Полный текст (8 345 стр.). Показаны 7211–7250 · переход к 7216.
стр. 7211
مَالِكٌ عَنْ هَاشِمِ بْنِ هَاشِمٍ حَدِيثٌ وَاحِدٌ وَهُوَ هَاشِمُ بْنُ هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ مَعْرُوفٌ مَشْهُورُ النَّسَبِ شَرِيفٌ وَقِيلَ فِيهِ هَاشِمُ بْنُ هَاشِمِ بْنِ هَاشِمٍ وَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّهُ مَعْرُوفُ النِّسَبِ مَجْهُولٌ فِي نَفْسِهِ وَهَذَا عِنْدِي لَيْسَ بِشَيْءٍ وَقَدْ رَوَى عَنْهُ مَالِكٌ وَالدَّرَاوَرْدِيُّ وَشُجَاعُ بْنُ الْوَلِيدِ أَبُو بَدْرٍ السُّكُونِيُّ وَأَبُو ضَمْرَةَ أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ وَمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَأَبُو أُسَامَةَ وَمَرْوَانُ الْفَزَارِيُّ ذَكَرَهُ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ وَغَيْرُهُ وَيَرْوِي هَاشِمُ بْنُ هَاشِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَعَامِرِ بْنِ سَعْدٍ وَعَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ نِسْطَاسٍ وَحَدِيثُ مَالِكٍ عَنْهُ مَالِكٌ عَنْ هَاشِمِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عن عبد الله ابن نِسْطَاسٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي آثِمًا تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ قَالَ مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نِسْطَاسٍ يَرْوِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ وَنِسْطَاسٌ مَوْلَى أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ كَانَ جَاهِلِيًّا
стр. 7212
لَمْ يَخْتَلِفِ الرُّوَاةُ عَنْ مَالِكٍ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ وَمَتْنِهِ إِلَّا أَنَّ أَكْثَرَ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ يَقُولُونَ فِيهِ مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي هَذَا بِيَمِينٍ آثِمَةٍ كَذَا قَالَ ابْنُ بُكَيْرٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَالْقَعْنَبِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَقَالَ يَحْيَى مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي آثِمًا وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ وَفِيهِ اشْتِرَاطُ الْإِثْمِ فَالْوَعِيدُ لَا يَقَعُ إِلَّا مَعَ تَعَمُّدِ الْإِثْمِ فِي الْيَمِينِ وَاقْتِطَاعِ حَقِّ الْمُسْلِمِ بِهَا وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَفِي حَدِيثِ الْعَلَاءِ عَلَى مَا مَضَى فِي بَابِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ وَمَذْهَبُنَا فِي الْوَعِيدِ أَنَّهُ غَيْرُ نَافِذٍ فِي هَذَا وَفِي كُلِّ مَا أَوْعَدَ اللَّهُ أَهْلَ الْإِيمَانِ عَلَيْهِ النَّارَ وَالْعَذَابَ فَإِنَّ اللَّهَ بِالْخِيَارِ فِي عَبْدِهِ الْمُذْنِبِ إِنْ شَاءَ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ غَفَرَ وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُعَذِّبَهُ عَذَّبَهُ لِقَوْلِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرَ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يشاء والتوبة تمحو السيآت كُلَّهَا كُفْرًا كَانَتْ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ قَالَ اللَّهُ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ إِلَّا أَنَّ حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ لَا بُدَّ فِيهَا مِنَ الْقِصَاصِ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا الْمَعْنَى فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِنَا (هَذَا) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَأَمَّا الْيَمِينُ عَلَى مِنْبَرِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الْمَنَابِرِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ فَذَهَبَ ذَاهِبُونَ إِلَى أَنَّ الْيَمِينَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ وَفِي الْجَامِعِ لَا يَكُونُ فِي أَقَلِّ مِنْ رُبْعِ دِينَارٍ أَوْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ فَإِذَا كَانَ رُبْعَ دِينَارٍ أَوْ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ أَوْ قِيمَةَ ذَلِكَ عَرْضًا فَمَا زَادَ كَانَتِ الْيَمِينُ فِيهِ فِي مَقْطَعِ الْحَقِّ بِالْجَامِعِ مِنْ ذَلِكَ الْبَلَدِ وَهَذِهِ جُمْلَةُ مَذْهَبِ مَالِكٍ قَالَ مَالِكٌ يَحْلِفُ الْمُسْلِمُ فِي
стр. 7213
الْقَسَامَةِ وَاللِّعَانِ وَفِيمَا لَهُ بَالٌ مِنَ الْحُقُوقِ يُرِيدُ رُبْعَ دِينَارٍ فَصَاعِدًا فِي جَامِعِ بَلَدِهِ فِي أَعْظَمِ مَوَاضِعِهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ التَّوَجُّهُ إِلَى الْقِبْلَةِ هَذِهِ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرَوَى ابْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَحْلِفُ قَائِمًا مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَلَا يَعْرِفُ مَالِكٌ الْيَمِينَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ إِلَّا مِنْبَرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَطْ يَحْلِفُ عِنْدَهُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَأَكْثَرَ قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ فَهُوَ كَالنَّاكِلِ عَنِ الْيَمِينِ وَيُجْلَبُ فِي أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ عِنْدَ مَالِكٍ مَنْ كَانَ مِنْ عَمَلِ مَكَّةَ إِلَى مَكَّةَ فَيَحْلِفُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ وَيُجْلَبُ فِي ذَلِكَ إِلَى الْمَدِينَةِ مَنْ كَانَ مِنْ عَمَلِهَا فَيَحْلِفُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْبَابِ كَمَذْهَبِ مَالِكٍ فِي الْمِنْبَرِ بِالْمَدِينَةِ وَبَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ بِمَكَّةَ فِي الْقَسَامَةِ وَاللِّعَانِ وَأَمَّا فِي الْحُقُوقِ فَلَا يَحْلِفُ عِنْدَهُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ فِي أَقَلِّ مِنْ عِشْرِينَ دِينَارًا وَذُكِرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَالِمٍ الْقَدَّاحِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ أبصر عبد الرحمان بْنُ عَوْفٍ قَوْمًا يَحْلِفُونَ بَيْنَ الْمَقَامِ وَالْبَيْتِ فَقَالَ أَعَلَيَّ دَمٌ قِيلَ لَا قَالَ أَفَعَلَيَّ عَظِيمٌ مِنَ الْأَمْرِ قِيلَ لَا قَالَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَتَهَاوَنَ النَّاسُ بِهَذَا الْمَقَامِ هَكَذَا رَوَاهُ الزَّعْفَرَانِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ يَتَهَاوَنُ النَّاسُ وَرَوَاهُ الْمُزَنِيُّ وَالرَّبِيعُ فِي كِتَابِ الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ فَقَالَا فِيهِ (لَقَدْ) خَشِيتُ أَنْ يَبْهَأَ النَّاسُ بِهَذَا الْمَقَامِ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ وَمَعْنَى يَبْهَأُ يَأْنَسُ النَّاسُ بِهِ يُقَالُ بَهَأْتُ بِهِ أَيْ أَنِسْتُ بِهِ وَمِنْبَرُ النَّبِيِّ ﷺ فِي التَّعْظِيمِ مِثْلُ ذَلِكَ لِمَا وَرَدَ فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ عَلَى مَنْ حَلَفَ عِنْدَهُ بِيَمِينٍ آثِمَةٍ تَعْظِيمًا لَهُ وَذُكِرَ حَدِيثُ مَالِكٍ عَنْ هَاشِمِ بْنِ هَاشِمٍ وَحَدِيثُ مَالِكٌ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا غَطَفَانَ بْنَ طَرِيفٍ الْمُرِّيَّ قَالَ اخْتَصَمَ زَيْدُ بْنُ ثابت وابن مطيع إلى مروا بْنِ الْحَكَمِ فِي دَارٍ فَقَضَى بِالْيَمِينِ عَلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ
стр. 7214
عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ زَيْدٌ أَحْلِفُ لَهُ مَكَانِي فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ لَا وَاللَّهِ لَا وَاللَّهِ إِلَّا عِنْدَ مَقَاطِعِ الْحُقُوقِ فَجَعَلَ زَيْدٌ يَحْلِفُ إِنَّ حَقَّهُ لَحَقٌّ وَيَأْبَى أَنْ يَحْلِفَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَجَعَلَ مَرْوَانُ يَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ كَرِهَ زَيْدٌ صَبْرَ الْيَمِينِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَبَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ حَلَفَ عَلَى الْمِنْبَرِ فِي خُصُومَةٍ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَجُلٍ وَأَنَّ عُثْمَانَ ﵁ رُدَّتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ عَلَى الْمِنْبَرِ فَاقْتَدَى مِنْهَا وَقَالَ أَخَافُ أَنْ تُوَافِقَ قَدْرَ بَلَاءٍ فَيُقَالُ بِيَمِينِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْيَمِينُ عَلَى الْمِنْبَرِ مَا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا بِالْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ فِي قَدِيمٍ وَلَا حَدِيثٍ قَالَ الشَّافِعِيُّ فَعَابَ قَوْلَنَا هَذَا عَائِبٌ تَرَكَ فِيهِ مَوْضِعَ حُجَّتِنَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْآثَارِ بَعْدَهُ عَنْ أَصْحَابِهِ وَزَعَمَ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ كَانَ لَا يَرَى الْيَمِينَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَأَنَّا رُوِّينَا ذَلِكَ عَنْهُ وَخَالَفْنَاهُ إِلَى قَوْلِ مَرْوَانَ بِغَيْرِ حُجَّةٍ قَالَ الشَّافِعِيُّ هَذَا مَرْوَانُ يَقُولُ لِزَيْدٍ وهو عنده (من) أحظى أهل زنانه وَأَرْفَعِهِمْ مَنْزِلَةً لَا وَاللَّهِ إِلَّا عِنْدَ مَقَاطِعِ الْحُقُوقِ قَالَ فَمَا مَنَعَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ لَوْ (لَمْ) يَعْلَمْ أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمِنْبَرِ حَقٌّ أَنْ يَقُولَ مَقَاطِعُ الْحُقُوقِ مَجْلِسُ الْحُكْمِ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ مَا كَانَ زَيْدٌ لِيَمْتَنِعَ مِنْ أَنْ يَقُولَ لِمَرْوَانَ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا وَقَدْ قَالَ لَهُ أَتُحِلُّ الرِّبَا يَا مَرْوَانُ فَقَالَ مَرْوَانُ أَعُوذُ بِاللَّهِ وَمَا هَذَا قَالَ فَالنَّاسُ يَتَبَايَعُونَ الصُّكُوكَ قبل أن يقبضوها فبعث مروان الحرس ينتزوعونها مِنْ أَيْدِي النَّاسِ فَإِذَا كَانَ مَرْوَانُ لَا
стр. 7215
يُنْكِرُ عَلَى زَيْدٍ بِهَذَا فَكَيْفَ يُنْكِرُ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ أَنْ يَقُولَ لَا تَلْزَمُنِي الْيَمِينُ عَلَى الْمِنْبَرِ لَقَدْ كَانَ زَيْدٌ مِنْ أَعْظَمِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي عَيْنِ مَرْوَانَ وَآثَرِهِمْ عِنْدَهُ وَلَكِنَّ زَيْدًا عَلِمَ أَنَّ مَا قَضَى بِهِ مَرْوَانُ هُوَ الْحَقُّ وَكَرِهَ أَنْ يَصْبِرَ يَمِينَهُ عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَهَذَا الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا وَالَّذِي نَقَلَ الْحَدِيثَ فِيهِ كَأَنَّهُ تَكَلُّفٌ لِاجْتِمَاعِنَا عَلَى الْيَمِينِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ قَالَ وَقَدْ رَوَى الَّذِينَ خَالَفُونَا فِي هَذَا حَدِيثًا يُثْبِتُونَهُ عِنْدَهُمْ عَنْ مَنْصُورٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ وَعَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ عُمَرَ جَلَبَ قَوْمًا مِنَ الْيَمَنِ فَأَدْخَلَهُمُ الْحِجْرَ فَأَحْلَفَهُمْ فَإِنْ كَانَ هَذَا ثَابِتًا عَنْ عُمَرَ فَكَيْفَ أَنْكَرُوا عَلَيْنَا أَنْ يَحْلِفَ مَنْ بِمَكَّةَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ وَمَنْ بِالْمَدِينَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَنَحْنُ لَا نَجْلِبُ أَحَدًا مِنْ بَلَدِهِ وَلَوْ لَمْ يَحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِأَكْثَرِ مِنْ رِوَايَتِهِمْ أَوْ بِمَا احْتَجُّوا بِهِ عَلَيْنَا عَنْ زَيْدٍ لَكَانَتِ الْحُجَّةُ بِذَلِكَ لَازِمَةً فَكَيْفَ وَالْحُجَّةُ فِيهَا ثَابِتَةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَنْ أَصْحَابِهِ بَعْدَهُ وَهُوَ الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا وَذُكِرَ حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فِي قِصَّةِ قَيْسِ بْنِ مَكْشُوحٍ فَقَالَ أَخْبَرَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ عَنِ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ نَوْفَلِ بْنِ مُسَاحِقٍ الْعَامِرِيِّ عَنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ قَالَ كَتَبَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ أَنِ أَبْعَثْ إِلَيْهِ بِقَيْسِ بْنِ مَكْشُوحٍ فِي وِثَاقٍ فَبَعَثْتُ بِهِ إِلَيْهِ فَجَعَلَ قَيْسٌ يَحْلِفُ مَا قَتَلَ دَادَوَيْهِ وَأَحْلَفَهُ أَبُو بَكْرٍ خَمْسِينَ يَمِينًا مُرَدَّدَةً عِنْدَ مِنْبَرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِاللَّهِ مَا قَتَلَهُ وَلَا عَلِمَ لَهُ قَاتِلًا ثُمَّ عَفَا عَنْهُ وَذُكِرَ حَدِيثُ مَالِكٍ عَنْ هَاشِمِ بْنِ هَاشِمٍ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْبَابِ بِمِثْلِ لَفْظِ ابْنِ بُكَيْرٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَالْقَعْنَبَيِّ سواء
стр. 7216
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ وَأَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَا حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَرْثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ قَالَ حَدَّثَنِي هَاشِمُ بْنُ هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ الزُّهْرِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نِسْطَاسٍ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَحْلِفُ رَجُلٌ عَلَى يَمِينٍ آثِمَةٍ عِنْدَ هَذَا الْمِنْبَرِ إِلَّا يَتَبَوَّأُ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ وَلَوْ عَلَى سِوَاكٍ أَخْضَرَ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نِسْطَاسٍ مَوْلَى كَثِيرِ بْنِ الصَّلْتِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ مَنْ حَلَفَ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ عَلَى مِنْبَرِي هَذَا وَلَوْ كَانَ سِوَاكًا أَخْضَرَ تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ فَفِي هَذِهِ الْآثَارِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ تَكُونُ عَلَى الْمِنْبَرِ لَا فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْيَمِينِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَفِي مِقْدَارِ مَا يَحْلِفُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ عَلَى حَسْبِمَا قَدَّمْنَا وَنَزِيدُ ذلك بينا فَنَقُولُ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ (أَنْ) لَا يَحْلِفَ عَلَى الْمِنْبَرِ فِي مَسْجِدٍ مِنَ الْمَسَاجِدِ الْجَوَامِعِ إِلَّا عَلَى مِنْبَرِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ وَأَمَّا مَا عَدَاهَا فَيَحْلِفُ فِي الْجَامِعِ وَيَحْلِفُ قَائِمًا وَلَا يَحْلِفُ عَلَى مِنْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ بِغَيْرِهِ مِنَ الْبُلْدَانِ إِلَّا فِي ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ فَصَاعِدًا وَلَا يَحْلِفُ فِي الْقَسَامَةِ وَالدِّمَاءِ وَالْحُقُوقِ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ النَّاسِ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ دُونَ الْمِنْبَرِ مِنْ ذلك المصر إِلَّا بِالْمَدِينَةِ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ فِي الْقَسَامَةِ وَاللِّعَانِ عَلَى مِنْبَرِ النَّبِيِّ ﷺ وَفِي ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ فَصَاعِدًا
стр. 7217
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ مَنِ ادَّعَى مَالًا أَوِ ادْعِي عَلَيْهِ فَوَجَبَتِ الْيَمِينُ فِي ذَلِكَ نُظِرَ فَإِنْ كَانَ عِشْرِينَ دِينَارًا فَصَاعِدًا فَإِنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنْ كَانَ بِمَكَّةَ حَلَفَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ إِذَا كَانَ مَا يَدَّعِيهِ الْمُدَّعِي عِشْرِينَ دِينَارًا فَصَاعِدًا قَالَ وَيَحْلِفُ فِي ذَلِكَ عَلَى الطَّلَاقِ وَالْحُدُودِ كُلِّهَا وَجِرَاحِ الْعَمْدِ صَغُرَتْ أَوْ كَبُرَتْ وَجِرَاحِ الْخَطَأِ إِنْ بَلَغَ أَرْشُهَا عِشْرِينَ دِينَارًا قَالَ وَلَوْ أَخْطَأَ الْحَاكِمُ فِي رَجُلٍ عَلَيْهِ الْيَمِينُ عَلَى مِنْبَرِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ فَأَحْلَفَهُ فِي مَكَانٍ آخَرَ بِمَكَّةَ أَوْ بِالْمَدِينَةِ فَفِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ لَا تُعَادَ عَلَيْهِ الْيَمِينُ وَالْآخَرُ أَنْ تُعَادَ عَلَيْهِ وَاخْتَارَ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنْ لَا تُعَادَ عَلَيْهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَحْلَفْنَاهُ فِي مَوَاضِعِ الْحُرْمَةِ مِنْ مَسْجِدِهَا وَأَقْرَبِ الْمَوَاضِعِ مِنْ أَنْ يُعَظِّمَهَا قِيَاسًا عَلَى الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ (وَالْمِنْبَرِ) قَالَ وَلَا يُجْلَبُ أَحَدٌ مِنْ بَلَدٍ بِهِ حَاكِمٌ إِلَى مَكَّةَ وَلَا إِلَى الْمَدِينَةِ وَيَحْكُمُ عَلَيْهِ حَاكِمُ بَلَدِهِ وَقَالَ مَالِكٌ لَا يُجْلَبُ إِلَى الْمَدِينَةِ لِلْأَيْمَانِ مَنْ بَعُدَ عَنْهَا إِلَّا فِي الدِّمَاءِ أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ قَالَ مَالِكٌ وَيَحْلِفُ النَّاسُ فِي غَيْرِ الْمَدِينَةِ فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَاتِ لِيُعَظِّمَ ذَلِكَ قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ مَضَى فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ أَنَّهُمَا جَلَبَا إِلَى الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ فِي الْأَيْمَانِ فِي الدِّمَاءِ فَقَوْلُ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ أَوْلَى لِمَا جَاءَ عَنْهُمَا وبالله التوفيق
стр. 7218
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ لَا يَجِبُ الِاسْتِحْلَافُ عِنْدَ مِنْبَرِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى أَحَدٍ وَلَا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ عَلَى أَحَدٍ فِي قَلِيلِ الْأَشْيَاءِ وَلَا فِي كَثِيرِهَا وَلَا فِي الدِّمَاءِ وَلَا فِي غَيْرِهَا وَلَكِنَّ الْحُكَّامَ يَسْتَحْلِفُونَ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ فِي مَجَالِسِهِمْ
стр. 7219
هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ أَبُو الْمُنْذِرِ وَكَانَ أَحَدَ الْحُفَّاظِ الثِّقَاتِ الْعُدُولِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْأَنْصَارِيُّ حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْقَاضِي أَخْبَرَنِي عِيسَى بْنُ سَعِيدِ بْنِ زَاذَانَ عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ رَوَيْتُ الشِّعْرَ ثَلَاثَ عَشْرَ سَنَةً قَبْلَ أَنْ أَرْوِيَ الْحَدِيثَ فَلَقِيَ أَبِي هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ فَقَالَ لَهُ إِنَّ ابْنَكَ يَرْوِي الشِّعْرَ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَأَرْسِلْهُ إِلَيَّ فَقَالَ لِي أَبِي اغْدُ إِلَى هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ فَإِنَّهُ قَدِ اسَتَزَارَكَ وَهُوَ بِالْعَقِيقِ فَأَخَذْتُ حِمَارًا وَذَهَبْتُ إِلَيْهِ فَسَلَّمْتُ وَجَلَسْتُ فَقَالَ بَلَغَنِي أَنَّكَ تَرْوِي الشِّعْرَ فَلِأَيِّ الْعَرَبِ أَنْتَ أَرْوَى قُلْتُ لِبَنِي سُلَيْمٍ قَالَ فَتَرْوِي لِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا فَجَعَلَ يُنْشِدُنِي لِشُعَرَاءَ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ لَمْ أَكُنْ سَمِعْتُ بِهِمْ ثُمَّ قَالَ لِي يَا ابْنَ أَخِي اطْلُبِ الْحَدِيثَ فَمِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ رَوَيْتُ الْحَدِيثَ قَالَ الزُّبَيْرُ وَحَدَّثَنِي مُصْعَبُ بْنُ عُثْمَانَ عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ مَا سَمِعْتُ مِنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ رَفَثًا قَطُّ إِلَّا يَوْمًا وَاحِدًا فَإِنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ كَانَ يَلْزَمُهُ فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ نَافِعٌ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ كَانَ يُفَضِّلُ أَبَاكَ عَلَى أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ كَذَبَ وَاللَّهِ نَافِعٌ وَمَا يَدْرِي نَافِعٌ عَاضُّ بَظَرِ أُمِّهِ عَبْدُ اللَّهِ وَاللَّهِ خَيْرٌ وَأَفْضَلُ مِنْ عُرْوَةَ
стр. 7220
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنَا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد ابن زُهَيْرٍ قَالَ سَمِعْتُ مُصْعَبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ أَبُو الْمُنْذِرِ قَالَ وَأُمُّهُ أَمُّ وَلَدٍ خُرَاسَانِيَّةٌ اسْمُهَا صَافِيَةُ قَالَ أحمد بن زهير وسمعت يحيى ابن مَعِينٍ يَقُولُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُشَامُ بْنُ عُرْوَةَ وَالْأَعْمَشُ وُلِدُوا فِي سَنَةِ إِحْدَى وَسِتِّينَ قَالَ وَرَأَيْتُ فِي كِتَابِ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ كَانَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ يُخَضِّبُ بِالْحُمْرَةِ قَالَ يَحْيَى وَمَاتَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ بَعْدَ الْهَزِيمَةِ يَعْنِي هَزِيمَةَ إِبْرَاهِيمَ كَأَنَّهُ يُرِيدُ السَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهَا وَكَانَتِ الْهَزِيمَةُ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ قَالَ وَسَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ يَقُولُ مَاتَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ سَنَةَ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ وَقَالَ الْمَدَائِنِيُّ تُوُفِّيَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ سَنَةَ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ بَعْدَ خُرُوجِ إِبْرَاهِيمَ وَكَانَ مُحَمَّدٌ وَعَدَهُ أَنْ يُوَلِّيَهُ الْمَدِينَةَ وَقَالَ الطَّبَرِيُّ كَانَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ مِنْ سَاكِنِي الْمَدِينَةِ وَقَدِمَ بَغْدَادَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ فَمَاتَ بِهَا فِي سَنَةِ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ بَعْدَ أَنْ هُزِمَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَدُفِنَ فِي مَقْبَرَةِ الْخَيْزُرَانِ وَقِيلَ مَاتَ بِالْكُوفَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ وَقِيلَ تُوُفِّيَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ سَنَةَ سِتٍّ أَوْ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ وَهُوَ ابْنُ سِتٍّ وَتِسْعِينَ سَنَةً وَوُلِدَ سَنَةَ خَمْسِينَ كُلُّ هَذَا قَدْ قِيلَ فِي مَوْلِدِهِ وَوَفَاتِهِ ﵀ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ قَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ رَأَيْتُ ابْنَ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ وَابْنَ عُمَرَ وَجَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ هِشَامٌ وَمَسَحَ ابْنُ عُمَرَ عَلَى رَأْسِي وَدَعَا لِي وَقَبَّلَنِي قَالَ وَرَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَلَهُ جُمَّةٌ أَوْ قَالَ وَفْرَةٌ وَذَكَرَ الزُّبَيْرُ قَالَ أَخْبَرَنِي عُثْمَانُ بن عبد الرحمان قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْمَنْصُورُ لِهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ حِينَ دَخَلَ عَلَيْهِ هِشَامٌ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ تَذْكُرُ يَوْمَ دَخَلْتُ عَلَيْكَ أَنَا وَإِخْوَتِي مَعَ أَبِي الْخَلَائِفِ وَأَنْتَ تَشْرَبُ سَوِيقًا بِقُعْبَةِ يَرَاعٍ فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ قَالَ لَنَا أَبُونَا اعْرِفُوا لِهَذَا الشَّيْخِ حَقَّهُ فَإِنَّهُ لَا
стр. 7221
يزال في قومكم بقية ما يقي فَقَالَ هِشَامٌ لَا أَذْكُرُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَلَمَّا خَرَجَ قِيلَ لَهُ يُذَكِّرُكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مَا تَمُتُّ بِهِ إِلَيْهِ فَتَقُولُ لَا أَذْكُرُهُ فَقَالَ لَمْ أَكُنْ أَذْكُرُ وَلَمْ يُعَوِّدْنِي اللَّهُ فِي الصِّدْقِ إِلَّا خَيْرًا قَالَ وَحَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ جَدِّي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُصْعَبٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ وَضَعَ عِنْدِي مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ وَصِيَّتَهُ قَالَ الزُّبَيْرُ تُوُفِّيَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ بِمَدِينَةِ السَّلَامِ عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَبِي جَعْفَرِ الْمَنْصُورِ فِي صَحَابَتِهِ سَنَةَ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ وَصَلَّى عَلَيْهِ الْمَنْصُورُ وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا وَكَبَّرَ عَلَى مَوْلًى خَمْسًا وَذَلِكَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ لِمَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مِنْ مَرْفُوعَاتِ الْمُوَطَّأِ سِتَّةٌ وَخَمْسُونَ حَدِيثًا مِنْهَا سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ مُسْنَدَةٌ مُتَّصِلَةٌ وَسَائِرُهَا مَرَاسِيلُ تَسْتَنِدُ مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ أَحَادِيثُ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ
حَدِيثٌ أَوَّلُ لِهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثُمَّ تَوَضَّأَ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي الْمَاءِ فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ شَعْرِهِ ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غُرُفَاتٍ بِيَدَيْهِ ثُمَّ يَفِيضُ الْمَاءُ عَلَى جِلْدِهِ كُلِّهِ
стр. 7222
فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَيْفِيَّةُ غُسْلِ الْمُغْتَسِلِ مِنَ الْجَنَابَةِ وَهُوَ مِنْ أَحْسَنِ حَدِيثٍ رُوِيَ فِي ذَلِكَ وَفِيهِ فَرْضٌ وَسُنَّةٌ فَأَمَّا السُّنَّةُ فَالْوُضُوءُ قَبْلَ الِاغْتِسَالِ مِنَ الْجَنَابَةِ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنه كَذَلِكَ كَانَ يَفْعَلُ إِلَّا أَنَّ الْمُغْتَسِلَ مِنَ الْجَنَابَةِ إِذَا لَمْ يَتَوَضَّأْ وَعَمَّ جَمِيعَ جَسَدِهِ وَرَأْسِهِ وَيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَسَائِرَ بَدَنِهِ بِالْمَاءِ وَأَسْبَغَ ذَلِكَ وَأَكْمَلَهُ بِالْغُسْلِ وَمُرُورِ يَدَيْهِ فَقَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ إِذَا قَصَدَ الْغُسْلَ وَنَوَاهُ وَتَمَّ غُسْلُهُ لِأَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا فَرَضَ عَلَى الْجُنُبِ الْغُسْلَ دُونَ الْوُضُوءِ بِقَوْلِهِ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَقَوْلُهُ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَهَذَا إِجْمَاعٌ لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ إِلَّا أَنَّهُمْ مُجْمِعُونَ أَيْضًا عَلَى اسْتِحْبَابِ الْوُضُوءِ قَبْلَ الْغُسْلِ لِلْجُنُبِ تَأَسِّيًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلِأَنَّهُ أَعُونُ عَلَى الْغُسْلِ وَأَهْذَبُ فِيهِ وَأَمَّا بَعْدَ الْغُسْلِ فَلَا وَرَوَى أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَ رِوَايَةِ مَالِكٍ إِلَّا أَنَّ فِي رِوَايَتِهِ فَيُخَلِّلُ أُصُولَ شَعْرِهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ثُمَّ يُفْرِغُ الْمَاءَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ فَإِنْ بَقِيَ فِي الْإِنَاءِ شَيْءٌ صَبَّهُ عَلَيْهِ فَقَالَ أَيُّوبُ فَقُلْتُ لِهِشَامٍ فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ فَقَالَ وَضَوْءَهُ لِلصَّلَاةِ وَضَوْءَهُ لِلصَّلَاةِ يَعْنِي كَفَاهُ مِنْ ذَلِكَ وَهَذَا الْوُضُوءُ قَبْلَ الْغُسْلِ لَا بَعْدَهُ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا شَرِيكٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَتَوَضَّأُ بَعْدَ الْغُسْلِ مِنَ الجنابة
стр. 7223
وَرَوَى جُمَيْعُ بْنُ عُمَيْرٍ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَالْأُسُودُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ عَائِشَةَ وَصْفَهَا غَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ من الْجَنَابَةِ نَحْوَ حَدِيثَ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ مُتَقَارِبٍ وَفِي حَدِيثِ جُمَيْعِ بْنِ عُمَيْرٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ يَفِيضُ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ وَنَحْنُ نفيض على رؤوسنا خَمْسًا مِنْ أَجْلِ الضَّفْرِ وَأَمَّا حَدِيثُ مَيْمُونَةَ فِي صِفَةِ غَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فحدثنا عبد الله ابن مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ كُرَيْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ خَالَتِهِ مَيْمُونَةَ قَالَتْ وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ غُسْلًا يَغْتَسِلُ بِهِ مِنَ الْجَنَابَةِ فَأَكْفَأَ الْإِنَاءَ عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى فَغَسَلَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ثُمَّ صَبَّ عَلَى فَرْجِهِ فَغَسَلَ فَرْجَهُ بِشِمَالِهِ ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ الأرض فغسلها ثم مضمضم وَاسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ ثُمَّ صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ وَجَسَدِهِ ثُمَّ تَنَحَّى نَاحِيَةً فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ فَنَاوَلْتُهُ الْمِنْدِيلَ فَلَمْ يَأْخُذْهُ وَجَعَلَ يَنْفُضُ الْمَاءَ عَنْ جَسَدِهِ قَالَ الْأَعْمَشُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ كَانُوا لَا يَرَوْنَ بِالْمِنْدِيلِ بَأْسًا وَلَكِنْ كَانُوا يَكْرَهُونَ الْعَادَةَ هَذَا الْحَدِيثُ لِصِحَّتِهِ يَرُدُّ مَا رَوَاهُ شُعْبَةُ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ غَسَلَ يَدَيْهِ سَبْعًا وَفَرْجَهُ سَبْعًا وَشُعْبَةُ هَذَا لَيْسَ بِالْقَوِيِّ وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ كَانَتِ الصَّلَاةُ خَمْسِينَ وَالْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَغَسْلُ الثَّوْبِ مِنَ الْبَوْلِ سَبْعَ مَرَّاتٍ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُسْأَلُ حَتَّى جُعِلَتِ الصَّلَاةُ خَمْسًا وَالْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ مَرَّةً وَغَسْلُ
стр. 7224
الثَّوْبِ مِنَ الْبَوْلِ مَرَّةً وَإِسْنَادُ هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ ضَعْفٌ وَلِينٌ وَإِنْ كَانَ أَبُو دَاوُدَ قَدْ خَرَّجَهُ وَخَرَّجَ الَّذِي قَبْلَهُ عَنْ شُعْبَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا أَرَادَتْ بَدَأَ بِمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْآثَارِ الْوَارِدَةِ عَنْهُ ﷺ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ أَنَّهُ أَعَادَ غَسْلَ تِلْكَ الْأَعْضَاءِ وَلَا إِعَادَةُ الْمَضْمَضَةِ وَلَا الِاسْتِنْشَاقِ وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لَا يُعَادُ مَنْ أَوْجَبَ مِنْهُمُ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ وَمَنْ لَمْ يُوجِبْهَا وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ زيد بن وأسلم وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي تَخْلِيلِ الْجُنُبِ لِحْيَتَهُ فِي غُسْلِهِ مِنَ الْجَنَابَةِ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لَيْسَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْهُ أَنَّ عَلَيْهِ تَخْلِيلَ لِحْيَتِهِ مِنَ الْجَنَابَةِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَهُوَ أَحَبُّ إِلَيْنَا لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُخَلِّلُ شَعْرَهُ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَاخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا مَا يَشْهَدُ لِصِحَّةِ قَوْلِ مَنْ رَأَى التَّخْلِيلَ لِأَنَّ قَوْلَهَا فِيهِ فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي الْمَاءِ فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ شَعْرِهِ يَقْتَضِي عُمُومَهُ شَعْرَ لِحْيَتِهِ وَرَأْسِهِ وَإِنْ كَانَ الْأَظْهَرُ فِيهِ شَعْرَ رَأْسِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْجُنُبِ يَغْتَسِلُ فِي الْمَاءِ وَيَعُمُّ جَسَدَهُ وَرَأْسَهُ كُلَّهُ بِالْغَسْلِ أَوْ يَنْغَمِسُ فِي الْمَاءِ وَيَعُمُّ بِذَلِكَ جَمِيعَ جَسَدِهِ دُونَ أَنْ يَتَدَلَّكَ فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُجْزِيهِ حَتَّى يَتَدَلَّكَ لِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْجُنُبَ
стр. 7225
بِالِاغْتِسَالِ كَمَا أَمَرَ الْمُتَوَضِّئَ بِغَسْلِ وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ إِلَى الْمَرْفِقَيْنِ وَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ لِلْمُتَوَضِّئِ مِنْ إِمْرَارِ يَدَيْهِ مَعَ الْمَاءِ عَلَى وَجْهِهِ وَعَلَى يَدَيْهِ فَكَذَلِكَ جَمِيعُ جَسَدِ الْجُنُبِ وَرَأْسِهِ فِي حُكْمِ وَجْهِ الْمُتَوَضِّئِ وَحُكْمِ يَدَيْهِ وَهَذَا قَوْلُ الْمُزَنِيِّ وَاخْتِيَارُهُ وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَسَلَ جَسَدَهُ مِنَ الْجَنَابَةِ وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ وَهَذَا هُوَ الْمَعْقُولُ مِنْ لَفْظِ الْغُسْلِ لِأَنَّ الِاغْتِسَالَ فِي اللُّغَةِ هُوَ الِافْتِعَالُ وَمَتَى لَمْ يُمِرَّ يَدَيْهِ فَلَمْ يَفْعَلْ غَيْرَ صَبِّ الْمَاءِ وَلَا يُسَمِّيهِ أَهْلُ اللِّسَانِ غَاسِلًا بَلْ يُسَمُّونَهُ صَابًّا لِلْمَاءِ وَمُنْغَمِسًا فِيهِ قَالَ وَعَلَى نَحْوِ ذَلِكَ جَاءَتِ الْآثَارِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ فَبُلُّوا وَاغْسِلُوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَةَ قَالَ وَإِنْقَاؤُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ لَا يَكُونُ إِلَّا لِمُتْبِعِهِ عَلَى حَدِّ مَا ذَكَرْنَاهُ قَالَ أَبُو الْفَرَجِ وَتَخْرِيجُ هَذَا عِنْدِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمُعْتَادُ مِنَ الْمُنْغَمِسِ فِي الْمَاءِ وَصَابِّهِ عَلَيْهِ أَنَّهُمَا لَا يَكَادَانِ يَسْلِمَانِ مِنْ تَنَكُّبِ الْمَاءِ مَوَاضِعَ الْمُبَالَغَةِ الْمَأْمُورَ بِهَا وَجَبَ لِذَلِكَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُمِرَّا أَيْدِيَهُمَا قَالَ فَأَمَّا إِنْ طَالَ مُكْثُ الْإِنْسَانِ فِي مَاءٍ أَوْ وَالَى بَيْنَ صَبِّهِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُمِرَّ يَدَيْهِ عَلَى بَدَنِهِ فَإِنَّهُ يَنُوبُ لَهُ عَنْ إِمْرَارِ يَدَيْهِ قَالَ وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ ذَهَبَ مَالِكٌ ﵀ هَذَا كُلُّهُ قَوْلُ أَبِي الْفَرَجِ وَقَدْ عَادَ إِلَى جَوَازِ الْغُسْلِ لِلْمُنْغَمِسِ فِي الْمَاءِ إِذَا أَسْبَغَ وَعَمَّ وَعَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَقَدْ روي ذلك عن مالك أيضا نصا أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ بِشْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا مَسْلَمَةُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَبَّانَ قَالَ حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ قَالَ حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ سَأَلْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ عَنْ رَجُلٍ اغْتَمَسَ فِي مَاءٍ وَهُوَ جُنُبٌ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ وَصَلَّى
стр. 7226
قَالَ مَضَتْ صِلَاتُهُ فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ فِيهَا أَنَّهُ لَمْ يَتَدَلَّكْ وَلَا تَوَضَّأَ وَقَدْ أَجْزَأَهُ عِنْدَ مَالِكٍ لَكِنَّ الْمَعْرُوفَ مِنْ مَذْهَبِهِ مَا وَصَفْنَا مِنَ التَّدَلُّكِ وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ مِثْلُ ذَلِكَ وَرُوِيَ عَنْهُمَا خِلَافُهُ ذَكَرَ دُحَيْمٌ عَنْ كَثِيرِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ إِذَا اغْتَسَلْتَ مِنَ الْجَنَابَةِ فَادْلُكْ جِلْدَكَ وَكُلَّ شَيْءٍ نَالَتْهُ يَدُكَ قَالَ وَحَدَّثَنَا الْوَلِيدُ حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي الْجُنُبِ يَنْغَمِسُ فِي نَهْرٍ قَالَ يُجْزِيهِ قَالَ وَحَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ أَنَّهُ سَأَلَ الْأَوْزَاعِيَّ عَنْ جُنُبٍ طَرَحَ نَفْسَهُ فِي نَهْرٍ وَهُوَ جُنُبٌ لَمْ يَزِدْ عَلَى أَنِ انْغَمَسَ مَكَانَهُ قَالَ يُجْزِيهِ وَعَنِ الشَّعْبِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ وَعَطَاءٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالُوا إِذَا اغْتَمَسَ الْجُنُبُ فِي نَهْرٍ اغْتِمَاسَةً أَجْزَأَهُ وَقَالَ أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما والثوري والأزاعي يُجْزِي الْجُنُبَ إِذَا انْغَمَسَ فِي الْمَاءِ وَإِنْ لَمْ يَتَدَلَّكْ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو ثَوْرٍ وَإِسْحَاقُ وَدَاوُدُ وَالطَّبَرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَعَامِرٍ الشَّعْبِيِّ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَعَطَاءٍ كُلُّ هَؤُلَاءِ يَقُولُ إِذَا انْغَمَسَ فِي الْمَاءِ وَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ فَعَمَّ الْمَاءُ اعضاء الوضوء ونوى بذلك الطهارة أجزه وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ كُلَّ مَنْ صُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ فَقَدِ اغْتَسَلَ وَالْعَرَبُ تَقُولُ غَسَلَتْنِي السَّمَاءُ وَقَدْ حَكَتْ عَائِشَةُ وَمَيْمُونَةُ صِفَةَ غَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَذْكُرَا فِيهِ التَّدَلُّكَ وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا مَا تَرَكَهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِأَنَّهُ الْمُبَيِّنُ عَنِ اللَّهِ مُرَادَهُ وَلَوْ فَعَلَهُ لِنُقِلَ عَنْهُ كَمَا نُقِلَ تَخْلِيلُ أُصُولِ الشَّعْرِ بِالْمَاءِ وَغَرْفُهُ عَلَى رَأْسِهِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ صِفَةِ غُسْلِهِ وَوُضُوئِهِ ﷺ ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ عَاصِمٌ أَنَّ رَهْطًا أَتَوْا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَسَأَلُوهُ عَنِ الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ فَقَالَ أَمَّا الْغُسْلُ
стр. 7227
فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ اغْسِلْ رَأْسَكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَادْلُكْهُ ثُمَّ أَفِضِ الْمَاءَ عَلَى جِلْدِكَ وَأَمَّا غُسْلُ الْمَرْأَةِ رَأْسَهَا فِي الْجَنَابَةِ وَصِفَةُ غُسْلِهَا مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ جَاءَ عَنْ عَائِشَةَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَوْلِهَا وَأَمَّا نَحْنُ فَنُفِيضُ على رؤوسنا خَمْسًا مِنْ أَجْلِ الضَّفْرِ وَقَدْ أَنْكَرَتْ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَمْرَهُ النِّسَاءَ أَنْ ينقضن رؤوسهن عِنْدَ الْغُسْلِ وَقَالَتْ مَا كُنْتُ أَزِيدُ عَلَى أَنْ أَفْرَغَ عَلَى رَأْسِي ثَلَاثَ غُرُفَاتٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَوَاهُ أَيُّوبُ عَنْ أَبِي (الزُّبَيْرِ) عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ بَلَغَهَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَفِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَأَنْقُضُ رَأْسِي عِنْدَ الْغُسْلِ فَقَالَ يَكْفِيكِ أَنْ تَصُبِّي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ لِكُلِّ صَبَّةٍ عَصْرَةٌ وَقَالَ مَالِكٌ اغْتِسَالُ الْمَرْأَةِ مِنَ الْحَيْضِ كَاغْتِسَالِهَا مِنَ الْجَنَابَةِ وَلَا تَنْقُضُ رَأْسَهَا قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يُخَلِّلُ أُصُولَ شَعْرِهِ فِي غُسْلِهِ وَيُتْبِعُ ذَلِكَ بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ فَالْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ ذِي شَعْرٍ مِنْ رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ أَنْ يَعْتَقِدَ ذَلِكَ حَتَّى يُوَصِّلَ الْمَاءَ إِلَى الْبَشَرَةِ وَيَجْرِيَ عَلَيْهَا لِقَوْلِهِ ﷺ تَحْتَ
стр. 7228
كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ وَيُرْوَى فَارْوُوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَةَ فَإِنْ وَصَلَ الْمَاءُ إِلَى جِلْدِ الرَّأْسِ فَلَا وَجْهَ لِنَقْضِ الشَّعْرِ حِينَئِذٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ أَخْبَرَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ عَنْ زَاذَانَ عَنْ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ شَعْرَةٍ مِنْ جَنَابَةٍ لَمْ يَغْسِلْهَا فُعِلَ بِهِ كَذَا وَكَذَا مِنَ النَّارِ قَالَ عَلِيٌّ فَمِنْ ثَمَّ عَادَيْتُ رَأْسِي ثَلَاثًا وَكَانَ يَجُزُّ شَعْرَهُ وَكَانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ يَقُولُ فِي تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ وَأَنْقُوا الْبَشَرَ إِنَّهُ أَرَادَ غَسْلَ الْفَرْجِ وَتَضَاعِيفَهُ وَأَنَّهُ كَنَّى بِالْبَشَرَةِ عَنِ الْفَرْجِ وَمَا رَأَيْتُ هَذَا التَّفْسِيرَ لِغَيْرِ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ مَا رَأَيْتُ أَعْلَمَ بِتَفْسِيرِ الْأَحَادِيثِ مِنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَحَدِيثُ فابلوا الشعر وأنقوا البشرة يدور على الحرث بْنِ وَجِيهٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنَا الحرث بْنُ وَجِيهٍ قَالَ حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةً فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَ قَالَ أَبُو دَاوُدَ هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الدَّيْنَوَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ
стр. 7229
الجهضمي قال حدثنا الحرث بْنُ وَجِيهٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ فَأَبِلُّوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَ وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ حُسَيْنٍ يَقُولُ مَا مَسَّ الْمَاءُ مِنْكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ فَقَدْ طَهُرَ ذَلِكَ الْمَكَانُ وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْغُسْلِ لِلْجَنَابَةِ وَفِي الْوُضُوءِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ فقال مالك وربيعة والشافعي والليث وَدَاوُدُ وَالطَّبَرِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ لَا يُجْزِئُ الطِّهَارَةُ لِلصَّلَاةِ وَالْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ وَلَا التَّيَمُّمُ إِلَّا بِنِيَّةٍ وَحُجَّتُهُمْ قَوْلُهُ ﷺ إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى وَقَالَ اللَّهُ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَالْإِخْلَاصُ النِّيَّةُ فِي التَّقَرُّبِ إِلَيْهِ وَالْقَصْدُ بِأَدَاءِ مَا افْتُرِضَ عَلَى الْمُؤْمِنِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالثَّوْرِيُّ تُجْزِئُ كُلُّ طَهَارَةٍ بِمَاءٍ بِغَيْرِ نِيَّةٍ وَلَا يُجْزِئُ التَّيَمُّمُ إِلَّا بِنِيَّةٍ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ يُجْزِئُ الْوُضُوءُ وَالتَّيَمُّمُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ وَرَوَى أَبُو الْمُغِيرَةِ عَبْدُ الْقُدُّوسِ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ يُعَلِّمُ أَحَدًا التَّيَمُّمَ وَلَا يَنْوِي التَّيَمُّمَ لِنَفْسِهِ فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ قَالَ يُصَلِّي بِتَيَمُّمِهِ كَمَا لَوْ تَوَضَّأَ وَهُوَ لَا يَنْوِي الصَّلَاةَ كَانَ طَاهِرًا وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَالْفِرْيَابِيُّ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ الثَّوْرِيِّ قَالَ إِذَا عَلَّمْتَ الرَّجُلَ التَّيَمُّمَ لَمْ يُجْزِكَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَيْتَهُ وَإِنْ عَلَّمْتَهُ الْوُضُوءَ أَجْزَأَكَ وَإِنْ لَمْ تَنْوِهِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ
стр. 7230
وَاخْتُلِفَ عَنْ زُفَرَ فِي التَّيَمُّمِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ فَرُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَرُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ وَحَجَّةُ مَنْ أَسْقَطَ النِّيَّةَ وَلَمْ يُرَاعِهَا فِي الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ أَنَّ الْوُضُوءَ لَيْسَ فِيهِ فَرْضٌ وَنَافِلَةٌ فَيَحْتَاجُ الْمُتَوَضِّئُ فِيهِ إِلَى نِيَّةٍ قَالُوا وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إِلَى النِّيَّةِ فِيمَا فِيهِ مِنَ الْأَعْمَالِ فَرْضٌ وَنَفْلٌ لِيُفَرِّقَ بِالنِّيَّةِ بَيْنَ ذَلِكَ وَأَمَّا الْوُضُوءُ فَهُوَ فَرْضٌ لِلنَّافِلَةِ وَالْفَرِيضَةِ وَلَا يَصْنَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا لِذَلِكَ فَاسْتَغْنَى عَنِ النِّيَّةِ قَالُوا وَأَمَّا التَّيَمُّمُ فَهُوَ بَدَلٌ مِنَ الْوُضُوءِ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنَ النِّيَّةِ وَمَنْ جَمَعَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ التَّيَمُّمِ وَالْوُضُوءِ فَحُجَّتُهُ فِي ذَلِكَ وَاحِدَةٌ وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا الْإِجْمَاعُ عَلَى إِزَالَةِ النَّجَاسَاتِ مِنَ الْأَبْدَانِ وَالثِّيَابِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ وَهِيَ طَهَارَةٌ وَاجِبَةٌ فَرْضًا عِنْدَهُمْ قَالُوا فَكَذَلِكَ الْوُضُوءُ قَالَ أَبُو عُمَرَ الْقَوْلُ الصَّحِيحُ قَوْلُ مَنْ قال لاتجزئ طَهَارَةٌ إِلَّا بِنِيَّةٍ وَقَصْدٍ لِأَنَّ الْمَفْرُوضَاتِ لَا تُؤَدَّى إِلَّا بِقَصْدِ أَدَائِهَا وَلَا يُسَمَّى الْفَاعِلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَاعِلًا إِلَّا بِقَصْدٍ مِنْهُ إِلَى الْفِعْلِ وَمُحَالٌ أَنْ يَتَأَدَّى عَنِ الْمَرْءِ مَا لم يقصد إلى أدائه وينويه بِفِعْلِهِ وَأَيُّ تَقَرُّبٍ يَكُونُ مِنْ غَيْرِ مُتَقَرِّبٍ وَلَا قَاصِدٍ وَالْأَمْرُ فِي هَذَا وَاضِحٌ لِمَنْ أُلْهِمَ رُشْدَهُ وَلَمْ تَمِلْ بِهِ عَصَبِيَّتُهُ وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنِ اغْتَسَلَ لِلْجُمُعَةِ وَهُوَ جُنُبٌ وَلَمْ يَذْكُرْ جَنَابَتُهُ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ تُجْزِيهِ لِأَنَّهُ اغْتَسَلَ لِلصَّلَاةِ وَاسْتَبَاحَتِهَا وَلَيْسَ عَلَيْهِ مُرَاعَاةُ الْحَدَثِ وَنَوْعِهِ كَمَا لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُرَاعِيَ حَدَثَ الْبَوْلِ مِنَ الْغَائِطِ مِنَ الرِّيحِ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْدَاثِ وَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ فَكَذَلِكَ الْغُسْلُ لِلصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ تُجْزِيهِ مِنَ الْجَنَابَةِ وإلى هذا ذهب المزني صاحب السافعي فَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ مِنْهُمْ أَشْهَبُ وَابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ كِنَانَةَ وَمُطَرِّفٌ وَعَبْدُ الْمَلِكِ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَقَالَ آخَرُونَ لَا يُجْزِئُ الْجُنُبَ الْغُسْلُ لِلْجُمُعَةِ
стр. 7231
إِذَا لَمْ يَذْكُرْ جَنَابَتَهُ وَلَا يُجْزِيهِ عَنِ الْجَنَابَةِ إِلَّا الْغُسْلُ الَّذِي يُعْتَدُّ بِهِ لَهَا بِقَصْدٍ مِنْهُ إِلَى ذَلِكَ وَنِيَّةٍ وَرَفْعٌ لِجَنَابَتِهِ بِإِرَادَةِ ذَلِكَ وَذِكْرِهِ لَهَا لِأَنَّ الْفَرَائِضَ لَا تُؤَدَّى إِلَّا بِذَلِكَ وَلِأَنَّ الْغُسْلَ لِلْجُمُعَةِ سُنَّةٌ وَاسْتِحْبَابٌ وَمُحَالٌ أَنْ تُجْزِئَ سُنَّةٌ عَنْ فَرْضٍ كَمَا لَا تُجْزِئُ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنَ الصَّلَاةِ وَسَائِرِ الْأَعْمَالِ الَّتِي فِيهَا الْفَرْضُ وَالنَّفْلُ وَهَذَا الْقَوْلُ صَحَّ فِي النَّظَرِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَدَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ الْقَاسِمِ صَاحِبُ مَالِكٍ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَرَوَيَاهُ عَنْ مَالِكٍ وَأَمَّا حَدِيثُ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ فَلَيْسَ عِنْدَ يَحْيَى فِي الْمُوَطَّأِ وَلِذَلِكَ لم يذكره ههنا وَعِنْدَهُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَمَا فِيهِ مِنَ الْأَحْكَامِ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ وَقَدْ جَمَعَهُمَا ابْنُ بُكَيْرٍ وَغَيْرُهُ حَدِيثَ هِشَامٍ وَحَدِيثَ ابْنِ شِهَابٍ وَرَوَاهُ الْقَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامٍ أَوِ ابْنِ شِهَابٍ عَلَى الشَّكِّ وَلَمْ يَقُلْ لَفْظَهُمَا
حَدِيثٌ ثَانٍ لِهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ قَالَتْ فَاطِمَةُ ابْنَةُ أَبِي حُبَيْشٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَ
стр. 7232
بِالْحَيْضَةِ فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي هَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مَالِكٍ جَمَاعَةُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ فِيمَا عَلِمْتُ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي إِسْنَادِهِ وَلَفْظِهِ وَكَذَلِكَ لَمْ يَخْتَلِفِ الرُّوَاةُ عَنْ هِشَامٍ فِي إِسْنَادِهِ وَاخْتَلَفُوا عَنْهُ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ وَمِمَّنْ رَوَاهُ عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ كُنَاسَةَ وَبَعْضُهُمْ يَذْكُرُ فِيهِ أَلْفَاظًا لَا يَذْكُرُهَا غَيْرُهُ مِنْهُمْ وَرُبَّمَا أَوْجَبَتْ تِلْكَ الْأَلْفَاظُ أَحْكَامًا فَرِوَايَةُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ اسْتَفْتَتِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ فَقَالَ إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ فَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ أَثَرَ الدَّمِ وَتَوَضَّئِي فَإِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ فَقِيلَ لِحَمَّادٍ فَالْغُسْلُ فَقَالَ وَمَنْ يَشُكُّ فِي ذَلِكَ غُسْلًا وَاحِدًا بَعْدَ الْحَيْضَةِ وَأَمَّا رِوَايَةُ أَبِي حَنِيفَةَ فَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ سَهْلٍ الْحَافِظُ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ صَالِحٍ السَّبِيعِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ سَمَاعَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ وَاسْمُ دُكَيْنٍ عَمْرٌو قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَحِيضُ فِي الشَّهْرِ وَالشَّهْرَيْنِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا عِرْقٌ مِنْ دَمِكَ فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي لطهرك
стр. 7233
وَأَمَّا رِوَايَةُ أَبِي مُعَاوِيَةَ فَحَدَّثْنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ عِيسَى قَالَ حَدَّثَنَا عمر ابن إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمُحَامِلِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ قَالَ لَا إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ فَإِذَا أَقْبَلَتِ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ فَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ اغْتَسِلِي قَالَ هِشَامٌ أَيْ ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الْوَقْتُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ وَسَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَا حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ ابْنَةَ أَبِي حُبَيْشٍ الْأَسْدِيَّةَ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهَا إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي أَوْ قَالَ اغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي قَالَتْ عَائِشَةُ وَهِيَ إِحْدَى نِسَائِنَا وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّائِغُ قَالَ حَدَّثَنَا عَفَّانُ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي مُسْتَحَاضَةٌ أَفَأَتْرُكُ الصَّلَاةَ قَالَ إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ وَإِذَا ذَهَبَ وَقْتُهَا فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ تَطَهَّرِي وَصَلِّي قَالَ هِشَامٌ كَانَ عُرْوَةُ يَقُولُ الْغُسْلُ الْأَوَّلُ ثُمَّ الطُّهْرُ بَعْدُ وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا الحرث بْنُ أَبِي أُسَامَةَ وَأَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَمَّالُ قَالَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كُنَاسَةَ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عن عائشة قالت أتت
стр. 7234
فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ إِنِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ قَالَ إِنَّمَا ذَلِكَ لَيْسَ بِحَيْضٍ وَلَكِنَّهُ عِرْقٌ فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكَ الدَّمَ وَصَلِّي وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ هِشَامٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ وَقَالَ فِيهِ إِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَتَوَضَّئِي عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ وَصَلِّي وَرَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَيْهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا قَالَ فِيهِ الْأَوْزَاعِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ وَعَمْرَةَ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ اسْتُحِيضَتْ أَمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ جَحْشٍ وَهِيَ تَحْتَ عَبْدِ الرحمان بْنِ عَوْفٍ سَبْعَ سِنِينَ فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْكَلَامَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ غَيْرُ الْأَوْزَاعِيِّ رَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عمرو بن الحرث ويونس بن يزيد والليث وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَمَعْمَرٌ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ وَسُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ إِسْحَاقَ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَلَمْ يَذْكُرُوا هَذَا الْكَلَامَ وَإِنَّمَا هَذَا لَفْظُ حَدِيثَ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَزَادَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِيهِ أَمَرَهَا أَنْ تَدَعَ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا وَهُوَ وَهْمٌ مِنَ ابْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ وَحَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ الزُّهْرِيِّ فِيهِ شَيْءٌ يَقْرُبُ مِنَ الَّذِي رَوَى الْأَوْزَاعِيَّ فِي حَدِيثِهِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ حَدَّثَنِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ أَنَّهَا كَانَتْ تُسْتَحَاضُ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَانَ دَمُ الْحَيْضِ فَإِنَّهُ دَمٌ أَسْوَدُ يُعْرَفُ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَأَمْسِكِي عَنِ الصَّلَاةِ فَإِذَا كَانَ الْآخَرُ فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي فَإِنَّمَا ذلك عرق
стр. 7235
قَالَ أَبُو دَاوُدَ قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى هَكَذَا حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ مِنْ كِتَابِهِ ثُمَّ حَدَّثَنَا بَعْدُ حِفْظًا فَقَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ فَذَكَرَهُ قَالَ أَبُو عُمَرَ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ حَدَّثَتْنِي فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ أَوْ أَسْمَاءُ حَدَّثَتْنِي أَنَّ فَاطِمَةَ فَلَمْ يُقِمِ الْحَدِيثَ وَقَالَ فِيهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عمرة بنت عبد الرحمان أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ تَقُولُ جَاءَتْ أَمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ جَحْشٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَتْ قَدِ اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ فَاشْتَكَتْ ذَلِكَ إِلَيْهِ وَاسْتَفْتَتْهُ فَقَالَ لَهَا إِنَّ هَذَا لَيْسَ بِالْحَيْضَةِ وَإِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ فَاغْتَسِلِي ثُمَّ صَلِّي قَالَتْ عَائِشَةُ فَكَانَتْ أَمُّ حَبِيبَةَ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَتُصَلِّي وَقَالَ فِيهِ عَمْرُو بن الحرث عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ وَعَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ خَتَنَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَحْتَ عبد الرحمان بْنِ عَوْفٍ اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إن هَذِهِ لَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ وَلَكِنَّ هَذَا عِرْقٌ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي وَقَدْ ذَكَرْنَا الْآثَارَ وَمَا لِعُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ مِنَ الْمَذَاهِبِ فِي هَذَا الْبَابِ مُمَهِّدًا فِي بَابِ نَافِعٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَأَمَّا حَدِيثُ مَالِكٍ عَنْ هِشَامٍ فَفِيهِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ الْحَيْضَ يَمْنَعُ الْمَرْأَةَ الْحَائِضَ مِنَ الصَّلَاةِ وَأَنَّ مِنَ الدَّمِ الْخَارِجِ مِنَ الرَّحِمِ دَمًا لَا تَمْتَنِعُ مَعَهُ الْمَرْأَةُ مِنَ الصَّلَاةِ وهوالعرق الَّذِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَعْنَى قَوْلِهِ إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ يُرِيدُ عِرْقٌ انْفَجَرَ أَوِ انْقَطَعَ وَهِيَ الِاسْتِحَاضَةُ وَلِهَذَا سَأَلَتْهُ فَاطِمَةُ إِذْ أُشْكِلَ
стр. 7236
عَلَيْهَا ذَلِكَ فَأَجَابَهَا بِجَوَابٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ تُمَيِّزُ انْفِصَالَ دَمِ حَيْضِهَا مِنْ دَمِ اسْتِحَاضَتِهَا فَلِهَذَا قَالَ لَهَا إِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي وَهَذَا نَصٌّ صَحِيحٌ فِي أَنَّ الْحَائِضَ تَتْرُكُ الصَّلَاةَ لَيْسَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذَا الْبَابِ أَثْبَتُ مِنْهُ مِنْ جِهَةِ نَقْلِ الْآحَادِ الْعُدُولِ وَالْأُمَّةُ مُجْمِعَةٌ عَلَى ذَلِكَ وَعَلَى أَنَّ الْحَائِضَ بَعْدَ طُهْرِهَا لَا تَقْضِي صَلَاةَ أَيَّامِ حَيْضَتِهَا لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ فَلَزِمَتْ حُجَّتُهُ وَارْتَفَعَ الْقَوْلُ فِيهِ وَقَدْ رَوَى أَبُو قِلَابَةَ وَقَتَادَةُ جَمِيعًا عَنْ مُعَاذَةَ الْعَدَوِيَّةِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْهَا أَتَقْضِي الْحَائِضُ الصَّلَاةَ فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ قَدْ كُنَّا نَحِيضُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ نَطْهُرُ فَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ وَزَادَ بَعْضُهُمْ وَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَهَذَا إِجْمَاعٌ أَنَّ الْحَائِضَ لَا تَصُومُ فِي أَيَّامِ حَيْضَتِهَا وَتَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ لَا خِلَافَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَمَا أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ فَهُوَ الْحَقُّ وَالْخَبَرُ الْقَاطِعُ لِلْعُذْرِ وَقَالَ اللَّهُ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نوله ماتولى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا وَالْمُؤْمِنُونَ هُنَا الْإِجْمَاعُ لِأَنَّ الْخِلَافَ لَا يَكُونُ مَعَهُ اتِّبَاعُ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ لِأَنَّ بَعْضَ الْمُؤْمِنِينَ مُؤْمِنُونَ وَقَدِ اتَّبَعَ الْمُتِّبَعُ سَبِيلَهُمْ وَهَذَا وَاضِحٌ يُغْنِي عَنِ الْقَوْلِ فِيهِ وَأَمَّا قَوْلُهُ فَإِذَا أَدْبَرَتِ الْحَيْضَةُ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ فقد فسره غيره ممن ذكرنا روايته ههنا وَهُوَ أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ إِدْبَارِ حَيْضَتِهَا وَإِقْبَالِ دَمِ اسْتِحَاضَتِهَا كَمَا تَغْتَسِلُ الْحَائِضُ عِنْدَ رُؤْيَةِ طُهْرِهَا سَوَاءً لِأَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ طَاهِرٌ وَدَمُهَا دَمُ عِرْقٍ كَدَمِ جُرْحٍ سَوَاءٌ فَيَلْزَمُهَا عِنْدَ انْقِطَاعِ دَمِ حَيْضَتِهَا الِاغْتِسَالُ كَمَا يَلْزَمُ الطَّاهِرُ الَّتِي ترى دما
стр. 7237
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ لَا يَلْزَمُهَا غَيْرُ ذَلِكَ الْغُسْلِ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَأْمُرْهَا بِغَيْرِهِ وَفِيهِ رَدٌّ لِقَوْلِ مَنْ رَأَى عَلَيْهَا الْغُسْلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَرَدٌّ لِقَوْلِ مَنْ رَأَى عَلَيْهَا الْجَمْعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ وَتَغْتَسِلَ لِلصُّبْحِ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لم يَأْمُرْهَا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَهُوَ أَصَحُّ حَدِيثٍ رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ وَهُوَ رَدٌّ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ بِالِاسْتِظْهَارِ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ وَقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُ مَنْ يَرَى الِاسْتِظْهَارَ مِنْ أَصْحَابِنَا بِقَوْلِهِ ﵇ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا قَالَ لِأَنَّ قَدْرَ الْحَيْضِ قَدْ يَزِيدُ مَرَّةً وَيَنْقُصُ أُخْرَى فَلِهَذَا رَأَى مَالِكٌ الِاسْتِظْهَارَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِيَسْتَبِينَ فِيهَا انْقِضَاءُ دَمِ الْحَيْضِ مِنْ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ وَاقْتَصَرَ عَلَى الْقَضَاءِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ اسْتِدْلَالًا بِحَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ إِذْ حَدَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي انْفِصَالِ اللَّبَنِ وَقَالَ غَيْرُهُ مِمَّنْ يُخَالِفُهُ فِي الِاسْتِظْهَارِ مَعْنَى قَوْلِهِ فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا تَقُولُ إِذَا ذَهَبَتْ وَأَدْبَرَتْ وَخَرَجَ وَقْتُهَا وَلَمْ يَكُنْ فِي تَقْدِيرِكِ أَنَّهُ بَقِيَ شَيْءٌ مِنْهُ فَاغْتَسِلِي حِينَئِذٍ وَلَا تَمْكُثِي وَأَنْتِ غَيْرُ حَائِضٍ دُونَ غُسْلٍ وَدُونَ صَلَاةٍ قَالَ وَمُحَالٌ أَنْ يَأْمُرُهَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهِيَ قَدْ ذَهَبَتْ حَيْضَتُهَا أَنْ تَتْرُكَ الصَّلَاةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِانْتِظَارِ حَيْضٍ يَجِيءُ أَوْ لَا يَجِيءُ وَمَعْنَى قَوْلِهِ فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ انْقِضَاءَ أَيَّامِ حَيْضَتِهَا أَوِ انْفِصَالَ دَمِ حَيْضَتِهَا مِنْ دَمِ اسْتِحَاضَتِهَا وَأَيُّ ذَلِكَ كَانَ فَقَدْ أَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُصَلِّيَ وَلَمْ يَأْمُرْهَا بِاسْتِظْهَارٍ وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهَا لَأَمَرَهَا بِهِ قَالُوا وَالسُّنَّةُ تَنْفِي الِاسْتِظْهَارَ لِأَنَّ دَمَ نَجَاسَةٍ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ اسْتِحَاضَةً وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا وَالصَّلَاةُ فَرْضٌ بِيَقِينٍ فَلَا يَجُوزُ لِامْرَأَةٍ أَنْ تَدَعَ الصَّلَاةَ حَتَّى تَسْتَيْقِنَ أَنَّهَا حَائِضٌ
стр. 7238
وَذَكَرُوا أَنَّ مَالِكًا وَغَيْرَهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ قَدْ جَاءَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا لَأَنْ تُصَلِّيَ الْمُسْتَحَاضَةُ وَلَيْسَ عَلَيْهَا ذَلِكَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَ الصَّلَاةَ وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهَا وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا رَدٌّ عَلَى مَنْ أَوْجَبَ الْوُضُوءَ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ لِكُلِّ صَلَاةٍ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهَا إِذَا ذَهَبَتِ الْحَيْضَةُ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي وَلَمْ يَقُلْ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ وَقَدْ ذَكَرْنَا الْقَائِلِينَ بِهَا فِي بَابِ الْوُضُوءِ عَلَيْهَا لِكُلِّ صَلَاةٍ وَالْقَائِلِينَ بِإِيجَابِ الْغُسْلِ وَوَجْهَ قَوْلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَبْسُوطًا مُمَهَّدًا فِي بَابِ نَافِعٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ قَالَ أَبُو عُمَرَ إِذَا أَحْدَثَتِ الْمُسْتَحَاضَةُ حَدَثًا مَعْرُوفًا مُعْتَادًا لَزِمَهَا لَهُ الْوُضُوءُ وَأَمَّا دَمُ اسْتِحَاضَتِهَا فَلَا يُوجِبُ وُضُوءًا لِأَنَّهُ كَدَمِ الْجُرْحِ السَّائِلِ وَكَيْفَ يَجِبُ مِنْ أَجْلِهِ وُضُوءٌ وَهُوَ لَا يَنْقَطِعُ وَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ حَالُهُ مِنْ سَلَسِ الْبَوْلِ وَالْمَذْيِ وَالِاسْتِحَاضَةِ لَا يَرْفَعُ بِوُضُوئِهِ حَدَثًا لِأَنَّهُ لَا يُتِمُّهُ إِلَّا وَقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ الْحَدَثُ فِي الْأَغْلَبِ وَإِلَى هَذَا الْمَذْهَبِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَهُوَ ظَاهِرُ حديث هشام ابن عُرْوَةَ هَذَا فِي قِصَّةِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَّا أَنَّ عُرْوَةَ كَانَ يُفْتِي بِأَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ على الاستحباب لاعلى الْإِيجَابِ وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا فِي هَذَا الْبَابِ مِنَ الْآثَارِ الْمَرْفُوعَةِ وَغَيْرِهَا عَلَى اخْتِلَافِهَا وَذَكَرْنَا مَنْ تَعَلَّقَ بِهَا وَذَهَبَ إِلَيْهَا مِنْ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَفُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَذَكَرْنَا اخْتِلَافَهُمْ فِي ذَلِكَ وَأَصْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ وَالِاسْتِحَاضَةِ مُمَهَّدًا مَبْسُوطًا فِي بَابِ نَافِعٍ عَنْ سُلَيْمَانَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ فَلَا وَجْهَ لِإِعَادَةِ ذَلِكَ ههنا والحمد لله
стр. 7239
رَوَى مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ لَيْسَ عَلَى المستحاضة إلا أن تغتسل غسلا واحد ثُمَّ تَتَوَضَّأَ بَعْدَ ذَلِكَ لِكُلِّ صَلَاةٍ قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ عِنْدَنَا عَلَى حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ وَهُوَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ وَمِنْ مَعَانِي هَذَا الْحَدِيثِ وَجْهٌ آخَرُ أَخَّرْنَا الْقَوْلَ فِيهِ فِي ذَلِكَ الْبَابِ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ وَهُوَ قَوْلُ الْعُلَمَاءِ فِي الْمَرْأَةِ الَّتِي لَمْ تَحِضْ قَطُّ فَحَاضَتْ يَوْمًا وَطَهُرَتْ يَوْمًا أَوْ حَاضَتْ يَوْمَيْنِ وَطَهُرَتْ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ وَنَحْوَ هَذَا فَأَمَّا مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ فَقَالُوا تَجْمَعُ أَيَّامَ الدَّمِ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ وَتَطْرَحُ أَيَّامَ التَّطَهُّرِ وَتَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ يَوْمٍ تَرَى فِيهِ الطُّهْرَ أَوَّلَ مَا تَرَاهُ وَتُصَلِّي مَا دَامَتْ طَاهِرًا وَتَكُفُّ عَنِ الصَّلَاةِ فِي أَيَّامِ الدَّمِ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَتُحْصِي ذَلِكَ فَإِذَا كَانَ مَا اجْتَمَعَ لَهَا مِنْ أَيَّامِ الدَّمِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ وَإِنْ زَادَ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ وَإِنْ كَانَتْ خمسة عشر يوما أو أقل فهي حيضة تَقَطَّعَتْ هَذِهِ رِوَايَةُ الْمَدَنِيِّينَ عَنْ مَالِكٍ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ عَنْهُ أَنَّهَا تَضُمُّ أَيَّامَ الدَّمِ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ فَإِنْ دَامَ بِهَا ذَلِكَ أَيَّامَ عَادَتِهَا اسْتَظْهَرَتْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ عَلَى أَيَّامِ حَيْضَتِهَا فَإِنْ رَأَتْ فِي خِلَالِ أَيَّامِ الِاسْتِظْهَارِ أَيْضًا طُهْرًا أَلْغَتْهُ حَتَّى تَجْعَلَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِلِاسْتِظْهَارِ وَأَيَّامِ الطُّهْرِ وَتُصَلِّي وَتَصُومُ وَيَأْتِيهَا زَوْجُهَا وَيَكُونُ مَا جَمَعَتْ مِنْ أَيَّامِ الدَّمِ بَعْضِهِ إِلَى بَعْضٍ حَيْضَةً وَاحِدَةً وَلَا تَعُدُّ أَيَّامَ الطُّهْرِ فِي عِدَّةٍ مِنْ طَلَاقٍ فَإِذَا اسْتَظْهَرَتْ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بَعْدَ أَيَّامِ حَيْضَتِهَا تَوَضَّأَتْ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَتَغْتَسِلُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الطُّهْرِ عِنْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ وَإِنَّمَا أُمِرَتْ بِالْغُسْلِ لِأَنَّهَا لَا تَدْرِي لَعَلَّ الدَّمَ لَا يَرْجِعُ إليها
стр. 7240
وَرِوَايَةُ الرَّبِيعِ عَنِ الشَّافِعِيِّ مِثْلُ رِوَايَةِ الْمَدَنِيِّينَ عَنْ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ اعْتِبَارًا لِخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا بِلَا اسْتِظْهَارٍ وَكَذَلِكَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَلَمْ يَخْتَلِفْ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إِذَا كَانَ تَقَطُّعُ حَيْضَتِهَا يَوْمًا كَامِلًا أَوْ يَوْمًا وَلَيْلَةً أَنَّهَا فِي يَوْمِ الْحَيْضِ حَائِضٌ لَا مستحاضة وفي يوم الطهر طاهر أو هي حيضة مُتَقَطِّعَةٌ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ إِذَا كَانَ طُهْرُهَا يَوْمًا وَحَيْضُهَا يَوْمًا فَطُهْرُهَا أَقَلُّ الطُّهْرِ وَحَيْضُهَا أَكْثَرُ الْحَيْضِ فَكَأَنَّهَا قَدْ حَاضَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا مُتَوَالِيَةً وَطَهُرَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ فَحَالُ حَيْضَتِهَا لَا يَضُرُّهَا وَاجْتِمَاعُ الْأَيَّامِ وَافْتِرَاقُهَا سَوَاءٌ وَلَا يَكُونُ مُسْتَحَاضَةً وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ فَمَذْهَبُهُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ اعْتِبَارُ أَقَلِّ الطُّهْرِ وَأَقَلِّ الْحَيْضِ فَأَمَّا أَبُو يُوسُفَ فَاعْتَبَرَ أَقَلَّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَجَعَلَهُ كَدَمٍ مُتَّصِلٍ وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فَاعْتَبَرَ مِقْدَارَ الدَّمِ وَالطُّهْرِ فَإِذَا كَانَ بَيْنَ الدَّمَيْنِ مِنَ الطُّهْرِ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ كَدَمٍ مُتَّصِلٍ سَوَاءٌ كَانَ الْحَيْضُ أَكَثُرَ أَوِ الطُّهْرُ أَكْثَرَ نَحْوَ أَنْ تَرَى يَوْمًا حَيْضًا أَوْ يَوْمَيْنِ وَيَوْمَيْنِ طُهْرًا وَسَاعَةً دَمًا فَيَكُونُ جَمِيعُ ذَلِكَ حَيْضًا وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ قَدِ اتَّفَقُوا أَنَّهُ لَوِ انْقَطَعَ سَاعَةً أَوْ نَحْوَهَا أَنَّهُ كَدَمٍ مُتَّصِلٍ فَكَذَلِكَ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ طَلَاقٍ وَقَدْ قَالَ أَبُو الْفَرَجِ لَيْسَ بِنَكِيرٍ أَنْ تَحِيضَ يَوْمًا وَتَطْهُرَ يَوْمًا فَتَتَقَطَّعُ الْحَيْضَةُ عَلَيْهَا كَمَا لَا يُنْكَرُ أَنْ يَتَأَخَّرَ حَيْضُهَا عَنْ وَقْتِهِ أَنَّ تَأْخِيرَ بَعْضِهِ عَنِ اتِّصَالِهِ كَتَأْخِيرِهِ كُلِّهِ فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَانَتْ بِالْقَلِيلِ أَيْضًا ثُمَّ لم يكن القليل حيضة لِأَنَّ الْحَيْضَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا بِأَنْ يُقْضَى لَهَا وَقْتٌ تَامٌّ وَطُهْرٌ تَامٌّ أَقَلُّهُ فِيمَا رَوَى عَبْدُ الْمَلِكِ خَمْسَةُ أَيَّامٍ قَالَ وَلَوْ أَنَّ قِلَّةَ الدَّمِ يُخْرِجُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ حيضا لا أخرجته مِنْ أَنْ تَكُونَ اسْتِحَاضَةً لِأَنَّ الدَّمَ الْعِرْقَ هُوَ الْكَثِيرُ الزَّائِدُ عَلَى مَا يُعْرَفُ
стр. 7241
قَالَ أَبُو عُمَرَ رَاعَى عَبْدُ الْمَلِكِ وَأَحْمَدُ بْنُ الْمُعَذَّلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا أَصَّلَاهُ فِي أَقَلِّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ أَيَّامٍ وَرَاعَى مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ خَمْسَةَ عَشَرَ طُهْرًا وَجَعْلَ كُلَّ مَا يَأْتِي مِنَ الدَّمِ قَبْلَ تَمَامِ الطُّهْرِ عِرْقًا لَا تُتْرَكُ فِيهِ الصَّلَاةُ وَكَذَلِكَ يَلْزَمُ كُلُّ مَنْ أَصَّلَ فِي أَقَلِّ الطُّهْرِ أَصْلًا بِعِدَّةٍ مَعْلُومَةٍ أَنْ يَعْتَبِرَهَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَقَدْ نَاقَضَ الْكُوفِيُّونَ لِأَنَّهُمْ قَالُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِمُرَاعَاةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ طُهْرًا وَقَوْلُهُمْ فِي أَقَلِّ الطُّهْرِ إِنَّهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي بَابِ نَافِعٍ مِنْ أُصُولِ الْعُلَمَاءِ وأكثرهما واختلاف العلماء فِي ذَلِكَ فِي بَابِ نَافِعٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ قَالَ أَبُو عمر إنما أجرينا هذه المسألة ههنا وَإِنْ كَانَتْ قَدْ مَرَّتْ فِي بَابِ نَافِعٍ لِأَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي مَعْنَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا وَأَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي وَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَ أَقَلِّ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ وأكثرهما واختلاف العلماء فِي ذَلِكَ فِي بَابِ نَافِعٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
حَدِيثٌ ثَالِثٌ لِهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عن عائشة أن الحرث بْنَ هِشَامٍ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحْيَانًا يَأْتِينِي فِي مِثْلِ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ
стр. 7242
فَيَفْصِمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ مَا قَالَ وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ الْمَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ قَالَتْ عَائِشَةُ وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدُ فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانُوا يَسْأَلُونَهُ ﵇ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْمَعَانِي وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُجِيبُهُمْ وَيُعْلِمُهُمْ وَكَانَتْ طَائِفَةٌ تسأل وطائفة تحفظ وتؤدي وتبلغ حتى اكتمل اللَّهُ دِينَهُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ نَوْعَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ مِنْ صِفَةِ نُزُولِ الْوَحْيِ عليه وكيفية ذلك وقد ورد في غيرما أُثِرَ ضُرُوبٌ مِنْ صِفَةِ الْوَحْيِ حَتَّى الرُّؤْيَا فَرُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ أَيْضًا وَلَكِنَّ الْمَقْصِدَ بِهَذَا الْحَدِيثِ إِلَى نُزُولِ الْقُرْآنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ وَشِبْهِهِ فِي بَابِ إِسْحَاقَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَأَمَّا قَوْلُهُ صلصلة الجرس فإنه أراد في مثل صوت الْجَرَسِ وَالصَّلْصَلَةُ الصَّوْتُ يُقَالُ صَلْصَلَةُ الطِّسْتِ وَصَلْصَلَةُ الْجَرَسِ وَصَلْصَلَةُ الْفَخَّارِ وَقَدْ رَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ كَانَ الْوَحْيُ إِذَا نَزَلَ سَمِعَتِ الْمَلَائِكَةُ صَوْتَ مرارا أَوْ إِمْرَارِ السِّلْسِلَةِ عَلَى الصَّفَا وَفِي حَدِيثِ حُنَيْنٍ أَنَّهُمْ سَمِعُوا صَلْصَلَةً بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ كَإِمْرَارِ الْحَدِيدِ عَلَى الطِّسْتِ الْجَدِيدِ وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ من رواء حِجَابٍ قَالَ مُوسَى حِينَ
стр. 7243
كَلَّمَهُ اللَّهُ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا قَالَ جِبْرِيلُ إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ وَأَشْبَاهِهِ مِنَ الرُّسُلِ وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ قَالَ نَرَى هَذِهِ الْآيَةَ تَعُدُّ مَنْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ مِنَ الْبَشَرِ فَالْكَلَامُ ما كلم الله بن مُوسَى مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ وَالْوَحْيُ مَا يُوحِي اللَّهُ إِلَى النَّبِيِّ مِنِ الْهِدَايَةِ فَيُثَبِّتُ اللَّهُ مَا أَرَادَ مِنْ وَحْيِهِ فِي قَلْبِ النَّبِيِّ فَيَتَكَلَّمُ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وَيَكْتُبُهُ فَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ وَوَحْيُهُ وَمِنْهُ مَا يكون بين الله وبين رسله ومنه لَا يُكَلِّمُ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ وَلَكِنَّهُ يَكُونُ سِرٌّ غَيْبٌ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ رُسُلِهِ وَمِنْهُ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ وَلَا يَكْتُبُونَهُ وَلَكِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَ بِهِ النَّاسَ وَيَأْمُرُونَهُمْ بِبَيَانِهِ وَيُبَيِّنُونَ لَهُمْ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَهُمْ أَنْ يُبَيِّنُوهُ لِلنَّاسِ وَيُعْلِمُوهُمْ إِيَّاهُ وَمِنَ الْوَحْيِ مَا يُرْسِلُ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ مَلَائِكَتِهِ فَيُوحِيهِ وَحْيًا فِي قُلُوبِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ رُسُلِهِ وَقَدْ بَيَّنَ لَنَا فِي كِتَابِهِ أَنَّهُ كَانَ يُرْسِلُ جِبْرِيلَ إِلَى مُحَمَّدٍ ﵉ فَقَالَ فِي كِتَابِهِ قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَالَ وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ إِلَى قَوْلِهِ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ وَأَمَّا قَوْلُهُ فَيَفْصِمُ عَنِّي فَمَعْنَاهُ يَنْفَرِجُ عَنِّي وَيَذْهَبُ كَمَا تَفْصِمُ الْخَلْخَالَ إِذَا فَصَمْتَهُ لِتُخْرِجَهُ مِنَ الرِّجْلِ وَكُلُّ عُقْدَةٍ حَلَلْتَهَا فَقَدْ فَصَمْتَهَا قَالَ اللَّهُ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ
стр. 7244
عَلِيمٌ وَانْفِصَامُ الْعُرْوَةِ أَنْ تُفَكَّ عَنْ مَوْضِعِهَا وَأَصْلُ الْفَصْمِ عِنْدَ الْعَرَبِ أَنْ يَفُكَّ الْخَلْخَالَ وَلَا يُبَيِّنَ كَسْرَهُ فَإِذَا كَسَرْتَهُ فَقَدْ قَصَمْتَهُ بِالْقَافِ
قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
كَأَنَّهُ دُمْلُجٌ مِنْ فِضَّةٍ نَبَهٌ فِي ... مَلْعَبٍ مِنْ عَذَارَى الْحَيِّ مَفْصُومُ
(٤٧)
حَدِيثٌ رَابِعٌ لِهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ فَخَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ وَكَبِّرُوا وَتَصَدَّقُوا ثُمَّ قَالَ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا (٤٨)
стр. 7245
قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ خَسَفَتْ إِذَا ذَهَبَ ضَوْؤُهَا وَلَوْنُهَا وَكَسَفَتْ إِذَا تَغَيَّرَ لَوْنُهَا يُقَالُ بِئْرٌ خَسِيفٌ إِذَا ذَهَبَ مَاؤُهَا وَفُلَانٌ كَاسِفُ اللَّوْنِ أَيْ مُتَغَيِّرُ اللَّوْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ الْخُسُوفَ والكسوف واحد وَالْأَوَّلُ أَوْلَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي مَعَانِي هَذَا الْحَدِيثِ وَمَا لِلْعُلَمَاءِ فِي صَلَاةِ الْخُسُوفِ مِنَ الْمَذَاهِبِ وَالْمَعَانِي مُمَهَّدًا فِي باب زيد ابن أسلم بْنِ أَسْلَمَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَةِ ذَلِكَ ههنا وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ حُجَّةُ الشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ إِنَّ الْإِمَامَ يَخْطُبُ فِي الْكُسُوفِ بَعْدَ الصَّلَاةِ كَالْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ تَجَلَّتْ فَخَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُ الطَّبَرِيِّ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمَا لَا خُطْبَةَ فِي الْخُسُوفِ وَالْحَجَّةُ لَهُمْ أَنَّ خِطْبَةُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ إِنَّمَا كَانَتْ لِأَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَقُولُونَ كَسَفَتِ الشمس لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ ابْنِ النَّبِيِّ ﷺ فَخَطَبَهُمْ لِيُعْلِمَهُمْ بِأَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ وَأَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ فِي أَنَّ الْقَمَرَ يُصَلَّى لِكُسُوفِهِ كَمَا يُصَلَّى فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ سَوَاءٌ فِي جَمَاعَةٍ وَعَلَى هَيْئَتِهَا بِقَوْلِهِ ﷺ إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَصَلُّوا فَنَدَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الصَّلَاةِ عِنْدَ خُسُوفِهِمَا وَلَمْ يَخُصَّ إِحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى بِشَيْءٍ وَصَلَّى عِنْدَ كُسُوفِ الشَّمْسِ فَكَانَ الْقَمَرُ فِي حُكْمِ ذَلِكَ عِنْدَ كُسُوفِهِ إِذْ لَمْ يُنْقَلُ عَنْهُ خِلَافُ ذَلِكَ ﷺ فِي الْقَمَرِ
стр. 7246
وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ يُصَلِّي النَّاسُ عِنْدَ كُسُوفِ الْقَمَرِ وُحْدَانًا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ وَلَا يُصَلُّونَ جَمَاعَةً وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ فِي هَيْئَةِ الصَّلَاةِ وَقَالَ اللَّيْثُ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ لَا يُجَمَّعُ فِيهَا وَلَكِنْ يُصَلُّونَهَا مُنْفَرِدِينَ عَلَى هَيْئَةِ الصَّلَاةِ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ وَالطَّبَرِيُّ الصَّلَاةُ فِي خُسُوفِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ سَوَاءٌ عَلَى هَيْئَةٍ وَاحِدَةٍ رَكْعَتَانِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَانِ جَمَاعَةٌ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَقَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْآثَارُ مُهَذَّبَةً فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
حَدِيثٌ خَامِسٌ لِهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبُّ نَفْسَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَّلَ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْرَبَهَا مَنْ لَا يَعْقِلُهَا وَيَعْقِلُ حُدُودَهَا وَقَدْ قَالَ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى قَالَ مِنَ النَّوْمِ وَأَمَّا معنى هذا
стр. 7247
الْحَدِيثِ فَبَيِّنٌ لَا مَدْخَلَ لِلْقَوْلِ فِيهِ إِلَّا أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ مِنْهُ بِأَنَّ النُّعَاسَ وَالنَّوْمَ الْيَسِيرَ لا ينقض الصلاة استدلال وصحيح إِذَا لَمْ يَنْقُضِ الصَّلَاةَ لَمْ يَنْقُضِ الْوُضُوءَ وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي أَحْكَامِ النَّوْمِ فِي بَابِ أَبِي الزِّنَادِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا شَغَلَ الْقَلْبَ عَنِ الصَّلَاةِ وَعَنْ خُشُوعِهَا وَتَمَامِ مَا يَجِبُ فِيهَا فَوَاجِبٌ تَرْكُهُ وَوَاجِبٌ أَنْ لَا يُصَلِّيَ الْمَرْءُ إِلَّا وَقَلْبُهُ مُتَفَرِّغٌ لِصَلَاتِهِ لِيَكُونَ مُتَيَقِّظًا فِيهَا مُقْبِلًا عَلَيْهَا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سَلَمَةَ عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى قَالَ سُكْرُ النَّوْمِ وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ ذَلِكَ غَيْرَ الضَّحَّاكِ وَأَمَّا عِكْرِمَةُ فَقَالَ نَسَخَتْهَا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ الْآيَةَ وَقَالَ مُجَاهِدٌ كَانُوا يُصَلُّونَ وَهُمْ سُكَارَى قَبْلَ نُزُولِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ فَنَزَلَتْ لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ثُمَّ نَسَخَهَا تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَقَالَ قَتَادَةُ كَانُوا يَحْتَسُونَ الْخَمْرَ ثُمَّ يُصَلُّونَ ثُمَّ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ فَكَانُوا يَجْتَنِبُونَهَا عِنْدَ الصَّلَاةِ ثُمَّ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْمَائِدَةِ
стр. 7248
حَدِيثٌ سَادِسٌ لِهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَإِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصُّبْحِ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ذَكَرَ قَوْمٌ مِنْ رُوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْخَمْسِ رَكَعَاتٍ إِلَّا فِي آخِرِهِنَّ رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَأَبُو عَوَانَةَ وَوُهَيْبٌ وَغَيْرُهُمْ وَذَكَرُوا أَنَّهُ كَانَ لَا يُسَلِّمُ بَيْنَهُنَّ وَذَلِكَ كُلُّهُ لَا يَثْبُتُ لِأَنَّهُ قَدْ عَارَضَهُ عَنْ عَائِشَةَ مَا هُوَ أَثْبَتُ مِنْهُ وَأَكْثَرُ الْحُفَّاظِ رَوَوْا هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ هِشَامٍ كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ وَالْأُصُولُ تُعَضِّدُ رِوَايَةَ مَالِكٍ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى وَهَذَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي لَمْ يُخْتَلَفْ فِي إِسْنَادِهَا وَلَا فِي مَتْنِهَا وَهُوَ حَدِيثٌ ثَابِتٌ مُجْتَمَعٌ عَلَى صِحَّتِهِ وَهُوَ قَاضٍ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى مَا كَانَ ظَاهِرُهُ خِلَافَهُ وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذَا الْمَعْنَى فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِنَا وَذَكَرْنَا مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ مِنَ التَّنَازُعِ وَأَخْبَرْنَا بِالْوَجْهِ الْمُخْتَارِ الصَّحِيحِ عِنْدَنَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا وَجْهَ لِتَكْرَارِ ذَلِكَ ههنا قَالَ أَبُو عُمَرَ الرِّوَايَةُ الْمُخَالِفَةُ فِي حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ هَذَا لِرِوَايَةِ مَالِكٍ فِيهِ إِنَّمَا حَدَّثَ بِهِ عَنْ هِشَامٍ أَهْلُ الْعِرَاقِ وَمَا حَدَّثَ بِهِ هِشَامٌ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ خُرُوجِهِ إِلَى الْعِرَاقِ أَصَحُّ عِنْدَهُمْ وَلَقَدْ حَكَى عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ
стр. 7249
قَالَ رَأَيْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ فِي النَّوْمِ فَسَأَلْتُهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ فَقَالَ أَمَّا مَا حَدَّثَ بِهِ عِنْدَنَا يَعْنِي بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ خُرُوجِهِ فَكَأَنَّهُ يُصَحِّحُهُ وَأَمَّا مَا حَدَّثَ بِهِ بَعْدَ مَا خَرَجَ مِنْ عِنْدِنَا فَكَأَنَّهُ يُوهِنُهُ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ مِمَّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوَاظِبُ عَلَيْهِمَا وَهُمَا عِنْدَنَا مِنْ مُؤَكِّدَاتِ السُّنَنِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يُخَالِفُ فِي ذَلِكَ وَقَدْ بَيَّنَّا الْوَجْهَ فِيهِ فِي بَابِ شَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ وَغَيْرِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى صَلَاةِ اللَّيْلِ وَأَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ آخِرُهَا الْوِتْرُ إِمَّا بِوَاحِدَةٍ وَإِمَّا بثلاث وقد قيل غير ذلك على حسبما أَوْضَحْنَاهُ فِي بَابِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ وَبَابِ نَافِعٍ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَفِيهِ النِّدَاءُ لِلصُّبْحِ بعد الفجر وتخفيف ركعتبي الْفَجْرِ وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ النِّدَاءَ بِالصُّبْحِ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ الْفَجْرِ وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ سَالِمٍ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَبِهِ التَّوْفِيقُ
حَدِيثٌ سَابِعٌ لِهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عن عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي يَدُومُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ مَفْهُومٌ لِأَنَّ الْعَمَلَ الدَّائِمَ يَتَّصِلُ أَجْرُهُ وَحَسَنَاتُهُ وَمَا انْقَطَعَ انْقَطَعَ أَجْرُهُ وَحَسَنَاتُهُ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدِي دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ قَلِيلَ الْعَمَلِ إِذَا دَامَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ أَزْكَى لَهُ وَاللَّهُ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ وَيَرْضَاهُ وَلَا يَرْضَى الْعُنْفَ وبالله التوفيق
стр. 7250
حَدِيثٌ ثَامِنٌ لِهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ شَاكٍ فَصَلَّى جَالِسًا وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اجْلِسُوا فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ مُسْتَوْعَبًا مُهَذَّبًا فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ وَقَدْ رَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلًا فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ وَمُسْنَدًا فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ نُسِخَ هَذَا الْمَعْنَى فِي الصَّلَاةِ جَالِسًا لِلصَّحِيحِ خَلْفَ الْإِمَامِ الْجَالِسِ الْعَلِيلِ وَسَيَأْتِي فِي بَابِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
حَدِيثٌ تَاسِعٌ لِهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عن عَائِشَةَ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا لَمْ تَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي صَلَاةَ اللَّيْلِ قَاعِدًا قَطُّ حَتَّى أَسَنَّ فَكَانَ يَقْرَأُ قاعدا حتى إذا أراد أن يركع قَامَ فَقَرَأَ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً ثُمَّ رَكَعَ
следующие страницы →