← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17213

البواكير

علي الطنطاوي

Полный текст (321 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

- هي جواب كلامك يا صاحبي! إذ كيف تقول «هؤلاء الجامدين» وأنت تعلم أنه رأي الإسلام وأنه الذي جاء به محمد ابن عبد الله ﷺ ؟ إنك لا تعرف الدين، وهذه بليّتنا مع أمثالكم؛ لا هم يعرفون فينطقون بعلم، ولا هم يسكتون فيريحون الناسَ وأنفسَهم. نعم يا سيدي، إن من يترك صلاته وصومه وحجّه لا يُعَدّ مسلماً ولو خدم البشرية ألف عام، لأن هذه أركان الإسلام، وكيف يقوم الصرح على غير ما أركان؟ * * * لقد آن لهؤلاء الذين يجهلون الدين أن يفهموا حقيقته ويعرفوا أصله، أو يعترفوا بجهلهم ويجهروا بقصورهم! إن الإسلام دين كامل، ومعنى «دين كامل» أنه ينير لمتَّبِعه كل خطوة يخطوها في الحياة، فهو أرأف به من أبيه وأحنى عليه من أمه، وأعرف بمنفعته ومصلحته من نفسه التي بين جنبيه، يدلّه على كل ما فيه خير له وصلاح وينهاه عن ما فيه ضير عليه ووبال. والدين ثلاث شعب: إيمان وإسلام وإحسان. فالإيمان حق الله، والإسلام حق النفس، والإحسان حق الناس. وليست هذه الشُّعَب متباينة مفترقة، بل هي متلازمة متقارنة لا تفترق أبداً، فالصلاة ركن من أركان الإسلام، ولكنها إذا تجردت عن الإيمان، عن التفكير بجلال الله وكماله وعن حضور القلب وخشوعه، أصبحت ضرباً من القيام والقعود لا مغزى له ولا فائدة. والصيام ركن من أركان الإسلام، ولكنه إذا خلا من الإيمان، من الإخلاص لله وابتغاء وجهه، من مراقبته والابتعاد عن عصيانه، آضَ نوعاً من

стр. 107

الشقاء، شقاء نفس ليس لله حاجة بتركها طعامَها وشرابَها إذا هي لم تدع قول الزور والعمل به. والزكاة ركن من أركان الإسلام، ولكنها إذا ابتعدت عن الإيمان وداخلَها الرياء والفخر تحولت معصيةً لا ثواب عليها. ومثل هذا يقال في كل طاعة من الطاعات، ما دام الأصل فيها توحيد الله وأن تكون خالصة لله. ولا يجوز لامرئ أن يقوم بحق الناس ويدع حق الله وحق النفس، بل إن من يهمل هذا لا يقوم بذاك، ومن لا يفي لربه بخمس صلوات في اليوم لا يفي لأمته وبلاده، ومن لا ينفع نفسه لا ينفع وطنه. وإذا كسل عن القيام للصلاة -وهو يعلم أنها خير له من كل خير- فكيف ينشط للتضحية بنفسه وماله في سبيل وطنه؟ ومَن الذي يعمل للوطن لا يريد من وراء علمه شهرة ولا ذكراً في الناس حسناً؟ إن هذا من طبائع النفس البشرية التي لا انفكاك لها عنها، وإني لأحاول -عَلِمَ الله- حين أكتب أن لا أفكر إلا في ابتغاء الأجر من الله، فتغافلني نفسي وتفكر في استقبال الناس لما أكتب وسرورهم به ... هذا فيمَن يؤمن بأنه يعمل في سبيل دينٍ له ربُّه القادر على كل شيء، فكيف بأولئك الذين لا يكادون يعرفون لهم رباً؟ وما أدري كيف نعامل تارك الصلاة ونثق به؟ إنها لحماقة منا أن لا نكون منه على حذر وأن لا نسيء به الظن ونرقب منه الغدر، وقد أساء إلى نفسه وغدر بها، فمنع عنها خيراً كثيراً وسَدَّ في وجهها باب السعادة الأبدية بتركه الصلاة! * * *

стр. 108

ولنترك هذا الآن ونسأل: هل نحن نصلي؟ قبل أن أجيب على هذا أقصّ على القارئ قصة الشاعر والأمير: وذلك أن شاعراً أراد الدخول على أمير كريم يعطي المال الجزيل من يمدحه على شرط أن يخلص في مدحه ولا يذكر في حضرته غيره، فسأل حاجبه عن الوقت الذي يؤذَن له فيه والهيئة التي يلقاه عليها، فقال له: إذا كان صباح غد فتطيّبتَ ولبست كذا وكذا من الثياب ثم جئت إليّ أوصلتك إليه، وعليك بعد ذلك مدحه والثناء عليه. فراح فصنع ما قال له، لم يخرم منه حرفاً، فلما دخل على الأمير نسي كل شيء إلا أُمْدوحة قالها في أعدائه، فطرده! هذا هو مثلنا إذ نصلي، ولله المَثَل الأعلى: بيّنَ لنا الفقهاء ما من شأنه تطهير ظاهرنا وصلاحه وتركوا لنا الخشوع وحضور القلب، فتركناه وحسبنا ما ذكره الفقهاء كل شيء في الصلاة، فاستحالت صلاتنا قياماً وقعوداً، وأصبحنا نتلو قوله تعالى: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعينُ﴾ والله يعلم أين قلوبنا وماذا نعبد: مالاً؟ أم تجارة؟ أم أهلاً؟ أم ولداً؟ ولو أقمنا الصلاة على وجهها وفهمناها على حقيقتها لنَهَتْنا عن الفحشاء والمنكر وأصلحَتْ لنا أمرنا كله. وأيّ منكَر يُقْدم عليه مَن لا يغيب عن الله طرفة عين، ومن يقف خاشعاً خمس مرات كل يوم بين يدي رب العالمين الذي يعلم السرّ والخفي؟ يفكر في عظمته وجلاله، فيتضاءل العالم في عينيه حتى يصبح -بجانب ما يفكر فيه- كالحلم من الحقيقة والفناء من البقاء، فلا يرى إلا الله الحي الباقي، فيسأله أن يا ربّ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقيمَ﴾ ووفِّقْنا إلى الطريق السويّ، ﴿صِراطَ الذينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهم﴾ فوفقتهم وهديتهم، فيجيب الله دعاءه ويمنحه

стр. 109

ما طلب، لأنه قال: ادعوني، ووعدنا بالاستجابة. أي مسلم يذوق حلاوة الصلاة ثم يتأخر لحظة واحدة عن إجابة داعي الله إذ ينادي: "حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح"، ولا يدع عمله وشغله مهما عظم وكبر؟ وماذا يضرّه تركه وهو ذاهب ليجيب داعي الله، والله قادر على أن يمنحه بدلاً عنه عشرة أمثاله؟ ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه. * * * لو كنا نصلي الصلاة التي أمر بها ربُّنا إذن ما بقي فينا -والله- ضعيف ولا فقير ولا بائس. لو كنت أنا الذي أعظ الناس قادراً على نفسي ... إنني لأعظهم وهم أحسن مني، وإنّي لأتصور هذا فأَهُمّ بكسر القلم وتمزيق القرطاس حياءً من الله، ثم يبدو لي فأقول: لعلّ الله يرحمني فيهديني ويهدي بي (ولأن يهدي بي الله رجلاً واحداً أحب إليّ من حمر النَّعَم (١)). اللهم يا ربّ لقد غلبَتنا أنفسنا، فقوِّنا عليها وأعِذْنا منها ومن الشيطان الرجيم، يا الله. والله لو كنا نبتدر باب المسجد حين نسمع الأذان ما بقي فينا من يُخلف الوعد أو يكذب إذا قال، لأننا نكون أقوياء الإرادة حافظين للمواعيد. ولو كنا نسبغ الوضوء لكل صلاة ونأتي بسننها ونوافلها ما بقي فينا مريض ولا واهن القوى، لأنها تقوّي أجسامنا

стр. 110

وتشحذ أدمغتنا، وتثبتنا وتشد من أزرنا. ولو كنا ندرك الحكمة من صلاة الجماعة ونتذاكر في شؤون المسلمين وأحوالهم وما وقع لهم وعليهم، ما نزلت بنا هذه النكبات التي نضجّ اليومَ بالشكوى منها ولا نطيق لها دفعاً. الصلاة مِلاك الإسلام وعموده، فحافظوا عليها وأقيموها لأول أوقاتها، لا تؤخروها، واخشعوا فيها واطمئنوا، واذكروا أنكم واقفون بين يدي خالقكم الذي يعلم سركم ونجواكم، ونَبِّهوا إليها أهلكم ونساءكم، ورَبُّوا عليها أولادكم وبناتكم، وقاطعوا كل تارك لها مقصر فيها، ولكم في الله عنه غنى، هو حسبكم ونعم الوكيل. * * *

стр. 111

رسائل سيف الإسلام الرسالة الثامنة البلاء الأعظم في المغرب الأقصى يا أيها الناس من ذكر وأنثى وكبير وصغير: من كان في قلبه ذرة واحدة من الإيمان فليحرص اليوم على دينه وليصلح أهله وداره، فوالله إن ثابرتم على غفلتكم ولم تَنْبَهوا من إغفاءتكم، أوشك أن يعمّكم الله ببلاء من عنده يصيبكم به، فلا تقوم لكم قائمة إلى يوم القيامة! إنكم في يوم عصيب أصبح فيه إيمان أحدكم كالشعلة الضعيفة تتنازعها الرياح الأربعة، إذا لم يحفظها ويدرأ عنها أُطفئت في لحظة واحدة وعمَّ ظلام لا نور بعده، فاعتبروا مما سأقصه عليكم وأحدّثكم به. مَن منكم يستطيع أن يملك قلبه، لا ينفجر لهول ما سأقص عليه؟ من منكم يطيق أن يمسك فؤاده، لا يتقطع لعظم ما سأحدثه به؟ من منكم يقدر أن يسمع خبر الإسلام تُنتهَك حرماته، والقرآن تُعطَّل آياته، والمسلمين يكفَّرون بقوة السيف ومكر السياسية، دون أن يغضب لدينه وينهض لنصرته، حتى لا يصيبه ما أصاب المغاربة المساكين؟

стр. 112

هل بلغكم نبأهم؟ إنه نبأ جليل وخطب عظيم: ألا ترون إلى ما في رِباط سَلا؟ (١) ... ألا ترون إليها كيف تُحتَضَرُ؟ الكفرُ من خلفهمْ والموتُ دونَهُمُ ... فهم سيُبْلَون إن فَرّوا أو اصْطبَروا يا للبلادِ استباح القومُ حرمتَها ... يا للديانةِ! هل للدين مُنتصرُ؟ يا أيها الناس: اذهبوا إلى بيوت ربكم فتطهروا، ثم توبوا إلى الله توبة نصوحاً واسألوا الله اللطف بإخوانكم المغاربة. إنهم إخوانكم، يعبدون الله ربكم، ويصلّون إلى الكعبة قبلتكم، ويؤمنون بمحمد نبيكم، فقولوا: اللهمّ الطُفْ بهم وبنا يا لطيف! يا أيها الناس: ماذا تكون حالكم لو أرسل الله عليكم بلاء من عنده، فأحرق عليكم مدينتكم ودمّر دوركم وذهب بأموالكم، ثم ترككم في العراء لا ظل ولا ماء؟ إن ذلك كله أهون -ورب الكعبة- من أن يضيع عليكم دينكم وينزع منكم إيمانكم! وأين المجدِّدون اليوم؟ أين هؤلاء الذين يتهموننا بالتعصب والجمود إذا صلينا أو صمنا، وينكرون علينا كلمة نكتبها في الدفاع عن ديننا، ويسمّون الأوربيين متمدنين أحراراً ولو كَفَّروا الناس جهاراً وأخرجوهم من دينهم قوة واقتداراً؟ ما لهؤلاء المجددين لا يسمعون، وإذا سمعوا لا يفهمون، وإذا فهموا لا ينطقون، وإذا

стр. 113

نطقوا لا يَصْدقون، وإذا صدقوا لا يثبتون، وإذا ثبتوا لا يخلصون؟ صدق الله، فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمي القلوب. * * * يا أيها الناس: أتدرون ماذا حل بالمغاربة؟ أصيخوا إليّ بأسماعكم، وأمسكوا بقلوبكم، واحبسوا أنفاسكم، وأعدّوا مآقيكم، فستبكون كثيراً وستحزنون طويلاً: أمة مسلمة من البربر تبلغ السبعة الملايين (تصوروا ضخامة هذا العدد: سبعة ملايين. ضعف سكان سوريا!) أصدر سلطان المغرب (المسلم) أمراً منه تنازل فيه عن حقه في الإشراف على أمورها الدينية إلى الفرنجة المستعمرين! أتدرون ماذا صنعوا بعد ذلك؟ قام النصارى في الرباط عاصمة المغرب بصلاة الشكر في أعظم كنائسهم، ثم أخرجوا من هذه القبائل قُرّاءَها وحَمَلةَ القرآن فيها فأجلوهم عن البلاد، وحظروا على المسلمين قراءة القرآن والصلاة وكل أعمال الإسلام، وأغلقوا المساجد، وهددوا كل من يتكلم بالعربية أمام العموم بصارم العقاب، وأجبروا الوِلْدان الصغار على الذهاب إلى كنائسهم وأداء طقوسهم، وصاروا يشيدون الكنائس في كل جهة من مال الأوقاف الإسلامية ... الأوقاف الإسلامية، هل فهمتم؟! (١)

стр. 114

هذا ما يقوم به رجال التمدّن فيعده مجدِّدونا تقدماً ومدنيّة، وندعوهم إلى ما جاء به الدين فيعدّونه رجعية وجموداً، ويقولون بعد هذا إنهم عقلاء؟ * * *

стр. 115

هذا ما وقع في المغرب الأقصى، وهذا ما سيقع لكم إذا أنتم أسلمتم أبناءكم إلى هذه المدارس العاملة على التبشير بالنصرانية والتشكيك بالإسلام، وهذا ما سيقع لكم إذا أنتم ثابرتم على غفلتكم وتفرّقكم واشتغالكم بمصالح أنفسكم، لا تفكرون أبداً في مصالح أمتكم وطرق تقوية دينكم. فيا أيها الناس ممّن آمن بالله واليوم الآخر: عودوا إلى دينكم، طهِّروا من الفساد بيوتَكم ومن صحبة أهل الضلال نفوسَكم، امنعوا من التبرّج نساءكم ومن مدارس التبشير والإلحاد بناتكم وأولادكم، اعكفوا على كتاب ربكم وسنّة نبيكم، فذلك أولى بكم، ورَحِمَ الله من سمع فوعى وعمل فأخلص. * * *

стр. 116

رسائل سيف الإسلام الرسالة العاشرة لك الحمد ربنا على ما أنعمت علينا بأن جعلتنا من أمة الرسول الأعظم ﷺ ، ومنك التوفيق وإليك الإنابة، ولك الحول وعليك الاتكال. هذه عشر رسائل، علم الله كم قاسينا من أجلها من متاعب وعانينا من مصاعب، فهل لنا من مغبَّتها في الإصلاح عُقْب مما نالنا، ومن عاقبتها في الخير بديل مما لحق بنا؟ نعم، إنني لست على رأي من يعمل ثم ينظر رأي الناس فيه ورضاهم عنه، فيتابع ويواصل إن وجد حسناً ويصدّ ويحيد إن وجد سيئاً. ولست أرجو صلاح أمة قد عَرَقَ فيها الفساد (١) وتمكن منها الداء بخَطّة قلم ونقطة مداد، ولا يكون ذلك ومحمد رسول الله ﷺ لبث في قومه سنين يدعوهم فلا يستجيبون له، ويناديهم فلا يلتفون إليه، وهو الأمين المأمون وسيد العالمين، وقومه على الفطرة النقية، فما قولك بأمة كلها فساد، وداع هو أحوج إلى الإصلاح والنصح ممّن يدعوهم؟ هل يثمر عمله في يوم أو شهر

стр. 117

أو عام؟ لا. فهل يفرّ وينهزم إذا لم يثمر عمله في شهر؟ لا، إن شاء الله. وإنّا متابعون السير في هذه الرسائل، علّ الله تعالى يوفق أثرياءنا وأغنياءنا إلى بذل قليل من مالهم ننشئ به مجلة إسلامية، يكون فيها متّسَع لما لا تتسع له هذه الرسائل، فيكتب فيها رجال مختلفون يعالج كلٌّ منهم ناحيةً من النواحي التي نحتاج إلى معالجتها في قضيتنا الإسلامية. إن هذه المجلة من أحسن ما يقوم به مسلم لخدمة القضية الإسلامية، لأن الجرائد والمجلات هي المعلّم السيَّار الذي يكلم كل إنسان ويدخل كل دار، ويبث الشرور والمفاسد إذا كان فاسداً شريراً، والصلاحَ والخير إذا كان صالحاً خيّراً. فمن أي النوعين جرائدنا ومجلاتنا؟ ليُجِبْ القارئ كما يريد، وإنما ليسمح لي أن أقول له: (١) إن قضية البربر -على عظمها وجلالها- لم تنل من صفحات جرائدنا «الإسلامية!» إلا بضعة أسطر من الصفحة الثالثة نُشرت كخبر بسيط بجانب خبر قدوم جوقة موسيقية وخبر الدعوة إلى راقصة أو مغنية! (٢) وإن بلاغ الحكومة الرسمي بترخيصها لناد من النوادي بتعاطي القمار قد مَرَّ دون أن تعلّق الجرائد عليه شيئاً، ومعنى هذا أنهم أحلّوا القمار وقد حرّمَه الله، ومن استحلَّ حرمات الله فقد كفر! * * *

стр. 118

يجب أن تخرج قضية المجلة من دَوْر التفكير إلى دَوْر العمل، ويجب أن يجتمع بعض من يهمه هذا الأمر للمداولة والبحث، ثم يقرروا منهاج العمل ويسيروا فيه. ولا يَفهَمَنَّ أحدٌ -إذا دعوت إلى إنشاء المجلة أو سعيت لها- أنني أدعو لأكون صاحبها أو محررها. لا، وإنما أعمل كأقلّ عامل فيها. أقول هذا لأن الناس اعتادوا أن يفسروا كل عمل للمصلحة العامة بأنه للمصلحة الخاصة، فيخاف العامل من هذا فلا يعمل شيئاً، وما ذلك إلا نوع من الحسد الممقوت والخلق السيئ. ولقد قالوا إننا نقوم بهذه الرسائل من أجل التجارة وإننا جمعنا مبلغاً عظيماً من المال من طريق التبرعات، فأفهمناهم أن التبرعات لا تكفي أبداً وأن الرسائل كانت تنقطع منذ رسالتين لو لم يتبرع أحد المحامين المسلمين بنفقة رسالة برمّتها ولو لم يتبرع شاب أديب بنفقات أخرى، وأنذرَنا أن لا نذكر اسمه كما أنذرَنا الأولُ. وأنه ليس معنا الآن شيء لإصدار ما يلي هذه، فأين هو هذا المال؟ هذه واحدة، وأما الأخرى فهي قضية المدارس. وإذا أطلقت كلمة «المدارس» فإنما أقصد منها المدارس التجهيزية التي تقدم طلابها لفحص البكالوريا، وهذه في دمشق على أقسام: أجنبية وأهلية وحكومية. أما الأجنبية فلا أحاول أن أقول كلمة عن منهجها والغرض من تأسيسها وعن صنيعها بأبناء المسلمين، لأن هذا شيء يعرفه القارئ فلا يحتاج إلى تعريف به، أو لا يعرفه إلى الآن فلا يمكن أن يعرفه الآن! بقي علينا المدارس الأهلية والحكومية، وليس للحكومة في دمشق إلا مدرسة واحدة هي المدرسة التجهيزية (مكتب عنبر)، وهذه -على ما فيها من نقائص- أحسن

стр. 119

مدرسة تجهيزية، لا في سوريا فقط بل وفي العراق ومصر أيضاً، لأنها جمعت في سلك معلّميها من العلماء المبرزين ما يندر أن يجتمع في غيرها، ولأن فيها إلى جنب هذا روحاً وطنية عالية ونبوغاً عجيباً في الطلاب. ولكن هذا الذي أقوله خبر تاريخي لم يبقَ منه الآن شيء، لأنهم ضربوها ضربة أليمة فرّقت أجزاءها وبعثرت أوصالها؛ أسقطوا من طلابها ظلماً وعدواناً ثمانين (أو أكثر من ذلك) في المئة، وصمُّوا آذانهم عن سماع شَكاة هؤلاء الطلاب المظلومين. (١) وإلى هنا انتهى الدور الأول من هذه المأساة. وأما الدور الثاني فقد بدأ بإبدال مستشار المعارف الذي أساء إلى الإسلام والعروبة في دمشق إساءة لا تمحى أبداً، فسُرَّ الناس وحمدوا الله على أن خلّصهم منه ومن صنيعته عدو الله ترجمانه (٢)، ولكن

стр. 120

سرورهم لم يطل، ولم يلبثوا أن رأوا بليّة جديدة: بلاغ رسمي يخوّل المدارس الأجنبية حق إعطاء شهادة مقبولة كالبكالوريا ويَحْرم المدارس الوطنية من هذا الحق، فكانت النتيجة أن تسجل ثلث طلاب التجهيز في تلك المدارس، وربما لحقهم الثلث الآخر عما قريب. حقاً إنكم لم تعلموا هذا، لأنكم نائمون لا تعرفون شيئاً! إذن فقد خسرنا «التجهيز». وأما المدارس الأهلية فهي على قسمين: ناجحة ومقصِّرة؛ فالناجحة لا تفترق إلا قليلاً عن المدارس التبشيرية، ولا يغرّنَّ الناسَ أن فيها الشيخ عَمْراً أو العلاّمة زيداً، فهؤلاء فيها إنما يُقدَّمون ليُصرَعوا وليكونوا جُنَّةً تَرُدّ عن المدرسة سِهامَ النقد! ومن كان في شك مما أقول فلينظر من يعلّم، بل من يربي أطفالَ المسلمين فيها، الأطفال الذين هم أنقى من الصفحة البيضاء يرتسم في نفوسهم كل ما يلقى عليهم، إنما تربّيهم امرأة، نصرانية أو يهودية ... لا أدري! وما لنا ولهذا؟ أخبروني: أليس لسان المدرسة الرسمي هو اللسان الإفرنجي، أليست دروس الفقه والقرآن فيها سُخرية ولعباً؟ أنا لا أحمل على هذه المدارس لغرض في نفسي، وإنما أتهمها بأشياء هذا بعضها، فلتبرّئ نفسها إذا استطاعت، وأنا أُسَرّ أن أكون كاذباً وأن تكون صادقة إذا كان في كذبي وصدقها صلاح مدرسة يعود صلاحها على الأمة بالنفع العميم. على أنها معذورة فيما تفعل، لأنها تقبض من أجله من السلطة ألوف الفرنكات في العام، فهل يعطيها ربعَها المسلمون إذا هي أرضتهم وأحسنت إلى دينهم؟!

стр. 121

هذه مدارسنا كما رأيتم، وهؤلاء أبناؤكم ذهبوا إلى مدارس الكفر والتبشير، وسيرجعون إليكم غرباء عنكم، على دينٍ غير دينكم، وملّةٍ غير ملتكم، ولغةٍ غير لغتكم. وأنتم؟ غافلون! * * * ولنترك المدارس قليلاً، لننظر إلى الطبقة الوسطى والدنيا من الناس: كيف حالها وما هو مبلغ تمسّكها بالدين؟ صليت الجمعة الماضية في جامع السادات (مسجد الأقصاب)، وهو -كما يعلم الناس- من المساجد الكبيرة في دمشق، فلما انقضت الصلاة وخرجنا وجدنا في صحن الجامع خمسة رجال مسلمين أقوياء أشدّاء لو أراد أحدهم حمل بغل لفعل، وهم جالسون يأكلون في بيت الله وصلاةُ الجمعة تقام، وهم يسمعون قراءة الإمام وأصوات الركوع والسجود ولا يصلّون، والناس يمرّون بهم كأنْ لم يكن في الأمر شيء! لا تَهيج فيهم حَميّة الإسلام، ولا يغارون على حرمات الله التي تُنتهَك في بيت الله أمام عباد الله! أنا لا أعجب من صنع هؤلاء الأجلاف، وإنما أعجب من الناس: كيف لا يغضبون لله، ولا يزيلون المنكر من بيته وهم على إزالته قديرون! فأين هو الإسلام أيها الناس؟ أهو في المساجد؟ انظروا إلى «الأموي» بعد صلاة الجمعة وشاهدوا الناس كيف يتحدثون فيه عن أمور الدنيا، ويغتابون فيه الخلق، ويكذبون ويقسمون ويحنثون! في الأسواق؟ انظروا الباعة في سوق الحرير كيف يصفّفون شعورهم ويصقلون خدودهم

стр. 122

ويتزيّنون كأنهم الفتيات ليلة زفافهن، وانظروا ما يكون بعد ذلك من منكرات ومفاسد! في المدارس؟ وماذا في المدارس؟ إن فيها الداهية الدَّهْياء مما يجري في طي الخفاء من الأمور المخلّة بالشرف والعفاف، فضلاً عما فيها (أو في أكثرها) من فشوّ المنكر وزوال المعروف. في البيوت؟ وبيوت أكثر الرجال تتغلب فيها النساء فيصنعن ما يشأن، وانظر بعد ذلك ما في البيوت من تبرّج وعورات باديات وصلوات معطَّلات، وما وراء ذلك أدهى وأمَرّ. في القرى والمتَنَزّهات؟ هذه شر ما في الأمر! كل هذا في دمشق، ودمشق جنة إذا قيست بمصر! ألا لا بد من أن يجتمع الغُيُر على الإسلام، فيتحدثوا فيما لحق به ويختاروا أقرب الطرق لإصلاح أهله، ولا بد من أن نتناصح وينكر كلٌّ على أخيه ما يراه مخالفاً للدين، ولا بد من أن ننصر الدين في كل موطن نقدر على نصرته فيه، فإذا فعلنا صلح أمرنا، وما صلاحه إلا بيد الله، اللهمّ أصلح الحال. * * * انتهت الحلقة الأولى من «سيف الإسلام» ووقعت في عشر رسائل، وإنّا نسأل الله التوفيق لجعل الثانية أكثر فائدة وأكبر حجماً وأجود طباعة. (١) * * *

стр. 123

_________ = الرابعة وعنوانها «في ذكرى المولد»، والسادسة وهي قصة اجتماعية إصلاحية اسمها «صدقي بك»، وكلاهما ستجدان طريقهما بإذن الله إلى مواضع مناسبة في الكتب الجديدة التي أرجو أن يوفقني الله إلى إصدارها عمّا قريب. والظاهر أن جدي ﵀ كان يعتزم المضيّ في إصدار رسائل «سيف الإسلام» في مجموعات متتابعات سمّاها «حلقات»، فلما أتم هذه العشر الأولى وَعَدَ القرّاء بحلقة ثانية من عشر أُخَر. وليس عندي علمُ يقين بما آل الأمر إليه من بعد، لكن الرسالة الأولى والوحيدة التي وجدتها من الحلقة الثانية جعلتني أخمّن أنها رسالة مُفرَدة من تلك الحلقة لا ثاني لها، وإذن فيكون كل الذي أصدره من رسائل «سيف الإسلام» إحدى عشرة رسالة فحسب. وها هي ذي الرسالة تأتي في الصفحة الآتية، عنوانها «المدارس الأميرية»، وقد نُشرت في تشرين الأول (أكتوبر) من العام نفسه الذي نُشرت فيه سائر الرسائل، ١٩٣٠ (مجاهد).

стр. 124

رسائل سيف الإسلام الحلقة الثانية-الرسالة الأولى المدارس الأميرية كان شارع «المِسْكيّة» (١) مساء السبت الماضي أشبه بالمحشر، حُشر إليه طلاب المدارس من كل حدب وصوب ليتداركوا حوائجهم المدرسية في مطلع عامهم الجديد؛ فمن غلام يصيح ورجل يساوم وشاب ينادي، إلى فتاة تلحّ وامرأة تهتف وعجوز تهذي! وكلهم يريد أن يسبق رفيقه إلى نيل حاجته وبلوغ طِلْبَته. وإنهم في تزاحمهم لأشبه شيء بتزاحم الناس على الأفران أيام الحرب العامة ليفوزوا برغيف يدفعون به عن أنفسهم غائلة الجوع في تلك الأيام السوداء! (٢)

стр. 125

كان معي رفيق لي يرى ما أرى فقال: أما ترى كثرة طلاب العلم وروّاد مناهله؟ أما تسرّ بذلك وتؤمل لسوريا منه النجاح والهناء؟ حقاً إنه مشهد يفرح النفس. وسكت ينتظر جوابي، فلم أردّ عليه، فعاد إلى إتمام خطبته فقال: ولمَ لا؟ أليس بالعلم تنهض الأمم؟ أليس كل معهد من هذه المعاهد حجراً جديداً في صرح عزنا وبناء مجدنا؟ أليس هؤلاء رجال المستقبل وقادة الغد؟ أليس علمهم مناراً يهديهم سواء السبيل ويدلّهم على طريق الرشاد؟ وراح يهذي بهذا وشبهه. وما أكثر ما يعاني المرء من هؤلاء الذين لا يعرفون الأشياء على حقيقتها فينطقون بعلم، ولا يسكتون فيسترون ما هم عليه من جهل، بل ينطقون، ويُكثرون إذ ينطقون، ويُضجرونك إذ يُكثرون؛ فأنت منهم بين جهل وإضجار! وليس أثقل عليّ من رجل يناقش في الفلسفة ويبحث في أعضل مسائلها وهو لم يسمع بها ولم يعرف من الدنيا إلا تجارة وسوقاً، وآخر يبحث في الدين ويتعرض لتفسير الآيات وتخريج النصوص وهو لا يفقه من الدين إلا أن في الدنيا شيئاً اسمه الدين! ولو عقل هؤلاء لأخذوا فيما خُلقوا له وتركوا ما ليس من شأنهم فاستراحوا وأراحوا. وما لهم ولما لم يعرفوه؟ ما للطبيب وللبلاغة، والتاجر والفلسفة، والمهندس والأصول؟ ولكن الخوض في كل شيء

стр. 126

صفة تمكنت من كثير من الأنفس فكانت لها طبعاً وسجيّة، وإن منها لنفس صاحبي الذي حَسِبَ سكوتي عنه رضا بما يقول، فأطال القول واشتد فيه، وأثبت ودلّل وأفصح وأجزل، حتى إذا حسب أنه وفّى كل شيء حقه ولم يدع في البحث مجالاً لقائل سكت وتنفس الصعداء، والتفت إليّ يرقب مني كلمة التشجيع والثناء على حسن بيانه وبلاغة لسانه وحدّة جنانه، فقلت له: أتحسب هؤلاء يُخلصون للعروبة والإسلام ويدافعون عنهما إذا هم صاروا رجال المستقبل وأُلقيت إليهم مقاليد الأمور؟ أتظن هذه المدارس تعمل على خدمة الوطن وتهيئة رجاله العالمين؟ أترى هذا العلم الذي يتلقفه هؤلاء خيراً من الجهل المطبق؟ قلت هذا ولحظته، فوجدته يكاد ينفجر بصيحة إنكار مرعبة تجمع علينا الناس وتقوّض الشارع على من فيه، يقول فيها: أتهين العلم؟ أتحتقر المدارس؟ يا جاهل، يا متعصب، يا رجعي! فسرت في حديثي ولم أدع له وقتاً يقذف فيه هذه الصيحة المنكرة التي اتخذها أشباهه من الشبان «الناهضين» و «المتنورين» سلاحاً يغمدونه في صدور أمثالنا من الشبان «الجامدين»! تابعت حديثي، ولكني التفتُّ فلم أجد صاحبي لأنه فرّ وانهزم، أو هو - على التعبير الجديد- أعلن استياءه مني بالانسحاب! وقد أراح الله قرّاء هذه الرسائل من حديثه وأخباره، فليسمعوا ما هو أهم منها، وليصغوا إلى ما أحدثهم به، فإني بادئ بصلب الموضوع. * * * أشرت في الرسالة الماضية (الرسالة العاشرة من الحلقة

стр. 127

الأولى من هذه الرسائل) إلى المدارس الثانوية وأثبَتُّ أنه ليس في دمشق مدرسة ثانوية واحدة تخلص للعروبة والإسلام وتنجب رجالاً يحترمونهما ويضحون في سبيلهما، وأريد الآن أن أتكلم عن المدارس الابتدائية. المدارس الابتدائية في دمشق أميرية (حكومية) وأهلية وأجنبية، أما الأجنبية فهي -بالاختصار- قلاع نصبها العدو في بلادنا وسلّط مدافعها على قلوب أبنائنا، فهي تستعمرها إلى الأبد وتمتلكها إلى يوم القيامة، ومن يبعث بابنه إلى واحدة منها خائنٌ للوطن عدوٌّ له، يجب أن يُنبَذ ويُطرَح ولا يُحفَل به، كائناً مَن كان. وأما الأهلية فصالحة نوعاً، وإذا كانت بها علّة فهي علّة الفقر والعجز المالي، وعلّة الفوضى والاضطراب الإداري، ولكنها -مع هذا كله- الوفية للدين والوطن المخلصة للّغة والماضي. وأما الأميرية (ونستطيع أن نقول إنها كل شيء عندنا) فسنتكلم عنها بنوع من الإسهاب والتفصيل. يعلم القارئ من كان يقوم بأمر وزارة المعارف ويتولى شؤونها، دقيقها وجليلها، حتى ما يفوته منها صغير ولا كبير ... أو هو لا يعلم، فأُخبرُه أنه «المستشار». وأشهد أن هذا المستشار، المسيو راجه، على جانب من الذكاء والفطنة عظيم جداً، وبهذا الذكاء وهذه الفطنة استطاع أن يخدم قومَه خدمة لم يقوَ عليها كلُّ ما عندهم من قوة وجُنْد وعتاد، فقد عرف كيف يأكل الكتفَ، بل ويُتبعها بالرقبة! وقَدِر أن يضمن لقومه أمة تُنشَّأ في سوريا تكون

стр. 128

وفية مخلصة، لا للعروبة والإسلام، هيهات، بل لفرنسا! ما للقارئ يعجب ويستغرب ما أقول؟ إنه في منتهى الجلاء والوضوح. أبناؤكم الآن هم رجال المستقبل، فإذا ربّاهم كما يريد وأنشأهم كما يشاء أصبحت أمة المستقبل كما يشاء. ولا تعجبوا، فقد بلغ من حرصه على طمس معالم الإسلام أنه أغلق مدرسة لأنها تسمى مدرسة «التهذيب الإسلامي»! وأخرج مدرّساً من خيرة المدرسين وأقدرهم، هو الشاعر سليم الزركلي، لأنه ألقى قصيدة له في محفل فيها ذكر حضارة العرب والمسلمين ومجدهم! ولندع هذه القصص الفردية، ولنأخذ في الكلام على القضايا الجوهرية التي نأخذها على المدارس الأميرية. * * * إنما تقوم حياة الأمم على ثلاث دعائم: الدين واللغة والتاريخ. فلننظر مبلغ عناية الوزارة بهذه الدعائم الثلاث. (١) الدين: ماذا فعلت «المعارف» بالدين؟ هل تريدون الجواب الواضح الموجز؟ إنها نبذته وأهملته! لقد كتبنا في «الفتح» منذ عامين، يوم ظهر برنامج المعارف الجديد، فصلاً كشفنا فيه الستار عن إهمال الدين في المدارس، ولقد كان له أثره المحمود، وأذكر أن الناس قاموا له وقعدوا وذهب وفد منهم إلى الوزارة يراجع ويتثبت، فوعدوه خيراً وطبعوا برنامج الدروس الدينية على حدة ليرضوا به كل من ينازع ويشكو. ولكن ماذا كانت النتيجة؟

стр. 129

كانت النتيجة أنه بقي حبراً على ورق (كما يقولون)، ولبثت العلوم الدينية مهمَلة على حالها. نعم، إنها تُدَرَّس، ولكن ما الفائدة من تدريسها إذا لم تكن درساً رسمياً يُفحَص به الطالب ويسقط إذا قصّر فيه؟ وهذا فحص الشهادة الابتدائية: هل في دروسه الرسمية شيء من علوم الدين؟ ومن يقول إن الطالب يجتهد على الدرس ويُعنى به إذا علم أنه لا شأن له في ترفيعه من صفّه أو بقائه فيه؟ هل يدرس الطلاب إلا لأجل الفحص؟ نحن الطلاب في المدارس العالية لا نطالع إلا لأجل الفحص والشهادة، فما قولك بالأطفال؟ وما تكون دروس الدين إذا عرف الطلاب أنها دروس ثانوية لا قيمة لها؟ طبعاً إنها تكون لعباً وسخرية. هذا هو الواقع! (٢) التاريخ: إن المدة المخصصة لدراسة التاريخ العربي كله لا تكفي لدولة واحدة من دوله، فيضطر المدرّس إلى الكلام على الدولة الطولونية أو الحمدانية مثلاً في ساعة واحدة أو ساعتين على الأكثر، بل يضطر إلى إهمال كثير من الدول الكبرى، فلا يذكر للتلاميذ أكثرَ من اسمها. والطالب الصغير يدرس في الصف الثاني تاريخ الفنيقيين قبل أن يدرس الخلفاء الراشدين، بل قبل أن يعرف شيئاً عن سيرة محمد ﵊! ويخرج الطالب من المدرسة الابتدائية وقد عرف عن نابليون أكثر مما عرف عن عمر بن الخطاب أو قُتَيبة بن مسلم، وقد علم من تاريخ فرنسا أكثر مما علم من تاريخ الأمويين! وهاكم التلاميذ: سلوا أشدَّهم نَباهةً عن نابليون وسَلُوه عمّن شئتم من رجال المسلمين، فإذا عرف عنه كما عرف عن ذاك فأنا الكاذب وأنتم الصادقون!

стр. 130

(٣) اللغة: كلمة واحدة لا أقول أكثر منها: أطلب تسوية اللغة العربية باللغة الفرنسية، وأن يعنوا بها عنايتهم بتلك! فإذا كان هذا (وهيهات أن يكون ونحن نائمون!) فقد صلح الأمر. إذن فهو فاسد الآن، وإذن فعنايتهم بها أقل من عنايتهم بالفرنسية؟ نعم، ومن شاء تفصيلاً فليطلبه في أعداد «فتى العرب» ففيها كل ما يطلب، ولقد أوسعنا هذا الأمر كتابة يومئذ، ولكن لم تُجْدِ عملاً (١). ولو أن قومي أنطقتني رماحهم ... نطقتُ، ولكنّ ........... (٢) * * * هذه هي حالة المدارس الأميرية أيها القارئ، وهذا كله ولم أخبرك بشيء من السقوط الأخلاقي المريع الذي وقع فيها، ولم أنبئك بشيء من أخلاق المعلمين وصفاتهم! أيها الناس: لا تحسبوا أن في القضايا كلها ما هو أهم من قضية المدارس. إنها قضية حياة أو موت للأمة كلها، وإن لكل منكم الحق في أن يطالب بإصلاحها ما دام ابنه أو بنته فيها؛ فلا

стр. 131

تقرؤوا هذه الرسالة لتقبعوا في بيوتكم وتثابروا على أعمالكم كأن شيئاً لم يكن، بل اهتموا بهذا الأمر واسعوا جهدكم لإصلاحه. أيها الناس: إن الجهل خير من هذه المدارس! ويجب أن تنشئوا مدرسة إسلامية وطنية، ولو بثمن الخبز الذي تأكلونه والرداء الذي تلبسونه، ولو بقيتم اليومين والأيام بلا طعام ولا لباس! أيها التجار المسلمون، أيها الأغنياء، أيها الموسرون: أناشدكم الله أن تبذلوا من أموالكم ما تقدرون عليه لإنشاء هذه المدرسة. والله إنني لا أملك في الدنيا إلا بعضاً من خزانة كتب هي أعز عليّ من نفسي، ولكنني أبذلها راضياً في هذا السبيل. أنفقوا ولو قليلاً من مالكم، فإن القليل إلى القليل كثير. إن الله سيسألكم عن أبنائكم أين قذفتم بهم، فاتقوا الله فيهم. أناشد الله كلَّ من تقع في يده هذه الرسالة من المسلمين أن يبذل أكبر مقدار من المال يقدر عليه لإنشاء هذه المدرسة، وأن يسعى لتكوين جمعية تتولى أمرَ تأسيسها. أناشد الله كل من يقرأ هذه الرسالة أن يحدّث بها أصدقاءه وذويه ويحثهم على نصرة هذه المدرسة وإخراجها إلى الوجود. اللهُمَّ هل بلّغتُ؟ اللهُمَّ اشهد. * * *

стр. 132

لماذا أنا مسلم ؟ نشرت سنة ١٩٣٠ (١) الحمد لله على نِعَمه التي لا تُحصى ونعمة الإسلام، والصلاة والسلام على رسله وأنبيائه ومحمد خاتم الرسل وسيد الأنام، وعلى آله وصحبه وكل متمسك بما جاء به. اللهم أزح بنور هُداك ظلامَ ضلالنا، وبدّد بشمس توفيقك دُجى حيرتنا، واهدنا إلى الصراط المستقيم والطريق القويم، واجعلنا في زمن الفساد من أهل الصلاح، وفي وسط الشاكّين من ذوي اليقين، وثبِّتْنا على الهدى حتى نلقاك يا رب العالمين. وبعد، فإني أستخير الله وأستهديه فيما انبعث له عزمي

стр. 133

من تأليف كتاب في الدين يفهمه الناشئون من أبناء المسلمين، فيفهمون حقيقة هذا الدين التي طالما جهلوها وسَخِروا منها لِمَا أنشأتهم عليه مدارس الشيطان من ازدرائه والتهاون به. وإنني دَعِيٌّ في المؤلفين دخيل على المصنِّفين، وإن دون بلوغي هذه المنزلة مراحل ومحطات، ولكنّي برزت ولمّا أنضج وتزبَّبْتُ ولمّا أتحصرم (١) خشيةَ أن يستفحل الداء ويعم البلاء فلا يبقى الحصرم ولا الزبيب! وإن ذلك لَكائنٌ ما دامت هذه المدارس جادَّة في تكفير الأبناء، مستفيدة من غفلة الآباء، والعلماءُ الذين هم ورثة الأنبياء قد أصبح أكثرهم بعاجل حظه مَشْغوفاً، وصار يرى المعروف منكَراً والمُنكَر معروفاً، فلا يأمر ولا ينهى، حتى ظلّ عَلَم الدين مندرساً ومنار الهدى في أقطار الأرض منطمساً، وأحكام الله تعطَّل جهاراً وحدوده تُتجاوَز علناً. مدارس التبشير تَجِدّ في التبشير، ومدارس البلاد تسوق إلى الإلحاد، وأبناء المسلمين بين مَيّال إلى النصرانية وجاحد بالكليّة، وللأوقاف الإسلامية مالٌ لو صُرف في سبيله لكان لنا منه عشرات الجامعات ومئات

стр. 134

المؤسسات، وللشريعة الإسلامية أحكام لو تمسَّكْنا بها لكنا خير أمة أُخرجت للناس وأقوى شعب عاش تحت الشمس، وللنجاح طريق معبَّدة وسبيل واضحة سلكها أجدادنا فكانوا سادة الأرض، وتنكّبناها فصرنا عبيدها، تلك هي سبيل الدين. * * * كان العرب في جاهليتهم أهل إبل وشاة ومضارب وخيام، ليس لهم حضارة الروم ولا عظمة فارس ولا عِلْم يونان، قَطْر السماء أقصى سعادة يرونها، والكفاف من العيش أبعد غاية يؤملونها، وكانوا منشَقّين على أنفسهم متباينين في قبائلهم ومساكنهم، يثيرون الحرب الزَّبون من أجل ناقة لَبون، ويحملون شقاء الدهر لإدراك الثأر، لا ملك يقودهم ولا راية تجمعهم ولا حكومة تنظم أمورهم، حكمهم لسيوفهم وظفرهم برماحهم، آلهتهم شتى وأربابهم أصنام، يخشون كسرى ويرجون قيصر، قبعوا في باديتهم وقنعوا بجزيرتهم، لا يطمحون إلى تاج ولا يطمعون في سرير، إذا فارقوا صحراءهم وغادروا جزيرتهم بَدَوا ضعافاً وكانوا خاضعين لمن يعرض لهم من الملوك والخَواقين. لبثوا على تلك الحال ما شاء الله أن يلبثوا، وغَبَرت دهورٌ وهم على شأنهم لم يتحولوا، ثم كان أمر وكانت عشيّة أو ضحاها، فإذا الافتراق اتحاد والضعف قوة والبداوة حضارة، وإذا هذا الشعب الجاهل خير الشعوب وأفضل العالَمين. ماذا حدث؟ وكيف كان؟ من هو ذلك الرجل العظيم الذي هَزَّ هذه الصحراء الجَدْباء فأخرج منها أمة عالمة قوية مهذبة؟ من

стр. 135

هو ذلك العظيم الذي صاح في بطحاء مكة، فرنَّتْ صيحته في أنحاء الجزيرة فهَبَّت كلها تسير تحت لوائه؟ طأطئوا الرؤوس وقفوا خاشعين، فإنه محمد بن عبد الله، سيد العالم ورسول رب العالمين، صلى الله عليه. جاء محمد بالقرآن هدى من الله ونبراساً، فاهتدى العرب بهديه وساروا على سَننه، فأعزهم الله به ونصرهم، فكانوا ظاهرين. حملوه في صدورهم ووعوه في قلوبهم، ثم خرجوا من الجزيرة ليجاهدوا في سبيل الله كسرى وقيصر العظيمَين الجليلين، فمكّنهم الله منهما، فثَلّوا عرشيهما وهوت على أقدامهم تيجانهما، وخَلَفوهما في دارهما. بالقرآن حاربوا، وبالإيمان جاهدوا، وبهما ظفروا وبهما انتصروا. انتصروا فلم يبيدوا الحضارة ولم يبدّدوا العلم، لأن دينهم دين الحضارة وشريعتهم شريعة العلم، فأقبلوا على نشرهما وترقيتهما، جاعلين الدين لهما مقياساً والشريعة ميزاناً، فلم يَمُرّ زمن حتى مكّنَ الله لهم في الأرض، فأصبحوا ملوكها وسادتها. امتدت دولتهم ما بين مونبلْيِه في قلب فرنسا والتُّبَّت في قلب الصين، وخفقت رايتهم على العالم كله فخفقت لها القلوب وارتجَّت منها الدنيا، وكانت عاصمتهم بغداد منار الهدى وموئل العلماء ودار العمران، والكلمةُ تخرج من قصر خليفتهم فيكون لها في آفاق الأرض دويّ الرعد في آفاق السماء، فلا يبقى من عظيم إلا ويخضع لها، ولا جبار إلا ويهلع قلبه لجلالها. كان قائدهم يجاهد في سبيل الله حتى يبلغ البحر ولا يرى أمامه من سبيل، فيخوضه بفرسه فيلامس الماء بطنها، ثم يقول:

стр. 136

اللهمّ لولا هذا البحر لمضيت مجاهداً في سبيلك حتى أفتح العالم أو أفارقه إلى جنانك! وكان ملكهم -على عظمه وجلاله- يقف بين يدي القاضي مع أحطّ السُّوقَة وأقل الناس، فلا يناديه إلا باسمه ولا يحكم عليه إلا بالحق، لأن الحق فوق الملك، والله فوق الجميع، والله أكبر. وكان الواعظ يدخل على أمير المؤمنين، فلا يزال يعظه ويخوّفه من الله حتى تقطر دموعه من لحيته، ثم ينصرف عنه لا يرزؤه من ماله شيئاً، لأنه دخل لله ولا يبتغي الجزاء إلا من الله. كان إسلامٌ، فكان عزٌّ، وكان ظفر. ثم مالوا عن السَّنَن القويم وتنكبوا الطريق المستقيم، فأمر الله الفلك فدار دورته، فإذا العزّ ذل والقوة ضعف، والأسياد خدم والملوك خَوَل! وإذ كل شيء قد ذهب، كأنه سطور خُطَّت على الماء ثم ماج الماء موجةً فمحا كل شيء. * * * ألا إن كل ذلك هَيِّن على أمة تشعر وتحس، أما إذا فقدت حسّها وشعورها فقد فقدت كل أمل بنجاحها. وهذا ما كان، وهذا ما تسعى له مدارسنا، وقد نجحت في سعيها فتمّ -أو كاد يتم- صرف أبنائنا جميعاً عن الدين! أضعنا المجد فصبرنا، وخسرنا العز فسكتنا، فإذا كانت الثالثة وفُجعنا بأبنائنا متنا ولم نجد من يندبنا أو يترحّم علينا. نحن وسط الحريق ولكنّا نائمون، نحن بين الضواري من الوحوش ولكنّا غافلون، نحن على شفا الجحيم ولكنّا ضاحكون لاعبون!

стр. 137

نحن ندعو ونصيح ولكن قومنا صُمٌّ لا يسمعون، فلنعمل إذن وحدنا، ولنجاهد ما استطعنا. وهذا الكتاب عملي، أسأل الله أن يجعله خالصاً له نافعاً لعباده، وأن يوقظ به قومي من نومهم، وينبّههم من غفلتهم، ويعلّمهم أنْ لا صلاح لآخِر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، ولا نجاح لها إلا من طريق دينها. ودينُها شامل لكل نافع جامع لكل ما فيه المصلحة، ما ترك شيئاً ولا غادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. اللهمّ أعدنا إلى دينك وأمِتْنا عليه، ووفِّقْ وأثِبْ وثَبِّتْ، وصلِّ على محمد. * * *

стр. 138

رسائل التعليم في دمشق (١) قضية التجهيز: أسبابها ونتائجها نشرت سنة ١٩٣٠ (١٣٤٩) [لا يَغُرَّنّ أسيادَنا المعلّمين ظَفَرُ باطلهم على حقنا، فإن للباطل جولة ثم يزهق، وإن للحق الظفر ولو بعد حين، وإن القوة للحق وإن حسبوا الحق للقوة.] نوديت أمس، وأنا في شارع بغداد في طريقي إلى الدار، فتلفَّتُّ فإذا أنا بستة من إخواننا الطلاب، وإذا أحدهم يبتدرني قائلاً: كيف تزعم أن تعلم الجغرافيا حرام؟ وكيف ... - انتظر قليلاً وأخبرني: متى زعمتُ هذا؟ - إنه في كتاب «الهيثميات»! - وهل رأيته أنت؟ - لا، وإنما حدثني بهذا فلان، الطالب في المعهد الطبي. - إذن فاقرأه من فضلك، لتعلم أن من روى لك ذلك كاذب أو أنه لا يفهم ما يقرأ.

стр. 139

سقت لك هذه القصة لتعلم مبلغ انقياد الرأي العام إلى الخطأ وتتصور الأثر الذي ستحدثه رسالتي هذه. لا أعني الأثر الذي تتركه في نفس قارئها، ولا أخافه، بل أعني ما يكون في نفس من لم يقرأها! وستسمع غداً قائلاً يقول لرفيقه: أعلمت؟ الطنطاوي أخرج رسالة يسبّ فيها معلّمي «التجهيز» ووزارة المعارف! ويزيد هذا القائل في نبأ ذلك السبّ الموهوم ويضخّمه، ثم يحمله إلى شخص آخر، وهكذا دواليك، فيستفحل الأمر ويعظم وأكون مؤاخَذاً في نظر الناس بجريرة لم آتِ بها! وأنا أطلب سلفاً إلى كل من يبلغه أمر هذه الرسالة أو غيرها مما أكتبه (أو يكتبه غيري في هذا الموضوع أو في غيره) أن لا يتعجل في الحكم حتى يقرأ ما يتحدث عنه بنفسه ويمعن فيه، أما أن يتلقى حكمه من أفواه الناس فليس هذا من العقل في شيء. وعجيب أن أضطر إلى هذا التنبيه، وأعجب منه أن أضطر إلى الكتابة في موضوع كهذا، موضوع طلب حق صريح ودفع ظلم واضح! وأعجب من ذا وذا أن يُسَدّ في وجه الطلاب كل سبيل إلى حقهم، ويوصَد دونهم كل باب للمراجعة، وتُصَمّ عن سماع شَكاتهم كل أذن! وأعجب ما في الأمر (وكل ما في الأمر عجيب) أن يقضى على مستقبل ثلاثمئة طالب وتنهار آمال ثلاثمئة أسرة، ويبقى ذوو الكراسي في كراسيهم يلهون ويلعبون، وذوو الأعمال في أعمالهم يغدون ويروحون لا يبالون، كأن شيئاً لم يكن وكارثة لم تقع!

стр. 140

ولقد كان كل ذاك، فاسمع أقصص عليك ما كان: لبثت «التجهيز» عشرات السنين وهي خير معهد علمي في سوريا كلها (١)، حتى ابتلاها الله برجال لا يعرفون إلا الرواتب ونيلها وأولي الأمر وإطاعتهم، ولا يدرون ما هو الواجب وما هو الوجدان، فكان من بركة قدومهم عليها أن استحال تقدمها تأخراً، وازدهارها خموداً، ونجاحها فشلاً، وكانت نتيجة هذا القدوم

стр. 141

المبارك سقوط ثمانين في المئة من طلاب هذا المعهد الممتاز! هل في الدنيا كلها رجل واحد وَهَبَه الله عقلاً راجحاً وفهماً مستقيماً، يقول بأن هذا السقوط ناشئ عن قصور التلاميذ؟ دعني من أولئك الذين باعوا ضمائرهم وعقولهم بخمسين ليرة سورية وأصبحوا لا يستحيون بعد قبضها أن يتكلموا بغير منطق، دعني من هؤلاء وقل لي: هل تعتقد أن كراسي المناصب ومنصّات التدريس تسدل على الباطل ثوباً أبيض، ثم تخدع الناس جميعاً عن أبصارهم فلا يرونه إلا حقاً؟ هل تؤمن بأن الوزير إذا قال شيئاً صدّقه الناس وأمّنوا على كلامه، ولو خالف ما يدلّون على صحته بألف دليل ودليل؟ تقول: «لا»، وهذا ما أنتظره منك، فأصغِ إليّ: يقول أساطين التربية وكبار علمائها إن الصف إذا سقط أكثر من نصف طلابه كان سبب هذا السقوط عجز المعلمين لا قصور الطلاب. وتقول الوزارة ومديرية المدرسة إن الصف إذا سقط ثلاثة أرباعه أو أربعة أخماسه كان سبب السقوط كسل الطلاب، وأما المعلمون فمبرَّؤون من كل ذنب وخالون من كل عيب، حرسهم الله! فهل علم التربية باطل وأساطينه كاذبون؟ إذا كان كذباً فكيف تدرّسه الوزارة في مدارسها؟ وإذا كان حقاً فهل يكون نقيض الحق إلا الباطل، وهل يكون عكس الصدق إلا الكذب؟ * * * هذه واحدة، وأخرى: أليس من حق الطلاب مراجعة الإدارة وطلب الأوراق إذا اعتقدوا أنهم مظلومون؟ أليس هذا

стр. 142

الحق ممنوحاً لهم بنصّ القانون؟ فلماذا إذن تخالفون القانون؟ أم تقولون إنكم لا تخالفونه؟ حسناً، هذا ما نبتغيه، إذن هاتوا أوراقنا كلها لأننا نشك في صحة الفحص، ونبني هذا الشك على الأسباب الآتية: ١ - كانت السنّة المتَّبَعة قديماً في «التجهيز» دعوة مميِّزين من خارج المدرسة يشاركون المدرّس في وضع العلامات، وكانت سنّة حسنة، ولكنها تُركت وأصبح المدرّس وبيده وحده مقدَّرات التلاميذ، يلعب بها كما شاء وشاء له هواه ورؤساؤه الذين يعبدهم من دون الله! ٢ - علمنا أن كثيرين من المعلمين هددوا الطلاب بالفحص جَهاراً وأنبؤوهم أنهم سيثأرون فيه منهم لأحقاد في نفوسهم وأغراض يبتغونها من وراء إسقاطهم، ثم اتضحت هذه الأغراض حينما دعا بعضُ المدرسين بعضَ التلاميذ إلى دروس خاصة يتلقونها عليهم بأجور باهظة حتى يضمنوا لهم النجاح. ٣ - لم تتغير اللجنة الفاحصة طول السنة، ومع هذا فقد كانت مقاييس الفحوص تختلف جداً في آخر السنة عنها في وسط السنة، حتى بلغ الاختلاف حداً جعل الطالب الذي كان مجلّياً (أولياً) في الفحوص الأولى راسباً في الأخيرة، وحتى إن صفّاً برمته (هو الصف السادس، ويتجاوز مجموع طلابه الستين) لم ينجح منه إلا طالب واحد! وكان سبب هذا الاختلاف بلاغ الوزير إلى المعلمين، ذلك البلاغ الذي يأمرهم بتشديد الفحوص ووضع العثرات في سبيل نجاح الطلاب. لماذا؟ لأن الميزانية -كما يقول معالي الوزير في بلاغه- لم تعد تساعد على تكثير عدد الطلاب!

стр. 143

٤ - كان المدرّسون يسألون الطلاب في الفحص عمّا لم يدرسوه وما ليس مقرراً عليهم، فتكون النتيجة سقوط أكثر الصف. ٥ - بقيت «التجهيز» أكثرَ من ثلاثين سنة والنجاح فيها مستمر، فهل كانت كل تلك الفحوص باطلة؟ طبعاً لا، إذن هذا الفحص باطل. إما هذه وإما هذه، أما أن يجتمع الأمران فلا. وأخيراً فإن في الساقطين من طلاب «التجهيز» من يستطيع أن ينازل في الفحص معلّمي المدارس الأخرى التي نجح طلابها، فضلاً عن الطلاب أنفسهم! فكيف يكون هذا الاختلاف في مقاييس الفحوص في بلدة واحدة ومدارس من درجة واحدة؟ هذا بعض ما لنا من حجج على فساد مقاييس الفحص، وإنّ لنا لَغيرها، ولكنّا آثرنا إهمالها هذه المرة حفظاً لحرمة المدير والأساتذة، وسنظلّ مُهمليها حتى يَضِح لنا أنْ لا حرمة لهم وأنهم لا يؤثرون على الراتب الوجدانَ وعلى الإطاعة الواجبَ، وإذن ننشرها في الناس ونقول للمدير وللمدرّس: ذُقْ إنك أنت العزيز الكريم! * * * هذه هي أدلتنا أيها الناس، فهل فيها دليل باطل؟ وهل فيها غير الحق؟ فكيف إذن يضيع الحق في رابعة النهار، وفي مجتمع فيه -كما يقولون-عدل وإنصاف؟ كأني بك أيها القارئ تقول: ولِمَ يحملون على «التجهيز»؟ وماذا يريدون منها؟ وأنا أجيبك: إنهم يريدون منها أن تموت. تموت؟ نعم. ولماذا؟ لأنها مدرسة إسلامية ولأن فيها روحاً عربية!

стр. 144

نعم، يريدون أن تموت، وليست هذه الإرادة فكرة جديدة، بل هي برنامج واسع الأطراف طويل الذيول، بُدئ بتنفيذه -فيما أحسب- منذ ذلك اليوم الذي زار فيه المفوض السامي السابق مدرسة التجهيز. هل تذكر ذلك الموقف الذي وقفَته «التجهيز» أمامه؟ هل تذكر ذلك الخطاب الذي ألقاه أحد أبنائها يومئذ؟ (١)

стр. 145

هذا الموقف وهذا الخطاب هما سبب انتباههم للتجهيز وإرادتهم القضاء عليها، أو على هذه الروح، فأكثروا من الموظفين الأجانب فيها، ورفعوا دروس الفقه والتوحيد منها، ووضعوا فيها نوّاباً يتحكمون في التلاميذ كما يشاؤون. ولكنهم وجدوا كل ذلك لم يُفِدْهم شيئاً، فأتوها بالكارثة الكبرى، بحادث الفحص الأخير، فنجح قصدهم وتَمّ لهم مرادهم، واستحالت قضيةُ «التجهيز» قضيةَ مستقبل الأمة. ولا يُبنى المستقبل إلا على العلم، ولا يُشاد صرحه إلا على عواتق الطلاب المبرّزين في دروسهم المخلصين لأمتهم وبلادهم، فإذا عدمت أمة مدارسها الوطنية وقذفت بأبنائها في هذه المدارس الأجنبية أضاعت أمانيّها وخسرت آمالها. وإن هذه المدارس لم تُنشَأ للتثقيف والتعليم، بل أُنشئت لتكفّر الأبناء بدين الآباء، وتعيدهم إليهم هازئين بقوميتهم، ساخرين من تاريخهم، تاركين للغتهم، جاهلين بسِيَر عظمائهم وجَلال ماضيهم ... فهل يرضيكم أيها الناس أن تكون هذه المدارس هي العاملة على تربية أبنائكم؟ وهل يسرّكم أن تفتحوا لها بأيديكم قلوبَهم لتستعمرَها بسمومها وخبائثها؟ وإن استعمار القلوب لأنكى من استعمار البلاد، وإن سلاح العلم المزيف لأقطع في جسم استقلالنا من سلاح الجيوش والمدمرات، فمن منكم يرضى بهذا؟ من منكم أيها الناس يرضى بما سيكون من انتقال ثلاثمئة من أبناء «التجهيز» المسلمين إلى مدارس الفرير والعازارية واللاييك؟ لقد أصبح هذا الانتقال في حكم الواقع إذا لم يُعَد لهؤلاء فحصهم، وإذا لم يُرجَع إليهم حقهم. ثلاثمئة بين
следующие страницы →