Полный текст (8 345 стр.). Показаны 7316–7355 · переход к 7321.
стр. 7316
وَأَمَّا أَمْرُ اللَّهِ بِاتِّبَاعِ رَسُولِهِ ﷺ جَازَ أَنْ يُقَالَ لِكُلِّ حُكْمٍ حُكِمَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُكْمُ اللَّهِ وَقَضَاؤُهُ أَلَا تَرَى إِلَى حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَادَ ابْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ فِي الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَا يَا رَسُولَ اللَّهِ اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ أَمَّا الْمِائَةُ شَاةٍ وَالْخَادِمُ فَرَدٌّ عَلَيْكَ وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ فَقَدْ أَقْسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَقْضِيَ بَيْنَهُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَهُوَ صَادِقٌ فِي قَوْلِهِ ﷺ وَلَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَنَّ عَلَى الزَّانِي وَالزَّانِيَةِ نَفْيَ سَنَةٍ مَعَ الْجَلْدِ وَلَا فِيهِ أَنَّ عَلَى الثَّيِّبِ الرَّجْمَ وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ كُلُّهَا إِنَّمَا هِيَ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِيهِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الشُّرُوطَ وَإِنْ كَثُرَتْ حَتَّى تَبْلُغَ مِائَةَ شَرْطٍ أَوْ أَكْثَرَ أَنَّهَا جَائِزٌ اشْتِرَاطُهَا إِذَا كَانَتْ جَائِزَةً لَا يَرُدُّهَا كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ وَلَا مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُمَا أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ وَشَرْطُهُ أَوْثَقُ وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ وَفِي قَوْلِهِ إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ نَفْيٌ أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ إِلَّا لِمُعْتِقٍ وَذَلِكَ يَنْفِي أَنْ يَكُونَ لِمَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ وَلَاءٌ أَوْ لِلْمُلْتَقَطِ وَلَاءٌ وَأَنْ يُوَالِيَ أَحَدٌ أَحَدًا بِغَيْرِ عِتَاقِهِ وَقَوْلُهُ لِمَنْ أَعْتَقَ يَدْخُلُ فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى وَالْوَاحِدُ وَالْجَمِيعُ لِأَنَّ مَنْ يَصْلُحُ لِذَلِكَ كُلِّهِ إِلَّا أَنَّ النِّسَاءَ لَيْسَ لَهُنَّ مِنَ الْوَلَاءِ إِلَّا وَلَاءُ مَنْ أَعْتَقْنَ أَوْ عَتِيقُهُ وَقَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِنْ أَحْكَامِ الْوَلَاءِ مُسْتَوْعَبَةً مُمَهَّدَةً فِي بَابِ رَبِيعَةَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ فَلَا وَجْهَ لتكرير ذلك ههنا وَفِيهِ أَيْضًا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمُكَاتَبَ إِذَا بِيعَ لِلْعِتْقِ بِرِضًى مِنْهُ بَعْدَ الْكِتَابَةِ وَقَبَضَ بَائِعُهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا وَسَوَاءً بَاعَهُ لِعِتْقٍ أَوْ لِغَيْرِ عِتْقٍ وَلَيْسَ ذَلِكَ كَالسَّيِّدِ يُؤَدِّي مُكَاتَبَهُ إِلَيْهِ كِتَابَتَهُ فَيُؤْتِيهِ مِنْهَا أَوْ يَضَعُ عَنْهُ مِنْ آخِرِهَا نَجْمًا أَوْ مَا شَاءَ عَلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فِي قَوْلِهِ وآتوهم
стр. 7317
مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَأْمُرِ مَوَالِيَ بَرِيرَةَ بِإِعْطَائِهَا مِمَّا قَبَضُوا شَيْئًا وَإِنْ كَانُوا قَدْ بَاعُوهَا لِلْعِتْقِ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ فَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ النَّظَرِ مِنْ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إِلَى أَنَّ قَوْلَهُ وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ لَمْ يُرِدْ بِهِ سَيِّدَيِ الْمُكَاتَبَيْنِ وَإِنَّمَا هُوَ خِطَابٌ عَامٌّ لِلنَّاسِ مَقْصُودٌ بِهِ إِلَى مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالَا تَجِبُ فِيهِ زَكَاةٌ فَأَعْلَمَ اللَّهُ عِبَادَهُ أَنَّ وَضْعَ الزَّكَاةِ فِي الْعَبْدِ الْمُكَاتَبِ جَائِزٌ وَإِنْ كَانَ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْعَجْزُ وَخَصَّهُ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْعَبِيدِ بِذَلِكَ فَجَعَلَ لِلْمُكَاتَبِينَ حَقًّا فِي الزِّكْوَاتِ بِقَوْلِهِ وَفِي الرِّقَابِ قَالُوا وَهَذَا هُوَ الْوَجْهُ الَّذِي يَجِبُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ فِي الْإِيتَاءِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ لِأَنَّ وَضْعَ بَعْضِ الْكِتَابَةِ لَا تُسَمِّيهِ الْعَرَبُ إِيتَاءً وَالْإِيتَاءُ هُوَ إِعْطَاءُ مَا تَتَنَاوَلُهُ الْأَيْدِي بِالدَّفْعِ وَالْقَبْضِ هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَهْلِ اللِّسَانِ قَالُوا وَلَوْ أَرَادَ الْوَضْعَ عَنِ الْمُكَاتَبِ لَقَالَ ضَعُوا عَنْهُمْ أَوْ فَأَعِينُوهُمْ بِهِ بَلْ هُوَ مِنْ مَالٍ غَيْرِ الْكِتَابَةِ وَمَعْرُوفٌ فِي نِظَامِ الْقُرْآنِ أَنْ يُسْبَقَ بِضَمِيرٍ عَلَى غَيْرِهِ كَمَا قَالَ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ وَالْمَأْمُورُ بِتَرْكِ الْعَضَلِ الْأَوْلِيَاءُ لَا الْمُطَلِّقُونَ ومثله قوله أولئك مبرؤون مما يقولون والمبرؤون غَيْرُ الْقَائِلِينَ وَهَذَا كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ
стр. 7318
وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ هُوَ أَنْ يُوضَعَ عَنِ الْمُكَاتَبِ مِنْ آخِرِ كِتَابَتِهِ شَيْءٌ قَالَ مَالِكٌ وَقَدْ وَضَعَ ابْنُ عُمَرَ خَمْسَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ مِنْ خَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفًا وَكَانَ مَالِكٌ يَرَى هَذَا نَدْبًا وَاسْتِحْسَانًا وَيَسْتَحِبُّهُ وَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ وَلَا يُوجِبُهُ وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يُوجِبُهُ وَلَا يَجِدُ فِيهِ حَدًّا وَكَانَا جَمِيعًا يَسْتَحِبَّانِ أَنْ يُوضَعَ عَنْهُ مِنْ آخِرِ الْكِتَابَةِ رُبْعُهَا وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ فِي اسْتِحْبَابِ الْوَضْعِ مِنَ الْكِتَابَةِ وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَرَى أَنْ يُجْبَرَ السيد على أن يضع من آخرها لا يَجِدُ وَقَالَ قَتَادَةُ يُوضَعُ عَنْهُ عُشْرُ الْكِتَابَةِ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ قَالَ الرُّبْعُ مِنْ كِتَابَتِهِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ لَيْسَ عَلَى السَّيِّدِ أَنْ يَضَعَ عَنْ مُكَاتَبِهِ شَيْئًا مِنْ كِتَابَتِهِ وَتَأْوِيلُ قَوْلِ اللَّهِ عِنْدَهُمْ وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ عَلَى النَّدْبِ وَالْحَضِّ عَلَى الْخَيْرِ لَا عَلَى الْإِيجَابِ وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْإِيتَاءِ نَدْبٌ وَحَضٌّ بُرَيْدَةُ الْأَسْلَمِيُّ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَكَانَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ يَرَى الْكِتَابَةَ فَرْضًا إِذَا ابْتَغَاهَا الْعَبْدُ وَعُلِمَ فِيهِ الْخَيْرُ وَكَانَ يَرَى الْإِيتَاءَ أَيْضًا فَرْضًا مِنْ غَيْرِ حَدٍّ وَلَا يَرَى وَضْعَ آخِرِهَا مِنْ هَذَا الْمَعْنَى وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى إِبَاحَةِ تَسْجِيعِ الْكَلَامِ فِيمَا يَجُوزُ وَيَنْبَغِي مِنَ الْقَوْلِ وَذَلِكَ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ فِي تَسْجِيعِ الْأَعْرَابِيِّ إِنَّمَا هُوَ مِنْ إِخْوَانِ الْكُهَّانِ وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى مُجَوَّدًا فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ وَمَضَى ذِكْرُ الْوَلَاءِ وَاخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي أَحْكَامِهِ فِي بَابِ رَبِيعَةَ والحمد لله
стр. 7319
حَدِيثٌ رَابِعٌ وَعِشْرُونَ لِهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عن عَائِشَةَ قَالَتْ لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَعَكَ أَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ قَالَتْ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِمَا فَقُلْتُ يَا أَبَتِ كَيْفَ تَجِدُكَ وَيَا بِلَالُ كَيْفَ تَجِدُكَ قَالَتْ فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا أَخَذَتْهُ الْحُمَّى يَقُولُ ... كُلُّ امْرِئٍ مُصْبَّحٌ فِي أَهْلِهِ ... ... وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ ... وَكَانَ بِلَالٌ إِذَا أَقْلَعَ عَنْهُ يَرْفَعُ عَقِيرَتَهُ وَيَقُولُ ... أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً ... بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخَرٌ وَجَلِيلُ ... ... ... وهل أدرن يَوْمًا مِيَاهَ مَجَنَّةٍ ... وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ ... قَالَتْ عَائِشَةُ فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ وَصَحِّحْهَا وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا وَانْقُلْ حُمَّاهَا وَاجْعَلْهَا فِي الْجُحْفَةِ وَأَمَّا قَوْلُهُ إِذْخِرٌ وَجَلِيلُ فَهُمَا نَبْتَانِ مِنَ الْكَلَأِ طَيِّبَا الرَّائِحَةِ يَكُونَانِ بِمَكَّةَ وَأَوْدِيَتِهَا لَا يَكَادَانِ يُوجَدَانِ بِغَيْرِهَا وَشَامَةٌ وَطَفِيلُ جَبَلَانِ بِمَكَّةَ وَقِيلَ أَحَدُهُمَا بِجُدَّةَ وَقِيلَ بوادي فخ
стр. 7320
وَلَمْ يَخْتَلِفْ رُوَاةُ الْمُوَطَّأِ فِيمَا عَلِمْتُ عَنْ مَالِكٍ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ وَلَا فِي مَتْنِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ مَالِكٌ فِيهِ قَوْلَ عَامِرِ بْنِ فُهَيْرَةَ وَسَائِرُ رُوَاةِ هِشَامٍ يَذْكُرُونَهُ عَنْهُ فِيهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ قَالَتْ عَائِشَةُ وَكَانَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ يَقُولُ ... قَدْ رَأَيْتُ الموت قبل ذوقه ... ... إن الجبان حتفه من فَوْقِهِ ... وَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ فَجَعَلَ الدَّاخِلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَبِلَالٍ وَعَامِرٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَا عَائِشَةَ وَقَدْ تَابَعَ مَالِكًا عَلَى رِوَايَتِهِ في ذلك سعيد بن عبد الرحمان التحرومي أخبرنا عبد الرحمان بن يى قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ قَالَ حَدَّثْنَا سَحْنُونٌ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ عبد الرحمان عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَعَكَ أَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ قَالَتْ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِمْ وَهُمْ فِي بَيْتٍ فَقُلْتُ يَا أَبَتِ كَيْفَ تَجِدُكَ يَا بِلَالُ كَيْفَ تَجِدُكَ يَا عَامِرُ كَيْفَ تَجِدُكَ فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا أَخَذَتْهُ الْحُمَّى يَقُولُ ... كُلُّ امْرِئٍ مُصْبَّحٌ فِي أَهْلِهِ ... وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ ... وَيَقُولُ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ ... ... قَدْ ذُقْتُ طَعْمَ الْمَوْتِ قَبْلَ ذَوْقِهِ ... ... إِنَّ الْجَبَانَ حَتْفُهُ مِنْ فَوْقِهِ ... وَكَانَ بِلَالٌ إِذَا أَقْلَعَ عَنْهُ يَرْفَعُ عَقِيرَتَهُ فَيَقُولُ أَلَا لَيْتَ شِعْرِي فَذَكَرَ الْبَيْتَيْنِ وَالْحَدِيثُ إِلَى آخِرِهِ كَرِوَايَةِ مَالِكٍ سَوَاءً إِلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ قَوْلَ عَامِرِ بْنِ فُهَيْرَةَ كَمَا تَرَى وَجَعَلَ الدَّاخِلَ عَلَيْهِمْ عَائِشَةَ
стр. 7321
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُيَيْنَةَ فَحَدَّثَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عائشة قالت لَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ حُمَّ أَصْحَابُهُ قَالَتْ فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ يَعُودُهُ فَقَالَ كَيْفَ تَجِدُكَ يَا أَبَا بَكْرٍ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ... كُلُّ امْرِئٍ مُصْبَّحٌ فِي أَهْلِهِ ... ... وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ ... قَالَتْ وَدَخَلَ عَلَى عَامِرِ بْنِ فُهَيْرَةَ فَقَالَ كَيْفَ تَجِدُكَ فَقَالَ ... وَجَدْتُ طَعْمَ الْمَوْتِ قَبْلَ ذَوْقِهِ ... إِنَّ الْجَبَانَ حَتْفُهُ مِنْ فَوْقِهِ ... كَالثَّوْرِ يَحْمِي جِلْدَهُ بِرَوْقِهِ ... قَالَتْ وَدَخَلَ عَلَى بِلَالٍ فَقَالَ كَيْفَ تَجِدُكَ فَقَالَ ... أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً ... بِفَخٍّ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلُ ... وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ بِوَادٍ ... وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مَجَنَّةٍ ... وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ ... فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ اللَّهُمَّ إن إبراهيم عبد وَخَلِيلَكَ دَعَاكَ لِأَهْلِ مَكَّةَ وَأَنَا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ أَدْعُوكَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ بِمِثْلِ مَا دَعَاكَ إِبْرَاهِيمُ لأهل مكة الله بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَبَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَا وَبَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا قَالَ سُفْيَانُ وَأَرَاهُ قَالَ وَفِي فَرَقِنَا اللَّهُمَّ حَبِّبْهَا إِلَيْنَا ضِعْفَيْ مَا حَبَّبَتْ إِلَيْنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ وَصَحِّحْهَا وَانْقُلْ وَبَاءَهَا إِلَى خُمٍّ أَوِ الْجُحْفَةِ
стр. 7322
هَكَذَا قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ هُوَ كَانَ الدَّاخِلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعَلَى بِلَالٍ وَعَامِرِ بْنِ فُهَيْرَةَ يَعُودُهُمْ وَهُوَ كَانَ الْمُخَاطِبَ لَهُمْ وَشَكَّ فِي قَوْلِ بِلَالٍ فِي الْبَيْتِ الَّذِي أَنْشَدَهُ بِفَخٍّ أَوْ بِوَادٍ وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ بِمِثْلِ رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ سَوَاءً فِي الْمَعْنَى إِلَّا أَنَّهُ قَالَ بِفَخٍّ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَلَمْ يَقُلْ بِوَادٍ قَالَ الْفَاكِهِيُّ وَفَخُّ الْوَادِي الَّذِي بِأَصْلِ الثَّنْيَةِ الْبَيْضَاءِ إِلَى بَلْدَحَ قَالَ أَبُو عُمَرَ وَهُوَ قُرْبَ ذِي طُوَى وَإِيَّاهُ عَنَى الشَّاعِرُ النُّمَيْرِيُّ حَيْثُ قَالَ ... تَضَوَّعَ مِسْكًا بَطْنُ نَعْمَانَ أَنْ مَشَتْ ... بِهِ زَيْنَبُ فِي نِسْوَةٍ خفرات ... ... مررن بفخ رائحات عشية ... يلبين للرحمان مُعْتَمِرَاتِ ... وَنَعْمَانُ وَادِي عَرَفَاتٍ وَقَالَ آخَرُ ... ... مَاذَا بِفَخٍّ مِنَ الْإِشْرَاقِ وَالطِّيبِ ... ... وَمِنْ حِوَارِ تَقِيَّاتٍ رَعَابِيبِ ... وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَانْقُلْ وَبَاءَهَا إِلَى خُمٍّ أَوِ الْجُحْفَةِ شَكٌّ فَإِنَّ خُمَّ أَيْضًا مِنَ الْجُحْفَةِ قَرِيبٌ وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي حَدِيثِهِ وَانْقُلْ وَبَاءَهَا إِلَى مَهْيَعَةَ وَهِيَ الْجُحْفَةُ وَقَدْ رَوَى ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ امْرَأَةً سَوْدَاءَ ثَائِرَةً الشَّعْرَ تَفِلَةَ أُخْرِجَتْ مِنَ الْمَدِينَةِ فَأُسْكِنَتْ مَهْيَعَةَ فَأَوَّلْتُهَا وَبَاءَ الْمَدِينَةِ يَنْقُلُهَا اللَّهُ
стр. 7323
إِلَى مَهْيَعَةَ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ مَا هُوَ مُتَعَارَفٌ حَتَّى الْآنَ مِنْ تَنَكُّرِ الْبُلْدَانِ عَلَى مَنْ لَمْ يُعْرَفْ هَوَاهَا وَلَمْ يُغَذَّ بِمَائِهَا وَفِيهِ عِيَادَةُ الْجُلَّةِ السَّادَةِ لِإِخْوَانِهِمْ وَمَوَالِيهِمُ الصَّالِحِينَ وَفِي فَضْلِ الْعِيَادَةِ آثَارٌ كَثِيرَةٌ قَدْ وَقَعَتْ فِي مَوَاضِعِهَا مِنْ هَذَا الْكِتَابِ وَفِيهِ سُؤَالُ الْعَلِيلِ عَنْ حَالِهِ بِكَيْفَ تَجِدُكَ وَكَيْفَ أَنْتَ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَفِيهِ أَنَّ إِشَارَةَ الْمَرِيضِ إِلَى ذِكْرِ مَا يَجِدُ لَيْسَ بِشَكْوَى وَإِذَا جَازَ اسْتِخْبَارُ الْعَلِيلِ جَازَ إِخْبَارُهُ عَمَّا بِهِ وَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الْأَجْرُ وَالرِّضَى وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ وَالْبَلْوَى وَفِيهِ إِجَازَةُ إِنْشَادِ الشِّعْرِ وَالتَّمَثُّلِ بِهِ وَاسْتِمَاعِهِ وَإِذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْمَعُهُ وَأَبُو بَكْرٍ يُنْشِدُهُ فَهَلْ لِلتَّقْلِيدِ وَالِاقْتِدَاءِ مَوْضِعٌ أَرْفَعُ مِنْ هَذَا وَمَا اسْتَنْشَدَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأُنْشِدَ بَيْنَ يَدَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى وَلَا يُنْكِرُ الشِّعْرَ الْحَسَنَ أَحَدٌ مِنْ أُولِي الْعِلْمِ وَلَا مِنْ أُولِي النُّهَى قَالَ آخَرُ ... مَاذَا بِفَخٍّ مِنَ الْإِشْرَاقِ وَالطِّيبِ ... ... وَمِنْ حِوَارِ تَقِيَّاتٍ رَعَابِيبِ ... وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ وَأَهْلِ الْعِلْمِ وَمَوْضِعِ الْقُدْوَةِ إِلَّا وَقَدْ قَالَ الشِّعْرَ وَتَمَثَّلَ بِهِ أَوْ سَمِعَهُ فَرَضِيَهُ وَذَلِكَ مَا كَانَ حِكْمَةً أَوْ مُبَاحًا مِنَ الْقَوْلِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ فُحْشٌ وَلَا خَنًى وَلَا لِمُسْلِمٍ أَذًى فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فهو والمنشور مِنَ الْكَلَامِ سَوَاءٌ لَا يَحِلُّ سَمَاعُهُ وَلَا قَوْلُهُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ حَدَّثَنَا الزَّعْفَرَانِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ
стр. 7324
أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ أَصْدَقُ أو أشعر كلمة قالتها العرب لَبِيَدٍ ... أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ ... وَرُوِّينَا مِنْ وُجُوهٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ وَكَانَ مِنَ الْوَرَعِ بِمَنْزِلَةٍ ذَهَبَتْ مَثَلًا أَنَّهُ أَنْشَدَ شِعْرًا فَقَالَ لَهُ بَعْضُ جُلَسَائِهِ مِثْلُكَ يُنْشِدُ الشِّعْرَ يَا أَبَا بَكْرٍ فَقَالَ وَيْلَكَ يَا لُكَعُ وَهَلِ الشِّعْرُ إِلَّا كَلَامٌ لَا يُخَالِفُ سَائِرَ الْكَلَامِ إِلَّا فِي الْقَوَافِي فَحَسَنُهُ حَسَنٌ وَقَبِيحُهُ قَبِيحٌ قَالَ وَقَدْ كَانُوا يَتَذَاكَرُونَ الشِّعْرَ قَالَ وَسَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يُنْشِدُ ... يُحِبُّ الْخَمْرَ مَنْ مَالَ النَّدَامَى ... ... وَيَكْرَهُ أَنْ تُفَارِقَهُ الْفُلُوسُ ... حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنِ السَّكَنِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عبد الرحمان أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ الرحمان ابن الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ أَخْبَرَهُ أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً وَقَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ شُعَرَاءُ يُنَاضِلُونَ عَنْهُ وَيَرُدُّونَ عَنْهُ الْأَذَى وَهُمْ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ وَفِيهِمْ نَزَلَتْ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لِأَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ جَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا يَا رَسُولَ
стр. 7325
اللَّهِ قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ هَذَا (فِي) الشُّعَرَاءِ فَنَزَلَتْ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْتُمْ هُمْ وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْتُمْ هُمْ وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الشِّعْرَ لَا يَضُرُّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ حَقًّا وَأَنَّهُ كَالْكَلَامِ الْمَنْثُورِ يُؤْجَرُ مِنْهُ الْمَرْءُ عَلَى مَا يُؤَجَرُ مِنْهُ وَيُكْرَهُ لَهُ مِنْهُ مَا يُكْرَهُ مِنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ أَبُو عُمَرَ وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ لِأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا فَأَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي تَأْوِيلِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ الَّذِي قَدْ غَلَبَ الشِّعْرُ عَلَيْهِ فَامْتَلَأَ صَدْرُهُ مِنْهُ دُونَ عِلْمٍ سِوَاهُ وَلَا شَيْءَ مِنَ الذِّكْرِ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَخُوضُ بِهِ فِي الْبَاطِلِ وَيَسْلُكُ بِهِ مَسَالِكَ لَا تُحْمَدُ لَهُ كَالْمُكْثِرِ مِنَ الْهَذْرِ وَاللَّغَطِ وَالْغِيبَةِ وَقَبِيحِ الْقَوْلِ وَلَا يَذْكُرُ اللَّهَ كَثِيرًا وَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا اجْتَمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى مَعْنَى مَا قُلْتُ مِنْهُ وَلِهَذَا قُلْنَا فِيمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ وَالشَّعْبِيِّ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمَا مِنَ الْعُلَمَاءِ الشِّعْرُ كَلَامٌ فَحَسَنَهُ حَسَنٌ وَقَبِيحُهُ قَبِيحٌ أَنَّهُ قَوْلٌ صَحِيحٌ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ فَرَفَعَ بِلَالٌ عَقِيرَتَهُ فَمَعْنَاهُ رَفَعَ بِالشِّعْرِ صَوْتَهُ كَالْمُتَغَنِّي بِهِ تَرَنَّمًا وَأَكْثَرُ مَا تَقُولُ الْعَرَبُ رَفَعَ عَقِيرَتَهُ لِمَنْ رَفَعَ بِالْغِنَاءِ صَوْتَهُ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِإِنْشَادِ الشِّعْرِ مُبَاحٌ أَلَا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُنْكِرْ عَلَى بِلَالٍ رَفْعَ عَقِيرَتِهِ بِالشِّعْرِ وَكَانَ بِلَالٌ قَدْ حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ شِدَّةُ تَشَوُّقِهِ إِلَى وَطَنِهِ فَجَرَى فِي ذَلِكَ عَلَى عَادَتِهِ فَلَمْ يُنْكِرْ رَسُولُ
стр. 7326
اللَّهِ ﷺ (عَلَيْهِ) وَهَذَا الْبَابُ مِنَ الْغِنَاءِ قَدْ أَجَازَهُ الْعُلَمَاءُ وَوَرَدَتِ الْآثَارُ عَنِ السَّلَفِ بِإِجَازَتِهِ وَهُوَ يُسَمَّى غِنَاءَ الركبان وغناء النصب والحذاء هَذِهِ الْأَوْجَهُ مِنَ الْغِنَاءِ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِهَا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ أُسَامَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ ابْنَيْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عن أبيهما زيد ابن أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ الْغِنَاءُ مِنْ زَادِ الرَّاكِبِ أَوْ قَالَ زَادِ الْمُسَافِرِ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى الْفَزَارِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ عُمَرُ نَعَمْ زَادُ الرَّاكِبِ الْغِنَاءُ نَصْبًا وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ يُحَدِّثُ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ رَأَيْتُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ مُضْطَجِعًا عَلَى بَابِ حُجْرَتِهِ رَافِعًا عَقِيرَتَهُ يَتَغَنَّى قَالَ وَحَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ قَالَ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ نَوْفَلٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى أُسَامَةَ بْنَ زَيْدِ وَاضِعًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى يَتَغَنَّى النَّصْبَ وَرَوَى شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْأَرْقَمِ رَافِعًا عَقِيرَتَهُ يَتَغَنَّى قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتَيْبَةَ لَا وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَخْشَى لِلَّهِ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَرْقَمِ وَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ الْأَخْبَارِ أَنَّ عُمَرَ بن الخطاب أتى دار عبد الرحمان بن عوف فسمعه يتغنى بالركبانية ... وكيف توائي بِالْمَدِينَةِ بَعْدَمَا ... ... قَضَى وَطَرًا مِنْهَا جَمِيلُ بْنُ معمر
стр. 7327
هَكَذَا ذَكَرَ هَذَا الْخَبَرَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ وذكره المبرد مقلوبا أن عبد الرحمان سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ عُمَرَ وَالصَّوَابُ مَا قَالَهُ الزُّبَيْرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِبِ حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ سَأَلْتُ عَطَاءً عَنِ الْحِدَاءِ وَالشِّعْرِ وَالْغِنَاءِ قَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ يُغَنِّي غِنَاءَ الرُّكْبَانِ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِهِ مَا لَمْ يَكُنْ فُحْشًا وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحْدَأُ لَهُ فِي السَّفَرِ رُوِيَ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَرَوَى شُعْبَةُ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَسِيرٍ وَمَعَهُمْ حَادٍ وَسَائِقٌ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قِرَاءَةً مِنِّي عَلَيْهِ أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ حَدَّثَهُمْ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ حَدَّثَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى قَالَ أَخْبَرَنَا يَزِيدُ قَالَ أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كَانَ الْبَرَاءُ جَيِّدَ الْحِدَاءِ وَكَانَ حَادِيَ الرِّجَالِ وَكَانَ الْجَثَمَةُ يَحْدُو بِالنِّسَاءِ فَحَدَا ذَاتَ لَيْلَةٍ فَأَعْنَقَتِ الْإِبِلُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ويحك يانجشة رُوَيْدًا سَوْقَكَ بِالْقَوَارِيرِ وَقَدْ حَدَا بِهِ ﷺ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَّاحَةَ وعامر ابن سِنَانٍ وَجَمَاعَةٌ فَهَذَا مِمَّا لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ إِذَا كَانَ الشِّعْرُ سَالِمًا مِنَ الْفُحْشِ وَالْخَنَى وَأَمَّا الْغِنَاءُ الَّذِي كَرِهَهُ الْعُلَمَاءُ فَهَذَا الْغِنَاءُ بِتَقْطِيعِ حُرُوفِ الْهِجَاءِ وَإِفْسَادِ وَزْنِ الشِّعْرِ وَالتَّمْطِيطِ بِهِ طَلَبًا لِلَّهْوِ وَالطَّرَبِ وَخُرُوجًا عَنْ مَذَاهِبِ الْعَرَبِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الَّذِينَ أَجَازُوا مَا وَصَفْنَا مِنَ النَّصْبِ وَالْحِدَاءِ هُمْ كَرِهُوا هَذَا النَّوْعَ مِنَ الْغِنَاءِ وَلَيْسَ مِنْهُمْ يَأْتِي شَيْئًا وَهُوَ ينهى عنه
стр. 7328
رَوَى شُعْبَةُ وَسُفْيَانُ عَنِ الْحَكَمِ وَحَمَّادٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ الْغِنَاءُ يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ كَثِيرِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ يَقُولُ لِلْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ كَيْفَ تَرَى فِي الْغِنَاءِ فَقَالَ الْقَاسِمُ هُوَ بَاطِلٌ قَالَ قَدْ عَرَفْتُ أَنَّهُ بَاطِلٌ فَكَيْفَ تَرَى فِيهِ قَالَ الْقَاسِمُ أَرَأَيْتَ الْبَاطِلَ أَيْنَ هُوَ قَالَ فِي النَّارِ قَالَ فَهُوَ ذَاكَ وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَحَدِيثِ عَبْدِ الرحمان بْنِ عَوْفٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ مَعْنَى مَا أَقُولُ لَكَ صوتان ملعونان فاجران أنهى عنهما صوت مِزْمَارٌ وَرَنَّةُ شَيْطَانٍ عِنْدَ نَغَمَةٍ وَنَوْحٍ وَرَنَّةٌ عِنْدَ مُصِيبَةٍ وَلَطْمُ وَجُوهٍ وَشَقُّ جُيُوبٍ فَهَذَا مَا أَتَى فِي كَرَاهِيَةِ الْغِنَاءِ وَقَدْ أَتَى مَا هُوَ أَثْبَتُ مِنْ هَذَا مِنْ جِهَةِ الْإِسْنَادِ فِي خُصُوصِ الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ فِي الْأَعْيَادِ وَالْإِمْلَاكِ خَاصَّةً رَوَى ابْنُ شِهَابٍ وَهِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ فِي يَوْمِ عِيدٍ أَوْ فِي أَيَّامِ مِنًى وَيَضْرِبَانِ بِالدُّفِّ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْمَعُ ذَلِكَ وَلَا يَنْهَاهُمَا فَانْتَهَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ وَفِي كِلَا الْوَجْهَيْنِ آثَارٌ عَنِ السَّلَفِ كَثِيرَةٌ تَرَكْتُ ذِكْرَهَا لِأَنَّ مَدَارَ الْبَابِ كُلَّهُ عَلَى مَا أَوْرَدْنَا فِيهِ وَاللَّهَ أَسْأَلُهُ الْعِصْمَةَ وَالتَّوْفِيقَ وَقَدْ رَوَيْتُ الرُّخْصَةَ فِي الْأَلْحَانِ الَّتِي تَعْرِفُهَا الْعَرَبُ وَرَفْعَ الْعَقِيرَةِ بِهَا دُونَ أَلْحَانِ الْأَعَاجِمِ الْمَكْرُوهَةِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ لَوْ ذَكَرْنَاهُمْ لَطَالَ الْكِتَابُ بِذِكْرِهِمْ وَحَسْبُكَ مِنْهُمْ بِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَهُمَا مِمَّنْ يُضْرَبُ الْمَثَلُ بِهِمَا ذَكَرَ وَكِيعٌ مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ قَالَ حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَنْصُورٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو عَتَّابٍ عَنْ
стр. 7329
إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَبَّاسِ الْمُطَّلِبِيِّ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ مَرَّ فِي بَعْضِ أَزِقَّةِ مَكَّةَ فَسَمِعَ الْأَخْضَرَ الْحَدِيَّ يَتَغَنَّى فِي دَارِ الْعَاصِي بْنِ وَائِلٍ ... تَضَوَّعَ مِسْكًا بَطْنُ نَعْمَانَ أَنْ مَشَتْ ... بِهِ زَيْنَبُ فِي نِسْوَةٍ خَفِرَاتِ ... فَضَرَبَ سَعِيدٌ بِرِجْلِهِ وَقَالَ هَذَا وَاللَّهِ مَا يَلَذُّ اسْتِمَاعُهُ ثُمَّ قَالَ ... وَلَيْسَتْ كَأُخْرَى أَوْسَعَتْ جَيْبَ دِرْعِهَا وَأَبْدَتْ بَنَانَ الْكَفِّ بِالْجَمَرَاتِ ... ... ... وَعَلَتْ بَنَانَ الْمِسْكِ وَحَفَا مُرَجَّلًا ... عَلَى مِثْلِ بَدْرٍ لَاحَ فِي ظُلُمَاتِ ... ... وَقَامَتْ تَرَائِي يَوْمَ جَمْعٍ فَأَفْتَنَتْ ... ... بِرُؤْيَتِهَا مَنْ رَاحَ مِنْ عَرَفَاتِ ... قَالَ فَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ هَذَا الشِّعْرَ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ أَبُو عُمَرَ يُحْفَظُ لِسَعِيدٍ أَبْيَاتٌ كَثِيرَةٌ وَتَمَثَّلَ أَيْضًا بِأَبْيَاتٍ لِغَيْرِهِ كَثِيرَةٍ وَلَيْسَ هَذَا فِي شِعْرِ النُّمَيْرِيِّ وَالَّذِي حَفِظْنَاهُ مِنْ شَعْرِ النُّمَيْرِيِّ وَرُوِّينَاهُ لَيْسَ فِيهِ هَذِهِ الْأَبْيَاتُ فَهِيَ لِسَعِيدٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَالنُّمَيْرِيُّ هَذَا لَيْسَ هُوَ مِنْ بَنِي نُمَيْرٍ إِنَّمَا هُوَ ثَقَفِيٌّ وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ وَرَوَى قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ شُعَيْبِ بْنِ الْحَجَّابِ الْمِعْوَلِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ سِيرِينَ فَجَاءَهُ إِنْسَانٌ يَسْأَلُهُ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الشِّعْرِ قَبْلَ صَلَاةِ الْعَصْرِ فَأَنْشَدَهُ ابْنُ سِيرِينَ ... كَأَنَّ الْمُدَامَةَ وَالزَّنْجَبِيلْ ... وَرِيحَ الْخُزَامَى وَذَوْبَ الْعَسَلْ ... ... ... يَعِلُّ بِهِ بَرْدُ أَنْيَابِهَا ... إِذَا النَّجْمُ وَسَطَ الْمَسَاءِ اعتدل
стр. 7330
وَقَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ وَدَخَلَ فِي الصَّلَاةِ وَهَذَا الشِّعْرُ أَيْضًا لِلنُّمَيْرِيِّ الْمَذْكُورِ فِي زَيْنَبَ أُخْتِ الْحَجَّاجِ الَّتِي لَهُ فِيهَا الشِّعْرُ الثَّانِي أَوَّلُهُ ... أَلَا مَنْ لِقَلْبٍ مَعْنَى غَزَلْ ... يُحِبُّ الْمَحَلَّةَ أُخْتَ الْمَحَلْ ... ... تَرَاءَتْ لَنَا يَوْمَ فَرْعِ الْأَرَاكِ ... بَيْنَ الْعِشَاءِ وَبَيْنَ الْأَصَلْ ... ... كَأَنَّ الْقُرُنْفُلَ وَالزَّنْجَبِيلَ ... وَرِيحَ الْخُزَامَى وَذَوْبَ الْعَسَلْ ... ... يَعِلُّ بِهِ بَرْدُ أنيابها ... ... إذا ما صغا الْكَوْكَبُ الْمُعْتَدِلْ ... وَقَدْ مَضَى فِي مَوَاضِعَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ فِي أَمْرِ اسْتِتَارِ النِّسَاءِ وَالْحِجَابِ وَفَضَائِلِ الْمَدِينَةِ مَا يُغْنِي عَنْ تَكْرِيرِهِ فِي هَذَا الْبَابِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
حَدِيثٌ خَامِسٌ وَعِشْرُونَ لِهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ سُئِلَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَأَنَا جَالِسٌ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسِيرُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ حِينَ دَفَعَ مَنْ عَرَفَةَ فَقَالَ كَانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ فَإِذَا وَجَدَ فُرْجَةً نَصَّ قَالَ هِشَامٌ وَالنَّصُّ فَوْقَ الْعَنَقِ هَكَذَا قَالَ يَحْيَى فُرْجَةً وَتَابَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أَبُو الْمُصْعَبِ وَابْنُ بُكَيْرٍ وَسَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمُ ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَالْقَعْنَبِيُّ فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً وَالْفَجْوَةُ وَالْفُرْجَةُ سَوَاءٌ فِي اللُّغَةِ وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَكْثَرُ مِنْ
стр. 7331
مَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ السَّيْرِ فِي الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ وَهُوَ شَيْءٌ يَجِبُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ وَامْتِثَالُهُ عَلَى أَئِمَّةِ الْحَاجِّ فَمَنْ دُونَهُمْ لِأَنَّ فِي اسْتِعْجَالِ السَّيْرِ إِلَى مُزْدَلِفَةَ اسْتِعْجَالُ الصَّلَاةِ بِهَا وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَغْرِبَ لَا تُصَلَّى تِلْكَ اللَّيْلَةَ إِلَّا مَعَ الْعِشَاءِ وَتِلْكَ سُنَّتُهُمَا فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى حَسَبِ مَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمَنْ قَصَّرَ عَنْ ذَلِكَ أَوْ زَادَ فَقَدْ أَسَاءَ إِذَا كَانَ عَالِمًا بِمَا جَاءَ فِي ذَلِكَ وَأَمَّا حُكْمُ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي الْمُزْدَلِفَةِ فَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَالْعَنَقُ مَشْيٌ مَعْرُوفٌ لِلدَّوَابِّ لَا يجهل وقد يستعمل مجازا في غير الدَّوَابَّ قَالَ الشَّاعِرُ ... يَا جَارَتِي يَا طَوِيلَةَ العنق ... ... أخرجتني بالصدود عن عنق ... والنص ههنا كَالْخَبَبِ وَهُوَ فَوْقَ الْعَنَقِ وَأَرْفَعُ فِي الْحَرَكَةِ وَأَصْلُ النَّصِّ فِي اللُّغَةِ الرَّفْعُ يُقَالُ مِنْهُ نَصَصَتِ الدَّابَّةُ فِي سَيْرِهَا قَالَ الشَّاعِرُ ... أَلَسْتِ الَّتِي كَلَّفْتُهَا سَيْرَ لَيْلَةٍ ... مِنْ أَهْلِ مِنًى نصا إِلَى أَهْلِ يَثْرِبَ ... وَقَالَ اللَّهَبِيُّ ... ... يَا رَبِّ بَيْدَاءٌ وَلَيْلٌ دَاجٍ ... قَطَّعَتْهُ بِالنَّصِّ وَالْإِدْلَاجِ ... وَقَالَ آخَرُ ... ... وَنُصَّ الْحَدِيثَ إِلَى أَهْلِهِ ... ... فَإِنَّ الْوَثِيقَةَ فِي نَصِّهِ ... أَيِ ارْفَعْهُ إِلَى أَهْلِهِ وَانْسُبْهُ إليهم
стр. 7332
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ النَّصُّ التَّحْرِيكُ الَّذِي يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الدَّابَّةِ أَقْصَى سَيْرِهَا وَأَنْشَدَ قَوْلَ الرَّاجِزِ تَقْطَعُ الْخَرْقَ بِسَيْرِ نَصِّ وَأَمَّا النَّصُّ في الشريعة فما استوى من خطاب الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ ظَاهِرُهُ مَعَ بَاطِنِهِ وَفُهِمَ مُرَادُهُ مِنْ ظَاهِرِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ النَّصُّ مَا لَا يَصِحُّ أَنْ يُرَدَّ عَلَيْهِ التَّخْصِيصُ وَيَسْلَمَ مِنَ الْعِلَلِ وَلَهُمْ فِي حُدُودِهِ كَلَامٌ كَثِيرٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذِكْرِهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
حَدِيثٌ سَادِسٌ وَعِشْرُونَ لِهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْأَرْقَمِ كَانَ يَؤُمُّ أَصْحَابَهُ فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ يَوْمًا فَذَهَبَ لِحَاجَتِهِ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمُ الْغَائِطَ فَلْيَبْدَأْ بِهِ قَبْلَ الصَّلَاةِ قَدْ ذَكَرْنَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْأَرْقَمِ فِي كِتَابِنَا فِي الصَّحَابَةِ بِمَا يُغْنِي عَنْ ذكره ههنا ولم يُخْتَلَفْ عَنْ مَالِكٍ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ وَلَفْظِهِ وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ فَرَوَاهُ مَالِكٌ كَمَا تَرَى وَتَابَعَهُ زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَحَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَشُجَاعُ بْنُ الْوَلِيدِ وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَوَكِيعٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ وَالْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ كُنَاسَةَ كُلُّهُمْ رَوَاهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَرْقَمِ كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ ورواه
стр. 7333
وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ وَأَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ وَشُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَجُلٍ حَدَّثَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَرْقَمِ فَأَدْخَلَ هَؤُلَاءِ بَيْنَ عُرْوَةَ وَبَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَرْقَمِ رَجُلًا ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو دَاوُدَ وَرَوَاهُ أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَرْقَمِ فَاللَّهُ أَعْلَمُ ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ أَيُّوبَ بن موسى عن هشام بن عروة عن عُرْوَةَ قَالَ خَرَجْنَا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَرْقَمِ الزُّهْرِيِّ فَأَقَامَ الصَّلَاةَ ثُمَّ قَالَ صَلُّوا وَذَهَبَ لِحَاجَتِهِ فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَأَرَادَ أَحَدُكُمُ الْغَائِطَ فَلْيَبْدَأْ بِالْغَائِطِ فَهَذَا الْإِسْنَادُ يَشْهَدُ بِأَنَّ رِوَايَةَ مَالِكٍ وَمَنْ تَابَعَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مُتَّصِلَةٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَأَيُّوبُ بْنُ مُوسَى ثِقَتَانِ حَافِظَانِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا أحمد ابن سَعِيدٍ الْجَمَّالُ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كُنَاسَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَرْقَمِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ إذا حضرت الرَّجُلُ الصَّلَاةَ وَأَرَادَ الْخَلَاءَ بَدَأَ بِالْخَلَاءِ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ هِشَامِ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابن الْأَرْقَمِ أَنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ فَكَانَ يُؤَذِّنُ لِأَصْحَابِهِ وَيَؤُمُّهُمْ فَثَوَّبَ بِالصَّلَاةِ يَوْمًا فَقَالَ لَيَؤُمُّكُمْ أَحَدُكُمْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْتِيَ الْخَلَاءَ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلْيَبْدَأْ بِالْخَلَاءِ
стр. 7334
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عبد الله ابن الْأَرْقَمِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَرَوَاهُ أَبُو الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَرْقَمِ ذَكَرَهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ أَنْ لَا يُصَلِّيَ أَحَدٌ وَهُوَ حَاقِنٌ وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ صَلَّى وَهُوَ حَاقِنٌ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ إِذَا شَغَلَهُ ذَلِكَ فَصَلَّى كَذَلِكَ فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ يُعِيدَ فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ يُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَهُوَ حَاقِنٌ وَصَلَاتُهُ جَائِزَةٌ مَعَ ذَلِكَ إِنْ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا مِنْ فَرْضِهَا وَقَالَ الثَّوْرِيُّ إِذَا خَافَ أَنْ يَسْبِقَهُ الْبَوْلُ قَدَّمَ رَجُلًا وَانْصَرَفَ وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ لَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّهُ لَوْ شُغِلَ قَلْبُهُ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا لَمْ تُسْتَحَبَّ لَهُ الْإِعَادَةُ كَذَلِكَ إِذَا شَغَلَهُ الْبَوْلُ قَالَ أَبُو عُمَرَ أَحْسَنُ شَيْءٍ رُوِيَ مُسْنَدًا فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَرْقَمِ وَحَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَرْقَمِ فَقَدْ مَضَى وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَحْسَنُ أَسَانِيدِهِ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى وَمُسَدَّدٌ الْمَعْنَى قَالُوا حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ أَبِي حَرْزَةَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ يَعْنِي ابْنَ أَبِي بَكْرٍ أَخُو الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ كُنَّا عِنْدَ عَائِشَةَ فَجِيءَ بِطَعَامِهَا فَقَامَ الْقَاسِمُ يُصَلِّي فَقَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم
стр. 7335
يَقُولُ لَا يُصَلِّي أَحَدٌ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ وَهَذَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ صَحِيحٌ وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَا يُصَلَّى أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُدَافِعُ الْأَخْبَثَيْنِ الْغَائِطَ وَالْبَوْلَ فَلَا أَصْلَ لَهُ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ وَهُوَ مَوْضُوعُ الْإِسْنَادِ قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَوْ صَلَّى بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ فَأَكْمَلَ صَلَاتَهُ وَلَمْ يَتْرُكْ مِنْ فَرَائِضِهَا شَيْئًا أَنَّ صَلَاتَهُ مُجْزِيَةٌ عَنْهُ فَكَذَلِكَ إِذَا صَلَّاهَا حَاقِنًا فَأَكْمَلَ صَلَاتَهُ وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الصَّلَاةِ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ مِنْ أَجْلِ خَوْفِ اشْتِغَالِ بَالِ الْمُصَلِّي بِالطَّعَامِ عَنِ الصَّلَاةِ وَتَرْكِهِ إِقَامَتَهَا عَلَى حُدُودِهَا فَإِذَا أَقَامَهَا عَلَى حُدُودِهَا خَرَجَ مِنَ الْمَعْنَى الْمُخَوَّفِ عَلَيْهِ وَأَجَزَتْهُ صَلَاتُهُ لِذَلِكَ وَقَدْ رَوَى يَزِيدُ بْنُ شُرَيْحٍ الْحَضْرَمِيُّ عَنْ أَبِي حَيٍّ الْمُؤَذِّنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لَا يَحِلُّ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يصلي وهو حاقن جدا رواه ثور ابن يَزِيدَ الشَّامِيُّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ شُرَيْحٍ وَرَوَاهُ حَبِيبُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِي حَيٍّ الْمُؤَذِّنِ عَنْ ثَوْبَانُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَمِثْلُ هَذَا الْخَبَرِ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ وَلَوْ صَحَّ كَانَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ حَاقِنًا جِدًّا لَمْ يَتَهَيَّأْ لَهُ إِكْمَالُ الصَّلَاةِ عَلَى وَجْهِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 7336
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ فَلَا يُصَلِّي وَهُوَ مُوجِعٌ مِنْ خَلَاءٍ أَوْ بَوْلٍ وَهَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ لَا يُدَافِعَنَّ أَحَدُكُمُ الْخُبْثَ فِي الصَّلَاةِ ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ حُدَيْرٍ عَنْ نَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَالْخَبَرُ الْأَوَّلُ عَنْ عُمَرَ ذَكَرَهُ أَيْضًا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ الْحَضْرَمِيِّ الْمِصْرِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبٍ سَمِعَ عُمَرَ (يَقُولُ) وَذَكَرَ مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمْ وَهُوَ ضَامٌّ بَيْنَ وَرِكَيْهِ وَقَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سُفْيَانَ أَنَّ قَاسِمَ بْنَ أَصْبَغَ حَدَّثَهُمْ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا نُعَيْمٌ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ أَخْبَرَنَا هِشَامٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ لَأَنْ أُصَلِّيَ وَهُوَ فِي نَاحِيَةٍ مِنْ ثَوْبِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُصَلِّيَ وَأَنَا أُدَافِعُهُ فَهَؤُلَاءِ كَرِهُوا الصَّلَاةَ لِلْحَاقِنِ وَجَاءَتْ فِيهِ رُخْصَةٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَطَاوُسٍ الْيَمَانِيِّ ذَكَرَ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ لَا بَأْسَ بِهِ مالم يُعَجِّلْكَ وَعَنْ سُفْيَانَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ إِنَّا لَنَصُرُّهُ ضَمًّا وَإِنَّا لَنَضْغَطُهُ قَالَ أَبُو عُمَرَ الَّذِي نَقُولُ بِهِ إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَفْعَلَهُ فَإِنْ فَعَلَ وَسَلَمَتْ لَهُ صَلَاتُهُ أَجْزَأَتْ عَنْهُ وَبِئْسَمَا صَنَعَ وَفِي قَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمُ الْغَائِطَ مَا يَدُلُّكَ عَلَى هُرُوبِ الْعَرَبِ مِنَ الْفُحْشِ وَالْقَذْعِ وَدَنَاءَةِ الْقَوْلِ وفسولته
стр. 7337
وَمُجَانَبَتِهِمْ لِلْخَنَا كُلِّهِ فَلِهَذَا قَالُوا لِمَوْضِعِ الْغَائِطِ الْخَلَاءُ وَالْمَذْهَبُ وَالْمَخْرَجُ وَالْكَنِيفُ وَالْحَشُّ وَالْمِرْحَاضُ وَكُلُّ ذَلِكَ كِنَايَةٌ وَفِرَارٌ عَنِ التَّصْرِيحِ فِي ذَلِكَ
حَدِيثٌ سَابِعٌ وَعِشْرُونَ لِهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عن المسور بن مخرمة أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةَ نَفَسَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ حَلَلْتِ فَانْكِحِي مَنْ شِئْتِ قَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سعيد فلا معنى لتكريره ها هنا وَأَكْثَرُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ لَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَهُمْ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَفِقْهُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا الْحَامِلَ عِدَّتُهَا تَضَعُ مَا فِي بَطْنِهَا خِلَافَ قَوْلِ مَنْ قَالَ عِدَّتُهَا آخِرُ الْأَجَلَيْنِ وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ كُلَّهُ وَأَوْضَحْنَا الْقَوْلَ فِيهِ وَالْحُجَّةَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
стр. 7338
حَدِيثٌ ثَامِنٌ وَعِشْرُونَ لِهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُشْتَمِلًا بِهِ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ وَاضِعًا طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقِهِ لَمْ يُخْتَلَفْ عَنْ مَالِكٍ فِي إِسْنَادِ الْحَدِيثِ وَلَفْظِهِ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ جَمَاعَةُ أَصْحَابِ هِشَامٍ كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ بِإِسْنَادِهِ وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ أَخِي أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهُ أَبْصَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ عَنِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ وَهَذَا عِنْدِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ خَطَأٌ وَالْقَوْلُ قَوْلُ مَالِكٍ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ النَّاسُ عَنْ هِشَامٍ كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ وَرِوَايَةُ هِشَامٍ أَوْلَى مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ عِنْدَهُمْ وابن أبي الزناد (عبد الرحمان) ضَعِيفٌ لَا يُحْتَجُّ بِهِ وَبِمَا خُولِفَ فِيهِ أَوِ انْفَرَدَ بِهِ وَلَوِ انْفَرَدَ بِرِوَايَتِهِ هَذِهِ لَكَانَ الْحَدِيثُ مُرْسَلًا لِأَنَّ عُرْوَةَ لَمْ يُدْرِكْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ أَخَا أُمِّ سَلَمَةَ لِأَنَّهُ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ الطَّائِفِ شَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَشْهَدَ وَرُمِيَ بِسَهْمٍ يَوْمَئِذٍ فَمَاتَ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ
стр. 7339
وَقَالَ الْأَخْفَشُ الِاشْتِمَالُ أَنْ يَلْتَفَّ الرَّجُلُ بِرِدَائِهِ وَبِكِسَائِهِ مِنْ رَأْسِهِ إِلَى قَدَمَيْهِ يَرُدُّ طَرَفَ الثَّوْبِ الْأَيْمَنَ عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْسَرِ فَهَذَا هُوَ الِاشْتِمَالُ قَالَ وَقَدْ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يصلي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ قَدْ خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ قَالَ وَهَذَا هُوَ التَّوَشُّحُ وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ طَرَفَ الثَّوْبِ الْأَيْسَرِ مِنْ تَحْتِ يَدِهِ الْيُسْرَى فَيُلْقِيَهُ عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ وَيُلْقِيَ طَرَفَ الثَّوْبِ الْأَيْمَنَ مِنْ تَحْتِ يَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْسَرِ قَالَ فَهَذَا (هُوَ) التَّوَشُّحُ الَّذِي جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُتَوَشِّحًا بِهِ وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ مُسْتَوْعَبًا مُمَهَّدًا فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ
حَدِيثٌ تَاسِعٌ وَعِشْرُونَ لِهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ جَلَسَ عَلَى الْمَقَاعِدِ فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ فَآذَنَهُ بِصَلَاةِ الْعَصْرِ فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ قَالَ وَاللَّهِ لَأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا لَوْلَا أَنَّهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُكُمُوهُ ثُمَّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ مَا مِنِ امْرِئٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ
стр. 7340
وَضَوْءَهُ ثُمَّ يُصَلِّي الصَّلَاةَ إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى حَتَّى يُصَلِّيَهَا قَالَ مَالِكٌ أَرَاهُ يُرِيدُ هَذِهِ الْآيَةَ وَأَقِمِ الصلاة طرفي النهار وزلفا من اليل إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ وَحُمْرَانُ مَوْلَى عُثْمَانَ هُوَ حُمْرَانُ بْنُ أَعْيَنَ بْنِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ عَمْرِو بْنِ عَقِيلِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ جَنْدَلَةَ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ أَوْسِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ النَّمِرِ بْنِ قَاسِطٍ وَهُوَ ابْنُ عَمِّ صُهَيْبِ بْنِ سِنَانٍ يَلْتَقِي هُوَ وَصُهَيْبٌ فِي خَالِدِ بْنِ عَبْدِ عَمْرٍو وَكَانَ حُمْرَانُ مِنْ سَبْيِ عَيْنِ النَّمِرِ وَهُوَ أَوَّلُ سَبْيٍ دَخَلَ الْمَدِينَةَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ سَبَاهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَرَآهُ غُلَامًا أَحْمَرَ مَخْتُونًا كَيِّسًا فَتَوَجَّهَ بِهِ إِلَى عُثْمَانَ ﵁ فَأَعْتَقَهُ وَدَارُ حُمْرَانَ بِالْبَصْرَةِ مُشْرِفَةٌ عَلَى رَحْبَةِ الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ وَكَانَ عُثْمَانُ أَقْطَعَهُ إِيَّاهَا وَأَقْطَعَهُ أَيْضًا أَرْضًا عَلَى فَرَاسِخَ مِنَ الْأَيْلَةِ فِيمَا يَلِي الْبَحْرَ ذَكَرَ ذَلِكَ أَهْلُ السِّيَرِ وَالْعِلْمِ بِالْخَبَرِ قَالُوا وَكَانَ حُمْرَانُ أَحَدَ الْعُلَمَاءِ الْجُلَّةِ أَهْلِ الْوَدَاعَةِ وَالرَّأْيِ وَالشَّرَفِ بِوَلَائِهِ وَنَسَبِهِ وَهُوَ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بِشُرْبِ الْخَمْرِ فَجَلَدَهُ بِشَهَادَتِهِ عَلِيٌّ جَعَلَ ذَلِكَ إِلَيْهِ عُثْمَانُ وَتَوَلَّى ضَرْبَ الْوَلِيدِ بِيَدِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ بِأَمْرِ عَلِيٍّ لَهُ بِذَلِكَ وَكَانَ جَلْدُهُ لَهُ أَرْبَعِينَ جَلْدَةً وَهَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مَالِكٍ جَمَاعَةُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ وَغَيْرِهِ وَلَيْسَ فِيهِ صِفَةُ الْوُضُوءِ ثَلَاثًا وَلَا اثْنَتَيْنِ وَقَدْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ بإسناده عن
стр. 7341
عُرْوَةَ عَنْ حُمْرَانَ عَنْ عُثْمَانَ فَذَكَرُوا فِيهِ صفة الوضوء المضمضمة وَالِاسْتِنْشَاقَ وَغَسْلَ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَاخْتَلَفُوا فِي أَلْفَاظِهِ مِنْهُمْ شُعْبَةُ وَأَبُو أُسَامَةَ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَجَمَاعَةٌ وَرَوَاهُ عَنْ عُرْوَةَ جَمَاعَةٌ أَيْضًا مِنْهُمْ أَبُو الزِّنَادِ وَأَبُو الْأَسْوَدِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَفِي حَدِيثِهِمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَمْدَانَ قَالَ تَوَضَّأَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ عَلَى الْمَقَاعِدِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَقَالَ هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يتوضأ ثُمَّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ مَا مِنْ رَجُلٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ الْوُضُوءَ ثُمَّ يُصَلِّي إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى حَتَّى يُصَلِّيَهَا فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ أَنَّ الصَّلَاةَ تُكَفِّرُ الذُّنُوبَ وَهُوَ تَأْوِيلُ قَوْلِ اللَّهِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ عَلَى حَسْبَمَا نَزَعَ بِهِ مَالِكٌ ﵀ وَالْقَوْلُ فِي هَذَا عِنْدِي كَالْقَوْلِ فِي حَدِيثِهِ ﷺ الْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا وَالْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا فَسُبْحَانَ الْمُتَفَضِّلِ الْمُنْعِمِ الْمُحْسِنِ هُوَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَعْنِي حَدِيثَ الْوُضُوءِ عَنْ حُمْرَانَ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْجُلَّةِ وَمَنْ دُونَهُمْ مِنْهُمْ عُرْوَةُ وَعَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ وَجَامِعُ بْنُ شَدَّادٍ أَبُو صَخْرَةَ وَمَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ وَشَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ أَبُو وائل وأبو سلمة بن عبد الرحمان وَمُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ وَمُوسَى بْنُ طَلْحَةَ وَزَيْدُ
стр. 7342
بْنُ أَسْلَمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ وَمُجَاهِدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُعَاذُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ وَغَيْرُهُمْ كُلُّهُمْ عَنْ حُمْرَانَ عَنْ عُثْمَانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا أَنَّ أَلْفَاظَهُمْ عَنْ حُمْرَانَ مُخْتَلِفَةٌ وَلَكِنَّهَا مُتَقَارِبَةُ الْمَعْنَى وَأَمَّا قَوْلُهُ لَوْلَا أَنَّ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَاخْتُلِفَ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ فَطَائِفَةٌ رَوَتْ لَوْلَا أَنَّهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ بِالنُّونِ وَهَاءِ الضَّمِيرِ وَطَائِفَةٌ رَوَتْ لَوْلَا آيَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ بِالْيَاءِ وَتَاءِ التَّأْنِيثِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ الْآيَةَ قَوْلُهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى الْآيَةَ وَرَوَى آخَرُونَ كَمَا قَالَ مَالِكٌ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ الْآيَةَ وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الرِّوَايَةُ لَوْلَا أَنَّهُ بِالنُّونِ وَهَاءِ الضَّمِيرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَقَوْلُ مَالِكٍ أَرَاهُ يُرِيدُ هَذِهِ الْآيَةَ يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا أَيْضًا وَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَى الْمَقَاعِدِ فَقِيلَ هِيَ الدَّكَاكِينُ كَانَتْ عِنْدَ بَابِ دَارِ عُثْمَانَ كَانُوا يَجْلِسُونَ عَلَيْهَا فَسُمِّيَتِ الْمَقَاعِدَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَقَوْلُهُ آذِنْهُ بِصَلَاةِ الْعَصْرِ يُرِيدُ أَعْلِمْهُ بِحُضُورِهَا وَمِنْ هَذَا قَوْلُ الحرث ابن حِلِّزَةَ آذَنَتْنَا بِبَيْنِهَا أَسْمَاءُ حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ رَشِيقٍ قَالَ حَدَّثَنَا إسحاق ابن إِبْرَاهِيمَ بْنِ يُونُسَ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ نَوْفَلٍ الْمَعْمَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ الْبَكْرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَمْ أَرَ شَيْئًا أَحْسَنَ طَلَبًا وَلَا أَحْسَنَ إِدْرَاكًا مِنْ حَسَنَةٍ حَدِيثَةٍ لِذَنْبٍ قَدِيمٍ ثُمَّ قَرَأَ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ
стр. 7343
حَدِيثٌ مُوفِي ثَلَاثِينَ لِهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عُرْوَةُ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ حَدِيثَانِ ذَكَرُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَارِمٌ قَالَ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ عَنْ أَبِيهِ قَالَ حَدَّثَنَا بَكْرٌ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو رَافِعٍ قَالَ كُنْتُ إِذَا ذَكَرْتُ امْرَأَةً بِالْمَدِينَةِ فَقِيهَةً ذَكَرْتُ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا قَالَتْ جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ امْرَأَةُ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحِي مِنَ الْحَقِّ هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا هِيَ احْتَلَمَتْ قَالَ نَعَمْ إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ هَكَذَا رَوَى هَذَا الحديث مالك عن هشام بن عروة عن أَبِي عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عِنْدَ جَمَاعَةِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ إِلَّا الْقَعْنَبِيَّ فَإِنَّهُ أَرْسَلَهُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ وَأَمَّا ابْنُ شِهَابٍ فَرَوَاهُ عَنْ عُرْوَةَ فَمَرَّةً أَرْسَلَهُ وَمَرَّةً جَعَلَهُ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ كُلَّهُ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ النِّسَاءَ يَحْتَلِمْنَ وَيُنْزِلْنَ الْمَاءَ وَذَلِكَ عِنْدِي فِي الْأَغْلَبِ لَا عَلَى الْعُمُومِ وَذَلِكَ بَيِّنٌ إِنْكَارِ عَائِشَةَ لِقَوْلِ أُمِّ سُلَيْمٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَقَدْ يُوجَدُ فِي الرِّجَالِ مَنْ لَا يَحْتَلِمُ فَكَيْفَ فِي النِّسَاءِ وَقَدْ
стр. 7344
قِيلَ إِنَّ عَائِشَةَ إِنَّمَا قَالَتْ ذَلِكَ لِصِغَرِ سِنِّهَا وَكَوْنِهَا مَعَ زَوْجِهَا وَالِاحْتِلَامُ إِنَّمَا يَجِدُهُ النِّسَاءُ عِنْدَ عَدَمِ الْأَزْوَاجِ إِذَا فُقِدُوا وَبَعُدُوا عَنْهُنَّ وَقِيلَ إِنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي النِّسَاءِ مَنْ لَا يَحْتَلِمُ فَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ عَائِشَةُ ﵂ مِنْ أُولَئِكَ فَاللَّهُ أَعْلَمُ وَكَيْفَ كَانَ فَإِنَّ عَائِشَةَ لَمْ تُنْكِرْهُ إِلَّا لِأَنَّهَا لَمْ تَعْرِفْهُ وَقَدْ جَاءَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ فِي ذَلِكَ نَحْوُ مَا جَاءَ عَنْ عَائِشَةَ فِيهِ وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْمَعْنَى وَمَا جَاءَ فِيهِ وَفِي سَائِرِ مَعَانِي هَذَا الْخَبَرِ مُمَهَّدًا (مَبْسُوطًا) فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
حَدِيثٌ حَادٍ وَثَلَاثُونَ لِهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يكون ألحن بحجته من بعض فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذْ (مِنْهُ شَيْئًا) فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النار
стр. 7345
هَذَا حَدِيثٌ لَمْ يُخْتَلَفْ عَنْ مَالِكٍ فِي إِسْنَادِهِ فِيمَا عَلِمْتُ وَرَوَاهُ كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ سَوَاءً عَنْ هِشَامٍ بِإِسْنَادِهِ هَذَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْحُفَّاظِ مِنْهُمُ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَالْقَطَّانُ وَغَيْرُهُمْ وَقَدْ رَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ هِشَامٍ سَوَاءً وَقَدْ رَوَى هَذَا الْمَعْنَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَبُو هُرَيْرَةَ كَمَا رَوَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ الْبَشَرَ لَا يَعْلَمُونَ مَا غُيِّبَ عَنْهُمْ وَسُتِرَ مِنَ الضَّمَائِرِ وَغَيْرِهَا لِأَنَّهُ قَالَ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَيْ إِنِّي مِنَ الْبَشَرِ وَلَا أَدْرِي بَاطِنَ مَا تَتَحَاكَمُونَ فِيهِ عِنْدِي وَتَخْتَصِمُونَ فِيهِ إِلَيَّ وَإِنَّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمْ عَلَى ظَاهِرِ مَا تَقُولُونَ وَتُدْلُونَ بِهِ مِنَ الْحِجَاجِ فَإِذَا كَانَ الْأَنْبِيَاءُ لَا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَصِحَّ دَعْوَى ذَلِكَ لِأَحَدٍ غَيْرِهِمْ مِنْ كَاهِنٍ أَوْ مُنَجِّمٍ وَإِنَّمَا يَعْلَمُ الْأَنْبِيَاءُ مِنَ الْغَيْبِ مَا أُعْلِمُوا بِهِ بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْوَحْيِ وَفِيهِ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ أَدْرَى بِمَوْقِعِ الْحُجَّةِ وَتَصَرُّفِ الْقَوْلِ مِنْ بَعْضٍ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ مَعْنَى قَوْلِهِ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ يَعْنِي أَفْطَنُ لَهَا وَأَحْدَى بِهَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ اللَّحَنُ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْفِطْنَةُ وَاللَّحْنُ بِالْجَزْمِ الْخَطَأُ فِي الْقَوْلِ وَفِيهِ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ أَدْرَى بِمَوْقِعِ الْحُجَّةِ وَتَصَرُّفِ الْقَوْلِ مِنْ بَعْضٍ قَالَ أَبُو بَيِّنَاتٍ عَلَى حَسْبَمَا أَحْكَمَتْهُ السُّنَّةُ فِي ذَلِكَ وَفِي ذَلِكَ رَدٌّ وَإِبْطَالٌ لِلْحُكْمِ بِالْهَوَى قَالَ اللَّهُ يا داود إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى الْآيَةَ وَقَدِ احْتَجَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي رَدِّ حُكْمِ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ لِقَوْلِهِ فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ وَلَمْ يَقُلْ عَلَى نَحْوِ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ قَالَ وَإِنَّمَا تَعَبَّدْنَا بِالْبَيِّنَةِ وَالْإِقْرَارِ وَهُوَ الْمَسْمُوعُ الَّذِي قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إما أَقْضِي عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ قَالَ وَالْعِلَّةُ فِي الْقَضَاءِ بِالْبَيِّنَةِ دُونَ
стр. 7346
الْعِلْمِ التُّهْمَةَ لِأَنَّهُ يَدَّعِي مَا لَا يَعْلَمُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ الْقَاضِيَ لَوْ قَتَلَ أَخَاهُ لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ قَتَلَ مَنْ لَمْ يَجِبْ قَتْلُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَرِثْهُ وَهَذَا لِمَوْضِعِ التُّهْمَةِ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَقْضِي بِعِلْمِهِ فِي الْحُدُودِ قَالَ أَبُو عُمَرَ مِنْ أَفْضَلِ مَا يُحْتَجُّ بِهِ فِي أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْضِي بِعِلْمِهِ حَدِيثُ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ أَبَا جَهْمٍ عَلَى صَدَقَةٍ فَلَاجَّهُ رَجُلٌ فِي فَرِيضَةٍ فَوَقَعَ بَيْنَهُمْ شِجَاجٌ فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ وخبروه فأعطاهم لأرش ثُمَّ قَالَ إِنِّي خَاطِبُ النَّاسِ وَمُخْبِرُهُمْ أَنَّكُمْ قَدْ رَضِيتُمْ أَرَضِيتُمْ قَالُوا نَعَمْ فَصَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (الْمِنْبَرَ) فَخَطَبَ (٢٨٤٩ وَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَقَالَ أَرَضِيتُمْ قَالُوا لَا فَهَمَّ بِهِمُ الْمُهَاجِرُونَ فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَعْطَاهُمْ ثُمَّ صَعِدَ فَخَطَبَ فَقَالَ (٢٨٥) أَرَضِيتُمْ فَقَالُوا نَعَمْ وَهَذَا بَيِّنٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَاخِذْهُمْ بِعِلْمِهِ فِيهِمْ وَلَا قَضَى بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَقَدْ عَلِمَ رِضَاهُمْ وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْقَاضِيَ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ بِمَا عَلِمَهُ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ إِنَّمَا تُعْلِمُهُ بِمَا لَيْسَ عِنْدَهُ لِيَعْلَمَهُ فَيَقْضِيَ بِهِ وَقَدْ تَكُونُ كَاذِبَةً وَوَاهِمَةً وَعِلْمُهُ بِالشَّيْءِ أَوْكَدُ وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ له أن يعدل ويسقط العدول بعلمه فكذلك ماعلم صِحَّتَهُ وَأَجْمَعُوا أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ إِذَا عَلِمَ أَنَّ مَا شَهِدَ بِهِ الشُّهُودُ عَلَى غَيْرِ مَا شَهِدُوا بِهِ أَنَّهُ يُنَفِّذُ عِلْمَهُ فِي ذَلِكَ دُونَ شَهَادَتِهِمْ وَلَا يَقْضِي
стр. 7347
وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَوْدَةَ زَوْجَهُ أَنْ تَحْتَجِبَ مِنِ ابْنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ لِمَا عَلِمَهُ وَرَآهُ مِنْ شِبْهِهِ بِعُتْبَةَ وَقَالُوا إِنَّمَا يَقْضِي بِمَا يَسْمَعُ فِيمَا طَرِيقُهُ السَّمْعُ مِنَ الْإِقْرَارِ أَوِ الْبَيِّنَةِ وَفِيمَا طَرِيقُهُ عِلْمُهُ قَضَى بِعِلْمِهِ وَلَهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ مُنَازَعَاتٌ أَكْثَرُهَا تَشْغِيبٌ وَالسَّلَفُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مُخْتَلِفُونَ فِي قَضَاءِ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ فِي ذَلِكَ وَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي بِعِلْمِهِ مَعَ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طُرُقٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ مُجَاهِدٍ جَمِيعًا بِمَعْنًى وَاحِدٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ اسْتَعْدَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابٍ عَلَى أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ أَنَّهُ ظَلَمَهُ حَدًّا فِي مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا مِنْ مَكَّةَ فَقَالَ عُمَرُ إِنِّي لَأَعْلَمُ النَّاسِ بِذَلِكَ وَرُبَّمَا لَعِبْتُ أَنَا وَأَنْتَ فِيهِ وَنَحْنُ غِلْمَانُ فَإِذَا قَدِمْتَ مَكَّةَ فَائْتِنِي بِأَبِي سُفْيَانَ فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَتَاهُ الْمَخْزُومِيُّ بِأَبِي سُفْيَانَ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ يَا أَبَا سُفْيَانَ انْهَضْ إِلَى مَوْضِعِ كَذَا فَنَهَضَ وَنَظَرَ عُمَرُ فَقَالَ يَا أَبَا سُفْيَانَ خذ هذا الحجر من ههنا فضعه ههنا فَقَالَ وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ فَقَالَ وَاللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ فَقَالَ لَا أَفْعَلُ فَعَلَاهُ عُمَرُ بِالدُّرَّةِ وَقَالَ خذه لا أم لك وضعه ههنا فَإِنَّكَ مَا عَلِمْتَ قَدِيمَ الظُّلْمِ فَأَخَذَ الْحَجَرَ أَبُو سُفْيَانَ وَوَضَعَهُ حَيْثُ قَالَ عُمَرُ ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَقَالَ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ إِذْ لَمْ تَمُتْنِي حَتَّى غَلَبْتَ أَبَا سُفْيَانَ عَلَى رَأْيِهِ وَأَذْلَلْتَهُ لِي بِالْإِسْلَامِ قَالَ فَاسْتَقْبَلَ أَبُو سُفْيَانَ الْقِبْلَةَ وَقَالَ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ إِذْ لَمْ تَمُتْنِي حَتَّى جَعَلْتَ فِي قَلْبِي مِنَ الْإِسْلَامِ مَا ذَلَلْتُ بِهِ لِعُمَرَ فَفِي هَذَا الْخَبَرِ قَضَى عُمَرُ بِعِلْمِهِ فِيمَا قَدْ عَلِمَهُ قَبْلَ وِلَايَتِهِ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ سَوَاءً عِنْدَهُمْ عَلِمَهُ قَبْلَ أَنْ يَلِيَ الْقَضَاءَ أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي مِصْرِهِ كَانَ أَوْ فِي غَيْرِ مِصْرِهِ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ فِي ذَلِكَ
стр. 7348
كُلِّهِ عِنْدَهُمْ بِعِلْمِهِ لِأَنَّ يَقِينَهُ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ شَهَادَةِ الشُّهُودِ الَّذِينَ لَا يَقْطَعُ عَلَى غَيْبِ مَا شَهِدُوا بِهِ كَمَا يَقْطَعُ عَلَى صِحَّةِ مَا عَلِمُوا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ مَا عَلِمَهُ قَبْلَ أَنْ يَلِيَ الْقَضَاءَ أَوْ رَآهُ فِي غَيْرِ مِصْرِهِ لَمْ يَقْضِ فِيهِ بِعِلْمِهِ وَمَا عَلِمَهُ بَعْدَ أَنِ اسْتَقْضَى أَوْ رَآهُ بِمِصْرِهِ قَضَى فِي ذَلِكَ بِعِلْمِهِ وَلَمْ يَحْتَجْ فِي ذَلِكَ إِلَى غَيْرِهِ وَاتَّفَقَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ أَنَّهُ لَا يَقْضِي الْقَاضِي بِعِلْمِهِ فِي شَيْءٍ مِنَ الْحُدُودِ لَا فِيمَا عَلِمَهُ قَبْلُ وَلَا بَعْدُ وَلَا فِيمَا رَآهُ بِمِصْرِهِ وَلَا بِغَيْرِ مِصْرِهِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ حُقُوقُ النَّاسِ وَحُقُوقُ اللَّهِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ وَالْحُدُودُ وَغَيْرُهَا سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ وَجَائِزٌ أَنْ يَقْضِيَ الْقَاضِي فِي ذَلِكَ كُلِّهِ بِمَا عَلِمَهُ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ لَا يَقْضِي الْقَاضِي فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِمَا عَلِمَهُ حَدًّا كَانَ أَوْ غَيْرَ حَدٍّ لَا قَبْلَ وِلَايَتِهِ وَلَا بَعْدَهَا وَلَا يَقْضِي إِلَّا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْإِقْرَارِ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ وَالشَّعْبِيُّ وَفِي قَوْلُهُ ﵇ فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ دَلِيلٌ عَلَى إِبْطَالِ الْقَضَاءِ بِالظَّنِّ وَالِاسْتِحْسَانِ وَإِيجَابِ الْقَضَاءِ بِالظَّاهِرِ أَلَا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ بِظَاهِرِ أَمْرِهِمَا وَمَا ادَّعَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَنَفَاهُ فَأَحْلَفَهُمَا بِأَيْمَانِ اللِّعَانِ وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ بَلْ قَالَ إِنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَى كَذَا وَكَذَا فَهُوَ لِلزَّوْجِ وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَى نَعْتِ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ لِلَّذِي رُمِيَتْ بِهِ فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الْمَكْرُوهِ فَلَمْ يَلْتَفِتْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى ذَلِكَ بَلْ أَمْضَى حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمَا بَعْدَ أَنْ سَمِعَ مِنْهُمَا وَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَى الْمُمْكِنِ وَلَا أَوْجَبَ بِالشُّبْهَةِ حُكْمًا فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ إِنَّمَا أَقْضِي عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ
стр. 7349
وَأَمَّا قَوْلُهُ ﵇ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذْهُ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَإِنَّهُ بَيَانٌ وَاضِحٌ فِي أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي بِالظَّاهِرِ الَّذِي تَعْبَّدَ بِهِ لَا يَحِلُّ فِي الْبَاطِنِ حَرَامًا قَدْ عَلِمَهُ الَّذِي قَضَى لَهُ بِهِ وَأَنَّ حُكْمَهُ بِالظَّاهِرِ بَيْنَهُمْ لَا يَحِلُّ لَهُمْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِثَالُ ذَلِكَ رَجُلٌ ادَّعَى على رجل بدعوى وأقام عليه بنية زُورٍ كَاذِبَةً فَقَضَى الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِمْ بِظَاهِرِ عَدَالَتِهِمْ عِنْدَهُ وَأَلْزَمَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَا شَهِدُوا بِهِ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ ذَلِكَ لِلْمُدَّعِي إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ عِنْدَهُ وَأَنَّ بَيِّنَتَهُ كَاذِبَةٌ إِمَّا مِنْ جِهَةِ تَعَمُّدِ الْكَذِبِ أَوْ مِنْ جِهَةِ الْغَلَطِ وَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ لِقَضَاءِ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ حَدِيثُ عُبَادَةَ وَأَنْ تَقُومَ بِالْحَقِّ حَيْثُ مَا كُنَّا لَا تَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ وَقَوْلُهُ كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ وَحَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ هِنْدٍ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ قَوْلُهُ خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدِكِ وَكَذَلِكَ لَوْ ثَبَتَ عَلَى رَجُلٍ لِرَجُلٍ حَقٌّ بِإِقْرَارٍ أَوْ بَيِّنَةٍ فَادَّعَى دَفْعَهُ إِلَيْهِ وَالْبَرَاءَةَ مِنْهُ وَهُوَ صَادِقٌ فِي دَعْوَاهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ وَجَحَدَهُ الْمُدَّعِي الدَّفْعَ إِلَيْهِ وَحَلَفَ لَهُ عَلَيْهِ وَقَبَضَ مِنْهُ ذَلِكَ الْحَقَّ مَرَّةً أُخْرَى بِقَضَاءِ قَاضٍ فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّنْ قَطَعَ لَهُ أَيْضًا قِطْعَةً مِنَ النَّارِ وَلَا يَحِلُّ لَهُ قَضَاءُ الْقَاضِي بِالظَّاهِرِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الْبَاطِنِ وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ قَالَ اللَّهُ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ وَهَذِهِ الْآيَةُ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ سَوَاءً
стр. 7350
قَالَ مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ قَالَ لَا تُدْلِي بِمَالِ أَخِيكَ إِلَى الْحَاكِمِ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ لَهُ ظَالِمٌ فَإِنَّ قَضَاءَهُ لَا يَحِلُّ لَكَ شَيْئًا كَانَ حَرَامًا عَلَيْكَ قَالَ أَبُو عُمَرَ وَعَلَى هَذِهِ الْمَعَانِي كُلِّهَا الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْمُسْتَنْبَطَةِ مِنْهُ جَرَى مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَدَاوُدَ وَسَائِرِ الْفُقَهَاءِ كُلُّهُمْ قَدْ جَعَلَ هَذَا الْحَدِيثَ أَصْلًا فِي هَذَا الْبَابِ وَجَاءَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَبْلَهُمَا فِي رَجُلَيْنِ تَعَمَّدَا الشَّهَادَةَ بِالزُّورِ على رجل أنه طلق امرأه فقبل القاضي شهادتهما لظاهر عَدَالَتَهُمَا عِنْدَهُ وَهُمَا قَدْ تَعَمَّدَا الْكَذِبَ فِي ذَلِكَ أَوْ غَلِطَا أَوْ وَهِمَا فَفَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَ الرَّجُلِ وَامْرَأَتِهِ بِشَهَادَتِهِمَا ثُمَّ اعْتَدَّتِ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ جَائِزٌ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّهُ كَاذِبٌ فِي شَهَادَتِهِ وَعَالِمٌ بِأَنَّ زَوْجَهَا لَمْ يُطَلِّقْهَا لِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَمَّا أَحَلَّهَا لِلْأَزْوَاجِ كَانَ الشُّهُودُ وَغَيْرُهُمْ فِي ذَلِكَ سَوَاءً وَهَذَا إِجْمَاعٌ أَنَّهَا تَحِلُّ لِلْأَزْوَاجِ غَيْرِ الشُّهُودِ مَعَ الِاسْتِدْلَالِ بِفُرْقَةِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ مِنْ غَيْرِ طَلَاقٍ يُوقِعُهُ وَقَالَ مَنْ خَالَفَهُمْ مِنَ الْفُقَهَاءِ هَذَا خِلَافُ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي قَوْلِهِ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذْهُ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ وَمِنْ حَقِّ هَذَا الرَّجُلِ عِصْمَةُ زَوْجَتِهِ الَّتِي لَمْ يُطَلِّقْهَا وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَسَائِرُ مَنْ سَمَّيْنَاهُ مِنَ الْفُقَهَاءِ فِي هَذَا الْبَابِ لَا يَحِلُّ لِوَاحِدٍ مِنَ الشَّاهِدَيْنِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا إِذَا عَلِمَ أَنَّ زَوْجَهَا لَمْ يُطَلِّقْهَا وَأَنَّهُ كَاذِبٌ أَوْ غَالِطٌ فِي شَهَادَتِهِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنَ الْقَوْلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
стр. 7351
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلَانِ يَخْتَصِمَانِ فِي مَوَارِيثَ لَهُمَا فَلَمْ تَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ إِلَّا دَعَوَاهُمَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلَحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ بِشَيْءٍ فَلَا يَأْخُذْهُ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَبَكَى الرَّجُلَانِ وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ حَقِّي لَكَ فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ أَمَّا إِذْ فَعَلْتُمَا فَاقْتَسِمَا وَتَوَخَّيَا الْحَقَّ ثُمَّ اسْتَهِمَا ثُمَّ تَحَلَّلَا وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا مِنَ الْفِقْهِ مَعَ الْأَحْكَامِ الَّتِي قَدَّمْنَا فِي حَدِيثِ مَالِكٍ الصُّلْحُ عَلَى الْإِنْكَارِ خِلَافَ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَفِيهِ أَنَّ لِلشَّرِيكَيْنِ أَنْ يَقْتَسِمَا مِنْ غَيْرِ حكم حاكم وأن الهبة تصح بالقول وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى قَبْضٍ فِي الْوَقْتِ لِقَوْلِهِ حَقِّي لَكَ وَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لايصح لك حتى تقبضه ومن ههنا قَالَ مَالِكٌ تَصِحُّ الْمُطَالَبَةُ بِالْهِبَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ لِتُقْبَضَ وَفِيهِ جَوَازُ الْبَرَاءَةِ مِنَ الْمَجْهُولِ وَالصُّلْحِ مِنْهُ وَهِبَتِهِ وَفِيهِ جَوَازُ الِاجْتِهَادِ لِلْحَاكِمِ فِيمَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَصٌّ وَفِيهِ جَوَازُ التَّحَرِّي فِي أَدَاءِ الْمَظَالِمِ وَفِيهِ اسْتِعْمَالُ الْقُرْعَةِ عِنْدَ اسْتِوَاءِ الْحَقِّ وَفِيهِ جَوَازُ تَرْدِيدِ الْخُصُومِ حَتَّى يَصْطَلِحُوا وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ﵀ نصا وَذَلِكَ فِيمَا أُشْكِلَ لَا فِيمَا بَانَ وَاللَّهُ المستعان
стр. 7352
حَدِيثٌ ثَانٍ وَثَلَاثُونَ لِهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ تُفْتَحُ الْيَمَنُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ وَتُفْتَحُ الشَّامُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ وَتُفْتَحُ الْعِرَاقُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ قَدْ ذَكَرْنَا سُفْيَانَ بْنَ أَبِي زُهَيْرٍ فِي الصَّحَابَةِ بِمَا يُغْنِي عَنْ ذِكْرِهِ هَهُنَا وَأَمَّا قَوْلُهُ تُفْتَحُ الْيَمَنُ فَالْيَمَنُ افْتُتِحَتْ فِي أَيَّامِهِ ﷺ وَافْتُتِحَ بَعْضُهَا فِي أَيَّامِ أَبِي بَكْرٍ بِمُقَاتَلَةِ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ الْمُتَنَبِّي الْكَذَّابِ بِصَنْعَاءَ قَتَلَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي خِلَافَتِهِ كَمَا قَتَلَ مُسَيْلِمَةَ فِي بَنِي حَنِيفَةَ وَقَدْ قِيلَ إِنَّ الْأَسْوَدَ الْعَنْسِيَّ قُتِلَ وَالنَّبِيُّ ﷺ مَرِيضٌ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ مِنْهُ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ وَهُوَ الْأَكْثَرُ عِنْدَ أَهْلِ السِّيَرِ
стр. 7353
وَأَمَّا الشَّامُ وَالْعِرَاقُ فَكَانَ افْتِتَاحُهُمَا فِي زَمَنِ عُمَرَ ﵁ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّتِهِ ﷺ لِأَنَّهُ غَيْبٌ كَانَ بَعْدَهُ قَدْ أَخْبَرَ بِهِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ مِنَ الْغَيْبِ إِلَّا مَا أَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَوْحَى بِهِ إِلَيْهِ فَقَدِ افْتُتِحَتْ بَعْدَهُ الشَّامُ وَالْعِرَاقُ وَالْيَمَنُ بَعْضُهَا وَقَدْ خَرَجَ النَّاسُ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الشَّامِ وَإِلَى الْيَمَنِ وَإِلَى الْعِرَاقِ وَكَانَ مَا قَالَهُ ﷺ وَكَذَلِكَ لَوْ صَبَرُوا بِالْمَدِينَةِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ قَالَ ﷺ لَا يَصْبِرُ أَحَدٌ عَلَى لَأْوَائِهَا وَشِدَّتِهَا إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَهِيدًا أَوْ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَضْلُ الْمَدِينَةِ عَلَى الْيَمَنِ وَعَلَى الشَّامِ وَعَلَى الْعِرَاقِ وَهُوَ أَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِيهِ وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْبِقَاعِ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ وَلَا يُوصَلُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا بِتَوْقِيفٍ مِنْ جِهَةِ الْخَبَرِ وَأَمَّا الْقِيَاسُ وَالنَّظَرُ فَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ صَحَّتِ الْأَخْبَارُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِفَضْلِ المدينة وأجمع علماء الأمة على أنها لَهَا فَضْلًا مَعْرُوفًا لِمَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَبَرِهِ فِيهَا وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الأفضل منها ومن مكة لا غير وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ كُلَّهُ فِي مَوَاضِعَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ وَأَمَّا قَوْلُهُ يُبِسُّونَ فَمَنْ رَوَاهُ يُبِسُّونَ بِرَفْعِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْبَاءِ مِنْ أَبَسَّ يَبُسُّ عَلَى الرُّبَاعِيِّ فَقَالَ مَعْنَاهُ يُزَيِّنُونَ لَهُمُ الْبَلَدَ الَّذِي جَاءُوا مِنْهُ وَيُحَبِّبُونَهُ إِلَيْهِمْ وَيَدْعُونَهُمْ إِلَى الرَّحِيلِ إِلَيْهِ مِنَ الْمَدِينَةِ قَالُوا وَالْإِبْسَاسُ مَأْخُوذٌ مِنْ إِبْسَاسِ الْحَلُوبَةِ عِنْدَ حِلَابِهَا كَيْ تَدِرَّ بِاللَّبَنِ وَهُوَ أَنْ تُجْرِيَ يَدَكَ عَلَى وَجْهِهَا وَصَفْحَةِ عُنُقِهَا كَأَنَّكَ تُزَيِّنُ ذَلِكَ عِنْدَهَا وَتُحَسِّنُهُ لَهَا
стр. 7354
ومنه قول عمران بن حطان ... والدهر دو دُرَّةٍ مِنْ غَيْرِ إِبْسَاسِ ... وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ ابْنُ وَهْبٍ قَالَ مَعْنَاهُ يُزَيِّنُونَ لَهُمُ الْخُرُوجَ مِنَ الْمَدِينَةِ وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ يُبِسُّونَ بِالرَّفْعِ مِنَ الرُّبَاعِيِّ وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ مَالِكٍ يُبِسُّونَ مِنَ الرُّبَاعِيِّ وفسر ابن حبيب الكلمة بنحو هذا النفسير وَأَنْكَرَ قَوْلَ مَنْ قَالَ إِنَّهَا مِنَ السَّيْرِ كُلَّ الْإِنْكَارِ وَقَالَ ابْنُ بُكَيْرٍ يَبِسُّونَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَذَلِكَ رِوَايَتُهُ وَفَسَّرَهُ يَسِيرُونَ قَالَ مِنْ قَوْلِهِ وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا يَعْنِي سَارَتْ وَيُقَالُ سَالَتْ وَذَكَرَ حَبِيبٌ عَنْ مَالِكٍ مِثْلَ تَفْسِيرِ ابْنِ بُكَيْرٍ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ يَبَسُّونَ يَدْعُونَ وَأَظُنُّ رِوَايَةَ ابْنِ الْقَاسِمِ بِفَتْحِ الياء وضم الْبَاءِ وَرِوَايَةَ ابْنِ بُكَيْرٍ بِكَسْرِهَا وَكُلُّ ذَلِكَ مِنَ الثُّلَاثِيِّ وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ وَالْبَسُّ أَيْضًا الْمُبَالَغَةُ فِي فَتِّ الشَّيْءِ وَمِنْهُ قِيلَ فِي الدَّقِيقِ الْمَصْنُوعِ بِالزَّيْتِ وَنَحْوِهِ الْبَسِيسُ قَالَ الرَّاجِزُ ... أَخُبْزًا خُبْزًا وَبَسًّا بَسَّا ... يُرِيدُ عَمَلًا بَسِيسًا قَالَ أَبُو عُمَرَ وَقَالَ غَيْرُهُ يَبُسُّونَ يُسْرِعُونَ السَّيْرَ وَقِيلَ يَزْجُرُونَ دَوَابَّهُمْ وَقَالَ غَيْرُهُ يَبُسُّونَ يَسْأَلُونَ عَنِ الْبُلْدَانِ وَيَتَشَفَّوْنَ مِنْ أَخْبَارِهَا لِيَتَحَمَّلُوا إليها وهذا
стр. 7355
لا يكاد يعرفه أهل اللغة وأهل الرُّبَاعِيُّ فَلَا خِلَافَ فِيهِ وَفِي مَعْنَاهُ وَلَيْسَ لَهُ إِلَّا وَجْهٌ وَاحِدٌ وَأَمَّا الثُّلَاثِيُّ فَفِيهِ لُغَتَانِ بَسَّ يَبِسُّ بِكَسْرِ الْبَاءِ وَيَبُسُّ بِضَمِّهَا وَمِثْلُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ عِنْدِي قَتَرَ وَأَقْتَرَ فِيهِ لُغَتَانِ قَتَرَ عَلَى الثُّلَاثِيِّ وَأَقْتَرَ عَلَى الرُّبَاعِيِّ وَفِي الثُّلَاثِيِّ لُغَتَانِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مِنْهُ يَقْتِرُ بِكَسْرِ التَّاءِ وَيَقْتُرُ بِضَمِّهَا وَقَدْ قُرِئَ قَوْلُهُ لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا عَلَى الثَّلَاثَةِ الْأَوْجَهِ يُقَتِّرُوا مِنَ الرُّبَاعِيِّ وَيَقْتُرُوا مِنَ الثُّلَاثِيِّ وَيَقْتِرُوا مِنْهُ أَيْضًا وَأَمَّا رِوَايَةُ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى فِي يَبِسُّونَ عِنْدَ أَكْثَرِ شُيُوخِنَا الَّذِينَ اعْتَمَدْنَا عَلَيْهِمْ فِي التَّقْيِيدِ فَعَلَى فَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْبَاءِ مِنَ الثُّلَاثِيِّ وَفَسَّرُوهُ يَسِيرُونَ عَلَى نَحْوِ رِوَايَةِ ابْنِ بُكَيْرٍ وَتَفْسِيرِهِ وَلَا يَصِحُّ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى غَيْرُ هَذَا الضَّبْطِ وَمَنْ رَوَى فِي مُوَطَّأِ يَحْيَى غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ رَوَى مَا لَمْ يَرْوِ يَحْيَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَكَانَ ابْنُ حَبِيبٍ يُنْكِرُ رِوَايَةَ يَحْيَى وَيَحْمِلُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ بُكَيْرٍ وَابْنُ نَافِعٍ وَحَبِيبٌ وَغَيْرُهُمْ كَذَلِكَ وَيُقَالُ إِنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ رَوَاهُ يَبُسُّونَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْبَاءِ فَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ فَقِيلَ فِيهِ خَيْرٌ لَهُمْ مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلَا الدَّجَّالُ وَقَدْ قِيلَ إِنَّ الْفِتَنَ فِيهَا دُونَهَا فِي غَيْرِهَا وَقِيلَ مِنْ أَجْلِ فَضْلِ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالصَّلَاةِ فِيهِ وَمُجَاوِرَةِ قَبْرِهِ ﷺ وَلَمْ يَقُلْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ يَنْفِي خُبْثَهَا كَمَا قَالَ ذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ لِلْفَارِّ عَنْ صُحْبَتِهِ وَجِوَارِهِ وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ جُمْلَةَ مَنْ خَرَجَ بَعْدَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ لَمْ يَكُونُوا خُبْثًا بَلْ كَانُوا دُرَرًا ﵃ أَجْمَعِينَ
следующие страницы →