← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17213

البواكير

علي الطنطاوي

Полный текст (321 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

المبارك سقوط ثمانين في المئة من طلاب هذا المعهد الممتاز! هل في الدنيا كلها رجل واحد وَهَبَه الله عقلاً راجحاً وفهماً مستقيماً، يقول بأن هذا السقوط ناشئ عن قصور التلاميذ؟ دعني من أولئك الذين باعوا ضمائرهم وعقولهم بخمسين ليرة سورية وأصبحوا لا يستحيون بعد قبضها أن يتكلموا بغير منطق، دعني من هؤلاء وقل لي: هل تعتقد أن كراسي المناصب ومنصّات التدريس تسدل على الباطل ثوباً أبيض، ثم تخدع الناس جميعاً عن أبصارهم فلا يرونه إلا حقاً؟ هل تؤمن بأن الوزير إذا قال شيئاً صدّقه الناس وأمّنوا على كلامه، ولو خالف ما يدلّون على صحته بألف دليل ودليل؟ تقول: «لا»، وهذا ما أنتظره منك، فأصغِ إليّ: يقول أساطين التربية وكبار علمائها إن الصف إذا سقط أكثر من نصف طلابه كان سبب هذا السقوط عجز المعلمين لا قصور الطلاب. وتقول الوزارة ومديرية المدرسة إن الصف إذا سقط ثلاثة أرباعه أو أربعة أخماسه كان سبب السقوط كسل الطلاب، وأما المعلمون فمبرَّؤون من كل ذنب وخالون من كل عيب، حرسهم الله! فهل علم التربية باطل وأساطينه كاذبون؟ إذا كان كذباً فكيف تدرّسه الوزارة في مدارسها؟ وإذا كان حقاً فهل يكون نقيض الحق إلا الباطل، وهل يكون عكس الصدق إلا الكذب؟ * * * هذه واحدة، وأخرى: أليس من حق الطلاب مراجعة الإدارة وطلب الأوراق إذا اعتقدوا أنهم مظلومون؟ أليس هذا

стр. 142

الحق ممنوحاً لهم بنصّ القانون؟ فلماذا إذن تخالفون القانون؟ أم تقولون إنكم لا تخالفونه؟ حسناً، هذا ما نبتغيه، إذن هاتوا أوراقنا كلها لأننا نشك في صحة الفحص، ونبني هذا الشك على الأسباب الآتية: ١ - كانت السنّة المتَّبَعة قديماً في «التجهيز» دعوة مميِّزين من خارج المدرسة يشاركون المدرّس في وضع العلامات، وكانت سنّة حسنة، ولكنها تُركت وأصبح المدرّس وبيده وحده مقدَّرات التلاميذ، يلعب بها كما شاء وشاء له هواه ورؤساؤه الذين يعبدهم من دون الله! ٢ - علمنا أن كثيرين من المعلمين هددوا الطلاب بالفحص جَهاراً وأنبؤوهم أنهم سيثأرون فيه منهم لأحقاد في نفوسهم وأغراض يبتغونها من وراء إسقاطهم، ثم اتضحت هذه الأغراض حينما دعا بعضُ المدرسين بعضَ التلاميذ إلى دروس خاصة يتلقونها عليهم بأجور باهظة حتى يضمنوا لهم النجاح. ٣ - لم تتغير اللجنة الفاحصة طول السنة، ومع هذا فقد كانت مقاييس الفحوص تختلف جداً في آخر السنة عنها في وسط السنة، حتى بلغ الاختلاف حداً جعل الطالب الذي كان مجلّياً (أولياً) في الفحوص الأولى راسباً في الأخيرة، وحتى إن صفّاً برمته (هو الصف السادس، ويتجاوز مجموع طلابه الستين) لم ينجح منه إلا طالب واحد! وكان سبب هذا الاختلاف بلاغ الوزير إلى المعلمين، ذلك البلاغ الذي يأمرهم بتشديد الفحوص ووضع العثرات في سبيل نجاح الطلاب. لماذا؟ لأن الميزانية -كما يقول معالي الوزير في بلاغه- لم تعد تساعد على تكثير عدد الطلاب!

стр. 143

٤ - كان المدرّسون يسألون الطلاب في الفحص عمّا لم يدرسوه وما ليس مقرراً عليهم، فتكون النتيجة سقوط أكثر الصف. ٥ - بقيت «التجهيز» أكثرَ من ثلاثين سنة والنجاح فيها مستمر، فهل كانت كل تلك الفحوص باطلة؟ طبعاً لا، إذن هذا الفحص باطل. إما هذه وإما هذه، أما أن يجتمع الأمران فلا. وأخيراً فإن في الساقطين من طلاب «التجهيز» من يستطيع أن ينازل في الفحص معلّمي المدارس الأخرى التي نجح طلابها، فضلاً عن الطلاب أنفسهم! فكيف يكون هذا الاختلاف في مقاييس الفحوص في بلدة واحدة ومدارس من درجة واحدة؟ هذا بعض ما لنا من حجج على فساد مقاييس الفحص، وإنّ لنا لَغيرها، ولكنّا آثرنا إهمالها هذه المرة حفظاً لحرمة المدير والأساتذة، وسنظلّ مُهمليها حتى يَضِح لنا أنْ لا حرمة لهم وأنهم لا يؤثرون على الراتب الوجدانَ وعلى الإطاعة الواجبَ، وإذن ننشرها في الناس ونقول للمدير وللمدرّس: ذُقْ إنك أنت العزيز الكريم! * * * هذه هي أدلتنا أيها الناس، فهل فيها دليل باطل؟ وهل فيها غير الحق؟ فكيف إذن يضيع الحق في رابعة النهار، وفي مجتمع فيه -كما يقولون-عدل وإنصاف؟ كأني بك أيها القارئ تقول: ولِمَ يحملون على «التجهيز»؟ وماذا يريدون منها؟ وأنا أجيبك: إنهم يريدون منها أن تموت. تموت؟ نعم. ولماذا؟ لأنها مدرسة إسلامية ولأن فيها روحاً عربية!

стр. 144

نعم، يريدون أن تموت، وليست هذه الإرادة فكرة جديدة، بل هي برنامج واسع الأطراف طويل الذيول، بُدئ بتنفيذه -فيما أحسب- منذ ذلك اليوم الذي زار فيه المفوض السامي السابق مدرسة التجهيز. هل تذكر ذلك الموقف الذي وقفَته «التجهيز» أمامه؟ هل تذكر ذلك الخطاب الذي ألقاه أحد أبنائها يومئذ؟ (١)

стр. 145

هذا الموقف وهذا الخطاب هما سبب انتباههم للتجهيز وإرادتهم القضاء عليها، أو على هذه الروح، فأكثروا من الموظفين الأجانب فيها، ورفعوا دروس الفقه والتوحيد منها، ووضعوا فيها نوّاباً يتحكمون في التلاميذ كما يشاؤون. ولكنهم وجدوا كل ذلك لم يُفِدْهم شيئاً، فأتوها بالكارثة الكبرى، بحادث الفحص الأخير، فنجح قصدهم وتَمّ لهم مرادهم، واستحالت قضيةُ «التجهيز» قضيةَ مستقبل الأمة. ولا يُبنى المستقبل إلا على العلم، ولا يُشاد صرحه إلا على عواتق الطلاب المبرّزين في دروسهم المخلصين لأمتهم وبلادهم، فإذا عدمت أمة مدارسها الوطنية وقذفت بأبنائها في هذه المدارس الأجنبية أضاعت أمانيّها وخسرت آمالها. وإن هذه المدارس لم تُنشَأ للتثقيف والتعليم، بل أُنشئت لتكفّر الأبناء بدين الآباء، وتعيدهم إليهم هازئين بقوميتهم، ساخرين من تاريخهم، تاركين للغتهم، جاهلين بسِيَر عظمائهم وجَلال ماضيهم ... فهل يرضيكم أيها الناس أن تكون هذه المدارس هي العاملة على تربية أبنائكم؟ وهل يسرّكم أن تفتحوا لها بأيديكم قلوبَهم لتستعمرَها بسمومها وخبائثها؟ وإن استعمار القلوب لأنكى من استعمار البلاد، وإن سلاح العلم المزيف لأقطع في جسم استقلالنا من سلاح الجيوش والمدمرات، فمن منكم يرضى بهذا؟ من منكم أيها الناس يرضى بما سيكون من انتقال ثلاثمئة من أبناء «التجهيز» المسلمين إلى مدارس الفرير والعازارية واللاييك؟ لقد أصبح هذا الانتقال في حكم الواقع إذا لم يُعَد لهؤلاء فحصهم، وإذا لم يُرجَع إليهم حقهم. ثلاثمئة بين

стр. 146

الإسلام والكفر، بين الوفاء والخيانة، فهل تتقاعسون عن الأخذ بيدهم، وتقفون مكتوفين لتنظروا إليهم وهم يَهوون في هاوية مدارس التنصير السحيقة؟ من منكم أيها الناس يستطيع أن يمر بهذه الحوادث دون أن يتقطع قلبه حزناً ويتشقق كبده أسفاً؟ الدين والتمسك به، والعروبة والوفاء لها! فإذا خسرناهما فلا مرحباً بالعلم ولا أهلاً به! العلم سلاح ذو حدّين، يضرّ وينفع ويؤذي ويفيد، فعليه لعنة الله إذا كان سبباً في خسراننا دينَنا وعروبتنا. أيها الناس: تداركوا أبناءكم، تداركوا مستقبلكم. وأنتم أيها المعلمون: لِيُهْنِكم أنكم أرضيتم ولاة أموركم وأسخطتم ربكم وواجبكم ووجدانكم، فبورك لكم فيما صنعتم. وأنتم أيها الطلاب: لا تَنُوا في المطالبة بحقكم والسعي وراءه، فلن يضيع الحق ولن يموت مهما طال خذلانه. ولننتظر ما سيطلع به علينا الغد، فإن غداً لناظره قريب. * * *

стр. 147

رسائل التعليم في دمشق (٢) الأدب القومي نشرت سنة ١٩٣٠ (١٣٤٩) الأديب في الأمة هو لسانها الناطق بمحاسنها الذائد عن حماها، وقائدها إلى مواطن فخرها وذرى مجدها، فهو ذخر لها لا يعدله ذخر، وقصيدةٌ أو مقالة تحرّرها أنملة أديب بليغ -مؤمن بما يقول مخلص لما يدعو إليه- أنفع للأمة المظلومة وأَعْوَن على نيلها حقَّها من مئة جندي مدجَّج بالسلاح! فهل عندنا من أمثال هذا الأديب أحد؟ هل عندنا الأديب الذي عرف آلام الأمة وآمالها، وبحث فيما يسرّها وما يسيئها، ثم انتدب نفسه لتصوير آلامها والسعي لإبلاغها آمالها؟ هل عندنا الأديب الذي قتل التاريخ علماً، وغاص على خفاياه ومعضلاته فأحاط بها فهماً، ثم عمد إلى مواطن الفخر ومواقف الأسى فصاغها قصيدة عصماء، تكون كل قطرة من المداد أريقت على صفحتها بمثابة قطرة من الدم أُهرقت على مذبح الحرية والاستقلال؟ هل عندنا الأديب الذي آمن بعقيدة سامية فيها مصلحة الوطن وفائدته، ثم وقف نفسَه على الدفاع عنها وتأييدها؟ هل عندنا الأديب «الأديب» الذي ترفّع

стр. 148

بنفسه عن أقوال الناس، فلا يثيره مدح ولا ذم ولا يستفزّه نقد ولا تقريظ، ما دام سالكاً الصراط المستقيم ومتبعاً الطريق القويم؟ كنا نأمل أن ينشأ فينا هذا الأديب، وكان يقوّي هذا الأملَ ما نراه من الشبان المبرزين في الأدب المخلصين للوطن، ولبث ينمو ويزداد ثباتاً حتى فاجأنا صوتٌ يقول لأدبائنا: دعوا الوطن وشأنه، لا تسخّروا أدبكم له ولا تتعبوا أنفسكم من أجله، بل الهُوا والعبوا، فما الأدب إلا أُلْهِيَّة! هذا ما قاله الأستاذ جبري لتلاميذه في الكلية، وأفهمهم أن هذه الكلية لم تنشأ لمثل ما أنشئت له كلية الحقوق وكلية الطب من تخريج رجال عاملين لمنفعة الأمة، بل لإخراج أناس يدركون جمال هذا العالم! قال الأستاذ ما نصه: "إن الثقافة الأدبية لا تكون غايتها الكسب (وزد أنت: ولا منفعة الأمة!) فلا يدرس الإنسان الأدب ليعيش به (وزد أنت: أو لتعيش به أمته) كما يدرس الطب مثلاً، وإنما يحصل الأدب لِلَذَّته، وما ينبغي للأدب أن يكون إلا أُلْهِيَّة يتلاهى بها العقل"! فالأستاذ يدعو إلى أدب مجرَّد يُدرَك به جمال العالم، ويستمد من النفس عواطفها وميولها وآلامها وآمالها، ومن الطبيعة جمالها وجلالها وحبها وإلهامها، ولا يعنيه أخلاق ولا عادات ولا يهمّه أمة ولا وطن، فهو ليس إلا ألهيّة، شأنها شأن الملاهي الأخرى، وإن قال إنها ألهيّة شريفة! وهو يريد من شبّاننا الأدباء أن لا يروا الحياة إلا وسيلة من وسائل اللهو واللعب، وأن يسعوا للذتهم فيها ويفتشوا على

стр. 149

الجمال أين يقع منها، ويمضوا في طريقهم هذا دون أن يلتفتوا لأمتهم الملقاة على جانبه تئنّ وتشتكي، ودون أن يمدوا إليها يداً بمساعدة، وإنهم على مساعدتها لقديرون. وهو يريد من شباننا أن يستغنوا بوصف أحزان نفوسهم وأشجانها عن وصف شقاء الأمة وعذابها، وأن يصبّوا شعرهم ومواهبهم على قدمَي فتاة يعشقونها (أو يتخيلون أنهم يعشقونها) وربما كانت ساقطة أو بغيّاً، عن أن يصبوا بعضها على قاعدة بنيان الوطنية العظيم! وهو يرى أن هذه الأمة قد بلغت من كل شيء ما تريد وأصبح لها كيانها واستقلالها، ولم يبق عليها إلا أن تلهو وتلعب، فهو يدلها على هذه الألهيّة الشريفة! بل هو يريد أن يُحِلّ هذا النوع من الأدب (وما هو إلا اتباع الهوى) محل الدين ووحي السماء! فيقول في محاضرته الأولى نقلاً عن أحد العلوج: "لقد ضَعُفَ الدين في كثير من رجال العصر وبَعُدَ أفق العلم عن كثير من الناس، فالأدب وحده (هذا الأدب الذي ذكره وحده من غير دين ولا علم!) هو الذي ينزع بنا عن الأثَرة الضيقة التي تغرس فينا غرائز الحيوانية". * * * على رسلك أيها الأستاذ، واعلم أننا في حرب، في نضال مستمر، في جهاد على البقاء وكفاح على الحياة، وأدباؤنا قادتنا، فماذا تكون الحال في جيش تركه قادتُه تحت أزيز الرصاص ودويّ القنابل، وراحوا يفتشون عن الجمال في بقعة الحرب ليلهوا ويلعبوا ويفرّجوا عن أنفسهم غمَّ هذه المعركة وهمّها؟ هؤلاء قادتنا، فيجب أن يَدَعوا اللعب واللهو جانباً، ويشمّروا

стр. 150

عن ساعد الجِدّ والعمل، ويلقوا بأنفسهم في غمرات هذه الحرب الزَّبون، متخذين من أدبهم عدّة لأمتهم قوية ولواء لها مرفوعاً، ومثيراً لها وشادّاً من عزمها، لا مخدِّراً لأعصابها وصارفاً لها عن سبيل نجاحها كما فعلت أنت بأدبك! حتى إذا ما انجلى الغبار وآبوا بالنصر، وعُقد على جبينهم غار الظفر وأصبح لهم في الدنيا كيان ووجود، حُقَّ لهم أن يلعبوا ما شاؤوا ويتلهّوا ما أرادوا. هؤلاء قادتنا، فيجب أن يتولى كل واحد منهم ثغراً من الثغور، ثم يرابط فيه حتى لا ينفذ البلاء من جهته إلا على جثته. * * * ألا إن أدباً تكون غايته الجمال واللذة لَهو أدب زائف لا يليق بأمة تريد أن تَجِدّ وتكافح وتريد أن تتبوأ تحت الشمس مكاناً لها سامياً، وهو -فوق هذا- أدب مضطرب مزعزع لأن الجمال واللذة شيء لا قاعدة له ولا مقياس، بل إن مقياسه الذوق، والذوق يتبدل بتبدل الأزمان والأمكنة والأفراد والأمم. وهَبْ أن الفن يؤيد الأستاذ فيما دعا إليه ويقول به، فما هو هذا الفن؟ ولماذا ندرسه ونحترمه إذا كنا لا نريد به صلاح أمرنا وخدمة قضيتنا؟ أندرسه للهو واللعب؟ أنحترمه لأنه يخدّر أعصابنا ويقعد بنا عن العمل حتى ينزل الدمار برؤوسنا وتقع الخطوب على عواتقنا؟ ومن يقيس الأديب الذي يصور آلام الفرد بالذي يصور آلام الأمة، ومَن يستمد إلهامه من ذكرياته بمَن يستمده من ماضي الأمة الجليل، ومن يفكر في مستقبله مع حبيبته بمن يفكر في مصير

стр. 151

الأمة، ومن يجثو بين يدي امرأة ويصب عقله في كأس من الخمر بمن يسير على رأس أمة عظيمة في حومة حرب ضروس إلى قمة الظفر وذروة الانتصار؟ أنلهو وأيّامنا تذهبُ ... ونلعبُ والدهر لا يلعبُ؟ * * * لقد طغى الأدب الفرنسي على طائفة من أدبائنا وأغراهم به ما فيه من لذة ومتعة، فأقبلوا عليه وغاصوا على جواهره ولآلئه، وأصبحوا يتفاخرون بما لديهم منه وما عندهم من معرفة بمذاهبه وفنونه، فكان من ذلك ما نشكوه اليوم من ضعف العزة العربية في نفوسهم وهوان القضية الوطنية عليهم، وكان من ثمرة ذلك احتقارهم الأدب العربي وازدراؤهم إياه. وأنا لا أنكر أن الأدب الفرنسي خليق بالدرس، ولا أنكر أنه لذيذ وممتع وأننا في حاجة إليه لنقوّي فينا ملكة الوصف ونتعلم فن القصة. أنا لا أنكر شيئاً من هذا، ولكني أنكر على أدبائنا أن يؤمنوا ببعض منه ويكفروا ببعض! إنهم يأتمّون بلامارتين ويَقْفون أثره في هذا الأدب المجرد، ناسين أن لامارتين نفسه يقول إن من يعيش في عالم الأحلام ويحيا في الخيال وغيرُه يسعى ويعمل إنما هو أضحوكة من أضاحيك الحياة خُلقت ليتسلى بها العقلاء العاملون! هذا في أمة بلغت في الميدان الاجتماعي مبلغاً جعل لها مكانتها السامية وقوتها العظيمة، فما قولك بأمة تعمل على أن يكون لها في الدنيا وجود كالوجود؟ * * *

стр. 152

ألا إن الأدب لا يجدي إذ لم يكن أدب الحياة، ولا يكون أدب الحياة حتى يتصل بها ويداخلها، فيعرف أمكنة ضعفها ومحالّ فسادها ويسعى لإصلاحها وتقويتها. ألا إن الأديب الذي يلهو بنفسه ويقنع بأحلامه -والأمة أحوج إلى أدبه في حياتها ونمائها- لَهو خائن بعهد الأمة كافر بدينها. ألا إن هذا الأدب المجرد، أدب الألهيّة الشريفة، ضرر علينا، وفي دعوتنا إليه عقوق وطننا، بل طعنة في صدره. فلنتركه غيرَ مأسوف عليه، ولننفض عن أنفسنا غبار الكسل ولندخل في دَور العمل. إن الغلالة الرقيقة من الحرير لا تُلبَس يوم المعركة، فلنستبدل بها درعاً ولامة! إن درس الأدب للتلهّي سمّ زعاف تبثّه فينا أيدٌ معادية لتقعد بنا عن الجهاد وتسوقنا إلى الهلاك. ألا إن أخذنا بهذا المذهب، ونحن أبناء شعب في دَور التكوين والنضال لأجل الحياة، قتلٌ لشعبنا وقضاء على مستقبلنا. إن الأدب المنتِج هو الأدب الذي يخدم القضية الوطنية الكبرى، ويربط ماضي الأمة بحاضرها ويعينها على النجاح في مستقبلها. فإن كان هذا، وإلا فسلام على أدب لا يُقصَد منه إلا التلهّي واللذة، وسلام على أصحابه المخلصين العاملين! (١) * * *

стр. 153

جمعية «الهداية الإسلامية» في دمشق نشرت سنة ١٩٣٠ (١) أحمَدُ الله أن قدرت على مقالة واحدة أكتبها راضياً قريرَ النفس لا ساخطاً ولا متذمراً، وقد كان ما أكتب بنفثات المصدور وأنّات الحزين أَشْبَه. وكيف يرضى كاتبٌ يلقي بصره على كل مكان وبداخل كل إنسان، فلا يرى -حيثما سار وأنّى تلفّتَ- إلا الشقاء والآلام والمصائب والرزايا؟ هَلُمَّ أذهب بك حيث تريد أن أذهب بك، وأسايرك من مطلع الشمس إلى مغيبها، ومن جنوب المدينة إلى شمالها، فإن وجدتَ في كل ما ترى غير ما أقول فلك حكمك! وما أرى لنا مثلاً إلا صِبْيَة صغاراً مقيمين في دار ... لا، أخطأت، بل هم نائمون والدار تأكل جوانبَها النيرانُ وتندلع في أركانها ألسنةُ اللهيب، فلا يحسّون ولا يفيقون حتى تلعب في سرابيلهم وأجسامهم، وإذن لا يفيدهم حسُّهم فتيلاً ولا ينفعهم شيئاً. لقد أحاطت بنا الأرزاء واتفقت علينا الحوادث، فدخلت

стр. 154

كل دار وامتدت إلى كل نفس ونسجت على كل وجه خيوطاً من الكآبة والغم لا سبيل إلى سترها: لم تَنجُ منها السياسة ولا الاقتصاد ولا الأخلاق؛ فالشركات الأجنبية تستعمر أسواقنا، والأقمشة الأجنبية تستعمر أجسامنا، والأفكار الأجنبية تستعمر نفوسنا، وقد سُلبنا كلَّ ما ندفع به عن أنفسنا البلاء، حتى الألسنةَ التي تنطق بالتحذير من الشر المستطير! هذا قرن النور والحياة يفيض بهما على الشعوب جميعاً إلا نحن، فكأن شؤم طالعنا وسوء حظنا حوّل النورَ علينا ظلاماً والحياةَ موتاً، فنحن أسوأ الناس في أفضل العصور وأشقى البشر في أسعد الأيام. وماذا ينفعنا أن يرتفع البنيان في نيويورك إلى السماء مئة طبقة ونَبيت في كوخ لا يمنع عنّا قَطْرَ السماء؟ وماذا يفيدنا أن تبلغ ثروة روكفلر الملايين ولا يملك غنيُّنا إلا دَيْناً يعجز عن قضائه وشقاء يهيم في فضائه؟ وماذا يعنينا أن يطير الناس في الهواء ويغوصوا في أعماق الماء إذا كنا لا نقدر على السير في الأرض ولا على قطع الجداول؟ لقد كان هذا القرن نوراً وحياة، ولكن على غيرنا، أما نحن فما نبصر فيه إلا الظلمة ولا نرى فيه إلا قبوراً مفتَّحة تنتظرنا. إننا نلبس كما يلبسون ونتكلم كما يتكلمون، ولكنك إن كشفت عن بواطننا وأعلنت سرائرَنا وجدتنا كالمُحتضَر، يقوم ويقعد ويصيح ويهتف ويأمر وينهى كأشد ما يكون في حياته، ولكن الدهر ما مَدَّ له في قوته إلا ليقصر من أجله. إن هذه حال إن دامت واستمرت أوشكت عاقبتُها أن تكون هلاكنا ودمارنا، أو أن نندمج في شعب آخر فلا يُعرَف لنا أصل

стр. 155

ولا يُرى لنا كيان، أو أن نعيش فقراء عاجزين (والفقر أخو الموت وحليف الدمار)، أو أن نخرج من بلادنا وندع أوطاننا ثم نذهب بين سمع الأرض وبصرها فنصبح أحاديث! كأني بالقارئ يصيح بي وقد بلغت به إلى هنا مَغيظاً محنقاً: إذا كان هذا مقالك وأنت راض قرير العين، فماذا تقول لو سخطت وغضبت؟ وما خبر هذه الجمعية التي عقدت عليها مقالك؟ أَعْلِمْنا علمَها فقد أطلتَ علينا مقدمتك حتى لتظننا قد مللنا. * * * مهلاً يا سيدي القارئ، فهذا خبر الجمعية يأتي. ولكن قل لي قبلُ: ألستَ تشعر بأن هذا زمان الجماعات، وأنه لا بد لنا إذا أردنا أن نضرب في الحياة بالسهم الوافر من إنشاء الجمعيات تعمل على تحسين الأخلاق وإصلاح المجتمع، وتأليف الشركات تَجِدّ في رفع مستوى صناعتنا وتوسيع نطاق تجارتنا؟ إنك تشعر بهذا كله لا أشك في ذلك أبداً، ويسرك كما يسرني أن أقدم إليك جمعية جديدة، لا بل الجمعية الأولى التي أُنشئت في دمشق لتعمل على نشر الفضيلة ودرء الرذيلة وبث الأخلاق الفاضلة، والتي تتوسل إلى هذه الأغراض -كما جاء في قانونها- بالطرق الأدبية، فتنشئ نادياً لإلقاء المحاضرات الأدبية والعلمية والدينية وتنشر وتكتب، وتلقي المحاضرات في المساجد والأسواق والمجتمعات، على أن لا تتدخل في السياسة. وما هي هذه السياسة؟ ما هو حدّها؟ أيُّ الأعمال يُعَدّ سياسياً؟ هذا ما لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم! ولا بأس

стр. 156

يا سيدي القارئ، فماذا يضير الأمة أن تنصرف إحدى جمعياتها للأمور الأخلاقية والاقتصادية، وماذا يفيد الاشتغالُ بالسياسة الضعيفَ المغلوبَ على أمره؟ ولا أحب أن أطيل عليك القول، فسترى التفصيل في مقالات ستأتي إن شاء ربك وفيها بيان موجز عن هذه الجمعية، جمعية الشبّان المسلمين الذين جمعوا بين علوم الدنيا والآخرة، أو على الأصح بين العلم والدين، «جمعية الهداية الإسلامية» التي أُسِّسَت في دمشق في غرة ربيع الأنور من عام ١٣٤٩هـ (١). * * *

стр. 157

مقدمة كتاب «البعث» نشرت سنة ١٩٣١ (١) ظهر الفساد في البر والبحر، وذاع الإلحاد والفسوق في الأرض، حتى أصبح المعروف منكَراً والمنكَر معروفاً والقابض على دينه كالقابض على الجمر، واستطال هؤلاء «المجدِّدون» أعداء الله على الدين واللغة، يريدون أن يصير الدين إلحاداً واللغة عامية، ويجادلون في ذلك ويناضلون عنه، وما لهم من حجة

стр. 158

في استنكار الشرقي إلا أنه شرقي، ولا في اقتباس الغربي إلا أنه غربي، فإذا خالفتَهم وكشفت بنور دليلك عن سَوأة آرائهم، وأتيتهم بالحجّة الدامغة لا رَدّ لها واليقين المطلق لا شك معه، وخانهم المنطق والعقل، وضعوا أصابعهم في آذانهم وصاحوا بك أن: اسكت يا جامد! وشَدَّ من أزرهم وأعانهم على أمرهم أن بعض الصحف والمجلات معهم، يحرّرها أناس منهم، قد أعطوا الشيطان عهداً أن لا ينصروا الدين بحال، وأن لا يدَّخروا وسعاً في مناوأته والنَّيل منه، فتراهم لا يتقاعسون عن رميك بالتعصب إذا أنت تمسكت بدينك وأقمت شعائره عن هَدي وبصيرة، ويتمسكون بكل ما جاء من أوربا عن تقليد واحتذاء، ولو كان سخافة وسفالة وتهتكاً وفجوراً، ويزعمون أنهم المتمدنون. كأنّ التعصبَ -في رأيهم الفائل (١) ومنطقهم المنكوس- هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه وأنبيائه، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت، وصدق المعاملة وحسن الأخلاق ... وهذا هو الإسلام. وكأن التمدّن هو الإلحاد والزندقة، وسفور النساء وعبادة الأزياء، وتبذير الأموال وسكنى القهوات، والمغازلة والغرام والسكر والعربدة، وصقل الخدين وتصفيف الشعر والرقص والتدخين ... وهذا ما هم فيه! فأي الفريقين أهدى سبيلاً: المؤمنون أم الجاحدون؟ والرجال

стр. 159

أم المخنَّثون؟ والعلماء أم الجاهلون؟ والصادقون أم المنافقون؟ أما فنحن فإنّا متعصبون، ندافع عن التعصب وننتصر له على رغم أنف من يأبى، لأن فيه حفظ ديننا وبقاء كياننا وسعادتنا ونجاحنا، ولأن هؤلاء المجددين يراؤون بالإلحاد رياء وقلوبهم وجوارحهم تشهد -لو أنطقها الله- إنهم لكاذبون، ويجذبون إليهم هؤلاء الشبان الذين جهلوا الدين فلم يعرفوه، فنبذوه وعادَوه، ثم ذهبوا فتعلقوا من الأوربي بذنَب فرسه، فهي أبداً تجرّهم وهم أبداً معها، ولكن نصيبهم منها ما يخرج منها! يمسحون به رؤوسهم ويغسلون به وجوههم وأيديهم إلى المرافق وأرجلهم إلى الكعبين، وينادون: لتحيَ الحضارة وليسقط الجمود! وقد سوَّلَت لهم أنفسهم أنهم قادرون على هدم الدين بمقالاتهم وفصولهم، ورُبّ مقالة تنطق -لو نطقت- بخزي صاحبها ولعنه! ورُبّ كاتب ما خلقه الله في عيّه وضعفه إلا لتظهر منزلة البليغ في قوّته واقتداره! وقَلَّ فيهم مَن يبصر مداخل الكلام ومخارجه ويميز شريفَه من مرذوله وبليغَه من ساقطه. وما كل مَنْ خَطَّ بالقلم كاتباً ولا كل مَن لوّحَ بالسيف بطلاً! وإن هناك لشيئاً اسمه الغرور، وإن وراءه لشيئاً اسمه العجز. على أن الخطب قد عَمَّ والبلية قد عظمت، حتى إن امرأة في حماة عطس الشيطان في منخرها وزيّن لها، فأخرجت وُرَيقات سمَّتْهَا «مجلة»، عملت فيها على إحلال قرارات المؤتمر النسائي (أو ما لست أدري أيّ شيء يُسمّى مَجْمَع نسوة سافرات متبرّجات مائلات مميلات) محلَّ آيِ الله وَوَحْيه، وحَسِبَت كما حسب

стр. 160

القاديانيون الكفرة أن الله تاركهم وضلالهم، لا يبعث لهم من يطبع بالحق على قلوبهم ويضرب على أيديهم فيخزيهم ويمحقهم. ولو كان الأمر أمر هذه المجلة وحدها لحَطَمْنَاها وأهلَها حَطْمَة واحدة، ولكن للشر أنصاراً، والشر مخذولٌ وأنصارُه، والله غالبٌ على أمر وخاذلٌ أعداءَه، ولو كانوا مبشِّرين كافرين، أو مجددين مارقين، أو مرتدّين قاديانيين. * * * ألا إن هؤلاء المجددين أعدى علينا من عدوّنا لأنهم منا، وهم وباء علينا وسُبَّة لنا. وما ندري ما هذه العقول التي يفكرون بها، وما نعلم ما هذا المنطق الذي يعتمدون عليه: ترى الرجل منهم فترى ما شئت من علم وفهم، فإذا جاء ذكر الدين وجدتَه -حين يذمه بالباطل- أجهل الناس وأشدّهم عُراماً (١) وحماقة. ولقد سمعت بأذني -على ندرة ما أختلط بالناس وأسمع أحاديثهم- واحداً ممن تَعُدّهم هذه الأمة قادتها ومَن تراه أخلص الناس لها، وكنت في داره فسمعته يذمّ أكبر عالم في دمشق في حين أنه يمدح بطريق النصارى، لا يذم ذاك لجهل ولا يمدح هذا لعلم، أستغفر الله عشراً أن أنسب لذاك الجهل، ولكنّما هو العداء للدين، بل هو العداء للإسلام خاصة لا للدين عامة! وويل المجددين ما أجهلهَم! يبيعون دينهم وشرفهم برضا هؤلاء الأوربيين، ثم لا يرضون عنهم ولا يلتفتون إليهم، فهم أبداً

стр. 161

يلحقونهم ولكنهم لا يرون إلا أدبارهم ... صدق الأعشى: عُلِّقْتُها عَرَضاً وعُلِّقَتْ رَجُلاً ... غَيري، وعُلِّقَ أُخرى غيرَها الرَّجُلُ يقولون لنا: لا تذكروا الدين، بل فاذكروا الوطنية، اذكروا العروبة، نحن عرب قبل أن نكون مسلمين ... ولكن أخبروني أيها الأذكياء: ماذا كان العرب لولا الإسلام؟ وأيّ مجدٍ لهم لولاه؟ أليس بالإسلام قد فتحوا العالم ودكّوا العروش؟ أليس بالإسلام قد أنشؤوا الحضارة وشادوا العمران؟ أكانت هذه اللغة -وهي ركن العروبة- تبقى حية لولا القرآن كتاب الله الخالد؟ أكانت تَسْلم لكم لو لم ينشئ القرآنُ هذه الأمةَ المجاهدة، التي رفعت دعائم حضارة لم يشهد لها التاريخ مثيلاً من بداوة لم يكن في البداوة أعرق منها، وشادت مَدَنيّة دونها كل مدنية من بَيداء قاحلة ومَهْمَهٍ قَفْر، ثم أورثتكم صرحَ مجد شامخ الذرى أقامت أركانه على دماء أبنائها وأرواحهم ورفعت أسسه على الإسلام وتعاليمه، فنزعتم منه حجر الأساس حين نزعتم من رقابكم ربقة الإيمان، فهوى وتفرقتم تحته، فأصبحتم مختلفين بعد الاتفاق، ضعفاء بعد القوة، أذلاّء بعد العز، وطمع فيكم العدوّ فامتلك أزمَّتكم وصرّفكم تصريف العَجْماوات؟ فأولى لكم ما أنتم فيه وأجمل بكم! * * * ألا إننا لم نجد بداً -وهذه هي الحال- من أن نتقدم فنقف من هؤلاء موقف الخصم من خصمه، لا يصوّبون لهذا الدين

стр. 162

سهماً إلاّ رددناه عليهم فجعلناه في نحورهم، ولا ندّخر طاقة في نشر محاسن الإسلام وكشف مفاخر التاريخ ونبش كنوز الأدب، حتى يروا بأعينهم أن التراث العربي (أو بالكلمة الأخرى: التراث الإسلامي) قيّم وجليل، ثم ليرضوا أو ليغضبوا: إذا رَضِيَتْ عنّي كِرامُ عشيرتي ... فلا زال غَضْبَاناً عليّ لئامُها ونحن ظافرون بعون الله مؤيَّدون بقوته، لأننا ندافع عن دينه، ولأنه ليس في هؤلاء مَن يصمد لمقارعة الحجة بالحجة والدليل بالدليل. وما نريد منهم إلا أن يعترفوا بكفرهم وارتدادهم (ونعوذ بالله) أو يكونوا مسلمين حقاً، لا مسلمين جغرافيين (كما يقول سيد المجاهدين الأمير شكيب). وكيف يكون مسلماً من يجهل من الإسلام كل ما جاوز اسمه، ويستحيي أن يقيم شعائره وأن ينتصر له إذا نال منه الجاهلون؟ وقد قلنا لهم: هما ثِنْتان أيها القوم، ولو اجتمع الإنس والجن ما أتوا لهما بثالثة: إما أن تكونوا مسلمين في سرّكم وجهركم وجِدّكم وهَزْلكم وبيوتكم ومجامعكم، وإما أن تخرجوا من الإسلام وتخلعوا ربقته من أعناقكم وتنفضوا منه أياديكم ... وإذن يجد الإسلام عِوَضاً منكم ولا تجدون منه عِوَضاً، لأن ديناً تعهّد الله بحفظه وأهلُه ثلاثمئة مليون (١) لا يضيره أن يصبحوا ثلاثمئة مليون إلا مئة!

стр. 163

هذا هو هدفنا الذي نرمي إليه: نشر محاسن الإسلام، ومحاربة خصومه بأقلامنا وألسنتنا لا بسيوفنا وبنادقنا، ولكنهم سيجدون -بعون الله- كلاماً أشدَّ عليهم من وقع السهام. وما ذاك إلا أننا نكتب حفظاً لغيرهم من الإلحاد، لا طمعاً بهم أن يعودوا إلى الإيمان، ولن يعودوا ... إلا بقوة من الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم. الطنطاوي (أبو الهيثم) * * *

стр. 164

أرجال ... أم نساء ؟ نشرت سنة ١٩٣١ (١) أنا امرؤ لا أعرف إلا الحق سبيلاً، ولا أبالي -إذا ما قلته وأرضيت ربي- أن أُسخط الناس أجمعين. ولقد كنت من أكثر الناس انتصاراً للشباب ودفاعاً عنهم وتأييداً لهم، ولكني وجدت الكَيْل قد طفح والحوض قد امتلأ، ولم يبقَ في الصبر على تأنّثهم بقية، فقذفت بهذه الكلمة في وجوههم. أستغفر الله أن أعني الشبان جميعاً، بل أولئك وحدهم، ولأولئك وحدهم أقول: إذا لم تعجبكم مقالتي فاذهبوا فانطحوا برؤوسكم صخر «قاسيون»، وابتلعوا بأفواهكم ماء «بَرَدى»، فإنكم لا تكسبون -إن فعلتم- إلا قطع رؤوسكم المحطمة، وما يحفل بكم إلا أخرق من أمثالكم. إنني سأقول كلمتي بصراحة وإيجاز، لا أزخرف الجُمَل ولا أنمّق العبارات، فما هو بمَوطن خيال ولا هو بميدان بلاغة، بل هو موقف المُنذر بالشر المستطير والبلاء العميم. وأيّ بلاء

стр. 165

يعدل خُسران الأمة مستقبلَها وضياع استقلالها؟ وأَولى به يضيع إذا رجالُه هؤلاء! ويلَكم، أَساءَكم أن الله خلقكم رجالاً، فأنتم تَسْعَوْن أبداً لتعودوا بنات، وأنتم أبداً تَحُفّون وجوهكم وتُرَجِّلون شعوركم وتطيّبون ريحكم، وتليّنون كلامكم وتُكثرون ابتسامكم، وتَميلون وتُميلون وتَغمزون وتغنجون، وإذا سقطتم تفخرون ولا تستحيون ... و ... ممّا لست أذكره: فظُنَّ شرّاً ولا تسألْ عن الخَبَرِ! * * * «فلان» (وما أكثر أشباه فلان) طالب أعرفه، من أسرة محترمة ذات شرف ووجاهة، دخل «التجهيز» وكأنه في حسن أخلاقه وطيب عنصره وجمال صورته الملاك الطاهر. ولكن الجمال شرٌّ على الطالب، ولا سيّما إذا كان -كصاحبنا- ليّنَ الكلام سهلَ القِياد طيّبَ القلب، لأن جماله يُطمع فيه ذوي الأغراض، ولينه يُبلّغهم منه ما يريدون. عاش صاحبنا حيناً ما ننكر من أمره شيئاً، ثم فسد بين عشية وضحاها، وذلك أنه راح يعاشر ويخالل، فيجره أخلاّؤه من مكان إلى مكان حتى يبلغوا به السينما، وهي مصدر الداء وأصل كل بلاء، فلا يخرج منها إلا ملوَّث السمعة مذموم الأخلاق، وقد كان ممدوح السيرة. وأعلمُ أنا بذلك، فأجهد نفسي في نصحه وإصلاحه، وأبذل وُسْعي لأقنعه بترك من يصاحب، فلا أصنع في ذلك شيئاً رغم ما أوتيتُه من بَسْطة اللسان وقوة العارضة،

стр. 166

ورغم ما هو عليه من سرعة الانقياد، لأن القوم قد ملكوا عليه لُبَّه فلا يكاد يستقل دونهم بتفكير. فأذهب إلى أبيه فأحذّره وأنذره، فيهتمّ بالأمر أياماً ثم ينسى، فأيأس فأدع الولد والوالد وأوليهما ظهري. على أن هذا من صالحي الآباء، وهناك من يضحك إذا قلت له: إن ابنك قد سقط، ويقول: "ما عليه شي، شو هوّه ولد"! كأن النخوةَ قد ذهبت من رؤوس الناس والشرفَ قد امَّحى من الوجود، وأصبحنا إباحيين لا يهمّنا عِرض ولا يردعنا دين! * * * وعلامَ يتجمّل الشبان إذا كانوا رجالاً، وهم يعلمون أن الجمال مفخرة النساء يتقربن به من الرجال؟ وأين آباؤهم وأمهاتهم؟ أهم نائمون غافلون، أم هم يعلمون كل شيء ويسكتون؟ وإن غفلوا عن أبنائهم وناموا عن اللص يسرق أعراضهم، فعلامَ يسهرون ولماذا ينتبهون؟ وكيف يقتل الأب ابنتَه إذا صارت بَغِيّاً، ولا يبالي بابنه يصبح قريباً من ذلك؟ أفلم يَانِ لنا أن نفهم أن هذه عاقبة التجدّد الزائف والرقيّ المزعوم؟ ألم يأنِ لنا أن نفهم أنه لا صلاح لهذا الفساد إلا بالدين، فنعود إليه ونقف عند أمره ونهيه؟ لو رُبِّيَ هؤلاء تربية دينية -يعلمون معها أن التشبه بالنساء حرام- لما نشأ ما كان ممّا نشكو منه اليوم فلا نجد مُشْكياً (١) ولا

стр. 167

مُغيثاً، ولو كان هؤلاء يقيمون الصلاة على وجهها ويعرفون من أمر دينهم ما يجب أن يعرفوا لما سقطوا هذا السقوط الأخلاقي المريع. ألا ليعلم من نزع العلوم الدينية من برنامج «المعارف» أن هذا كله جريمة من جرائمه وسقطة من سقطاته! ألا لتنتبه الأمة إلى تلافي هذا الأمر قبل أن تصبح المدارس كلها مواخير! ألا لا يَدَعَنَّ امرؤ ابنَه يذهب إلى السينمات ولو قالوا له إن فيها رواية أدبية ... كذبوا، ما فيها أدبي وما في أهلها صالح! ولا يغفَلَنَّ عن مراقبة ابنه مهما بلغ. ومن كان من أحلاس (١) السينمات والمقاهي ومن عُبّاد الموضات فاحتقره، ولو كان آباؤه الخلفاء الراشدين وأسرته الأئمة المطهَّرين، وليسمع هذا من له أُذُنان، وسلام على من سمع فوعى. * * *

стр. 168

محاسن الإسلام الصلاة نشرت سنة ١٩٣ (١) لم أجد أسخف ممّن يقول: "نحن لا نحتاج إلى الصلاة لأنها نوع من الرياضة، ولأننا نتريّض كل يوم" ... لأن هذا القائل لم يدرِ ما هي الصلاة. الصلاة رياضة، ولكنها رياضة للنفس الخالدة لا لهذا الجسد الفاني، هي اتصال بالله وانقطاع عن هذا العالم. وإن المصلي لا يزال يرى الدنيا تتضاءل في عينيه وتصغر حتى لا يبقى لها من أثر، فلا يفكر إلا في الله جلَّ وعزّ، مؤمناً بأنه ليس في الوجود من يقدر على نفعه وضرّه إلا هو، ويستقر هذا الإيمان في نفسه ثم يفيض على لسانه فيقول: «لا إله إلا الله»، أي لا موجود غيره يؤثّر في هذا الكون، فلأرجعنَّ إليه ولأقِفَنَّ ببابه وعند أمره ونهيه، فإذا فعلت أغناني وأرضاني وأبلغني من كل شيء ما أريد. هذه هي الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، فلا يُقْدم

стр. 169

عليهما من يعلم أن الله مطّلع عليه وأنه سيقف عما قليل بين يديه، وأنه إن سأل عباده ولم يسأله كان كالذي يدخل على الملك فلا يسأله حاجته ثم يخرج فيتوسل إلى خادمه ويطلبها منه، ولا يقدر عليها هذا إلا بأمر سيده! لقد اختلفوا في عقاب تارك الصلاة، ولكن أكبر عقاب له هو حرمانه من هذه اللذة العظيمة، لذة الإيمان والاطمئنان التي لا توصَف ولا تدرَك بوصف: لا يعرف العشقَ إلا مَن يكابده ... ولا الصَّبابةَ إلا من يعانيها المصلي جريء شجاع، لا يرهب مخلوقاً ولا يطمع فيه لأنه يسمع صوت الخالق يدعوه أن سلني أُجِبْك، واطلب مني أُعْطِك، وادعُني أستجِبْ لك. أفتدع الله وتقصد العبد الضعيف؟ * * * المصلي إنسان كامل رقيق الشعور حي العاطفة، لأنه يفيق كل يوم سَحَراً، والليل خاشع ساكن، والكون صامت هادئ لا يُسمَع فيه إلا صدى صوت المؤذن العذب، فيرى جمال الطبيعة ويشهد ساعة التجلي والنور، في حين أن تارك الصلاة يغط في نومه غطيط البَكْر! (١) المصلي صادق المواعيد قوي الإرادة، لأنه يريد النهوض،

стр. 170

فيدع فراشه الوثير وما فيه من راحة ودفء ثم يعمد من فوره إلى الماء البارد، في حين أن تارك الصلاة يريد أن يقوم، فلا يزال يتمطّى كالكلاب ويقوم ويقعد كمن به مَسّ، فإذا ترك السرير استقبل الأريكة، وإذا قام عن الأريكة ابتدر الكرسي! ومن أراد أن يطلب من تارك الصلاة وفياً مخلصاً كان كطالب من الماء جذوة نار! فإنه ليس في الناس من يقدر على التدليل والإثبات بأن الصلاة مُضرّة أو غير لازمة، بل هو يعترف بفائدتها ويتركها. إنه يضر نفسه، ومن ضَرَّ نفسه فأَوْلى به أن يضر غيره، ومن لا يفي لربه بخمس صلوات في اليوم لن يفي لأمته وبلاده. الصلاة ليست ركوعاً وسجوداً وقياماً وقعوداً، بل إن هذا كله بمثابة الجسد منها، أما روحها فهي الخشوع؛ فمن لم يخشع في صلاته كان كمن يرفع إلى الله جسداً ميتاً، ولا خشوع لمن عقله في بيته أو دكانه، وفي تجارته أو ولده. * * * لا تحاول أن تقنع تارك الصلاة بلزومها وتسرد له فوائدها وما ورد فيها، بل اسعَ لتذيقه لذّتها. وكثيراً ما كنت أنصح الرجل ثم أضطر أن أقول له: لو كنتَ تفهم ما أقول عذرتني ... أو كنتُ أطمع أن تبوء عذلتُكا لكنْ جهلتَ مقالتي فعذلتني ... وعلمتُ أنك جاهل فعذرتُكا وصلى الله على محمد، لقد كانت قرة عينه في الصلاة. * * *

стр. 171

الفاجعة نشرت سنة ١٩٣١ (١) لقد وقعت الواقعة في طرابلس (٢) ... لقد داسوا على المصاحف، لقد شتموا الرسول، لقد قتلوا الرجال وهتكوا أعراض النساء ونصَّروا الأطفال. لقد سخروا من الموت وأتوا كل منكر وفظيع! كل ذلك نزل بالمسلمين في طرابلس الغرب، وهم إخواننا يعبدون الله ربنا، ويصلّون إلى الكعبة قبلتنا، وينطقون بالعربية لغتنا، وما حل بهم يَحِلّ بنا، فماذا صنعنا من أجلهم؟ وبماذا ساعدناهم؟ هل بعثنا بالمال إلى منكوبيهم؟ هل قاطعنا بضائعَ ظالميهم؟ هل أرسلنا الاحتجاجات -وقلّما تنفع- على ما نزل بهم؟

стр. 172

لا، ولكنّا قمنا بأعظم منه: خطبنا خطبتين، وسرنا في مظاهرة خطوتين، ثم نسينا كل شيء! إلا إن فاجعتنا بنسياننا أمرَ إخواننا أَجَلُّ من فاجعتهم بما وقع عليهم. اللهمّ ردّنا إلى دينك وقوِّنا به، آمين. * * *

стр. 173

ما وراء الأكمة نشرت سنة ١٩٣١ (١) لقد كان لنا بد من كتابة هذا المقال قبل أن يستفحل الأمر ويعم البلاء، أما وقد كان كل ذاك فلا بد من الصدع بالحقيقة والجهر بها، حتى يعلم الناس أن كثيراً من هذه الفحوص وهذه الامتحانات إنما تنطوي على الخديعة وتُبنَى على الباطل، وأن كثيراً من حَمَلة الشهادات ما أخذوا شهاداتهم لتبريز في علم أو نَبْغ في فن، ولكنّما هو النَّبْغ في فن الاحتيال والمهارة في صناعة «الالتماسات»، وإلى القارئ البيان: قرأت مرة -ولا أذكر أين ولا لِمَن- هذه الكلمة: «إن بلاء البشرية وتأخر العلم إنما سببه هذه الشهادات»! وأذكر أنني عجبت منها وحسبت أن بصاحبها جِنّة، وإلاّ فعلامَ يكون الفساد نتيجة الصلاح والشرّ ثمرة الخير؟ وهل يكون في نبذ الشهادات إلا إهمال العلم والقضاء على أهله؟ ثم كَرَّت الأيام وتبدلت على مسرح الحياة فصولٌ إثر فصول، فإذا ما كنت أنكره أنا أشدّ الناس إيماناً بصحته ودفاعاً

стр. 174

عنه. إن الشهادة أول مرحلة من مراحل العلم، ولكن هنالك من يحسبونها آخرها! وهل للعلم من آخر؟ لم يحظَ بالعلم طُرّاً أحدٌ (١) ... لا ولو مارسه ألفَ سنه إنّما العلمُ كبحر زاخر ... فاتَّخِذْ من كل شيء أحسنَه سقراط شيخ الفلاسفة، الذي أنفق في سبيل العلم حياته، قال حينما أدركته الوفاة: الآن علمت أني لا أعلم شيئاً. ونيوتن العلامة الإنكليزي قال: إننا في العلم كأطفال على شاطئ بحر زاخر، يقذف إليهم الموج حين يموج بقِطَع من الصدف فيحسبونها كل ما في البحر، وفي البحر ما تعلم. فإذا كان هذا حظ نيوتن وأمثال نيوتن من العلم، فما هو حظك أنت أيها العلاّمة الجليل صاحب شهادة البكالوريا والليسانس (٢)؟ على أن الأمر لم يقف عند هذا الحد، حد ضرر الشهادات على العلم، ولو وقف لكان نصيبنا فيه نصيب عباد الله جميعاً. ولكنّ هناك شيئاً نميز منهم به، وهو أن الفحوص أيضاً لا تكاد تتم على عدل. وما أحب أن أطيل فأقول: إن مصدر الشر أمران: الالتماس والاحتيال. أما الالتماس فحدِّثْ عنه ولا حرج ولا إثم، بل قل إن شئت -وأنت صادق- إن الالتماس فوق الكفاية وفوق الحق وفوق كل

стр. 175

شيء، وإن قرابة كبير وصحبة وزير خيرٌ لصاحبها من علم العالمين وذكاء الناس أجمعين، وما في الناس من يجهل هذا. وأما الاحتيال فعلى لونين: الاحتيال في الفحص، والاحتيال خارج الفحص. فالاحتيال في الفحص تتجلّى فيه العبقريات ويبدو الذكاء، ولولا أن يكون تعدادي هذه الطرقَ مُعرِّفاً بها مَن لا يعرفها لفعلت. وأما الاحتيال خارج الفحص فلا يكاد يقف عند حد. * * * على أن الذي يهمنا هو البحث في طريق الإصلاح، وهذا بعض ما ينبغي على الوزارة الاهتمام به: ١ - مراقبة الطلاب أثناء الفحص. ولا بد لذلك من تهيئة مراقبين أوفياء، وإفهام الطلاب قيمة الأمانة وأهمية الصدق والإخلاص. ٢ - مراقبة المدارس الأهلية الثانوية والإشراف على فحوصها، حتى تتم التسوية العلمية (وما لها الآن من وجود) بين صفوفها وصفوف مدرسة التجهيز الحكومية. ٣ - أخذ العهود والمواثيق على أُمَناء أسئلة الفحص أن لا يخبروا بها أحداً من الطلاب، وإنهم الآن ليُخبرون! ٤ - تأليف لجنة في وزارة المعارف تسمى «لجنة الفحوص» لتتولى تحقيق هذا المشروع وتأمين الغرض الأصلي من الفحص. وما هذا كله إلا طرف يسير مما هو في الحقيقة والواقع، وربما عدنا وأسهبنا وفصّلنا ما أوجزناه هنا وأجملناه. * * *

стр. 176

في سبيل المقاطعة نشرت سنة ١٩٣١ (١) الأمة قد تعاقدت على المقاطعة، فمن قصر فيها أو حاد عنها فقد نقض العهد، ومن نقض عهد الأمة فهو: خائن! أقولها لا أجمجم (٢) فيها القول، وأرسلها إرسالاً لا أبالي على أي رأس وقعت! وإنهم ليقولون: المقاطعة فشلت. خَسَأ هؤلاء، إن شيئاً تريده الأمة لا تستطيع قوة في الدنيا أن تحول بينها وبين إكماله، وما اختصمت الأمة وقوة أخرى، حكومةً كانت أو شركة أو هما معاً، إلا كان الظفر -كما يقول أحد كتّاب الثورة الفرنسية- للأمة لا محالة. ولا غرو، فالحكومة إنما تسطو وتحكم وتأمر فتُطاع لأن الأمة قد منحتها شيئاً من سلطتها وخوّلتها حق ممارستها، وما مثلها ومثلها إلا كمثل إخوة كُثُر ورثوا عن أبيهم أراضي وقصوراً فوكّلوا واحداً بأمر إدارتها وتنظيمها، فقام بذلك

стр. 177

على أحسن ما يقوم به وكيل، ثم قال لهم: هذه الأرض أرضي لا ينازعني فيها منازع وما لكم منها شيء! فإذا جَبُنوا عنه وهابوه خسروا مالهم وأضاعوه، وإن ثاروا به فطردوه أخذوا إرثهم واستعادوه. فلا خوف على المقاطعة من تدخّل الحكومة ما دامت لا تملك ذلك السلاح الذي تقلب به الحق باطلاً وتنزع به من القلوب إيمانَها، وما دمنا نجاهد بإيماننا الذي لا يتزعزع وبقلوبنا التي لا ترضى بالاستقلال بديلاً، وما دمنا نطالب بحق لنا صريح، ولا بد للحق أن يظفر ولو بعد حين. المقاطعة مظهر من مظاهر هذا الإيمان وشكل من أشكاله، ولا يضيرها أن يهملها فلان من الصحفيين أو علاّن من الموظفين أو غيرهما من رجال الحكومة البارزين، لأن هؤلاء كافرون بعهد الوطنية، وليس بعد الكفر ذنب! * * * إننا ينقصنا خلق التضحية، فلنتعلمه، ولنحمل بعضاً من الألم والشقاء في سبيل المصلحة العامة. إن الأمة الحية توقد السّراج لتنبذ شركة أجنبية كهذه، طمّاعة متعجرفة تأكل خبزنا وتسخر منا! (١) والأمة الحية تلبس جلود الحيوان إذا كان كل ما يُلبَس من صنع أمة تؤذيها وتضرها كأمة إيطاليا! (٢)

стр. 178

قُطعت ذراع أحد الصحابة في غزوة وبقيت معلَّقة بكتفه بجلد رقيق فعاقته عن القتال، فوضع أصابعها تحت قدميه ثم تمطّى حتى تقطعت، فألقاها كما يلقي الخشبة وعاد إلى جهاده ... هذه هي التضحية التي يُسمَّى صاحبُها بطلاً من أبطال التاريخ وعظيماً من عظماء الدنيا، فماذا يُسمَّى من يتقاعس عن تضحية بسيطة في سبيل الوطن؟ ماذا يُسمّى من يشعل الكهرباء أيام المقاطعة؟ خائن! وليسقط الخائنون وليقاطعهم الناس أجمعون. * * *

стр. 179

افتتاحية مجلة «البعث» نشرت سنة ١٩٣١ (١) اللهم عونك وغفرانك، الحمد لك والصلاة على رسولك، والإنابة إليك، والحول والقوة بك، لا إله إلا أنت سبحانك. أما بعد، فطالما انتظرت هذه الساعة لأكتب فيها مقدمة المجلة الإسلامية، وطالما بذلت في سبيل الحصول عليها من جهد وحملت من عناء، ثم ما كنت أقدر على شيء، حتى حسبتني أنفخ في رماد وأدعو ميتاً، وكدت أيأس ... لولا أن تدراكَنا الله بهذه المجلة، فله الحمد معطياً ومانعاً. إن غاية «البعث» لا تخرج عما يراه القارئ في عنوانها: «بيان

стр. 180

محاسن الإسلام، والرد على أعدائه، ونشر التاريخ الإسلامي والأدب العربي»، فإذا وجدَت السبيلَ إلى هذه الغاية لم تنظر إلى غيرها. وسواءٌ لديها حين تنصر مشروعاً إسلامياً أكان صاحبه زيداً أم كان عَمْراً. وسواء لديها حين تردّ على عدو للإسلام أكان ذلك العدو مبشِّراً كافراً، أم مجدِّداً ملحداً، أم قاديانياً مرتداً، أم شيوعياً رقيعاً، أم سفورياً فاسقاً، أم حشوياً جاهلاً ... وهي تَحْملهم جميعاً على خطة واحدة، فتسوق لهم الأدلة والبراهين على صحة ما تدعوهم إليه وبطلان ما هم فيه، فإذا اتّبعوا الحق وتابوا إلى الله وأنابوا كفَّتْ عنهم، وإن أبَوا إلا إصراراً ومكابرة فضحَتهم وكشفت للناس عن حقيقتهم، حتى يعرفوهم فلا ينخدعوا بهم. وهي تُصغي إلى كل نقد صادق وتفتح له أبوابها، وتُعرض عمّا لم يكن فيه إلا الحسد والذم والهراء. ومن سنن «البعث» التي تحرص عليها الأسلوب البيّن الذي يتفق مع أَفهام الناس ويتواءم مع أذواقهم، فهي ترجو من كتّابها أن لا يجعلوا مقالاتهم ركيكة عامية مَرذولة، ولا قطعاً أدبية مَلأى بالأخْيِلَة والتشابيه، ودواوين لغوية فيّاضة بالعويص والغريب، بل مقالات وقصصاً نافعة جميلة لا يملّها قراؤنا ولا يمرون بها دون أن يستفيدوا منها، أو ما هو قريب منها. * * *
следующие страницы →