"ألا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الأَمْرِ وعَمُودِه وذِرْوَةِ سَنامِهِ؟ ".
قلْتُ: بَلى يا رسولَ الله! قال:
"رأسُ الأمْرِ الإسْلامُ، وعَمودُهُ الصلاةُ، وذِرْوَةُ سَنامِهِ الجِهَادُ". ثمَّ قالَ:
"ألا أُخْبِرُكَ بِمَلاكِ ذلكَ كُلِّه؟ ".
قلتُ: بَلى يا رسولَ الله! قال:
"كُفَّ عليكَ هذا". وأشارَ إلى لسانِهِ.
قلتُ: يا نَبِيَّ الله! وإنَّا لمُؤاخَذُونَ بِما نَتَكلَّمُ بِهِ؟ قال:
"ثَكِلَتْكَ (١) أُمُّكَ، وهل يَكُبُّ الناسَ في النارِ على وجُوهِهِمْ -أو قالَ: على مَناخِرِهمْ- إلا حَصائِدُ ألْسِنَتِهِمْ؟ ".
رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه؛ كلهم من رواية أبي وائل عن معاذ. وقال الترمذي:
"حديث حسن صحيح". [مضى طرف منه ٨ - الصدقات/ ٩].
(قال الحافظ): "وأبو وائل أدرك معاذاً بالسن، وفي سماعه منه عندي نظر، وكان أبو وائل بالكوفة، ومعاذ بالشام. والله أعلم. قال الدارقطني:
"هذا الحديث معروف من رواية شهر بن حوشب عن معاذ، وهو أشبه بالصواب على اختلاف علمه فيه".
كذا قال! وشهر -مع ما قيل فيه- لم يسمع معاذاً.
ورواه البيهقي وغيره عن ميمون بن أبي شيبة عن معاذ. وميمون هذا كوفي ثقة ما أراه
стр. 1429
سمع من معاذ، بل ولا أدركه؛ فإنّ أبا داود قال: "لم يدرك ميمونُ بن أبي شيبة عائشةَ"، وعائشة تأخرت بعد معاذ نحواً من ثلاثين سنة. وقال عمرو بن علي: كان يحدِّث عن أصحاب رسول الله ﷺ ، وليس عندنا في شيء منه يقول: "سمعتُ"، ولم أُخْبَرْ أنَّ أحداً يزعم أنه سمعَ مِنْ أصحابِ النبيِّ ﷺ " انتهى.
[حسن لغيره] ورواه الطبراني مختصراً قال:
يا رسول الله! أكلُّما نتكلَّمُ به يُكتَبُ علينا؟ قال:
"ثكلَتْكَ أمُّكَ، وهل يكبُّ الناسَ على مناخرِهمْ في النارِ إلا حَصائدُ ألسِنَتِهمْ؟ (١) إنَّك لنْ تزالَ سالماً ما سكَتَّ، فإذا تكلَّمْتَ كُتِبَ لك أو عليك".
ورواه أحمد وغيره عن عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غَنْم:
أن معاذاً سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! أيُّ الأعمالِ أفْضَلُ؟
فقال: الصلاةُ بعدَ الصلاةِ المفْروضَةِ؟ قال:
"لا، ونِعِمَّا هيَ".
قال: الصومُ بعدَ صيامِ رمضانَ؟ قال:
"لا، ونِعمَّا هي".
قال: فالصدَقةُ بعدَ الصدقَةِ المفروضَةِ؟ قال:
"لا، ونِعمَّا هي".
قال: يا رسولَ الله! أيُّ الأعْمال أفْضَلُ؟ قال:
فأخْرَج رسولُ الله ﷺ لسانَهُ ثُمَّ وضَع إصْبَعَهُ عليه.
стр. 1430
فاسْتَرْجَعَ معاذٌ فقال: يا رسولَ الله! أنُؤاخَذُ بما نقول كلِّه، ويكتَبُ علينا؟ قال: فضَرب رسولُ الله ﷺ مَنكِبَ معاذٍ مراراً، فقال:
"ثكِلَتْكَ أمُّك يا ابْنَ جَبلٍ! وهل يَكُبُّ الناسَ على مناخرِهمْ في نارِ جهنَّمَ إلا حصائُد ألسِنَتِهِمْ؟! ".
٢٨٦٧ - (١٨) [صحيح] وعن أسود بن أصرم ﵁ قال:
قلتُ: يا رسولَ الله! أوصِني قال:
"تَمْلِكُ يَدَك".
قلتُ: فما أمْلِكُ إذا لَمْ أمْلِكْ يَدي؟ قال:
"تَملِك لسانَك".
قال: قلتُ: فماذا أمْلِكُ إذا لمْ أمْلِكْ لساني؟ قال:
"لا تبسُطْ يَدك إلا إلى خيرٍ، فلا تقُلْ بِلسانِكَ إلاَّ مَعْروفاً".
رواه ابن أبي الدنيا، والطبراني بإسناد حسن، والبيهقي. (١)
٢٨٦٨ - (١٩) [صحيح لغيره] وعن أبي ذرّ ﵁ قال:
. . . . . . . . . . . . . . . .
قلت: يا رسول الله! أوصني. قال:
"أوصيك بتقوى الله؛ فإنها زين لأمرك كله".
قلت: يا رسول الله! زدني. قال:
عليك بتلاوة القرآن، وذكر الله ؛ فإنه ذكرٌ لك في السماءِ، ونور لك في الأرض".
. . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1431
قلت: يا رسول الله! زدني. قال:
"وإياك وكثرةَ الضحكِ، فإنه يميتُ القلبَ، ويُذْهِبُ بنورِ الوجه".
قلت: زدني، قال:
"قل الحق وإن كان مراً".
قلت: زدني. قال:
"لا تخف في الله لومة لائم".
رواه أحمد والطبراني، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم، واللفظ له وقال:
"صحيح الإسناد". [مضى ٢٠ - القضاء/ ٥]. (١)
٢٨٦٩ - (٢٠) [صحيح لغيره] وعن أبي سعيدٍ ﵁ قال:
جاءَ رجلٌ إلى رسولِ الله ﷺ فقال: يا رسولَ الله! أوْصنِي. قال:
"عليكَ بتقوى الله، فإنَّها جِماعُ كلِّ خيرٍ، وعليك بالجِهادِ في سبيلِ الله، فإنَّها رَهْبانِيَّةُ المسْلِمينَ، وعليك بذِكْرِ الله وتِلاوَةِ كتابِهِ، فإنَّه نورٌ لكَ في الأرضِ، وذِكرٌ لكَ في السماءِ. . . " (٢).
رواه الطبراني في "الصغير"، وأبو الشيخ في "الثواب"؛ كلاهما من رواية ليث بن أبي سليم.
ورواه ابن أبي الدنيا وأبو الشيخ أيضاً موقوفاً عليه مختصراً.
٢٨٧٠ - (٢١) [حسن لغيره] وعن معاذٍ ﵁؛ أنَّه قال:
يا رسول الله! أوْصِني. قال:
стр. 1432
"اعْبُدِ الله كأنَّك تَراهُ، واعْدُدْ نَفْسَك في المَوْتَى، وإنْ شِئْتَ أَنْبَأْتُكَ بما هو أَمْلَكُ بِكَ مِنْ هذا كُلِّهِ؟ ". قال:
"هذا". وأشارَ بيدِهِ إلى لِسَانِه.
رواه ابن أبي الدنيا بإسناد جيد.
٢٨٧١ - (٢٢) [حسن] وعن أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ رفعه قال:
"إذا أصبحَ ابن آدمَ فإنَّ الأعْضاءَ كلَّها تُكَفِّر (١) اللِّسَانَ فتقولُ: اتَّقِ الله فينا، فإنَّما نحنُ بِكَ، فإنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنا، وإنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنا".
رواه الترمذي وابن أبي الدنيا وغيرهما، وقال الترمذي:
"رواه غير واحد عن حماد بن زيد، ولم يرفعوه". قال: "وهو أصح".
٢٨٧٢ - (٢٣) [صحيح] وعن أبي وائلٍ عن عبد الله:
أنَّه ارْتَقى الصَّفا، فأخذَ بِلسَانِه فقال:
يا لسانُ! قُلْ خيراً تَغْنَمْ، واسْكُتْ عنْ شرٍ تَسْلَمْ، مِن قَبْلِ أنْ تَنْدَمَ. ثُمَّ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول:
"أكثرُ خطايا (٢) ابْنِ آدَم في لِسانِه".
رواه الطبراني، ورواته رواة "الصحيح"، وأبو الشيخ في "الثواب"، والبيهقي بإسناد حسن.
стр. 1433
٢٨٧٣ - (٢٤) [صحيح] وعن أسْلَمَ:
أنَّ عمَر دخَل يوماً على أبي بكرٍ الصِّديقِ ﵄، وهو يجْبِذُ لِسانَهُ! فقال عمر: مه! غَفَر الله لكَ. فقال له أبو بكرٍ:
إنَّ هذا أورَدَني (١) المَوارِدِ.
رواه مالك وابن أبي الدنيا والبيهقي.
[صحيح] وفي لفظ للبيهقي: قال:
إنَّ هذا أوْرَدني (٢) الموَارِدِ، إنَّ رسولُ الله - صلى الله عليه ولم - قال:
"ليسَ شيْءٌ مِنَ الجَسدِ إلا يشكو ذَرَبَ اللِّسانِ على حِدَّتِهِ".
(مه) أي: اكفف عما تفعله.
و (ذرب اللسان) بفتح الذال المعجمة والراء جميعاً: هو حدَّته وشرّه وفحشه.
٢٨٧٤ - (٢٥) [صحيح] وعن ابن عمروٍ (٣) ﵄؛ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال:
"مَنْ صَمتَ نَجا".
رواه الترمذي وقال: "حديث غريب"، والطبراني، ورواته ثقات.
٢٨٧٥ - (٢٦) [صحيح] وعن أبي هريرة ﵁؛ أنَّه سمعَ النبيَّ ﷺ يقول:
"إنَّ العبدَ لَيتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ ما يتَبيَّنُ فيها؛ يَزِلُّ بها في النارِ أبْعَدَ ما بينَ
стр. 1434
المشْرِقِ والمغْرِبِ".
رواه البخاري ومسلم والنسائي.
[حسن صحيح] ورواه ابن ماجه والترمذي؛ إلا أنهما قالا:
"إنَّ الرجلَ لَيتكلَّمُ بالكَلِمَةِ لا يَرى بها بأْساً؛ يَهْوِي بها سَبْعينَ خَرِيفاً".
قوله: (ما يتبين فيها)؛ أي: ما يتفكر هل هي خير أو شر؟
٢٨٧٦ - (٢٧) [صحيح لغيره] وروى عن النبي ﷺ قال:
". . . . إن العبدَ ليتكلمُ بالكلمةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ لا يلقي لها بالاً؛ يهوي بها في جهنم".
رواه مالك، والبخاري واللفظ له، والنسائي، والحاكم وقال:
[حسن صحيح] "صحيح على شرط مسلم"، ولفظه:
"إن الرجلَ ليتكلمُ بالكلمةِ ما يظنُّ أن تبلغَ ما بَلَغَتْ؛ يهوي بها سبعين خريفاً في النار".
٢٨٧٧ - (٢٨) [حسن] وعن أنس بن مالكٍ ﵁؛ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال:
"ألا هل عسى رجلٌ منكم أنْ يتَكلَّم بالكَلِمَةِ يُضْحكُ بها القوْمَ؛ فيَسْقُطُ بها أبْعدَ منَ السماءِ، ألا عَسى رجلٌ يتكلَّمُ بالكَلِمَةِ يُضحِكُ بها أصْحابَة؛ فيَسْخَطُ اللهَ بها عليهِ؛ لا يَرْضَى عنه حَتَّى يُدْخِلَهُ النارَ".
رواه أبو الشيخ أيضاً بإسناد حسن.
ورواه عن علي بن زيد عن الحسن مرسلاً.
٢٨٧٨ - (٢٩) [حسن] وعن بلال بن الحارث المزني ﵁؛ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال:
"إنَّ الرجلَ لَيتكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوانِ الله ما كانَ يَظُنُّ أنْ تَبْلُغَ ما
стр. 1435
بلَغتْ، يكتُبُ الله تعالى لهُ بها رضْوانَهُ إلى يومِ يَلْقَاهُ، وإنَّ الرجلَ ليتَكلَّمُ بالكلِمَةِ مِنْ سخَطِ الله ما كان يظُنُّ أنْ تبلُغَ ما بلغَتْ، يكْتبُ الله له بها سخَطهُ إلى يومِ يَلْقاهُ".
رواه مالك والترمذي وقال:
"حديث حسن صحيح".
والنسائي وابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم وقال:
"صحيح الإسناد".
٢٨٧٩ - (٣٠) [صحيح] وعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول:
"إنَّ الله كرِهَ لكم ثلاثاً: قيلَ وقالَ، وإضاعَةَ المالِ، وكثْرةَ السُّؤَالِ".
رواه البخاري واللفظ له، ومسلم وأبو داود (١).
٢٨٨٠ - (٣١) [صحيح] ورواه أبو يعلى وابن حبان في "صحيحه" من حديث أبي هريرة بنحوه (٢).
٢٨٨١ - (٣٢) [حسن لغيره] وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ :
"مِنْ حُسْنِ إسْلامِ المرْءِ تركُهُ ما لا يَعْنيهِ".
رواه الترمذي وقال: "حديث غريب".
стр. 1436
(قال الحافظ):
"رواته ثقات إلا قرة بن حيويل، ففيه خلاف. وقال ابن عبد البر النمري: هو محفوظ عن الزهري بهذا الإسناد من رواية الثقات" انتهى.
فعلى هذا يكون إسناده حسناً، لكن قال جماعة من الأئمة: الصواب أنه عن علي بن حسين عن النبيِّ ﷺ مرسل. كذا قال أحمد وابن معين والبخاري وغيرهم. وهكذا رواه مالك عن الزهري عن علي بن حسين.
ورواه الترمذي أيضاً عن قتيبة عن مالك به. وقال:
"وهذا عندنا أصح من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة". والله أعلم".
٢٨٨٢ - (٣٣) [صحيح لغيره] وعن أنسٍ ﵁ قال:
تُوفّيَ رجلٌ، فقال رجلٌ آخر -ورسول الله ﷺ يسمع-: أبشرْ بالجنةِ، فقال رسول الله ﷺ :
"أوَ لا تدري؟! فلعله تكلم فيما لا يعنيه، أو بخل بما لا يَنْقُصُه".
رواه الترمذي وقال: "حديث حسن صحيح".
(قال الحافظ): "رواته ثقات.
٢٨٨٣ - (٣٤) [حسن لغيره] وروى ابن أبي الدنيا وأبو يعلى عن أنسٍ أيضاً قال:
"استشهد رجلٌ منا يوم أُحُدٍ، فوجد على بطنه صخرة مربوطةٌ من الجوع، فمسحت أمُّه التراب عن وجهه وقال: هنيئاً لك يا بني الجنةَ! فقال النبيُّ ﷺ : "ما يدريك؟! لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه، وبمنع ما لا يضرُّه".
٢٨٨٤ - (٣٥) [صحيح لغيره] وروى أبو يعلى أيضاً والبيهقي عن أبي هريرة قال:
قُتل رجل على عهد رسول الله ﷺ شهيداً، فبكت عليه باكيةٌ، فقالت واشهيداه! فقال النبي ﷺ :
"ما يدريك أنه شهيد؟! لعله كانَ يتكلم فيما لا يَعْنيه، أو يبخل بما لا يَنقصه".
стр. 1437
٢١ - (الترهيب من الحسد، وفضل سلامة الصدر).
٢٨٨٥ - (١) [صحيح] عن أبي هريرة ﵁؛ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال:
"إيَّاكمْ والظنَّ، فإنَّ الظنَّ أكذبُ الحديثِ، ولا تحسسوا، ولا تَجَسَّسوا، ولا تَنافَسُوا، ولا تَحاسَدُوا، ولا تَباغَضُوا، ولا تَدابَروا، وكونوا عبادَ الله إخْواناً كما أمَركُمْ.
المسْلِمُ أخو المسلِمِ، لا يظْلمُه، ولا يَخْذُلُه، ولا يَحْقِرُه، التقوى ههُنا، التقْوى ههُنا، التقْوى هَهُنا -ويشيرُ إلى صدْره-[ثلاث مرات]. بِحَسْبِ امْرئٍ مِنَ الشرِّ أنْ يَحْقِرَ أخاهُ المسْلِمَ، كلُّ المسلمِ على المسلمِ حَرامٌ دَمُه وعِرْضُهُ ومالُه".
رواه مالك والبخاري ومسلم -واللفظ له، وهو أتم الروايات (١) -، وأبو داود والترمذي.
٢٨٨٦ - (٢) [حسن] وعنه؛ أنّ رسول الله ﷺ قال:
"لا يَجْتَمعُ في جوفِ عبدٍ غُبارٌ في سبيلِ الله وفَيْحُ جهنَّمَ، ولا يجتَمعُ في جوفِ عبدٍ الإيمانُ والحَسدُ".
رواه ابن حبان في "صحيحه"، ومن طريقه البيهقي (٢).
стр. 1438
٢٨٨٧ - (٣) [حسن] وعن ضمرة بن ثعلبة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
"لا يزالُ الناسُ بخيرٍ ما لَمْ يتَحاسَدُوا".
رواه الطبراني، ورواته ثقات.
٢٨٨٨ - (٤) [حسن لغيره] وعن [ابن] (١) الزبير ﵁؛ أنَّ رسول الله ﷺ قال:
"دبَّ إليكم داءُ الأمَمِ قبلَكُم: الحسَدُ والبَغْضاءُ، والبغْضَاءُ هي الحالِقَةُ، أما إنِّي لا أقولُ: تَحلِقُ الشعرَ، ولكنِ تحلق الدينَ".
رواه البزار بإسناد جيد، والبيهقي، وغيرهما. [مضى هنا/ ٥].
٢٨٨٩ - (٥) [صحيح] وعن عبدِ الله بن عَمْروٍ ﵄ قال:
قيلَ: يا رسول الله! أيُّ الناسِ أفضَلُ؟ قال:
"كلُّ مَخْمومِ القلْبِ، صدوق اللِّسانِ".
قالوا: (صدوقُ اللِّسانِ) نَعرِفه، فما (مَخْمومُ القَلْبِ)؛ قال:
"هو التقيُّ النقيُّ، لا إثْمَ فيه، ولا بَغْيَ، ولا غِلَّ، ولا حَسَد".
رواه ابن ماجه بإسناد صحيح، والبيهقي وغيره أطول منه. [يأتي هنا/ ٢٤].
стр. 1439
٢٢ - (الترغيب في التواضع، والترهيب من الكبر والعجب والافتخار).
٢٨٩٠ - (١) [صحيح لغيره] عن عياضِ بن حمارٍ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ :
"إنَّ الله أوْحَى إليَّ أنْ تَواضَعوا؛ حتّى لا يَفْخَر أحَدٌ على أحَدٍ، ولا يَبْغي أحَدٌ على أحَدٍ".
رواه مسلم وأبو داود وابن ماجه.
٢٨٩١ - (٢) [صحيح] وعن أبي هريرة ﵁؛ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال:
"ما نَقصت صدقَةٌ مِنْ مالٍ، وما زادَ الله عبْداً بِعَفْوٍ إلا عِزّاً، وما تَواضَع أحَدٌ لله إلا رفَعَهُ الله".
رواه مسلم والترمذي. [مضى ٨ - الصدقات/ ٩].
٢٨٩٢ - (٣) [صحيح] وعن ثوبانَ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ :
"مَنْ ماتَ وهو بريءٌ مِنَ الكِبْرِ والغُلولِ والدَّيْنِ دخَلَ الجَنَّةَ".
رواه الترمذي -واللفظ له-، والنسائي وابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم وقال:
"صحيح على شرطهما".
وقد ضبطه بعض الحفاظ (الكنز) بالنون والزاي، وليس بمشهور. وتقدم الكلام عليه في "الدِّين". [مضى ١٦ - البيوع/ ١٥].
٢٨٩٣ - (٤) [صحيح موقوف] وعن طارق قال:
خَرجَ عمرُ ﵁ إلى الشام، ومَعَنا أبو عُبَيْدَة، فأتَوا على مَخاضَةٍ، وعُمَرُ على ناقَةٍ لهُ، فنزَل وخَلعَ خفَّيْهِ فوضعهُما على عاتِقِهِ (١)،
стр. 1440
وأخذ بزِمامِ ناقَتِه فخاضَ [بها المخَاضةَ] فقال أبو عُبَيْدَة: يا أميرَ المؤمنينَ! أأنْتَ تفعَل هذا؟ ما يَسُرُّني أنَّ أهْلَ البلَدِ اسْتَشْرَفوكَ! فقالَ:
أَوَّهْ لو يَقلْ (١) ذا غيرُك أبا عُبيدَةَ جعَلْتُه نَكالاً لأمَّةِ مُحمَّد، إنَّا كنَّا أذلَّ قومٍ فأعَزَّنا الله بالإِسْلامِ، فمهْما نَطْلُبِ العِزَّ بغيرِ ما أعَزَّنا الله به أذَلَّنا الله.
رواه الحاكم وقال:
"صحيح على شرطهما".
٢٨٩٤ - (٥) [صحيح] وعن عمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁ -لا أعلَمُه إلا رفَعهُ- قال:
"يقولُ الله ﵎: مَنْ تواضَع لي هكذا -وجعلَ يزيدُ باطِنَ كفِّهِ إلى الأرْضِ وأدْناها- رفَعْتُه هكذا -وجعَل باطِنَ كفِّه إلى السَّماءِ ورفَعَها نَحْوَ السَّماءِ-".
رواه أحمد والبزار، ورواتهما محتج بهم في "الصحيح".
٢٨٩٥ - (٦) [حسن لغيره] وعن ابنِ عبَّاسٍ ﵄ عن رسولِ الله ﷺ قال:
"ما مِنْ آدَميٍّ إلا في رأْسِه حَكَمَةٌ بيد مَلَكٍ، فإذا تَواضَع قيلَ لِلْمَلَكِ:
ارْفَعْ حَكَمَتَهُ، وإذا تكَبَّر قيلَ لِلْمَلِكِ: ضَعْ حَكَمَتهُ".
رواه الطبراني.
٢٨٩٦ - (٧) [حسن لغيره] والبزار بنحوه من حديث أبي هريرة، وإسنادهما حسن (٢).
стр. 1441
(الحَكَمَةُ) بفتح الحاء المهملة والكاف: هي ما تجعل في رأس الدابة كاللجام ونحوه.
٢٨٩٧ - (٨) [صحيح لغيره] وعن جابرٍ ﵁؛ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال:
"إنَّ مِنْ أحبَّكم إليَّ وأقرَبِكُم منِّي مجْلِساً يومَ القيامَةِ أحاسِنَكم أخْلاقاً، وإنَّ أبغَضكُم إليَّ وأبْعَدكُم منِّي مجْلِساً يومَ القِيامَةِ الثِّرثارونَ، والمتَشَدِّقونَ، والمتَفَيْهِقُونَ".
قالوا: يا رسولَ الله! قد علِمْنا الثرثارونَ والمتشدِّقُونَ، فما المتَفَيْهِقونَ؟ قال:
"المتَكَبِّرُونَ".
رواه الترمذي وقال: "حديث حسن غريب".
ورواه أحمد والطبراني، وابن حبان في "صحيحه" من حديث أبي ثعلبة وتقدم. [هنا/٢].
(الثِّرْثَارُ) بثائين مثلثتين مفتوحتين وتكرير الراء: هو الكثير الكلام تكلفاً.
و (المتَشَدِّقُ): هو المتكلم بملء شدقيه تفاصحاً وتعاظماً واستعلاءً على غيره، وهو معنى (المتَفَيْهِقِ) أيضاً.
٢٨٩٨ - (٩) [صحيح] وعن أبي سعيدٍ وأبي هريرة ﵄ قالا: قال رسولُ الله ﷺ :
"العِزُّ إزارُه، والكِبْرِياءُ رداؤه، فَمنْ يُنازِعُني [بشيء منهما] (١) عَذَّبْتُه".
رواه مسلم.
стр. 1442
ورواه البُرقاني في "مستخرجه" من الطريق الذي أخرجه مسلم، ولفظه:
"يقولُ الله : العِزُّ إزاري، والكِبْرِياءُ رِدائي، فَمَنْ نازَعَني شيْئاً مِنْهُما عَذَّبْتُه".
[صحيح لغيره] ورواه أبو داود وابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه" من حديث أبي هريرة وحده: قال رسولُ الله ﷺ :
"قال الله تعالى: الكِبْرياءُ رِدائي، والعَظَمَةُ إزاري، فَمن نَازَعني واحداً مِنْهُما قَذفْتُه في النارِ".
٢٨٩٩ - (١٠) [صحيح لغيره] وعن ابن عباسٍ ﵄ قال: قال رسولُ الله ﷺ :
"يقولُ الله جلَّ وعَلا: الكِبْرِياءُ رِدائي، والعَظَمَةُ إزاري، فَمَنْ نازَعني واحداً مِنْهُما ألقَيْتُه في النارِ".
رواه ابن ماجه -واللفظ له-، وابن حبان في "صحيحه"؛ كلاهما من رواية عطاء بن السائب (١).
٢٩٠٠ - (١١) [صحيح] وعن فَضالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ ﵁؛ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال:
"ثلاثَةٌ لا تسأل (٢) عنهم: رجلٌ نازَعَ الله رِداءَهُ، فإنَّ رداءَهُ الكِبْرُ، وإزارَهُ العِزُّ، ورجلٌ في شكٍّ مِنْ أَمْرِ الله، والقَنوطُ مِنْ رَحْمَتِهِ (٣) ".
رواه الطبراني -واللفظ له-، وابن حبان في "صحيحه" أطول منه (٤).
стр. 1443
٢٩٠١ - (١٢) [صحيح] وعن حارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ ﵁ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول:
"ألا أُخْبِرُكُمْ بأهْلِ النارِ؟ كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مستَكبرٍ".
رواه البخاري ومسلم.
(العُتُلّ) بضم العين والتاء وتشديد اللام: هو الغليظ الجافي.
و (الجَوَّاظُ) بفتح الجيم وتشديد الواو وبالظاء المعجمة: هو الجَموع المنوع. وقيل: الضخم المختال في مشيته. وقيل: القصير البطين.
٢٩٠٢ - (١٣) [صحيح] وعنه قال: قال رسول الله ﷺ :
"لا يدخلُ الجنَّةَ الجوَّاظُ، ولا الجَعْظَرِيُّ". قال: والجوَّاظُ: الغليظُ الفَظُّ.
رواه أبو داود.
٢٩٠٣ - (١٤) [صحيح لغيره] وعن سُراقَةَ بن مالكٍ بن جُعْشَمٍ ﵁؛ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال:
"يا سُراقَةُ! ألا أُخْبِرُكَ بأهْلِ الجنَّةِ وأهْلِ النارِ؟ ".
قلتُ: بَلى يا رسولَ الله! قال:
"أمَّا أهْلُ النارِ؛ فكُلُّ جَعْظَرِيٍّ جَوَّاظٍ مُستَكبرٍ، وأمَّا أهْلُ الجَنَّةِ؛ فالضُّعفَاء المغْلوبونَ".
رواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط" بإسناد حسن، والحاكم وقال:
"صحيح على شرط مسلم".
٢٩٠٤ - (١٥) [صحيح لغيره] وعن حذيفة ﵁ قال:
كنَّا مع النبي ﷺ في جنازةٍ قال:
стр. 1444
"ألا أخبركم بشَرِّ عبادِ اللهِ؟ الفظُّ المستكبرُ. ألا أخبرُكم بخيرِ عبادِ اللهِ؟ الضعيفُ المستضعفُ، ذو الطمرين (١)، لا يؤبه له، لو أقسمَ على اللهِ لأبرّه".
رواه أحمد، ورواته رواة "الصحيح"؛ إلا محمد بن جابر.
٢٩٠٥ - (١٦) [صحيح] وعن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ عنِ النبيِّ ﷺ -قال:
"احْتَجَّتِ الجَنَّةُ والنارُ، فقالَتِ النارُ: فيَّ الجبَّارونَ والمتَكَبِّرونَ. وقالَتِ الجنَّةُ: فيَّ ضُعَفاءُ المسْلمِينَ ومساكِينُهمْ. فقَضى الله بَيْنَهُما: إنَّكِ الجنَّةُ رَحْمَتي؛ أرْحَمُ بِكِ مَنْ أشَاءُ، وإنَّكِ النارُ عَذابي؛ أُعذِّبُ بِكِ مَنْ أَشاءُ، ولِكلَيْكُما عليَّ مِلْؤُها".
رواه مسلم (٢).
٢٩٠٦ - (١٧) [صحيح] وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ :
"ثلاثَةٌ لا يكلِّمُهم الله يومَ القيامَةِ، ولا يزكِّيهمْ، ولا ينْظُر إليْهِمِ، ولهمْ عذابٌ أَليمٌ: شيخٌ زانٍ، ومَلِكٌ كَذَّابٌ، وعائلٌ مسْتَكْبِرٌ".
رواه مسلم والنسائي. [مضى ٢١ - الحدود/ ٧].
(العائل) بالمد: هو الفقير.
٢٩٠٧ - (١٨) [حسن] وعنه قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ :
"أربَعةٌ يُبْغِضُهُم الله: البَيَّاعُ الحَلافُ، والفَقيرُ المخْتَالُ، والشيْخُ الزَّاني،
стр. 1445
والإمامُ الجَائرُ".
رواه النسائي، وابن حبان في "صحيحه". [مضى ٢٠ - القضاء/ ٢].
٢٩٠٨ - (١٩) [صحيح] وعن سلمانَ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ :
"ثلاثَةٌ لا يدْخُلونَ الجَنَّةَ: الشيخُ الزَّاني، والإمامُ الكَذَّابُ، والعائلُ المزهوُّ".
رواه البزار بإسناد جيد.
(المَزْهُوّ): هو المعجب بنفسه المتكبر. [مضى ٢٢ - الحدود/ ٧].
٢٩٠٩ - (٢٠) [حسن] وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال:
الْتَّقى عبدُ الله بنُ عُمَر، وعبدُ الله بْنُ عَمْرو بنِ العاصي ﵃ على المَرْوَةِ، فتَحدَّثا، ثُمَّ مَضى عبدُ الله بْنُ عَمْروٍ، وبَقِيَ عبدُ الله بْنُ عُمَر يَبْكي، فقال له رجلٌ: ما يُبْكيكَ يا أبا عَبْدِ الرَّحْمنِ؟ قال: هذا -يعني عبدَ الله بْنَ عَمْروٍ- زعَم أنَّهُ سَمعَ رسول الله ﷺ يقولُ:
"مَنْ كانَ في قَلْبِهِ مثقالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ؛ كَبَّهُ الله على وجْهِهِ في النارِ".
رواه أحمد، ورواته رواة "الصحيح".
[صحيح لغيره] وفي أخرى له أيضاً رواتها رواة "الصحيح": سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول:
"لا يدخلُ الجنةَ إنسانٌ في قَلْبِه مِثْقالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ".
٢٩١٠ - (٢١) [حسن] وعن عبد الله بن سلام ﵁:
أنَّه مَرَّ في السوقِ وعليه حُزْمَةٌ مِنْ حطَبٍ، فقيلَ لَهُ: ما يَحْمِلُكَ على هذا
стр. 1446
وقد أغْناكَ الله عَنْ هذا؟ قال: أَرَدْتُ أَنْ أدْمَغَ الكِبْرَ، سمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ:
"لا يدخلُ الجنَّةَ مَنْ في قلْبِهِ خَرْدَلَةٌ مِنْ كِبْرٍ".
[حسن صحيح] رواه الطبراني بإسناد حسن، (١) والأصبهاني؛ إلا أَنَّهُ قال:
"مثقالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ".
٢٩١١ - (٢٢) [حسن] وعن عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جده [عن النبيِّ ﷺ ] (٢) قال:
"يُحْشَرُ المتَكَبِّرونَ يومَ القِيامَةِ أمْثَالَ الذَّرِّ في صُوَر الرجَالِ، يَغْشاهُمُ الذُّلُّ من كُلِّ مكانٍ، فيُساقُون إلى سِجْنٍ في جهنَّمَ يقالُ له: (بُولَسُ)، تَعْلوهُمْ نارُ الأَنْيارِ، يُسْقَوْنَ مِنْ عُصارَةِ أهْلِ النارِ: طينَةِ الخَبالِ".
رواه النسائي والترمذي -واللفظ له-، وقال:
"حديث حسن".
(بُوْلَسُ) بضم الباء الموحدة وسكون الواو وفتح اللام بعدها سين مهملة.
و (الخَبَالُ) بفتح الخاء المعجمة والباء الموحدة.
٢٩١٢ - (٢٣) [صحيح] وعن عبد الله بن مسعودٍ ﵁ عن النبيِّ ﷺ قال:
"لا يدخلُ الجَنَّةَ مَنْ كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ".
فقال رجلٌ: إنَّ الرجلَ يُحِبُّ أنْ يكونَ ثَوْبُه حَسناً، ونَعْلُه حَسَناً؟ قال:
стр. 1447
"إن الله جَميلٌ يحِبُّ الجمَالَ، الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ وغَمْطُ الناسِ".
رواه مسلم والترمذي.
(بَطَرُ الحَقِّ) بفتح الباء الموحدة والطاء المهملة جميعاً: هو دفعه ورده.
و (غَمْطُ الناسِ) بفتح الغين المعجمة وسكون الميم وبالطاء المهملة: هو احتقارهم وازدراؤهم، وكذلك (غمصهم) (١) بالصاد المهملة.
[صحيح لغيره] وقد رواه الحاكم فقال:
"ولكِنَّ الكِبْرَ مَنْ بَطَرَ الَحقِّ وَازْدَرى الناسَ". وقال:
"احتجا برواته". (٢)
٢٩١٣ - (٢٤) [صحيح] وعنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄؛ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال:
"بيْنَما رجلٌ مِمَّنْ كانَ قَبْلَكم يَجُرُّ إزارَهُ مِنَ الخُيَلاءِ خُسِفَ بِهِ، فهو يتَجَلْجَلُ في الأرْضِ إلى يومِ القِيامَةِ".
رواه البخاري والنسائي وغيرهما.
(الخُيَلاءُ) بضم الخاء المعجمة وتكسر وبفتح الياء ممدوداً: هو الكبر والعجب.
و (يتَجَلْجَلُ) بجيمين، أي: يغوص وينزل فيها.
٢٩١٤ - (٢٥) [صحيح لغيره] وعن أبي سعيدٍ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ :
"بينا رجلٌ مِمَّنْ كانَ قَبْلَكم خَرجَ في بُرْدَيْنِ أخْضَرَيْنِ يَخْتالُ فيهِما؛ أَمَر الله الأَرْضَ فأخَذَتْهُ، فهو يَتَجلْجَلُ فيها إلى يَوْمِ القِيامَةِ".
стр. 1448
رواه أحمد والبزار بأسانيد، رواة أحدها محتج بهم في "الصحيح". (١)
٢٩١٥ - (٢٦) [صحيح لغيره] وعن جابر ﵁ أحسبه رفعه:
"إنَّ رجلاً كانَ في حُلَّةٍ. . .، فَتَبخْتَر واخْتَالَ فيها، فَخَسف الله بِه الأَرْضَ، فهو يَتَجلْجَلُ فيها إلى يومِ القِيامَةِ".
رواه البزار، ورواته رواة "الصحيح".
٢٩١٦ - (٢٧) [صحيح] وعن أبي هريرة ﵁؛ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال:
"بينما رجلٌ يمشي في حُلَّةٍ تُعْجِبُه نَفْسُه، مُرَجَّلٌ رأْسَه يَخْتالُ في مِشْيَتِه، إذْ خسَف الله بِهِ، فهو يَتَجَلْجَلُ في الأرْضِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ".
رواه البخاري ومسلم.
(مرجَّل) أي: ممشط.
٢٩١٧ - (٢٨) [صحيح] وعن ابن عمر ﵄؛ أنَّ النبيَّ ﷺ قال:
"مَنْ جَرَّ ثوبَهُ خُيَلاءَ لَمْ يَنْظُرِ الله إليهِ يوَمَ القِيامَةِ".
فقال أبو بَكْرٍ ﵁: يا رسول الله! إنَّ إزاري يَسْتَرْخي، إلا أنْ أتَعاهَدَهُ؟ فقال له رسول الله ﷺ :
"إنَّكَ لَسْتَ مِمَّنْ يَفْعَلُه خُيَلاءَ".
رواه مالك والبخاري -واللفظ له، وهو أتم-، ومسلم والترمذي والنسائي.
وتقدم في "اللباس" أحاديث منها هذا، [١٨/ ١].
стр. 1449
٢٩١٨ - (٢٩) [صحيح] وعن ابن عمرَ ﵄ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ:
"مَنْ تَعظَّم في نَفْسِه أوِ اخْتَال في مِشْيَتِه؛ لَقِي الله ﵎ وهو عليه غَضْبانُ".
رواه الطبراني في "الكبير" -واللفظ له، ورواته محتج بهم في "الصحيح"-، والحاكم بنحوه وقال:
"صحيح على شرط مسلم" (١).
٢٩١٩ - (٣٠) [صحيح لغيره] وعن خوْلَةَ بنْتِ قيْسٍ ﵂؛ أنَّ النبيَّ ﷺ قال:
"إذا مشَتْ أُمَّتي المُطَيْطاءَ، وخَدمَتْهُمْ فارِسُ والرومُ، سُلِّطَ بعضُهُمْ على بعْضٍ".
رواه ابن حبان في "صحيحه".
٢٩٢٠ - (٣١) [صحيح لغيره] ورواه الترمذي وابن حبان أيضاً من حديث ابن عمر.
(المُطَيْطاءَ) بضم الميم وفتح الطاءين المهملتين بينهما ياء مثناة تحت ممدوداً ويقصر: هو التبختر ومد اليدين في المشي.
٢٩٢١ - (٣٢) [حسن لغيره] وعن أنسٍ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ :
"لَوْ لَمْ تُذْنِبوا لخَشيتُ علَيْكُم ما هو أكَبَرُ منْهُ؛ العُجْبُ".
رواه البزار بإسناد جيد.
٢٩٢٢ - (٣٣) [حسن صحيح] وعن أبي هريرة ﵁؛ أنَّ النبيَّ ﷺ قال:
"لَينْتَهِيَنَّ أقْوامٌ يفْتَخِرونَ بآبائِهِمُ الَّذين مَاتوا، إنَّما هم فَحْمُ جَهَّنم، أو
стр. 1450
لَيكونُنَّ أهْونَ على الله مِنَ الجُعَلِ الذي يُدَهْدهُ الخُرْءَ بأنْفِهِ، إنَّ الله [قد] (١) أذْهَبَ عنكم عُبِّيَّةَ الجاهِليَّةِ وفَخْرَها بالآباءِ، إنَّما هو مؤمِنٌ تَقِيٌّ، وفاجِرٌ شَقِيٌّ، الناسُ [كلُّهُمْ] (٢) بنو آدَمَ، وآدَمُ خُلِقَ مِنَ التُّرابِ".
رواه أبو داود، والترمذي واللفظ له، وقال:
"حديث حسن".
وستأتي أحاديث من هذا النوع في "الترهيب من احتقار المسلم"، إن شاء الله.
(الجُعَلُ) بضم الجيم وفتح العين المهملة: هو دويبة أرضية.
(يُدَهْدِهُ) أي: يدحرج؛ وزنه ومعناه.
و (العُبِّيَّةُ) بضم العين المهملة وكسرها وتشديد الباء الموحدة وكسرها وبعدها ياء مثناة تحت مشددة أيضاً: هي الكبر والفخر والنخوة.
стр. 1451
٢٣ - (الترهيب من قوله لفاسق أو مبتدع: يا سيدي، أو نحوها من الكلمات الدالة على التعظيم).
٢٩٢٣ - (١) [صحيح] عن بريدة ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ :
"لا تقولوا للْمنافِقِ: سَيِّداً، فإنَّه إنْ يَكُ سَيِّداً؛ فقدْ أسْخَطْتُم ربَّكم ".
[صحيح لغيره] رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح، والحاكم، ولفظه قال:
"إذا قال الرجلُ للْمنافِقِ: يا سيِّد! فقدْ أغْضَبَ ربَّه".
وقال: "صحيح الإسناد". كذا قال (١).
стр. 1452
٢٤ - (الترغيب في الصدق، والترهيب من الكذب).
٢٩٢٤ - (١) [صحيح] عن عبد الله بن كعب بن مالكٍ قال:
سمعتُ كَعْبَ بنَ مالك يُحدِّثُ حديثَهُ حينَ تخلَّفَ عَنْ رسولِ الله ﷺ في غزْوَةِ (تبوك)، قال كعبُ بْنُ مالك:
لَمْ أتَخلَّفْ عنْ رسولِ الله ﷺ في غَزْوَةٍ غَزاها قَطُّ إلا في غَزْوَةِ (تَبوك)، غيرَ أنِّي قد تخلَّفتُ في غزْوَةِ (بَدْرٍ)، ولَمْ يُعاتِبْ أَحداً تَخلَّفَ عنْها، إنَّما خَرَج رسولُ الله ﷺ والمسلمون يريدونَ عِيرَ قُريشٍ، حتَّى جمَعَ الله بيْنَهُمْ وبينَ عَدوِّهم على غير ميعاد، ولقدْ شَهِدْتُ معَ رسولِ الله ﷺ ليلةَ العقَبةِ حين تَواثَقْنا على الإسْلامِ، وما أُحِبُّ أنَّ لي بها مَشهدَ (بَدْرٍ)، وإنْ كانَتْ (بَدْرُ) أَذْكَرُ في الناسِ مِنْها.
وكانَ مِنْ خَبري حينَ، تخَلَّفْتُ عن رسولِ الله ﷺ في (١) غزوَةِ (تبوك) أنِّي لَم أَكُنْ قَطُّ أَقْوى ولا أيْسَرَ مِنِّي حينَ تَخلَّفْتُ عنه في تِلكَ الغَزْوةِ، والله ما جَمَعْتُ قبلها راحِلَتَيْنِ قَطُّ، حتى جمعتُهما في تلكَ الغَزْوَةِ، -ولَمْ يكُنْ رسولُ الله ﷺ يريدُ غزوةً إلا وَرَّى (٢) بِغَيْرِها حتَّى كانَتْ تِلْكَ الغزوة- (٣) فغَزاها رسولُ الله ﷺ في حرٍّ شَديدٍ، واسْتَقْبَل سَفَراً بَعيداً ومَفازاً، واسْتقْبلَ عَدُوّاً كثيراً، فَجَلَى لِلْمُسْلِمينَ أمرَهُمْ؛ ليتَأهَّبُوا أُهْبَةَ غَزْوِهْم، وأخْبَرهُمْ بَوجْهِهِمُ الَّذي يُريدُ، والمسلمونَ مَع رسولِ الله ﷺ كثيرٌ، ولا يَجْمَعُهم كتابٌ حافِظٌ
стр. 1453
-يريد بذلك الديوانَ-، قال كعبٌ: فَقَلَّ رجل يريدُ أنْ يَتَغَيَّبَ إلا ظَنَّ (١) أنَّ ذلك سَيَخْفَى [له] ما لَمْ يَنْزِلْ فيهِ وَحْيٌ مِنَ الله .
وغَزا رسولُ الله ﷺ تلكَ الغزوةَ حينَ طابَتِ الثمارُ والظلالُ، فأنا إليْها أَصْعَرُ (٢)، فتَجهَّزَ رسولُ الله ﷺ والمسلمون مَعَهُ، وطَفِقْتُ أَغدو لِكَيْ أتَجَهَّزَ مَعهُمْ، فأرْجعُ ولَمْ أَقْضِ مِنْ جهازِي شَيْئاً، وأَقُولُ في نفسي: أنا قادِرٌ على ذلك إذا أرَدْتُ، فلَمْ يَزَلْ ذلك يتَمادى بِي حتَّى اسْتَمَرَّ بالناسِ الجِدُّ، فأصْبَح رسولُ الله ﷺ غادِياً والمسلمونَ معَهُ ولَمْ أقْضِ مِنْ جَهازي شيْئاً، ثُمَّ غدوْتُ فرجَعْتُ ولَمْ أقْضِ شَيْئاً، فَلَمْ يَزَلْ ذلك يَتَمادى بي حتَّى أسْرعوا وتَفَارَطَ (٣) الغَزْوُ، فَهَمَمْتُ أنْ أرْتَحِلَ فأدْرِكَهم، -فيا لَيْتَني فعلْتُ- ثُمَّ لَمْ يُقدَّرْ لي ذلك.
وطفِقْتُ إذا خَرجْتُ في الناسِ بعدَ خُروجِ رَسولِ الله ﷺ يَحْزُنُني أَنِّي لا أرى لي أُسْوَةً إلا رَجُلاً مَغْموصاً (٤) عليه في النِّفاقِ، أو رَجُلاً مِمَّنْ عَذر الله مِنَ الضُعفَاءِ، ولَمْ يَذْكُرْني رسولُ الله ﷺ حَتَّى بلَغَ (تبوكَ)، فقالَ وهو جالِسٌ في القْوِم بـ (تبوك):
"ما فَعَلَ كَعْبُ بنُ مالكٍ؟ "،
فقالَ رجلٌ مِنْ بَني سَلِمَةَ: يا رَسولَ الله! حبَسهُ بُرْداهُ، والنَّظرُ في عِطْفَيْهِ.
فقال له معاذُ بْنُ جَبلٍ: بئْسَ ما قُلْتَ، والله يا رسولَ الله! ما علِمْنا عليهِ إلا خَيْراً. فسكَتَ رسولُ الله ﷺ ، فبيَنْا هو على ذلك رأى رجُلاً مُبَيِّضاً يزولُ
стр. 1454
به السَّرابُ، فقال رسولُ اللهُ ﷺ :
"كُنْ أبا خَيْثَمَة".
فإذا هو أبو خَيْثَمِةَ الأنْصارِيّ، وهو الذي تَصدَّقَ بصاعِ التمْرِ حينَ لَمَزَه المُنافِقونَ.
قال كعبٌ: فلمَّا بلَغني أنَّ رسولَ الله ﷺ قد تَوجَّه قافِلاً مِنْ (تبوك) حَضَرني بَثِّي، فطَفِقْتُ أتَذكر الكَذِبَ، وأقولُ: بِمَ أَخْرُج مِنْ سخَطِه غَداً؟ وأسْتَعينُ على ذلك بِكُلِّ ذي رأيٍ مِنْ أَهْلي، فلمَّا قيل: إنَّ رسولَ الله ﷺ قد أظلَّ (١) قادِماً، زاحَ عنِّي الباطِلُ، حتَّى عَرَفْتُ أنِّي لَنْ أنْجُوَ منهُ بِشَيْءٍ أَبداً، فأجْمَعْتُ صِدْقَهُ.
وأصَبح رسولُ الله ﷺ قادِماً، وكانَ إذا قدِمَ مِنْ سَفَرٍ بدأ بالمسْجِدِ فركَع فيه ركْعَتين، ثُمَّ جلَس لِلناسِ، فلمَّا فَعلَ ذلك جاءَه المخلَّفون، فَطفِقوا يَعْتَذِرونَ إليه وَيحْلِفونَ له، وكانوا بِضْعَةً وثَمانينَ رجُلاً، فَقبِلَ مِنْهُمْ علانِيَتَهُمْ، وبايَعَهُمْ واسْتَغْفَر لَهُمْ، ووَكَلَ سَرائِرَهُمْ إلى الله، حتَّى جِئْتُ، فلمَّا سَلَّمْتُ تَبَسَّمَ تَبسُّمَ المُغْضَبِ ثُمَّ قال:
"تعالَ". فجئْتُ أمْشي حتى جَلَسْتُ بيْنَ يديْهِ، فقال لي:
"ما خَلَفكَ؟ ألَمْ تَكُنْ قد ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ؟ ".
قلتُ: يا رسول الله! إنِّي والله لو جلَسْتُ عندَ غيرِكَ مِنْ أهْل الدنيا لرأَيْتُ أنِّي سَأخْرُج مِنْ سخَطِهِ بِعُذْرٍ، ولقدْ أُعطِيْتُ جَدلاً، ولكنِّي والله لقدْ علِمْتُ لَئْن حدَّثْتُكَ اليومَ حَديثَ كذبٍ ترضَى به عنِّي؛ ليوشِكنَّ اللهُ أن يُسْخِطكَ عليَّ، ولَئِنْ حدَّثتْكُ حديثَ صدق تَجِدُ عليَّ فيه؛ إنّي لأَرْجو فيه عُقْبى الله -في رواية: عفو الله- والله ما كانَ لي مِنْ عُذْرٍ، ما كنْتُ قَطُّ أَقْوى
стр. 1455
ولا أَيْسَر مِنِّي حين تَخلَّففْتُ عنكَ. قال: فقالَ رسولُ الله ﷺ :
"أمَّا هذا فَقدْ صدَقَ، فَقُمْ حتى يَقْضِيَ الله فيكَ".
فقُمْتُ، وثارَ رِجالٌ مِنْ بني سَلِمَةَ فاتَّبعوني فقالوا: والله ما علمْناكَ أذْنَبْتَ ذَنْباً قبلَ هذا، لقدْ عَجَزْتَ في أنْ لا تكونَ اعتذرْتَ إلى رسولِ الله ﷺ بِما اعْتَذَر [به] إليْهِ المُخلَّفونَ! فقدْ كان كافيكَ ذَنْبَكَ استغفارُ رسولِ الله ﷺ لَكَ، قال: فوالله ما زالوا يُؤَنِّبونَني حتَّى أرَدْتُ أنْ أرْجعَ إلى رسولِ الله ﷺ فأُكَذِّب نفسي. قال: ثمَّ قلتُ لهمْ: هَلْ لَقِيَ هذا مَعي أحَدٌ؟ قالوا: نَعَمْ، لَقِيَهُ معكَ رَجلانِ قالا مثلَ ما قُلْتَ، فقيلَ لَهُما مثلَ ما قيلَ لكَ. قال: قلتُ مَنْ هُما؟ قالوا: مُرارَةُ بْنُ رَبيعَةَ العامِريّ (١) وهِلالُ بْنُ أُميَّةَ الواقِفيّ. قال: فذكروا لي رَجُلَيْنِ صالِحينِ قد شَهِدا (بَدْراً) فيهما أُسْوَةٌ. قال: فَمضَيْتُ حينَ ذَكروهُما لي.
قال: ونَهى رسولُ الله ﷺ المسلمينَ عَنْ كلامِنا أيُّها الثَلاثةُ مِنْ بينِ مَنْ تَخلَّفَ عنه. قال: فاجْتَنَبَنَا الناسُ، وقال: تَغَيَّروا لنا حتّى تَنَكَّرَتْ لي في نفسي الأرْضُ، فما هِيَ بالأرضِ التي أعْرِفُ. فلَبثْنا على ذلك خَمْسينَ لَيلَةً، فأمَّا صاحِبايَ فاسْتكانا وقَعَدا في بُيوتِهِما يَبْكِيانِ، وأمَّا أنا فكُنْتُ أَشَبَّ القومِ وأجلدَهُم، فكنتُ أَخْرجُ فأشْهَدُ الصلاةَ وأطوفُ في الأسْواقِ، ولا يُكَلِّمُني أحَدٌ، وآتي رسولَ الله ﷺ وهو في مَجْلسِه بعدَ الصلاةِ فأُسَلِّمُ (٢)، فأقولُ في نَفْسي: هلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السلام أمْ لا؟ ثُمَّ أُصلِّي قريباً منه وأسارِقُهُ النظَر، فإذا أقْبَلْتُ على صلاتي نَظَر إليَّ، فإذا التفَتُّ نحوَهُ أعْرضَ عنِّي، حتَّى إذا
стр. 1456
طالَ عليَّ ذلك مِنْ جَفْوَة المسلمين مَشَيْتُ حتى تَسوَّرْتُ جِدارَ حائطِ أبي قَتادةَ، وهو ابْنُ عمِّي، وَأحَبُّ الناسِ إليَّ، فسلَّمْتُ عليه، فَوالله مال رَدَّ عليَّ السلام، فقلتُ له: يا أبا قتادة! أَنْشُدُكَ بالله! هل تَعْلِّمُني أنِّي أُحِبُّ الله ورسولَه؟ قال: فَسكتَ. فعُدْتُ فناشَدْتُه، فسكَتَ، فعُدْتُ فناشَدْتُه، فقال: الله ورسولُه أَعْلَمُ. فَفاضتْ عينايَ، وتَولَّيْتُ حتَّى تَسوَّرْتُ الجِدارَ.
فبينا أنا أمْشي في سوقِ المَدينَة إذا نَبَطِيٌّ مِنْ أنْباطِ أهْلِ الشامِ، مِمَّنْ قَدِمَ بطعام يبيعُه بالمدينَة يقولُ: مَنْ يَدُلُّ على كعْبِ بْنِ مالكٍ؟ قال: فطَفَقَ الناسُ يُشيرونَ لَهُ إليَّ حتَّى جاءَني فدَفَع إليَّ كتاباً مِنْ مَلِك غَسَّانَ، وكنْتُ كاتِباً فقَرأْتُه، فإذا فيه: أمَّا بَعْدُ فإنَّهُ قد بلَغَنا أن صاحِبَكَ قد جَفاك، ولَمْ يَجْعَلْكَ الله بدارِ هَوانٍ ولا مَضْيَعةٍ، فالْحَقْ بِنا نواسِكَ، قال: فَقُلْتُ حين قَرْأتُها: وهذه أيْضاً مِنَ البَلاءِ، فَتَيمَّمْتُ (١) بها التَنُّورَ فَسَجرْتُها [بها]، حتَّى إذا مَضَتْ أرْبَعونَ مِنَ الخَمْسينَ، واسْتَلْبَثَ الوَحْيُ إذا [رسولُ] رسول الله ﷺ يَأْتيني، فقالَ: إنَّ رسولَ الله ﷺ يَاْمُرك أَنْ تَعْتَزِلَ امْرأَتَك. قال: فقلتُ: أُطَلِّقُها أمْ ماذا أفْعَل؟ قال: لا، بَلِ اعْتَزِلْها فلا تَقْرَبَنَّها، وأرْسَل إلى صاحِبيَّ بِمْثلِ ذلك.
قال: فقلتُ لامْرَأتي: الْحَقي بأَهْلِكِ فكوني عندَهُمْ حتى يَقْضِيَ الله في هذا الأَمْرِ. قال: فجاءَتِ امْرأَةُ هِلالِ بْنِ أمَيَّةَ رسولَ الله ﷺ فقالَتْ: يا رسولَ الله! إنَّ هلالَ بْنَ أُمَيَّةَ شيخٌ ضَائعٌ؛ ليسَ له خادِمٌ، فهل تَكْرَهُ أنْ أخْدِمَهُ؟ قال:
"لا، ولكِنْ لا يَقْرَبَنَّكِ".
стр. 1457
قالتْ: إنَّه والله ما بِه حَركَةٌ إليَّ، ووالله ما زالَ يَبْكي مُنْذُ كانَ مِنْ أمْرِه ما كانَ إلى يَوْمِه هذا.
قال: فقال لي بعضُ أهْلي: لوِ اسْتَأْذَنْتَ رسولَ الله ﷺ [في امرأتك] فقد أَذِنَ لامْرَأةِ هلالِ بْنِ أُمَيَّةَ أنْ تَخْدِمَهُ. قال: فقلتُ: لا أسْتَأْذِن فيها رسولَ الله ﷺ ، وما يُدْريني ما [ذا] يقولُ رسولُ الله ﷺ إذا اسْتَأْذَنْتُه فيها وأنا رجلٌ شاب؟ قال: فلَبِثْتُ بذلك عَشْرَ لَيالٍ، فكَمُلَ لَنا خمسونَ لَيلة مِنْ حِينِ نَهى عنْ كلامِنَا.
قال: ثمَّ صَلَّيْتُ صلاةَ الفَجْرِ صباحَ خَمْسينَ لَيلة على ظهْرِ بَيْتٍ مِنْ بيُوتِنا، فبينَا أنا جالِسٌ على الحالِ التي ذَكَرَ الله مِنَّا، قد ضَاقَتْ عَليَّ نَفْسي وضاقَتْ عليَّ الأرْضُ بما رَحُبَتْ، سمعتُ صوتَ صارِخ أوْفَى على (سَلْع) يقولُ بأعْلى صوتِه: يا كَعْبَ بْنَ مالكٍ! أبْشِرْ. قال: فَخَررْتُ ساجِداً وعَرَفتُ أَنْ قد جاءَ فَرجٌ.
قال: فآذَنَ رسولُ الله ﷺ الناسَ بتوبةِ الله علينا حينَ صلَّى صلاةَ الفَجْرِ، فذهَبَ الناسُ يُبَشِّرونَنا، فذَهب قِبَلَ صاحِبَيَّ مُبَشِّرونَ، ورَكض رجلٌ إليَّ فَرساً، وسَعى ساعٍ مِنْ أسْلمَ قِبَلي، وأَوْفَى على الجبَلَ، فكانَ الصوتُ أَسْرعَ مِنَ الفَرسِ، فلمَّا جاءَني الذي سمعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُني، نَزَعْتُ له ثَوْبَيَّ فكَسَوْتُهما إيَّاه بِبَشَارَتِه، والله ما أمْلكُ غيرَهُما يومَئذٍ، واسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْن فَلَبسْتُهما. وانْطَلقْتُ أتأمَّم رسولَ الله ﷺ ، يَتلقَّاني الناسُ فَوْجاً فَوْجاً يُهنِّئوني بالتوبَةِ، وَيقولُونَ: لتَهنِئك توبةُ الله عليك. حتَّى دخلنا المسجدَ، فإذا رسولُ الله ﷺ حولَه الناسُ، فقامَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْد [الله] يُهَرْوِلُ حَتّى صافَحَني وهَنَّأَنِي، والله ما قامَ إليَّ رجلٌ مِنَ المهاجِرينَ غيرُه، قال: فكان كَعْبٌ
стр. 1458
لا يَنْساها لِطَلْحَةَ، قال كَعْبٌ: فلمَّا سَلَّمْتُ على رسولِ الله ﷺ قال: وهو يبرُقُ وَجهُهُ مِنَ السرورِ:
"أبْشِرْ بخيرِ يَوْمٍ مَرَّ عليكَ منْذُ وَلَدتْكَ أُمُّكَ".
قال: فقُلْتُ: أمِنْ عِنْدِكَ يا رسولَ الله! أمْ مِنْ عِنْدِ الله؟ قال:
"بَلْ مِنْ عندِ الله".
وكانَ رسولُ الله ﷺ إذا سُرَّ اسْتَنارَ وَجْهُهُ، حتى كأنَّ وجههُ قِطْعَةُ قَمَرٍ، قال: وكنَّا نَعْرِف ذلك مِنْهُ. قال: فلمَّا جَلستُ بينَ يَديْهِ؛ قلتُ: يا رسولَ الله! إنَّ مِنْ توبَتي أنْ أَنْخَلعَ مِنْ مالي صَدَقةً إلى الله وإلى رسولهِ. فقال رسولُ الله ﷺ :
"أمْسِكْ عليكَ بَعْض مالِكَ، فهوَ خَيْرٌ لكَ".
قال: فقلْتُ: فإنِّي أمسِكُ سَهْميَ الذي بخَيْبَر. قال: وقلتُ: يا رسولَ الله! إنَّما أنْجاني الله بالصدْقِ، وإنَّ مِنْ تَوْبَتي أنْ لا أُحدِّثَ إلا صِدْقاً ما بَقيتُ.
قال: فَوَالله ما علمْتُ [أن] أحداً [من السلمين] أبْلاهُ الله في صِدْقِ الحَديثِ مُنْذ ذكرتُ ذلك لِرَسول الله ﷺ [إلى يومي هذا] أحْسَنَ ممَّا أبْلاني الله [به]، والله ما تَعمَّدْتُ كَذبةً منذ قلتُ ذلك لرَسولِ الله ﷺ إلى يومي هذا، وإنِّي لأَرْجو أنْ يَحْفَظني اللَّه فيما بَقِيَ.
قال: فَأنْزلَ الله : ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾، حتى بلَغَ ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾، حتى بلَغَ ﴿[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾.
قال كعبْ: والله ما أنْعَم الله على مِنْ نِعْمَةٍ قَطُّ بعدَ إذْ هَداني الله للإِسْلامِ أَعْظَمَ في نفْسي مِنْ صدْقي لِرَسولِ الله ﷺ أنْ لا أكونَ كَذَبْتُهُ فأهْلِكَ كما
стр. 1459
هَلَك الذين كَذبوا، إنَّ الله قال لِلَّذين كَذَّبوا حينَ أَنْزلَ الوحَي شَرَّ ما قالَ لأَحدٍ، فقال: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾.
قال كَعْبٌ: كنَّا خُلِّفْنا أيُّها الثَلاثَةُ عَنْ أمْرِ أولئكَ الذين قَبِلَ منهمْ رسولُ الله ﷺ حينَ حَلَفوا له، فبايَعَهُمْ واسْتَغْفَر لَهُمْ، وأَرْجأَ رسولُ الله ﷺ أَمْرَنا حتَّى قَضَى الله تعالى فيه، فبذلك (١) قال الله : ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ وليسَ الذي ذكَره مما خُلِّفَنا تَخَلُّفُنا عَنِ الغَزْوِ، وإنَّما هو تَخْليفُه إيَّانا، وإرْجَاؤه أَمْرَنا عَمَّنْ حَلَف له واعْتَذَرَ إليه، فقَبِلَ مِنْهُ".
رواه البخاري، ومسلم، واللفظ له.
ورواه أبو داود والنسائي بنحوه مفرقاً مختصراً.
وروى الترمذي قطعة من أوله ثم قال: "وذكر الحديث".
قوله: (وَرَّى) عن الشيء: إذا ذكره بلفظ يدل عليه أو على بعضه دلالة خفية عند السامع.
(المَفَازُ) والمفازة هي: الفلاة لا ماء بها.
(يَتَمادَى بي) أي: يتطاول ويتأخر.
وقوله: (تَفَارَطَ الغزو) أي: فات على من أراده وَبَعُدَ عليه إدراكه.
(المَغْمُوْضُ) بالغين والضاد المعجمتين (٢): هو المعيب المشار إليه بالعيب.
стр. 1460
(ويزولُ به السَّرابُ) أي: يظهر شخصه خيالاً فيه.
(أوْفَى على سَلْعٍ) أي: طلع عليه. و (سلع): جبل معروف في أرض المدينة.
(أُيَمِّمُ) أي: أقصد.
(أرجأ أمرنا): أخره، والإرجاء: التأخير.
وقوله: (فأنا إليه أَصْعَر) بفتح الهمزة والعين المهملة جميعاً، وسكون الصاد المهملة: أي أميل إلى البقاء فيها واشتهي ذلك؛ و (الصعر): الميل، وقال الجوهري: في الخد خاصة.
٢٩٢٥ - (٢) [صحيح لغيره] وعن عبادةَ بنِ الصامتِ ﵁؛ أنَّ النبيَّ ﷺ قال:
"اضْمَنوا لي سِتّاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ؛ أَضْمَنْ لَكُمُ الجَنَّةَ: اصْدُقوا إذا حَدَّثْتُم، وأوْفوا إذا وَعَدْتُم، وأدُّوا إذا ائْتُمِنْتُم، واحْفَظوا فروجَكُمْ، وغُضُّوا أبصارَكُمْ، وكُفُّوا أيدِيَكُمْ".
رواه أحمد وابن أبي الدنيا، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم والبيهقي؛ كلهم من رواية المطلب بن عبد الله بن حنطب عنه. وقال الحاكم: "صحيح الإسناد".
(قال الحافظ): "المطلب لم يسمع من عبادة". [مضى ١٧ - النكاح/ ١].
٢٩٢٦ - (٣) [صحيح لغيره] وعن أنسِ بْنِ مالكٍ ﵁ عنِ النبيِّ ﷺ قال:
"تَقَبَّلوا لي سِتّاً أَتَقبَّل لكُمْ بِالجَنَّةِ: إذا حَدَّثَ أحدُكم فلا يَكْذِبْ، وإذا وَعَد فلا يُخْلِفْ، وإذا ائْتُمِنَ فَلا يَخُنْ، غُضُّوا أبْصارَكُم، وكُفُّوا أْيدِيَكُمْ، واحْفَظُوا فُروجَكُمْ".
رواه أبو بكر بن أبي شيبة وأبو يعلى والحاكم والبيهقي، ورواتهم ثقات؛ إلا سعد بن سنان.
стр. 1461
٢٩٢٧ - (٤) [حسن لغيره] وعن أبي أمامة ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال:
"أنا زعيمٌ ببَيْتٍ في وَسَطِ الجنَّةِ لِمَنْ تَرك الكَذِبَ وإنْ كان مازِحاً".
رواه البيهقي بإسناد حسن. (١) ورواه أبو داود، والترمذي وحسنه، وابن ماجه في حديث تقدم في "حسن الخلق". [مضى ٢٣ - الأدب/ ٢].
٢٩٢٨ - (٥) [حسن لغيره] عن عبد الرحمن بن الحارث عن (٢) أبي قُرادٍ السلَميِّ ﵁ قال:
كنَّا عندَ النبيِّ ﷺ فدَعا بِطَهورٍ، فَغَمس يَدَه فَتَوضَّأَ، فتتبَّعناهُ فَحَسوْنَاهُ، فقال النبيُّ ﷺ :
"ما حَمَلكُمْ على ما فَعَلْتُمْ؟ ".
قلنا: حُبُّ الله ورسولِه. قال:
"فإنْ أَحْبَبْتُمْ أنْ يُحِبُّكُمُ الله ورسولُه؛ فأَدُّوا إذا ائْتُمِنْتُم، واصْدُقوا إذا حَدَّثْتُم، وأحْسِنوا جِوارَ مَنْ جاوَرَكُمْ".
رواه الطبراني (٣).
٢٩٢٩ - (٦) [صحيح لغيره] وعن عبد الله بن عمر [و] ﵄؛ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال:
"أربَعٌ إذا كُنَّ فيكَ فلا عليكَ ما فاتَكَ مِنَ الدنيا: حِفْظُ أمانَةٍ، وصِدقُ
стр. 1462
حديثٍ، وحُسْنُ خَليقَةٍ، وعِفَّةٌ في طُعْمَةٍ".
رواه أحمد وابن أبي الدنيا والطبراني والبيهقي بأسانيد حسنة. [مضى ١٦ - البيوع/ ٥].
٢٩٣٠ - (٧) [صحيح] وعن الحسن بن عليّ ﵄ قال:
حَفِظْتُ مِنْ رَسولِ الله ﷺ :
"دَعْ ما يُرِيبُكَ إلى ما لا يُريبُكَ، فإنَّ الصدْقَ طُمأْنِينَةٌ، والكَذِبَ رِيبَةٌ".
رواه الترمذي وقال: "حديث حسن صحيح"، [مضى ١٦ - البيوع/ ٦].
٢٩٣١ - (٨) [صحيح] وعنْ عبدِ الله بْنِ عَمْروٍ بْنِ العَاصِ ﵄ قال:
قلنا: يا نَبِيَّ الله! مَنْ خَيرُ الناسِ؟ قال:
"ذو القَلبِ المَخْمُوم، واللِّسانِ الصَادقِ".
قال: قلنا: يا نبيَّ الله! قد عرفنا اللِّسانَ الصادِقَ، فما القلبُ المَخْموم؟ قال:
" [هو] التقيُّ النقيُّ؛ الذي لا إِثْمَ فيه، ولا بَغْيَ ولا حَسَدَ".
قال: قلنا: يا رسول الله! فَمَنْ على أَثَرِهِ؟ قال:
"الذي يَشْنَأُ الدنيا، ويُحِبُّ الآخِرَةَ".
قلنا: ما نَعْرِفُ هذا فينا إلا رافع مَوْلى رسولِ الله ﷺ ، فَمَنْ على أَثَرِهِ؟ قال:
"مؤمِنٌ في خُلُقٍ حَسَنٍ".
قلنا: أمَّا هذه فإنها فينا. (١)
رواه ابن ماجه بإسناد صحيح، وتقدم لفظه [هنا/ ٢١]، والبيهقي وهذا لفظه، وهو أتم.
стр. 1463
٢٩٣٢ - (٩) [صحيح] وعن ابن مسعودٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
"عليكُم بالصدْقِ؛ فإنَّ الصدْق يَهْدي إلى البرِّ، والبِرّ يَهْدي إلى الجنَّةِ، وما يَزالُ الرجلُ يَصْدُقُ، وَيتَحرَّى الصِدْقَ حتى يُكْتَبَ عندَ الله صِدِّيقاً، وإيَّاكُمْ والكَذِب! فإنَّ الكَذِبَ يَهدِي إلى الفُجورِ، وإنَّ الفُجورَ يَهْدِي إلى النارِ، وما يزالُ العَبْد يَكْذِبُ ويتَحرَّى الكَذِبَ، حتى يُكْتَبَ عِنْدَ الله كذَّاباً".
رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي، وصححه واللفظ له.
٢٩٣٣ - (١٠) [صحيح] وعن أبي بكرٍ الصديق ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ :
"عليكُمْ بالصدْقِ؛ فإنَّه مَع البِرِّ، وهُما في الجنَّةِ، وإيَّاكمْ والكَذِبَ؛ فإنَّه مَعَ الفجورِ، وهُما في النارِ".
رواه ابن حبان في "صحيحه".
٢٩٣٤ - (١١) [صحيح لغيره] وعن معاوية بن أبي سفيان ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ :
"عليكم بالصدقِ فإنه يهدي إلى البِرِّ، وهما في الجنةِ، وإيَّاكم والكَذِبَ فإنه يهدي إلى الفُجورِ، وهما في النار".
رواه الطبراني في "الكبير" بإسناد حسن.
٢٩٣٥ - (١٢) [صحيح] وعن سمرة بن جندبٍ ﵁ قال: قال النبيِ ﷺ :
"رأيتُ الليلةَ رجُلَيْن أتَياني قالا لي (١): الذي رأيْتَه يُشَقُّ شِدْقُهُ فكذَّابٌ، يكذِبُ بالِكذْبَةِ تُحمَلُ عنهُ حتى تَبْلُغَ الآفاقَ، فيُصْنَعُ به هكَذا إلى يومِ القِيامَةِ".
стр. 1464
رواه البخاري هكذا مختصراً في "الأدب" من "صحيحه". وتقدم بطوله في "ترك الصلاة" [٥ - الصلاة/ ٤٠].
٢٩٣٦ - (١٣) [صحيح] وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
"آيَةُ المنافِقِ ثَلاثٌ: إذا حدَّث كَذَبَ، وإذا وَعَد أخْلَف، وإذا ائتُمنَ خان (١) ".
رواه البخاري ومسلم. وزاد مسلم في رواية له:
"وإنْ صامَ وصلَّى وزَعَم أنَّهُ مُسلِمٌ".
٢٩٣٧ - (١٤) [صحيح] وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي ﵄؛ أن النبيَّ ﷺ قال:
"أربعٌ مَنْ كُنَّ فيه كان مُنافِقاً خالِصاً، ومَنْ كان فيه خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كانَتْ فيه خَصْلَةٌ مِنَ النِفاقِ حتَّى يَدَعها:
إذا ائْتُمِنَ خانَ، وإذا حدَّث كَذبَ، وإذا عاهدَ غَدر، وإذا خَاصم فَجَر".
رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.
٢٩٣٨ - (١٥) [حسن لغيره] وعن أنسِ بْنِ مالكٍ ﵁ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول:
"ثلاثٌ مَنْ كُنَّ فيه فهو مُنافِقٌ، وإنْ صامَ وصَلَّى، وحَجَّ واعْتَمَر، وقال:
إنِّي مسْلمٌ: إذا حدَّثَ كذَبَ، وإذا وَعَد أخْلفَ، وإذا ائْتُمِنَ خَانَ".
رواه أبو يعلى من رواية يزيد الرقاشي، وقد وثق، ولا بأس به في المتابعات.
стр. 1465
٢٩٣٩ - (١٦) [صحيح لغيره] وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ :
"لا يُؤْمِنُ العَبْدُ الإِيْمانَ كُلِّهُ حتَّى يَتْرُكَ الكَذبَ في المُزاحَةِ، والمِراءَ وإنْ كانَ صادِقاً".
رواه أحمد والطبراني.
٢٩٤٠ - (١٧) [صحيح لغيره] ورواه أبو يعلى من حديث عمر بن الخطاب ﵁؛ ولفظه: قال رسول الله ﷺ :
"لا يبلُغُ العبدُ صريحَ الإيمانِ حتَّى يدَعَ المُزاحَ والكَذِبَ، ويَدعَ المِراءَ وإنْ كانَ مُحقّاً".
وفي أسانيدهم من لا يحضرني حاله، ولمتنه شواهد كثيرة.
٢٩٤١ - (١٨) [صحيح] وعن عائشة ﵂ قالت:
ما كانَ مِنْ خُلُقٍ أبْغَضَ إلى رسولِ الله ﷺ مِنَ الكَذِبِ، ما اطَّلَعَ على أحَدٍ مِنْ ذلك بِشَيْءٍ فيَخْرُجَ مِنْ قَلْبِهِ، حتَّى يَعْلَمَ أنَّه قَدْ أَحْدَثَ تَوْبَةً.
رواه أحمد والبزار واللفظ له.
[صحيح] وابن حبان في "صحيحه"، ولفظه: قالت:
ما كانَ مِنْ خُلُقٍ أبغَضَ إلى رسولِ الله ﷺ مِنَ الكَذِب، ولقد كانَ الرجلُ يكذِبُ عندَه الكِذْبَةَ، فما يزَالُ في نَفْسِه، حتَّى يَعْلَمَ أنَّهُ قد أحْدَثَ فيها تَوْبةً.
[صحيح لغيره] ورواه الحاكم وقال: "صحيح الإسناد"، ولفظه: قالتْ:
"ما كانَ شيءٌ أبْغَضَ إلى رسول الله ﷺ مِنَ الكَذِبِ، وما جَرَّبَهُ رسولُ الله ﷺ مِنْ أحدٍ وإنْ قَلَّ فيَخْرُج لَهُ مِنْ نَفْسِه، حتى يُجَدِّدَ لَهُ تَوْبَةً".
стр. 1466
٢٩٤٢ - (١٩) [حسن لغيره] وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال:
"مَنْ قالَ لِصَبِيٍّ. تعالَ هاكَ، ثمَّ لَمْ يُعْطِهِ، فَهِيَ كِذْبَةٌ".
رواه أحمد وابن أبي الدنيا؛ كلاهما عن الزهري عن أبي هريرة، ولم يسمع منه.
٢٩٤٣ - (٢٠) [حسن لغيره] وعن عبد الله بن عامرٍ ﵁ قال:
دَعَتْني أمِّي يَوْماً ورسولُ الله ﷺ قاعِدٌ في بيْتِنا، فقالَتْ: ها تعالَ أُعْطيكَ. فقالَ لَها رسولُ الله ﷺ :
"ما أرَدْتِ أنْ يُعْطيَهُ؟ ".
قالتْ: أرَدْتُ أَنْ أعْطِيَهُ تَمْراً، فقالَ لها رسولُ الله ﷺ :
"أما إنَّكِ لَوْ لَمْ تُعْطِهِ شَيْئاً كتِبَتْ عليكِ كَذِبَةً".
رواه أبو داود والبيهقي عن مولى عبد الله بن عامر -ولم يسمياه- عنه.
ورواه ابن أبي الدنيا فسماه زياداً.
٢٩٤٤ - (٢١) [حسن] وعن بَهْزِ بْنِ حكيمٍ عن أبيه عن جدِّه قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول:
"وْيلٌ لِلَّذي يُحَدِّثُ بالحديثِ لِيُضْحِكَ به القومَ فيَكْذِبُ، ويلٌ لَهُ، وْيلٌ لَهُ".
رواه أبو داود والترمذي -وحسنه- والنسائي والبيهقي.
٢٩٤٥ - (٢٢) [صحيح] وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
"ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُم الله يَوْمَ القيامَةِ، ولا يُزَكِّيهمْ، ولا يَنْظُرُ إلَيْهِم، ولَهُمْ عَذابٌ أليمٌ؛ شيخٌ زانٍ، ومَلِكٌ كَذَّابٌ، وعائلٌ مسْتَكْبِرٌ".
رواه مسلم وغيره. [مضى ٢١ - الحدود/ ٧].
стр. 1467
٢٩٤٦ - (٢٣) [صحيح] وعن سلمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
"ثلاثَةٌ لا يَدْخُلونَ الجَنَّةَ؛ الشيْخُ الزَّاني، والإِمامُ الكذابُ، والعائِل المَزْهُوُّ".
رواه البزار بإسناد جيد. [مضى هناك وهنا في الأدب/ ٢٢].
(العَائِل): هو الفقير.
(المَزْهُوُّ): هو المعجب بنفسه المتكبر.