٤ - (الترهيب من المسألة وتحريمها مع الغنى، وما جاء في ذم الطمع، والترغيب في التعفف والقناعة والأكل من كسب يده).
٧٩١ - (١) [صحيح] عن ابن عمر ﵄؛ أنَّ النبي ﷺ قال:
"لا تزال المسألةُ بأحدكم حتى يلقى الله تعالى وليس في وجهه مُزعةُ لَحمٍ".
رواه البخاري ومسلم والنسائي.
(المُزْعَة) بضم الميم وسكون الزاي وبالعين المهملة؛ هي القطعة.
٧٩٢ - (٢) [صحيح] وعن سَمُرَةَ بن جُندَبٍ ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال:
"إنما المسائلُ كدوحٌ يَكدح بها الرجل وجهه، فمن شاء أبقى على وجهه، ومن شاء ترك، إلا أن يسأَل ذا سلطانٍ، أو في أمرٍ لا يجد منه بُداً".
رواه أبو داود والنسائي والترمذي وعنده:
"المسألة كَدٌّ يَكُدُّ بها الرجل وجهه" الحديث. وقال:
"حديث حسن صحيح".
ورواه ابن حبان في "صحيحه" بلفظ: "كدٌّ" في رواية، و"كدُوح" في أخرى.
(الكُدوح) بضم الكاف: آثار الخموش. (١)
٧٩٣ - (٣) [صحيح] وعن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
"المسألةُ كُدوح (٢) في وجه صاحبها يوم القيامة، فمن شاء استبقى على وجهه" الحديث.
رواه أحمد، ورواته كلهم ثقات مشهورون.
стр. 484
٧٩٤ - (٤) [حسن لغيره] وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ :
"من سأَل الناسَ في غير فاقةٍ نزلتْ به، أو عيالٍ لا يطيقهم؛ جاء يومَ القيامة بوجهٍ ليس عليه لحم".
٧٩٥ - (٥) [حسن لغيره] وقال رسول الله ﷺ :
"من فتحَ على نفسِه بابَ مسألةٍ من غيرِ فاقةٍ نَزَلَتْ به، أو عيالٍ لا يطيقُهم؛ فتح الله عليه بابَ فاقةٍ من حيثُ لا يحتسب".
رواه البيهقي، وهو حديث جيد في الشواهد. (١)
٧٩٦ - (٦) [حسن لغيره] وعن عائذِ بن عَمروٍ ﵁:
أن رجلاً أتى النبيَّ ﷺ يسألُه، فأعطاه، فلما وضع رِجْله على أسْكُفَّةِ الباب (٢) قال رسول الله ﷺ :
"لو يعلمون ما في المسألة ما مشى أحدٌ إلى أحدٍ يسألُه".
رواه النسائي.
٧٩٧ - (٧) [حسن لغيره] ورواه الطبراني في "الكبير" من طريق قابوس عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ :
"لو يعلم صاحبُ المسألةِ ما لَه فيها؛ لم يسألْ".
٧٩٨ - (٨) [صحيح لغيره] وعن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ :
"مسألة الغَنِيّ شَيْنٌ (٣) في وجهه يومَ القيامة".
стр. 485
رواه أحمد بإسناد جيد، والطبراني في "الكبير".
٧٩٩ - (٩) [صحيح] وعن ثوبان ﵁؛ أنَّ النبي ﷺ قال:
"من سأل مسأَلةً وهو عنها غني؛ كانتْ شَيناً في وجهه يومَ القيامة".
رواه أحمد والبزار والطبراني، ورواة أحمد محتج بهم في "الصحيح".
٨٠٠ - (١٠) [صحيح لغيره] وعن جابر بن عبد الله ﵄؛ أنَّ رسول الله ﷺ قال:
"من سأَل وهو غنيٌّ عن المسألة؛ يُحشرُ يومَ القيامةِ وهي خُموش في وجهه".
رواه الطبراني في "الأوسط" بإسناد لا بأس به.
٨٠١ - (١١) [صحيح لغيره] وعن مسعود بن عمرو عن النبي ﷺ :
أنه أُتيَ برجلٍ يصلي عليه، فقال:
"كم ترك؟ ".
قالوا: دينارين أو ثلاثة. قال:
"ترك كيتين أو ثلاث كيات". (١)
رواه البيهقي من رواية يحيى بن عبد الحميد الحِمّاني.
٨٠٢ - (١٢) [صحيح لغيره] وعن حُبْشِي بن جُنادةَ ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
"من سأل من غير فقرٍ؛ فكأنما يأْكُل الجمرَ".
رواه الطبراني في "الكبير" ورجاله رجال "الصحيح"، وابن خزيمة في "صحيحه"؛ والبيهقي، ولفظه: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول:
стр. 486
"الذي يسأل من غير حاجة، كَمَثَل الذي يلتقط الجمْر".
[صحيح لغيره] ورواه الترمذي من رواية مجالد عن عامر، عن حُبشي أطول من هذا، ولفظه:
سمعت رسول الله ﷺ في حجة الوداع وهو واقف بعرفة أتاه أعرابي، فأخذ بطرف ردائه، فسأله إياه، فأعطاه، وذهب،. . . فقال رسول الله ﷺ :
"إن المسألةَ لا تحلُّ لغنيٍّ، ولا لذي مِرَّةٍ سَويٍّ، إلا لذي فقرٍ مُدقع، أو غُرمٍ مُفْظع، ومن سأل الناسَ ليَثْرى به مالُه، كان خموشاً في وجهه يوم القيامة، ورَضْفاً يأْكله من جهنم، فمن شاء فليُقْلِلْ، ومن شاء فليكثِر".
قال الترمذي: "حديث غريب".
[صحيح لغيره] زاد فيه رزِين:
"وإنِّي لأُعطي الرجل العطية فينطلق بها تحت إبطه، وما هي إلا النار".
فقال له عُمر: ولِمَ تعطي يا رسول الله ما هو نار؟! فقال:
"أبى الله لي البخل، وأبوا إلا مسألتي".
[صحيح لغيره] قالوا: وما الغِنى الذي لا ينبغي معه المسألة؟ قال:
"قدر ما يُغدِّيه، أو يُعشّيه" (١).
وهذه الزيادة لها شواهد كثيرة، لكني لم أقف عليها في شيء من نسخ الترمذي (٢).
(المِرَّة) بكسر الميم وتشديد الراء: هي الشدة والقوة.
стр. 487
و (السويّ) بفتح السين المهملة وتشديد الياء: هو التام الخلق، السالم من موانع الاكتساب.
(يثرى) بالثاء المثلثة أي: يزيد ماله به.
و (الرضف) يأتي، وكذا بقية الغريب.
٨٠٣ - (١٣) [صحيح] وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
"من سأَل الناس تَكَثُّراً، فإنما يسأل جمراً، فليستَقِلَّ أو ليستكثِرْ".
رواه مسلم وابن ماجه.
٨٠٤ - (١٤) [صحيح لغيره] وعن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
"من سأَل مسْألةً (١) عن ظهرِ غنىً؛ استكثر بها من رَضْف جهنم".
قالوا: وما ظهر غِنى؟ قال:
"عشاءُ ليلة" (٢).
رواه عبد الله بن أحمد في "زوائده على المسند"، والطبراني في "الأوسط"، وإسناده جيد (٣).
٨٠٥ - (١٥) [صحيح] وعن سهل ابن الحنظليةِ (٤) ﵁ قال:
قَدِم عيينة بن حصن والأقرع بن حابس على رسول الله ﷺ فسألاه،
стр. 488
فأمر معاويةَ، فكتب لهما ما سألا، فأما الأقرعُ فأخذ كتابه فلفه في عمامته وانطلق، وأما عُيينة فأخذ كتابه وأتى به رسولَ الله ﷺ [مكانه] (١) فقال: يا محمد! أتراني حاملاً إلى قومي كتاباً لا أَدري ما فيه كصحيفة المتَلَمِّس؟ فأخبر معاويةُ بقوله رسولَ الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ :
"مَن سأل وعنده ما يغنيه، فإنما يستكثر من النار، -قال النُّفَيلي، وهو أحد رواته-[في موضع آخر: "من جمرِ جهنم"].
فقالوا: [يا رسول الله! وما يغنيه؟ وقال النُّفيَلي في موضع آخر:] وما الغِنى الذي لا ينبغي معه المسألة؟ قال:
"قدر ما يُغدّيه ويُعشّيه".
رواه أبو داود -واللفظ له- وابن حبان في "صحيحه"، وقال فيه:
"من سأل شيئاً وعنده ما يغنيه، فإنما يستكثر من جمر جهنم".
قالوا: يا رسول الله! ما يغنيه؟ قال:
"ما يغديه أو يعشيه".
كذا عنده: "أو يعشيه" بألف.
ورواه ابن خزيمة باختصار؛ إلا أنه قال:
قيل: يا رسول الله! وما الغِنى الذي لا ينبغي معه المسألة؟ قال:
"أن يكون له شبع يوم وليلة، أو ليلة ويوم" (٢).
стр. 489
قوله: "كصحيفة المتلمّس": هذا مثل تضربه العرب لمن حمل شيئاً لا يدري هل هو يعود عليه بنفع أو ضر، وأصله أن المتلمِّس -واسمه عبد المسيح- قدم هو وطَرفَة بن العبد على الملك عمرو بن المنذر، فأقاما عنده، فنقم عليهما أمراً، فكتب إلى بعض عماله يأمره بقتلهما، وقال لهما: إني قد كتبت لكما بصلة، فاجتازا بـ (الحِيرَة)، فأعطى المتلمس صحيفته صبياً فقرأها، فإذا فيها الأمر بقتله، فألقاها، وقال لطرفة: افعل مثل فعلي، فأبى عليه، ومضى إلى عامل الملك، فقرأها؛ وقتله.
قال الخطابي (١):
"اختلف الناس في تأويله، يعني حديث سهل، فقال بعضهم: من وجد غَداء يومِه وعشاءَه؛ لم تحل له المسألة على ظاهر الحديث. وقال بعضهم: إنما هو فيمن وجد غداء وعشاء على دائم الأوقات، فإذا كان عنده ما يكفيه لقوته المدة الطويلة، حرمت عليه المسألة. وقال آخرون: هذا منسوخ بالأحاديث التي تقدم ذكرها". يعني الأحاديث التي فيها تقدير الغنى بملك خمسين درهماً أو قيمتها، أو بملكِ أَوقية أو قيمتها.
قال الحافظ ﵁:
"ادعاء النسخ مشترك بينهما، ولا أعلم مرجحاً لأحدهما على الآخر، وقد كان الشافعي ﵀ يقول: قد يكون الرجل بالدرهم غنياً مع كسبه، ولا يغنيه الألف مع ضعفه في نفسه وكثرة عياله.
وقد ذهب سفيان الثوري وابن المبارك والحسن بن صالح وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه إلى أن من له خمسون درهماً أو قيمتها من الذهب لا يُدفع إليه شيء من الزكاة.
وكان الحسن البصري وأبو عبيد يقولان: من له أربعون درهماً فهو غني. وقال أصحاب
стр. 490
الرأي: يجوز دفعها إلى من يملك دون النصاب، وإن كان صحيحاً مكتسباً مع قولهم: من كان له قوت يومه لا يحل له السؤال، استدلالاً بهذا الحديث وغيره. (١) والله أعلم".
٨٠٦ - (١٦) [صحيح لغيره] وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
"مَن سأل الناس لِيَثْرى مالُه، فإنَّما هي رَضْفٌ من النار مُلهبة، فمن شاء فليُقِلَّ، ومن شاء فليكثرْ".
رواه ابن حبان في "صحيحه".
(الرَّضْف) بفتح الراء وسكون الضاد المعجمة بعدها فاء: هو الحجارة المحماة.
٨٠٧ - (١٧) [صحيح موقوف] وعن أسلم قال: قال لي عبد الله بن الأرقم:
ادْلُلْني على بعير من العطايا (٢) أستحمل عليه أميرَ المؤمنين.
قلت: نعم، جمل من إبل الصدقة.
فقال عبد الله بن الأرقم: أتحب لو أنَّ رجلاً بادناً في يوم حار، غسل ما تحت إزاره ورُفْغيه، ثم أعطاكه فشربته؟
قال: فغضبت، وقلت: يغفرُ اللهُ لك، لِم تقولُ مثلَ هذا لي؟
قال: فإنما الصدقة أوساخ الناس يغسلونها عنهم.
رواه مالك.
(البادن): السمين.
و (الرُّفغ) بضم الراء وفتحها وبالغين المعجمة: هو الإبط، وقيل: وسخ الثوب.
و (الأرفاغ): المغابن التي يجتمع فيها العرق والوسخ من البدن.
стр. 491
٨٠٨ - (١٨) [صحيح لغيره] وعن علي ﵁ قال:
قلت للعباس: سَلِ النبيَّ ﷺ يستعملُك على الصدقة (١). فسأله، قال:
"ما كنت لأستعملك على غُسالة ذنوب الناس".
رواه ابن خزيمة في "صحيحه" (٢).
٨٠٩ - (١٩) [صحيح] وعن أبي عبد الرحمن (٣) عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال:
كنا عند رسول الله ﷺ تسعة أو ثمانية أو سبعة، فقال:
"ألا تبايعون رسول الله ﷺ ؟ ". وكنا -حديثي عهد ببيعة- فقلنا: قد بايعناك يا رسولَ الله! ثم قال:
"ألا تبايعون رسولَ الله؟ ".
فبسطنا أيديَنا وقلنا: قد بايعناك يا رسول الله! فعلامَ نبايعك؟ قال:
"أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، والصلوات الخمس، وتطيعوا -وأسَرَّ كلمةً خفية- ولا تسألوا الناس [شيئاً] ". فلقد رأت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدِهم، فما يسأل أحداً يناوله إياه.
رواه مسلم والترمذي والنسائي باختصار.
стр. 492
٨١٠ - (٢٠) [صحيح] وعن أبي ذر ﵁ قال:
بايعني رسول الله ﷺ خمساً، وأوثقني سبعاً، وأشهدَ اللهَ عليَّ تسعاً (١): أن لا أخافَ في الله لومة لائم.
-قال أبو المثنى:- قال أبو ذر: فدعاني رسول الله ﷺ فقال:
"هل لك إلى البيعة ولك الجنة؟ ".
قلت: نعم، وبسطت يدي، فقال رسول الله ﷺ -وهو يشترط-:
"على أنُ لا تَسأل الناس شَيئاً".
قلت: نعم. قال:
"ولا سوطك إنْ سقط منك حتى تنزل فتأخذه".
[حسن لغيره] وفي رواية؛ أن النبي ﷺ قال:
"ستة أيام؛ ثم اعقل يا أبا ذر! ما يقال لك بعد".
فلمَّا كان اليوم السابع قال:
"أوصيكَ بتقوى اللهِ في سرِّ أمرِك وعلانيتِه، وإذا أسأتَ فأحْسِنْ، ولا تسأَلنَّ أحداً شيئاً وإنْ سقطَ سوطُك، ولا تقبضنَّ أمانةً".
رواه أحمد رواته ثقات.
٨١١ - (٢١) [صحيح] وعن أبي ذر ﵁ قال:
"أوصاني خليلي ﷺ بسبع: بحب المساكين، وأنْ أَدنوَ منهم، وأنْ أَنظرَ إلى من هو أَسفلُ مني، ولا أنظرَ إلى من هو فوقي، وأنْ أصِلَ رَحِمي وإنْ
стр. 493
جفاني، وأنْ أُكثرَ من قولِ: (لا حولَ ولا قوة إلا بالله)، وأنْ أتكلمَ بمُرِّ الحق، وأنْ لا تأْخذَني بالله لومةُ لائم، وأنْ لا أسألَ الناسَ شيئاً".
رواه أحمد والطبراني من رواية الشعبي عن أبي ذر. ولم يسمع منه (١).
٨١٢ - (٢٢) [صحيح] وعن حكيم بن حِزام ﵁ قال:
سألتُ رسول الله ﷺ فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال:
"يا حَكيم! هذا المالُ خَضِرٌ حُلْو (٢)، فمن أخذه بسخاوة نفسٍ بورك له فيه، ومن أخذه بإشرافِ نفسٍ لم يباركْ فيه، وكان كالذي يأْكلُ ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى".
قال حكيمٌ: فقلت: يا رسولَ الله! والذي بعثك بالحق لا أرزأُ أحداً بعدك شيئاً حتى أفارق الدنيا.
فكان أبو بكر ﵁ يدعو حكيماً ليعطيَه العطاءَ، فيأبى أنْ يقبلَ منه شيئاً، ثم إن عمر ﵁ دعاه ليعطيه، فأبى أن يقبله، فقال: يا معشر المسلمين! أُشهِدُكم على حكيمٍ أنّي أعرضُ عليه حقَّه الذي قسم الله
стр. 494
له في هذا الفيء، فيأبى أنْ يأخذه. فلم يرزأ حكيمٌ أحداً من الناس بعد النبي ﷺ حتى توفي ﵁.
رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي باختصار.
(يرزأ) براء ثم زاي ثم همزة، معناه: لم يأخذ من أحد شيئاً.
و (إشراف النفس) بكسر الهمزة وبالشين المعجمة وآخره فاء: هو تطلعها وطمعها وشرها.
و (سخاوة النفس): ضد ذلك.
٨١٣ - (٢٣) [صحيح] وعن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
"من تَكفَّلَ لي أنْ لا يسأل الناس شيئاً؛ أتكفلُ له بالجنة".
فقلت: أنا. فكان لا يسأَل أحداً شيئاً.
رواه أحمد والنسائي وابن ماجه وأبو داود بإسناد صحيح.
وعند ابن ماجه قال:
"لا تسأل الناس شيئاً".
قال: فكان ثوبان يقع سوطه وهو راكب، فلا يقول لأحد: ناولنيه؛ حتى ينزل فيأْخذَه. (١)
٨١٤ - (٢٤) [صحيح لغيره] وعن عبد الرحمن بن عوف ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال:
"ثلاث والذي نفسي بيده إنْ كنت لحالفاً عليهن: لا ينقصُ مالٌ من صدقة؛ فتصدقوا، ولا يعفو عبد عن مَظلمة؛ إلا زاده الله بها عزاً يومَ القيامة، ولا يفتح عبدٌ باب مسألة؛ إلا فتح الله عليه باب فقر".
стр. 495
رواه أحمد، وفي إسناده رجل لم يسم، وأبو يعلى والبزار.
وتقدم في "الإخلاص" [الباب الأول] من حديث أبي كبشة الأنماري مطولاً.
رواه الترمذي وقال: "حديث حسن صحيح".
٨١٥ - (٢٥) [صحيح] وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال:
قال عمر ﵁: يا رسولَ الله! لقد سمعت فلاناً وفلاناً يحسنان الثناءَ؛ يذكران أنك أعطيتهما دينارين. قال: فقال النبي ﷺ :
"والله لكنَّ فلاناً ما هو كذلك، لقد أعطيته ما بين عشرة إلى مائة، فما يقول ذلك! أما والله إنَّ أحدكم ليُخرج مسألتَه من عندي يتأبطها (يعني تكون تحت إبطه) ناراً".
قال: قال عمر ﵁: يا رسول الله! لِمَ تعطيها إياهم؟ قال:
"فما أصنعُ؟ يأْبون إلا ذلك، ويأبى اللهُ ليَ البخلَ".
رواه أحمد وأبو يعلى، ورجال أحمد رجال الصحيح.
٨١٦ - (٢٦) [صحيح] وفي رواية جيدة لأبي يعلى (١):
"وإن أحَدكم ليخرجُ بصدقَتِه من عندي متأبَّطَها، وإنما هي له نار".
قلت: يا رسولَ الله! كيف تعطيه وقد علمتَ أنها له نار؟ قال:
"فما أصنعُ؟ يأبون إلا مسألتي، ويأبى الله لي البخل".
٨١٧ - (٢٧) [صحيح] وعن أبي بشرٍ قَبِيصة بنِ المخارقِ ﵁ قال:
تحمَّلتُ حَمالة، فأتيتُ رسول الله ﷺ أسأله فيها، فقال:
"أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها". ثم قال:
стр. 496
"يا قَبيصةُ! إن المسألةَ لا تحل إلا لأحدِ ثلاثة:
رجل تحمَّل حَمالة، فحلَّت له المسألةُ حتى يُصيبَها ثم يمسك.
ورجل أصابتْه جائحةٌ اجتاحَتْ مالَه، فحلَّتْ له المسألةُ حتى يصيبَ قِوَاماً من عيش، أو قال: سِداداً من عيش.
ورجلٌ أصابَتْه فاقةٌ حتى يقولَ ثلاثةٌ من ذوي الحِجى من قومه: لقد أصابت فلاناً فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب قِواماً من عيش، أو قال: سِداداً من عيش.
فما سواهن من المسألةِ يا قبيصةُ سُحتٌ، يأكلُها صاحبُها سُحتاً".
رواه مسلم وأبو داود والنسائي.
و (الحَمالة) بفتح الحاء المهملة: هو الدية يتحملها قوم عن قوم. وقيل: هو ما يتحمله المصلح بين فئتين في ماله، ليرتفع بينهم القتال ونحوه.
و (الجائحة): الآفة تصيب الإنسان في ماله.
و (القِوام) بفتح القاف -وكسرها أفصح-: هو ما يقوم به حال الإنسان من مال وغيره.
و (السِّداد) بكسر السين المهملة: هو ما يسد حاجة المعوز ويكفيه.
و (الفاقة): الفقر والاحتياج.
و (الحِجى) بكسر الحاء المهملة مقصوراً: هو العقل.
٨١٨ - (٢٨) [صحيح] وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ :
"استغنوا عن الناسِ ولو بشَوصِ السِّواك".
رواه البزار والطبراني بإسناد جيد، والبيهقي.
стр. 497
٨١٩ - (٢٩) [صحيح لغيره] وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال:
"لا يؤمن عبدٌ حتى يأمنَ جارُه بوائقَه، ومن كان يؤمنُ بالله واليوم الآخر؛ فليكرمْ ضيفَه، ومن كان يؤمنُ بالله واليوم الآخر فليقلْ خيراً أو ليسكت، إن الله يحب الغنيَّ الحليمَ المتعففَ، ويبغضُ البذيء الفاجرَ السائل المُلِحّ".
رواه البزار (١).
٨٢٠ - (٣٠) [صحيح] وعن ابن عمر ﵄؛ أنَّ رسول الله ﷺ قال وهو على المنبر -وذكر الصدقة والتعفف عن المسألة-:
"اليدُ العليا خيرٌ من اليدِ السفلى، والعليا هي المنفِقة، والسفلى هي السائلةُ".
رواه مالك والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
وقال أبو داود:
اختُلِفَ على أيوب عن نافع في هذا الحديث؛ قال عبد الوارث: "اليد العليا المتعففة".
وقال أكثرهم: عن حماد بن زيد عن أيوب: "المنفقة". وقال واحد عن حماد: "المتعففة". (٢)
قال الخطابي: "رواية من قال: "المتعففة" أشبه وأصح في المعنى، وذلك أنَّ ابن عمر ذكر أن رسول الله ﷺ ذكر هذا الكلام وهو يذكر الصدقة والتعفف عنها، فعطْفُ الكلام على
стр. 498
سببه الذي خرج عليه وعلى ما يطابقه في معناه أولى. وقد يتوهم كثير من الناس أن معنى العليا أن يد المعطي مستعلية فوق يد الآخذ، يجعلونه من علو الشيء إلى فوق، وليس ذلك عندي بالوجه، وإنما هو من علاء المجد والكرم، يريد [به] التعفف عن المسألة والترفع عنها". انتهى كلامه (١)، وهو حسن. (٢)
٨٢١ - (٣١) [صحيح] وعن مالك بن نَضْلة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
"الأيدي ثلاثة: فيد الله العليا، ويدُ المعطي التي تليها، ويدُ السائل السفلى، فأعط الفضلَ، ولا تعجز عن نفسك".
رواه أبو داود وابن حبان في "صحيحه"، واللفظ له.
٨٢٢ - (٣٢) [صحيح] وعن حكيم بن حِزام ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
"اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأْ بمن تعولُ، وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، ومن يَستعفَّ يُعِفَّه اللهُ، ومن يستغنِ يُغنه اللهُ".
رواه البخاري -واللفظ له- ومسلم.
٨٢٣ - (٣٣) [صحيح] وعن أبي سعيد الخدري ﵁:
أن ناساً من الأنصار سألوا رسول الله ﷺ ، فأعطاهم، ثم سألوه، فأعطاهم، ثم سألوه، فأعطاهم، حتى إذا نفِد ما عنده قال:
"ما يكون عندي من خير فلن أَدَّخِرَه عنكم، ومَن استعفَّ (٣) يُعِفَّه الله،
стр. 499
ومن يَستغن يُغنه الله، ومن يتصبَّر يُصبِّره الله، وما أعطى الله أحداً عطاءً هو خير له وأوسع من الصبر".
رواه مالك والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.
٨٢٤ - (٣٤) [حسن لغيره] وعن سهل بن سعد ﵁ قال:
جاء جبريل إلى النبي ﷺ ، فقال:
"يا محمد! عشْ ما شئتَ فإنكَ ميِّت، واعمل ما شئتَ فإنك مَجزيٌّ به، وأحبب من شئت فإنَّك مفارقُه، واعلم أنَّ شَرفَ المؤمن قيامُ الليل، وعزَّه استغناؤه عن الناس".
رواه الطبراني في "الأوسط" بإسناد حسن.
٨٢٥ - (٣٥) [صحيح] وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال:
"ليس الغِنى عن كثرة العَرَض، ولكنَّ الغنى غنِى النفس".
رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي (١).
(العَرَض) بفتح العين المهملة والراء: هو كل ما يقتنى من المال وغيره.
٨٢٦ - (٣٦) [صحيح] وعن زيد بن أرقم ﵁؛ أن رسول الله ﷺ كان يقول:
"اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفعْ، ومن قلبٍ لا يخشعْ، ومن نفس لا تشبعْ، ومن دعوة لا يُستَجَابُ لها".
رواه مسلم وغيره. [مضى ٣ - العلم/ ٩]
٨٢٧ - (٣٧) [صحيح] وعن أبي ذرّ ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ :
"يا أبا ذر! أترى كثرةَ المال هو الغنى؟ ".
стр. 500
قلت: نعم يا رسولَ الله! قال:
"أَفَتَرى قلةَ المالِ هو الفقر؟ ".
قلت: نعم يا رسول الله! قال:
"إنما الغنى غنى القلب، والفقرُ فقرُ القلب".
رواه ابن حبان في "صحيحه" في حديث يأتي إنْ شاء الله تعالى (١).
٨٢٨ - (٣٨) [صحيح] وعن أبي هريرة ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال:
"ليس المسكينُ الذي تَرُدُّه اللقمةُ واللقمتان، والتمرةُ والتمرتان، ولكنِ المسكينُ الذي لا يجدُ غِنىً يُغنيه، ولا يُفطَنُ له فَيُتَصَدَّقُ عليه، ولا يقومُ فيسألُ الناس".
رواه البخاري ومسلم.
٨٢٩ - (٣٩) [صحيح] وعن عبد الله بن عَمرو ﵄؛ أن رسول الله ﷺ قال:
"قد أفلح من أسلم ورُزِقَ كفافاً، وقنَّعه الله بما آتاه".
رواه مسلم والترمذي وغيرهما.
٨٣٠ - (٤٠) [صحيح] وعن فَضَالة بن عُبيدٍ ﵁؛ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:
"طوبى لمن هُدِيَ للإسلام، وكان عيشُه كفافاً وقَنَعَ".
رواه الترمذي وقال:
"حديث حسن صحيح"، والحاكم وقال:
"صحيح على شرط مسلم".
(الكفاف) من الرزق: ما كَفَّ عن السؤال مع القناعةِ لا يزيد على قدر الحاجة.
стр. 501
٨٣١ - (٤١) [صحيح] وعن أبي أمامة ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال:
"يا ابنَ آدم! إنك أن تَبذُلَ (١) الفضلَ خيرٌ لك، وأن تُمسكه شر لك، ولا تلامُ على كفاف، وابدأ بمن تعول، واليد العليا خير من اليد السفلى".
رواه مسلم والترمذي وغيرهما.
٨٣٢ - (٤٢) [حسن لغيره] وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال:
أتى النبيَّ ﷺ رجلٌ، فقال: يا رسول الله! أوصني وأوجِزْ. فقال النبي ﷺ :
"عليك بالإياس مما في أيدي الناس. . . (٢)، وإياك وما يُعتَذرُ منه".
رواه الحاكم، والبيهقي في كتاب "الزهد"، واللفظ له، وقال الحاكم:
"صحيح الإسناد". كذا قال.
٨٣٣ - (٤٣) [حسن لغيره] وعن عُبَيْدِ اللهِ بن محصَن الخَطمي ﵁؛ أنَّ رسول الله ﷺ قال:
"من أصبح [منكم] آمناً في سِربِه، معافى في جسده، عنده قوت يومِه؛ فكأَنما حِيزَتْ له الدنيا بحذافيرها".
رواه الترمذي وقال: "حديث حست غريب".
стр. 502
(في سِرْبه) بكسر السين المهملة أي: في نفسه (١).
٨٣٤ - (٤٤) [صحيح لغيره] وعن أنس ﵁:
أنّ رجلاً من الأنصار أتى النبيَّ ﷺ فسأله، فقال:
"إنَّ المسألةَ لا تصلحُ إلا لثلاثٍ: لذي فقر مُدقعٍ، أو لذي غرم مُفظع، أو لذي دم مُوجع. . ".
رواه أبو داود والبيهقي بطوله (٢)، واللفظ لأبي داود.
و (الفقر المدقع) بضم الميم وسكون الدال المهملة وكسر القاف: هو الشديد الملصق صاحبه بـ (الدقعاء): وهي الأرض التي لا نبات بها.
و (الغُرْم) بضم الغين المعجمة وسكون الراء: هو ما يلزم أداؤه تكلفاً لا في مقابلة عوض.
و (المفظع) بضم الميم وسكون الفاء وكسر الظاء المعجمة: هو الشديد الشنيع.
و (ذو الدم الموجع): هو الذي يتحمل دية عن قريبه أو حميمه أو نسيبه القاتل يدفعها إلى أولياء المقتول، ولو لم يفعل قتل قريبه أو حميمه الذي يتوجع لقتله.
٨٣٥ - (٤٥) [صحيح] وعن الزبير بن العوام ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
"لأنْ يأخذَ أحدُكم أحبُلَه (٣) فيأَتي بحزمةٍ من حطب على ظهره فيبيعَها فيكفَّ بها وجهَه؛ خيرٌ له من أنْ يسأَلَ الناس، أعطَوْه أم منعوه".
رواه البخاري وابن ماجه وغيرهما.
стр. 503
٨٣٦ - (٤٦) [صحيح] وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
"لأنْ يحتطبَ أحدُكم حزمةً على ظهرِه، خيرٌ له من أن يسألَ أحداً، فيعطيَه أو يمنعَه".
رواه مالك والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي.
٨٣٧ - (٤٧) [صحيح] وعن المقدام بن معدِ يكَرِب ﵁ عن النبي ﷺ :
"ما أكل أحدٌ طعاماً خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإنّ نبيَّ الله داود ﵇ كان يأكل من عمل يده".
رواه البخاري.
стр. 504
٥ - (ترغيب من نزلت به فاقة أو حاجة أن ينزلها بالله تعالى).
٨٣٨ - (١) [صحيح] عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
"مَن نزلت به فاقة فأنزلَها بالناسِ لم تُسَدَّ فاقتُه، ومن نزلت به فاقة فأنزلها بالله، فيُوشك اللهُ له برزق عاجلٍ أو آجلٍ".
رواه أبو داود، والترمذي وقال: "حديث حسن صحيح غريب" (١)، والحاكم وقال: "صحيح الإسناد"؛ إلا أنه قال فيه:
"أوشك (٢) الله له بالغنى، إما بموت عاجلٍ، أو غنى آجل".
(يوشك) أي: يسرع، وزناً ومعنى.
стр. 505
٦ - (الترهيب مِنْ أَخْذِ ما دُفع من غير طيب نفس المعطي).
٨٣٩ - (١) [صحيح لغيره] عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال:
"إنَّ هذا المال خُضْرةٌ حُلوِة، مَن أعطَيْناه منها شيئاً بطيب نفسٍ منا، وحُسنِ طُعمةٍ منه، من غير شَرَهِ نفسٍ؛ بورِك له فيه، ومن أعطيْناه منها شيئاً بغيرِ طيبِ نفسٍ منا، وحُسنِ طعمةٍ منه، وشرَهِ نفسٍ؛ كان غيرَ مباركٍ له فيه".
رواه ابن حبان في "صحيحه".
وروى أحمد (١) والبزَّار منه الشطر الأخير بنحوه بإسناد حسن.
(الشَّرَه) بشين معجمة محركاً: هو الحرص.
٨٤٠ - (٢) [صحيح] وعن معاويةَ بن أبي سفيان قال: قال رسول الله ﷺ :
"لا تُلحِفوا في المسألة، فوالله لا يسألني أحدٌ منكم شيئاً فتُخرِجُ له مسألتُه مني شيئاً وأنا له كاره؛ فيبارك له فيما أعطيتُه".
رواه مسلم والنسائي، والحاكم وقال:
"صحيح على شرطهما".
وفي رواية لمسلم قال: وسمعتُ رسول الله ﷺ يقول:
"إنما أنا خازنٌ، فمن أعطيتُه عن طيبِ نفسٍ؛ فيبارك له فيه، ومن أعطيته عن، مسألةٍ وشَرَهِ نفسٍ؛ كان كالذي يأْكل ولا يشبع".
(لا تلحفوا) أي: لا تُلحُّوا في المسألة.
٨٤١ - (٣) [صحيح] وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ :
"لا تُلْحِفوا في المسألة، فإنه من يستخرج مِنَّا بها شيئاً؛ لم يباركْ له فيه".
رواه أبو يعلى، ورواته محتج بهم في "الصحيح".
стр. 506
٨٤٢ - (٤) [صحيح] وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ :
"إنَّ الرجل يأتيني فيسألُني فأُعطيه، فينطلق وما يحمل في حِضنه (١) إلا النار".
رواه ابن حبان في "صحيحه".
٨٤٣ - (٥) [صحيح] وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال:
بينما رسول الله ﷺ يَقسِم ذهباً، إذ أتاه رجل فقال: يا رسولَ الله! أعطني. فأعطاه. ثم قال: زدني. فزاده -ثلاث مرات-، ثم ولّى مُدبراً، فقال رسول الله ﷺ :
"يأْتيني الرجل فيسألني، فأُعطيه، ثم يسألني، فأعطيهِ -ثلاث مرات-، ثم يُوَلِّي مُدْبراً وقد جعل في ثوبه ناراً إذا انقلب إلى أهله".
رواه ابن حبان في "صحيحه".
٨٤٤ - (٦) [صحيح] وعن عمر بن الخطاب ﵁؛ أنَّه دخل على النبي ﷺ فقال:
يا رسولَ الله! رأيت فلاناً يشكر، يذكر أنَّك أعطيته دينارين. فقال رسول الله ﷺ :
"لكنَّ فلاناً قد أعطيتُه ما بين العشرة إلى المئة فما شكر، وما يقوله! إنَّ أحدَكم ليخرجُ من عندي بحاجته متأبطَها، وما هي (٢) إلا النارُ".
قال: قلت: يا رسول الله! لمَ تعطيهم؟ قال:
"يأبَون إلا أنْ يسألوني، ويَأبى اللهُ ليَ البخلَ".
رواه ابن حبان في "صحيحه".
ورواه أحمد وأبو يعلى من حديث أبي سعيد وتقدم [٤ - باب/ ٢٤ - رقم (٢٤)].
(متأبطها) أي: جاعلها تحت إبطه.
стр. 507
٧ - (ترغيب مَن جاءه شيء من غير مسألة ولا إشراف نفس في قبوله، سيما إن كان محتاجاً، والنهي عن رده إن كان غنياً عنه).
٨٤٥ - (١) [صحيح] عن ابن عمر ﵄ [قال: سمعتُ عمرَ يقول] (١):
كان رسولُ الله ﷺ يعطيني العطاءَ فأقولُ: أعطه أفقرَ إليه مني. قال: فقال:
"خذه، إذا جاءك من هذا المال شيءٌ، وأنت غير مشرف ولا سائل، فخذْه فتموَّلْه، فإنْ شئتَ كُلْهُ، وإنْ شئتَ تصدّقْ به، وما لا فلا تُتْبِعْه نفسَك".
قال سالم بن عبد الله: فلأجل ذلك كان عبد الله لا يسألُ أحداً شيئاً، ولا يَردُّ شَيئاً أُعطِيه.
رواه البخاري ومسلم والنسائي.
٨٤٦ - (٢) [صحيح] وعن عطاء بن يسار:
أنَّ رسول الله ﷺ أرسل إلى عمرَ بنِ الخطاب ﵁ بعطاء، فرده عمر، فقال له رسول الله ﷺ : "لِمَ رددته؟ "، فقال: يا رسول الله! أليس أخبرتَنا أنَّ خيراً لأحدنا أنْ لا يأخذَ من أحدٍ شيئاً؟ فقال رسول الله ﷺ :
"إنما ذلك عن المسألة، فأمَّا ما كان عن غيرِ مسألةٍ، فإنَّما هو رزقٌ يرزقَكَهُ اللهُ".
стр. 508
فقال عمر ﵁: أمَا والذي نفسي بيده لا أسأَلُ أحداً شيئاً، ولا يأْتيني شيءٌ؛ من غير مسألةٍ إلا أخذتُه.
رواه مالك هكذا مرسلاً، ورواه البيهقي عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت عمر ابن الخطاب ﵁ يقول: فذكر بنحوه (١).
٨٤٧ - (٣) [حسن صحيح] وعن عمر (٢) بن الخطاب ﵁ قال:
قلت: يا رسول الله! قد قلت لي: إنَّ خيراً لك أنْ لا تسألَ أحداً من الناس شيئاً. قال:
"إنما ذلك أنْ تسأل، وما آتاك اللهُ من غيرِ مسألةٍ، فإنما هو رزقٌ رزقَكَه اللهُ".
رواه الطبراني وأبو يعلى بإسناد لا بأس به.
٨٤٨ - (٤) [صحيح] وعن خالد بن عدي الجهني ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
"مَن بلغه عن أخيه معروفٌ من غيرِ مسألةٍ ولا إشراف نفسٍ، فليَقبَلْهُ ولا يردَّه، فإنما هو رزقٌ ساقَه اللهُ إليه".
رواه أحمد بإسناد صحيح، وأبو يعلى والطبراني، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم وقال:
стр. 509
"صحيح الإسناد".
٨٤٩ - (٥) [صحيح لغيره] وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال:
"من آتاه الله شيئاً من هذا المال من غير أنْ يسأله فلْيُقبَلْهُ؛ فإنما هو رزق ساقه الله إليه".
رواه أحمد، ورواته محتج بهم في "الصحيح". (١)
٨٥٠ - (٦) [صحيح] وعن عائذ بن عمروٍ ﵁ عن النبي ﷺ قال:
"مَن عرض له من هذا الرزق شيءٌ من غير مسألة ولا إشرافٍ، فليتوسع به في رزقه، فإنْ كان غنياً فليوجهه إلى مَن هو أحوجُ إليه منه".
رواه أحمد والطبراني والبيهقي، وإسناد أحمد جيد قوي.
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل ﵀:
"سألت أبي: ما (الإشراف)؟ قال: تقول في نفسك: سيبعث إليَّ فلان، سَيَصِلُني فلان! ".
стр. 510
٨ - (ترهيب السائل أن يسأل بوجه الله. . .، وترهيب المسؤول بوجه الله أن يمنع).
٨٥١ - (١) [حسن] عن أبي موسى الأشعري ﵁؛ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:
"ملعونٌ من سَأَل بوجهِ الله، وملعونٌ من سُئِل بوجه الله ثم منعَ سائلَهُ؛ ما لم يسأل هُجراً".
رواه الطبراني، ورجاله رجال "الصحيح"؛ إلا شيخه يحيى بن عثمان بن صالح، وهو ثقة، وفيه كلام (١).
(هُجْراً) بضم الهاء وسكون الجيم، أي: ما لم يسأل أمراً قبيحاً لا يليق. ويحتمل أنَّه أراد ما لم يسأل سؤالاً قبيحاً بكلام قبيح.
٨٥٢ - (٢) [صحيح] وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ :
"مَن استعاذَ بالله فأعيذوه، ومَن سأل باللهِ فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن صنعَ إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه، فادعوا له حتى تَرَوْا أنكم قد كافأتموه".
رواه أبو داود والنسائي، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم وقال:
"صحيح على شرط الشيخين".
٨٥٣ - (٣) [حسن لغيره] وروي عن أبي عُبيدةَ مولى رفاعة عن رافع؛ أن رسول الله ﷺ قال:
"ملعونٌ من سألَ بوجهِ اللهِ، وملعونٌ من سُئلَ بوجهِ اللهِ فمنعَ سائلَهُ".
رواه الطبراني.
стр. 511
٨٥٤ - (٤) [صحيح] وعن ابن عباس ﵄؛ أنَّ رسول الله ﷺ قال:
"ألا أخبركم بشِّرِ الناسِ؟ رجلٌ يُسألُ بوجه الله ولا يُعطي".
رواه الترمذي وقال: "حديث حسن غريب"، والنسائي وابن حبان في "صحيحه" في آخر حديث يأتي في الجهاد إن شاء الله تعالى. [١٢ - الجهاد/ ٩ رقم ٤].
٨٥٥ - (٥) [صحيح لغيره] ورُوي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
"ألا أخبركم بشر البرية؟ ".
قالوا: بلى يا رسول الله! قال:
"الذي يُسأل باللهِ ولا يُعطي".
رواه أحمد.
стр. 512
٩ - (الترغيب في الصدقة والحث عليها، وما جاء في جهد المقِلّ، ومَن تصدق بما لا يحب).
٨٥٦ - (١) [صحيح] عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
"من تصدَّق بِعدْلِ (١) تمرةٍ من كسبٍ طيبٍ، ولا يقبل الله إلا الطيب، فإنَّ الله يقبلُها بيمينه، ثم يربِّيها لصاحبها كما يربي أحدكم فَلوَّه، حتى تكون مثل الجبل".
رواه البخاري ومسلم، والنسائي والترمذي وابن ماجه، وابن خزيمة في "صحيحه".
[صحيح] وفي رواية لابن خزيمة:
"إنَّ العبدَ إذا تصدَّق من طَيِّبٍ تقبلها الله منه، وأخذها بيمينه فربّاها، كما يربِّي أحدكم مُهره أو فصيلَه، وإنَّ الرجلَ ليتصدقُ باللقمةِ، فتربو فى يد الله -أو قال: في كفِّ الله- حتى تكون مثل الجبل، فتصدقوا".
[صحيح لغيره] وفي رواية صحيحة للترمذي: قال رسول الله ﷺ :
"إنَّ اللهَ يقبلُ الصدقةَ، ويأخذُها بيمينه، فيربِّيها لأحدكم كما يُربِّي أحدُكُم مُهرَه، حتى إنَّ اللقمةَ لتصيُر مثلَ أُحدٍ (٢). . ".
стр. 513
ورواه مالك بنحو رواية الترمذي هذه عن سعيد بن يسار مرسلاً، لم يذكر أبا هريرة.
٨٥٧ - (٢) [صحيح] وعن عائشة ﵂ عن رسول الله ﷺ قال:
"إن اللهَ ليربِّي لأحدكم التمرةَ واللقمةَ، كما يُربِّي أحدُكم فَلُوَّه أو فصيله، حتى تكون مثلَ أُحدٍ".
رواه الطبراني، وابن حبان في "صحيحه"، واللفظ له (١).
(الفلوَّ) بفتح الفاء وضم اللام وتشديد الواو: هو المهر أول ما يولد.
و (الفصيل): ولد الناقة إلى أنْ يفصل عن أمه.
٨٥٨ - (٣) [صحيح] وعن أبي هريرة ﵁؛ أنَّ رسول الله ﷺ قال:
"ما نقصتْ صدقةٌ من مال، وما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله ".
رواه مسلم والترمذي، ورواه مالك مرسلاً.
٨٥٩ - (٤) [صحيح] وعن عائشة ﵂: أنَّهم ذبحوا شاة، فقال النبي ﷺ :
"ما بقي منها؟ ".
قالت: ما بقي منها إلا كتفها. قال:
"بقي كلُّها غيرُ كتفها".
رواه الترمذي وقال: "حديث حسن صحيح".
ومعناه: أنهم تصدقوا بها إلا كتفها.
٨٦٠ - (٥) [صحيح] وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
"يقول العبدُ: مالي مالي، وإنما له من ماله ثلاثٌ: ما أكل فأَفنى، أو
стр. 514
لَبس فأبلى، أو أعطى فاقْتنى (١)، وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس".
رواه مسلم.
٨٦١ - (٦) [صحيح] وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
"أيُّكم مالُ وارثِه أحبُّ إليه من مالِه؟ ".
قالوا: يا رسول الله! ما منا أحدٌ إلا مالُه أحبُّ إليه. قال:
"فإنَّ مالَه ما قدَّم، ومالَ وارثه ما أخَّر".
رواه البخاري والنسائي.
٨٦٢ - (٧) [صحيح] وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
"بينا رجل في فلاةٍ من الأرض، فسمع صوتاً في سحابة: اسقِ حديقةَ فلان. فتنحى ذلك السحابِ، فأفرغ ماءه فِي حَرَّةٍ، فإذا شَرْجةٌ من تلك الشِراج قد استوعبتْ ذلك الماءَ كلَّه، فتتبع الماءَ، فإذا رجلٌ (٢) قائم في حديقة يُحَوِّل الماء بمسحاتِه، فقال [له]: يا عبدَ الله! ما اسمك؟ قال: فلان، لِلاسم الذي سمع في السحابة. فقال له: يا عبدَ الله! لم سألتني عن اسمي؟ قال: [إني] سمعتُ [صوتاً] في السحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسقِ حديقةَ فلان؛ لاسمك، فما تصنع فيها؟ قال: أمّا إذ قلتَ هذا، فإنِّي أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدَّقُ بثلثِه، وآكل أنا وعيالي ثلثاً، وأرُدُّ فيها ثلثه".
رواه مسلم.
стр. 515
(الحديقة): البستان إذا كان عليه حائط.
(الحَرَّة) بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء: الأرض التي بها حجارة سود.
و (الشَّرْجة) بفتح الشين المعجمة وإسكان الراء بعدها جيم وتاء تأنيث: مسيل الماء إلى الأرض السهلة.
و (المِسحاة) بالسين والحاء المهملتين: هي المجرفة من الحديد.
٨٦٣ - (٨) [صحيح] وعن عدي بن حاتم ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
"ما منكم (١) مِن أحد إلا سيكلمُه الله، ليس بينه وبينه تَرجُمان (٢)، فينظر أيمنَ منه، فلا يرى إلا ما قدَّم، فينظر أشأم منه، فلا يرى إلا ما قدَّم، فينظر بين يديه، فلا يرى إلا النارَ تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشِقِّ تمرة".
وفي رواية:
"مَن استطاع منكم أنْ يَستَتِر من النار ولو بشق تمرة؛ فليفعل".
رواه البخاري ومسلم. (٣)
٨٦٤ - (٩) [صحيح لغيره] وعن عبد الله بن مسعود ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ :
"لِيَتَّقِ أحدُكم وجْهَه النارَ ولو بشق تمرة".
رواه أحمد بإسناد صحيح.
стр. 516
٨٦٥ - (١٠) [حسن لغيره] وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ :
"يا عائشةُ! استَتِري من النار ولو بشق تمرة، فإنَّها تَسُدُّ من الجائع مسدَّها من الشبعان".
رواه أحمد بإسناد حسن.
٨٦٦ - (١١) [صحيح] وعن جابر ﵁؛ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول لكعب ابن عُجْرَةَ:
"يا كعبُ بنَ عُجْرَة! الصلاةُ قُرْبانٌ، والصيام جُنةٌ، والصدقةُ تُطفئُ الخطيئة كما يُطفئُ الماءُ النارَ، يا كعبُ بنَ عُجْرَة! الناسُ غاديان: فبائعٌ نفسَه فمُوِبقٌ (١) رَقبته، ومبتاع نفسه فمُعْتِقٌ رقبته".
رواه أبو يعلى (٢) بإسناد صحيح.
٨٦٧ - (١٢) [صحيح لغيره] وعن كعب بن عُجْرَة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
"يا كعبُ بنَ عُجْرَة! إنه لا يدخل الجنة لحمٌ ودَمٌ نبتا على سُحتٍ؛ النار أولى به، يا كعبُ بنَ عُجْرَة! الناس غاديان: فغادٍ في فِكاك نفسِهِ فمعتقُها، وغادٍ موِبقُها، يا كعبُ بنَ عُجْرَة! الصلاةُ قُربان،. . . (٣)، والصوم جُنّةٌ، والصدقةُ تطفئُ الخطيئة. . .".
رواه ابن حبان في "صحيحه".
стр. 517
٨٦٨ - (١٣) [صحيح لغيره] وعن معاذ بن جبل قال:
كنت مع النبي ﷺ في سفر. . -فذكر الحديث إلى أن قال فيه:- ثم قال -يعني النبي ﷺ :
"ألا أدلكَ على أبوابِ الخير؟ ".
قلت: بلى يا رسول الله! قال:
"الصوم جُنة، والصدقة تطفئُ الخطيئةَ كما تطفئُ الماءُ النارَ".
رواه الترمذي وقال: "حديث حسن صحيح". ويأتي بتمامه في "الصمت" [٢٣ - الأدب/ ٢].
وهو عند ابن حبان من حديث جابر في حديث يأتي في "كتاب القضاء" إن شاء الله تعالى [٢٠/ ٦].
٨٦٩ - (١٤) [صحيح لغيره] وعن أبي كبشة الأنماري ﵁؛ أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول:
"ثلاث أُقسم عليهن، وأحدِّثكم حديثاً فاحفظوه، -قال-:
ما نقص مالُ عبدٍ من صدقة، ولا ظُلمَ عبدٌ مظْلمةً صبرِ عليها؛ إلا زاده الله عِزاً، ولا فتح عبدٌ باب مسألةٍ؛ إلا فتحَ الله عليه باب فقرٍ -أو كلمة نحوها-. وأحدثكم حديثاً فاحفظوه، -قال-:
إنما الدنيا لأربعةِ نَفرٍ: عبدٌ رزقه الله مالاً وعلماً، فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحِمَه، ويَعلمُ لله فيه حقاً، فهذا بأفضل المنازل.
وعبدٌ رزقه الله علماً، ولم يرزقه مالاً فهو صادقُ النية؛ يقول: لو أنَّ لي مالاً لعمِلتُ بعملِ فلان، فهو بنيته، فأجرهما سواء.
وعبد رزقه الله مالاً، ولم يرزقه علماً؛ يَخبِطُ في ماله بغير علمٍ، ولا يتقي فيه ربه، ولا يصِلُ فيه رحِمه، ولا يعلم لله فيه حقاً. فهذا بأخبث المنازل.
стр. 518
وعبدٌ لم يرزقْه الله مالاً ولا علماً، فهو يقول: لو أنَّ لي مالاً لعملتُ بعملِ فلان، فهو بنيته، فوزرهما سواء".
رواه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي:
"حديث حسن صحيح". [مضى ١ - الإخلاص/ ١].
٨٧٠ - (١٥) [صحيح] وعن أبي هريرة ﵁ قال:
ضرب رسول الله ﷺ "مثلَ البخيلِ والمتصدِّقِ: كمثَلِ رجلين عليهما جُنتان مِن حديد، قد اضطرت أيديهما إلى ثُدِيِّهما (١) وتراقيهما، فجعل المتصدِّق كلما تصدّقَ بصدقةٍ انبسطت عنه، حتى تغشى أناملَه (٢)، وتعفو أثرَه، وجعل البخيلُ كلما هَمَّ بصدقةٍ قَلَصَت وأخذت كل حَلْقَةٍ بمكانها".
قال أبو هريرة: فأنا رأيت رسولَ الله ﷺ يقول بأصبعيه هكذا في جيبه؛ يوسِعها ولا تَتَوسَّع.
رواه البخاري ومسلم، والنسائي ولفظه:
"مثل المتصدقِ والبخيلِ كمثلِ رجلين عليهما جُبتان أو جُنتان من حديد، من لَدُنْ يَديهما إلى تراقيهما، فإذا أراد المنفِقُ أن يُنفِق اتسعت عليه الدِّرعُ، -أو مرَّت- حتى تُجِنَّ (٣) بنانَه، وتعفو أثرَه، فإذا أراد البخيل أن يُنفِقَ
стр. 519
قَلَصَت ولَزِمَت كلٌّ حلقةٍ موضعَها، حتى إذا أخذت بَتْرقُوَتِه أو برقبته -يقول أبو هريرة: أشهد أنَّه رأى رسول الله ﷺ يوسع ولا تتسع".
(الجُنَّة) بضم الجيم وتشديد النون: كل ما وقى الإنسان، ويضاف إلى ما يكون منه.
(التراقي) جمع تَرقوة بفتح التاء، وضمُّها لحن: وهو العظم الذي يكون بين ثغرة نحر الإنسان وعاتقه.
و (قَلَصت): بفتح القاف واللام، أي: انجمعت وتشمرت، وهو ضد استرخَتْ وانبسطت.
و (الجيب): هو الخرق الذي يخرج الإنسان منه رأسه في الثوب ونحوه.
٨٧١ - (١٦) [صحيح] وعن أبي هريرة ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال:
"قال رجل: لأتصدقنَّ بصدقةٍ، فخرج بصدقته فوضعها في يدِ سارقٍ، فأصبحوا يتحدثون: تُصُدِّقَ الليلةَ على سارقٍ! فقال: اللهم لك الحمدُ على سارقٍ! لأتصدقنَّ بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبحوا يتحدثون: تُصُدِّقَ الليلةَ على زانية! قال: اللهم لك الحمد، على زانية! لأتصدقنَّ بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون: تُصُدِّقَ الليلةَ على غني! قال: اللهم لك الحمد على سارق، وزانيةٍ، وغني! فأُتيَ فقيل له:
стр. 520
أمَّا صدقتُك على سارقٍ؛ فلعله أن يستعِفَّ عن سرقته، وأما الزانية؛ فلعلها أن تستعِفَّ عن زناها، وأما الغني؛ فلعله أَنْ يعتبرَ فينفقَ مما أعطاه الله".
رواه البخاري -واللفظ له- ومسلم والنسائي، وقالا فيه:
"فأُتي، فقيل له: أما صدقتك فقد تُقُبَّلت"، ثم ذكر الحديث. [مضى ١ - الإخلاص/ ١].
٨٧٢ - (١٧) [صحيح] وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول:
"كل امرئٍ في ظلٍّ صدقتِه حتى يُقضى بين الناس".
قال يزيد: فكان أبو مَرْثد لا يخطئه يومٌ إلا تصدق فيه بشيء، ولو كعكة أو بصلة.
رواه أحمد، وابن خزيمة وابن حبان في "صحيحيهما"، والحاكم وقال:
"صحيح على شرط مسلم".
[حسن] وفي رواية لابن خزيمة أيضاً: عن يزيد بن أبي حبيب عن مَرْثد بن أبي عبد الله اليَزَني (١):
أنَّه كان أولَ أهل مصر يروح إلى المسجد، وما رأيته داخلاً المسجد قَطُّ إلا في كُمِّه صدقة، إمَّا فلوس، وإمَّا خبز، وإمَّا قمح. قال: حتى ربما رأيت البصلَ يحمله، قال: فأقول: يا أبا الخير! إنَّ هذا يُنتِنُ ثيابَك. قال: فيقول: يا ابنَ أبي حبيب! أمَا إني لم أجدْ في البيتِ شيئاً أتصدق به غيرَه، إنَّه حدثني رجلٌ من أصحاب رسول الله ﷺ ؛ أنَّ رسول الله ﷺ قال:
"ظِلُّ المؤمن يومَ القيامة صدقتُهُ".
стр. 521
٨٧٣ - (١٨) [حسن] وعنه قال: قال رسول الله ﷺ :
"إن الصدقةَ لتطفئ عن أهلها حرَّ القبورِ، وإنما يستظِلُّ المؤمنُ يومَ القيامةِ في ظل صدقته".
رواه الطبراني في "الكبير"، والبيهقي، وفيهِ ابن لهيعة (١).
٨٧٤ - (١٩) [صحيح]. . . وقد رُوّينا عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال:
"إنَّ الله إذا استُودع شيئاً حفظه". (٢)
٨٧٥ - (٢٠) [صحيح] وعن أنسٍ ﵁ قال:
كان أبو طلحةَ أكثرَ الأنصار بالمدينة مالاً من نخلٍ، وكان أحبَّ أمواله إليه (بِيرَحاء)، وكانت مستقبلةَ المسجدِ، وكان رسول الله ﷺ يدخلها، ويشرب من ماء فيها طيب. قال أنس: فلما نزلت هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إن الله ﵎ يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وإنَّ أحبَّ أموالي إليَّ (بيرَحاء)، وإنَّها صدقةٌ أرجو برَّها وذُخرها عند الله، فضعها يا رسولَ الله حيث أراك الله. قال: فقال رسول الله ﷺ :
"بخٍ ذاك مال رابح، بخٍ ذاك مال رابح".
رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي مختصراً.
(بيرحاء) بكسر الباء وفتحها ممدوداً: اسم لحديقة نخل كانت لأبي طلحة ﵁، وقال بعض مشايخنا:
"صوابه (بَيرحى) بفتح الباء الموحدة والراء مقصوراً، وإنما صحّفه الناس".
стр. 522
وقوله: "رابح"؛ روي بالباء الموحدة وبالياء المثناة تحت.
٨٧٦ - (٢١) [صحيح] و [رواه يعني حديث أبي ذر الذي في "الضعيف" هنا] ابن حبان في "صحيحه" أطول منه بنحوه، والحاكم ويأتي لفظه إنْ شاء الله تعالى. (١)
[حسن صحيح] ورواه (٢) البيهقي، ولفظه في إحدى رواياته قال:
سألت رسول الله ﷺ : ماذا يُنجي العبدَ من النار؟ قال:
"الإيمان بالله".
قلت: يا نبيَّ الله! مع الإيمان عمل؟ قال:
"أنْ ترضخَ مما خوَّلك (٣) الله، و (٤) ترضخ مما رزقك الله".
قلت: يا نبيَّ الله! فإن كان فقيراً لا يجد ما يرضخ؟ قال:
"يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر".
قلت: إنْ كان لا يستطيع أن يأمر بالمعروف، ولا (٥) ينهى عن المنكر؟ قال:
"فليُعِنِ الأخرق" (٦).
قلت: يا رسول الله! أرأيت، إنّ كان لا يحسن أن يصنع؟ قال: فلْيُعِنْ مظلوماً".
قلت: يا نبيَّ الله! أرأيت إنْ كان ضعيفاً لا يستطيع أنْ يُعين مظلوماً؟ قال: ما تُريد أنْ تَتْركَ لصاحبك من خير؟ ليُمْسكْ أذاه عن الناسِ".