← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17213

البواكير

علي الطنطاوي

Полный текст (321 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

دع السياسة ! [قطعة مقتبَسة عن اللغة الروسية] نشرت سنة ١٩٣٢ (١) دع السياسة، وتعال معي نبتعد عن واديها المظلم الصاخب. تعال معي نجلس على حافة هذه الصخرة المنيفة نتمتع بنور الشمس، شمس الحقيقة التي حالت سحب التدجيل بينها وبين سكان الوادي، ولنُصغِ إلى قيثارة الحياة التي ابتلعت أنغامَها العذبة تلك الضوضاءُ المريبة فلم نسمع منها شيئاً. * * * هنا، في حِجر الطبيعة، تشعر بلذة الحياة وتدرك جمال الوجود، وتستريح من نفاق المنافقين وكذب الدجّالين وبَلادة الزعماء الزائغين. من هنا تطل على الوادي البغيض، فترى القوم في هرج ومرج وتدافع وانجذاب، ثم في قتال تسيل منه الدماء، دماء الأبرياء، وتزهق منه الأرواح، أرواح الشهداء. وترى أشخاصاً قد ركبوا طبولاً كبيرة، فهي تتدحرج بهم فيكون لها دوي مزعج، فيتبعهم الناس يحسبونهم جبابرة، قولهم مثل أصواتهم وإخلاصهم مثل دعواهم! يتبعهم الناس، حتى إذا

стр. 212

هلك من هلك وشقي من شقي، وتطلع الناس إليهم ينتظرون ما يكون منهم، والتفّوا حولهم ينافقون لهم كما يريدون، صعدوا على أكتافهم فوثبوا على الكراسي، ولكنهم وثبوا وهم يخطبون خطبة الانتصار للأمة وذم أصحاب الكراسي! * * * دع السياسة، تعال معي، ابتعد عن الوادي؛ إن رائحة التدجيل والنفاق لا تزال تملأ الجو. لنبتعد حتى ينقطع آخر صدى، وحتى لا تسمع رنة واحدة من صيحات الغلمان المجانين وخطب الزعماء الزائفين ومقالات الصحفيين الدجالين، ثم افتح كتابك واقرأ. اقرأ، اقرأ ... أريد أن أسمع أقوال الفلاسفة والعلماء، أريد أن أعاشر الأذكياء والعقلاء، فإني قد مللت السياسة ولغة السياسة ورجال السياسة! إني قد سئمت هذه الكلمات المكررة المعادة: «الأمة معنا»، «الشعب يؤيدنا»، «الرأي العام»، «الوطن»، «الإخلاص» ... كلمات متباينة، ولكن معناها واحد، هو «الكذب»! * * * ها لقد وصلنا، لقد بلغنا شقة عالية تتبدد فيها أصوات الحمقى الذين يشتموننا، فتضيع قبل أن تبلغ أقدامنا. فلنجلس إذن، ولنفتح عيوننا للنور فحسبها هذا الظلام، وآذانَنا لنغمات الطبيعة الصادقة، يكفيها ما سمعت من هراء وتدجيل. * * *

стр. 213

مقدمة مجلة نشرت سنة ١٩٣٢ حمل إليّ البريد وأنا في هذه العزلة النائية في السلمية (١)، أعيش بعيداً عن المدن الصاخبة وضوضائها وسط الصحراء الصامتة الرهيبة، أتمتع بجمال الطبيعة وجلالها دون أن أتعب نفسي بالتفكير في شيء أو أحمل هَمّ شيء. حمل إليّ البريد رسالة من إخوان في دمشق أعزاء عليّ يطلبون مني فيها أن أقدّم للناس مجلة عزموا على إصدارها (٢)،

стр. 214

وتفضلوا فبعثوا إليّ بمواد العدد الأول لأبدي فيها رأيي. وقد أحسنوا بي الظن وحسبوا أن لي رأياً يُنشَر ويتناقله الناس! ولم أجد بداً من إجابتهم إلى ما يطلبون، وإن كنت أودّ لو كلّفوني بشيء غير المقدمة، كقصة أترجمها أو أجتهد أن أصنعها، أو قطعة وصفية أو نقدية، إذن لهان الأمر ولم أرَ هذه الصعوبة التي اعترضت سبيلي إلى كتابة المقدمة. وما ذاك إلا لأنني بعيد عن

стр. 215

دمشق، لا أعرف عن هذا المشروع إلا أن القائمين به من خيرة شُبّان «التجهيز»، وأن قصدهم تمرين الطلاب على الكتابة، وأن لهم روحاً أدبية سامية واستعداداً كبيراً. وهذا القَدْر من المعرفة لا يكفي من كان في مثل موضعي. ثم إن السوق الأدبية في دمشق جامدة لا يروج فيها شيء، لأن الناس بين أديبٍ يقرأ ويقدّر، ولكنك إن وجدته وجدته مفلساً ليس معه قرش -كما هي سنة الله في الأدباء- وجاهلٍ لا يقرأ، وإذا قرأت عليه لا يفهم، وإذا أفهمتَه لم يَشْتَرِ أدبك بقرش! فلمَن نكتب؟ ومن أجل مَن تصدر هذه المجلات الأدبية، وننفق عليها من نفوسنا ومن مالنا؟ هذه هي الحقيقة، وهي مؤلمة، ولكني لم أجد بداً من ذكرها، وليس غرضي منها تثبيط الهمم وسد الطريق في وجوه إخواننا الذين يُقْدمون على العمل بحَمِيّة الشباب وثورته ويستسهلون في سبيل غايتهم كل صعب. ولست أريد أن أَحول بينهم وبين إصدارها، وإنما أريد أن أعتذر عن كتابة المقدمة، وأدلي لهم برأيي عن الأسلوب الذي يجب عليهم اتّباعه دون أن أحملهم على ذلك. * * * أذكر أن أستاذنا في دار العلوم العليا في مصر كان إذا تكلم في الشعر قرر أنه ميّزة للعرب لا يشاركهم فيها غيرهم من الأمم، وأنهم ذهبوا به دون الناس جميعاً، وأذكر أنه كان يردّ علينا -إذا عارضناه في رأيه وتَلَوْنا من أشعار الفرنسيين والإنكليز- بأن الجاحظ قد قال هذا، وليس بعد الجاحظ متّسَع لقائل. وأرى اليوم فئة من شبابنا المجدِّدين في الأدب الذين يجهلون

стр. 216

(وتلك هي الحقيقة) من الأدب العربي ما جاوز اسمه، ينكرون على العرب شعرهم ونثرهم مرة واحدة، ويزعمون أنْ لا شعر إلا شعر لامارتين، ولا أدب إلا أدب غوته، ومن لفَّ لفَّهما وجرى مجراهما، كأنما الأدب ليس ببراعته وجماله وإنما بهذا الطابع الغربي الذي عليه. وبين هؤلاء وأولئك ضاع الأدب العرب، ضاع بين الجامدين والجاحدين: الجامدين الذين يغمضون عيونهم عن النور ويزعمون أنه ظلام، والجاحدين الذين لا يريدون أن يعلموا، ولا يعترفون للعالِمين بعلمهم. ومِنَ البَليّةِ عَذْلُ من لا يَرْعَوي ... عن جهله، وخطابُ من لا يفهمُ وكلا الفريقين على ضلال. ولست أحب لإخواننا أن يعتقدوا أن أدبنا خير الآداب وأنه في غنى عن الاقتباس من آداب الغرب، ولا أن يروه خالياً من كل ميزة عاطلاً من كل جمال، بل أحب لهم أن يروا معي بأن احتذاء أساليب القدماء كما هي شيء لا يفيد، وأنه لا بد من التجديد في الأدب العربي، وإنما بالقصد والعقل، وبأن نقتبس المعنى الجيد والصورة الجميلة والطريقة النافعة من أدب الغرب فنذيبها في لغتنا، لا بأن نضيع لغتنا فيها كما يفعل السخفاء من المجدِّدين في الآداب! وبأن نتعلم من آداب الغرب فن القصة، وهو ضعيف في آدابنا في حين أنه دعامة الأدب الحي في هذا العصر ومرآة تقدمه وازدهاره. وإذا نحن دعونا إلى الاقتباس من أدب الغرب فما ذلك إلا

стр. 217

لاعتقادنا أن الأدب فن من الفنون الجميلة، والفن لا وطن له ولا جنسية، ليس فيه شرقي وغربي ولا قديم وحديث، بل هو التعبير عن العواطف والأفكار السامية بلغة سامية، فهل تختلف هذه العواطف عند الفرنسي والصيني؟ هل يبكي الفرنسي عند الألم وينتحب، ويضحك الصيني ويمرح؟ لا، إن النفس البشرية واحدة في آلامها وآمالها وحبها وبغضها، والأدب ملك للإنسانية جمعاء، وليس أدب هوغو وقفاً على الفرنسيين ولا أدب غوته وقفاً على الألمان، بل هو مشاع بين كل البشر فيجب أن ننال نصيبنا منه. * * * ولست أفرض على إخواننا القيام بهذا الإصلاح الكبير وحدهم، فبدايته يجب أن تكون بإصلاح برامج الأدب والإنشاء في مدارسنا، فتُلغى هذه الكتب السخيفة التي تسمى كتب تاريخ الأدب، ويعيَّن لتدريس الإنشاء أساتذة يفهمون الروح الجديدة في الأدب ويكتبون هم أنفسهم، وإلا فمن المستحيل أن يعلّم الناسَ الكتابةَ من لا يعرف الكتابة، أو يدلهم على الأساليب الجديدة من لا يدري ما هذه الأساليب الجديدة! هذا وإني أحث كل طالب يجد في نفسه الكفاءة للكتابة أن يكتب في أي موضوع أراد فيكون ذلك له تمريناً مفيداً، وأشكر مرة أخرى لإخواننا مساعيهم الكبيرة، وأرجو لمشروعهم النجاح والتوفيق. * * *

стр. 218

معلم القرية نشرت سنة ١٩٣٢ (١) ذهبت منذ أشهر إلى بيروت، فلما كنت في بعض الطريق وقف بنا القطار على محطة من المحطات منفردة على الطريق، كأنّما أُقيمت في هذا المكان الخالي لتغذّي القطار بالفحم لا لتنقل الركاب إلى مدينة كبيرة. وكنت نائماً من الضجر، فلما وقف القطار أفقت ونظرت من الشبّاك لأرى هذه القرية التي وقفنا عليها، فإذا هي المحطة وحدها، فأدرت بصري في ذلك الفضاء الواسع، فإذا هناك على سفح الجبل البعيد ظلال بيوت أو أكواخ تلوح لي حيال الأفق. وأنا قد اعتدت أن أرى من القرى ما لا يتجاوز العشرين بيتاً قائمة وسط البرية ليس فيها شيء من مظاهر الحياة الاجتماعية التي لا بد منها للرجل الحضري، فأعرضت عنها وكدت أعود إلى نومي حين صفر القطار وكاد يعود إلى مسيره، لولا أن شيئاً راعني ونفى عني رقادي، فقمت من مكاني كالمشدوه أحدق إليه لأتبيّن حقيقته ... وكان ذلك الشيء وجه صديقي فلان! صديقي فلان؟ أتراه هو؟ لا. واقتربت منه وأنا بين مصدق

стр. 219

وشاكّ، ولكن الشك أغلب على نفسي لأن صديقي فلاناً الشاب المتأنق الذكي -الذي يفيض صحة ونشاطاً وتلمع عيناه بنور الأمل- يستحيل أن يكون ذلك الرجل المحطم المكدود، المتهدل الثياب الأصفر اللون الشارد النظرات، يقلب عينيه في الفضاء كالذي به جِنّة! يستحيل أن يخمد نور ذكائه وتنطفئ أشعة أمله وتحطمه السنون وهو في هذه السن! ولكنه كان هو! ولم يدرك معنى سؤالي إياه، ولم يتبين وجهي إلا بالجهد، فلما عرفني بكى وفتح فمه ليقول، ولكن القطار بدأ يتحرك فلم أسمع منه إلا هذه الكلمة: "لقد عيّنوني في هذه القرية، فانهارت آمالي ومتُّ من قبل الممات" ... ورأيته وهو يمسح بيده دموعَه ويوليني ظهره ليعود إلى ذهوله وحيرته، ثم توارى عني ... وصفر القطار. * * * وقذفت بي الأيام مرة إلى حوران أمر بها في القطار في طريقي إلى مصر، وكنت ممتلئ النفس ألماً وحزناً على فراق موطني والابتعاد عن أهلي وأذكر كيف أعود إلى مصر وحيداً منفرداً، أقف على شاطئ النيل العظيم فأذكر بردى الصغير المتواضع المحبَّب إلي، وأعلو قمة المقطم الشيخ المحطم فأذكر قاسيون الشامخ الشاب ... فلا يلهيني هذا عن ذاك، فأحس في قلبي لوعة الأسى، وألقي برأسي بين يدي لا أرفعه إلا في محطة القطار إذ يقف، وأنظر فأرى رجلاً جالساً إلى إفريز المحطة رأسه على ركبته، فأحزن وأرثي لحاله وأقول في نفسي: لعله بائس أو فقير! ويعاود القطار سيره وأنا أفكر في هذا الذي لا أعرفه،

стр. 220

فيقترب مني فضوليٌّ فيخبرني خبره، وإذا هو ... يا لروعة ما قال: معلم المدرسة، صديقنا المَرِح الفَرِح فلان! * * * وأسافر إلى السلمية فأعيَّن في مدرستها الكبرى الجميلة، وأتحدث إلى مَن فيها من المدرسين ويتحدثون إليّ، فيخبروني أن في قرية صغيرة قاحلة مدرسة فيها دون العشرة من التلاميذ، وفيها معلم من خريجي دار المعلمين، شاب قوي الأمل بادي النبوغ، يُقذَف به إليها فلا يجد أنيساً يأنس به ولا ضرورة من ضرورات المعيشة، بل لا يجد تلاميذ يلقي عليهم دروسه! وتتكاثر عليه ذكرياته المُمِضّة فيعتريه نوع من مرض السماء (الذي يصفه لامارتين) فيُمضي نهاره كله يروح ويغدو في الطرقات، ينظر في الفضاء البعيد نظرات شاردة مبهمة وقد انطفأ في نفسه نور الأمل والحياة! * * * هذه مشاهدات ليس فيها مبالغة ولا غلوّ الكُتّاب في الوصف، ولكن فيها الحقيقة الواقعة. يخرج الشاب الغر من دار المعلمين ونفسه تفيض بالأمل، وهو لا يعرف من الحياة إلا محيط المدرسة العلمي البعيد عن الآلام، الذي كان يعيش فيه وسط رفاقه وأساتذته الذين يطمئن إليهم ويأنس بهم، في المدينة الكبرى التي يألفها ويجد فيها راحته، فلا تكون إلا ليلة وضحاها حتى يُقذَف به إلى قرية نائية ما رآها ولا يعرفها، ولا يجد فيها إنساناً ولا غذاء ولا مسكناً!

стр. 221

وللوزارة بعض الحق حين تقول إن هذا شاب قوي متعلم والقرية أحوج ما تكون إليه، ولكن هذه النظرية قاسية خاطئة، فلتنظر الوزارة فيها ولتعدلها، فليس من العدل ولا من الرحمة ولا من مصلحة البلاد أن تموت هذه النفوس الفيّاضة بالحياة وتنطفئ فيها جذوة الأمل، وليس من الحكمة أن يكلَّف الشاب مثل هذا العمل الشاق، وأَوْلى به أن يعمل في سنيه الأولى في المركز تحت إشراف رجال الوزارة وذوي الخبرة والسبق من المعلمين المدربين. هذه واحدة، ثم إن هناك قضية نخاطب فيها مستشار المعارف خاصة، وهي أن من المعلمين من له عشر سنين في القرى لم يَرَ المدينة، ومنهم من له مثل هذا المقدار في المدن، ومَرَدّ ذلك كله إلى المصادفات والأقدار، وليس من العدل في شيء. فليوضع تشريع يجعل معلمي المعارف في تبدل مستمر حتى لا يفوت امرءاً نصيبُه من اليسر ولا من العسر، ولا ينبغي أن يبقى المعلم في القرية ولا في المدينة الواحدة أكثر من عامين متواليين. ولا يظن الناس أنني أقول هذا من أجل أنني في قرية، لا، بل من أجل المصلحة العامة، فلتنظر الوزارة في قضية «معلم القرية» بالرحمة والعدل والمصلحة، ولتنصف هؤلاء المساكين. علي الطنطاوي (السلمية) * * *

стр. 222

كلمة بمناسبة كثرة الزعماء صفات الزعيم الحقيقي نشرت سنة ١٩٣٢ (١) قال لي مرة صديق فَكِه خفيف الروح: إذا نحن احتجنا إلى أوربا في شيء واضطررنا إلى استيراده منها فإن لدينا بحمد الله شيئاً واحداً يزيد على حاجتنا ونستطيع أن نصدّره إلى بلاد الله جمعاء. قلت: وما ذاك يا صديقي؟ قال: الزعماء! فضحكت، ولكني رأيت وراء مقالته هذه الفَكِهة حقيقةً تُضحك، وشرُّ البلاء ما يُضحك! وذلك أن الزعامة عندنا انحطت عن معناها الأصلي وأصبحت مباحة للناس أجمعين، فليس بين المرء وبين أن يكون زعيماً إلا شهر في منفى (وهذا خير طريق للزعامة)، أو أسبوع في سجن، أو صياح في محفل، أو هتاف في مظاهرة ... حتى بلغ الأمر من الفساد حداً نسي معه الناس أن الزعامة تكون بغير هذا أو يلزم لها غير هذا! في حين أن للزعيم

стр. 223

الحقيقي صفات أصلية نستعرضها فيما يأتي من كلام، ليعلم الناس الزعيم «الأصلي» من الزعيم «الزائف»: أولها أن الزعيم يكون ذا مواهب أسمى من مواهب الجمهور يستطيع أن يعبّر بها عن رغباتهم ويمتلكهم بها. ومن هذه المواهب، بل من أشدها ضرورة للزعيم ومما لا يمكن أن يكون بدونه زعيماً، موهبة الخطابة وما يتصل بها: من ذكاء متوقد، وبديهة حاضرة، وثقافة واسعة، واطلاع على أساليب البلغاء. وليس كل من صاح ووجد له حنجرة متينة وصوتاً عالياً وكان يعرف القراءة في الورق خطيباً، بل الخطيب هو الذي لو قال لمستمعيه إن ليلكم هذا نهار لقالوا: نعم! وليذكروا أن خطبة من طارق فتحت الأندلس، وخطبة من نابليون طأطأت لها جبال الألب رأسَها حتى وطئها جيشه. هذه هي الصفة الأولى اللازمة للزعيم، والثانية: أن يجعل مبدأه الذي يدعو إليه ديناً يدين به الناس وشريعة يعتقدونها، فلا يكفي أن يموج الشعب ويثور، بل يجب أن يعلم لماذا يثور وأن يُقْدم على التضحية بإيمان ثابت وعزم أكيد. والصفة الثالثة للزعيم: أن يكون في نفسه مثالاً للتضحية، فلا يستأثر دون قومه بشيء، ولا يعمل من أجل منفعة شخصية أو أجر يناله، بل يسعى ليُفهم الناس كلهم أنه أول الناس إيماناً بما يدعو إليه وأكثرهم تضحية في سبيله. فَلْنَزِنْ زعماءنا بهذا الميزان ولْنَقِسْهم بهذا المقياس، ثم لننظر كم يبقى منهم! * * *

стр. 224

على أنقاض آمالي أنشودة الظلام نشرت سنة ١٩٣٢ (١) نفضت يدي من آمالي، وجلست على شاطئ الماضي أستعرض هذه الآمال التي لفّها العدم بضبابه الكثيف وهي تمر بي كما يمر فلم من أفلام السينما، مغسولةً صفحاتُها بماء قلبي الذي صببته عليها من عيني يوم ودعتها، فأراها تتغلغل في الظلام ليلقيها القدر في هوة الفناء، ونظرت إلى الأمام فلم أرَ فيه إلا ظلاماً حالكاً، فأخذت قلمي لأكتب صفحة جديدة من سِفْر الأحزان. وما سفر الأحزان إلا مذكراتي التي تصف آلام «ابن العشرين»، والتي نشرتُ بعضاً منها في الصحف فضاع، وحفظت بعضاً منها في الصندوق فتمزق، وأبقيت بعضاً منها في رأسي، فأنستني المصائبُ الجديدة مصائبي القديمةَ فلم يبقَ في رأسي منه شيء ... وهذه هي الصفحة:

стр. 225

كنت أعيش بآمالي وأبصر على نورها طريقَ المستقبل الزاهر، وكانت وضّاءة لامعة كصفحة النهار الواضح، وكنت أجهل معنى الكآبة وأبتلع الدنيا كلها بابتسامة ساحرة طَرِبة ... وتوفي والدي، فبدت سحابة سوداء في آمالي المنيرة، وتألمت وحزنت، ولكني عدت فابتسمت، ولم أيأس لأني أجهل ما هو اليأس. وعصفت الرياح بآمالي فقذفتني من هنا إلى هناك، وتعبت وسمّاني الناس متقلباً، وسقطت مرة على الشَّوك فخُدشت ذراعي، ووقعت مرة في الماء فابتلت ثيابي، وهدأت الرياح قليلاً فأسفت لما حل بي، ولكني لم أيأس لأني أجهل ما هو اليأس. وفارقتني أمي، أمي التي أوليتها حبي وصببت ماء قلبي على قدميها، فارقتني إلى الأبد، فنظرت في آمالي، فإذا الظلام قد اشتملها كما يشتمل الليل الدنيا. وطال حزني وحزّ الألم في نفسي، ولكني لم أيأس لأن لديّ مصباحي الخافت يضيء لي موطئ قدمي في هذه الظلمة الحالكة. وحافظت على المصباح، وحنيت عليه بضلوعي وأحطته بذراعي، ولكن حريتي ودراستي العالية قد أودى بهما اضطراري للعيش، فانطفأ المصباح ... وتعلمت ما هو اليأس! * * * عَمَّ الظلام وغطى كل شيء، فلم أعد أرى أو أسمع إلا هذه الكلمة التي يشيّعني بها أصدقائي وخصومي: «مسكين» ...

стр. 226

فتقدمت وسط الظلام أبحث عن الهوة التي أسقط فيها فتكون خاتمة هذا المطاف الأليم! إن نفسي كبيرة كهذا الليل تتسع لكل شيء، ولكنها مظلمة كهذا الليل لا تتسع لشيء، وإن أبناء الأمل لا يفهمونني، بل هم يزورونني ويفرّون مني. سأتركهم وأتغلغل في ظلامي السرمدي، إنه يستر خطيئاتي عن الناس ويستر عني شرورهم وآثامهم، وليته كان يقوى على ستر هذه الطيوف المريعة التي تتراءى لي وسط الظلام! * * * وداعاً يا أصدقائي ... إنكم لن تعرفوني بعد اليوم! * * *

стр. 227

تحرير الرجل من ظلم المرأة ! نشرت سنة ١٩٣٢ (١) ما لكم تعجبون من هذا العنوان؟ أتحسبوني أهزل؟ لا؛ ما في الأمر هزل، وإنما هي إحدى قريباتنا عادت من مصر بعد أن لبثت فيها أربع سنين برأس غير رأسها الذي ذهبت به. لا أعني أنها استبدلت به رأس رجل بعملية جراحية، ولكن أعني أنها استعارت مخّ رجل من هؤلاء الذين يغالون في الانتصار للمرأة حتى يجاوزوا بها حد المساواة بالرجل إلى حكمه والتفوق عليه! وليست قريبتنا هذه عالمة ولا كاتبة (وذلك ما نحمد الله عليه!) ولكنها تقرأ من الجرائد والمجلات ما يدور حول ما يسمونه «حرية المرأة»، وتبالغ في العصبية لهذه الآراء وتلحّ في إذاعتها ونشرها، ولا تبالي بالقوانين الطبيعية التي جعلت بين الجنسين اختلافاً ... بل هي تفهم أن المرأة مظلومة فيجب أن تتحرر، وأن الرجل ظالم فيجب أن يقاوَم. ولا تنحصر هذه المقاومة -في رأيها- في إصلاح أخطائه،

стр. 228

بل تشمل أطراف الحياة العائلية كلها فتقلبها رأساً على عقب: كانت تطيعه هي، فيجب أن يطيعها هو الآن! وكان له الرأي في لبسها وزيّها، فيجب أن تخرج على رأيه وتتبع دور الأزياء الباريسية، وترهق زوجها في كل ما تطلبه من الأزياء الجديدة! وكان يحدد لها مصروفها وميعاد غيابها عن المنزل، فيجب أن تحدد له مصروفه وميعاد غيابه، حتى إذا تأخر أو ذهب من غير أن يستأذنها أدَّبَتْه بلسانها ويدها ... وعند اللزوم بالمقشة أو بالقبقاب، ولا مؤاخذة! * * * هذه هي حرية المرأة كما تفهمها فتاة ذكية الفؤاد محدودة الثقافة من أسرة كبيرة. وإنه ليحزننا أن تُمسَخ هذه الدعوة المباركة -الدعوة إلى تعليم المرأة وتثقيفها- حتى تصبح على هذا الشكل، وتضيع جهود العقلاء من أنصار المرأة والعاقلات من النساء ممّن نادى بوجوب تعليم البنت وتثقيفها الثقافة الحقيقية. وأنا لا أنكر على المرأة أنها ذات مواهب وأنها قد تبلغ من النبوغ في فروع المعرفة حدَّ السُّمُوّ، ولو شئت لضربت الأمثال بكاتبات هنّ في نظري من جِلّة الكتّاب وأكابرهم ... كل هذا نفهمه، ولكننا لا نستطيع أن نقبل بهذا التجديد الذي تزعمه قريبتي إذا كان ينحصر في «الموضة» والبذخ. ولسنا نلومها أو نلوم مثيلاتها من الفتيات، ولكنّا نلوم المحيط، ولا سيما الهيئات النسائية التي يُنتظَر منها أن تعمل على بثّ الثقافة بين النساء،

стр. 229

وأن تكوّن عقولَهنّ قبل تكوين ثيابهن، وأن تنشر فكرة التجديد صحيحة سالمة لا مشوَّهة مبتورة، وأن لا تعمد إلى مخالفة الحياة وقوانينها الصالحة، بل تخضع لهذه القوانين. وإن قوانين الحياة الصالحة لتنكر -بلا شك- استبدادَ الرجل الحاضر وظلمَه وقسوتَه على المرأة، وتريد أن تقسم بينهما الأعمالَ بحسب الاستعداد الجسمي والعقلي، والمُتَعَ والملاذَّ البريئة بالتساوي. ولكن للرجل (وهذه هي ميزته الوحيدة) حق الإشراف على تنفيذ هذه القوانين وتطبيقها، وهي لها حق الاعتراض. وليس له أن يدعها في الدار وحيدة متألمة ليسمر مع رفاقه في ... حيث لا أدري، وكذلك لا تتركه هي في البيت وتذهب مع رفيقاتها، أما الأولاد فيقومان معاً بتربيتهم وتعليمهم، ومن هنا نشأت ضرورة تعليم الأم المبادئ الأولية للعلوم وتثقيفها الثقافة الحقيقية. هذا هو الحق، وبناءُ الأسرة السعيدة لا يقوم على غير هذا، أما النزوات الفكرية واتّباع مصادر «الموضة» في باريس وما يصدر عنها من سخف وبلادة فلا يعمل إلا على هدم الأسرة. وإذا ما أصرّ النساء -بعد ذلك- على اتّباع الرأي الذي يسمونه الدعوة إلى «حرية المرأة» فيجب على الرجال أن يهيئوا -منذ الآن- لجان المطالبة بحقوق الرجل وتخليصه من ظلم المرأة! * * *

стр. 230

نريد خصومة موضوعية لا شخصية نشرت سنة ١٩٣٢ (١) أعني بالخصومة الموضوعية: الخصومة في الرأي والمذهب، وأن تكره مِن خصمك رأيه أو تحارب هذا الرأي. وأعني بالخصومة الشخصية: أن يمتد هذا الكره من رأي خصمك الذي تراه أنت مخطئاً أو باطلاً إلى شخص هذا الخصم، فتعاديه وتبغضه. فنحن نريد أن تكون خصوماتنا الدينية أو السياسية أو العلمية خصومات موضوعية، الخلاف فيها على موضوع من الموضوعات: سواء أكان ذلك الموضوع مذهباً في السياسة أم اجتهاداً في الدين أم رأياً في العلم، نتجادل فيه ونتخاصم، فإذا التقينا مع صاحب هذا المذهب الذي نحاربه أو الاجتهاد الذي نخالفه أو الرأي الذي ندفعه لم يكن بيننا عداوة ولا بغض، لأننا لا نحارب شخصاً وإنما نحارب رأياً. هذه مسألة مفروغ منها، قد يكون من الخطأ أن ندوّنها في مقالة وننشرها في الناس لولا أن الناس عندنا لا يريدون أن يفهموها ولا أن يعملوا بها، على الرغم من صحتها ووضوحها. فنحن لا نفرق بين الرأي وصاحب الرأي، ونحن لم نتعلم بعدُ

стр. 231

حرّيةَ النشر ولم نتعلم فن النقد الأدبي، بل إن لدينا كثيراً من الناس إذا هم عجزوا عن الجدال بالمنطق والحجة لا يعجزون عن الجدال بالسباب والعداوة، وإذا هم أرادوا الرد بالقلم لا باللسان والكف -وقلّما يريدون ذلك- فلا يردّون على الرأي الذي ساءهم، وإنما يتخذون ردهم وسيلة إلى نشر ترجمة مَن نقدهم ترجمة مشوَّهة مكذوبة، وإلى تحليله تحليلاً نفسياً أحمق يخلقونه فيه كما يريدون لا كما خلقه الله! وكل هذا بعيد عن هذه الخصومة الموضوعية التي ندعو إليها ... ونخجل أن ندعو إليها لأن المفروض في الطبقة المثقفة من الناس أن تفهمها من نفسها وتنكر غيرها من ضروب الخصومة. وإذا كنت أنقد أنا مثلاً رجال «الحزب الفلاني» فليس معنى هذا أن بيني وبينهم عداوات أو تِرات، وليس معنى هذا أنني أقصّر في احترام العالم منهم لعلمه والمخلص لإخلاصه ... ولكن معناه أنني أعتقد أنهم أساؤوا بمجموعهم إساءة قد يكون مصدرَها تعمّدُ الإساءة، أو قد يكون مصدرَها الغفلةُ وحسن الظن، وقد يكون مصدرَها اجتهادٌ أخطؤوا فيه، فأنا أنقد هذا الاجتهاد وأحاربه وأكشف عن سيئاته، بل أنا أزدريه لأنني أراه باطلاً، وأزدري كل باطل، وهذا لا ينافي احترامي لأشخاصهم وإجلالي بعضاً منها. * * * هذا مثال من الخصومة الموضوعية، وأساسها أن تفرق بين الرأي وصاحبه، وأن تقتصر في دفاعك عن رأيك ومحاربتك لرأي خصمك على الحجّة التي تزيّف هذا الرأي من غير أن تتصل بصاحبه، وأن تحترم الرأي المصيب وإن كان صاحبه أسخف

стр. 232

الناس، وأن تزدري الرأي الفائل ولو كان صاحبه أعقل الناس. فإذا نحن اتفقنا على هذا، وإذا نحن امتنعنا عن الخصومة الشخصية وترفَّعْنا عن السباب والشتائم، تقدمت الحركة الفكرية في البلاد، وولَّدَت هذه المجادلاتُ المنطقية كثيراً من الحقائق. ويجب أن نتعود احترام الحقيقة ولو ظهرت بجانب خصمنا، أما إذا لم يكن شيء من هذا، ولم يمتنع من نخاصمه من التعرض للشخصيات واللجوء إلى غير الردود المنطقية، فإنّا لا نرى بداً من الدفاع عن أنفسنا بمثل هذا الأسلوب. ولا يجب أن يقتصر هذا التعديل في سير مجادلاتنا على السياسة وحدها، بل يتعداها إلى الأدب أيضاً، فالبَلِيّة فيه تكاد تكون أشمل، وذلك أن الحركة الأدبية -على الرغم من ضعفها في الشام- خالية من النقد الذي لا يقوم أدب أمة إلا عليه، وإذا ظهر ناقد وكتب عن أديب فإنه يكتسب عداوة هذا الأديب وعداوة أصدقائه. وقلَّ عندنا الأديبُ الذي يفهم النقد على وجهه أو الناقدُ الذي يسوقه على وجهه، في حين أن النقاد في بلاد الغرب هم الذين يرفعون قيمة الكتب بنقدهم، وهم الذين يبنون الأدب الحديث. وما يقال في الأدب يقال في الدين والعلم ... والخلاصة أننا حيال قضية قد يكون بقاؤها على حالها سبباً في ركود الحركة الأدبية والفكرية في البلاد، فيجب على الكتّاب والمعلمين إصلاحها وتهذيبها، وهي قضية «الخصومة» وما ينشأ عنها من منازعات وسيئات، وقد كان ينشأ عنها تقدم الفكر وظهور الحقيقة وزيادة التآلف لو كانت خصومة موضوعية شريفة. * * *

стр. 233

مشاهدات وأحاديث (١) «صحفي»! نشرت سنة ١٩٣٢ (١) [والآن يا أصدقائي القرّاء، هذه فصول «لاسياسية» أقدّمها إليكم بعدما فارقتكم شهرين من أجل الامتحان، فإذا انتهيتم من قراءة «الفصول السياسية» والأخبار المهمة -التي ليس لموظف مثلي أن يقترب منها- وبقي عندكم وقت فارغ، أو أحببتم أن تروا لوناً آخر من ألوان الكتابة الصحفية غير السياسة والأخبار (قد لا يكون سخيفاً دائماً) فاقرؤوا هذه الفصول القصيرة بين الآونة والأخرى!] كان على درجة من الاطلاع والعلم لا بأس بها. لولا أنه كثير الفخر بهذا العلم، فلا يدع مجلساً يُذكر فيه العلماء والمثقفون إلا وتحدث فيه عن نفسه: بأنه درس كثيراً من العلوم في الصف السادس الابتدائي، منذ عشر سنوات، وعلى الرغم من أن هذه العلوم الجليلة قد تبخرت من رأسه فقد بقي مجيداً للقراءة

стр. 234

والكتابة، يقرأ المقالة ذات العمودين ولا يخطئ إلا عشرين خطيئة، لا في النحو والصرف، فهذا مُغتفَر له، بل في التهجية، ولا مؤاخذة! أما أخلاقه فلم يكن فيها من عيب إلا أنها على غاية من ... وأنها نموذج كامل للـ ... * * * مرّت سنوات لم أره فيها، ولم أفكر فيه لأن صلتي به لم تكن تتعدى حد السلام، ولأنه خالٍ من كل ميزة علمية أو أخلاقية أذكره بها. ثم رأيته منذ أيام بعد غيبة هذه السنين، فسلمت عليه كعادتي فلم يردّ عليّ كعادته، ولحظت أنه يسير منتفخاً كالكرة شامخاً بأنفه إلى أعلى! فعجبت من شأنه وعزمت على التحدث إليه لأرى أي عَظَمة أُفيضت عليه: أأصاب إرثاً من قريب له في أميركا (بلد المال)، أم صار زعيماً في الشام (بلد الزعامات)؟ وإذا كان زعيماً فلماذا لا تصدّره الشام إلى بلاد الله الأخرى -كما تصدّر كلُّ بلد ما تنتجه- فتعوّض بإصدار هذا النوع ما خسرته من «القمر الدين»، ولا تنتبه البلاد الأخرى إلى أنه «مغشوش» لأن الغش فيه فنيٌّ يصعب اكتشافه؟! ولحقت به ففتحت معه باب الحديث: ها، سلامات سيد؟ ... سيد؟ - «فلان»! سلامات. - كيف الحال، إن شاء الله بخير؟ لم أرك منذ مدة، هل كنت مسافراً؟ ماذا تعمل في هذه الأيام؟ - والله ... صحافي.

стр. 235

- صحافي؟ ها، لعلك درست في هذه السنين وأحطت بما لا بد منه للصحافي من ثقافة واطلاع و ... - درست؟ أنسيت أني متخرج من ... - من الصف السادس الابتدائي. أعرف ذلك، ولكن الصحافة تحتاج إلى أكثر من هذه المعلومات. وكما أنه لا يجوز لامرئ أن يكون معلماً أو محامياً أو طبيباً إلا بعلم وشهادة، فكذلك لا يجوز لأي إنسان، جاهلاً كان أو ... وكنت أريد أن أمضي في حديثي لأكشف النقطة التي خفيت عليّ كثيراً، لولا أنه فاجأني بقهقهة مريعة أرعبتني، وضربة على كتفي جعلتني أقف مبهوتاً، ثم قال: شو هالحكي؟ بلا علم بلا ثقافة ... نحن في الشام! فأدركت حقيقة الواقع المؤلمة، وانصرفت عنه وأنا أقول: ولهذا صارت الشام دون بلاد الله. اللهمّ زد في صحافيينا المحترمين وبارك! (١) * * *

стр. 236

مشاهدات وأحاديث (٣) عندنا نهضة، ولكنها ضعيفة نشرت سنة ١٩٣٢ (١) موضوع مقالتنا: «النهضة الجديدة في سوريا». ولسنا نريد الإلمام به من جوانبه كلها، فهذا شيء يطول بنا ويَعرُض ولا تتسع له عشر مقالات، ولكنا نريد أن نبين علاقة هذه النهضة بالأدب الذي يغذّيها ويقوّيها ويسدد خطاها. ولا نزعم أن لرأينا الذي سندلي به قيمة الحقيقة الثابتة، ولكنه رأي، وعند احتكاك الآراء تظهر حقائق الأشياء. ونبرأ إلى الله والناس من أن يكون لنا غرض في نصرة حزب أو عداء آخر، ومن أي غرض شخصي يمكن أن تُساق له مثل هذه المقالات. تقوم النهضات على أسس ثلاثة: سياسية وأدبية واجتماعية، أو هي -على الأصح- أدوار ثلاثة لا بد من أن تمر عليها كل نهضة؛ ففي «الدَّور السياسي» تأخذ النهضة شكل الثورة الفكرية ويعمّ الغليان الأفكار الشعبية كلها فتتجه نحو غاية واحدة، وأكثر ما تتجلى هذه الغاية (في مثل هذه الأدوار) في النقمة على

стр. 237

الأوضاع الحاضرة، وتتخذ لها مظهرين: مظهر الاشمئزاز الشعبي الذي يخفت طويلاً ثم ينفجر بصورة مريعة، ومظهر النضال الشعبي المنظَّم الذي يسير بهدي الزعماء الوطنيين. على أن هذا الدور وإن بدا مستقلاً عن الدور الأدبي فإنه لا يستقل عنه في الحقيقة أبداً، وللأدب عملٌ في إنشائه وتهيئة الأفكار له (كما عمل أدب روسو وفولتير ومونتسيكو في إنشاء الثورة الفرنسية)، وعملٌ في تنظيمه (كما ينظم خطب الزعماء ومقالاتهم، وما هذه الخطب وهذه المقالات إلا أعمال أدبية). فأنتم ترون أن الدور الأول للنهضات -وإن كان سياسياً في مظهره- فإن العامل الذي يغذيه وينشئه هو الأدب. أما الدور الثاني فأدبي بحت يبدأ بعد هدوء هذه الثورة، ويتولى فيه الشعراء والكتّاب تجسيمَ آمال الأمة والإشادة بظفرها، ونبش تاريخها وإحياء ما فيه من مواقف مشرّفة وصفحات ناصعة، وتقويم اعوِجاج النهضة والأخذ بيدها، لتسلك على ضوء التاريخ والتجارب الحكيمة أقومَ المسالك إلى بلوغ الغاية. أما الدور الثالث فهو ثمرة النهضة ونتيجة هاتين المرحلتين، وفيه تتغلغل النهضة في النظم والعادات الاجتماعية فتهذّبها وتصلح أخطاءها، وتنشئ المجتمع نشأة جديدة وتعيد إليه الشباب والحياة. * * * وإذا نحن نظرنا إلى النهضة السورية (التي بدأت تجتاز الدور السياسي منذ أيام جمال باشا) وقسناها بهذا المقياس وجدناها

стр. 238

مضطربة خلواً من العامل الأدبي، ينطبق عليها قول المؤرخ الفرنسي هوفلاك عن الصين في عهدها الماضي، إذ يقول: "كنتَ لا تسمع أنّى سرت وحيث توجهت إلا أصوات التذمر والشكوى، ترتفع ثم تنخفض وتصير همساً، ثم تعلو حتى تكون ضجة وحشية هائلة. كان الشعب يُصيخ للمثقفين من أبنائه، ولكن هؤلاء المثقفين كانوا عاجزين عن تعيين أغراضهم وتوجيهها وجهة معروفة. المصلحون يَشْكون الاستبداد، والأدباء يشكون ركود الأدب، والأفراد يشكون الاضطراب والحيرة ... وكل أولئك هَاوٍ إلى قرارة المنحدر". ولم يقتصر الأمر عندنا على ضلال الأدب وِجْهَةَ الصواب، بل تعداه إلى الوقوف، إلى السكون المطلق، حتى إنك لتشكّ (وأنت في شكك على حق) بوجود أدباء في سوريا! وهكذا ضعفت نهضتنا واضطربت لأنها فقدت ما هو منها بمثابة العمود الفقري من الإنسان، وهو الأدب. ولا أريد بالأدب القصائد والمقالات فقط، بل أريد «الحركة الفكرية» بمعناها الواسع. أريد أن تُبنى نهضتنا على أساس فكري واضح وعلى ركن من الثقافة رَكين، وأن يُبدَأ بوضع هذا الأساس في المدارس وفي أدمغة الأطفال لينشأ جيل جديد يفهم النهضة على وجهها الصحيح. هذا ما نريد من زعمائنا أن ينتبهوا له، ومن أجل هذا كتبنا في دعوة الطلاب إلى الاشتغال بدروسهم، وقلنا لهم إن وطنية الطالب في درسه وعلومه وإن المستقبل يجب أن يُبنى على العلم، فاتُّهِمْنا بالرجعية! ومن أجل هذا دافعنا عن الجامعة وسفَّهْنا رأيَ من يدعو إلى إغلاقها -على ما قد يكون لهذا الداعي من حجج-

стр. 239

لأن الروح الجامعية، روح البحث الحر المفروض وجودها في كل جامعة، ضروريةٌ لبناء نهضتنا الآتية، فاتُّهِمْنا بموالاة أشخاص والدفاع عنهم! وأنا الذي لم ينتسب عمرَه إلى حزب ولم يأخذ على مقالة أجراً لا بالواسطة ولا مباشرة، ولم يؤجّر قلمه هذا الضعيفَ لمخلوق! * * * والخلاصة أن في سوريا نهضة لا يمكن إنكار وجودها، ولكنها ضعيفة مضطربة، فيجب أن تُقوّى بالأدب وتُغذّى بالحركة الفكرية، ليتسنى لها البقاء والنجاح ولا يعتريها الفشل والخذلان الذي سيحيق بها حتماً إذا بقيت سائرة في طريقها الحاضرة: لا أدباء يرسمون لها الخطط ويحفزون لها الهمم، ولا زعماء يقودونها ويوحّدون صفوفها ويعبّرون عن مقاصدها، ولا مصلحين يعالجون أدواءها الاجتماعية ويفتّشون على أدويتها ... هذا هو اللب، وما عداه فقشور يابسة وزَبَد يذهب جفاء! * * *

стр. 240

إلى المبشرين هذا الطاعون، التبشير، إذا كان المقصود منه النصارى فنصارى البلاد التي أشرق فيها فجر النصرانية أعرف بنصرانيّتهم وإنجيلهم من هؤلاء، وما هم في حاجة إلى تبشيرهم! وإن كان القصد منه المسلمون فليعلم هؤلاء أن ردّ الأرض إلى الشمس أسهل عليهم من ردّ مسلم واحد عن دينه! ولم نسمع إلى الآن بمسلم حقيقي واحد ارتدّ عن دينه. ولو أن هؤلاء المبشرين على شيء من العلم أو كانوا من أتباع المنهج العلمي في المناقشة لسوّينا حسابنا معهم منذ عهد بعيد، ولأقنعناهم بالحجة والبرهان بأن الحق معنا فيما نختلف فيه معهم، وأنا -الشاب القليل الاطلاع- أتحدى الآن أكبر مبشّر وأدعوه للمناظرة علناً، على أن يكون المنطق والبحث العلمي عماد هذه المناظرة، فإذا قَبِل بهذا الشرط فإني أقبل بأي شرط يشرطه عليّ إن كنت مغلوباً، وله أن يعيّن هو زمان المناظرة ومكانها! ثم ما هذه الجَرَاءة التي رُكبت في طباع هذه المخلوقات: الجراءة على الله والحق والتاريخ؟ لا يبالون في سبيل مبدأ من مبادئهم: أغضب الله، أم دِيس الحق، أم هُدم التاريخ! ويحسبون أن كلمة سخيفة في كتاب سخيف تهدّ أكبر حقائق الدنيا وتبدل

стр. 241

الباطل حقاً وتحيل الظلام نوراً! أما إننا لا نريد أن نثبت لهم الصواب، وليس يؤذينا ضلالهم ولا ينفعنا إيمانهم، وسواء لدينا أأخرسهم الحق أم أنطقهم الباطل، ما داموا في الهوان علينا حيث هم في الهوان على الحق، ولكنا نريد أن نقول: لو أن السيادة كانت لنا في بلادنا لما تجرؤوا على مثل ما تجرؤوا عليه، ولما استطاعوا أن يأكلوا خبزنا ويسبّوا ديننا، ولو أننا شعب حي لا يبعث بأبنائه إلى أعدائه لبقيت مدارسهم خالية، يبشرون الجدران لا الصبيان، ويبثّون سمومهم في المقاعد لا في القصائد ... فلنتعلم كيف نكون شعباً حياً! (١) * * *

стр. 242

من هو السنوسي ؟ نشرت سنة ١٩٣٣ (١) منذ تسعة أعوام أو قريب منها، وفي يوم صائف شديد الحر لا أزال أذكره، كنت في سوق الحميدية أشتري شيئاً لوالدي المريض في الدار، فإذا بقريب لي مدير مدرسة يجوز بي هو وتلاميذه ويدعوني للذهاب معهم لزيارة السنوسي. لم أكن أعرف أي شيء هذا السنوسي ولم أفكر في السؤال عنه، بل سرت معهم إلى دار الأمير سعيد في الجسر (٢) وكانت تعجّ -على سعتها- بوفود المغاربة ذوي البرانس الكبيرة، وغير المغاربة من وجوه الشاميين وكرامهم، حتى ما نجد فيها مكاناً نمرّ

стр. 243

منه، فوقفنا في الدهليز حتى طلع علينا السنوسي، وكان متوسط القامة نحيفاً أبيض اللون، له أنف أقنى كبير وشفتان رقيقتان، يلبس الثياب المراكشية، فقال شيئاً لا أذكره الآن. ولما انصرفنا سألت عنه ماذا يكون، فقال لي أحد الشيوخ: إنه شيخ الطريقة السنوسية. قلت: شيخ طريقة؟ أهذا كل شيء؟ وهززت رأسي ساخراً ولم أجب. ومرت سنون طويلة رأيت فيها من ألوان المصائب والعِبَر ما أنساني السنوسي وتلك الزيارة، حتى كان الأسبوع الماضي وقرأنا نبأ وفاته الذي روّع الناس وآلمهم، فأخذت القلم لأكتب عنه، ولكن رددته إلى مكانه وسألت عن السنوسي من جديد: ماذا يكون؟ فقالوا: زعيم عصابة مجاهدة كعمر المختار. أهذا كل شيء؟ ليبقَ القلم مكانه إذن، ولننتظر من يكتب عنه. وكتبوا وقرأنا، فما ازددنا بالرجل معرفة ولا عرفنا من سيرته شيئاً! وهكذا نحن أبداً، نمدح ونرثي، ولكن كل رثاء ككل رثاء وكل مديح ككل مديح: ألفاظ رنّانة وخيالات ضخمة، أما الحقيقة وتصويرها والنفس وتحليلها فشيء لا نعرفه. وهكذا جهل الناس السنوسي حتى ما يظنّونه إلا زعيم عصابة أو شيخ طريقة، فأحببت أن أعرّفهم به في هذه الكلمة الصغيرة كما عرفته أنا، وإن كان ذلك لا يشفي غليلاً. * * *

стр. 244

كان السنوسي إلى سنة ١٩١٦ صاحبَ الكلمة النافذة التي لا مَرَدَّ لها من حدود مصر إلى شاطئ الأطلسي، وكان اسمه مصدر الرعب والإجلال، وكانت الزوايا السنوسية منتشرة في الصحراء تبث فيها الروح والحياة، وكان السنوسيون أينما أرسلوا رُسُلهم شادوا زاوية. والزاوية مسجد ومأوى وقلعة ومدرسة في آن معاً، وشيخ الزاوية هو القائد والقاضي والمدرّس والواعظ ... إن الزوايا هي مراكز الحياة في الصحراء. كان جد السنوسي تلميذاً للسيد أحمد بن الإدريسي الذي قدم مكة من مراكش وأقام فيها يعظ ويعلّم، وكان ذلك سنة ١٢٤٠ هجرية، ثم بَثَّ تلاميذه في الآفاق لينشروا طريقته في الناس. وكان السنوسي رسوله إلى طرابلس، فلم ينشر الطريقة كما كان ينشرها شيخه، بل أسس جمعية نظامية متينة البناء تشبه في متانة تكوينها الجماعات الكبرى في أوربا: الفاشستية مثلاً، وتشبه من ناحية أخرى نظام الفرسان الذي عرفته أوربا في القرون الوسطى. وكانت خطته قتال الفرنسيين ثم الطليان، أما الإنكليز فكان ينوي تأجيل المعركة معهم، فلما قامت الحرب العامة أرسل أنور باشا إلى السنوسي الكبير -بإيعاز من السفارة الألمانية- يطلب إليه أن يغزو مصر تمهيداً للثورة فيها، فأبى السنوسي ذلك، وبعث باليوزباشي جمال (جمال باشا فيما بعد) إلى القسطنطينية على مركب شراعي فقرر فيها أن السنوسي الذي يقاتل الطليان لا يقوى على قتال الإنكليز معهم. ولكن القيادة العليا أصرت على رأيها، وذهب نوري شقيق أنور باشا إلى ليبيا وأجبر السنوسي على الهجوم، فكانت النتيجة الفشل لأن مصر لم تُرِدْ (أو لم تستطع)

стр. 245

القيام ضد إنكلترا. وعلى الأثر سافر السنوسي إلى القسطنطينية في غواصة ليبرّر موقفه بعد هذه الخيبة، ولم يعد بعد ذلك إلى ليبيا قط، ولم يرَ بعد ذلك صفحة الصحراء التي بَثَّ فيها من روحه روحَ الحياة. ولكنه لم يهدأ ولم يلجأ إلى الضعف والاستسلام، بل شرع يعمل، وماذا يضره أن يعمل في غير الصحراء؟ أليست كل البقاع ميادين جهاد في سبيل الله؟ وماذا يضره أن يحارب غير الطليان؟ أليسوا جميعاً أعداء الله؟ بلى، وبقي إلى ما بعد سنة ١٩٢٤ مواصلاً للخليفة حتى نفاه الاتحاديون، فلبث يتنقل من سوريا -حيث أخرجه حكام البلاد، الفرنسيون- إلى فلسطين -حيث طرده ولاة الأمر، الإنكليز- إلى الحجاز وعسير حيث استمر على جهاده إلى أن أدركته الوفاة. ولكنه لم ييأس قط ولم يعترِ عزيمتَه وهن، واسمعوه يحدّث مندوب جريدة «الفوسته تساتيونج» الذي قدم عسير سنة ١٩٢٧ ليفوز بهذه الكلمات: "نحن السنوسيين نعيش أحراراً ونموت أحراراً، ونقاتل الاستعمار الأوربي إلى الموت. قد لا نكون اليوم ظافرين، ولكن الحرب سجال، وسيأتي يومنا. هناك دول تَعِدنا بالمال الوافر إذا نحن أغمدنا سيوفنا، ولكنهم لو وزنوا جبال السّراة ذهباً وجعلوا كثبان الصحراء ألماساً لما نالوا منا مرادهم. لا يزال السنوسيون يقاتلون الطليان في طرابلس، وليس بينهم وبين البحر إلا مدة ثلاثة أيام، فإذا سرناها قذفنا الطليان في البحر! والآن: أيطالبوننا نحن السنوسيين بقبول الجنسية الإيطالية؟ كلا، لم نقبل، ولن نقبل أبداً. أهون علينا أن تُقطَع رقابنا من أن نحمل

стр. 246

جنسية إيطالية! إذا عدتَ إلى أوربا فقل للطليان إنهم لم يدركوا روح الإسلام، ولَرُبّ دولة كبيرة تصبح غداً صغيرة. هذه ألمانيا قد هُزمت وهذه روسيا قد قُسمت، ولكنهما نهضتا من جديد ... إن إيطاليا اليوم قوية والمسلمين ضعاف، ولكن الغد بيد الله". * * * إن ألف نفس كهذه النفس -ولو كان أصحابها عُزْلاً- تكفي لإنقاذ أعرق البلاد الإسلامية من الاستعمار. فعليك أيها البطل العظيم رحمة الله، وعلى المسلمين النائمين المتواكلين رحمة الله أيضاً. إنك ميت وإنهم ميتون! (١) * * *

стр. 247

_________ = بالحكمة والموعظة الحسنة وكرهوا التغيير بالقوة والعنف، ومنهجهم الفقهي يجمع بين الفقهين المالكي والحنبلي، وإن كانوا أقرب إلى تبني الاجتهاد ومحاربة التقليد. والسنوسيون يبالغون في الاهتمام بالعبادات ويَدْعون إلى الزهد، وهذا الجانب في دعوتهم جعلهم قريبين من الصوفية، لكن هذا القرب لم يمنعهم من أن يكونوا شديدي العداء لانحرافات الصوفية والإنكار على بِدَعهم وشركيّاتهم. وقد بلغت الدعوة السنوسية مبلغاً عظيماً من القوة وانتشرت زواياها من مصر إلى مراكش ومن البحر الأبيض إلى جنوب الصحراء، بل لقد جاوزت الشمال الإفريقي وصولاً إلى الهند وإلى الملايو في الشرق الأقصى. وللسنوسيين دور عظيم الأثر في الجهاد الإسلامي في الشمال الإفريقي، ومن أشهر قادتهم عمر المختار الذي كان تلميذاً للشيخ المهدي السنوسي. ومن شاء الاطلاع على القصة الكاملة لهذه الدعوة المباركة فليقرأ الكتاب الوافي للدكتور محمد علي الصلابي: «الثمار الزكية للحركة السنوسية» (مجاهد).

стр. 248

المؤمن لا يُلدَغ من جحر مرتين خذوا الصواب من قلب الخطأ نشرت سنة ١٩٣٣ (١) إذا كانت أعمال الإنسان وتصرفاته لا تخلو من خطأ مقصود أو غير مقصود، فما من خطأ إلا وفيه عبرة، والناسُ عِظةٌ للناس. ولعل من أفظع الخطيئات التي ارتكبناها في جهادنا ونضالنا الوطني (إذا لم نقل إنها أفظعها على الإطلاق) الاشتراك في الحكم متعاونين مع السلطة المحتلة التي رسمت لمن يتقدمون إلى المناصب الحكومية -من أي عنصر كانوا- خطة لا يسيرون على غيرها ودائرة لا يتجاوزون حدودها، فلم يبقَ أقلُّ فرق بين وطني مخلص مجاهد وخائن خانع مستسلم؛ كما يفعل هذا يفعل ذاك، والحرية للاثنين واحدة، وجُلّ ما هنالك أن الأول متى أُلقيَت إليه الأوامر من الملأ الأعلى يقول أولاً «لا» ثم يخضع، أما الثاني فيخضع لفوره! والنتيجة واحدة. دعونا نستعرض شيئاً من حوادث الماضي والرجال الذين

стр. 249

برزوا فيها (مع احترامنا لأشخاصهم) لنرى كيف تقدموا إلى المناصب وكيف خرجوا منها، ثم نستخلص من هذا العرض مبدءاً نقرّه ونعمل بموجبه ونسير على مقتضياته: (١) كانت الثورة في الشمال قائمة على قدم وساق يقودها إبراهيم هنانو وصبحي بركات، وقد أبى بركات أن يخضع وأن يستسلم فاضطرت السلطة المحتلة أن تعقد معه معاهدة الند للند، وجاءت به فجعلته رئيساً للبلاد السورية. فأكبر الناسُ فيه ذلك الإباءَ، ولا ننسى كيف احتفى به الدمشقيون حتى إنهم حلّوا جوادَي المركبة التي ركبها من محطة القطار وراحوا يجرّونها بأنفسهم! (٢) وقدّمت الكتلة الوطنية إلى منصب الحكم الشيخ تاج الدين الحسني، وأقامت له المظاهرات والمهرجانات في كل مكان، ولما أُعلنت الانتخابات للجمعية التأسيسية أطلقوا عليه لقب «تاج القائمتين»، أي القائمة الحكومية والقائمة الوطنية. (٣) وعندما تألفت الحكومة الحالية قدمت الكتلة الوطنية اثنين من رجالها للاشتراك في الحكم، هما جميل مَرْدَم ومظهر أرسلان، وراحت صحفها تتغنى بهذه "الخطوة الواسعة نحو الاستقلال التام الناجز" ... وأخيراً كانت نهاية الكل واحدة، وبقدر ما كان الاحتفاء بهؤلاء الرجال عظيماً كانت النقمة عليهم شديدة، فأية عبرة يجب أن نستخلص من عرض هذه الحوادث ورجالها أمام الأنظار؟ تُرى ألم يكن من الأفضل أن لا يتقدم هؤلاء الرجال إلى مناصب الحكم؟ ألم يكن الأفضل أن يبقوا في صفوف المعارضين فلا تخسرهم الأمة إلى الأبد؟ ألم يكن الأفضل أن يبقى الوطنيون على سياستهم السلبية مُعْرضين عن هذه التجارب العقيمة التي

стр. 250

أضعنا فيها رجالاً وأموالاً وأرواحاً، وأضعنا وقتاً ثميناً بألاعيب لا نجد ما نقوله فيها غير أنها صبيانية؟! ما ضرَّنا لو بقي هؤلاء الرجال في الجبهة الوطنية، يَلوح كل منهم بصفاته البارزة كلما اقتضى الأمر؟ ولكنه الخطأ الفاضح بوضع الشيء في غير موضعه أدّى إلى الحال التي نحن فيها، وإلى تلك العقيدة التي تقول بها أوربا وتتخذها مبدأ تسير عليه في سياستها الشرقية، وهي أننا قوم تستهوينا المناصب فننقاد إليها صاغرين. المبدأ الذي يجب أن نسير عليه بعد الآن لتبقى لهذه البقية من الجبهة الوطنية مَنَعتها وقوتها ووَحدتها هو الابتعاد عن مناصب الحكم والرجوع إلى السلبية المطلقة، ما لم يعلن الجانب الفرنسي بصراحة وبصورة رسمية مشروعَه لحلّ القضية السورية كاملاً، فنناقشه إذ ذاك على صفحات الجرائد على المكشوف بلا مفاوضة ولا مفاوضين. وما دمنا قد سلخنا ثلاث عشرة سنة ونحن على ما نحن، فلا بأس بثلاث عشرة سنة أخرى، ومضروبة بثلاثة عشر، والأمر يومئذ لله والنصر بيده يؤتيه من يشاء من عباده المخلصين (١). * * *
следующие страницы →