في سبيل المقاطعة
نشرت سنة ١٩٣١ (١)
الأمة قد تعاقدت على المقاطعة، فمن قصر فيها أو حاد عنها فقد نقض العهد، ومن نقض عهد الأمة فهو: خائن!
أقولها لا أجمجم (٢) فيها القول، وأرسلها إرسالاً لا أبالي على أي رأس وقعت! وإنهم ليقولون: المقاطعة فشلت. خَسَأ هؤلاء، إن شيئاً تريده الأمة لا تستطيع قوة في الدنيا أن تحول بينها وبين إكماله، وما اختصمت الأمة وقوة أخرى، حكومةً كانت أو شركة أو هما معاً، إلا كان الظفر -كما يقول أحد كتّاب الثورة الفرنسية- للأمة لا محالة. ولا غرو، فالحكومة إنما تسطو وتحكم وتأمر فتُطاع لأن الأمة قد منحتها شيئاً من سلطتها وخوّلتها حق ممارستها، وما مثلها ومثلها إلا كمثل إخوة كُثُر ورثوا عن أبيهم أراضي وقصوراً فوكّلوا واحداً بأمر إدارتها وتنظيمها، فقام بذلك
стр. 177
على أحسن ما يقوم به وكيل، ثم قال لهم: هذه الأرض أرضي لا ينازعني فيها منازع وما لكم منها شيء! فإذا جَبُنوا عنه وهابوه خسروا مالهم وأضاعوه، وإن ثاروا به فطردوه أخذوا إرثهم واستعادوه.
فلا خوف على المقاطعة من تدخّل الحكومة ما دامت لا تملك ذلك السلاح الذي تقلب به الحق باطلاً وتنزع به من القلوب إيمانَها، وما دمنا نجاهد بإيماننا الذي لا يتزعزع وبقلوبنا التي لا ترضى بالاستقلال بديلاً، وما دمنا نطالب بحق لنا صريح، ولا بد للحق أن يظفر ولو بعد حين.
المقاطعة مظهر من مظاهر هذا الإيمان وشكل من أشكاله، ولا يضيرها أن يهملها فلان من الصحفيين أو علاّن من الموظفين أو غيرهما من رجال الحكومة البارزين، لأن هؤلاء كافرون بعهد الوطنية، وليس بعد الكفر ذنب!
* * *
إننا ينقصنا خلق التضحية، فلنتعلمه، ولنحمل بعضاً من الألم والشقاء في سبيل المصلحة العامة. إن الأمة الحية توقد السّراج لتنبذ شركة أجنبية كهذه، طمّاعة متعجرفة تأكل خبزنا وتسخر منا! (١) والأمة الحية تلبس جلود الحيوان إذا كان كل ما يُلبَس من صنع أمة تؤذيها وتضرها كأمة إيطاليا! (٢)
стр. 178
قُطعت ذراع أحد الصحابة في غزوة وبقيت معلَّقة بكتفه بجلد رقيق فعاقته عن القتال، فوضع أصابعها تحت قدميه ثم تمطّى حتى تقطعت، فألقاها كما يلقي الخشبة وعاد إلى جهاده ... هذه هي التضحية التي يُسمَّى صاحبُها بطلاً من أبطال التاريخ وعظيماً من عظماء الدنيا، فماذا يُسمَّى من يتقاعس عن تضحية بسيطة في سبيل الوطن؟ ماذا يُسمّى من يشعل الكهرباء أيام المقاطعة؟ خائن! وليسقط الخائنون وليقاطعهم الناس أجمعون.
* * *
стр. 179
افتتاحية مجلة «البعث»
نشرت سنة ١٩٣١ (١)
اللهم عونك وغفرانك، الحمد لك والصلاة على رسولك، والإنابة إليك، والحول والقوة بك، لا إله إلا أنت سبحانك.
أما بعد، فطالما انتظرت هذه الساعة لأكتب فيها مقدمة المجلة الإسلامية، وطالما بذلت في سبيل الحصول عليها من جهد وحملت من عناء، ثم ما كنت أقدر على شيء، حتى حسبتني أنفخ في رماد وأدعو ميتاً، وكدت أيأس ... لولا أن تدراكَنا الله بهذه المجلة، فله الحمد معطياً ومانعاً.
إن غاية «البعث» لا تخرج عما يراه القارئ في عنوانها: «بيان
стр. 180
محاسن الإسلام، والرد على أعدائه، ونشر التاريخ الإسلامي والأدب العربي»، فإذا وجدَت السبيلَ إلى هذه الغاية لم تنظر إلى غيرها. وسواءٌ لديها حين تنصر مشروعاً إسلامياً أكان صاحبه زيداً أم كان عَمْراً. وسواء لديها حين تردّ على عدو للإسلام أكان ذلك العدو مبشِّراً كافراً، أم مجدِّداً ملحداً، أم قاديانياً مرتداً، أم شيوعياً رقيعاً، أم سفورياً فاسقاً، أم حشوياً جاهلاً ... وهي تَحْملهم جميعاً على خطة واحدة، فتسوق لهم الأدلة والبراهين على صحة ما تدعوهم إليه وبطلان ما هم فيه، فإذا اتّبعوا الحق وتابوا إلى الله وأنابوا كفَّتْ عنهم، وإن أبَوا إلا إصراراً ومكابرة فضحَتهم وكشفت للناس عن حقيقتهم، حتى يعرفوهم فلا ينخدعوا بهم. وهي تُصغي إلى كل نقد صادق وتفتح له أبوابها، وتُعرض عمّا لم يكن فيه إلا الحسد والذم والهراء.
ومن سنن «البعث» التي تحرص عليها الأسلوب البيّن الذي يتفق مع أَفهام الناس ويتواءم مع أذواقهم، فهي ترجو من كتّابها أن لا يجعلوا مقالاتهم ركيكة عامية مَرذولة، ولا قطعاً أدبية مَلأى بالأخْيِلَة والتشابيه، ودواوين لغوية فيّاضة بالعويص والغريب، بل مقالات وقصصاً نافعة جميلة لا يملّها قراؤنا ولا يمرون بها دون أن يستفيدوا منها، أو ما هو قريب منها.
* * *
стр. 181
على إثر الخسوف:
احتجاجاتنا كطبولنا !
نشرت سنة ١٩٣١ (١)
ليلة الأحد في منتصف جمادى الأولى سنة ١٣٥٠:
عدت إلى منزلي، ومنزلي في شارع بغداد على شاطئ الغوطة (٢)، والشمس قد عادت إلى خِدْرها فهي تسحب عن الشارع ذيلها الأخير، فيُرى للسائرين فيه ظلالٌ مستطيلة كأنما هي ظلال الأشجار الباسقة التي تكتنف الشارع من ضفتيه، وتبدأ منهما فلا تنتهي إلا على حدود البادية، فيكون منها هذه الجنة الفَيْنَانة التي حفزت بجمالها الفاتحين إلى امتلاكها منذ فجر
стр. 182
التاريخ، والتي سقاها المسلمون بدمائهم يوم الفتح بعد بدر، ويوم الثورة بعد ميسلون.
لبثت ساعة في شرفتي أطلّ على هذه الخمائل المتتالية، فترجع بي إلى الماضي، وأرى صورَه تَتَابَعُ أمام عيني فتلهيني عن الشارع الفيّاض بالآنسات والآنسين المتكشّفات والمتكشّفين! وتشغلني عما هناك من حديث وقهقهة وغناء ... ثم تتكاثر عليّ فأقوم إلى غرفة المكتبة -وقد اتخذتها في الجانب الآخر من المنزل، جانب الحقول الهادئة والطبيعة الساكنة، لأنعم بسكونها وجلالها- وجلست أفكر، فرأيت أن هذا القصر العظيم الذي لمحته من خلال الذكرى قد انهار وتداعى، فقلت في نفسي: ما تصنع أمة مُرَزَّأة؟ وماذا أعدت من وسائل الدفاع و ...
ولكني لم أتمّ كلمتي حتى سمعت الفونوغراف (١) من دار أحد الجيران، فقلت: هذه أول وسائل الدفاع! ثم سمعت من الشارع: "يا ليل يا ليل ... "، فقلت: هذه الثانية. ثم: طا، طي، طا، طب طب، طي، طا ...
ماذا حدث؟ أزُلزلت الأرض زلزالها؟ أقامت الساعة؟ وإنّي لفي دهشتي وارتياعي وإذا بي أرى الجيران قد عمدوا إلى طِباق الغسيل و «تنكات» الماء والطبول، فانهالوا عليها ضرباً وقرعاً.
стр. 183
لماذا؟ ليطردوا الحوت الخبيث الذي جاء يفترس القمر!
* * *
دعهم يضربوا ما أرادوا وتعال نتحدث. لا أتحدث إليك عن الحوت أهو حقيقة أم خرافة، هذا لا يهمني، ولكن أخبرني: لو كان في السماء حوت وعمد إلى القمر يريد أن يأكله، هل كان يخاف من طبولنا؟ هل كانت تُنتج إلا إتعاب أنفسنا وتثقيب آذاننا وإزعاجنا؟ إذن فعلامَ هذا العمل؟ إنك تقول ولا شك: إنه سخف!
ولكن يا سيدي، أليس مثله احتجاجنا وبرقياتنا ومراجَعاتنا؟ أليست كلها سخفاً في سخف ما دامت لا تنفعنا، ولا تردّ علينا بلادَنا المغصوبة ودماءنا المُهراقة وأموالَنا الضائعة؟
قتل الطليان المسلمين، ألقوا الزعماء من الطيّارات، هتكوا أعراض النساء، داسوا على المصاحف، سبّوا محمداً ﷺ ، فعلوا بالمسلمين كل منكر وأتوا معهم كل فظيع، فماذا صنعنا؟ احتججنا، كتبنا المقالات الحامية، خطبنا الخطب النارية، ثم نسينا كل شيء، ورجعنا نشتري بضائع الطليان وندفع لهم أموالنا جزاء ما فعلوه!
حُكي أن أعرابياً أرسلته أمه ليرعى مئة من الإبل، فعرض له لص يريد أخذها، فتغافل عنه وتركه، حتى إذا ذهب بها وقف يسبّه ويشتمه، ثم عاد إلى أمه فقال لها: «أوسعتُه شتماً وأَوْدى بالإبل»! وهكذا نحن؛ إنّ احتجاجاتنا على الظالمين كاحتجاجنا على الحوت، ومقالاتنا كطبولنا!
стр. 184
انتهى الاحتجاج وانتهى ضرب الطبول، ونمنا مرة ثانية لنستريح من آلام الجهاد، ولكن الحوت لا يزال في السماء وإيطاليا لا تزال في الأرض، ولم يتغير شيء، وضحك منّا العالم وعلم أننا أمة خطب ومقالات ... الله يعطينا العافية!
* * *
اعلموا -يا سادتي القراء- أن الجهاد ليس هذه الجعجعة الفارغة التي تسمعونها من بعض الشباب في «الأموي» عقب صلاة الجمعة، ولا هذه المظاهرات الزائفة التي ترونها تخرج منه فتمشي خمسين متراً ثم تضمحلّ! ولا هذه المقالات التي تقرؤونها ... بل هو «المقاطعة الاقتصادية»، فما هو رأيكم فيها؟
تقولون: إنها حسنة جداً، عظيم. ولكن اسمحوا لي أقل لكم: إنكم أمة كلام! وإلا فهل تتعاهدون على أنكم لا تشترون بضاعة طليانية ولا فرنسية ولا إنكليزية مهما كانت ضرورية، وعلى أنكم تقاطعونها مهما كانت حاجتكم إليها؟
أوَنبقى دائماً واحتجاجاتنا كطبولنا؟ ونبقى مشغولين بسماع الفونوغراف والغناء عن البلاد والواجب والعمل؟ الجواب لديكم يا سادتي القراء.
* * *
стр. 185
من رسائل العطلة
نشرت سنة ١٩٣١ (١)
إلى صديقي «م»:
سأحدثك في هذه الرسالة جَمّ الأحاديث، ولكني لا أرتبها وأنمقها وأهيئ الأفكار التي سأفضي بها إليك، بل أسوق لك كل ما يخطر على بالي بأسلوب واضح بيّن، لا أبدل فيه كلمة بكلمة ما دامت الأولى وافية بالغرض دالّة على المعنى، وما أريد أن أبعث إليك بمباحث أدبية وعبارات شعرية، ولكن برسائل.
لا أدري من أين أبدأ أحاديثي الكثيرة التي تجيش بها نفسي، ويحق لي أن لا أدري، لأنني أصبحت أشعر في هذه الأيام بضيق في صدري عظيم، وتعب في جسمي مُضْنٍ، ولعل سبب ذلك اضطراب أفكاري وقلة العمل إبّان العطلة الصيفية. وأنت تعلم ما يداخل الشاب من وساوس وآلام إذا كان خالياً من عمل يملأ وقته ويستنفد جهده، وتعلم ما هي أضرار البطالة وأثرها في نفس صاحبها. وما أدري كيف يحسبها أناسٌ غايةَ السعادة، وما هي إلا غاية الشقاء ... لو كان للشقاء غاية!
стр. 186
لماذا نشقى في الحياة؟ وما هي سبيل السعادة؟ فكرت في هذا طويلاً، ثم علمت أن سبيل السعادة أن لا نذكر ولا نتأمل، فالذكرى والأمل باب الشقاء، وما كان دانتي مخطئاً حين قال: «إن ذكرى اللذات الماضية تؤلمنا». ولكن هل نقدر على ذلك؟ هل أستطيع أن أقف بنفسي عند الحاضر وحده؟ هل أقدر أن أتجرد من الماضي وهو كامن فِيّ؟ هل أطيق أن أغمض عيني عن التفكير في المستقبل وبذورُه مخبوءة في طيّات الحاضر؟ هل نتمكن من اتّباع الشاعر الذي يقول:
ما مضى فات والمؤمَّل غَيْب ... ولك الساعةُ التي أنت فيها
لا، وما النفس البشرية إلا سيّال دائم الحركة، ومَن حاول أن يقف بفكره عند حد واحد فقد حاول أن يصبح بلا فكر. الحياة أخت الشقاء، تلك سنّة الله.
ولكن إذا كانت الذكرى سبب الألم فإن الأمل يُزيل هذا الألم، ولو رأيتَني -يا صديقي- وأنا أفكر ساعةَ أضطجع في فراشي في المستقبل، وأبني لنفسي -كما يقول المثل الفرنسي- قصوراً في إسبانيا! ولكني أبنيها على أساس متهافت، على الشهادة ... ومتى كانت الشهادة سبب السعادة؟ إني لأذكر آمالنا التي بنيناها على تحصيل البكالوريا يوم كنا نُحيي الليالي الطِّوال من أجلها، وكيف انهارت هذه الآمال كلها ساعةَ أخذناها فما وجدنا إلا ورقة لا تضر ولا تنفع، ولا تدل إلا على أن حاملها جاهل مركَّب أو عالم مغرور!
* * *
стр. 187
لقد أُنسيتُ يا صديقي أن أسألك: كيف أنت؟ وهل أنت مطمئن إلى حياتك ساكن إليها، أم أنت متبرِّم بالعيش ضَيِّق الصدر؟ وهل أنت في مَصِيفك -بين الجبال والأنهار والسهول والمروج- أسعد حالاً مني وأنا غارق في لُجّة المدينة؟ وهل الطبيعة -كما يقولون- سر السعادة وبابها؟ أما أنا فأحسب ذلك خيالاً، وأعتقد أن الإنسان لا ينظر إلى الطبيعة إلا بعين بصيرته. فالرجل المتألم الضَّجِر يرى الطبيعة باكية كابية، والسعيد الطَّرِب يراها باسمة بهيّة، وما تغيرت الطبيعة ولكن نحن تغيرنا! (١)
وإني لأجد مناسبة لأقول لك: ما أشدَّ بلاهَةَ الكتّاب والمعلمين الذين يحسبون الوصف تصويراً، ويريدون ممّن يصف رَوْضة أن يضع لها مخططاً ويكتب لها وصفاً ثابتاً، في حين أن المخطط يدل على الروضة كما هي في ذاتها، والوصف يدل على الروضة كما هي في نفس الواصف ... وشتّان بين من يرى الشيء على الأرض وبين من يراه في مرآة نفسه! ولو كان
стр. 188
القمر كما وصفه ابن المعتز والمنفلوطي في مناجاته لما كان للقمر هذه الصورة الحسناء في نفوسنا. وماذا يعنيني من القمر إذا كان كالعروس وهذه الأَنْجُمُ أَترابُها، أو كالملك وهي خُدّامه؟ وماذا يعنيني إذا كان زورقاً من فضة قد أثقلته حمولة من عنبر أو كان غير ذلك؟ إن كل ما يعنيني من القمر -حين أصفه- هو ماضيَّ الذي يثيره في نفسي، ذكرياتي التي أحسّ بها عند رؤيته، آمالي التي يُهيجها في صدري منظره ... وما سوى ذلك فسخف في سخف! فكيف نمدح الكاتب بعد هذا فنقول: هو مصوِّر؟!
* * *
لقد صار موعد مطالعتي، فاسمح لي أن أقطع هذه الرسالة التي ما أدري: أتحمل إليك شيئاً جديداً أم لا تحمل إلا تصديع رأسك بتلاوتها؟ وإلى الغد.
* * *
стр. 189
ذكرى يوم الاستقلال
نشرت سنة ١٩٣١ (١)
[لم يبقَ في أيدينا إلا الذكرى، فعودوا بنا نفتح بيد الذكرى ثلاث عشرة صفحة من سجلّ الحياة طوتها يد القدر، تعالوا نحدّق إلى ظلمات الماضي، حتى نرى من خلال الدموع شبح هذه الذكرى الأبيض المنير. انظروا إليها، إنها تتغلغل في ضباب الماضي الفاحم، ويلفّها الزمان بأردية النسيان ليلقيها في هوّة العدم. ولكنه لا يستطيع، إن يوم الاستقلال ليس يُنسَى.]
إني لأذكر: كان القمر يرسل أشعته الكابية فلا تقوى على تبديد ظلمة الليل، فلما كان الفجر، فجر يوم الاستقلال، توَّقد وأضاء، بل لقد استحال بدراً. وكانت المدينة خاشعة ساكنة، لا تسمع في أرجائها نَامَة (٢) ولا يَبين بين جنباتها صوت. فلما كان الفجر، فجر يوم الاستقلال، أفاقت فَرِحة مَرِحة سعيدة طَرِبة، وأضحى كل شيء فيها يقول: أنا حي، أنا متيقظ، أنا مستقل!
стр. 190
بزغت الشمس، ولكن لا كما تبزغ كل يوم؛ لقد شهدتها -وكنت طفلاً في العاشرة- أكثرَ اتّقاداً وتوهجاً، حتى لقد أضاءت جوانب الزمان فرأيت على نورها جلال مُلْك أميّة الداثر، وأنصتَت الصخور من قاسيون، ووقفَت الأمواهُ من بردى، وسكت كل ما في الكون ليسمع الكلمة الخالدة: «إعلان استقلال سوريا» ... لا، بل «إعلان الاستقلال العربي»!
* * *
إني لأذكر: كان مرفوعاً بألوانه الأربعة على بناء البلدية. خفق، فخفقت معه قلوبُ أمّة في الشام وأمم في الجزيرة والعراق. علا، فرفعوا رؤوسهم فخراً، ثم أحنوها له إعظاماً. بدت ألوانه الأربعة، فكانت رمزاً لأعلام أربعة ركبت هامَ الدهر قروناً (١)، وظهر نجمُه الوضّاء فكان نجم الأمل، نجم الاستقلال، نجم الظفَر.
إني لأذكر: الأعلام العربية، أقواس النصر، أمارات البشائر ... في كل مكان وعلى كل وجه ولسان. شيب وشبّان، رجال ونسوان، بنات وصبيان، في الطرقات وعلى السطوح، تشهد المظاهرات الشعبية وتردد نشيدها ... أصوات تبلغ السماء، هتاف يهزّ الفيحاء، تدافع بالمناكب وتزاحم بالأقدام، هرج ومرج.
стр. 191
أقامت الساعة؟ أزُلزلت الأرض زلزالها؟ أكان يوم الحشر؟ لا، فما على الوجوه إلا سيماء الفرح والطرب، إذن فماذا؟ إنه يوم الاستقلال.
* * *
الاستقلال العربي، سقى الله ذكراه! لقد مرّ عليها عشرة أعوام وعام، ها هي تبدو بثوبها الأبيض الناصع تتغلغل في ظلمات الماضي، ها هي قد وقفت على رأس المرحلة الثانية عشرة، فالتفتت لترى ماذا حل بنا بعدها، ثم تحولت عنا ومقلتاها تفيضان بالدمع. الاستقلال العربي؟ واأسفاه! لقد فقدناه، لقد أصبح أثراً بعد عين.
أيتها الذكرى، سيري في طريقك ولا تلقي علينا نظراً حتى لا تأسي وتحزني، وما أحزنَ الأمَّ ترى أبناءها مُصفَّدين بالحديد مكبَّلين بالأغلال! لقد سقطنا في أعماق الهاوية، لقد خسرنا الاستقلال وخسرنا كل شيء! لقد عَمَّ الظلام، فهل لهذا الليل من صبح؟ نعم، نعم، نعم ... أكررها ثلاثاً!
فإنْ تَكُنِ الأيّامُ فينا تبدَّلَتْ ... ببُؤْسَى ونُعْمَى، والحوادثُ تفعلُ
فما لَيَّنَتْ منّا قَناةً صَليبة ... ولا ذَلَّلَتْنا للّتي ليس تَجْمُلُ
* * *
يا يوم الاستقلال، سقى الله أطلالك. لقد كنت لنا عيداً فصار عيدك مأتماً! لقد كان يومك هناءنا فصار عزاءنا! لقد تغير كل شيء
стр. 192
وبُدِّلَت الأرض غيرَ الأرض والسماوات، فابقَ في ذمة التاريخ.
يا يوم الاستقلال، لقد فقدناك، فعليك وعلى من فقدنا معك ومن أجلك السلام! (١)
* * *
стр. 193
لا قوة إلا قوة الحق
ولا مجد إلا مجد التضحية
نشرت سنة ١٩٣١ (١)
لقد اتضح الأمر وظهر الخبيء، وعلمنا أن الحارس لص والحامي غاصب، ولكن دمشق لم تمت. كلا، بل هي حية تدافع عن حقها وتبذل مهجتها في سبيل حريتها. ولقد كاد ينفجر البركان، وإذا هو انفجر فسيحرق أعداء الحق فيبيدهم فلا يُبقي لهم أثراً.
لقد رأينا من هؤلاء الطلاب، الذين نخشى عليهم النسيم أن يؤذيهم، أسوداً يفتحون صدورهم للرصاص ويصيحون بخصومهم: اقتلونا، فعلى أجسادنا سيُبنى استقلال سوريا!
* * *
أما بعد، فهذا يوم العمل. هذا يوم يقف فيه الشعبُ بحقه وخصمُه بباطله ليتنازعا، وقد تنازعا، ولكن الحق هو الظافر أبداً. إن للباطل أعواناً ولكن عون الحق هو الله، والله أكبر.
وإذا أتَوْنا بالصفوف كثيرةً ... جئنا بِصَفٍّ واحدٍ لن يُكسَرَا
стр. 194
ذلك هو صف أبناء الوطن، صف يدعمه الحق، صف يؤيده الإخلاص، صف لا يهاب الموت في سبيل الله والوطن! ألا أعدّوا ما شئتم من قوة، من رصاص ومدافع، من رشاشات ودبابات، فسنُعِدّ صدوراً تخفق فيها قلوب تفيض بالإيمان، وتتفجر بالوطنية، وترغب في التضحية ... وسنفتحها لكم.
لا قوة إلا قوة الحق، ولا مجد إلا مجد التضحية، وسيأتي يوم تزول فيه القوة وتَدول فيه الدولة الظالمة، ولا يتبقى إلا الحق. فجاهدي يا دمشق، وها هم رجالك يجاهدون معك ويعرّضون أنفسهم للموت دونك، وها هم أبناؤك الطلاب يحمونك بأرواحهم، وها هي تلك الأرواح الطاهرة، أرواح الشهداء، تخطب من السماء خطبة الوطنية والإخلاص. إن هذه الدماء دفعة جديدة من ثمن الاستقلال، إنها أُريقَت لغسل صفحة الذل التي خَطّها عليها الأقوياء! والله معك، والله أكبر.
* * *
أيها الشهداء، هذه الجنة قد أُعِدَّت لكم فادخلوها آمنين. إننا لن ننساكم أبداً. إنكم خالدون لم تموتوا، ويا ليتني كنت معكم فأفوز فوزاً عظيماً. ويا إخوان الشهداء وأهليهم، إنكم إن خسرتم إخوانكم وذويكم فقد ربحتم شرف التضحية، قد كسبتم حمد التاريخ، قد بؤتم بثواب الله ... وكلنا إخوانكم وذووكم. إننا تجمعنا الآلام وتوحّد بيننا الضحايا. ألا فلنهتف جميعاً: لا قوة إلا قوة الحق، ولا مجد إلا مجد التضحية، وعلى الشهداء السلام.
* * *
стр. 195
يا أمة الحرية
نشرت سنة ١٩٣١ (١)
يا بني السين (٢)! وسواء لديّ أبَلَغَ صوتي -أنا الطالب الضعيف- مسامعكم، أم تكسّرت أمواجه على صخرة القوة فتبددت، لأن المستقبل سيجمعها فيكون لها في نضال سوريا وجهادها دويّ وصدى.
إننا بشر أمثالكم، لنا قلوب تحسّ وعواطف تتألم ولسنا من صخر ولا حديد، فلا تَحْملونا على هذه الشِّرْعة التي يُحمَل عليها
стр. 196
العبيد، فلا والله لن يُعْجِزنا أن نموت أشرافاً إذا نحن عجزنا أن نعيش أشرافاً.
يا أمة الحرية، يا فرنسا، اسمعي! فإني لا أُجَمجم الكلام ولا أديره على وجوهه التي ترضين عنها خوفاً أو طمعاً، فقد والله يئست حتى ما في نفسي مكان لأمل ولا متّسَع لخوف، وما بعد الذي كان يوم الأحد أمل ولا يأس ولا خوف.
لقد قُضي علينا أن نهبط من عليائنا وأن نُسلَب حرّيتنا ونفقد استقلالنا، ولكنه لم يأتِ بعد، ولن يأتي أبداً، ذلك اليوم المشؤوم الذي نخسر فيه إيماننا وشرفنا. فما بالك تسخّرين عبيدك السنغال لإذلالنا وازدرائنا؟ (١) لقد كنا نسير في رابعة النهار -ونحن فريق من طلاب الحقوق- أمام بردى، لا نحمل عصيّاً ولا مسدسات، لا نتأبط إلا كتباً خُدِعنا بها وحسبنا أنها صادقة وأن في الدنيا شيئاً اسمه «الحق»! ففَجَأَنا عبدٌ أسود، فانتهرَنا وسبّنا وكاد يُعمل حربته في بطوننا! أمّا ذنبنا الذي أتيناه فهو أن أيدينا كانت من البرد في جيوبنا، وإذن فنحن نخفي فيها قنبلة تنسف الانتداب من بلادنا!
قد كان هذا ونحن في القرن العشرين، قرن النور والحضارة، وويل له من قرن! لقد كان نوراً ولكن على غيرنا، لقد كانت فيه
стр. 197
حضارة، ولكننا لم نرَ منها إلا المدافع والرشاشات والدبابات، وهاكم انظروا:
في كل رابية جُسومٌ مُزِّقَت ... وبكلِّ نادٍ رنّةٌ وعَويلُ
* * *
يا بني السين: إننا اليوم كما قال ملككم فرنسوا الأول من قبل: «قد خسرنا كل شيء إلا الشرف»، وإذن فلم نخسر شيئاً! ولن تقوى قوة في العالم على سلبنا الشرف والإيمان، فاصنعوا ما شئتم. املؤوا المرجة دبّابات، واقتلوا منّا المئات، واكذبوا فانشروا ما شئتم بلاغات، فكل ما هو آتٍ آت.
قد رأينا الموت وقاسينا الفقر وشاهدنا الخراب، وأصبحت مدينتا بَلْقعاً وأهلها مفجوعين ونساؤها ثاكلات، فماذا نخاف بعد هذا؟ هل بعد الموت منزلة نحابيكم عليها؟ هل عندكم أشدّ من الرصاص؟ فقد فتحنا له صدورنا! هل عندكم أغلى من الأرواح؟ لقد أعددناها ثمناً للاستقلال!
ثمنُ المجدِ دمٌ جُدنا به ... فانظروا كيف بذلنا الثمنا
انظروا كيف سقينا بدمنا صحراء ميسلون وجِنان الغوطة! إن حصاد الدم هو الاستقلال، وإن الشهادة خير بألف مرة من حياة يذلنا فيها العبيد.
حتى العبيد تُذِلّنا في دارنا ... هذا -لَعَمرك- منتهى حدّ الشَّقا
* * *
стр. 198
وبعد يا أيها الأقوياء: إن الهرّة إذا حُبست وضويقت انقلبَت لبؤة، والبركان إن سُدّت فوهته كان الانفجار، والشعب إذا استُذِلّ ثار، والنار ولا العار، وللشهداء عقبى الدار، وستردّون إلى الله الملك الجبار. (١)
* * *
стр. 199
مشاهدات وأحاديث (١)
ما هذا برلمانَ أمة،
هذا برلمان المستعمرين!
نشرت سنة ١٩٣٢ (٢)
أريد أن أكون عند وعدي للقراء، فأبتعد في هذه الفصول عن السياسة وأقصرها على الأدب والاجتماع، ولكن لا أستطيع إلى ذلك سبيلاً.
وما أنا إلا من غَزيَّةَ، إن غَوَتْ ... غويتُ وإنْ تَرْشُدْ غَزيّةُ أَرْشُدِ
стр. 200
وهل للبلاد وأهلها حديثٌ اليومَ إلا حديث الانتخابات؟ وأي انتخابات هذه؟ إنما نسميها على المجاز، وما فيها إلا موظفون يعيَّنون ليجلسوا على هذه المقاعد في هذا القصر الشامخ الذي يسمونه «البرلمان»، ولينطقوا بما يريده هؤلاء الذين عيّنوهم.
أما الأمة، الأمة التي بَرِئَت منهم وأشهدت على براءتها الملأ كله، فإنها تعود اليوم فتُشهد الله والتاريخ أنْ ما هؤلاء بنوّابها ولا اختارتهم وكلاءَ عنها، وليس في العالم قوة تضطرها إلى الاعتراف بهم اضطراراً. ومَن يستطيع أن يحملني أنا على أن أعترف بعدوي وكيلاً عني وأسلمه أمري ليقودني حيث يشاء إذا لم أرضَ به وكيلاً ولا نائباً؟ وهل يستمد النائب قوّته إلا من الشعب؟ وهل فوق إرادة الشعب إرادة (حاشا إرادة الله)؟
يستطيع القوي أن يُلزم الضعيف ما لا يريده ويحمله على الشِّرعة التي يعزف عنها، ويضطر الضعيف إلى الإذعان والامتثال، كل ذلك تستطيعه القوة، ولكنها لا تستطيع أن تجعل الباطل حقاً ولو دافعت عنه بقِراب الأرض مدافع ورشاشات.
فلا يَغُرَّنّ هؤلاء أن أصبحوا نُوّاباً، فكم سجّلَ التاريخ في صحائفه من مجالسَ نُوّابُها من أمثالهم، وكم فرحوا بها وتاهوا، ولكن القدر كان يسخر منهم، ثم أهوى عليها بيده فإذا هو قد حَطَمَ المجلس والنوّاب! إن قوة النائب من قوة الشعب، فإذا خسر هذه القوة لم يكن إلا شخصاً ضعيفاً لا حول له ولا طول.
* * *
كانت دمشق أمس كأنها موسكو حين دخلها نابليون،
стр. 201
وكانت أسواقها خالية ليس فيها إلا هؤلاء الجنود، يجولون ببنادقهم وأسنَّتِهم ليدافعوا عن هذا الانتخاب الحر!
انتخاب يحميه الجنود، ونُوّاب يبلغون المجالس على عواتق الجنود، وأمة تُرغَم على الاعتراف بهم بقوة الجنود! ويل للخائنين!
أبَعْدَ هذا الإضراب الشامل، أبعدَ هذا التضامن العجيب يعودون فيقولون إنهم وكلاء الأمّة! وعلامَ أضربت الأمة وحزنت؟ وعلامَ بذلت نفوسَ أبنائها ودماءهم إذا كانت ترضى بهم نواباً عنها؟ ومن يستطيع أن يرى في دمشق (وغير دمشق) في هذه الأيام وطنياً لا ينطق وجهه بالألم، ويجهر صمته بهذه الشكوى المريرة وهذا الغضب الشديد؟
* * *
كلا، ما هذا برلمانَ أمة، هذا برلمان المستعمرين.
إن الشام أمة لها إرادة، وإرادة الأمة فوق كل إرادة، ليست فوقها إرادة إلا إرادة الله. فاقبضوا رواتبكم مباركةً يا نُوّاب، فما لكم إلا هذا من عمل! أما الأمة فلها نوابها الذين تثق بهم، وما أنتم منهم.
* * *
стр. 202
أندية الطلاب في العالم
نشرت سنة ١٩٣٢ (١)
[لقد كنت أول داع لإنشاء لجنة الطلبة (وكان ذلك في صيف سنة ١٩٢٨) ومن العاملين على خدمتها هذه السنوات الأربع، فكان من حقي أن أدلي برأيي في أعمال هذه اللجنة بعد أن بدأ تأليفها.]
أندية الطلبة ذائعة ومنتشرة في الجامعات الكبيرة والصغيرة كلها في أوربا، ولها الشأن الأكبر في نشر الثقافة والعمل على تأمين مستقبل الطلاب، بل هي لا تقل انتشاراً في المدارس الثانوية والابتدائية عنها في هذه الجامعات. ولا تقتصر هذه الأندية على اللجان العلمية فحسب، بل إن منها ما هو للخطابة أو العلوم أو غيرها من الأنشطة النافعة.
وهذه الأندية منتشرة في مصر انتشاراً كبيراً، وفي كل مدرسة نواد تشرف عليها إدارة المدرسة ويديرها الطلاب، وقد أُعجبت بهذه الترتيبات يوم زرت مصر لأول مرة منذ أربعة أعوام، وكتبت إلى جريدة «المقتبس» رسالة أتمنى فيها لدمشق مثلها.
стр. 203
وقد نجحت بحمد الله هذه الأمنيّة وأصبح في دمشق هيئة تدعى «لجنة الطلبة»، وأصبح من الواجب علينا أن نقدم إليها الرأي الذي نراه لنجاحها، بعد أن نقدم لها شكرنا على اهتمامها بأمر المصلحة العامة في وقت شغلت الناسَ فيه مصالحُهم الخاصة.
* * *
وأنا أعتقد أن من الواجب على كل سوري أن يعمل في سبيل القضية كما يعتقد بذلك إخواننا أعضاء اللجنة، ولكني أختلف معهم بأنهم يرون العمل منحصراً في الإضراب، وأراه أنا أوسع من ذلك وأشمل. وأحسب الحق فيما أرى، لأن الجبهة الوطنية -كما تشتمل الكتّاب والصحفيين والزعماء- تشمل الأستاذَ الذي يبثّ روح الوطنية في ثنايا دروسه وينشئ من الثقافة الصحيحة أدمغة وعقولاً، والتلميذَ الذي يَجِدُّ في درسه ويتسلح بسلاح العلم يقوده الإيمان، والصانعَ الذي يُغني أمته عن مصنوعات الأجانب، والتاجرَ الذي يفسح المجال للمنتجين الوطنيين والمستهلكين الوطنيين ويحفظ الأموال الوطنية من التسرب إلى الخارج، والموظفَ الشريف الذي لا يعرف إلا واجبه ولا يراقب إلا ربه ... وقانون توزيع الأعمال هو الناظم لسير هذه الجبهة، فلو أن المدرس جلس في دكان التاجر، والموظف أخذ مكان الصانع، والتلميذ استولى على منبر الزعيم، لفسدت الأعمال واضطرب كل شيء.
وإذن تكون مهمة التلميذ هي الدرس قبل كل شيء، والدرس لا يكون إلا في هدوء؛ فيجب على لجنة الطلبة أن يكون ضمان الهدوء أولَ غاية لها لتؤمّن الغاية المتوخّاة من المدارس، وهي الثقافة.
стр. 204
نعم، إن الطلاب في دمشق -كالطلاب في فرنسا والطلاب في الصين وغيرها- ذوو حماسة مُتَّقِدة وإيمان وطني يقودهم على الرغم منهم إلى مساعدة الأمة في ساعات الحرج والضيق، ولا أحد يطلب منهم أن يمروا بالحوادث الجسام التي تتوقف عليها حياة المستقبل دون أن يلتفتوا إليها، فلا نقول لهم حينئذ: هذا لا يعنيكم، اشتغلوا بجيب زاوية «ب» وعلاقة النيتروجين بالأستلين! ولكن ألا يرى إخواني الطلاب وأعضاء لجنتهم أنه لم يعد لاستمرار الإضراب في المدارس وتعطيل الدروس معنى؟ وأنه ليس من مصلحة الوطن ولا من مصلحة القضية أن تسود الفوضى بعض المدارس، وأن يشتم بعض الطلاب مديريهم ومعلميهم؟
فلماذا لا تقوم لجنة الطلبة إذن بمنع ذلك كله واستئصاله؟ إن هذه الحالة لا يصحّ أن يُسكَت عليها وأن يُرضى بها، ولا يحق أن يُهمَل البحث في تلافي هذا الأمر من الطريق المعقولة السديدة.
وأعود فأجهر برأيي في أن اشتغالَ الطالب بغير الواجب عليه وإهمالَه لعلمه ودروسه وازدراءَه لمعلميه عملٌ يضر هذه الأمة بقدر ما يزعمون أنه ينفعها. فيا أيها الإخوان، إن الأمور لا تقاس بضخامتها وضجيجها وإنما بنتائجها وعواقبها، فاعلموا أنكم إنما كنتم أبناء الأمة البررة وأشجع جنودها بعلمكم واطّلاعكم، فلا تخسروهما فتخسروا كل شيء.
هذه كلمة إخلاص لا أبالي أسُمِعَت أم سُدَّت دونها الآذان ولُويت منها الشفاه، وما عليّ إلا البلاغ.
* * *
стр. 205
إلى مستشاري لجنة الطلبة
أليس فيكم رجل رشيد ؟
نشرت سنة ١٩٣٢ (١)
أما الآن فقد وجب عليّ أن أتقلد السلاح وأنزل إلى الميدان، فأدلي برأيي بصراحة وأنازل من يخالفه أو يعمل على ردّه. وها أنَذا أسوقه دون أن أجمجم القول أو أخشى، فأقول: إن اشتغال الطلاب بالسياسة، وتسرب الفوضى إلى مدارسهم وامتلاء رؤوسهم بفكرة التمرد والعصيان، وجرأتهم بالسباب والشتائم على أساتذتهم ومديريهم ... كل هذا أعمال تضرّ الأمة، ولا يكون مَن يحثّ عليها أو يشجّعها إلا مجرماً، بل خائناً لأمته وبلاده!
وأنا أردّ سلَفاً على من يزعم أنني رجعي أو مدفوع بأني لا أنتسب إلى حزب من الأحزاب، وأني أول من دعا إلى توحيد
стр. 206
أمر الطلاب ورفع شأنهم وعمل على ذلك أربع سنوات، وأنني -فوق هذا- صديق الوطنيين؛ ولكن هذه الصداقة لا تطمس عيني فتجعلني أبيع من أجلها وجداني وأرى من أجلها الحق باطلاً والباطل حقاً، ولا تمنعني -إذا اعتقدت أمراً وكان فيه مصلحة أمتي- أن أقوله، ولو لويت منه الشفاه والوجوه وسخط من أجله أقوام!
وأنا أعتقد أن مهمة الطالب هي درسه قبل كل شيء، وأن العلم الصحيح أكبر سلاح نواجه به أعداءنا، وأنه ليس من الحق ولا من المصلحة الوطنية أن يُضيع الطلاب دروسهم ليسيروا في الشوارع متظاهرين يصيحون: "يعيش فلان، ويسقط فلان" ... ثم يُقبَض على طائفة منهم فيودَعون السجون، فيعاشرون فيها مَن تفسد بمعاشرته أخلاقهم، ويخرجون منها وقد خُلقوا خلقاً جديداً، ولكنه خَلْق شرٍّ وبلاء، ويتمرد إخوانهم ويُضربون من جرّاء اعتقالهم، فتغلق المدرسة ويتشرد طلابها بين سمع الأرض وبصرها، فيصيروا في غدٍ من أحلاس المقاهي ورُوّاد الحانات، وقد كانوا بالأمس على مقاعد الدرس يقطفون من ثمر العلم كل شهي ويبنون من الثقافة الصحيحة دعائم المستقبل الزاهر، فتتأخر قضية البلاد ويخسر الوطن الخسران المبين، ونكون قد ربحنا حادثة تافهة يستغلها حزب من الأحزاب وتنشر خبرَها الجرائدُ وتكتب أسماء مَن كانوا أكثر جنوناً فيها فيصبحوا زعماء، ولا يقرؤون بعد اليوم درساً ولا يفتحون كتاباً وإنما يفتشون على مظاهرة جديدة أو اضطراب حديث، فإذا لم يجدوه أوجدوه، فازدادت العناصر الجاهلة في المدينة وازداد الاضطراب!
стр. 207
بل الأنكى من هذا أن طائفة كبرى من الطلاب أصبحت تفخر بسبّ الأساتيذ والتمرد عليهم وكسر أبواب المدارس ومقاعد الدرس ... وها هو معهد «التجهيز»، أكبر معهد علمي في البلد، قد ضاعت فيه الدروس سنة كاملة وعمَّ فيه العصيان، ولا تزال المنشورات تتدفّق تترا (١) في كل مناسبة وغير مناسبة تزيد هذه النار اضطراماً، توقّعها اللجنة التنفيذية لمؤتمر الطلاب. وما هذا المؤتمر إلا عشرون شخصاً ممّن أصبحوا بفضل الجرائد والسجون زعماء، في حين أن عضو اللجنة لا بدّ له من ثلاث صفات لا يكون إلا بها عضواً في اللجنة: أولاها أن يكون عميق الثقافة واسع المدارك لتكون آراؤه سديدة، وثانيها أن يكون ذا منزلة بين رفاقه وله احترام في نفوسهم لتكون آراؤه مسموعة، وثالثها وأهمّها أن يكون مستقيم السيرة حسن الأخلاق ليكون قدوة لهم حسنة ومثالاً كاملاً.
* * *
ومن العجيب في هذا الباب أن بعضاً من هؤلاء «الزعماء» قابلوني مساء أمس، فنصحتهم بالعودة إلى الهدوء والاستهداء بهدي العقل، فقالوا لي: أوَلم تكن أنت قبل أن تخرج من
стр. 208
«التجهيز» ممن يشاغب؟
قلت: بلى يا سادة، ولكنّ هذا هو «القياس مع الفارق» الذي ذُكِر في كتب المنطق التي لم تقرؤوها قط! كنا نشاغب من أجل قضية مدرسية، وأنتم تشاغبون (واسمحوا لي أن أستعمل هذه الكلمة) من أجل قضية سياسية. ونحن لم نتجاوز حدود اللباقة والأدب في مشاغبتنا، وأنتم تفخرون بهذا التجاوز! وكان حولنا طلاب هادئون عقلاء، وحولكم طلاب قد فاضت رؤوسهم بحب الثورة والتهور. وكنا نسترشد بعقولنا، وأنتم تسترشدون بهوى غيركم! وهذا هو الفارق «البسيط» بيننا وبينكم.
وأعجب من هذا أنني كتبت مقالة أدعو فيها إلى التعقل والانصراف إلى العلم، فسبقني «إلحاحٌ» على الجرائد كلها أن لا تنشرها، رغم أنها معقولة وصحيحة ورغم أن من عادة الجرائد أن تنشر لي ... وكان لهم ما أرادوا!
أرأيتَ بلداً تضيع فيه الحقائق وتغلب فيه الأغراض الخاصة والحزبية على المصلحة العامة إلا هذا البلد؟! أرأيت بلداً إلا هذا البلد تغلق مدارسه من أجل هتاف لفلان أو لنجاح فلان في البرلمان؟! أرأيت بلداً إلا هذا البلد يقود طلابَه كلَّهم طائفةٌ من الغلمان، ومن ورائهم طائفة من الشبّان، لا هم يعقلون ولا يسمعون كلام من يعقل؟!
لقد قلنا لهم خمسين مرة: إن الوطنية وخدمة الأمة ليست في ترك الدروس والصياح في الطرقات، بل هي عند الطالب في اجتهاده على درسه وإقباله على علمه، وعند الأستاذ في إعداد
стр. 209
محاضراته وبثّ روح الوطنية الصحيحة في ثنايا العلم الصحيح، وعند التاجر في إيثاره مصنوعات الوطن على مصنوعات الخارج، وعند الموظف في مراقبة وِجدانه واتّباعه سبيلَ الشرف والواجب ... أي أن الوطني المخلص هو الذي يقوم بواجبه جهاراً. وواجبي أنا، طالب الحقوق، لا ينافي اشتغالي بالقضية العامة بحيث لا يثنيني ذلك عن درس، ولكن واجب الطالب التجهيزي، ولا سيما طالب الصف السادس الذي لم تكتمل مداركه بعد، يمنعه من أن يكون رئيس مؤتمر أو قائد مظاهرة! فضلاً عن أن يكون شاتماً لأستاذه عاملاً على هدم مدرسته وبث روح التمرد فيها!
فهل في الناس مَن يُثبت لنا أن هذا باطل، وأن الحق فيما يقوم به هؤلاء؟
إذن فما لهذه الجرائد -وهمّها نجاح القضية وتقدم الوطن- لا تدعو إلى حفظ الحياة العلمية ولا تكفّ عن تشجيع الفوضى؟ وما للآباء -إذا كان يعنيهم أخلاق أبنائهم وحفظ مستقبلهم- لا يردعونهم عن الاسترسال في هذا التمرد، أو على الأصح: في هذه المهازل التي يُدفَعون إلى تمثيلها لتنقلب عليهم مآسي ويستغلها مَن دفعهم إليها؟
* * *
أمَا إن هذه حال إن دامت قضت على الروح العلمية في البلاد وأخّرتها في سَيْرها إلى الغاية المنشودة مراحلَ كثيرة. وهَبْنا قد ربحنا بعد ذلك برلماناً وطنياً، فماذا نصنع به؟ أمَا والله لَهذه «التجهيز» أجدى على الأمة من برلمان تحميه حِراب المحتل
стр. 210
الأجنبي! ولو جاء برلمان أعضاؤه من الأولياء وكانت الأمة جاهلة والنشء متشرداً في الطرقات والمقاهي لما نفعَنا ذلك شيئاً!
فالعقلَ العقلَ أيها الناس، ولا تكونوا من هذه الأمة كذلك الصديق الذي أراد أن يطرد الذباب عن وجه صديقه فطرده بصخرة حطمت وجهه! وارقبوا الله في هؤلاء الطلاب، لا تَرْزؤوهم في مستقبلهم وترزؤوا الأمة بهم، فتضيعوا عليها جيل المستقبل من أجل مظاهرة لا معنى لها ومن أجل "يحيا فلان ويسقط فلان"!
وبعد، فهذا رأي أسوقه، يشهد الله عليّ أنني لا أبتغي من ورائه فائدة أو نفعاً من نفع الدنيا، وما ابتغيت ذلك من قبل، ويشهد الله عليّ أنني أرضخ للحق وأكُفُّ إذا رأيت من الدليل القاهر ومن الحجة الدامغة ما يجعلني على خطأ ويجعل هؤلاء الطلاب على صواب. وأرجو من إخواننا الطلبة العقلاء أن يتلقّوا كلمتي كما يجب أن يتلقى المرء كلمة معتدلة سيقت من المصلحة، أو يُثبتوا بُطلانها ... أما غير العقلاء منهم فسيكون ردهم عليّ «أنني رجعي»، ويا لها من بلاغة!
* * *
стр. 211
دع السياسة !
[قطعة مقتبَسة عن اللغة الروسية]
نشرت سنة ١٩٣٢ (١)
دع السياسة، وتعال معي نبتعد عن واديها المظلم الصاخب. تعال معي نجلس على حافة هذه الصخرة المنيفة نتمتع بنور الشمس، شمس الحقيقة التي حالت سحب التدجيل بينها وبين سكان الوادي، ولنُصغِ إلى قيثارة الحياة التي ابتلعت أنغامَها العذبة تلك الضوضاءُ المريبة فلم نسمع منها شيئاً.
* * *
هنا، في حِجر الطبيعة، تشعر بلذة الحياة وتدرك جمال الوجود، وتستريح من نفاق المنافقين وكذب الدجّالين وبَلادة الزعماء الزائغين. من هنا تطل على الوادي البغيض، فترى القوم في هرج ومرج وتدافع وانجذاب، ثم في قتال تسيل منه الدماء، دماء الأبرياء، وتزهق منه الأرواح، أرواح الشهداء.
وترى أشخاصاً قد ركبوا طبولاً كبيرة، فهي تتدحرج بهم فيكون لها دوي مزعج، فيتبعهم الناس يحسبونهم جبابرة، قولهم مثل أصواتهم وإخلاصهم مثل دعواهم! يتبعهم الناس، حتى إذا
стр. 212
هلك من هلك وشقي من شقي، وتطلع الناس إليهم ينتظرون ما يكون منهم، والتفّوا حولهم ينافقون لهم كما يريدون، صعدوا على أكتافهم فوثبوا على الكراسي، ولكنهم وثبوا وهم يخطبون خطبة الانتصار للأمة وذم أصحاب الكراسي!
* * *
دع السياسة، تعال معي، ابتعد عن الوادي؛ إن رائحة التدجيل والنفاق لا تزال تملأ الجو.
لنبتعد حتى ينقطع آخر صدى، وحتى لا تسمع رنة واحدة من صيحات الغلمان المجانين وخطب الزعماء الزائفين ومقالات الصحفيين الدجالين، ثم افتح كتابك واقرأ. اقرأ، اقرأ ... أريد أن أسمع أقوال الفلاسفة والعلماء، أريد أن أعاشر الأذكياء والعقلاء، فإني قد مللت السياسة ولغة السياسة ورجال السياسة!
إني قد سئمت هذه الكلمات المكررة المعادة: «الأمة معنا»، «الشعب يؤيدنا»، «الرأي العام»، «الوطن»، «الإخلاص» ... كلمات متباينة، ولكن معناها واحد، هو «الكذب»!
* * *
ها لقد وصلنا، لقد بلغنا شقة عالية تتبدد فيها أصوات الحمقى الذين يشتموننا، فتضيع قبل أن تبلغ أقدامنا. فلنجلس إذن، ولنفتح عيوننا للنور فحسبها هذا الظلام، وآذانَنا لنغمات الطبيعة الصادقة، يكفيها ما سمعت من هراء وتدجيل.
* * *
стр. 213
مقدمة مجلة
نشرت سنة ١٩٣٢
حمل إليّ البريد وأنا في هذه العزلة النائية في السلمية (١)، أعيش بعيداً عن المدن الصاخبة وضوضائها وسط الصحراء الصامتة الرهيبة، أتمتع بجمال الطبيعة وجلالها دون أن أتعب نفسي بالتفكير في شيء أو أحمل هَمّ شيء.
حمل إليّ البريد رسالة من إخوان في دمشق أعزاء عليّ يطلبون مني فيها أن أقدّم للناس مجلة عزموا على إصدارها (٢)،
стр. 214
وتفضلوا فبعثوا إليّ بمواد العدد الأول لأبدي فيها رأيي. وقد أحسنوا بي الظن وحسبوا أن لي رأياً يُنشَر ويتناقله الناس! ولم أجد بداً من إجابتهم إلى ما يطلبون، وإن كنت أودّ لو كلّفوني بشيء غير المقدمة، كقصة أترجمها أو أجتهد أن أصنعها، أو قطعة وصفية أو نقدية، إذن لهان الأمر ولم أرَ هذه الصعوبة التي اعترضت سبيلي إلى كتابة المقدمة. وما ذاك إلا لأنني بعيد عن
стр. 215
دمشق، لا أعرف عن هذا المشروع إلا أن القائمين به من خيرة شُبّان «التجهيز»، وأن قصدهم تمرين الطلاب على الكتابة، وأن لهم روحاً أدبية سامية واستعداداً كبيراً. وهذا القَدْر من المعرفة لا يكفي من كان في مثل موضعي. ثم إن السوق الأدبية في دمشق جامدة لا يروج فيها شيء، لأن الناس بين أديبٍ يقرأ ويقدّر، ولكنك إن وجدته وجدته مفلساً ليس معه قرش -كما هي سنة الله في الأدباء- وجاهلٍ لا يقرأ، وإذا قرأت عليه لا يفهم، وإذا أفهمتَه لم يَشْتَرِ أدبك بقرش! فلمَن نكتب؟ ومن أجل مَن تصدر هذه المجلات الأدبية، وننفق عليها من نفوسنا ومن مالنا؟
هذه هي الحقيقة، وهي مؤلمة، ولكني لم أجد بداً من ذكرها، وليس غرضي منها تثبيط الهمم وسد الطريق في وجوه إخواننا الذين يُقْدمون على العمل بحَمِيّة الشباب وثورته ويستسهلون في سبيل غايتهم كل صعب. ولست أريد أن أَحول بينهم وبين إصدارها، وإنما أريد أن أعتذر عن كتابة المقدمة، وأدلي لهم برأيي عن الأسلوب الذي يجب عليهم اتّباعه دون أن أحملهم على ذلك.
* * *
أذكر أن أستاذنا في دار العلوم العليا في مصر كان إذا تكلم في الشعر قرر أنه ميّزة للعرب لا يشاركهم فيها غيرهم من الأمم، وأنهم ذهبوا به دون الناس جميعاً، وأذكر أنه كان يردّ علينا -إذا عارضناه في رأيه وتَلَوْنا من أشعار الفرنسيين والإنكليز- بأن الجاحظ قد قال هذا، وليس بعد الجاحظ متّسَع لقائل.
وأرى اليوم فئة من شبابنا المجدِّدين في الأدب الذين يجهلون