Полный текст (8 345 стр.). Показаны 7281–7320 · переход к 7286.
стр. 7281
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ مَنْ تَرَكَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ إِلَّا أَنَّ تَلْخِيصَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي ذَلِكَ إِنْ طَافَ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ وَتَرَكَ ثَلَاثَةً فَعَلَيْهِ إِطْعَامُ ثَلَاثَةِ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ وَإِنْ تَرَكَ شَوْطَيْنِ أَطْعَمَ مِسْكِينَيْنِ كَذَلِكَ نِصْفُ صَاعٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَإِنْ تَرَكَ شَوْطًا وَاحِدًا أَطْعَمَ مِسْكِينًا وَاحِدًا نِصْفَ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ طَعَامُهُ هَذَا يَبْلُغُ دَمًا فَإِنْ بَلَغَ دَمًا أَطْعَمَ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ فَأَجْزَى عَنْهُ وَإِنْ تَرَكَ السَّعْيَ كُلَّهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فِي الْحَجِّ نَاسِيًا أَوْ فِي الْعُمْرَةِ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَرُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ فِي هَذَا الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ قَالَ عَلَى مَنْ تَرَكَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عُمْرَةٌ وَاخْتُلِفَ عَنْ عَطَاءٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَى مَنْ تَرَكَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَالْآخَرُ أَنَّهُ عَلَيْهِ دَمٌ وَالثَّالِثُ أَنَّهُ إِنْ شَاءَ أَطْعَمَ مَسَاكِينَ وَإِنْ شَاءَ ذَبَحَ شَاةً فَأَطْعَمَهَا الْمَسَاكِينَ قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُجَوَّدَةً مُمَهَّدَةً مَبْسُوطَةً بِمَا فِيهَا مِنَ الْحُجَّةِ لِمَنْ قَالَ بِقَوْلِنَا مِنْ جِهَةِ الْأَثَرِ إِذْ لَا مَدْخَلَ فِيهَا لِلنَّظَرِ فِي بَابِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ مِنْ كِتَابِنَا هذا فكرهنا إعادة ذلك ههنا
تَاسِعَ عَشَرَ لِهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ فَقِيلَ إِنَّهَا قَدْ حاضت فقال رسول الله
стр. 7282
اللَّهِ ﷺ لَعَلَّهَا حَابِسَتُنَا فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا قَدْ طَافَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَا إِذًا هَذَا حَدِيثٌ لَا خِلَافَ بَيْنِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَالشَّامِ فِي الْقَوْلِ بِهِ وَأَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا حَاضَتْ بَعْدَ طَوَافِهَا بِالْبَيْتِ طَوَافِهَا لِلْإِفَاضَةِ أَنَّهَا تَنْفِرُ وَلَا تَنْتَظِرُ طُهْرَهَا لِطَوَافِ الْوَدَاعِ وَأَنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ سَاقِطٌ عَنْهَا وَلَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ عَلَيْهَا وَلَا يَحْبِسُ عَلَيْهَا كَرْيٌ وَلَا غَيْرُهُ اتِّبَاعًا لِهَذَا الْحَدِيثِ وَهُوَ أَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَمَا فِيهَا عَنِ السَّلَفِ وَمَا يَجِبُ فِي الْمَرْأَةِ لَوْ كَانَ حَيْضُهَا قَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَمَا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَوُجُوهَهُ مُمَهَّدًا فِي بَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
حديث موفي عِشْرِينَ لِهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنَّ أُمِّي افْتَلَتَتْ نَفْسَهَا وَأَرَاهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَعَمْ وَهَذَا الْحَدِيثُ أَيْضًا مُجْتَمَعٌ عَلَى الْقَوْلِ بِمَعْنَاهُ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ صَدَقَةَ الْحَيِّ عَنِ الْمَيِّتِ جَائِزَةٌ مَرْجُوٌّ نَفْعُهَا وَقَبُولُهَا إِذَا كَانَتْ مِنْ طيب فإن
стр. 7283
اللَّهَ لَا يَقْبَلُ إِلَّا الطَّيِّبَ وَلَيْسَ الصَّدَقَةُ عِنْدَهُمْ مِنْ بَابِ عَمَلِ الْبَدَنِ فِي شَيْءٍ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ عَنْ أَحَدٍ وَجَائِزٌ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَنْ وَلِيِّهِ وَعَنْ غَيْرِهِ وَهَذَا مِمَّا ثَبَتَتْ بِهِ السُّنَّةُ وَلَمْ تَخْتَلِفْ فِيهِ الْأُمَّةُ وَيَقُولُونَ إِنَّ الرَّجُلَ الْمَذْكُورَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هُوَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي قِصَّةِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ وَصَدَقَتِهِ عَنْ أُمِّهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَأَمَّا قَوْلُهُ افْتَلَتَتْ نَفْسَهَا فَإِنَّهُ أَرَادَ اخْتَلَسَتْ نَفْسَهَا وَمَاتَتْ فَجْأَةً قَالَ الشَّاعِرُ ... مَنْ يَأْمَنِ الْأَيَّامَ بَعْدَ صَبِيرَةِ الْقُرَشِيِّ مَاتَا ... سَبَقَتْ مَنِيَّتُهُ الْمَشِيبَ وَكَانَ مِيتَتُهُ افْتِلَاتَا ... وَقَالَ خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ ... فَإِنْ تَفْتَلِتْهَا فَالْخِلَافَةُ تَنْفَلِتْ ... بِأَكْرَمِ عِلْقَيْ مِنْبَرٍ وَسَرِيرِ ... وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ شَاذَانَ سَأَلْتُ أَبَا زَيْدٍ النَّحْوِيَّ عَنْ قَوْلِ عُمَرَ كَانَتْ بَيْعَةُ أبي بكر فلتة فقال أراد فجأة وأنشد قَوْلَ الشَّاعِرِ وَكَانَ مِيتَتُهُ افْتِلَاتًا قَالَ وَتَقُولُ الْعَرَبُ إِذَا رَأَتِ الْهِلَالَ بِغَيْرِ قَصْدٍ إِلَى ذَلِكَ رَأَيْتُ الْهِلَالَ فَلْتَةً
حَدِيثٌ حَادٍ وَعِشْرُونَ لِهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ جَاءَ عَمِّي مِنَ الرَّضَاعَةِ يَسْتَأْذِنُ عَلَيَّ فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ عَلَيَّ حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فسألته عن
стр. 7284
ذَلِكَ فَقَالَ إِنَّهُ عَمُّكِ فَأْذَنِي لَهُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَةُ وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ فَقَالَ إِنَّهُ عَمُّكِ فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ قَالَتْ عَائِشَةُ وَذَلِكَ بَعْدَمَا ضُرِبَ الْحِجَابُ وَقَالَتْ عَائِشَةُ يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلَادَةِ هَذَا أَبْيَنُ حَدِيثٍ فِي تَحْرِيمِ لَبَنِ الْفَحْلِ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ عَائِشَةَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَةُ وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ وَالرَّجُلُ هُوَ أَبُو الْقُعَيْسِ وَالْمُسْتَأْذِنُ عَلَى عَائِشَةَ هُوَ أَخُوهُ أَفْلَحُ وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي حَدِيثِهِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ اسْتَأْذَنَ عَلَيْهَا وَهُوَ عَمُّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ بَعْدَ أَنْ ضرب الحجاب وذكر الحديث على حسبما مَضَى ذِكْرُهُ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ فَأَبُو الْقُعَيْسِ هُوَ الَّذِي أَرْضَعَتِ امْرَأَتُهُ عَائِشَةَ فَصَارَتْ أُمًّا لَهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ وَصَارَ هُوَ أَبَاهَا لِأَنَّ اللَّبَنَ مِنْهُ تَوَلَّدَ وَجَاءَ أَخُوهُ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا وَهُوَ أَخُو أَبِيهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ فَظَنَّتْ عَائِشَةُ أَنَّ اللَّبَنَ لَيْسَ مِنَ الْفَحْلِ فَقَالَتْ إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَةُ تُرِيدُ وَلَيْسَ هَذَا أَخَا الْمَرْأَةِ فَيَكُونُ عَمِّي أَوْ خَالِي وَإِنَّمَا هُوَ أَخُو زَوْجِهَا فَأَخْبَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ عَمُّهَا لِأَنَّ أَخَاهُ أَبُوهَا بِإِرْضَاعِ زَوْجَتِهِ إِيَّاهَا وَهَذَا بَيِّنٌ وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَالشَّامِ مِنْهُمْ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ والثوري والليث وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ أَهْلِ الحديث
стр. 7285
قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سُفْيَانَ أَنَّ قَاسِمَ بْنَ أَصْبَغَ حَدَّثَهُمْ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ اسْتَأْذَنَ أَفْلَحُ بْنُ قُعَيْسٍ أَوِ ابْنُ أَبِي قُعَيْسٍ عَلَى عَائِشَةَ فَقَالَ إِنِّي عَمُّكِ أَرْضَعَتْكِ امْرَأَةُ أَخِي فَأَبَتْ أَنْ تَأْذَنَ لَهُ فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ فَقَالَ ائْذَنِي لَهُ فَإِنَّهُ عَمُّكِ أَخْبَرَنَا خَلَفُ بْنُ قاسم قال أخبرنا أَبُو الطَّاهِرِ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ابن نَصْرِ بْنِ بِحِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحِ بْنِ أُسَامَةَ الذُّهْلِيُّ الْقَاضِي قَالَ حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الْقَاضِي قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ دَخَلَ عَلَيَّ أَفْلَحُ بْنُ أَبِي الْقُعَيْسِ قَالَتْ فَاسْتَتَرَتْ مِنْهُ فَقَالَ أَتَسْتَتِرِينَ مِنِّي وَأَنَا عَمُّكِ قال مِنْ أَيْنَ قَالَ أَرْضَعَتْكِ امْرَأَةُ أَخِي قَالَتْ إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَةُ وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَحَدَّثْتُهُ فَقَالَ إِنَّهُ عَمُّكِ فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ وَأَخْبَرَنَا خلف حدثنا أبو الطاهر حدثنا يوسف بن يعقوب حدثنا محمد ابن كَثِيرٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ عِرَاكٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ تَرِبَتْ يَدَاكَ فِي هَذَا الحديث أو ما عَلِمْتَ أَنَّهُ يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ فَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ بِالْمَدِينَةِ وَغَيْرِهَا إِلَى أَنَّ لَبَنَ الْفَحْلِ لَا يُحَرِّمُ شَيْئًا وَقَدْ ذَكَرْنَا مَنْ قَالَ بِالْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا مِنَ الْعُلَمَاءِ وَذَكَرْنَا الْحُجَّةَ لِكُلِّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ وَمَا نَزَعُوا بِهِ لِمَذَاهِبِهِمْ وَذَكَرْنَا الْوَجْهَ الْمُخْتَارَ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ وَهُوَ مَا وَافَقَ هَذَا الْحَدِيثَ وَشِبْهَهُ مِنَ السُّنَنِ وَأَوْضَحْنَا ذَلِكَ كُلَّهُ وَمَهَّدْنَاهُ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ فَلَمْ نَرَ لِتَكْرِيرِ ذلك ههنا وَجْهًا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
стр. 7286
حَدِيثٌ ثَانٍ وَعِشْرُونَ لِهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ الرِّقَابِ أَيُّهَا أَفْضَلُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَغْلَاهَا ثَمَنًا وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا هَكَذَا رَوَى يَحْيَى هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو الْمُصْعَبِ وَمُطَرِّفٌ وَابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ وَرُوحُ بْنُ عُبَادَةَ وَحَدَّثَ بِهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ الرِّقَابِ وَهُوَ عِنْدَنَا فِي مُوَطَّأِ أَبِي الْمُصْعَبِ عَنْ عَائِشَةَ وَرَوَاهُ قَوْمٌ عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلًا لَمْ يَذْكُرُوا عَائِشَةَ وَرَوَاهُ أَصْحَابُ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ غَيْرَ مَالِكٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ كَانَ أَصْلُهُ عِنْدَ مَالِكٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ فَلَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ غَيْرَهُ مِنْ أَصْحَابِ هِشَامٍ يُخَالِفُونَهُ فِي الْإِسْنَادِ جَعَلَهُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلًا هَكَذَا قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ فَاللَّهُ أَعْلَمُ وَعِنْدَ ابْنِ وَهْبٍ وَحْدَهُ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حَبِيبٍ مَوْلَى عُرْوَةَ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ قَالَ إِيمَانٌ بِاللَّهِ قَالَ فَأَيُّ الْعَتَاقَةِ أَفْضَلُ قَالَ أَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا قَالَ أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ أَجِدْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ
стр. 7287
فَتُعِينُ الضَّائِعَ أَوْ تَصْنَعُ لِأَخْرَقَ قَالَ أَفَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ أَسْتَطِعْ قَالَ تَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّكَ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقُ بِهَا عَنْ نَفْسِكَ هكذا رواه يونس بن عبد الأعلى والحرث بْنُ مِسْكِينٍ وَجَمَاعَةُ أَصْحَابِ ابْنِ وَهْبٍ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ وَتَابَعَهُ الْبَرْمَكِيُّ عَنْ مَعْنٍ عَنْ مَالِكٍ وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حَبِيبٍ مَوْلَى عُرْوَةَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ مِثْلَ رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ سَوَاءٌ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ مَالِكٍ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ محمد قال حدثنا محمد ابن فُطَيْسٍ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حدثنا مطرف قال حدثنا مالك ابن أَنَسٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ فَقَالَ أَغْلَاهَا ثَمَنًا وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ قَالَ حَدَّثَنِي أبي قال حدثنا محمد ابن قَاسِمٍ وَالْحَسَنُ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْجَارُودِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ الْمَقْدِسِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِثْلَهُ قَالَ ابْنُ الْجَارُودِ وَحَدَّثَنَا مَسْرُورُ بْنُ نُوحٍ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا رَوْحٌ قَالَ حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ مِثْلَهُ
стр. 7288
قَالَ ابْنُ الْجَارُودِ وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ قَالَ حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ الرِّقَابِ أَيُّهَا أَفْضَلُ فَقَالَ أَغْلَاهَا ثَمَنًا وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا قَالَ ابْنُ الْجَارُودِ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ عَنْ عَائِشَةَ غَيْرَ مَالِكٍ قَالَ وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ وَيَحْيَى الْقَطَّانُ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَوَكِيعٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّا حَدِيثُ الثَّوْرِيِّ فَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ وَأَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَا حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَرْثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَسِبْتُهُ قَالَ أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ أَنَا أَشُكُّ قَالَ أَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا وَأَغْلَاهَا ثَمَنًا وَأَمَّا حَدِيثُ الْقَطَّانِ فَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّ أَبَا مُرَاوِحٍ الْغِفَارِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ أَخْبَرَهُ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ قَالَ إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ قَالَ فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ قَالَ أَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا وَأَغْلَاهَا ثَمَنًا وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُيَيْنَةَ فَحَدَّثْنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ قَالَ أَخْبَرَنِي
стр. 7289
أَبِي عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ الْغِفَارِيِّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ قَالَ إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ قُلْتُ فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ قَالَ أَغْلَاهَا ثَمَنًا وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا وَذَكَرَهُ الْبَزَّارُ حَدَّثَنَا محمد بن أبان القرشي قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَهَكَذَا رَوَاهُ حَبِيبٌ كَاتِبُ مَالِكٍ وَسَعِيدُ بْنُ دَاوُدَ الزُّبَيْدِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أبي مرواح عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَعْنًى يُشْكِلُ وَلَا يُحْتَاجُ إِلَى الْقَوْلِ فِيهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَبِهِ التَّوْفِيقُ
حَدِيثٌ ثَالِثٌ وَعِشْرُونَ لِهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ جَاءَتْ بَرِيرَةُ فَقَالَتْ إِنِّي كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تسع أواقي فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ فَأَعِينِينِي فَقَالَتْ عَائِشَةُ إن أحب أهلك أن أعدها لهم ويكون وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أَهْلِهَا فَقَالَتْ لَهُمْ ذَلِكَ فَأَبَوْا عَلَيْهَا فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ فَقَالَتْ لِعَائِشَةَ إِنِّي قَدْ عَرَضْتُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ فَأَبَوْا إِلَّا أَنْ
стр. 7290
يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهَا فَأَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خُذِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَمَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ قَالَ أَبُو عُمَرَ الْكَلَامُ فِي حَدِيثِ بَرِيرَةَ قَدْ سَبَقَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ إِلَيْهِ وَأَكْثَرُوا فِيهِ مِنَ الِاسْتِنْبَاطِ فَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّدَ وَمِنْهُمْ مَنْ خَلَّطَ وَأَتَى بِمَا لَيْسَ لَهُ مَعْنَى كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ فِيهِ إِبَاحَةُ الْبُكَاءِ فِي الْمَحَبَّةِ لِبُكَاءِ زَوْجِ بَرِيرَةَ وَفِيهِ قَبُولُ الْهَدِيَّةِ بَعْدَ الْغَضَبِ وَفِيهِ إِبَاحَةُ أَكْلِ الْمَرْأَةِ مَا تُحِبُّ دُونَ بَعْلِهَا وَفِيهِ إِبَاحَةُ سُؤَالِ الرَّجُلِ عَمَّا يَرَاهُ فِي بَيْتِهِ مِنْ طَعَامٍ إِلَى كَثِيرٍ مِنْ مِثْلِ هَذَا الْقَوْلِ الَّذِي لَا مَعْنَى لَهُ فِي الْفِقْهِ وَالْعِلْمِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَنَحْنُ بحمد الله وعونه نذكر ههنا مَا فِي حَدِيثِهَا مِنَ الْأَحْكَامِ الَّتِي تُوجِبُهُ أَلْفَاظُهُ وَنُبَيِّنُ مَا رُوِيَ مِمَّا يُعَارِضُهُ وَيُوَافِقُهُ وَنُوَضِّحُ الْقَوْلَ فِيهِ بِمَبْلَغِ عِلْمِنَا عَلَى مَذَاهِبِ أَهْلِ الْعِلْمِ مُخْتَصَرًا كَافِيًا إِلَى مَا قَدَّمْنَا مِنَ الْقَوْلِ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَحْكَامِ حَدِيثِ بَرِيرَةَ فِي بَابِ رَبِيعَةَ وَبِاللَّهِ عَوْنُنَا لَا شريك له
стр. 7291
فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ اسْتِعْمَالُ عُمُومِ الْخِطَابِ فِي قَوْلِهِ فَكَاتِبُوهُمْ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي ذَلِكَ الْأَمَةُ ذَاتُ الزَّوْجِ وَغَيْرُهَا لِأَنَّ بَرِيرَةَ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ خُيِّرَتْ تَحْتَهُ إِذْ أُعْتِقَتْ وَفِيهِ جَوَازُ كِتَابِةِ الْأَمَةِ دُونَ زَوْجِهَا وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ زَوْجَهَا لَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا مِنَ الْبَيْعِ فِي كِتَابَتِهَا وَلَوِ اسْتَدَلَّ مُسْتَدِلٌّ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى بِأَنَّ الزَّوْجَةَ لَيْسَ عليها خدمة زَوْجِهَا كَانَ حَسَنًا وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ زَوْجَ الْأَمَةِ لَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا مِنَ الكتابة التي تؤول إِلَى عِتْقِهَا وَفِرَاقِهَا لَهُ كَمَا أَنَّ لِسَيِّدِ الْأَمَةِ عِتْقُ أَمَتِهِ تَحْتَ الْعَبْدِ وَإِنْ أَدَّى ذَلِكَ إِلَى إِبْطَالِ نِكَاحِهِ وَكَذَلِكَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ أَمَتَهُ مِنْ زَوْجِهَا الْحُرِّ وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ بُطْلَانُ نِكَاحِهِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ نِكَاحِ الْعَبْدِ الْحُرَّةَ لِأَنَّهَا إِذَا خُيِّرَتْ فاختارته بقيت مَعَهُ وَهِيَ حُرَّةٌ وَهُوَ عَبْدٌ وَفِيهِ أَنَّ الْمُكَاتَبَ جَائِزٌ لَهُ السُّؤَالُ وَالسَّعْيُ فِي كِتَابَتِهِ وَالتَّكَسُّبُ بِذَلِكَ وَجَائِزٌ لِسَيِّدِهِ أَنْ يُكَاتِبَهُ وَهُوَ لَا شَيْءَ مَعَهُ أَلَا تَرَى أَنَّ بَرِيرَةَ جَاءَتْ عَائِشَةَ تُخْبِرُهَا بِأَنَّهَا كَاتَبَتْ أَهْلَهَا وَسَأَلَتْهَا أَنْ تُعِينَهَا وَذَلِكَ كَانَ فِي أَوَّلِ كِتَابَتِهَا قَبْلَ أَنْ تُؤَدِّيَ مِنْهَا شَيْئًا كَذَلِكَ ذَكَرَ ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ روى ابن وهب عن يونس والليث عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ جَاءَتْ بَرِيرَةُ إِلَيَّ فَقَالَتْ يَا عَائِشَةُ إني كاتبت أهلي على تسع أواقي فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ فَأَعِينِينِي وَلَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئًا فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ ارْجِعِي إِلَى أَهْلِكِ فَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ أُعْطِيَهُمْ ذَلِكَ جَمِيعًا وَيَكُونُ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أَهْلِهَا فَعَرَضَتْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا وَقَالُوا إِنْ شَاءَتْ أَنْ تَحْتَسِبَ عَلَيْكِ فَلْتَفْعَلْ وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لَنَا فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكَ مِنْهَا ابْتَاعِي وَأَعْتِقِي فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ فَفَعَلَتْ وَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَمَا بَالُ
стр. 7292
رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ فَفِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ هَذَا عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ بَرِيرَةَ لَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئًا حَتَّى جَاءَتْ تَسْتَعِينُ عَائِشَةَ وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى إِجَازَةِ كِتَابَةِ الْأَمَةِ وَهِيَ غَيْرُ ذَاتِ صَنْعَةٍ وَلَا حِرْفَةٍ وَلَا مَالٍ إِذْ ظَاهِرُ هَذَا الْخَبَرِ أَنَّهَا ابْتَدَأَتْ بِالسُّؤَالِ مِنْ حِينِ كُوتِبَتْ وَلَمْ يَقُلِ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ سَمِعَ أَنَّهَا كُوتِبَتْ هَلْ لَهَا كَسْبٌ يُعْلَمُ أَوْ عَمَلٌ وَاجِبٌ أَوْ مَالٌ وَلَوْ كَانَ هَذَا وَاجِبًا لَسَأَلَ عَنْهُ لِيَقَعَ حُكْمُهُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ بُعِثَ مُبَيِّنًا وَمُعَلِّمًا ﷺ وَهَذَا يُبَيِّنُ مَا رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرحمان عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ كَسْبِ الْأَمَةِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهَا عَمَلٌ وَاجِبٌ أو كسب يُعْرَفَ وَجْهُهُ وَقَدْ رَوَى شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عن سب الْإِمَاءِ وَهَذَا وَمَا كَانَ مِثْلَهُ يَكُونُ خَوْفًا عَلَيْهِنَّ أَنْ يَكْتَسِبْنَ بِفُرُوجِهِنَّ وَرَوَى أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ هَاشِمِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ عِكْرِمَةَ بن عمار عن طارق بن عبد الرحمان القرشي قَالَ جَاءَ رِفَاعَةُ بْنُ رَافِعٍ إِلَى مَجْلِسِ الْأَنْصَارِ فَقَالَ نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كَسْبِ الْأَمَةِ إِلَّا مَا عملت بيدها
стр. 7293
وَقَالَ هَكَذَا بِأَصَابِعِهِ نَحْوَ الْخُبْزِ وَالْغَزْلِ وَالنَّفْشِ وَهَذَا نَحْوُ مَا جَاءَ عَنْ عُثْمَانَ ﵁ مِنَ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ لِئَلَّا يَكْتَسِبْنَ بِفُرُوجِهِنَّ عَلَى مَا كُنَّ يَصْنَعْنَ بِإِذْنِ مَوَالِيهِنَّ وَبِغَيْرِ إِذْنِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الْبِغَاءِ وَأَمَّا الْمُكَاتَبَةُ فَلَيْسَتْ مِنْ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ لِأَنَّهَا قَدْ أُبِيحَ لَهَا السُّؤَالُ لِانْفِرَادِهَا بِكَسْبِهَا دُونَ مَوَالِيهَا وَنَدَبَ النَّاسَ إِلَى عَوْنِ الْمُكَاتَبِينَ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ فَكِّ الرِّقَابِ مِنَ الرِّقِّ وَسَنُبَيِّنُ هَذَا وَنُوَضِّحُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ لَا تجوز كتابة المكاتب حتى يكون له ما وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ فِي قَوْلِ اللَّهِ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا قَالَ الْمَالُ وَعَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ الْمَالُ وَالصَّلَاحُ وَقَالَ مُجَاهِدٌ الْغِنَى وَالْأَدَاءُ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَكْرَهُ أَنْ يُكَاتِبَ عَبْدَهُ إِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ حِرْفَةٌ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ فِي قَوْلِهِ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا قَالَ صِدْقًا وَوَفَاءً وَقَالَ عِكْرِمَةُ قُوَّةً وَقَالَ الثَّوْرِيُّ دِينًا وَأَمَانَةً وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إذا جمع القوة على الاكتساب والأمانة قال الشافعي وليس الخير ههنا الْمَالَ فِي الظَّاهِرِ لِمَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمَالَ يَكُونُ عِنْدَهُ لَا
стр. 7294
فِيهِ وَالثَّانِي أَنَّ الْمَالَ الَّذِي فِي يَدِهِ لِسَيِّدِهِ فَكَيْفَ يُكَاتِبُهُ بِمَالِهِ وَلَكِنْ يَكُونُ فِيهِ الِاكْتِسَابُ الَّذِي يُفِيدُهُ الْمَالُ قَالَ وَسَوَاءٌ ذُو الصَّنْعَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ ذَكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ الْمُزَنِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي الْمُخْتَصَرِ الْكَبِيرِ وَذَكَرَ الرَّبِيعُ عَنِ الشَّافِعِيِّ قَالَ قَدْ يَكُونُ قَوِيًّا عَلَى الْأَدَاءِ بِمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنَّ اللَّهَ فَرَضَ فِيهَا لِلرِّقَابِ وَهُمْ عِنْدَنَا الْمُكَاتَبُونَ قَالَ وَلِهَذَا لَمْ أكره كتابة الأمة غير ذَاتَ الصَّنْعَةِ مَعَ رَغْبَةِ النَّاسِ فِي الصَّدَقَةِ عَلَى الْمُكَاتَبِينَ تَطَوُّعًا قَالَ وَلَا تُشْبِهُ الْكِتَابَةُ أَنْ تُكُلَّفَ الْأَمَةُ الْكَسْبَ لِأَنَّهَا لَا حَقَّ لَهَا حِينَئِذٍ فِي الصَّدَقَاتِ وَلَا رَغْبَةَ لِلنَّاسِ فِي الصَّدَقَةِ عَلَيْهَا كَرَغْبَتِهِمْ فِي الصَّدَقَةِ عَلَى الْمُكَاتَبَةِ وَذَكَرَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ الْحَسَنِ وَعِنْدَهُ أَخُوهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي الْحَسَنٍ فَتَذَاكَرْنَا هَذِهِ الْآيَةَ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا فَقَالَ سَعِيدٌ إِنْ كَانَ عِنْدَهُ مَالٌ فَكَاتِبْهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَالٌ فَلَا تُعَلِّقْهُ صَحِيفَةً يَغْدُو بِهَا عَلَى النَّاسِ وَيَرُوحُ فَيَسْأَلُهُمْ فَيُحْرِجُهُمْ فَيُؤَثِّمُهُمْ فَقَالَ الْحَسَنُ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا صِدْقًا وَأَمَانَةً مَنْ أَعْطَاهُ كَانَ مَأْجُورًا وَمَنْ سُئِلَ فَرَدَّ خَيْرًا كَانَ مَأْجُورًا قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ رَخَّصَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ فِي مُكَاتَبَةِ مَنْ لَا حِرْفَةَ لَهُ وَإِنْ كَانَ قَدِ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ وَكَرِهَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ مُكَاتَبَةَ مَنْ لَا حِرْفَةَ لَهُ وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ وَمَسْرُوقٍ وَالْحُجَّةُ فِي السُّنَّةِ لَا فِيمَا خَالَفَهَا وَفِي حَدِيثِ بَرِيرَةَ هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا أَنَّهُ الْكَسْبُ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يسأل
стр. 7295
بَرِيرَةَ أَمَعَكِ مَالٌ أَمْ لَا وَلَمْ يَنْهَهَا عَنِ السُّؤَالِ وَقَدْ يَكُونُ الْكَسْبُ بِالْمَسْأَلَةِ وَقَدْ قيل المسألة آخر كسب الْمُؤْمِنِ وَقَدْ كُوتِبَتْ بَرِيرَةُ وَلَمْ يُعْلَمْ لَهَا كسب وَاجِبٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَلَمْ يُنْكِرْهُ النَّبِيِّ ﷺ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى إِجَازَةِ أَخْذِ السَّيِّدِ نُجُومَ الْمُكَاتَبِ مِنْ مَسْأَلَةِ النَّاسِ لِتَرْكِ النَّبِيِّ ﷺ وُجُوهًا عَنْ مَسْأَلَةِ عَائِشَةَ إِذْ كَانَتْ تَسْتَعِينُهَا فِي أَدَاءِ نَجْمِهَا وَهَذَا يَرُدُّ قَوْلَ من كره كتابة الْمُكَاتَبَ الَّذِي يَسْأَلُ النَّاسَ وَقَالَ تُطْعِمُنِي أَوْسَاخَ النَّاسِ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ وَلَا كَمَا ظَنَّ لِأَنَّ مَا طَابَ لِبَرِيرَةَ أَخْذُهُ كَانَ لِسَيِّدِهَا قَبْضُهُ عَنْهَا فِي الْكِتَابَةِ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ الْجِهَةِ الَّتِي دَخَلَ عَلَيْهَا وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا الْمَعْنَى فِي بَابِ رَبِيعَةَ عِنْدَ ذِكْرِ اللَّحْمِ الَّذِي تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ وَكَيْفَ لَا يَبْدُرُ النَّاسَ إِلَى إِعْطَاءِ الْمُكَاتَبِ وَيَطِيبُ لَهُ مَا أُعْطِيَ فَيَصِيرُ مَالَهُ وَيُؤَدِّيهِ عَنْ نَفْسِهِ وَالنَّبِيُّ ﷺ قَدْ حَضَّ عَلَى إِعْطَائِهِ وَنَدَبَ إِلَى ذَلِكَ رَوَى سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ وَغَيْرُهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ مَنْ أَعَانَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ غَارِمًا فِي عُسْرَتِهِ أَوْ مُكَاتَبًا فِي رَقَبَتِهِ أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ وَقَدْ روى عبد الرحمان بْنُ عَوْسَجَةَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي عَمَلًا يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ قَالَ لَئِنْ كُنْتَ أَقْصَرْتَ فِي الْخُطْبَةِ لَقَدْ أَعْرَضْتَ فِي الْمَسْأَلَةِ أَعْتِقِ النسمة وفك الرقبة قال أو ليسا وَاحِدًا قَالَ لَا عِتْقُ النَّسَمَةِ أَنَّ تُفْرِدَ عتقها وفك الرقبة أن تعتق فِي ثَمَنِهَا وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ
стр. 7296
ولو كان غير جائز للسيد أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مُكَاتَبِهِ مَا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَيْهِ لَكَانَ مَحْظُورًا أَيْضًا عَلَى كُلِّ غَنِيٍّ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الْفَقِيرِ مَا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ مَا انْتَفَعَ الْفَقِيرُ بِشَيْءٍ يَأْخُذُهُ مِنَ الْمَالِ وَلَضَاقَ عَلَيْهِ التَّصَرُّفُ فِيهِ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ وَهَذَا مَا لَا يَخْفَى فَسَادُهُ عَلَى أَحَدٍ وَحَسْبُكَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ قَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الصَّدَقَةَ وَلَمْ يَمْتَنِعْ لِذَلِكَ مِنْ قَبُولِ هَدِيَّةِ بَرِيرَةَ مِمَّا تُصَدِّقُ بِهِ عَلَيْهَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ بُنْدَارٌ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ غُنْدَرٌ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أُتِيَ بِلَحْمٍ قَالُوا إِنَّهُ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ فَقَالَ هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْكِتَابَةِ هَلْ تَجِبُ فَرْضًا عَلَى السَّيِّدِ إِذَا ابْتَغَاهَا الْعَبْدُ وَعَلِمَ فِيهِ خَيْرًا فَقَالَ عَطَاءٌ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ مَا نَرَى ذَلِكَ إِلَّا وَاجِبًا وَهُوَ قَوْلُ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ قَالَ هِيَ عَزْمَةٌ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ دَاوُدُ وَاحْتَجَّ بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ فِي الْأَمْرِ بِالْكِتَابَةِ وَاحْتَجَّ أَيْضًا بِأَنَّ سِيرِينَ أَبَا مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ سَأَلَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَهُوَ مَوْلَاهُ الْكِتَابَةَ فَأَبَى أَنَسٌ فَرَفَعَ عَلَيْهِ عُمَرُ الدِّرَّةَ وَتَلَا فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فيه خَيْرًا فَكَاتَبَهُ أَنَسٌ وَقَالَ دَاوُدُ مَا كَانَ عُمَرُ لِيَرْفَعَ الدِّرَّةَ عَلَى أَنَسٍ فِيمَا لَهُ مُبَاحٌ أَلَّا يَفْعَلَهُ وَحُجَّةُ قَائِلِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ ظَاهِرُ قَوْلِ اللَّهِ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ علمتم فيه خَيْرًا وَهَذَا أَمْرٌ حَقِيقَتُهُ الْوُجُوبُ إِذَا لَمْ يُتَّفَقْ عَلَى أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ النَّدْبُ
стр. 7297
وَقَالَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَصْحَابُهُمْ لَيْسَتِ الْكِتَابَةُ بِوَاجِبَةٍ وَمَنْ شَاءَ كَاتَبَ وَمَنْ شَاءَ لَمْ يُكَاتِبْ وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَجَمَاعَةٍ وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ وَاجِبٌ أَنْ يَبِيعَهُ وَلَا يَهَبَهُ بِإِجْمَاعٍ وَفِي الْكِتَابَةِ إِخْرَاجُ مِلْكِهِ عَنْ يَدِهِ بِغَيْرِ تَرَاضٍ وَلَا طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ كَانَتِ الْكِتَابَةُ أَحْرَى أَلَّا تَجِبَ عَلَيْهِ وَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْآيَةَ عَلَى النَّدْبِ لَا عَلَى الْإِيجَابِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِعْلُ عُمَرَ لِأَنَسٍ عَلَى الِاخْتِيَارِ وَالِاسْتِحْسَانِ لَا عَلَى الْوُجُوبِ وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ لَا يَسَعُ السَّيِّدُ إِلَّا أَنْ يُكَاتِبَهُ إِذَا اجْتَمَعَ فِيهِ الأمانة والخير من غير أن يجبره الحاكم عليه وأخشى أن يأتم إِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَأَمَّا قَوْلُهَا إِنِّي كَاتَبْتُ أهلي على تسع أواقي فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكِتَابَةَ تَكُونُ بِقَلِيلِ الْمَالِ وَكَثِيرِهِ وَتَكُونُ عَلَى أَنْجُمٍ وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ كُلُّهُمْ يَقُولُ فِيمَا عَلِمْتُ إِنَّ الْكِتَابَةَ حُكْمُهَا أَنْ تَكُونَ عَلَى أَنْجُمٍ مَعْلُومَةٍ قَالَ الشَّافِعِيُّ أَقَلُّهَا ثَلَاثَةٌ وَاخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابَةِ إِذَا وَقَعَتْ عَلَى نَجْمٍ وَاحِدٍ أَوْ وَقَعَتْ حَالَةً فَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يُجِيزُونَهَا عَلَى نَجْمٍ وَاحِدٍ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا تَجُوزُ عَلَى نَجْمٍ وَاحِدٍ وَلَا تَجُوزُ حَالَةً أَلْبَتَّةَ قَالَ أَبُو عُمَرَ لَيْسَتْ كِتَابَةً إِذَا كَانَتْ حَالَةً وَإِنَّمَا هُوَ عِتْقٌ عَلَى صِفَةٍ كَأَنَّهُ قَالَ إِذَا أَدَّيْتَ إِلَيَّ كَذَا وَكَذَا فَأَنْتَ حُرٌّ وَقَدِ احْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَعْنِي بِقَوْلِهِ فِيهِ فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ مَنْ أَجَازَ النُّجُومَ فِي الدُّيُونِ كُلِّهَا عَلَى مِثْلِ هَذَا فِي كُلِّ شَهْرٍ كَذَا وَفِي كُلِّ عَامٍ كَذَا وَلَا يَقُولُ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ أَوْ وَسَطِهِ أَوْ آخِرِهِ وَأَبَى مِنْ ذَلِكَ آخَرُونَ حَتَّى
стр. 7298
يُسَمِّيَ الْوَقْتَ مِنَ الشَّهْرِ وَالْعَامِ وَيَكُونُ مَحْدُودًا مَعْرُوفًا وَالْحُجَّةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِمَنْ نَزَعَ بِهِ صَحِيحَةٌ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لم يقل لها إنها كتابة فَاسِدَةٌ إِذْ لَمْ يَعْرِفْ مَتَى يَأْخُذُ النَّجْمَ أَوِ الْأُوقِيَّةَ مِنَ الْعَامِ وَحَسْبُهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْعَامَ إِذَا انْقَضَى أَوِ انْسَلَخَ الشَّهْرُ وَجَبَ النَّجْمُ وَمَنْ أَدَّاهُ قَبْلَ ذَلِكَ قُبِلَ مِنْهُ وَلَيْسَتِ الْكِتَابَةُ كَالْبُيُوعِ فِي كُلِّ شَيْءٍ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ لِأَنَّ الْعَبْدَ مَعَ سَيِّدِهِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَرَى بَيْنَهُمَا رِبًا أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُكَاتَبَ لَوْ عَجَزَ (حَلَّ) لِسَيِّدِهِ مَا أَخَذَ مِنْهُ وَلَيْسَ ذَلِكَ كَبَيْعِ الْعُرْبَانِ وَلِلْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا وَأَمَّا قَوْلُهُ تِسْعُ أَوَاقِيَّ فَالْأُوقِيَّةُ مُؤَنَّثَةٌ فِي اللَّفْظِ مِقْدَارُهَا أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا كَيْلًا لَا اخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ وَالدِّرْهَمُ الْكَيْلُ دِرْهَمٌ وَخُمْسَانِ بِدَرَاهِمِنَا عَلَى مَا قَدْ مَضَى ذِكْرُهُ فِي بَابِ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى وَيُجْمَعُ الْأُوقِيَّةُ أَوَاقِيَّ بِالتَّشْدِيدِ كَذَلِكَ قَالَ أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ قَالَ أَبُو زَيْدٍ وَقَدْ يُتَجَاوَزُ فِي الْجَمْعِ فَيُقَالُ أَوَاقٍ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ يُقَالُ أُوقِيَّةٌ وَأَوَاقِيُّ وَبُخْتِيَّةٌ وَبَخَاتِيُّ وَأُمْنِيَّةٌ وَأَمَانِيُّ وَسُرِّيَّةٌ وَسَرَارِيُّ قَالَ وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ بَخَاتٍ وَأَمَانٍ وَسَرَارٍ وَأَوَاقٍ وَأَمَّا قَوْلُ عَائِشَةَ إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ عَدَدْتُهَا لَهُمْ فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَدَّ فِي الدَّرَاهِمِ الصِّحَاحِ تَقُومُ مَقَامَ الْوَزْنِ وَأَنَّ الشِّرَاءَ بِهَا جَائِزٌ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الْوَزْنِ لِأَنَّهَا لَمْ تَقُلْ أَزِنُهَا لَهُمْ وَلَمْ يَقُلِ النَّبِيُّ ﷺ عَدَدُ الْأَوَاقِيِّ غَيْرُ جَائِزٍ وَلَوْ كَانَ غَيْرَ جَائِزٍ لَقَالَ لَهُمْ إِنَّ الْعَدَّ فِي مِثْلِ هَذَا لَا يَجُوزُ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّبَايُعَ كَانَ بَيْنَ النَّاسِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ بِالْأَوَاقِيِّ وَبِالنَّوَاةِ وَبِالنَّشِّ وَهِيَ أَوْزَانٌ مَعْرُوفَةٌ فَالْأُوقِيَّةُ أَرْبَعُونَ
стр. 7299
دِرْهَمًا وَالَنَّشُّ نِصْفُهَا وَالنَّوَاةُ زِنَةُ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ فَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ كُلَّهُ فِي بَابِ حُمَيْدٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ قَالَ وَفِيهَا يَعْنِي سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِينَ أَمَرَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ أَنْ تُنْقَشَ الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ حَدَّثَنِي بِذَلِكَ سَعْدُ بْنُ رَاشِدٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ وَحَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ ضَرَبَ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ ضَرْبَهَا قال وحدثني عبد الرحمان بْنُ حَزْمٍ اللَّيْثِيُّ عَنْ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ سَأَلْتُ ابْنَ الْمُسَيَّبِ فِي كَمْ تَجِبُ الزَّكَاةُ مِنَ الدَّنَانِيرِ قَالَ فِي كُلِّ عِشْرِينَ مِثْقَالًا بِالشَّامِيِّ نِصْفُ مِثْقَالٍ قُلْتُ مَا بَالُ الشَّامِيِّ مِنَ الْبَصْرِيِّ قَالَ هُوَ الَّذِي يُضْرَبُ عَلَيْهِ الدَّنَانِيرُ وَكَانَ ذَلِكَ وَزْنَ الدَّنَانِيرِ قَبْلَ أَنْ تُضْرَبَ كَانَتِ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ قِيرَاطًا إِلَّا حَبَّةً وَكَانَتِ الْعَشَرَةُ وَزْنَ سَبْعَةٍ وَقَالَ غَيْرُ الْوَاقِدِيِّ كَانَتِ الدَّنَانِيرُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَأَوَّلِ الْإِسْلَامِ بِالشَّامِ وَعِنْدَ عَرَبِ الْحِجَازِ كُلُّهَا رُومِيَّةً تُضْرَبُ بِبِلَادِ الرُّومِ عَلَيْهَا صُورَةُ الْمَلِكِ وَاسْمُ الَّذِي ضُرِبَتْ فِي أَيَّامِهِ مَكْتُوبٌ بِالرُّومِيَّةِ وَوَزْنُ كُلِّ دِينَارٍ مِنْهَا مِثْقَالٌ كَمِثْقَالِنَا هَذَا وَهُوَ وَزْنُ دِرْهَمٍ وَدَانِقَيْنِ وَنِصْفٍ وَخَمْسَةِ أَسْبَاعِ حَبَّةٍ وَكَانَتِ الدَّرَاهِمُ بِالْعِرَاقِ وَأَرْضِ الْمَشْرِقِ كُلِّهَا كِسْرَوِيَّةً عَلَيْهَا وصورة كِسْرَى وَاسْمُهُ فِيهَا مَكْتُوبٌ بِالْفَارِسِيَّةِ وَوَزْنُ كُلِّ دِرْهَمٍ مِنْهَا مِثْقَالٌ فَكَتَبَ مَلِكُ الرُّومِ وَاسْمُهُ لَاوِي بْنُ فَلْفَظَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّهُ قَدْ أَعَدَّ لَهُ سِكَكًا لِيُوَجِّهَ بِهَا إِلَيْهِ فَيَضْرِبَ عَلَيْهَا الدَّنَانِيرَ فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ لِرَسُولِهِ لا حاجة لنا فيها قد علمنا سِكَكًا نَقَشْنَا عَلَيْهَا تَوْحِيدَ اللَّهِ وَاسْمَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ قَدْ جَعَلَ الدَّنَانِيرَ مَثَاقِيلَ مِنْ زُجَاجٍ لئلا تغير
стр. 7300
أَوْ تُحَوَّلُ إِلَى زِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ وَكَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ حِجَارَةٍ وَأَمَرَ فَنُودِيَ أَلَّا يَتَبَايَعَ أَحَدٌ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ نِدَائِهِ بِدِينَارٍ رُومِيٍّ فَكَثُرَتِ الدَّنَانِيرُ الْعَرَبِيَّةُ وَبَطَلَتِ الرُّومِيَّةُ وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ وَذَكَرَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالسِّيَرِ وَالْخَبَرِ أَنَّ الدَّرَاهِمَ كَانَتْ غَيْرَ مَعْلُومَةٍ إِلَى أَيَّامِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فَجَمَعَهَا وَجَعَلَ كُلَّ عَشَرَةٍ مِنَ الدَّرَاهِمِ وَزْنَ سَبْعَةِ مَثَاقِيلَ قَالَ وَكَانَتِ الدَّرَاهِمُ يَوْمَئِذٍ دِرْهَمٌ مِنْ ثَمَانِيَةِ دَوَانِقَ زيف ودرهم من أربعة دوانق جيد قال فَاجْتَمَعَ رَأْيُ عُلَمَاءِ ذَلِكَ الْوَقْتِ لِعَبْدِ الْمَلِكِ عَلَى أَنْ جَمَعُوا الْأَرْبَعَةَ الدَّوَانِقَ إِلَى الثَّمَانِيَةِ فصارت اثني عشر داقا فَجَعَلُوا الدِّرْهَمَ سِتَّةَ دَوَانِقَ وَسَمَّوْهُ كَيْلًا فَاجْتَمَعَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ فِي كُلِّ مِائَتَيْ درهم زكاة وأن أربعين درهما أوقية وأن فِي الْخَمْسِ الْأَوَاقِ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ فِيمَا دُونَهَا صَدَقَةٌ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ لَا زِيَادَةَ وَهِيَ نِصَابُ الصَّدَقَةِ وَأَمَّا قَوْلُهَا إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ إِنْ أَحَبُّوا أَنْ أُعْطِيَهُمْ لَكِ جَمِيعًا وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ فَظَاهِرُ هَذَا الْخِطَابِ أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ مِنْهُمُ الْوَلَاءَ بَعْدَ عَقْدِ الْكِتَابَةِ وَأَنْ تُؤَدِّيَ فِي ذَلِكَ جَمِيعَ الْكِتَابَةِ فَأَبَى الْقَوْمُ مِنْ ذَلِكَ وَطَلَبُوا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ عِنْدَ أَدَاءِ عَائِشَةَ لِجَمِيعِ الْكِتَابَةِ كَأَنَّهَا تَبَرَّعَتْ بِذَلِكَ وَأَرَادَتِ الْوَلَاءَ أَوْ قَصَدَتْ إِلَى ابْتِيَاعِ الْوَلَاءِ وَهَذَا لَا يَصِحُّ عِنْدَنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الْوَلَاءَ لَا يُبَاعُ وَأَنَّ مَنْ أَدَّى عَنْ مُكَاتَبٍ كِتَابَتَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْوَلَاءُ وَلَوْ صَحَّ هَذَا كَانَ يَكُونُ النَّكِيرُ حِينَئِذٍ عَلَى عَائِشَةَ رَحِمَهَا اللَّهُ فِي إِرَادَتِهَا أَنْ يَكُونَ الولاء لها بأذائها الْكِتَابَةَ عَنْهَا وَلَكِنْ فِي حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ خُذِيهَا وَاشْتَرِطِي الْوَلَاءَ لَهُمْ فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ
стр. 7301
وَقَدْ قَالَ وُهَيْبٌ وَكَانَ مِنَ الْحُفَّاظِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا عَدَّةً وَاحِدَةً وَأُعْتِقَكِ وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ فَقَوْلُهَا وَأُعْتِقُكِ دَلِيلٌ على شرائها لها شراء صحيحا لأنها لاتعتقها إِلَّا بَعْدَ شِرَائِهَا لَهَا وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ فِي قَوْلِهَا أُعْتِقُكِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِعَائِشَةَ لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكَ ابْتَاعِي وَأَعْتِقِي وَقَوْلُهُ ابْتَاعِي وَأَعْتِقِي فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ يُفَسِّرُ قَوْلَهُ فِي حَدِيثِ هِشَامٍ خُذِيهَا لِأَنَّ قَوْلَهُ ابْتَاعِيهَا وَأَعْتِقِيهَا أَمْرٌ مِنْهُ ﷺ لعائشة بالشراء ابْتِدَاءٌ وَعِتْقُهَا لَهَا بَعْدَ مِلْكِهَا لِيَكُونَ الْوَلَاءُ لَهَا وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي الْأُصُولِ وَإِيَّاهُ يُعَضِّدُ سَائِرُ الْآثَارِ عَنْ عَائِشَةَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَلَا تَرَى إِلَى مَا رَوَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عَائِشَةَ أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ فَتُعْتِقَهَا فَقَالَ أَهْلُهَا نَبِيعُكِهَا عَلَى أَنَّ الْوَلَاءَ لَنَا فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكَ فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْخَبَرَ فِي بَابِ نَافِعٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَخْبَارِ بَرِيرَةَ أَصَحُّ مِنْ هَذَا الْإِسْنَادِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَلَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ كَمَا فِي حَدِيثِ هِشَامٍ مِنِ اخْتِلَافِ أَلْفَاظِهِ وَقَدْ بَانَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عَائِشَةَ أَرَادَتْ شِرَاءَ بَرِيرَةَ وَعِتْقَهَا فَأَرَادَ أَهْلُهَا اشْتِرَاطَ الْوَلَاءِ لَهُمْ وَفِي مِثْلِ هَذَا يَصِحُّ الْإِنْكَارُ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَلَى أَهْلِ بَرِيرَةَ لِأَنَّ الْوَلَاءَ يَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي الْمُعْتِقِ ثُبُوتَ النَّسَبِ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ تَحْوِيلُهُ عَنْهُ بِبَيْعٍ وَلَا اشْتِرَاطٍ وَكَذَلِكَ فِي سِيَاقَةِ أَكْثَرِ الْأَحَادِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَرِيرَةَ بِيعَتْ مِنْ عَائِشَةَ لَا أَنَّهَا أَدَّتْ عَنْهَا كِتَابَتَهَا إِلَّا أَنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ شَرْطَ الْوَلَاءِ مَعَ الْبَيْعِ وَإِبَاحَةَ النَّبِيِّ ﷺ شِرَاءَهَا عَلَى ذَلِكَ دُونَ إِعْمَالِ الشَّرْطِ وَفِي ذَلِكَ صِحَّةُ الْبَيْعِ وَإِبْطَالُ الشَّرْطِ
стр. 7302
وَرَوَى الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَهْلَ بَرِيرَةَ أَرَادُوا أَنْ يَبِيعُوهَا وَيَشْتَرِطُوا الْوَلَاءَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ فَبَانَ بِحَدِيثِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ وَبِحَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ أَيْضًا الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَهَا بِالشِّرَاءِ ابْتِدَاءً وَبِعِتْقِهَا بَعْدَ مِلْكِهَا لِيَكُونَ الْوَلَاءُ لَهَا وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ عَنْ عَائِشَةَ مُوَافِقَةٌ لِمَا رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ وَفِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ أَيْضًا مَا يُبَيِّنُ رِوَايَةَ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ فِي قَوْلِهِ ﵇ خُذِيهَا وَلَا يَمْنَعُكِ ذَلِكَ فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ وَفِيهِ دَلِيلٌ بَلْ نَصٌّ عَلَى صِحَّةِ شِرَائِهَا وَصِحَّةِ مِلْكِهَا وَصِحَّةِ عِتْقِهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَاسْتِحْقَاقِ وَلَائِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَاشْتِرَاطُ أَهْلِ بَرِيرَةَ وَلَاءَهَا مَعَ فَضْلِ بَيْعِهَا عَلَى الْعِتْقِ فَهُوَ الَّذِي خَطَبَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإِنْكَارِهِ لِتَقَدُّمِهِ إِلَيْهِمْ وَإِلَى غَيْرِهِمْ فِي النَّهْيِ عَنْ بَيِّنِ الْوَلَاءِ وَهِبَتِهِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا إِجَازَةُ الْبَيْعِ عَلَى شَرْطِ الْعِتْقِ وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهَا وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي بَابِ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ هَذَا الكتاب فلا معنى لتكرير ذلك ها هنا وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُكَاتَبَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ شَيْءٌ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَبْدًا مَا جَازَ بَيْعُهُ وَفِي كَوْنِهِ عَبْدًا رَدٌّ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ إِذَا عقدت كتابته فهو غريم من الغرباء وَرَدٌّ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ إِذَا أَدَّى قِيمَتَهُ فَهُوَ غَرِيمٌ وَرَدٌّ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ إِذَا أَدَّى الثُّلُثَ فَهُوَ غَرِيمٌ وَرَدٌّ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ إِذَا أَدَّى الشَّطْرَ فَهُوَ غَرِيمٌ وَرَدٌّ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ يُعْتَقُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى وَرَوَى الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ تُجْرَى الْعَتَاقَةُ فِيهِ مِنْ أَوَّلِ نَجْمٍ وَرَوَى إِبْرَاهِيمُ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ تُجْرَى الْحُدُودُ عَلَيْهِ بِقَدْرِ مَا أَدَّى وَقَالَ عَنْهُ عَامِرٌ يعتق منه بقدر ما أدى وكان الحرث الْعُكْلِيُّ يَقُولُ كَانَ عَلِيٌّ ﵁ أفقه من يَقُولَ يُعْتَقُ مِنَ الْمُكَاتَبِ بِقَدْرِ مَا أَدَّى مُنْكِرًا لِذَلِكَ عَنْهُ
стр. 7303
وَهَذِهِ أَقَاوِيلُ اخْتُلِفَ فِيهَا عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْفُقَهَاءِ تَعَلَّقَ بِهَا وَرُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ قَالَ إِذَا أَدَّى الثُّلُثَ فَهُوَ غَرِيمٌ وَعَنِ النَّخَعِيُّ إِذَا أد الشَّطْرَ فَهُوَ غَرِيمٌ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَنْ كَاتَبَ مُكَاتَبًا فَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ فِي الرِّقِّ إِنْ عَجَزَ كَانَ كَذَلِكَ وَإِنْ شَرَطَ أَنْ يُعْتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى فَهُوَ كَذَلِكَ وَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَ وَلَاءِ الْمُكَاتَبِ وَمَنْ أَجَازَ بَيْعَ وَلَائِهِ وَمَنْ كَرِهَهُ وَمَنْ قَالَ لَا بُدَّ مِنْ شَرْطِهِ الْعِتْقَ عِنْدَ الْأَدَاءِ وَإِلَّا فَهُوَ عَلَى الرِّقِّ أَبَدًا وَمَنْ أَجَازَ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَشْتَرِطَ وَلَاءَ نَفْسِهِ فِي بَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ فَأَغْنَى ذلك عن ذكره ههنا وَفِي حَدِيثِ بَرِيرَةَ هَذَا مَعَ صِحَّتِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ الْمُكَاتَبَ عَبْدٌ وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا بِيعَتْ بَرِيرَةُ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عمر وزيد ابن ثَابِتٍ وَعَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ الْمَكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بقي عليه درهم وهو قول سعيد ابن الْمُسَيَّبِ وَالْقَاسِمِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَالزُّهْرِيِّ وَقَتَادَةَ وَعَطَاءٍ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمْ وَالثَّوْرِيُّ وَابْنُ شُبْرُمَةَ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ وَالطَّبَرِيُّ وَقَدْ رَوَى عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ هُوَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ إِذَا مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ وَتَرَكَ مَالًا
стр. 7304
فَقَالَتْ طَائِفَةٌ كُلُّ مَا تَرَكَ فَهُوَ لِسَيِّدِهِ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا وَإِنْ عَجَزَ عَادَ رَقِيقًا وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا مُجَاهِدٌ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو ثَوْرٍ وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ وَشُرَيْحٍ وَالزُّهْرِيِّ نَحْوُهُ قَالَ الزُّهْرِيُّ حُكْمُهُ حُكْمُ الْعَبْدِ وَجِنَايَتُهُ فِي عِتْقِهِ وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَرَوَى الْحَكَمُ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَشُرَيْحٍ يُعْطَى سَيِّدُهُ مِنْ تَرِكَتِهِ مَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِهِ فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ كَانَ لِوَرَثَةِ الْمُكَاتَبِ وَرَوَى عَطَاءٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَأَبُو الْبَخْتَرِيِّ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ نَحْوُهُ وَبِهِ قَالَ ابْنُ المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمان وَالنَّخَعِيُّ وَالشَّعْبِيُّ وَالْحَسَنُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ جَعَلُوهُ كَغَرِيمٍ حَلَّ دَيْنُهُ غَيْرَ أَنَّ مَالِكًا جَعَلَ مَنْ كَانَ مَعَهُ فِي كِتَابَتِهِ أَحَقَّ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مِنْ وَرَثَتِهِ وَقَدْ رَوَى الشَّعْبِيُّ عَنْ عَلِيٍّ إِذَا مَاتَ الْمُكَاتَبُ وَتَرَكَ مَالًا قُسِّمَ مَا تَرَكَ عَلَى مَا أَدَّى وَعَلَى مَا بَقِيَ فَمَا أَصَابَ مَا أَدَّى فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ وَمَا أَصَابَ مَا بَقِيَ فَلِمَوَالِيهِ وَهَذَا خِلَافُ مَا رَوَى الْحَكَمُ وَعَطَاءٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَأَبُو الْبَخْتَرِيِّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ وَقَدِ احْتَجَّ مَنْ قَالَ فِي الْمُكَاتَبِ يُعْتَقُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى بِرِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَذَلِكَ قَوْلُهُ وَلَمْ تَكُنْ أَدَّتْ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئًا وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ يُعْتَقُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى بِحَدِيثِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يُؤَدِّي الْمُكَاتَبُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى دِيَةَ الْحُرِّ وَبِقَدْرِ مَا رَقَّ مِنْهُ دِيَةَ عَبْدٍ رَوَاهُ حَجَّاجٌ الصَّوَّافُ وَهِشَامٌ الدستوائي وغيرهما عن يحيى ابن أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مسندا
стр. 7305
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ مُسْنَدًا وَقَدْ أَرْسَلَهُ بَعْضُهُمْ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ وكان علي بن أبي طالب ومروان ابن الْحَكَمِ يَقُولَانِ ذَلِكَ وَبِهِ كَانَ عِكْرِمَةُ يُفْتِي وَكَانَ يَقُولُ الْمُكَاتَبُ يُؤَدِّي بِقَدْرِ مَا أُعْتِقَ مِنْهُ وَإِنْ جَنَى جِنَايَةً أَوْ أَصَابَ حَدًّا فَبِقَدْرِ مَا أُعْتِقَ مِنْهُ وَقَدْ نَاظَرَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فِي المكاتب فقال لعلي أكنت راجمه لوزني أَوْ مُجِيزَ شَهَادَتِهِ إِنْ شَهِدَ فَقَالَ عَلِيٌّ لَا فَقَالَ زَيْدٌ فَهُوَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَفِيهِ إِجَازَةُ بَيْعِ الْمُكَاتَبِ إِذَا رَضِيَ بِالْبَيْعِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَاجِزًا عَنْ أَدَاءِ نَجْمٍ قَدْ حَلَّ عَلَيْهِ خِلَافَ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ بَيْعَ الْمُكَاتَبِ غَيْرُ جَائِزٍ إِلَّا بِالْعَجْزِ لِأَنَّ بَرِيرَةَ لَمْ تَذْكُرْ أَنَّهَا عَجَزَتْ عَنْ أَدَاءِ نَجْمٍ وَلَا أَخْبَرْتَ بِأَنَّ النَّجْمَ قَدْ حَلَّ عَلَيْهَا وَلَا قَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَعَاجِزَةٌ أَنْتِ أَمْ هَلْ حَلَّ عَلَيْكِ نَجْمٌ فَلَمْ تُؤَدِّيهِ وَلَوْ لَمْ يَجُزْ بَيْعُ الْمُكَاتَبِ وَالْمُكَاتَبَةِ إِلَّا بِالْعَجْزِ عَنْ أَدَاءِ نَجْمٍ قَدْ حَلَّ لَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ سَأَلَهَا أَعَاجِزَةٌ هِيَ أَمْ لَا وَمَا كَانَ لِيَأْذَنَ فِي شِرَائِهَا إِلَّا بَعْدَ عِلْمِهِ ﷺ أَنَّهَا عَاجِزَةٌ وَلَوْ عَنْ أَدَاءِ نَجْمٍ وَاحِدٍ قَدْ حَلَّ عَلَيْهَا وَفِي خَبَرِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئًا وَلَا أَعْلَمُ فِي هَذَا الْبَابِ حُجَّةً أَصَحَّ مِنْ حَدِيثِ بَرِيرَةَ هَذَا وَلَمْ يُرْوَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ شَيْءٌ يُعَارِضُهُ وَلَا فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَخْبَارِ دَلِيلٌ عَلَى عَجْزِهَا وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِي بَيْعِ الْمُكَاتَبِ فَإِنَّ ابْنَ شِهَابٍ وَأَبَا الزِّنَادِ وَرَبِيعَةَ كَانُوا يَقُولُونَ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إِلَّا بِرِضًى مِنْهُ فَإِنْ رَضِيَ بِالْبَيْعِ فَهُوَ عَجْزٌ مِنْهُ وجاز بيعه
стр. 7306
وَقَالَ مَالِكٌ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمُكَاتَبِ إِلَّا أَنْ يَعْجِزَ عَنِ الْأَدَاءِ فَإِنْ لَمْ يَعْجِزْ فَلَيْسَ لَهُ وَلَا لِسَيِّدِهِ بَيْعُهُ قَالَ وَإِذَا كَانَ الْمُكَاتَبُ ذَا مَالٍ ظَاهِرٍ فَلَيْسَ لَهُ تَعْجِيزُ نَفْسِهِ وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ مَالٌ فَذَلِكَ إِلَيْهِ وَلَهُ تَعْجِيزُهُ دُونَ السُّلْطَانِ وَيَمْضِي ذَلِكَ وَكَذَلِكَ إِنْ عَجَّزَ نَفْسَهُ قَبْلَ حَلِّ النَّجْمِ بِالْأَيَّامِ وَالشَّهْرِ وَإِنَّمَا الَّذِي لَا يُعَجِّزُهُ إِلَّا السُّلْطَانُ فَهُوَ الَّذِي يُرِيدُ سَيِّدُهُ تَعْجِيزَهُ بَعْدَمَا حَلَّ عَلَيْهِ مَا عَلَيْهِ وَهُوَ يَأْبَى الْعَجْزَ وَيَقُولُ يُؤَدِّي إِلَّا أَنَّهُ يَمْطُلُ سَيِّدَهُ فَالسُّلْطَانُ يَتَلَوَّمُ لَهُ فَإِنْ رَأَى لَهُ وَجْهَ أَدَاءٍ تَرَكَهُ وَإِنْ لَمْ يَرَ ذَلِكَ لَهُ عَجَّزَهُ بَعْدَ التَّلَوُّمِ وَلَا يُعَجِّزُهُ السَّيِّدُ وَهُوَ آبٍ وَلَوْ أَخَّرَ نَجْمًا أَوْ أَنْجُمًا إِلَّا بِالسُّلْطَانِ قَالَ وَلَوْ شَرَطَ ذَلِكَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ عَاجِزًا إِلَّا بِقَضِيَّةِ سُلْطَانٍ قَالَ وَلَوْ غَابَ الْمُكَاتَبُ فَحَلَّتْ نُجُومُهُ فَلَيْسَ إِشْهَادُ السَّيِّدِ بِتَعْجِيزِهِ تَعْجِيزًا إِلَّا بِنَظَرِ السُّلْطَانِ وَهُوَ إِذَا قَدِمَ عَلَى كِتَابَتِهِ إِنْ أَدَّى وَإِلَّا نَظَرَ فِي ذَلِكَ السُّلْطَانُ وَقَالَ مَالِكٌ الَّذِي يَقَعُ بِنَفْسِي فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ أَنَّهَا كَانَتْ قَدْ عَجَزَتْ وَلِذَلِكَ اشْتَرَتْهَا عَائِشَةُ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وعطاء والليث بْنُ سَعْدٍ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ جَائِزٌ بَيْعُ الْمُكَاتَبِ عَلَى أَنْ يَمْضِيَ فِي كِتَابَتِهِ فَإِنْ أَدَّى عَتَقَ وَكَانَ وَلَاؤُهُ لِلَّذِي ابْتَاعَهُ وَإِنْ عَجَزَ فَهُوَ عَبْدٌ لَهُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمُكَاتَبِ مَا دَامَ كَاتِبًا حَتَّى يَعْجِزَ وَلَا يَجُوزَ بَيْعُ كِتَابَتَهِ بحال وهو قول الشافعي بمصر لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمُكَاتَبِ وَكَانَ بِالْعِرَاقِ يَقُولُ بَيْعُهُ جَائِزٌ وَأَمَّا بَيْعُ كِتَابَتِهِ فَغَيْرُ جَائِزَةٍ عِنْدَهُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ) وَالشَّافِعِيُّ جَائِزٌ تَعْجِيزُ الْمُكَاتَبِ بِغَيْرِ حَضْرَةِ السُّلْطَانِ وَفَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ وَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ وَالنَّخَعِيِّ
стр. 7307
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى لَا يَجُوزُ إِلَّا عِنْدَ قَاضٍ وَكَانَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمْ يَقُولُونَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُعْجِزَهُ إِذَا حَلَّ نَجْمٌ مِنْ نُجُومِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فَإِنْ قَالَ أَخِّرُونِي وَكَانَ لَهُ مَالٌ حَاضِرٌ أَوْ غَائِبٌ يَرْجُو قُدُومَهُ أَخَّرْتُهُ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً لَا أَزِيدُهُ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا وَبِهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَقَالَ الْحَكَمُ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ أَقَلُّ مَا يُعَجَّزُ بِهِ حُلُولُ نَجْمَيْنِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ نَجْمٌ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ نَجْمَانِ (قَالَ) وَالِاسْتِينَاءُ بِهِ أَحَبُّ إِلَيَّ وَقَالَ أَحْمَدُ نَجْمَانِ أَحَبُّ إِلَيْنَا وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ يَسْتَأْنِي بِهِ شَهْرَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ شَاذٌّ أَنَّ الْمُكَاتَبَ إِذَا عَجَزَ اسْتَسْعَى بَعْدَ الْعَجْزِ سَنَتَيْنِ وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُكَاتَبَ إِذَا حَلَّ عَلَيْهِ نَجْمٌ مِنْ نُجُومِهِ أَوْ نَجْمَانِ أَوْ نُجُومُهُ كُلُّهَا فَوَقَفَ السَّيِّدُ عَنْ مُطَالَبَتِهِ وَتَرَكَهُ بِحَالِهِ أَنَّ الْكِتَابَةَ لَا تَنْفَسِخُ مَا دَامَا عَلَى ذَلِكَ ثَابِتَيْنِ وَاخْتَلَفُوا إِذَا كَانَ قَوِيًّا عَلَى الْأَدَاءِ أَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ فَعَجَّزَ نَفْسَهُ فَقَالَ مَالِكٌ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ أَنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ إِلَّا إِنْ لَمْ يُعْلَمْ لَهُ مَالٌ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ لَا يُمَكَّنُ مِنْ تَعْجِيزِ نَفْسِهِ إِذَا كَانَ قَوِيًّا عَلَى الْأَدَاءِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَهُ أَنْ يُعَجِّزَ نَفْسَهُ عُلِمَ لَهُ مَالٌ أَوْ قُوَّةٌ عَلَى الْكِتَابَةِ أَوْ لَمْ يُعْلَمْ وَإِذَا قَالَ قَدْ عَجِزْتُ وَأَبْطَلْتُ الْكِتَابَةَ فَذَلِكَ إِلَيْهِ
стр. 7308
قَالَ أَبُو عُمَرَ يَحْتَمِلُ حَدِيثُ بَرِيرَةَ أَنْ يَنْزِعَ مِنْهُ مَالِكٌ لِمَذْهَبِهِ وَالشَّافِعِيُّ لِمَذْهَبِهِ هَذَا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُكَاتَبِ يَعْجِزُ وَبِيَدِهِ مَالٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَيْهِ فَقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِنَّ كُلَّ مَا قَبَضَهُ السَّيِّدُ مِنْهُ مِنْ كِتَابَتِهِ وَمَا فَضُلَ بِيَدِهِ بَعْدَ عَجْزِهِ مِنْ صَدَقَةٍ وَغَيْرِهَا فَهُوَ لِسَيِّدِهِ يَطِيبُ أَخْذُ ذَلِكَ كُلِّهِ لَهُ هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِمَا وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَرِوَايَةٍ عَنْ شُرَيْحٍ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إِذَا كَانَ مَا أَخَذَهُ السَّيِّدُ مِنَ الْمُكَاتَبِ قبل عجزه هو من كسب الْعَبْدِ لَمْ يَرُدَّهُ وَإِنْ كَانَ اسْتَقْرَضَهُ الْعَبْدُ أَوْ أَخَذَهُ مِنْ زَكَاةِ رَجُلٍ فَعَلَى السَّيِّدِ رَدُّهُ وَعَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ فِي مُكَاتَبٍ عَجَزَ كَيْفَ يَصْنَعُ سَيِّدُهُ بِمَا أَخَذَ مِنْهُ قَالَ يَجْعَلُهُ فِي مِثْلِهِ مِنَ الرِّقَابِ قَالَ وَقَالَ شُرَيْحٌ إِنْ عَجَزَ رُدَّ فِي الرِّقِّ وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْ مَوْلَاهُ مَا أَخَذَ مِنْهُ وَقَالَ مَالِكٌ إِذَا عَجَزَ الْمُكَاتَبُ فَكُلُّ مَا قَبَضَهُ مِنْهُ السَّيِّدُ قَبْلَ الْعَجْزِ حَلَّ لَهُ كَانَ مِنْ كَسْبِهِ أَوْ مِنْ صَدَقَةٍ عَلَيْهِ قَالَ وَأَمَّا (مَا) أُعِينُ بِهِ عَلَى فِكَاكِ رَقَبَتِهِ فَلَمْ يَفِ ذَلِكَ بِكِتَابَتِهِ كَانَ لِكُلِّ مَنْ أَعَانَهُ الرُّجُوعُ بِمَا أَعْطَى أَوْ يُحَلَّلُ مِنْهُ الْمُكَاتَبُ وَلَوْ أَعَانُوهُ صَدَقَةً لَا عَلَى فِكَاكِ رَقَبَتِهِ فَذَلِكَ إِنْ عَجَزَ حَلَّ لِسَيِّدِهِ وَلَوْ تَمَّ بِهِ فِكَاكُهُ وَبَقِيَتْ فَضْلَةٌ فَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى الْفِكَاكِ رَدَّهَا إِلَيْهِمْ بِالْحِصَصِ أَوْ يُحَلِّلُونَهُ مِنْهَا هَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ مَالِكٍ فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ يَجْعَلُ السَّيِّدُ مَا أَعْطَاهُ فِي الرِّقَابِ وَهُوَ قَوْلُ مَسْرُوقٍ وَالنَّخَعِيِّ وَرِوَايَةٍ عَنْ شُرَيْحٍ
стр. 7309
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مَا قَبَضَ مِنْهُ السَّيِّدُ فَهُوَ لَهُ وَمَا فَضَلَ بِيَدِهِ بَعْدَ الْعَجْزِ فَهُوَ لَهُ دُونَ سَيِّدِهِ وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْعَبْدَ يَمْلِكُ وَقَالَ إِسْحَاقُ مَا أَعْطَى لِحَالِ الْكِتَابَةِ رَدَّ عَلَى أَرْبَابِهِ وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ كُلُّهَا فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ فَلِذَلِكَ ذَكَرْنَاهَا وَأَمَّا فُرُوعُ مَسَائِلِ الْمُكَاتَبِ فَكَثِيرَةٌ جِدًّا لَا سَبِيلَ فِي مِثْلِ تَأْلِيفِنَا هَذَا إِلَى إِيرَادِهَا عَلَى شَرْطِنَا وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا وَفِيهِ أَيْضًا أن عقد الكتابة من غير أَدَاءٌ لَا يُوجِبُ شَيْئًا مِنَ الْعِتْقِ خِلَافَ قَوْلِ مَنْ جَعَلَهُ غَرِيمًا مِنَ الْغُرَمَاءِ وَقَدْ مَضَى ذِكْرُ ذَلِكَ عِنْدَ ذِكْرِ قَوْلِ مَنْ قَالَ يُعْتَقُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ عَقْدَ الْكِتَابَةِ لَا يُوجِبُ عِتْقَهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ أَجَازَ بَيْعَهَا وَلَوْ كَانَ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الْعِتْقِ مَا أَجَازَ بَيْعَ ذَلِكَ إِذْ مِنْ سُنَّتِهِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا أَنْ لَا يُبَاعَ الْحُرُّ وَأَمَّا قَوْلُ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ فِي حَدِيثِهِ هَذَا خُذِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ فَكَذَلِكَ رَوَاهُ جُمْهُورُ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ وَاشْتَرِطِي الْوَلَاءَ وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامٍ بِإِسْنَادِهِ وَلَفْظِهِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ أَشْرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ ذَكَرَ ذَلِكَ عَنْهُمُ الطَّحَاوِيُّ فَلَمْ يُدْخِلِ التَّاءَ قَالَ الطَّحَاوِيُّ وَمَعْنَى أَشْرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ أَيْ أَظْهِرِي لَهُمْ حُكْمَ الْوَلَاءِ فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ أَيْ أَظْهِرِي لَهُمْ ذَلِكَ وَعَرِّفِيهِمْ أَنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ لِأَنَّ الْإِشْرَاطَ هُوَ الْإِظْهَارُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ قَالَ أوس بن حَجَرٍ ... فَأَشْرَطَ فِيهَا نَفْسَهُ وَهُوَ مُعْصِمٌ ... ... وَأَلْقَى بِأَسْبَابٍ لَهُ وَتَوَكَّلَا ... يَعْنِي أَظْهَرَ نَفْسَهُ لَمَّا حَاوَلَ أَنْ يَفْعَلَ
стр. 7310
قَالَ وَأَمَّا رِوَايَةُ سَائِرِ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ أَيِ اشْتَرِطِي عَلَيْهِمُ الْوَلَاءَ أَنَّهُ لَكِ أَيِ اشْتَرَيْتُ وَأَعْتَقْتُ كَقَوْلِهِ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا بِمَعْنَى عَلَيْهَا وَكَقَوْلِهِ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ يَعْنِي عَلَيْهِمُ اللَّعْنَةُ قَالَ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ الْوَعِيدُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ قَالَ أَبُو عُمَرَ لَيْسَ فِي حَدِيثِ الشَّافِعِيِّ عِنْدَنَا مِنْ رِوَايَةِ الْمُزَنِيِّ إِلَّا اشْتَرِطِي بِالتَّاءِ فَاللَّهُ أَعْلَمُ وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاوُدَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ مَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ إِلَّا بَعْدَ تَحْرِيمِ اشْتِرَاطِ الْوَلَاءِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي صِفَتِهِ ﷺ أَنْ يَأْمُرَ بِتَرْكِ شَيْءٍ ثُمَّ يُخْبِرَ أَنَّهُ لِمَنْ تَرَكَهُ بِغَيْرِ سَبَبٍ حَادِثٍ مِنَ الْمَتْرُوكِ لَهُ قَالَ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ اشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ فَإِنَّ اشْتِرَاطَهُمْ إِيَّاهُ بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّ اشْتِرَاطَهُ لَا يَجُوزُ غَيْرُ ضَائِرٍ لَكِ وَلَا نَافِعٍ لَهُمْ لَا أَنَّهُ ﷺ أَمَرَ بِاشْتِرَاطِ الْوَلَاءِ لَهُمْ لِيَقَعَ الْبَيْعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُمْ فَيَبْطُلَ الشَّرْطُ وَيَصِحَّ الْبَيْعُ وَهُمْ غَيْرُ عَالِمِينَ بِأَنَّ اشْتِرَاطَهُمْ ذَلِكَ لِأَنْفُسِهِمْ غَيْرُ جَائِزٍ لَهُمْ لِأَنَّ هَذَا مَكْرٌ وَخَدِيعَةٌ لَهُمْ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَنْهَى عن فعله أو يرضى لِنَفْسِهِ مَا لَا يَرْضَاهُ لِغَيْرِهِ وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ تَهَدُّدًا لِمَنْ رَغِبَ عَنْ حُكْمِهِ وَخَالَفَ عَنْ أَمْرِهِ وَأَقْدَمَ عَلَى فِعْلِ مَا قَدْ نَهَى عَنْ فِعْلِهِ وَتَهَاوُنًا بِالشَّرْطِ إِذْ كَانَ غَيْرَ
стр. 7311
نَافِعٍ لِمُشْتَرِطِهِ قَالَ اللَّهُ قُلِ ادعو الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا وَاللَّهُ لَمْ يُجِزْ لِلْمُشْرِكِينَ كَيْدَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَلَا أَبَاحَ لَهُمْ أَنْ يَكُونُوا بِدُعَاءِ الْأَصْنَامِ مُعْتَصِمِينَ وإنما أعلمهم أن ذلك غير ضائر للمؤمنين وَلَا نَافِعٍ لِلْمُشْرِكِينَ قَالَ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ذكه قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ الْآيَةَ وَكَذَلِكَ قَوْلُ هُودٍ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تنظرون إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ الْآيَةَ وَهَذَا لَيْسَ بِأَمْرٍ وَلَا إِغْرَاءٍ وَلَكِنَّهُ تَهَاوُنٌ بكيدهم واستخاف بِتَوَعُّدِهِمْ وَإِظْهَارٌ لِعَجْزِهِمْ وَذَكَرَ آيَاتٍ كَثِيرَةً مِنْ هَذَا الْبَابِ وَقَالَ هَذَا الْبَابُ مَشْهُورٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ يَسْتَعْمِلُهُ مِنْهُمْ مَنْ فَلَجَ بِحُجَّتِهِ وَأَمِنَ مِنْ كَيْدِ خَصْمِهِ قَالَ الْمُتَلَمِّسُ يَهْجُو عَمْرَو بْنَ هِنْدٍ حِينَ قَتَلَ طَرَفَةَ بْنَ الْعَبْدِ يُخْبِرُ أَنَّهُ غَيْرُ خَائِفٍ مِنْ تَوَعُّدِهِ وَلَا جَازِعٍ مِنْ تَهَدُّدِهِ ... فَإِذَا حَلَلْتَ وَدُونَ بَيْتِيَ غَارَةٌ ... ... فَابْرُقْ بِأَرْضِكَ مَا بَدَا لَكَ وَارْعَدِ ... قَالَ فَلَيْسَ هَذَا الْقَوْلُ أَمْرًا مِنْهُ لَهُ بِالدَّوَامِ عَلَى تَهَدُّدِهِ وَلَا نَهْيًا لَهُ عَنِ الْإِقَامَةِ عَلَى تَخْوِيفِهِ وَتَوَعُّدِهِ وَإِنَّمَا هُوَ إِعْلَامٌ أَنَّ إِيعَادَهُ غَيْرُ ضَائِرٍ لَهُ وَأَنَّ مَكَائِدَهُ غَيْرُ لَاحِقَةٍ بِهِ قَالَ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ وَعِدْهُمْ ثُمَّ قَالَ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ فَهَذَا كُلُّهُ دَاخِلٌ
стр. 7312
فِي بَابِ التَّهَاوُنِ وَلِلتَّحْذِيرِ خَارِجٌ مِنْ بَابِ الْإِبَاحَةِ وَالتَّفْوِيضِ وَمِنْ مَعْنَى الْأَغْوَارِ وَالتَّحْرِيضِ لِأَنَّهُ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّ فِعْلَهُ ذَلِكَ غَيْرُ ضَائِرٍ لِمَنْ تَوَلَّاهُ مِنْ عِبَادِهِ وَأَحَبَّ هِدَايَتَهُ وَأَنَّهُ لَا سُلْطَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا عَلِيٌّ حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ وَأَبُو سَهْلِ بْنُ زِيَادٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الرَّقَّاقُ قَالُوا حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو ثَابِتٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي مَالِكٌ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ رَجُلٍ خَطَبَ عَلَى عَبْدِهِ وَلِيدَةَ قَوْمٍ وَاشْتَرَطَ أَنَّ مَا وَلَدَتِ الْأَمَةُ مِنْ وَلَدٍ فَلِي شَطْرُهُ وَقَدْ أَعْطَاهَا الْعَبْدُ مَهْرَهَا قَالَ ابْنُ شِهَابٍ هَذَا مِنَ الشَّرْطِ الَّذِي لَا نَرَى لَهُ جَوَازًا قَالَ وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ مَا بَالُ قَوْمٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ شَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ فَلَيْسَ لَهُ شَرْطُهُ شَرْطُ اللَّهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ تَفَرَّدَ بِهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ أَبُو عُمَرَ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَيْعَ الْأَمَةِ ذَاتِ الزَّوْجِ لَيْسَ بِطَلَاقٍ لَهَا لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ قَدْ أَجْمَعُوا وَلَمْ تَخْتَلِفْ فِي ذَلِكَ الْآثَارُ أَيْضًا أَنَّ بَرِيرَةَ كَانَتْ إِذِ اشْتَرَتْهَا عَائِشَةُ ذَاتَ زَوْجٍ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي زَوْجِهَا هَلْ كَانَ حُرًّا أَوْ عَبْدًا وَقَدْ أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ الْأَمَةَ إِذَا أُعْتِقَتْ وَزَوْجُهَا عَبْدٌ أَنَّهَا تُخَيَّرُ وَاخْتَلَفُوا إِذَا كَانَ زَوْجُهَا حُرًّا هَلْ تُخَيَّرُ أَمْ لَا وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَهُمْ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَفِي حُكْمِهَا إِذَا خُيِّرَتْ وَحُكْمِ فُرْقَتِهَا وَعِدَّتِهَا وسائر
стр. 7313
مَعَانِيهَا وَحُجَّةَ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ فِي بَابِ رَبِيعَةَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَفِي إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ بَرِيرَةَ قَدْ خُيِّرَتْ تَحْتَ زَوْجِهَا بَعْدَ أَنِ اشْتَرَتْهَا عَائِشَةُ فَأَعْتَقَتْهَا خَيَّرَهَا النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ أَنْ تَقَرَّ عِنْدَ زَوْجِهَا وَبَيْنَ أَنْ يَفْسَخَ نِكَاحَهَا وَفِي تَخْيِيرِهِ لَهَا فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَيْعَ الْأَمَةِ لَيْسَ بِطَلَاقِهَا لِأَنَّ بَيْعَهَا لَوْ كَانَ طَلَاقًا مَا خُيِّرَتْ وَهِيَ مُطَلَّقَةٌ وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ بَيْعَ الْأَمَةِ لَيْسَ بِطَلَاقِهَا جَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ وَالْحَدِيثِ وَجُمْهُورِ السَّلَفِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ بَيْعَ الْأَمَةِ طَلَاقُهَا وَمِمَّنْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ ﵀ فِي فَتْوَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ إِنَّ بَيْعَ الْأَمَةِ طَلَاقُهَا مَعَ رِوَايَاتِهِ لِقِصَّةِ بَرِيرَةَ وَتَخْيِيرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِيَّاهَا بَعْدَ الْبَيْعِ وَالْعِتْقِ وَشَهَادَتِهِ أَنَّهُ رَأَى زَوْجَهَا يَتْبَعُهَا فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُخْبِرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْخَبَرِ وَإِنْ كَانَ فَقِيهًا عَالِمًا مُبْرِزًا قَدْ يَعْزُبُ عَنْهُ بَعْضُ دَلَائِلِ الْخَبَرِ الَّذِي رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَدْ عَزَبَ عَنْهُ مَعَ عِلْمِهِ وَفَهْمِهِ وَفِقْهِهِ مَوْضِعَ الِاسْتِدْلَالِ بِذَلِكَ إِذْ كَانَ يَقُولُ بَيْعُ الْأَمَةِ طَلَاقُهَا قَالَ وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا ثُمَّ أَدَّاهَا لِمَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَرُبَّ مُبَلِّغٍ أَوْعَى لَهُ مِنْ سَامِعٍ وَرَوَى ابْنُ سِيرِينَ هَذَا الْخَبَرَ وَقَالَ قَدْ وَاللَّهِ كَانَ ذَلِكَ رُبَّ مُبَلِّغٍ كَانَ أَوْعَى لِلْخَبَرِ مِنْ سامعه
стр. 7314
وَفِيهِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مِنْ شَأْنِ الْخُطْبَةِ أَنْ يُقَالَ فِيهَا أَمَّا بَعْدُ وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي قَوْلِ اللَّهِ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ فَقَالَ قَوْمٌ فَصْلُ الْخِطَابِ أَمَّا بَعْدُ وَقَالَ آخَرُونَ فَصْلُ الْخِطَابِ الْبَيِّنَاتُ وَالشُّهُودُ وَمَعْرِفَةُ الْقَضَاءِ وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَجَازَ بَيْعَ بَرِيرَةَ عَلَى ذَلِكَ الشَّرْطِ الْفَاسِدِ وَهُوَ اشْتِرَاطُ مَوَالِي بَرِيرَةَ لِأَنْفُسِهِمُ الْوَلَاءَ دُونَ عَائِشَةَ وَهِيَ الْمُعْتِقَةُ وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْبَيْعَ يَفْسُدُ إِذَا كَانَ فِيهِ شَرْطٌ فَاسِدٌ وَفِي إِجَازَةِ النَّبِيِّ ﷺ الْبَيْعَ وَشَرْطَ الْعِتْقِ مَعًا وَإِبْطَالِهِ شَرْطَ الْوَلَاءِ لِغَيْرِ الْمُعْتِقَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مِنَ الشُّرُوطِ مَا يَبْطُلُ وَلَا يَلْزَمُ وَلَا يَضُرُّ الْبَيْعَ وَالشُّرُوطُ فِي الْبَيْعِ عَلَى وُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ أَحَدُهَا مِثْلُ هَذَا فَاسِدٌ وَلَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ لِبُطْلَانِهِ بَلْ يَصِحُّ الْبَيْعُ وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ وَالْآخَرُ يَجُوزُ اشْتِرَاطُهُ فَيَجُوزُ الْبَيْعُ وَالشَّرْطُ مَعًا وَالثَّالِثُ قَدْ يَكُونُ فِي الْبَيْعِ شُرُوطٌ يَكُونُ الْبَيْعُ مَعَهَا فَاسِدًا وَلِبَيَانِ ذَلِكَ وَبَسْطِهِ وَتَلْخِيصِهِ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا أَخْبَرَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ محمد بن اسد قالا حدثنا محمد ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَشْتَهْ الْأَصْبِهَانِيُّ الْمُقْرِئُ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّحَّافُ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ زَاذَانَ الضَّرِيرُ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الذُّهْلِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ قَدِمْتُ مَكَّةَ فَوَجَدْتُ بِهَا أَبَا حَنِيفَةَ وَابْنَ أَبِي لَيْلَى وَابْنَ شُبْرُمَةَ فَسَأَلْتُ أَبَا حَنِيفَةَ فَقُلْتُ مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ بَاعَ بَيْعًا وَشَرَطَ شَرْطًا فَقَالَ الْبَيْعُ بَاطِلٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ ثُمَّ أَتَيْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ الْبَيْعُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ ثُمَّ أَتَيْتُ ابْنَ شُبْرُمَةَ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ الْبَيْعُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ جَائِزٌ فَقُلْتُ يَا سُبْحَانَ اللَّهِ ثَلَاثَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْعِرَاقِ اخْتَلَفْتُمْ فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ فَأَتَيْتُ أَبَا حَنِيفَةَ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ لَا أَدْرِي مَا قالا
стр. 7315
حَدَّثَنِي عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ الْبَيْعُ بَاطِلٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ ثُمَّ أَتَيْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ لَا أَدْرِي مَا قَالَ حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عن عائشة قَالَتْ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ فَأُعْتِقَهَا وَإِنِ اشْتَرَطَ أَهْلُهَا الْوَلَاءَ فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ الْبَيْعُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ ثُمَّ أَتَيْتُ ابْنَ شُبْرُمَةَ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ مَا أَدْرِي مَا قَالَا حَدَّثَنِي مِسْعَرُ بْنُ كِدَامٍ عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ بِعْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ نَاقَةً وَشَرَطَ لِي حِلَابَهَا أَوْ ظَهْرَهَا إِلَى الْمَدِينَةِ الْبَيْعُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ جَائِزٌ قَالَ أَبُو عُمَرَ كَانَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ جَابِرٍ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ وَذَلِكَ سَنَةَ أَرْبَعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ كَذَلِكَ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي شِرَائِهِ مِنْهُ جَمَلَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ فِيهِ شَيْئًا وَاضْطِرَابُ أَلْفَاظِ النَّاقِلِينَ لِخَبَرِ جَابِرٍ فِي ذَلِكَ كَثِيرٌ وَأَمَّا قَوْلُهُ كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ فَمَعْنَاهُ كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي حُكْمِ اللَّهِ وَقَضَائِهِ فِي كِتَابِهِ أَوْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ قَرَنَ طَاعَةَ رَسُولِهِ بِطَاعَتِهِ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِهِ وَقَالَ اللَّهُ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ يُرِيدُ حُكْمُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَقَضَاؤُهُ فِيكُمْ أَنْ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ مَا ذُكِرَ فِي تِلْكَ الْآيَةِ وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ قَضَاءَ اللَّهِ وَشَرْطَهُ أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ وَلَا يُعْلَمُ فِي نَصِّ كِتَابِ اللَّهِ وَلَا فِي دَلَالَةٍ مِنْهُ أَنَّ الْوَلَاءَ لِلْمُعْتِقِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ الْمَأْثُورَةِ عَنْهُ بِنَقْلِ أَهْلِ الْعَدَالَةِ مِنْ جِهَةِ الْخَبَرِ الْخَاصِّ
стр. 7316
وَأَمَّا أَمْرُ اللَّهِ بِاتِّبَاعِ رَسُولِهِ ﷺ جَازَ أَنْ يُقَالَ لِكُلِّ حُكْمٍ حُكِمَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُكْمُ اللَّهِ وَقَضَاؤُهُ أَلَا تَرَى إِلَى حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَادَ ابْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ فِي الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَا يَا رَسُولَ اللَّهِ اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ أَمَّا الْمِائَةُ شَاةٍ وَالْخَادِمُ فَرَدٌّ عَلَيْكَ وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ فَقَدْ أَقْسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَقْضِيَ بَيْنَهُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَهُوَ صَادِقٌ فِي قَوْلِهِ ﷺ وَلَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَنَّ عَلَى الزَّانِي وَالزَّانِيَةِ نَفْيَ سَنَةٍ مَعَ الْجَلْدِ وَلَا فِيهِ أَنَّ عَلَى الثَّيِّبِ الرَّجْمَ وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ كُلُّهَا إِنَّمَا هِيَ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِيهِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الشُّرُوطَ وَإِنْ كَثُرَتْ حَتَّى تَبْلُغَ مِائَةَ شَرْطٍ أَوْ أَكْثَرَ أَنَّهَا جَائِزٌ اشْتِرَاطُهَا إِذَا كَانَتْ جَائِزَةً لَا يَرُدُّهَا كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ وَلَا مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُمَا أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ وَشَرْطُهُ أَوْثَقُ وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ وَفِي قَوْلِهِ إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ نَفْيٌ أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ إِلَّا لِمُعْتِقٍ وَذَلِكَ يَنْفِي أَنْ يَكُونَ لِمَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ وَلَاءٌ أَوْ لِلْمُلْتَقَطِ وَلَاءٌ وَأَنْ يُوَالِيَ أَحَدٌ أَحَدًا بِغَيْرِ عِتَاقِهِ وَقَوْلُهُ لِمَنْ أَعْتَقَ يَدْخُلُ فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى وَالْوَاحِدُ وَالْجَمِيعُ لِأَنَّ مَنْ يَصْلُحُ لِذَلِكَ كُلِّهِ إِلَّا أَنَّ النِّسَاءَ لَيْسَ لَهُنَّ مِنَ الْوَلَاءِ إِلَّا وَلَاءُ مَنْ أَعْتَقْنَ أَوْ عَتِيقُهُ وَقَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِنْ أَحْكَامِ الْوَلَاءِ مُسْتَوْعَبَةً مُمَهَّدَةً فِي بَابِ رَبِيعَةَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ فَلَا وَجْهَ لتكرير ذلك ههنا وَفِيهِ أَيْضًا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمُكَاتَبَ إِذَا بِيعَ لِلْعِتْقِ بِرِضًى مِنْهُ بَعْدَ الْكِتَابَةِ وَقَبَضَ بَائِعُهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا وَسَوَاءً بَاعَهُ لِعِتْقٍ أَوْ لِغَيْرِ عِتْقٍ وَلَيْسَ ذَلِكَ كَالسَّيِّدِ يُؤَدِّي مُكَاتَبَهُ إِلَيْهِ كِتَابَتَهُ فَيُؤْتِيهِ مِنْهَا أَوْ يَضَعُ عَنْهُ مِنْ آخِرِهَا نَجْمًا أَوْ مَا شَاءَ عَلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فِي قَوْلِهِ وآتوهم
стр. 7317
مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَأْمُرِ مَوَالِيَ بَرِيرَةَ بِإِعْطَائِهَا مِمَّا قَبَضُوا شَيْئًا وَإِنْ كَانُوا قَدْ بَاعُوهَا لِلْعِتْقِ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ فَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ النَّظَرِ مِنْ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إِلَى أَنَّ قَوْلَهُ وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ لَمْ يُرِدْ بِهِ سَيِّدَيِ الْمُكَاتَبَيْنِ وَإِنَّمَا هُوَ خِطَابٌ عَامٌّ لِلنَّاسِ مَقْصُودٌ بِهِ إِلَى مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالَا تَجِبُ فِيهِ زَكَاةٌ فَأَعْلَمَ اللَّهُ عِبَادَهُ أَنَّ وَضْعَ الزَّكَاةِ فِي الْعَبْدِ الْمُكَاتَبِ جَائِزٌ وَإِنْ كَانَ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْعَجْزُ وَخَصَّهُ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْعَبِيدِ بِذَلِكَ فَجَعَلَ لِلْمُكَاتَبِينَ حَقًّا فِي الزِّكْوَاتِ بِقَوْلِهِ وَفِي الرِّقَابِ قَالُوا وَهَذَا هُوَ الْوَجْهُ الَّذِي يَجِبُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ فِي الْإِيتَاءِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ لِأَنَّ وَضْعَ بَعْضِ الْكِتَابَةِ لَا تُسَمِّيهِ الْعَرَبُ إِيتَاءً وَالْإِيتَاءُ هُوَ إِعْطَاءُ مَا تَتَنَاوَلُهُ الْأَيْدِي بِالدَّفْعِ وَالْقَبْضِ هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَهْلِ اللِّسَانِ قَالُوا وَلَوْ أَرَادَ الْوَضْعَ عَنِ الْمُكَاتَبِ لَقَالَ ضَعُوا عَنْهُمْ أَوْ فَأَعِينُوهُمْ بِهِ بَلْ هُوَ مِنْ مَالٍ غَيْرِ الْكِتَابَةِ وَمَعْرُوفٌ فِي نِظَامِ الْقُرْآنِ أَنْ يُسْبَقَ بِضَمِيرٍ عَلَى غَيْرِهِ كَمَا قَالَ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ وَالْمَأْمُورُ بِتَرْكِ الْعَضَلِ الْأَوْلِيَاءُ لَا الْمُطَلِّقُونَ ومثله قوله أولئك مبرؤون مما يقولون والمبرؤون غَيْرُ الْقَائِلِينَ وَهَذَا كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ
стр. 7318
وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ هُوَ أَنْ يُوضَعَ عَنِ الْمُكَاتَبِ مِنْ آخِرِ كِتَابَتِهِ شَيْءٌ قَالَ مَالِكٌ وَقَدْ وَضَعَ ابْنُ عُمَرَ خَمْسَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ مِنْ خَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفًا وَكَانَ مَالِكٌ يَرَى هَذَا نَدْبًا وَاسْتِحْسَانًا وَيَسْتَحِبُّهُ وَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ وَلَا يُوجِبُهُ وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يُوجِبُهُ وَلَا يَجِدُ فِيهِ حَدًّا وَكَانَا جَمِيعًا يَسْتَحِبَّانِ أَنْ يُوضَعَ عَنْهُ مِنْ آخِرِ الْكِتَابَةِ رُبْعُهَا وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ فِي اسْتِحْبَابِ الْوَضْعِ مِنَ الْكِتَابَةِ وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَرَى أَنْ يُجْبَرَ السيد على أن يضع من آخرها لا يَجِدُ وَقَالَ قَتَادَةُ يُوضَعُ عَنْهُ عُشْرُ الْكِتَابَةِ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ قَالَ الرُّبْعُ مِنْ كِتَابَتِهِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ لَيْسَ عَلَى السَّيِّدِ أَنْ يَضَعَ عَنْ مُكَاتَبِهِ شَيْئًا مِنْ كِتَابَتِهِ وَتَأْوِيلُ قَوْلِ اللَّهِ عِنْدَهُمْ وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ عَلَى النَّدْبِ وَالْحَضِّ عَلَى الْخَيْرِ لَا عَلَى الْإِيجَابِ وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْإِيتَاءِ نَدْبٌ وَحَضٌّ بُرَيْدَةُ الْأَسْلَمِيُّ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَكَانَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ يَرَى الْكِتَابَةَ فَرْضًا إِذَا ابْتَغَاهَا الْعَبْدُ وَعُلِمَ فِيهِ الْخَيْرُ وَكَانَ يَرَى الْإِيتَاءَ أَيْضًا فَرْضًا مِنْ غَيْرِ حَدٍّ وَلَا يَرَى وَضْعَ آخِرِهَا مِنْ هَذَا الْمَعْنَى وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى إِبَاحَةِ تَسْجِيعِ الْكَلَامِ فِيمَا يَجُوزُ وَيَنْبَغِي مِنَ الْقَوْلِ وَذَلِكَ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ فِي تَسْجِيعِ الْأَعْرَابِيِّ إِنَّمَا هُوَ مِنْ إِخْوَانِ الْكُهَّانِ وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى مُجَوَّدًا فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ وَمَضَى ذِكْرُ الْوَلَاءِ وَاخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي أَحْكَامِهِ فِي بَابِ رَبِيعَةَ والحمد لله
стр. 7319
حَدِيثٌ رَابِعٌ وَعِشْرُونَ لِهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عن عَائِشَةَ قَالَتْ لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَعَكَ أَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ قَالَتْ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِمَا فَقُلْتُ يَا أَبَتِ كَيْفَ تَجِدُكَ وَيَا بِلَالُ كَيْفَ تَجِدُكَ قَالَتْ فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا أَخَذَتْهُ الْحُمَّى يَقُولُ ... كُلُّ امْرِئٍ مُصْبَّحٌ فِي أَهْلِهِ ... ... وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ ... وَكَانَ بِلَالٌ إِذَا أَقْلَعَ عَنْهُ يَرْفَعُ عَقِيرَتَهُ وَيَقُولُ ... أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً ... بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخَرٌ وَجَلِيلُ ... ... ... وهل أدرن يَوْمًا مِيَاهَ مَجَنَّةٍ ... وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ ... قَالَتْ عَائِشَةُ فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ وَصَحِّحْهَا وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا وَانْقُلْ حُمَّاهَا وَاجْعَلْهَا فِي الْجُحْفَةِ وَأَمَّا قَوْلُهُ إِذْخِرٌ وَجَلِيلُ فَهُمَا نَبْتَانِ مِنَ الْكَلَأِ طَيِّبَا الرَّائِحَةِ يَكُونَانِ بِمَكَّةَ وَأَوْدِيَتِهَا لَا يَكَادَانِ يُوجَدَانِ بِغَيْرِهَا وَشَامَةٌ وَطَفِيلُ جَبَلَانِ بِمَكَّةَ وَقِيلَ أَحَدُهُمَا بِجُدَّةَ وَقِيلَ بوادي فخ
стр. 7320
وَلَمْ يَخْتَلِفْ رُوَاةُ الْمُوَطَّأِ فِيمَا عَلِمْتُ عَنْ مَالِكٍ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ وَلَا فِي مَتْنِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ مَالِكٌ فِيهِ قَوْلَ عَامِرِ بْنِ فُهَيْرَةَ وَسَائِرُ رُوَاةِ هِشَامٍ يَذْكُرُونَهُ عَنْهُ فِيهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ قَالَتْ عَائِشَةُ وَكَانَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ يَقُولُ ... قَدْ رَأَيْتُ الموت قبل ذوقه ... ... إن الجبان حتفه من فَوْقِهِ ... وَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ فَجَعَلَ الدَّاخِلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَبِلَالٍ وَعَامِرٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَا عَائِشَةَ وَقَدْ تَابَعَ مَالِكًا عَلَى رِوَايَتِهِ في ذلك سعيد بن عبد الرحمان التحرومي أخبرنا عبد الرحمان بن يى قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ قَالَ حَدَّثْنَا سَحْنُونٌ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ عبد الرحمان عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَعَكَ أَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ قَالَتْ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِمْ وَهُمْ فِي بَيْتٍ فَقُلْتُ يَا أَبَتِ كَيْفَ تَجِدُكَ يَا بِلَالُ كَيْفَ تَجِدُكَ يَا عَامِرُ كَيْفَ تَجِدُكَ فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا أَخَذَتْهُ الْحُمَّى يَقُولُ ... كُلُّ امْرِئٍ مُصْبَّحٌ فِي أَهْلِهِ ... وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ ... وَيَقُولُ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ ... ... قَدْ ذُقْتُ طَعْمَ الْمَوْتِ قَبْلَ ذَوْقِهِ ... ... إِنَّ الْجَبَانَ حَتْفُهُ مِنْ فَوْقِهِ ... وَكَانَ بِلَالٌ إِذَا أَقْلَعَ عَنْهُ يَرْفَعُ عَقِيرَتَهُ فَيَقُولُ أَلَا لَيْتَ شِعْرِي فَذَكَرَ الْبَيْتَيْنِ وَالْحَدِيثُ إِلَى آخِرِهِ كَرِوَايَةِ مَالِكٍ سَوَاءً إِلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ قَوْلَ عَامِرِ بْنِ فُهَيْرَةَ كَمَا تَرَى وَجَعَلَ الدَّاخِلَ عَلَيْهِمْ عَائِشَةَ
следующие страницы →