْكًا أَبَدًا وَأَمَّا إِذَا قَالَ سُكْنَى أَوْ عُمْرَى أَوْ حَيَاةَ الْمُحْبَسِ عَلَيْهِ أَوْ إِلَى أَجَلٍ مِنَ الْآجَالِ فَإِنَّهَا تَرْجِعُ مِلْكًا إِلَى صَاحِبِهَا أَوْ إِلَى وَرَثَتِهِ وَلَا يَكُونُ حَبْسًا مُؤَبَّدًا وَمَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ فِي أَقْرَبِ النَّاسِ بِالْمُحْبِسِ يُرِيدُ عَصَبَتَهُ وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِيمَنْ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مِنِ النِّسَاءِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ كُلُّ مَنْ كَانَ مِنَ النِّسَاءِ لَوْ كَانَ رَجُلًا كَانَ عُصْبَةً وَارِثًا دَخَلَ فِي مَرْجِعِ الْحَبْسِ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُنَّ كَذَلِكَ فَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِيهِ وَرُوِيَ كَذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ تَدْخُلُ الْأُمُّ فِي مَرْجِعِ الْحَبْسِ وَلَا تَدْخُلُ الْأَخَوَاتُ لِلْأُمِّ وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ لَا يُدْخَلُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَنْ يَرِثُ فَأَمَّا عَمَّةٌ أَوِ ابْنَةُ عَمٍّ أَوِ ابْنَةُ أَخٍ فَلَا وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْأُمَّ لَا تَدْخُلُ فِي مَرْجِعِ الْحَبْسِ وَلَهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ اضْطِرَابٌ يَطُولُ ذِكْرُهُ
стр. 211
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَمَذْهَبُهُ نَحْوُ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي مَرْجِعِ الْحَبْسِ خَاصَّةً قَالَ الشَّافِعِيُّ وَإِذَا قَالَ تَصَدَّقْتُ بِدَارِي عَلَى قَوْمٍ أَوْ عَلَى رَجُلٍ حَيٍّ مَعْرُوفٍ يَوْمَ تَصَدَّقَ أَوْ قَالَ صَدَقَةٌ مُحَرَّمَةٌ أَوْ قَالَ صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ أَوْ قَالَ صَدَقَةٌ مُسْبَلَةٌ فَقَدْ خَرَجَتْ مِنْ مِلْكِهِ فَلَا تَعُودُ مِيرَاثًا أَبَدًا قَالَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَهَا مِنْ مِلْكِهِ إِلَّا إِلَى مَالِكِ مَنْفَعَتِهَا يَوْمَ يُخْرِجُهَا إِلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يُسْبِلْهَا عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ كَانَتْ مُحَرَّمَةً أَبَدًا فَإِذَا انْقَرَضَ الْمُتَصَدِّقُ بِهَا عَلَيْهِ كَانَتْ بِحَالِهَا أَبَدًا وَرَدَدْنَاهَا إلى أقرب الناس بالذي تصدق بها يَوْمَ تَرْجِعُ وَهِيَ عَلَى شَرْطِهِ مِنَ الْأَثَرَةِ وَالتَّقْدِمَةِ وَالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ أَهْلِ الْغِنَى وَالْحَاجَةِ وَمِنْ إِخْرَاجِ مَنْ أَخْرَجَ مِنْهَا بِصِفَةٍ أَوْ رَدِّهِ إِلَيْهَا بِصِفَةٍ قَالَ أَبُو عُمَرَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَهَا مِنْ مِلْكِهِ إِلَّا إِلَى مَالِكِ مَنْفَعَتِهَا مَعْنَاهُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ الْمَحْبِسُ عَلَيْهِ مَوْجُودَ الْعَيْنِ لَيْسَ بِحَمْلٍ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَجَائِزٌ أَنْ يَتَوَلَّاهَا لَهُ غَيْرُهُ إِذَا أَخْرَجَهَا الْمُحْبِسُ مِنْ يَدِهِ عَلَى أَنَّ الشَّافِعِيَّ يَجُوزُ عِنْدَهُ فِي الْأَوْقَافِ مِنْ تَرْكِ الْقَبْضِ مَا لَا يَجُوزُ فِي الْهِبَاتِ وَالصَّدَقَاتِ الْمَمْلُوكَاتِ لِأَنَّ الْوَقْفَ عِنْدَهُ يَجْرِي مَجْرَى الْعِتْقِ يَتِمُّ بِالْكَلَامِ دُونَ الْقَبْضِ قَالَ وَيَحْرُمُ عَلَى الْمُوقِفِ مِلْكَهُ كَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ مِلْكُ رَقَبَةِ الْعَبْدِ (*) إِذَا أَعْتَقَهُ إِلَّا أَنَّهُ جَائِزٌ لَهُ أَنْ يَتَوَلَّى صَدَقَتَهُ وَتَكُونَ بِيَدِهِ لِيُفَرِّقَهَا وَيُسْبِلَهَا فِيمَا أَخْرَجَهَا فِيهِ لِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمْ يَزَلْ يَلِي صَدَقَتَهُ فِيمَا بَلَغَنَا حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ قَالَ وَكَذَلِكَ عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ كَانَا يليان صدقاتهما
стр. 212
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَيْسَ هَكَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ بَلْ مَذْهَبُهُ فِيمَنْ حَبَسَ أَرْضًا أَوْ دَارًا أَوْ نَخْلًا عَلَى الْمَسَاكِينِ وَكَانَتْ فِي يَدَيْهِ يَقُومُ بِهَا وَيَكْرِيهَا وَيُقَسِّمُهَا فِي الْمَسَاكِينِ حَتَّى مَاتَ وَالْحَبْسُ فِي يَدَيْهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَبْسٍ مَا لَمْ يَحُزْهُ غَيْرُهُ وَهُوَ مِيرَاثٌ وَالرَّبْعُ عِنْدَهُ وَالْحَوَائِطُ وَالْأَرْضُ لَا يَنْفُذُ حَبْسُهَا وَلَا يَتِمُّ حَوْزُهَا حَتَّى يَتَوَلَّاهُ غَيْرُ مَنْ حَبَسَهُ بِخِلَافِ الْخَيْلِ وَالسِّلَاحِ هَذَا تَحْصِيلُ مَذْهَبِهِ عِنْدَ جَمَاعَةِ أَصْحَابِهِ وَأَمَّا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْحُسَيْنِ الْخَرَقِيَّ ذَكَرَ عَنْهُ قَالَ إِذَا وَقَفَ وَقْفًا وَمَاتَ الْمُوقَفُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَجْعَلْ آخِرَهُ لِلْمَسَاكِينِ وَلَمْ يَبْقَ مِمَّنْ وَقَفَ عَلَيْهِ أَحَدٌ رَجَعَ إِلَى وَرَثَةِ الْوَاقِفِ فِي إحدى الروايتين عنه والرواية الأخرى تكون وقفاش عَلَى أَقْرَبِ عَصَبَةِ الْوَاقِفِ وَزَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ رَدًّا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ فِي إِبْطَالِهِمَا الْأَحْبَاسَ وَرَدِّهِمَا الْأَوْقَافَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَيْسَ فِيهِ بَيَانُ الْوَقْفِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ صَدَقَةُ أَبِي طَلْحَةَ صَدَقَةَ تَمْلِيكٍ لِلرَّقَبَةِ بَلِ الْأَغْلَبُ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِهِ فَقَسَّمَهَا أَبُو طَلْحَةَ بَيْنَ أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ أَنَّهُ قَسَّمَ رَقَبَتَهَا وَمَلَّكَهُمْ إِيَّاهَا ابْتِغَاءَ مَرِضَاتِ اللَّهِ وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ وَسَائِرِ الْعُلَمَاءِ فِي جَوَازِ هَذِهِ الصَّدَقَةِ إِذَا حَلَّ المتصدق عليه فيها محل المتصدق كان لَهُ أَنْ يَبِيعَ وَيَنْتَفِعَ وَيَهَبَ وَيَتَصَدَّقَ وَيَصْنَعَ ما أحب
стр. 213
وَإِنَّمَا أَنْكَرَ أَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرُ تَحْبِيسَ الْأَصْلِ عَلَى التَّمْلِيكِ وَتَسْبِيلَ الْغَلَّةِ وَالثَّمَرَةِ وَهِيَ الْأَحْبَاسُ الْمَعْرُوفَةُ بِالْمَدِينَةِ وَفِيهَا تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ وَأَجَازَهَا الْأَكْثَرُ مِنْهُمْ وَقَدْ قَالَ بِجَوَازِهَا أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ رَجَعَ أَبُو يُوسُفَ عَنْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي ذَلِكَ لَمَّا حَدَّثَهُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي أَنْ يَتَصَدَّقَ بِسَهْمِهِ مِنْ خَيْبَرَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ احْبِسِ الْأَصْلَ وَسَبِّلِ الثَّمَرَةَ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَبِهِ يَحْتَجُّ كُلُّ (*) مَنْ أَجَازَ الْأَحْبَاسَ ذَكَرَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ قَالَ أُخْبِرْتُ أَنَّهُ لَمَّا بَلَغَ أَبَا يُوسُفَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ لَقِيَ ابْنَ عُلَيَّةَ فَسَأَلَهُ عَنْهُ فَحَدَّثَهُ بِهِ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ أَصَابَ أَرْضًا بِخَيْبَرَ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا عَلَى جَوَازِهَا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ الحارث بن أَخِي جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ زَوْجِ النَّبِيِّ ﵇ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَاتَ وَتَخَلَّفَ أَرْضًا مَوْقُوفَةً وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ بَيَانِ الْعِلْمِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ يَنْقَطِعُ عَمَلُ الْمَرْءِ بَعْدَهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ بَعْدَهُ وَعِلْمٍ يَنْتَفِعُ بِهِ غَيْرُهُ وَوَلَدٍ يَدْعُو لَهُ
стр. 214
فَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَوْنٍ فَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ وَأَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَا حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا الحرث ابن أَبِي أُسَامَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَشْهَلُ بْنُ حَاتِمٍ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ أَصَابَ عُمَرُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَاسْتَأْمَرَهُ فِيهَا فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَنْفَسَ عِنْدِي مِنْهُ فَمَا تَأْمُرُنِي بِهِ فَقَالَ إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا قَالَ فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلَا يُوَهَبُ وَلَا يُورَثُ قَالَ فَتَصَدَّقْ بِهَا فِي الْفُقَرَاءِ وَالْقُرَبَاءِ وَفِي الرِّقَابِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَالضَّيْفِ لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ أَوْ مُتَمَوِّلٍ مَالًا وَهَذَا الْحَدِيثُ يَقُولُونَ إِنَّهُ لَمْ يَرْوِهِ عَنْ نَافِعٍ إِلَّا ابْنُ عَوْنٍ وَهُوَ ثِقَةٌ لَمْ يَرْوِهِ مَالِكٌ وَلَا غَيْرُهُ إِلَّا أَنَّ مَالِكًا قَدْ رَوَى عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لَوْلَا أَنِّي ذَكَرْتُ صَدَقَتِي لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاسْتَأْمَرْتُهُ أَوْ نَحْوَ هَذَا لَرَجَعْتُ عَنْهَا قَالَ مَالِكٌ مَخَافَةَ أَنْ يَعْمَلَ النَّاسُ بِذَلِكَ فِرَارًا مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَضَعُونَهَا مَوَاضِعَهَا وَلَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي أَكْثَرِ الْمُوَطَّآتِ عَنْ مَالِكٍ وَمِمَّنْ رَوَاهُ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ وَهَذِهِ الصَّدَقَةُ هِيَ صَدَقَةُ عُمَرَ الْمَذْكُورَةُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 215
وفي ابن عون هذا قال الشاعر ... خدوا عَنْ مَالِكٍ وَعَنِ ابْنِ عَوْنٍ ... وَلَا تَرْوُوا أحاديث ابن داب ... (*) وأما حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ فَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ قَالَ مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَلَا عَبْدًا وَلَا أَمَةً إِلَّا بَغْلَتَهُ الْبَيْضَاءَ الَّتِي كَانَ يَرْكَبُهَا وَسِلَاحَهُ وَأَرْضًا جَعَلَهَا صَدَقَةً فِي أَبْنَاءِ السَّبِيلِ وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَدْ ذَكَرْنَاهُ مِنْ طُرُقٍ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ فَهَذِهِ الْآثَارُ وَمَا أَشْبَهَهَا مِمَّا لَا مَدْخَلَ لِلتَّأْوِيلِ فِيهَا بِهَا احْتَجَّ مَنْ أَجَازَ الْأَوْقَافَ وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ هَذَا فَمُحْتَمِلٌ لِلتَّأْوِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَا وَالْأَغْلَبُ فِيهِ عِنْدَنَا مَا وَصَفْنَا وَالِاحْتِجَاجُ بِهِ فِي مَرْجِعِ الْحَبْسِ عَلَى أَقَارِبِ الْمُحْبِسِ حَبْسًا حَسَنٌ قَوِيٌّ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ قَالَ أَبُو عُمَرَ كَانَ مِنِّي هَذَا الْقَوْلُ قَبْلَ أَنْ أَرَى حَدِيثَ ابْنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ إِسْحَاقَ عَنْ أَنَسٍ هَذَا وَفِيهِ فَبَاعَ حَسَّانُ نَصِيبَهُ مِنْ مُعَاوِيَةَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ مُلْحَقًا فَعَادَ مَا ظَنَنَّا يَقِينًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
следующие страницы →