← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1719

التمهيد - ابن عبد البر - ط المغربية

ابن عبد البر

Полный текст (8 345 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ اسمعيل قَالَ حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي حَدِيثٍ ذَكَرَهُ فِيهِ طُولٌ إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ أَيُّوبَ ﵇ قَالَ فِي بَلَائِهِ إِنَّ اللَّهَ لَيَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ أَمُرُّ عَلَى الرَّجُلَيْنِ يَتَنَازَعَانِ وَيَذْكُرَانِ اللَّهَ فَأَرْجِعُ إِلَى بَيْتِي فَأُكَفِّرُ عَنْهُمَا كَرَاهَةَ أَنْ يَذْكُرَا اللَّهَ إِلَّا فِي حَقٍّ قَالَ أَبُو عُمَرَ هَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ يُونُسُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مُرْسَلًا وَرَوَاهُ نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَوَصَلَهُ وَفِيهِ أَنَّ أَيُّوبَ كَانَ يُكَفِّرُ عَنْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ وَلَوْ لَمْ يَجُزْ عِنْدَ أَيُّوبَ لَمْ يُكَفِّرْ عَنْهُ وَالْكَفَّارَةُ قَدْ تَكُونُ بِالْعِتْقِ وَغَيْرِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ شَرِيعَةَ أَيُّوبَ كَانَتْ فِي كَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ عَلَى غَيْرِ شَرِيعَتِنَا وَإِذَا جَازَ الْعِتْقُ لِلْإِنْسَانِ عَنْ غَيْرِهِ فِي شَرِيعَةِ أَيُّوبَ ﵇ لَمْ يُنْسَخْ ذَلِكَ فِي شَرِيعَتِنَا إِلَّا بِأَمْرٍ بَيِّنٍ فَالْوَاجِبُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ لِقَوْلِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَنْ أَعْتَقَ عَنْ رَجُلٍ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فِي كَفَّارَةٍ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ

стр. 807

قَالَ أَبُو عُمَرَ حُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ وَالْقِيَاسُ عَلَى أَدَاءِ الدَّيْنِ عَنْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ أَنَّهُ بَرَاءَةٌ صَحِيحَةٌ قَالَ أَبُو عُمَرَ إِذَا صَحَّ هَذَا الْأَصْلُ صَحَّ الْوَلَاءُ لِلْمُعْتَقِ عَنْهُ لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ تُجْزِئَ عَنْهُ الْكَفَّارَةُ فِيمَا قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ وَالْوَلَاءُ لِغَيْرِهِ فَإِذَا أَجْزَأَتْ عَنْهُ كَفَّارَةٌ فَالْوَلَاءُ لَهُ وَذَكَرَ الْقَاسِمُ بْنُ خَلَفٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْأَبْهَرِيِّ أنه قال في مسئلة ابْنِ الْقَاسِمِ هَذِهِ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَفْعَلَ الْإِنْسَانُ عَنْ غَيْرِهِ شَيْئًا وَاجِبًا عَلَيْهِ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِنِيَّةٍ مِنْهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ كَالْحَجِّ وَالزَّكَاةِ وَكَذَلِكَ الْكَفَّارَاتُ لِأَنَّهَا أَفْعَالٌ تُعُبِّدَ بِهَا الْإِنْسَانُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الدَّيْنُ لِأَنَّهُ قَدْ يَزُولُ عَنِ الْإِنْسَانِ بِغَيْرِ أَدَاءٍ وَهُوَ أَنْ يَبْرَأَ مِنْهُ قَالَ أَبُو عُمَرَ وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ لَمْ يُجْزِ الْعِتْقَ عَنْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ قَوْلُهُ ﷺ الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ هَذَا مَعْنَاهُ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْوَلَاءَ لَا يَكُونُ إِلَّا لمعتق ز وَالْمُعْتَقُ عَنْهُ غَيْرُ الْمُعْتِقِ فَبَطَلَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ لِأَنَّ الْوَلَاءَ لَا يَنْتَقِلُ وَهُوَ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَغَيْرُ جَائِزٍ فِي الْحَقِيقَةِ أَنْ يُضَافَ إِلَى الْإِنْسَانِ فِعْلٌ لَمْ يَقْصِدْهُ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ فَلِهَذَا يَسْتَحِيلُ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ وَهَبَهُ لَهُ ثُمَّ أَعْتَقَهُ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ تَوْكِيلٍ مِنْهُ وَأَمَّا إِذَا أَمَرَهُ أَنْ يُعْتِقَ عَبْدَهُ عَنْهُ فَأَجَابَهُ الْمَأْمُورُ

стр. 808

إِلَى ذَلِكَ ثُمَّ أَعْتَقَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ تَوْكِيلٍ وَإِنَّمَا هِيَ هِبَةٌ مَقْبُوضَةٌ يَنْفُذُ فِيهَا التَّوْكِيلُ وَالتَّسْلِيطُ وَالْمَالُ فِي ذَلِكَ وَغَيْرُ الْمَالِ سَوَاءٌ لِأَنَّ الْهِبَةَ وَالْبَيْعَ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ وَأَمَّا النَّصْرَانِيُّ يُعْتِقُ عَبْدَهُ الْمُسْلِمَ قَبْلَ أَنْ يُبَاعَ عَلَيْهِ فَإِنَّ مَالِكًا وَأَصْحَابَهُ يَقُولُونَ لَيْسَ لَهُ مِنْ وَلَائِهِ شَيْءٌ وَوَلَاؤُهُ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ الْوَلَاءُ أَبَدًا وَإِنْ أَسْلَمَ وَلَا إِلَى وَرَثَتِهِ وَإِنْ كَانُوا مُسْلِمِينَ وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ أَنَّ إِسْلَامَ عَبْدِ النَّصْرَانِيِّ يَرْفَعُ مِلْكَهُ عَنْهُ وَيُوجِبُ إِخْرَاجَهُ عَنْ يَدِهِ فَلَمَّا كَانَ مِلْكُهُ يَرْتَفِعُ بِإِسْلَامِهِ لَمْ يَثْبُتِ الْوَلَاءُ لَهُ بَعْدَ عِتْقِهِ وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ لَهُ ثَبَتَ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَإِذَا ثَبَتَ لَهُمُ الْوَلَاءُ لَمْ يَنْتَقِلْ عَنْهُمْ لِأَنَّهُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ وَسَوَاءٌ أَسْلَمَ سَيِّدُهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يُسْلِمْ لِأَنَّ الْوَلَاءَ قَدْ ثَبَتَ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ قَالُوا وَالدَّلِيلُ عَلَى ارْتِفَاعِ مِلْكِ النَّصْرَانِيِّ عَنْ عَبْدِهِ الْمُسْلِمِ عُمُومُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا وَقَوْلِهِ تَعَالَى وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَالْحَدِيثِ الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ

стр. 809

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْعِرَاقِيُّونَ وَأَصْحَابُهُمْ إِذَا أَسْلَمَ عَبْدُ النَّصْرَانِيِّ فَأَعْتَقَهُ قَبْلَ أَنْ يُبَاعَ عَلَيْهِ فَوَلَاؤُهُ لَهُ وَلِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ فَإِنْ أَسْلَمَ مَوْلَاهُ ثُمَّ مَاتَ الْمُعْتَقُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ بِالنَّسَبِ وَرِثَهُ مُعْتِقُهُ وَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ لَمْ يَرِثْهُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ وَحُجَّتُهُمْ فِي أَنَّ الْوَلَاءَ لَهُ عُمُومُ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ لَمْ يَخُصَّ مُسْلِمًا مِنْ كَافِرٍ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ مَلَكَ مَا بِيعَ عَلَيْهِ وَدَفَعَ ثَمَنَهُ إِلَيْهِ وَقَدْ قَالَ ﷺ الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ قَالَ أَبُو عُمَرَ رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثٌ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ مِنْ جِهَةِ الْإِسْنَادِ وَلَكِنَّهُ قَدِ احْتَجَّ بِهِ مَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ وَهُوَ مَا حَدَّثَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَاكِرٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا محمد ابن أيوب الرقي قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو الْبَزَّارُ قَالَ

стр. 810

حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْجُنَيْدِ قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ غَيْلَانَ الثَّقَفِيَّ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ نَافِعَ بْنَ السَّائِبِ كَانَ لِغَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ فَفَرَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حَاصَرَ الطَّائِفَ فَأَعْتَقَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا أَسْلَمَ غَيْلَانُ رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَاءَ نَافِعٍ إِلَيْهِ قَالَ أَبُو عُمَرَ كَانَ أَهْلُ الطَّائِفِ حَرْبِيِّينَ يَوْمَئِذٍ وَمَا خَرَجَ عَنْهُمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ إِلَى الْمُسْلِمِينَ كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ هَذَا قَبْلَ نَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَهِبَتِهِ وَنَهْيُهُ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَهِبَتِهِ أَقْوَى مِنْ هَذَا

стр. 811

وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلِهِ ﷺ إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ بَيَانُ أَنَّ الْوَلَاءَ لَا يَكُونُ إِلَّا لِمُعْتِقٍ وَهُوَ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لِكُلِّ مُعْتِقٍ كفارا كَانَ أَوْ مُسْلِمًا لِأَنَّهُ قَدْ جَعَلَهُ ﷺ كَالنَّسَبِ فَكَمَا مَنَعَ اخْتِلَافُ الْأَدْيَانِ مِنَ التَّوَارُثِ مَعَ صِحَّةِ النَّسَبِ فَكَذَلِكَ مَنَعَ اخْتِلَافُ الْأَدْيَانِ مِنَ التَّوَارُثِ مَعَ صِحَّةِ الْوَلَاءِ وَثُبُوتِهِ فَإِذَا اتَّفَقَا عَلَى الْإِسْلَامِ تَوَارَثَا وَلَيْسَ اخْتِلَافُ الْأَدْيَانِ مِمَّا يَمْنَعُ مِنَ الْوَلَاءِ وَلَا يَدْفَعُهُ كَمَا أَنَّ اخْتِلَافَ الْأَدْيَانِ لَا يَمْنَعُ النَّسَبَ وَلَكِنَّهُ يَمْنَعُ التَّوَارُثَ كَمَا تَمْنَعُهُ الْعُبُودِيَّةُ وَالْقِتَالُ عَمْدًا قَالُوا فَوَلَاءُ الْمُسْلِمِ عَلَى الْكَافِرِ ثَابِتٌ وَوَلَاءُ الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ ثَابِتٌ إِذَا أَعْتَقَهُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ قَالُوا وَلَا يزيل اسلام (هـ) عَبْدِ النَّصْرَانِيِّ مِلْكَهُ عَنْهُ وَإِنَّمَا يَمْنَعُ اسْتِقْرَارَهُ وَاسْتِدَامَتَهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ إِذَا بِيعَ عَلَيْهِ مَلَكَ ثَمَنَهُ وَلَوِ ارْتَفَعَ مِلْكُهُ عَنْهُ لَمْ يُبَعْ عَلَيْهِ وَلَا مَلَكَ الْمُبْدَلَ مِنْهُ وَنَظِيرُ ذَلِكَ مِلْكُ الرَّجُلِ لِمَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ يَمْنَعُ مِنِ اسْتِدَامَةِ الرِّقِّ وَيُعْتَقُ عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ فَيَكُونُ لَهُ وَلَاؤُهُ وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ وَمَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ يَقُولُونَ فِي الْعَبْدِ إِذَا اشْتُرِيَ اشْتِرَاءً فَاسِدًا فَأَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي إِنَّ الْعِتْقَ وَاقِعٌ وَالْوَلَاءَ ثَابِتٌ لَهُ وَإِنْ كَانَ مِلْكُهُ غَيْرَ تَامٍّ وَلَا مُسْتَقِرٍّ

стр. 812

قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّا الْمُسْلِمُ إِذَا أَعْتَقَ عَبْدَهُ النَّصْرَانِيَّ فَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ لَهُ وَلَاءَهُ وَأَنَّهُ يَرِثُهُ إِنْ أَسْلَمَ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ مِنْ نَسَبِهِ يَحْجُبُهُ فَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ وَهُوَ نَصْرَانِيٌّ فَلَا خِلَافَ عَلِمْتُهُ أَيْضًا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّ مَالَهُ يُوضَعُ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ وَيَجْرِي مَجْرَى الْفَيْءِ إِلَّا مَا ذَكَرَهُ أَشْهَبُ عَنِ الْمَخْزُومِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ عَنْهُ إِنَّ مِيرَاثَهُ لِأَهْلِ دِينِهِ قَالَ فَإِنْ أَسْلَمَ النَّصْرَانِيَّ مِيرَاثَهُ وَلَمْ يَطْلُبُوهُ وَلَا طَلَبَهُ مِنْهُمْ طَالِبٌ أَدْخَلْنَاهُ بَيْتَ مَالِ الْمُسْلِمِينَ مَعْزُولًا وَلَا يَكُونُ فَيْئًا حَتَّى يَرِثَهُ اللَّهُ أَوْ يَأْتِيَ لَهُ طَالِبٌ وَهَذَا عِنْدِي لَا وَجْهَ لَهُ إِلَّا كَوْنُ الْكُفَّارِ بَعْضِهِمْ أَوْلِيَاءَ بعض كما أن المسلمون بَعْضَهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالصَّحِيحُ فِي ذَلِكَ مَا قَالَهُ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ يُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَالِ لِأَنَّ وَلَاءَهُ قَدْ ثَبَتَ لِلْمُسْلِمِينَ وِلَايَةَ نَسَبٍ وَهِيَ أَقْعَدُ مِنْ وِلَايَةِ الدِّينِ فِي وَجْهِ الْمَوَارِيثِ إِلَّا أَنَّ الشَّرِيعَةَ مَنَعَتْ مِنَ التَّوَارُثِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ فَكَانَ هَذَا النَّصْرَانِيُّ الْمُعْتَقُ قَدْ تَرَكَ مَالًا لَا وَارِثَ لَهُ وَلَهُ أَصْلٌ فِي الْمُسْلِمِينَ عُدِمَ مُسْتَحِقُّهُ بِعَيْنِهِ فَوَجَبَ أَنْ يُصْرَفَ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَيُوقَفَ فِي بَيْتِ مَالِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا الْحَرْبِيُّ يُعْتِقُ مَمْلُوكَهُ ثُمَّ يَخْرُجَانِ مُسْلِمَيْنِ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَأَصْحَابَهُ قَالُوا لِلْعَبْدِ أَنْ يُوَالِيَ مَنْ شَاءَ وَلَا يَكُونُ وَلَاؤُهُ لِلْمُعْتِقِ وَكَذَلِكَ عِنْدَهُمْ كُلُّ كَافِرٍ أَعْتَقَ كَافِرًا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ مَوْلَاهُ يَرِثُهُ إِذَا أَسْلَمَ وَاسْتَحْسَنَهُ أَبُو يُوسُفَ وَهُوَ قياس قول

стр. 813

مَالِكٍ فِي الذِّمِّيِّ يُعْتِقُ ذِمِّيًّا ثُمَّ يُسْلِمَانِ وَقَوْلِهِمْ جَمِيعًا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ وَأَمَّا الْمُعْتَقُ سَائِبَةً فَإِنَّ ابْنَ وَهْبٍ رَوَى عَنْ مَالِكٍ قَالَ لَا يُعْتَقُ أَحَدٌ سَائِبَةً لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَعَنْ هِبَتِهِ وَهَذَا عِنْدَ كُلِّ مَنْ مذهب مَذْهَبَ مَالِكٍ إِنَّمَا هُوَ عَلَى كَرَاهِيَةِ السَّائِبَةِ لا غير لِأَنَّ كُلَّ مَنْ أُعْتِقَ عِنْدَهُمْ سَائِبَةً نَفَذَ عِتْقُهُ وَكَانَ وَلَاؤُهُ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ هَكَذَا رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَشْهَبُ وَغَيْرُهُمْ عَنْ مَالِكٍ وَكَذَلِكَ ذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي مُوَطَّئِهِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِهِ عِنْدَ أَصْحَابِهِ وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ مَالِكٍ لَا يُعْتَقُ أَحَدٌ سَائِبَةً رُجُوعًا عَنْ قَوْلِهِ الْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَلَكِنَّ أَصْحَابَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ قَوْلِهِ قَالَ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ وَأَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي السَّائِبَةِ أَنَّهُ لَا يُوَالِي أَحَدًا وَأَنَّ وَلَاءَهُ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَقْلَهُ عَلَيْهِمْ وَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى تَجْوِيزِهِ لِعِتْقِ السَّائِبَةِ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَا أَكْرَهُ عِتْقَ السَّائِبَةِ وَأَنْهَى عَنْهُ فَإِنْ وَقَعَ نَفَذَ وَكَانَ مِيرَاثُهُ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَقْلُهُ عليهم

стр. 814

وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ لَا سَائِبَةَ الْيَوْمَ فِي الْإِسْلَامِ وَمَنْ أَعْتَقَ سَائِبَةً فَإِنَّ وَلَاءَهُ لَهُ وَقَالَ أَصْبَغُ لَا بَأْسَ بِعِتْقِ السَّائِبَةِ ابْتِدَاءً قَالَ أَبُو عُمَرَ أَصْبَغُ ذَهَبَ فِي هَذَا إِلَى الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَلَهُ احْتَجَّ اسمعيل بن اسحق الْقَاضِي وَإِيَّاهُ تَقَلَّدَ وَمِنْ حُجَّتِهِ فِي ذَلِكَ أَنَّ عِتْقَ السَّائِبَةِ مُسْتَفِيضٌ بِالْمَدِينَةِ لَا يُنْكِرُهُ عَالِمٌ وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَغَيْرَهُ مِنَ السَّلَفِ أَعْتَقُوا السَّائِبَةَ وَأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ السَّائِبَةُ وَالصَّدَقَةُ لِيَوْمِهِمَا أَيْ لَا يُتَصَرَّفُ فِي شَيْءٍ مِنْهُمَا وَرَوَى سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ عَنْ بَكْرٍ الْمُزَنِيِّ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أُتِيَ بِمَالِ مَوْلًى أَعْتَقَهُ سَائِبَةً فَمَاتَ فَقَالَ إِنَّا كُنَّا أَعْتَقْنَاهُ سَائِبَةً فَأَمَرَ أَنْ يُشْتَرَى بِهِ رِقَابٌ فَتُعْتَقَ وَرَوَى سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ السَّائِبَةُ وَالصَّدَقَةُ لِيَوْمِهِمَا

стр. 815

وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ وَلَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ قَالَ سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ يَقُولُ أَتَى عَبْدَ اللَّهِ رَجُلٌ بِمَالٍ فَقَالَ خُذْ هَذَا فَقَالَ مَا هُوَ قَالَ مَالُ رَجُلٍ أَعْتَقْتَهُ سَائِبَةً فَمَاتَ وَتَرَكَ هَذَا قَالَ فَهُوَ لَكَ قَالَ لَيْسَ لِي فِيهِ حَاجَةٌ قَالَ وَطَرَحَهُ عَبْدُ اللَّهِ فِي بَيْتِ الْمَالِ قَالَ أَبُو عُمَرَ وَهَذَا إِنْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ لِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ هُوَ لَكَ وَلَمْ يَقُلْ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنَّمَا جَعَلَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ لِأَنَّ ذَلِكَ حُكْمُ كُلِّ مَالٍ يَدْفَعُهُ رَبُّهُ عَنْ نَفْسِهِ إِلَى غَيْرِ مَالِكٍ مُعَيَّنٍ وكذلك فعل عمر ابن الْخَطَّابِ فِي طَارِقِ بْنِ الْمُرَقَّعِ ذَكَرَهُ وَكِيعٌ عَنْ بِسْطَامِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّ طَارِقَ بْنَ الْمُرَقَّعِ أَعْتَقَ عبدا له فمات وترك مالا فأعرض عَلَى طَارِقٍ فَأَبَى فَقَالَ إِنَّمَا جَعَلْتُهُ لِلَّهِ وَلَسْتُ آخِذٌ مِيرَاثَهُ فَكَتَبَ فِيهِ إِلَى عُمَرَ فَكَتَبَ عُمَرُ أَنِ اعْرِضُوا عَلَى طَارِقٍ الْمِيرَاثَ فَإِنْ قَبِلَهُ وَإِلَّا فَاشْتَرُوا بِهِ رَقِيقًا

стр. 816

فَأَعْتِقُوهُمْ فَبَلَغَ خَمْسَ عَشْرَةَ أَوْ سِتَّ عَشْرَةَ رَأْسًا وَأَمَّا أَهْلُ الْمَدِينَةِ فَأَكْثَرُهُمْ عَلَى أَنَّ السَّائِبَةَ مِيرَاثُهُ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَمِمَّنْ رُوِيَ هَذَا عَنْهُ مِنْهُمُ ابْنُ شِهَابٍ وَرَبِيعَةُ وَأَبُو الزِّنَادِ وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَعَطَاءٍ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ فِي قَوْلِ عُمَرَ السَّائِبَةُ لِيَوْمِهَا قَالَ يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُرْجَعُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا أَعْتَقَ سَائِبَةً لَمْ يَرِثْهُ وَلَا يُخْتَلَفُ فِي أَنَّ سَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ أَعْتَقَتْهُ مَوْلَاتُهُ لَيْلَى أَوْ لُبْنَى بنت يعار وكانت تحت أبي حذيفة ابن عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ فَأَعْتَقَتْهُ سَائِبَةً وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ ذَلِكَ ثُمَّ مَاتَ وَتَرَكَ ابْنَتَهُ فَأَعْطَاهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ نِصْفَ مَالِهِ وَجَعَلَ النِّصْفَ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَالَّذِي لَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ مِنْ أَمْرِ سَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حذيفة أنه أعتق سائبة (هـ) وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ قُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ وَإِنَّمَا

стр. 817

نُسِبَ الْقَضَاءُ فِيهِ إِلَى عُمَرَ لِأَنَّهُ كَانَ بِأَمْرِ أَبِي بَكْرٍ وَكَانَ عُمَرُ الْقَاضِيَ لِأَبِي بَكْرٍ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ جَعَلَ مِيرَاثَهُ لِابْنَتِهِ لَمَّا امْتَنَعَ مَوَالِيهِ مِنْ قَبُولِ مِيرَاثِهِ إِذْ كَانَ سَائِبَةً وَرُوِيَ أَنَّهَا أَعْتَقَتْهُ سَائِبَةً فَوَالَى أَبَا حُذَيْفَةَ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ تَرَكَ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ ابْنَتَهُ وَمَوْلَاتُهُ لَيْلَى بِنْتُ يَعَارَ امْرَأَةُ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ عُتْبَةَ فَوَرَّثَ أبو بكر البنت الصنف وَعَرَضَ الْبَاقِيَ عَلَى مَوْلَاتِهِ فَقَالَتْ لَا أَرْجِعُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ سَالِمٍ إِنِّي جَعَلْتُهُ لِلَّهِ فَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ النِّصْفَ الْبَاقِيَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَهَذَا أَوْلَى مِنْ رِوَايَةِ مَنْ رَوَى أَنَّ عُمَرَ حَكَمَ بِذَلِكَ إِلَّا بِمَا وَجَّهْنَا مِنْ أَمْرِ أَبِي بَكْرٍ لَهُ بِذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُمَا قَالَا يُعْرَضُ مَالُ الْمُعْتَقِ سَائِبَةً عَلَى الَّذِي أَعْتَقَهُ فَإِنْ تَحَرَّجَ عَنْهُ اشْتُرِيَ بِهِ رِقَابٌ وَأُعْتِقُوا وَعَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ يَضَعُ السَّائِبَةُ مَالَهُ حَيْثُ شَاءَ وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالزُّهْرِيُّ وَمَكْحُولٌ وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ وَيَرِثُهُ الْمُسْلِمُونَ وَقَالَ مَالِكٌ ﵀ السَّائِبَةُ لَا يُوَالِي أَحَدًا وَوَلَاؤُهُ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَحُجَّتُهُ فِي أَنَّهُ لَا يُوَالِي أَحَدًا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 818

الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ تَوَلَّاهُ السَّائِبَةُ لَمْ يُعْتِقْهُ فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُ وَلَاؤُهُ وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ لَهُ أَنْ يُوَالِيَ مَنْ شَاءَ فَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يُوَالِ أَحَدًا كَانَ وَلَاؤُهُ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَمِنْ حُجَّتِهِمْ فِي ذَلِكَ قَوْلُ عُمَرَ ﵀ لَكَ وَلَاؤُهُ فِي الْمَنْبُوذِ قَالُوا فَقَامَ الصَّغِيرُ مَقَامَهُ لِنَفْسِهِ لَوْ مَيَّزَ مَوْضِعَ الِاخْتِيَارِ لَهَا وَالدَّفْعِ عَنْهَا فَجَازَ بِذَلِكَ لِلْكَبِيرِ أَنْ يُوَالِيَ مَنْ شَاءَ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ وَلَاءٌ وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ يُجِيزُونَ عِتْقَ السَّائِبَةِ وَيَجْعَلُونَ الْوَلَاءَ لِلْمُسْلِمِينَ وَحُجَّتُهُمْ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ عَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ فِي زَعْمِ الْمُحْتَجِّ بِذَلِكَ وَلِأَنَّهُ فِي مَعْنَى مَنْ أَعْتَقَ عَنْ غَيْرِهِ فَيَكُونُ الْوَلَاءُ لَهُ وَمَنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ سَائِبَةً فَقَدْ أَعْتَقَهُ عَنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَلِذَلِكَ صَارَ الْوَلَاءُ لَهُمْ قَالُوا وَإِنَّمَا يكون الولاء لمن اعتق إذا عن نفسه فهذا ما احتج به اسمعيل وَغَيْرُهُ فِي عِتْقِ السَّائِبَةِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا مَنْ أَعْتَقَ سَائِبَةً فَوَلَاؤُهُ لَهُ وَهُوَ يَرِثُهُ دُونَ النَّاسِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَعَطَاءٌ وَالْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ وَضَمْرَةُ بْنُ حَبِيبٍ وَرَاشِدُ بْنُ سَعْدٍ وَبِهِ يَقُولُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ فَنَفَى بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لِغَيْرِ مُعْتِقٍ وَنَهَى ﵇ عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَهِبَتِهِ

стр. 819

وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِقَوْلِ اللَّهِ مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَالْحَدِيثِ لَا سَائِبَةَ فِي الْإِسْلَامِ وَبِمَا رَوَاهُ أَبُو قَيْسٍ عَنْ هُذَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ قَالَ قَالَ رَجُلٌ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ إِنِّي أَعْتَقْتُ غُلَامًا لِي سَائِبَةً فَمَاتَ وَتَرَكَ مَالًا فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ إِنَّ أَهْلَ الْإِسْلَامِ لَا يُسَيِّبُونَ إِنَّمَا كَانَتْ تُسَيِّبُ الْجَاهِلِيَّةُ أَنْتَ وَارِثُهُ وَوَلِيُّ نِعْمَتِهِ وَقَدْ رَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ طَارِقَ بْنَ الْمُرَقَّعِ كَانَ أَمِيرًا عَلَى مَكَّةَ فَأَعْتَقَ سَوَائِبَ فَمَاتُوا فَجَاءُوا بِالْمِيرَاثِ إِلَى عُمَرَ فَقَالَ أَعْطُوهُ وَرَثَتَهُ فَأَبَى الْوَرَثَةُ أَنْ يَقْبَلُوهُ فَاشْتَرَوْا بِهِ رِقَابًا فَأَعْتَقُوهُمْ قَالَ أَبُو عُمَرَ رَوَى شُعْبَةُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو الشَّيْبَانِيَّ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ السَّائِبَةُ يَضَعُ مَالَهُ حَيْثُ شَاءَ وَهَذَا مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُعْتِقَ لَهُ سَائِبَةً لَمْ يَكُنْ حَيًّا وَلَا عَصَبَتُهُ وَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ حَالُهُ فَمَذْهَبُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِيهِ وَفِي كُلِّ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ أَنَّهُ يَضَعُ مَالَهُ حَيْثُ شَاءَ وَأَجَازَ لَهُ أَنْ يُوصِيَ

стр. 820

بِمَالِهِ لِمَنْ شَاءَ وَهُوَ قَوْلُ مَسْرُوقٍ وَعُبَيْدَةُ وَالشَّعْبِيُّ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَأَمَّا الَّذِي يُسْلِمُ عَلَى يَدِ رَجُلٍ أَوْ يُوَالِيهِ فَإِنَّ مَالِكًا وَأَصْحَابَهُ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ شُبْرُمَةَ وَالثَّوْرِيَّ وَالْأَوْزَاعِيَّ وَالشَّافِعِيَّ وَأَصْحَابَهُ قَالُوا لَا مِيرَاثَ لِلَّذِي أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ وَلَا وَلَاءَ لَهُ بِحَالٍ وَمِيرَاثُ ذَلِكَ الْمُسْلِمِ إِذَا لَمْ يَدَعْ وَارِثًا لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَدَاوُدَ وَلَا وَلَاءَ إِلَّا لِلْمُعْتِقِ وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ قَالُوا وَهَذَا غَيْرُ مُعْتِقٍ فَكَيْفَ يَكُونُ لهؤلاء مَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا أَنَّ الْمِيرَاثَ بِالْمُعَاقَدَةِ مَنْسُوخٌ فَبَطَلَ بِذَلِكَ أَنْ يُوَالِيَ أَحَدٌ أَحَدًا لِأَنَّ الْوَلَاءَ نَسَبٌ قَالَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ ذَكَرَ أَنَّ فِي يَدِهِ أَلْفَ دِينَارٍ مِنْ مَالِ رَجُلٍ هَلَكَ وَقَدْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ فَقِيلَ لَهُ لَيْسَ لَكَ هَذَا فَلَا أَرَاهُ إِلَّا رَدَّهَا قَالَ أَشْهَبُ الرَّجُلُ الَّذِي جَاءَ هُوَ مُوسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ وَقَالَ رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِذَا أَسْلَمَ كَافِرٌ عَلَى يَدِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ بِأَرْضِ العدو أو بأرض المسلمين فميراثه للذي أسم على يديه

стр. 821

وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ إِذَا كَانَ مِنْ أَرْضِ الْعَدُوِّ فَجَاءَ فَأَسْلَمَ عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ فَإِنَّ وَلَاءَهُ لِمَنْ وَالَاهُ وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ فَوَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ وَوَالَاهُ وَعَاقَدَهُ ثُمَّ مَاتَ وَلَا وَارِثَ غَيْرُهُ فَمِيرَاثُهُ لَهُ وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ فَقَدْ وَالَاهُ وَمِيرَاثُهُ لِلَّذِي أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ إِذَا لَمْ يَدَعْ وَارِثًا غَيْرَهُ وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ

стр. 822

عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمُشْرِكِ يُسْلِمُ عَلَى يَدَيِ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ فَقَالَ هُوَ أَحَقُّ النَّاسِ وَأَوْلَى النَّاسِ بِمَحْيَاهُ وَمَمَاتِهِ قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ

стр. 823

فَحَدَّثَ بِهِ ابْنُ مَوْهَبٍ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَشَهِدْتُهُ قَضَى بِذَلِكَ فِي رَجُلٍ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ فَمَاتَ وَتَرَكَ مَالًا وَابْنَةً فَقَسَّمَ مَالَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنَتِهِ فَأَعْطَى الابن النِّصْفَ وَأَعْطَى الَّذِي أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ النِّصْفَ وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ قَضَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي رَجُلٍ وَالَى قَوْمًا فَجَعَلَ مِيرَاثَهُ لَهُمْ وَعَقْلَهُ عَلَيْهِمْ قَالَ مَعْمَرٌ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ إِذَا لَمْ يُوَالِ أَحَدًا وَرِثَهُ الْمُسْلِمُونَ قَالَ أَبُو عُمَرَ فِي هذه المسألة أقوال أحدهما مَا قَدَّمْنَا عَنْ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَمَنْ تَابَعَهُمَا أَنَّهُ لَا يَكُونُ وَلَاؤُهُ وَلَاءَ مِيرَاثٍ لِمَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ وَسَوَاءٌ وَالَاهُ أَوْ لَمْ يُوَالِهِ وَقَوْلٌ آخَرُ إِذَا أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ وَرِثَهُ وَإِنْ لَمْ يُوَالِهِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ

стр. 824

جَعَلَ إِسْلَامَهُ عَلَى يَدَيْهِ مُوَالَاةً وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا حَدِيثُ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ الْمَذْكُورُ وَمَا رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ جعفر بن الزبير عن القاسم ابن عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ فَلَهُ وَلَاؤُهُ

стр. 825

وَذَكَرَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ عَنِ الْأَحْوَصِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ رَجُلٌ فَهُوَ مَوْلَاهُ وَهِيَ آثَارٌ لَيْسَتْ بِالْقَوِيَّةِ وَمَرَاسِيلُ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ إِذَا وَالَى رَجُلٌ رَجُلًا وَعَاقَدَهُ فَهُوَ يَعْقِلُ عَنْهُ وَيَرِثُهُ إِذَا لَمْ يُخْلِفْ ذَا رَحِمٍ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُمْ أَجَازُوا الْمُوَالَاةَ وَوَرَّثُوا بِهَا وَعَنْ عَطَاءٍ وَالزُّهْرِيِّ وَمَكْحُولٍ نَحْوَهُ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ إِنْ عَقَلَ عَنْهُ وَرِثَهُ وَإِنْ لَمْ يَعْقِلْ عَنْهُ لَمْ يَرِثْهُ

стр. 826

رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَيُّمَا رَجُلٍ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ فَعَقَلَ عَنْهُ وَرِثَهُ وَإِنْ لَمْ يَعْقِلْ عَنْهُ لَمْ يَرِثْهُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إِذَا وَالَاهُ عَلَى أَنْ يَعْقِلَ عَنْهُ وَيَرِثَهُ عَقَلَ عَنْهُ وَوَرِثَهُ إِذَا لَمْ يُخْلِفْ وَارِثًا مَعْرُوفًا قَالُوا وَلَهُ أَنْ يَنْقُلَ وَلَاءَهُ عَنْهُ مَا لَمْ يَعْقِلْ عَنْهُ أو عن أحد من صغار وَلَدِهِ وَلِلْمُوَالِي أَنْ يَبْرَأَ مِنْ وَلَائِهِ بِحَضْرَتِهِ مَا لَمْ يَعْقِلْ عَنْهُ قَالُوا وَإِنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ وَلَمْ يُوَالِهِ لَمْ يَرِثْهُ وَلَمْ يَعْقِلْ عَنْهُ وَهُوَ قَوْلُ الْحَكَمِ وَحَمَّادٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَنْ لَا تُعْرَفُ لَهُ عَصَبَةٌ وَلَا ذُو رَحِمٍ يَرِثُ بِهَا وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ أَلَمْ أَرَ بُرْمَةً فِيهَا لَحْمٌ فَقِيلَ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَكِنْ ذَلِكَ لَحْمٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ وَأَنْتَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ فَقَالَ ﷺ هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَهُوَ لَنَا هَدِيَّةٌ فَفِيهِ إِبَاحَةُ أَكْلِ اللَّحْمِ وَهُوَ يَرُدُّ قَوْلَ مَنْ كَرِهَهُ مِنَ الصُّوفِيَّةِ وَالْعُبَّادِ وَيُبَيِّنُ مَعْنَى قَوْلِ عُمَرَ إِيَّاكُمْ وَاللَّحْمَ فَإِنَّ لَهُ ضَرَاوَةً كَضَرَاوَةِ الْخَمْرِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ سَيِّدُ إِدَامِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ اللَّحْمُ وَسَيَأْتِي مِنْ هَذَا الْمَعْنَى ذِكْرٌ عِنْدَ قَوْلِهِ ﷺ نَكِّبْ عَنْ ذَاتِ الدَّرِّ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ذَكَرَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَلْوَانِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ

стр. 827

قَالَ حَدَّثَنَا بَكَّارُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ بُرَيْدٍ الْكِنْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا غَالِبٌ الْقَطَّانُ قَالَ كَانَ لِلْحَسَنِ كُلَّ يَوْمٍ لَحْمٌ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ وَمَا وَجَدْتُ مَرَقَةً قَطُّ أَطْيَبَ رِيحًا مِنْ مَرَقَةِ الْحَسَنِ قَالَ وَحَدَّثَنَا عَائِذٌ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ قَالَ مَا وَجَدْتُ مَرَقَةً أَطْيَبَ رِيحًا مِنْ مَرَقَةِ الْحَسَنِ قَالَ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو هِلَالٍ قَالَ مَا دَخَلْنَا عَلَى الْحَسَنِ قَطُّ إِلَّا وَقِدْرُهُ تَفُورُ بِلَحْمٍ طَيِّبَةِ الرِّيحِ

стр. 828

قال ودخلت يوما على محمد وهوي يَأْكُلُ مُتَّكِئًا مِنْ سَمَكٍ صِغَارٍ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا أَنَّ الصَّدَقَةَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَأْكُلُهَا وَكَانَ يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الصَّدَقَةَ كَانَتْ لَا تَحِلُّ لَهُ عَلَى لِسَانِهِ ﷺ ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ الصَّدَقَةُ لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ ولالآل مُحَمَّدٍ وَأَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ وَلَا يَأْكُلُ الصدقة (هـ) حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو طالب محمد بن زكريا الْمَقْدِسِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ الْغَازِي أَبُو ذُهْلٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَكَانَ لَا يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ وقال طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِنَّ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَنَزَّهُ عَنْهَا وَلَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ مُحَرَّمَةً وَقَالَ آخَرُونَ وَهُمْ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ كُلُّ صَدَقَةٍ فَدَاخِلَةٌ تَحْتَ قَوْلِهِ ﷺ إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لَنَا وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّهُ كَانَ ﵇ لَا يَأْكُلُ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ وَقَالُوا فِي اللَّحْمِ الَّذِي

стр. 829

تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ صَدَقَاتِ التَّطَوُّعِ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ فِي الصَّدَقَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ أَنَّهَا لَا تُفَرَّقُ لَحْمًا وَإِنَّمَا تُفَرَّقُ لَحْمًا لُحُومُ الْأُضْحِيَّةِ وَالْعَقِيقَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ التَّطَوُّعِ قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّا تَحْرِيمُ الصَّدَقَةِ الْمُفْتَرَضَةِ عَلَيْهِ وَعَلَى أَهْلِهِ فَأَشْهَرُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَنْ يُحْتَاجَ فِيهَا إِلَى إِكْثَارٍ وَنَحْنُ نذكر ها هنا مِنْ ذَلِكَ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ إِنْ شَاءَ الله وذكرر عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنِّي لَأَدْخُلُ بَيْتِي فَأَجِدُ التَّمْرَةَ مُلْقَاةً عَلَى فِرَاشِي فَلَوْلَا أَنِّي أَخْشَى أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لَأَكَلْتُهَا وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَمُرُّ بِالتَّمْرَةِ فَمَا يَمْنَعُهُ مِنْ أَخْذِهَا إِلَّا مَخَافَةَ أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ وَيَعِيشُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الْعَوَّامِ قَالَ حَدَّثَنَا

стр. 830

أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ قَالَ حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ عُمَارَةَ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ شَيْبَانَ قَالَ قُلْتُ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ هَلْ حَفِظْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا قَالَ نَعَمْ دَخَلْتُ غُرْفَةَ الصَّدَقَةِ فَأَخَذْتُ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَأَلْقَيْتُهَا فِي فَمِي فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ انْزِعْهَا فَإِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلَا لِأَهْلِهِ

стр. 831

رَوَى شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِتَمْرٍ مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَتَنَاوَلَ الحسن ابن عَلِيٍّ مِنْهَا تَمْرَةً فَلَاكَهَا فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ كِخْ إِنَّهُ لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّا الصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ فَلَا تَحِلُّ لِلنَّبِيِّ ﵇ وَلَا لِبَنِي هَاشِمٍ وَلَا لِمَوَالِيهِمْ لَا خِلَافَ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ إِلَّا أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ إِنَّ مَوَالِيَ بَنِي هَاشِمٍ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ وَهَذَا خِلَافُ الثَّابِتِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ حدثنا عمرو ابن عَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَكَمُ عَنِ ابْنِ أَبِي رَافِعٍ

стр. 832

عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ عَلَى الصَّدَقَةِ فَأَرَادَ أَبُو رَافِعٍ أَنْ يَتْبَعَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لَنَا وَإِنَّ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ وَأَبُو رَافِعٍ مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ وَاسْمُهُ أَسْلَمُ وَقِيلَ إِبْرَاهِيمُ وقيل غر ذَلِكَ عَلَى مَا قَدْ ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ أَيْضًا فِي جَوَازِ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ لِبَنِي هَاشِمٍ وَالَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا أَنَّ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ لَا بَأْسَ بِهَا لِبَنِي هَاشِمٍ وَمَوَالِيهِمْ وَمِمَّا يَدُلُّكَ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ أَنَّ عَلِيًّا وَالْعَبَّاسَ وَفَاطِمَةَ ﵃ وَغَيْرَهُمْ

стр. 833

تَصَدَّقُوا وَأَوْقَفُوا أَوْقَافًا عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَصَدَقَاتُهُمُ الْمَوْقُوفَةُ مَعْرُوفَةٌ مَشْهُورَةٌ وَلَا خِلَافَ عَلِمْتُهُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي بَنِي هَاشِمٍ وَغَيْرِهِمْ فِي قَبُولِ الْهَدَايَا وَالْمَعْرُوفِ سَوَاءً وَقَدْ قَالَ ﷺ كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ وَسَنَزِيدُ هَذَا الْبَابَ بَيَانًا فِي أَوْلَى الْمَوَاضِعِ بِهِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَأَمَّا امْتِنَاعُهُ ﷺ مِنْ أَكْلِ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ فَمَشْهُورٌ وَمَنْقُولٌ مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ قَالَ حدثنا حمزة بن محمد ابن عَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ أخبرنا زياد ابن أَيُّوبَ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إسمعيل قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ هَارُونَ الصَّبَّاحِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ

стр. 834

الدَّرْوَقِيُّ قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ وَاصِلٍ قَالَ حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أُتِيَ بِشَيْءٍ سَأَلَ عَنْهُ أَصَدَقَةٌ أَمْ هَدِيَّةٌ فَإِنْ قِيلَ صَدَقَةٌ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ وَإِنْ قِيلَ هَدِيَّةٌ بَسَطَ يَدَهُ وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ يَحْيَى بْنِ مَهْدِيٍّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَفْصِ بْنِ رَاشِدٍ الْإِمَامُ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ قَالَ حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَيُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ السَّدُوسِيُّ قَالَا حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 835

كَانَ إِذَا أُتِيَ بِهَدِيَّةٍ قَبِلَهَا وَإِذَا أُتِيَ بِصَدَقَةٍ أَمَرَ أَصْحَابَهُ فَأَكَلُوهَا حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إسحق عَنْ أَبِي قُرَّةَ الْكِنْدِيِّ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ كُنْتُ مِنْ أَبْنَاءِ أَسَاوِرَةِ فَارِسَ وَكُنْتُ فِي كُتَّابٍ وَكَانَ مَعِي غُلَامَانِ فَإِذَا أَتَيَا مِنْ عِنْدِ مُعَلِّمِهِمَا أَتَيَا قِسًّا فَدَخَلَا عَلَيْهِ فَدَخَلْتُ مَعَهُمَا عَلَيْهِ فَقَالَ أَلَمْ أَنْهَكُمَا أَنْ تَأْتِيَانِي بِأَحَدٍ فَجَعَلْتُ أَخْتَلِفُ إِلَيْهِ حَتَّى كُنْتُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْهُمَا فَقَالَ لِي إِذَا سَأَلَكَ أَهْلُكَ مَا حَبَسَكَ فَقُلْ مُعَلِّمِي وَإِذَا سَأَلَكَ معلما مَا حَبَسَكَ فَقُلْ أَهْلِي ثُمَّ إِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَتَحَوَّلَ فَقُلْتُ لَهُ أَنَا أَتَحَوَّلُ مَعَكَ فَتَحَوَّلْتُ مَعَهُ فَنَزَلْتُ قَرْيَةً فَكَانَتِ امْرَأَةٌ تَأْتِيهِ فَلَمَّا حَضَرَ قَالَ لِي يَا سَلْمَانُ احْفِرْ عِنْدَ رَأْسِي فَحَفَرْتُ عِنْدَ رَأْسِهِ فَاسْتَخْرَجْتُ جَرَّةً مِنْ دَرَاهِمَ فَقَالَ لِي صُبَّهَا عَلَى صَدْرِي فَصَبَبْتُهَا عَلَى صَدْرِهِ فَجَعَلَ يَقُولُ وَيْلٌ لِاقْتِنَائِي ثُمَّ إِنَّهُ مَاتَ فَهَمَمْتُ بِالدَّرَاهِمِ أَنْ أُحَوِّلَهَا ثُمَّ إِنِّي ذَكَرْتُ قَوْلَهُ فَتَرَكْتُهَا ثُمَّ إِنِّي أَذِنْتُ الْقِسِّيسِينَ وَالرُّهْبَانَ بِهِ فَحَضَرُوهُ فَقُلْتُ لَهُمْ إِنَّهُ قَدْ تَرَكَ مَالًا فَقَامَ شَبَابٌ مِنَ الْقَرْيَةِ فَقَالُوا هَذَا مَالُ أَبِينَا فَأَخَذُوهُ قَالَ فقلت للرهبان أخبروني برجل

стр. 836

عالم ابتعه فَقَالُوا مَا نَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ رَجُلًا أَعْلَمَ من رجل بحمص فانطلقلت إِلَيْهِ فَلَقِيتُهُ فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ قَالَ وَمَا جَاءَ بِكَ إِلَّا طَلَبُ الْعِلْمِ قُلْتُ مَا كَانَ إِلَّا طَلَبُ الْعِلْمِ فَقَالَ إِنِّي لَا أَعْلَمُ الْيَوْمَ فِي الْأَرْضِ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْ رَجُلٍ يَأْتِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ كُلَّ سَنَةٍ إِنِ انْطَلَقْتَ الْآنَ وَافَقْتَ حِمَارَهُ فَانْطَلَقْتُ فَإِذَا أَنَا بِحِمَارِهِ عَلَى بَابِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَجَلَسْتُ عِنْدَهُ وَانْطَلَقَ فَلَمْ أَرَهُ حَتَّى الْحَوْلِ فَجَاءَ فَقُلْتُ يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا صَنَعْتَ بِي قَالَ وأنك لها هنا قُلْتُ نَعَمْ فَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ الْيَوْمَ رَجُلًا أَعْلَمَ مِنْ رَجُلٍ خَرَجَ مِنْ أَرْضِ تَيْمَاءَ وَإِنْ تَنْطَلِقِ الْآنَ تُوَافِقْهُ وَفِيهِ ثَلَاثُ آيَاتٍ يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ وَعِنْدَ غُرْضُوفِ كَتِفِهِ الْيُمْنَى خَاتَمُ النُّبُوَّةِ مِثْلُ بَيْضَةِ الْحَمَامَةِ لَوْنُهَا لَوْنُ جِلْدِهِ قَالَ فَانْطَلَقْتُ تَرْفَعُنِي أَرْضٌ وَتَخْفِضُنِي أُخْرَى حَتَّى مَرَرْتُ بِقَوْمٍ مِنَ الْأَعْرَابِ فَاسْتَعْبَدُونِي فَبَاعُونِي حَتَّى اشْتَرَتْنِي امْرَأَةٌ بِالْمَدِينَةِ فَسَمِعْتُهُمْ يَذْكُرُونَ النَّبِيَّ ﵇ وَكَانَ الْعَيْشُ عَزِيزًا فَقُلْتُ لَهَا هَبِي لِي يَوْمًا فَقَالَتْ نَعَمْ فَانْطَلَقْتُ فَاحْتَطَبْتُ حَطَبًا فَبِعْتُهُ فَأَتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ وَكَانَ يَسِيرًا فَوَضَعْتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ مَا هَذَا فَقُلْتُ صَدَقَةٌ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ كُلُوا وَلَمْ يَأْكُلْ فَقُلْتُ هذه

стр. 837

مِنْ عَلَامَاتِهِ ثُمَّ مَكَثْتُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَمْكُثَ ثُمَّ قُلْتُ لِمَوْلَاتِي هَبِي لِي يَوْمًا فَقَالَتْ نَعَمْ فَانْطَلَقْتُ فَاحْتَطَبْتُ حَطَبًا فَبِعْتُهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَصَنَعْتُ طَعَامًا فَأَتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ فَوَضَعْتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ مَا هَذَا فَقُلْتُ هَدِيَّةٌ فَوَضَعَ يَدَهُ وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ خُذُوا بِاسْمِ اللَّهِ فَقُمْتُ خَلْفَهُ فَوَضَعَ رِدَاءَهُ فَإِذَا خَاتَمُ النُّبُوءَةِ فَقُلْتُ أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ فَقَالَ وَمَا ذَاكَ فَحَدَّثْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ ثُمَّ قُلْتُ أَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنَّهُ حَدَّثَنِي أَنَّكَ نَبِيٌّ فَقَالَ لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْمِسْوَرِ قَالَ حَدَّثَنَا مِقْدَامُ بْنُ دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَحَدِ بْنُ اللَّيْثِ بْنِ عَاصِمٍ أَبُو زُرْعَةَ قَالَ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سعد عن يحيى ابن سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ سَلْمَانَ الْخَيْرَ كَانَ خَالَطَ النَّاسَ مِنْ أَصْحَابِ دَانْيَالَ بِأَرْضِ فَارِسَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ فَسَمِعَ ذِكْرَ النَّبِيِّ ﵇ وَصِفَتَهُ فَإِذَا فِي حَدِيثِهِمْ أَنَّهُ يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ فِي أَشْيَاءَ مِنْ صِفَتِهِ فَأَرَادَ الْخُرُوجَ فِي الْتِمَاسِهِ فَمَنَعَهُ أَبُوهُ ثُمَّ هَلَكَ أَبُوهُ فَخَرَجَ إِلَى الشَّامِ يَلْتَمِسُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَكَانَ هُنَاكَ فِي كَنِيسَةٍ ثُمَّ سَمِعَ بِخُرُوجِ رسول

стр. 838

اللَّهِ ﷺ وَذِكْرِهِ فَخَرَجَ يُرِيدُهُ فَأَخَذَهُ أَهْلُ تَيْمَاءَ فَاسْتَرَقُّوهُ فَقَدِمُوا بِهِ الْمَدِينَةَ فَبَاعُوهُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ أَتَاهُ سَلْمَانُ بِشَيْءٍ فَقَالَ مَا هَذَا فَقَالَ صَدَقَةٌ فَأَمَرَ بِهَا فَصُرِفَتْ ثُمَّ جَاءَ بِشَيْءٍ فَقَالَ مَا هَذَا فَقَالَ هَدِيَّةٌ فَأَكَلَ مِنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمَ سَلْمَانُ عِنْدَ ذَلِكَ فَأَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ مَمْلُوكٌ فَقَالَ كَاتِبْهُمْ بِغَرْسِ مِائَةِ وَدِيَّةٍ فَرَمَاهُ الْأَنْصَارُ مِنْ وَدِيَّةٍ وَوَدِيَّتَيْنِ فَغَرَسَهَا فَأَقْبَلَ يَوْمًا آخَرَ وَإِنَّهُ لَفِي سَقْيِ ذَلِكَ الودي أو وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ يَحْيَى بْنِ مَهْدِيٍّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَفْصٍ الْإِمَامُ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ قَالَ حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ قَالَ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ سَلْمَانَ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِصَدَقَةٍ فَقَالَ صَدَقَةٌ عَلَيْكَ وَعَلَى أَصْحَابِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ فَدَفَعَهَا ثُمَّ جَاءَ مِنَ الْغَدِ بِمِثْلِهَا فَقَالَ هَذِهِ هَدِيَّةٌ لَكَ فَقَالَ ﷺ لأصحابه

стр. 839

كُلُوا قَالَ ثُمَّ اشْتَرَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَلْمَانَ بِكَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا مِنْ يَهُودَ وَعَلَى أَنْ يَغْرِسَ لَهُمْ كَذَا وَكَذَا مِنَ النَّخْلِ يَقُومُ عَلَيْهِ حَتَّى يُدْرَكَ قَالَ فَغَرَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّخْلَ كُلَّهُ إِلَّا نَخْلَةً غَرَسَهَا عُمَرُ قَالَ فَأَطْعَمَ النَّخْلُ كُلُّهُ إِلَّا النَّخْلَةَ الَّتِي غَرَسَهَا عُمَرُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ غَرَسَ هَذِهِ النَّخْلَةَ فَقَالُوا عُمَرُ قَالَ فَقَطَعَهَا وَغَرَسَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَطْعَمَتْ مِنْ عَامِهَا حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ حدثنا ابن الأصبهاني قال أخبرنا شريك عن عُبَيْدٍ الْمُكْتِبُ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ سَلْمَانَ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِصَدَقَةٍ فَرَدَّهَا وَأَتَيْتُهُ بِهَدِيَّةٍ فَقَبِلَهَا وَإِنَّمَا لَمْ تَجُزْ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ لِلنَّبِيِّ ﵇ وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ لَا يُثَابُ عَلَيْهَا صَاحِبُهَا لِأَنَّهُ لَا يَبْتَغِي بِهَا إِلَّا الْآخِرَةَ وَأُبِيحَتْ لَهُ الْهَدِيَّةُ لِأَنَّهُ يُثِيبُ عَلَيْهَا وَلَا تَلْحَقُهُ بِذَلِكَ مِنَّةٌ وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلَّا لِخَمْسَةٍ لِغَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا أَوْ لِغَارِمٍ أَوْ

стр. 840

لِرَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ أَوْ لِرَجُلٍ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ فَتَصَدَّقَ عَلَى الْمِسْكِينِ فَأَهْدَى الْمِسْكِينُ لِلْغَنِيِّ وَهَذَا فِي مَعْنَى حَدِيثِ بَرِيرَةَ سَوَاءٌ فِي قَوْلِهِ ﵇ هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ وَسَيَأْتِي هَذَا الْحَدِيثُ وَيَأْتِي الْقَوْلُ فِيهِ وَفِي إِسْنَادِهِ وَمَعَانِيهِ فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَقَوْلُهُ لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلَّا لِخَمْسَةٍ يريد الصدقة المفروضة وأما التطوع فغير محرمة على أحد غير مَنْ ذَكَرْنَا عَلَى حَسَبِ مَا وَصَفْنَا فِي هَذَا الْبَابِ إِلَّا أَنَّ التَّنَزُّهَ عَنْهَا حَسَنٌ وقبولها من غير مسئلة لا بأس به ومسئلتها غير جائرة إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدْ بُدًّا وَسَنُبَيِّنُ هَذِهِ الْوُجُوهِ كُلِّهَا فِي مَوَاضِعِهَا مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَقَدِ اسْتَدَلَّ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى جَوَازِ شِرَاءِ الْمُتَصَدِّقِ صَدَقَتَهُ مِنَ السَّاعِي إِذَا قَبَضَهَا السَّاعِي وَبَانَ بِهَا إِلَى نَفْسِهِ بِحَدِيثِ بَرِيرَةَ هَذَا وَقَالُوا شِرَاءُ الصَّدَقَةِ مِنَ السَّاعِي وَمِنَ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ جَائِزٌ لِأَنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى مُشْتَرِيهَا مِنْ غَيْرِ مِلْكِ الْجِهَةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَانِعٍ لِلصَّدَقَةِ وَلَا عَائِدٍ فِيهَا مِنْ وَجْهِهَا وَقَالُوا كَمَا رَجَعَتِ الصَّدَقَةُ عَلَى بَرِيرَةَ هَدِيَّةً إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَكُنْ بِذَاكَ بَأْسٌ وَكَذَلِكَ إِذَا اشْتَرَاهَا الْمُتَصَدِّقُ بِهَا وَقَالُوا كَمَا أَنَّهُ لَوْ وَرِثَهَا لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بَأْسٌ وَقِيلَ

стр. 841

إِنَّ اسْتِقَاءَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ اللَّبَنَ الَّذِي سُقِيَهُ مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ إِنَّمَا اسْتَقَاءَهُ لِأَنَّ الَّذِي سَقَاهُ إِيَّاهُ كَانَ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ الَّذِينَ لَا تَحِلُّ لَهُمُ الصَّدَقَةُ وَلَا يَصِحُّ مِلْكُهَا وَلَوْ كَانَ مِمَّنْ تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ وَيَسْتَقِرُّ عليها ملكه ما اسقاءه عُمَرُ لِأَنَّهُ كَانَ يَحِلُّ لَهُ حِينَئِذٍ لِأَنَّهُ غَنِيٌّ أَهْدَى إِلَيْهِ رَجُلٌ مِسْكِينٌ مِمَّا تُصُدِّقَ عَلَيْهِ عَلَى حَدِيثِ بَرِيرَةَ وَغَيْرِهِ مِمَّا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّا إِهْدَاءُ الْمِسْكِينِ إِلَى الْغَنِيِّ فَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ جَوَازُهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا وَغَيْرِهَا فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَيْضًا وَغَيْرِهِ وَكَذَلِكَ مَا رَجَعَ بِالْمِيرَاثِ إِلَى الْمُتَصَدِّقِ فَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ جَوَازُهُ أَيْضًا فَوَجَبَ الْوُقُوفُ عند ذَلِكَ كُلُّهُ عَلَى حَسَبِ مَا نُقِلَ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ ﷺ وَأَمَّا شِرَاءُ الصَّدَقَةِ مِنَ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ وَمِنَ السَّاعِي فَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﵇ لِعُمَرَ فِي الْفَرَسِ الَّتِي حَمَلَ عَلَيْهَا عُمَرُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تَشْتَرِهَا وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ الْحَدِيثَ فَكَيْفَ يُجْمَعُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ فَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمَا إِلَّا أَنَّ أَهْلَ

стр. 842

الْعِلْمِ حَمَلُوا نَهْيَهُ عَلَى شِرَاءِ الصَّدَقَةِ وَالْعَوْدَةِ فِيهَا عَلَى سَبِيلِ التَّنَزُّهِ عَنْهَا لَا عَلَى سَبِيلِ التَّحْرِيمِ وَلِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ قَطْعِ الذَّرِيعَةِ لِئَلَّا يُطْلِقَ لِلنَّاسِ اشْتِرَاءَ صَدَقَاتِهِمْ فَيَشْتَرُونَهَا مِنَ السَّاعِي وَالْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ قَبْلَ الْقَبْضِ فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ بَيْعُ مَا لَمْ يُقْبَضْ وَإِعْطَاءُ الْقِيمَةِ عَنِ الْعَيْنِ الْوَاجِبَةِ وَسَنَذْكُرُ مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي هَذَا الْمَعْنَى فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا عِنْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ عُمَرَ فِي الْفَرَسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَأَمَّا رُجُوعُهَا بِالْمِيرَاثِ إِلَى الْمُتَصَدِّقِ بِهَا فَلَا تُهْمَةَ فِيهَا وَلَا كَرَاهِيَةَ تَدْخُلُهُ إِلَى مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ من جَوَازِهِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يونس قال حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَطَاءٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابن بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ

стр. 843

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ كُنْتُ تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِوَلِيدَةٍ وَإِنَّهَا مَاتَتْ وَتَرَكَتْ تِلْكَ الْوَلِيدَةَ فَقَالَ وَجَبَ أَجْرُكِ وَرَجَعَتْ إِلَيْكِ بِالْمِيرَاثِ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ جَاءَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِجَارِيَةٍ فَمَاتَتْ وَبَقِيَتِ الْجَارِيَةُ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ وَجَبَ أَجْرُكِ وَرَجَعَتْ إِلَيْكِ بِالْمِيرَاثِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُومِنِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ بْنِ دَاسَةَ قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ قَالَ حَدَّثَنَا

стр. 844

عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ ابن مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِلَحْمٍ فَقَالَ مَا هَذَا فَقَالُوا شَيْءٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ قَالَ هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ قَالَ أَبُو عُمَرَ فَفِي هَذِهِ الْآثَارِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ إِذَا تَحَوَّلَتْ إِلَى غَيْرِ مَعْنَاهَا حَلَّتْ لِمَنْ لَمْ تَكُنْ تَحِلُّ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَفِي قَوْلِهِ هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَهُوَ لَنَا هَدِيَّةٌ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا لَمْ يَحْرُمْ لِعَيْنِهِ كَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالدَّمِ وَالْعَذَرَاتِ وَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ وَمَا أَشْبَهَهَا وَحَرُمَ لِعِلَّةٍ عَرَضَتْ مِنْ فِعْلِ فَاعِلٍ إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الْعِلَلِ فَإِنَّ تَحْرِيمَهُ يَزُولُ بِزَوَالِ الْعِلَّةِ أَلَا تَرَى أَنَّ الدِّرْهَمَ الْمَغْصُوبَ وَالْمَسْرُوقَ حَرَامٌ عَلَى الْغَاصِبِ وَالسَّارِقِ مِنْ أَجْلِ غَصْبِهِ لَهُ وَسَرِقَتِهِ إِيَّاهُ فَإِنْ وَهَبَهُ لَهُ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ وَالْمَسْرُوقُ مِنْهُ طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ حَلَّ لَهُ وَهُوَ الدِّرْهَمُ بِعَيْنِهِ

стр. 845

وَقَدِ اعْتَلَّ قَوْمٌ مِمَّنْ نَفَى الْقِيَاسَ فِي الْأَحْكَامِ وَزَعَمَ أَنَّ التَّعَبُّدَ بِالْأَسْمَاءِ دُونَ الْمَعَانِي بِحَدِيثِ بَرِيرَةَ هَذَا فِي قِصَّةِ اللَّحْمِ وَالصَّدَقَةِ بِهِ وَالْهَدِيَّةِ وَزَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ اللَّحْمَ لَمَّا سُمِّيَ صَدَقَةً حَرُمَ فَلَمَّا سُمِّيَ هَدِيَّةً حَلَّ فَجَاءَ بِتَخْلِيطٍ مِنَ الْقَوْلِ وَخَطَلٍ مِنْهُ وَاحْتَجَّ عَلَى مَذْهَبِهِ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَلَامِ فِي هَذَا الْبَابِ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا وَلَوْ ذَكَرْنَاهُ ها هنا خَرَجْنَا عَمَّا شَرَطْنَا وَعَمَّا لَهُ قَصَدْنَا وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا وَعَلَيْهِ تَوَكُّلُنَا
следующие страницы →