← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17213

البواكير

علي الطنطاوي

Полный текст (321 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

جنسية إيطالية! إذا عدتَ إلى أوربا فقل للطليان إنهم لم يدركوا روح الإسلام، ولَرُبّ دولة كبيرة تصبح غداً صغيرة. هذه ألمانيا قد هُزمت وهذه روسيا قد قُسمت، ولكنهما نهضتا من جديد ... إن إيطاليا اليوم قوية والمسلمين ضعاف، ولكن الغد بيد الله". * * * إن ألف نفس كهذه النفس -ولو كان أصحابها عُزْلاً- تكفي لإنقاذ أعرق البلاد الإسلامية من الاستعمار. فعليك أيها البطل العظيم رحمة الله، وعلى المسلمين النائمين المتواكلين رحمة الله أيضاً. إنك ميت وإنهم ميتون! (١) * * *

стр. 247

_________ = بالحكمة والموعظة الحسنة وكرهوا التغيير بالقوة والعنف، ومنهجهم الفقهي يجمع بين الفقهين المالكي والحنبلي، وإن كانوا أقرب إلى تبني الاجتهاد ومحاربة التقليد. والسنوسيون يبالغون في الاهتمام بالعبادات ويَدْعون إلى الزهد، وهذا الجانب في دعوتهم جعلهم قريبين من الصوفية، لكن هذا القرب لم يمنعهم من أن يكونوا شديدي العداء لانحرافات الصوفية والإنكار على بِدَعهم وشركيّاتهم. وقد بلغت الدعوة السنوسية مبلغاً عظيماً من القوة وانتشرت زواياها من مصر إلى مراكش ومن البحر الأبيض إلى جنوب الصحراء، بل لقد جاوزت الشمال الإفريقي وصولاً إلى الهند وإلى الملايو في الشرق الأقصى. وللسنوسيين دور عظيم الأثر في الجهاد الإسلامي في الشمال الإفريقي، ومن أشهر قادتهم عمر المختار الذي كان تلميذاً للشيخ المهدي السنوسي. ومن شاء الاطلاع على القصة الكاملة لهذه الدعوة المباركة فليقرأ الكتاب الوافي للدكتور محمد علي الصلابي: «الثمار الزكية للحركة السنوسية» (مجاهد).

стр. 248

المؤمن لا يُلدَغ من جحر مرتين خذوا الصواب من قلب الخطأ نشرت سنة ١٩٣٣ (١) إذا كانت أعمال الإنسان وتصرفاته لا تخلو من خطأ مقصود أو غير مقصود، فما من خطأ إلا وفيه عبرة، والناسُ عِظةٌ للناس. ولعل من أفظع الخطيئات التي ارتكبناها في جهادنا ونضالنا الوطني (إذا لم نقل إنها أفظعها على الإطلاق) الاشتراك في الحكم متعاونين مع السلطة المحتلة التي رسمت لمن يتقدمون إلى المناصب الحكومية -من أي عنصر كانوا- خطة لا يسيرون على غيرها ودائرة لا يتجاوزون حدودها، فلم يبقَ أقلُّ فرق بين وطني مخلص مجاهد وخائن خانع مستسلم؛ كما يفعل هذا يفعل ذاك، والحرية للاثنين واحدة، وجُلّ ما هنالك أن الأول متى أُلقيَت إليه الأوامر من الملأ الأعلى يقول أولاً «لا» ثم يخضع، أما الثاني فيخضع لفوره! والنتيجة واحدة. دعونا نستعرض شيئاً من حوادث الماضي والرجال الذين

стр. 249

برزوا فيها (مع احترامنا لأشخاصهم) لنرى كيف تقدموا إلى المناصب وكيف خرجوا منها، ثم نستخلص من هذا العرض مبدءاً نقرّه ونعمل بموجبه ونسير على مقتضياته: (١) كانت الثورة في الشمال قائمة على قدم وساق يقودها إبراهيم هنانو وصبحي بركات، وقد أبى بركات أن يخضع وأن يستسلم فاضطرت السلطة المحتلة أن تعقد معه معاهدة الند للند، وجاءت به فجعلته رئيساً للبلاد السورية. فأكبر الناسُ فيه ذلك الإباءَ، ولا ننسى كيف احتفى به الدمشقيون حتى إنهم حلّوا جوادَي المركبة التي ركبها من محطة القطار وراحوا يجرّونها بأنفسهم! (٢) وقدّمت الكتلة الوطنية إلى منصب الحكم الشيخ تاج الدين الحسني، وأقامت له المظاهرات والمهرجانات في كل مكان، ولما أُعلنت الانتخابات للجمعية التأسيسية أطلقوا عليه لقب «تاج القائمتين»، أي القائمة الحكومية والقائمة الوطنية. (٣) وعندما تألفت الحكومة الحالية قدمت الكتلة الوطنية اثنين من رجالها للاشتراك في الحكم، هما جميل مَرْدَم ومظهر أرسلان، وراحت صحفها تتغنى بهذه "الخطوة الواسعة نحو الاستقلال التام الناجز" ... وأخيراً كانت نهاية الكل واحدة، وبقدر ما كان الاحتفاء بهؤلاء الرجال عظيماً كانت النقمة عليهم شديدة، فأية عبرة يجب أن نستخلص من عرض هذه الحوادث ورجالها أمام الأنظار؟ تُرى ألم يكن من الأفضل أن لا يتقدم هؤلاء الرجال إلى مناصب الحكم؟ ألم يكن الأفضل أن يبقوا في صفوف المعارضين فلا تخسرهم الأمة إلى الأبد؟ ألم يكن الأفضل أن يبقى الوطنيون على سياستهم السلبية مُعْرضين عن هذه التجارب العقيمة التي

стр. 250

أضعنا فيها رجالاً وأموالاً وأرواحاً، وأضعنا وقتاً ثميناً بألاعيب لا نجد ما نقوله فيها غير أنها صبيانية؟! ما ضرَّنا لو بقي هؤلاء الرجال في الجبهة الوطنية، يَلوح كل منهم بصفاته البارزة كلما اقتضى الأمر؟ ولكنه الخطأ الفاضح بوضع الشيء في غير موضعه أدّى إلى الحال التي نحن فيها، وإلى تلك العقيدة التي تقول بها أوربا وتتخذها مبدأ تسير عليه في سياستها الشرقية، وهي أننا قوم تستهوينا المناصب فننقاد إليها صاغرين. المبدأ الذي يجب أن نسير عليه بعد الآن لتبقى لهذه البقية من الجبهة الوطنية مَنَعتها وقوتها ووَحدتها هو الابتعاد عن مناصب الحكم والرجوع إلى السلبية المطلقة، ما لم يعلن الجانب الفرنسي بصراحة وبصورة رسمية مشروعَه لحلّ القضية السورية كاملاً، فنناقشه إذ ذاك على صفحات الجرائد على المكشوف بلا مفاوضة ولا مفاوضين. وما دمنا قد سلخنا ثلاث عشرة سنة ونحن على ما نحن، فلا بأس بثلاث عشرة سنة أخرى، ومضروبة بثلاثة عشر، والأمر يومئذ لله والنصر بيده يؤتيه من يشاء من عباده المخلصين (١). * * *

стр. 251

من رسائل الصيف (١) رسالة مختصرة موجهة إلى «المَجْمَع الأدبي» نشرت سنة ١٩٣٣ (٢) أكتب إليك هذه الرسالة مَوْهِناً (٣)، وقد بلغتُ الدار مُذ هُنَيّة فألقيت بنفسي على كرسي من الكراسي ساغِباً لاغِباً (٤) وأخذت القلم بيدي ورحت أكتب إليك، وأنا أسرع وأهذي كما يسرع ويهذي من أكلته الحُمّى، ورحت أفكر خلال ذلك في ليلتي وكيف كنت أمرح مع الرفاق وأمزح، بل كنت أشدَّهم مرحاً وأكثرهم مزحاً، ثم اكتأبت فجأة وخَثَرَت نفسي، وخالطني

стр. 252

الشعور بالاستيحاش وأني غريب عن القوم، وسَرَتْ إليهم كآبتي فوَجَموا، وساءني وجومهم وزعمت أن فيه معنى النَّفرة مني وإنكاري، فاعتقدت أن انسحابي واجب، وقمت أريد الذهاب ولا أحسن له الاعتذار، ولا أستمع لما يُلقون من أسئلة وعبارات بل أمضي مسرعاً لا أعقِّب، أحمدُ الله في نفسي على أنّي نجوت منهم ونجوا مني، وإن كنت أعلم أنهم سيضحكون مني ما شاؤوا ويتندرون بي ما أرادوا. وهذا أنا أبداً؛ ألتقي بالناس وأُخلص لهم الود وأجاريهم في تفكيرهم وأحاديثهم، حتى إذا حسبتُني قد سكنت إليهم واطمأننت إلى صحبتهم هاج نفسي شيء من الأشياء فعادت إلى نِفارها، ورجعت إلى أنسي بالعزلة واستيحاشي من الناس، حتى غدوت أعتقد أني إنسان متوحش، وحتى غدا من أصعب الصعب عليّ أن أضطر إلى لقاء إنسان لم ألقَه أو التعرف إلى كبير من الناس ... وها أنَذا أفكر الآن كيف أجيب الدعوة التي تفضل عليّ بها أستاذنا العلامة الجليل محمد كرد علي للتعرف بأديب كبير يزوره. وأذكر أن واحداً من أجلّ وأكبر رجالنا تفضل مرة فدعاني، وذلك إبّان ازدهار دعوتي إلى العقال ونجاحها، وقد كُتب لها أن تنجح أمداً ليس بالقصير (١)، أقول إن هذا الرجل العظيم بعث يَسْتزيرُني، فتباطأت وتعلّلت -على رغبة في نفسي إلى زيارته- ثم لم أجد مخلصاً فضربت له موعداً ... ولك أن تثق أنّي قضيت ليلاً بطوله أفكر كيف ألقاه وماذا أقول له!

стр. 253

أفكر في هذا، وإنك لتعلم -كما يعلم كثير من الناس- أنه يُطلَب إليّ أن ألقي الخطبة ارتجالاً في أمر لم أُعِدَّ له شيئاً، فلا أتهيّب ولا أجزع ولا أحس بأن لفظاً أريده ناء عني، وأريد أن أقابل رجلاً ليس بيني وبينه أسباب متينة فأجزع وأعجز، ولا أجد لفظاً أردّ به هذه الجمل الطويلة العريضة التي يلقيها في وجهي مسلّماً ومجاملاً! فأنا جريء جداً إذا كتبت أو خطبت، ولكني خجول مضحك عَيٌّ إذا تكلمت أو قابلت إنساناً لا أعرفه، فكيف ألقى هذا الرجل الكبير؟ لقد فكرت في ذلك ليلة بطولها، ثم ذهبت قبل الموعد بساعات فانتظرت حول المكان، يقذفني شارع ليتلقاني شارع، ثم جاء صاحبي ودخلنا، فلم أدرِ كيف أجلس ولا عرفت كيف أسلّم عليه، ودارت الغرفة من حولي فاصطدمت بنَضَد عليه آنية، وحاولت الكلام فجاء متقطعاً خافتاً ... وخرجت ألعن فيّ هذا الحياء وأشتم من دَلَّ هذا الرجل عليّ، وأود لو تفتّحت لي الأرض فغصت فيها أو أويت إلى ركن مظلم لا ألقى فيه إنساناً! * * * لقد فكرت في هذا كله والقلم في يدي أريد أن أكتب إليك، وفي يدي الأخرى دعوة معالي الأستاذ الرئيس، تميل نفسي إلى إجابتها والتعرف بالكاتب الكبير، ثم أخشى الفضيحة فأنفر منها وأزمع الاعتذار إليه! فكرت في هذا كله فأحسست في نفسي الألم والضيق، فقمت أفتح شبّاكي وأطلّ منه على شارع بغداد المظلم الموحش، الذي حَرَمته «البلدية» من نور يكشف ما فيه من خزي

стр. 254

وبلاء (١)، ويلمس وجهي نسيم الليل العليل، فأنشَقُه (٢) وأبالغ في نشقه. لعلك تعجب يا صديقي من هذا الاندفاع وتظنني أمزح -لما تعلمه فيّ من الكلام والجدل، وما تعرفه من الصراحة (بل الوقاحة أحياناً) - ويعجب رفاقي الذين يقرؤون هذه الرسالة منشورة في «ألف باء». ولست أدري لماذا أنشرها على الناس، ولكنني أدري أنني أريح نفسي بنشرها وألقي عن عاتقي عبئاً يثقله! نعم، قد تعجبون، ولكن لا عجب، فأنا أندفع في الكلام والمزاح أحياناً لأدفع عن نفسي هذه العقيدة وأريها أني لست جافياً أبداً، ولكن لا أخلو إلى نفسي مرة عقب هذا الاندفاع إلا كان بيننا حساب طويل أخرج منه كسيراً محطماً! وإني لأغبط هؤلاء الأشخاص المرحين الذين لا يعرفون الألم إلا بأفواههم (كشاعرنا أنور العطار)، أغبطهم طويلاً وأتمنى أن لو كنت مثلهم. وليس مردّ هذا الجفاء إلى نفسي دائماً، بل إن هنالك من يَضطرني إليه، كبعض إخواننا أعضاء الهيئة الإدارية في «المجمع الأدبي»، فقد انتُخبت معهم فيمن انتُخب،

стр. 255

فأكرهت نفسي على الخروج من عزلتها والاندماج في هذه الكتلة الطيبة. ولا أنكر أن قد خالطني بَدِيّاً بعضُ الزّهو والسرور على أن كنت مع المنتخَبين، ثم مللت وضقت ذرعاً بهذا الانتخاب ووددت لو قدرت على الانسحاب، ولكني خشيت أن أصرّح بهذا وأكرهت نفسي كرّةً أخرى على العمل معهم، وحاولت أن أندمج بهم ولكني لم أفهمهم قط، وكنت منهم كالزيت من الماء: تمعسه معساً (١) ثم يأبى إلا الافتراق عن رفيقه، وإنه لَمَعَهُ في إناء واحد (٢). وكأني بإخواننا وقد أقاموا على ألسنتهم حارساً من أغراضهم فلا يتكلمون إلا بما فيه صلاحها، وعجزت عن هذا فقلت ما أعتقد، وآذيت مَن قلت له بما قلت واتخذته بذلك عدواً! ورأيتهم يبتّون في الأمور بما يريدون، لا يبالون بكثرة ولا بقلّة ... فآمنت بأني غريب فيهم، وعدت إلى عزلتي مُوقناً بأني امرؤ مستوحش بالناس لا أستطيع أن أسيغهم ولا يستطيعون أن يُسيغوني، ونفضت يدي من هذا المجمع ومن غيره من المجامع والجمعيات جملة.

стр. 256

والعجيب يا صديقي أنّي كلما خالطتني هذه العقيدة ازددت قوة على قوتي، وأحسست روحاً سامية تحلّ في روحي، فأزهد في الناس وفي كل ما يعتزّون به، وأغتدي وأنا آنَسُ بالفقر وأحب الظلام، وأشعر أن نفسي تتصل بعالم آخر تطلب عنده ما أعجزها وجوده في هذا العالم، عالم المجامع والجمعيات والمكر والنفاق. تتصل بعالم الخير والحق والجمال، تتصل بالله، والله حسبنا ونعم الوكيل. * * *

стр. 257

المجمع الأدبي وخصومه نَحْطِمُهم كما يَحْطِم النسرُ أمةً من الذباب بضربة من جناحه نشرت في «القبس» سنة ١٩٣٣ تفنّدني فيما ترى مِن شراستي ... وشدّةِ نفْسي أمُّ عمروٍ ولا تدري فقلت لها: إنّ الكريمَ وإنْ حلا ... لَيلقى على حالٍ أمرَّ من الصّبرِ وفي اللينِ ضَعفٌ والشراسةُ قوّةٌ ... ومَن لا يهَبْ يُحمَلْ على مَركَبٍ وَعْرِ وما بي على مَن لانَ لي منْ فظاظة ... ولكنّني فظٌّ أبِيٌّ على القَسْرِ وبعد، فقد طالما لِنَّا لهؤلاء الذين ينخرطون في أمر الأدب، ويدخلون فيه وما هم من أهله، ويتجرؤون على هذا المَجمع وينطحون صَفاتَه (١)، ولم نحب أن يكون بيننا وبينهم جدال خشيةَ

стр. 258

أن يُظَنّ أنّا منهم أو أنهم منّا، فخلّينا بينهم وبين ما يريدون، وكنا وإياهم كما قال الأول: وكمْ قائلٍ: ما لي رأيتُكَ راجلاً؟ ... فقلت له: مِنْ أجلِ أنّكَ راكبُ حتى إذا أكثروا علينا وحسبوا سكوتَنا عجزاً وترفّعَنا جُبْناً، لم نجد بُدّاً من أن نريَهم شيئاً من غِلظتنا كما أريناهم أشياء من ليننا. ونحن ما أنشأنا هذا المجمع الأدبي إلا لأن طائفة من الناس ادّعت هذا الأدب (وما الدعيّ كالصحيح النسب)، وبَعْبعَت فيه بغير علم، وظنَّت أن كل مَن أمسك بقلم وخطّ في صحيفة كان كاتباً نحريراً. ووَقَر هذا الظن في نفوسها، وآمن كل واحد منها إيماناً لا شك فيه في أنه أديب، حتى إن أحدهم ليوافق على أن الواحد ثلث الاثنين أو ربعها، ولا يوافق على أنه نصف أديب ولا ثلاثة أرباع أديب، ولا أقل بجزء من ألف جزء من الأديب! وإذا أنت سألته: ما الدليل على أنك كاتب أديب؟ قال: لأني نشرت كيت وكيت في جريدة كذا وكذا. فإن قلت: فلماذا نشرت ما نشرت؟ قال: لأني أديب. فهو أديب لأنه نشر مقالات، وهو قد نشر مقالات لأنه أديب! أمّا أن يقرأ كما يقرأ الأدباء من بني آدم ويدرس كما يدرسون، فيتقن النحو والصرف ويتمكن من اللغة ويدمن النظر في آثار البلغاء ويمسك بأسباب البيان، فذلك شيء لا يفكر فيه ولا يُجريه في باله! وكثرت هذه الطائفة وانتشر بلاؤها، وملأت الصحفَ بآثارها والمجامعَ والمجالس بأحاديثها، وطفقَت تكتب في الأدب، وما كتابتها إلا كصلاة حارثة الذي قال فيه الشاعر:

стр. 259

ألم ترَ أنّ حارثةَ بنَ بدرٍ ... يُصَلّي وهْوَ أكفرُ من حمارِ فأنشأنا هذا المجمع وانتخبنا له خير أدباء الشبان، وقلنا للناس: هذا عملنا، فمَن عمل مثله فهو مثلنا، ومن عمل خيراً منه فهو خير منّا، ومن عمل دونه فهو دوننا، لا فضل لأحد على أحد إلا بفضل عمله. وحفظنا لشيوخ الأدب في البلد أقدارَهم، ولم يفكر واحدٌ منّا في انتقاصهم والتسميع بهم (١). نستغفر الله، أننتقص شيوخنا وأساتذتنا؟ إنّا إذن لقوم سوء. ولا نزعم لأنفسنا احتكار الأدب ولا الاستئثار به، وهل الأدب بضاعة تُحتكَر؟ ولسنا سماسرة نتاجر به، وليس الأدب ممّا يُتاجَر به. نقول هذا صادقين ونعلنه، فمَن لم يفهمه أو لم يُرِد أن يفهمه فما علينا من إثمه شيء: عليَّ نحتُ القوافي من معادنِها ... وما عليَّ إذا لم تفهم «البشرُ» أو «البقر» كما قال الشاعر! وما علينا شيء من الإثم إذا كان في البلد قوم لا يرضون عن المجمع إلا إذا انتخبناهم أعضاء فيه، ولا نقدر على انتخابهم لأن صلتهم بالأدب صلة جهل لا صلة علم، وصلة عداء لا صلة ودّ. وليس في طوقنا إرضاء الناس جميعاً، ولكنْ في طوقنا أن نعمل ما نستطيع، وأن نسمع ونطيع لكل ناقد ناصح ينطق بالحق ويَهدي للّتي هي أحسن، ويدلنا على سبل الخير وينبهنا إلى مواطن الخطأ، ونقول له مقالة الرجل العظيم عمر: «رحم الله امرءاً أهدى إليّ عيوبي».

стр. 260

أما الذين لم يتعلموا من «النقد» إلا باب السبّ والشتم فلا نحفل بهم، ولا نقيم لهم وزناً، ولا نرد عليهم، ولا نقابل قولهم بمثله: ومَنذا يعَضُّ الكلبَ إن عَضّهُ الكلبُ بل نقنع من رضا الناس برضا عقلائهم وذوي الرأي فيهم: إذا رَضِيَتْ عنّي كرامُ عَشيرتي ... فلا زال غَضباناً عليَّ لئامُها * * * هذا منطق المجمع وذاك منطق خصومه؛ ندعوهم إلى نقدنا النقد الصحيح فيسبّوننا السبّ البذيء، ونقول لهم: اعملوا ونحن معكم، فيقولون لنا: اعملوا أو لا تعملوا فنحن عليكم. فاحكموا -يا أيها القراء- بيننا. دُلّونا على الرجل العالِم البليغ بين خصوم المجمع وأنا أناظره علَناً، وأَعِده أمامكم وعداً صادقاً أنني أخضع للحق إن ظهر أن معه الحق. دُلّونا على العاقل بينهم يأخذ على المجمع زلّة أو يخالفه في مسألة، يثبت أنه هو المصيب فيها ونحن المخطئون، لندَع خطأنا ونعود إلى صوابه. يقولون: حفلة المازني ... أنا لم أحضر الحفلة التي أقامها المجمع لتكريم المازني في دمشق ولكن إخواني حضروها، فقولوا لي ما الذي أخذتموه عليها حتى أميل معكم إلى الحق الذي تقولونه، أو تميلوا أنتم عن الباطل الذي تفترونه. أما السبّ والشتم فنحن والله أقدر عليه لو أردناه، ولا يُعجِزنا إذن أن نكيل لهم الصاع سبعة أَصْوُع وأن نَحْطِمهم كما

стр. 261

يَحْطم النسر أمّةً من الذباب بضربة من جناحه: ولي فرَسٌ للحِلْم بالحِلْم مُلجَمٌ ... ولي فرسٌ للجهل بالجهل مُسرَجُ فمَنْ رامَ تقويمي فإني مقوَّمٌ ... ومَنْ رامَ تعويجي فإني مُعَوَّجُ ولكنّا لا نحب أن نعجّل عليهم بالشر، وما نحب أن نكون من الجاهلين. على أن سبل النقد واضحة لمن يعرفها، وللنقد قواعد يُعتمَد عليها وآداب يُرجَع إليها. وفي المجمع كتّاب وفي المجمع شعراء، فهَلُمّوا انقدوا كتابتهم وشعرهم وبيّنوا مواضع النقص ومواطن الخطأ والانحراف فيها. أما ما كتبه خصوم المجمع إلى الآن فليس من النقد الصحيح في شيء، وإنما هو هجاء بذيء ولغط وهذَيان. وليس من النقد الفني ما جاء في مجلة «الدهور» على التخصيص، وما هو إلا مجموعة من الخطأ في الفكر واللحن في اللغة والركاكة في التعبير، نَمُرّ به مَرَّ الكِرام، وندعو «الزهور» وأهلها إلى نقدنا ولكن بعد أن يتعلموا فنّ النقد ويقيموا ألسنتهم في اللغة! فيا قوم، يا خصوم المجمع، استحيوا فالحياء من الإيمان. واكتموا حسدكم واكظموا غيظكم، واستروا نقدكم هذا كما تستر الهرّة ما يخرج منها وتغطّيه بالتراب! ستر الله علينا وعليكم، ونجّاكم من تأديبنا ونجّانا من سلاطتكم، ورزقنا وإياكم العقل والعلم، وعلّمَنا وإياكم الحكمة والمنطق. * * *

стр. 262

كلمة صغيرة في الأخلاق الشَّرَف نشرت سنة ١٩٣٣ (١) كثيرون ممن أعرف يَلقونني بالبِشْر ويبذلون لي الود، ويبدون لي الإخلاص من نفوسهم، ويرون رأيي ويسدّدونه؛ حتى إذا سكنت إليهم واطمأننت وكشفت لهم دخيلة أمري وأرسلت نفسي على سجيّتها في الصراحة، ذهبوا يسمّعون بي وينشرون في الناس ما كشفت لهم من دخائل، بل ربما زادوا ولفَّقوا عليّ ما يصغّرني في عيون الناس! وإذا وقع في كلامي اسم إنسان فذكرته بخير أو بِشَرّ كتموا الخير فوَأَدوه، وأخذوا الشر فكبّروه ثم صبّوه في أذنه. وربما كان بين من نذكرهم -إذا أخذنا في النقد الأدبي- من له علينا في وظيفته سلطان، والنقد لا يعرف كبيراً ولا صغيراً ولا يؤلم أديباً حقاً ما دام نقداً حقاً، ولكن ما حيلتنا فيمَن يحرّفه فينقله سباباً على أنه نقد، وكذباً على أنه حقيقة، وسعاية على أنها نصيحة؟ وفيمن يسمع هذا كله فيحقده في نفسه ثم يجزينا به شراً؟ في حين أنّا بُرآء من كثير مما يُروَى عنّا، وما ذنبنا إلا العزلة وعزة النفس!

стр. 263

وكثيرون ممّن أعرف لا يتورعون عن أن يعبثوا بالأمانة قد ائتُمنوا عليها ويسرقوا منها. ولست أعني بالأمانة صِرافة المال وحدها، بل إنني أَعُدّ من الأمانة متاع الدكان في يد الأجير، ومال الحكومة في يد الجابي، وحرمة القانون في يد الشرطي، وحق العدل في يد القاضي؛ فإذا انتفع الأجير بمتاع الدكان بالعارِيّة أو بالسرقة، أو زاد الجابي على الضريبة قرشاً له أو عَلَفاً لدابته يَتَغَفَّل عليها المكلف الجاهل، أو أغضى الشرطي على مخالفة من أجل صداقة أو لذة أو منفعة أو رهبة، أو مال القاضي لأحد الخصمين لمثل تلك الأسباب، فقد خان الأمانةَ وكان لصاً خائناً. وكثيرون ممّن أعرف لا يجدون في الكذب والنفاق سُبَّة ولا عاراً؛ أكون معهم في نقد رجل فيفيضون في النقد والشتم ما دار في فمهم لسان، ولا يَدَعون كلمة سوء إلا أودعوه إياها، فإذا لقوه مدحوه وتزلفوا وبشّوا في وجهه وزعموا أنهم من أصدقائه وأحبابه! وكثيراً ما سمعت لَعْن مقالة والسخرية بها من إنسان، ثم سمعته يثني عليها ويطريها! حتى لقد أصبحت الصراحة وأصبح الحق عجيباً، ولقد لامني أكثر من واحد على أنّي أواجه المرء بما آخذه عليه وأقذف بشتمه في وجهه، وهم لا يرون بأساً بالغيبة ولا بالكذب! * * * إن هذه الأخلاق منتشرة فينا انتشاراً مخيفاً يجعلنا نعتقد أن الشرفاء قليلون في هذه الحياة، وأن الشرف منكَر مستهجَن لا ينال صاحبه إلا الحرمان؛ فإذا كان تاجراً قلَّ زبائنُه وساءت سمعته، وإذا كان صحافياً فَقَدَ معونة أهل المال وعطف القراء وأضحى

стр. 264

مفلساً منبوذاً، وإذا كان موظفاً، معلماً مثلاً، حُرم الترقّي والنقل إلى المدن ولم ينفعه شفيع. ومثل هذه الحال حالُ الشريف في كل منزلة من منازل الحياة عندنا، بل لقد انتشرت في الناس فكرةٌ هَدّامة للأخلاق ما أدري من أين مصدرها؛ هي قولهم: ما دخل الأخلاق بالسلوك؟ كلٌّ على حدة. وماذا يضر المعلمَ سوءُ خلقه إذا كان حسن التعليم، والوطنيَّ إذا كان صادق الوطنية، والتاجرَ إذا كان حسن المعاملة؟ ولا يدرون أن الشرف أول شرط للرجل الصالح في الحياة، فإذا فقده فَقَدَ كل شيء. وأنت لا تستطيع أن تبعث بنتك لتتعلم العلم وتخسر عفافها وعرضها، ولا تقول يومئذ: لا دخل للأخلاق بالسلوك! * * * فيا أيها الناس، انتبهوا لأمر الشرف، وانبذوا النمّامين والكذّابين والمرائين والخائنين واللصوص، لصوص الأموال ولصوص الأعراض، أو فانتظروا الفناء، فإن البناء لا يقوم على غير أساس، وأساس بناء الأمة الأخلاق: وإنما الأممُ الأخلاقُ ما بَقِيَتْ ... فإن هُمو ذهبت أخلاقُهم ذهبوا * * *

стр. 265

الأدب القومي نشرت سنة ١٩٣٣ (١) كنت غائباً عن دمشق أقيم في قرية (٢) متعزّلاً الحركة الأدبية، فلم أرَ إلاّ اليوم كتاب الأستاذ أمين الريحاني «أنتم الشعراء»، ولم

стр. 266

أتعرّف الضجّة التي أثارها خطابه والخلاف الذي قام بين الأدباء بشأن الأدب القوي والأدب الباكي إلا على السماع. والكتاب، وإن كان -بعد هذا الإعلان الضخم الذي امتلأت به أسواق لبنان- أقلَّ مما كان يرقب الناس وأضأل، وإن كان الأستاذ يوصي الشعراء بإكرام سيبويه ونفطويه والكسائي، ثم يخالف سيبويه ونفطويه والكسائي وإخوانهم أجمعين مخالفة ترتجف لها عظامهم في قبورهم! وإن كان الأستاذ يسلك في كتابه أسلوباً لا يصيب من القارئ موطن الإحساس من نفسه ... أقول إن الكتابَ -وإن كان فيه هذا كله- صحيحُ الفكرة، والدعوة إلى الأدب القويّ التي بدأ يتولاّها مثل أحمد أمين في مصر وأمين الريحاني هنا، وأدعو إليها أنا (على ضعف قلمي)، دعوة صالحة مباركة. ذلك أننا نشكو من شبّاننا «الناهضين» هذا التأنّث، ونحس أنهم يُعوزهم الصبر على مقارعة الحياة والنضال على البقاء، ولا نجد للمستقبل في شبّاننا ذخراً، ونؤمن بأن علاج هذا الداء هو الأدب. لأن الأديب لسان الأمة الناطق بمفاخرها الذائد عن حِماها، ألمُه لآلامها وسرورُه بسرورها. بل هو منها بمثابة القلب، فهل يُعقل أن يعيش القلب مبتوراً متفرداً، لا تربطه بالجسد رابطة ولا يتصل إليه بسبب؟ الأدباء قادة الأمة، والأمة كلها في نضال على الحياة، على الحرية، فيجب أن ينقلب الوطن كله إلى ثكنة يحارب فيها الأديبُ بشعره ونثره، والمدرّسُ بتربيته وتعليمه، والتاجرُ بدكانه وبضائعه، والصانعُ بصناعته وأدواته، والمرأةُ ببيتها وأولادها،

стр. 267

والأولادُ بدروسهم وكتبهم ... فكيف يفرُّ الأديب من المعركة -وهو الجندي الأول فيها- وينسى الأمة ويستسلم إلى الضعف، ويصبّ مواهبه وقوّته على قدمَي امرأة، يحيا بابتسامة منها ويفقد الأمل إذا هي عبست أو أعرضت؟ من الذي علّقَ حياتك وأملك -أيها الأديب- على ابتسامة امرأة، قد تكون ساقطة، وقد تكون مبغضة لك ساخرة بك مُحِبّة لدراهمك؟ من الذي سدَّ في وجهك سبيل النور وحجبك عن ملذات الحياة ومفارحها ولم يُرِك إلا آلامها وأحزانها؟ لماذا ترى سواد الليل ولا ترى بياض الضحى؟ لماذا تصف بكاء السماء بالمطر في الشتاء وتدَع ضحك الأرض بالزهر في الربيع؟ وكيف تنسى رجولتك في حبك؟ أَحِبَّ ولكن لا تنسَ دينك ولا رجولتك في حبك. ابقَ رجلاً، انتصب قائماً على قدميك وشدّ عضلاتك وقُل لمن تحب (بالحلال): تعالي! لا أن تجيئها خاملاً متهافتاً ضعيفاً، تجثو على قدميها وتقول لها من خلال دموع الضعف في عينيك: أنا أحبك! إن المرأة لو خُيِّرت لما اختارت إلا الرجل القوي في جسده وفي روحه، الذي يعمل على تحقيق أمله في مستقبله، أمّا الرجل الأصفر النحيل البائس اليائس الميت من قبل الممات، فماذا تصنع به؟ هذا يحتاج إلى ممرّضة لا إلى حبيبة! * * * ثم إن للشاعر مجالاً يُظهر فيه عاطفته غير نفسه؛ هنالك الأمة بماضيها ومستقبلها، فليفكر بعقل الأمة وليحسّ بحسّها،

стр. 268

وليحترم عقله وليقدّس واجبه، فليس يكفي الشاعر أن يقول: هذه عاطفتي، ثم يأتي بكل مخدِّر للحس الوطني وكل بليّة خلقها الله، ويزعم أن هذا هو العاطفة، وأن عاطفة الشاعر فوق النقد وفوق العقل! وليس يجوز لشاعرنا أن يقول بمقالة شعراء الفرنجة: «الفن للفن»، كلا، فهذا هو القياس مع الفارق. للفرنجة مدافع وأساطيل وطيارات، فليستتر شعراؤهم بها وليغنّوا، أما نحن فمدافعنا وأساطيلنا وطياراتنا إنما هي في الأدب والشعر، وفي الإيمان قبلهما؛ فليكن لنا من كل مقالة مدفع، ومن كل قصيدة أسطول، ومن الإيمان قوة دونها قوة الطيارات. حسبنا بكاءً ويأساً ورثاء للماضي وفزعاً من المستقبل وتبرّماً بالحياة، وتصديقاً بالحب العذري وقاعدة «الفن للفن» وما إلى ذلك من سخف وبَلادة! * * * إننا نحتاج إلى الأديب الذي عرف آمال الأمة وآلامها، وأدرك ما يَسُرّها ويسوؤها، ثم تقدم لتصوير آلامها وتقويتها على تحقيق آمالها. نحتاج إلى الأديب الذي قتل التاريخ علماً وغاص على خفاياه ومعضلاته فأوسعها فهماً، ثم عمد إلى مواطن الفخر ومواقف الأسى فصاغها قصيدة عصماء، كل بيت منها بمثابة قطرة من الدم تُهراق على مذبح الحرية والاستقلال. نحتاج إلى الأديب الذي آمن بعقيدة سامية فيها مصلحة الوطن، ثم وقف نفسَه على الدفاع عنها وتأييدها. نحتاج إلى الأديب الذي ترفّع بنفسه عن

стр. 269

أقوال الناس، فلا يثيره مدح ولا ذم، ولا يستفزّه نقد ولا تقريظ، ما دام سالكاً الطريق القويم والصراط المستقيم. نريد من شبّاننا الذين يتلقون الأدب أن يتحامَوا أدب لامارتين وموسّه والمجنون (١)، وأن يتحاموا أغاني عبد الوهاب الباكية اليائسة، وأن يقرؤوا أدب القوة ويسمعوا أناشيد الحماسة، وأن يعلموا أن المثل الأعلى لأدبنا اليوم ليس «الفن للفن» ولكن «الفن للحياة»، وليس «العاطفة» بل «الواجب»! * * *

стр. 270

الأدب القومي أيضاً نشرت سنة ١٩٣٣ (١) [قرأنا -ولمّا نمسح القلم من مقال «الأدب القومي» - فاتحة عدد الأمس التي تكلم فيها الأستاذ يوسف (٢) عن فلسطين وأنذر العرب «داهية دَهياء لا ينادى وليدها»، فأحببت أن أعلق عليها بهذه الكلمة.] أريد أن أخاطب بهذه الكلمة أدباء العربية جميعاً، وأريد أن يتريّث إخواننا الأدباء العاطفيون في الحكم عليها، ولا يثوروا ثورتهم المعروفة على كل من يقدح في عاطفتهم المقدَّسة، فلست

стр. 271

أنكر عليهم أن يحسّوا وأن يتألموا، وأن يصفوا هذا الألم العبقري ويُخرجوا للناس في وصفه الآيات البيّنات، ولكني أسألهم: أيهيج نفوسَكم ويؤلمكم ويسوّد الدنيا في عيونكم حبيبٌ يُعرِض عنكم، أو ليلة وصال منه تخسرونها، أو ابتسامة يُحجَب عنكم نورها، ولا يؤلمكم أمة في فلسطين تضيع بقَضّها وقَضيضها، يهاجمها في عقر دارها أذلّ شعب وأهونه على الله والتاريخ؟ ألا يؤلمكم أن تُمحى صفحة بيضاء من سجلّ حياة أمتنا على وجه الأرض؟ ألا يحرك شعوركم وعاطفتكم هذا كله يا أدباء العربية؟ فأين هي إذن «القصائد الفلسطينيات»؟ وأين «الروايات الفلسطينيات»؟ أين الأقلام الحرّة المؤمنة التي يتطوّع أصحابها ليكونوا جنوداً في معركة فلسطين: تصف نكبة فلسطين وتحرّك الدنيا لنصرة فلسطين، بل تهزّ قبل ذلك أهل فلسطين وجيران فلسطين ليتداركوا فلسطين قبل أن يأتي يوم يندمون فيه، وليس ينفع في ذلك اليوم الندم؟ إننا نعلم أن الشعراء أرقّ الناس شعوراً وأدقّهم إحساساً، وأن الشعر من الشعور، فعلامَ لا نسمع هذا الشعر؟ أليس هذا كله ثمرة انصرافنا عن الأدب القومي وتقليدنا تقليداً أعور هؤلاء الشعراء الرومانسيين من الفرنسيين وغير الفرنسيين الذين يرون الدنيا كلها في نفوسهم، ويعيشون للهوى والعاطفة؟ في حين أن هذا المذهب قد مات اليوم في وطنه، وأن كثيراً من أولئك الشعراء أنفسهم كانوا في مقدمة المدافعين عن أوطانهم، وكانوا إذا جَدَّ الجِدُّ نبذوا هذه الترّهات جانباً وتقدموا للنضال، حتى إذا انجلى الغبار وأمِنَ الناس استسلموا إلى هذه الأحلام وهم نيام،

стр. 272

فكان هذا الأدب مجموعة هذيانهم في أحلامهم. أنا أراهن على أن أكثر الناس لا يدرون من أمر فلسطين إلا قليلاً ولا يعلمون عن نكبتها شيئاً، فلينظم الشعراء القصائد في نكبة فلسطين، وليتغنَّ المغنّون بشعر فلسطين، ولتؤلَّف اللجان في كل بلد عربي، في كل بلد مسلم لإنقاذ فلسطين، ثم انظروا ما يكون: مَن يقرأ هذا كله أو يسمعه ثم يقيم آمناً في داره يأكل ويشرب ويلهو ويلعب، ولا يقول لأولاده وبناته: اقتصدوا في نفقاتكم ووفّروا ما تشترون به الحياة لإخوانكم، لنجتزئ بالثوب عن الثوبين، وباللون من الطعام عن اللونين، ثم ندفع هذا وذاك ثمناً لحياة فلسطين ... وقد دفعه أجدادنا في حطين يقودهم صلاح الدين؟ لقد مرّ على دخول الإنكليز فلسطين خمس عشرة سنة، ودخول اليهود معهم، حشرات متعلقات بأذنابهم. أفما تكفينا خمس عشرة سنة (١) لنصحو من نومنا ونفتح عيوننا، فنبصر الماء يجري من تحتنا وبوادر النار من حولنا، والهوة السحيقة أمامنا نمشي إليها بأقدامنا؟ إن كل عربي وكل مسلم على وجه الأرض مسؤول عن نكبة فلسطين ومُلام إن قصر بالدفاع عنها. لم تأتِ الآن معركة الدم والحديد، فلنحارب بالمال، لنردّ عدوان اليهود بالفكر السديد، بالخُطَط المدروسة، بالاتحاد، وقبل هذا كله وبعد هذا كله بالعودة إلى الله، لأن العدوّ مهما كبر ومهما كبر مَن يعينه وينصره فالله أكبر، فمن كان مع الله لم يخَف أحداً.

стр. 273

لنبدأ بجمع المال لإنقاذ فلسطين، ليقدّم كلٌّ ما يستطيع لا يخجل به مهما قلّ. أنا رجل مفلس، ولكني أستطيع أن أقدّم نصف ليرة كل شهر، فليقدم كلٌّ ما يستطيع. إن السائل الذي يمدّ يده إلى الناس يستطيع أن يقدّم نِكلة في الشهر، فليقدّمها. نكلة في الشهر، وقرش في الشهر، وفرنك في الشهر، وربع ليرة في الشهر، ونصف ليرة في الشهر (١) ... تجمع مبلغاً ضخماً من المال يكون له أثره في إنقاذ فلسطين. * * * الأدب، ثم المال، ثم الدم ... هذه هي أركان الحياة؛ فإذا كان فينا مخلصون فليسيروا في هذا الطريق بخطوات سريعة وثابتة. يا أيها الناس، إخوانكم يُطرَدون من ديارهم ويموتون، فاشتروا حياتهم بمالكم. إن شبح الموت يلوح في أدنى الأفق، ولا يجوز الصبر يوماً واحداً. إن النار إذا بلغت فلسطين فإننا نحترق لا محالة. * * *

стр. 274

بالأسلوب التلغرافي تَرَقّي الموظف نشرت سنة ١٩٣٣ (١) قال لي صديق وأنا آيِبٌ من قريتي أمس: من أين أقبلت؟ أرى عليك وَعْثاء السفر. قلت: من قريتي. فابتسم الخبيث، وخالني أمزح فقال: ألك قرية؟ لقد أيْسَرْتَ بعدي! - ما أيسرت بعدك، وإني لمعلم صبيانها لا ربّ أرض فيها (٢). - وما كان أغناك عن أن تعلم صبيان قرية وفي دمشق متسعٌ لمن شاء أن يُجَنّ فيعلم الصبيان؟ - أتقول عني مجنون؟ قبّحك الله!

стр. 275

- فكيف تدع دمشق إذن إلى قرية؟ - وَيْكَ! إنها الوظيفة. - هَبْها كذلك، ألا تسعى في نقلك إلى دمشق، وقد نقلوا إليها حتى الحِـ ... - أنا أسعى؟ لست أستطيع يا صاحبي. - وعلامَ لا تستطيع؟ جدَّ في وظيفتك وأخلص فيها. - أنت مغفل! أهي بالجِدّ والإخلاص؟ - إذن بماذا؟ - بصفتين: أولاهما وخيرهما النفاق، فما بالك بشرّهما؟! * * *

стр. 276

بالأسلوب التلغرافي نحن وفلسطين نشرت سنة ١٩٣٣ (١) - أتدري ماذا صنعنا من أجل فلسطين؟ قلت: وما يدريني؟ فأخذ سمت الزهو والفخار وقال: احزِرْ. قلت: أحسبكم قد جمعتم لهم ذهباً عربياً تحاربون به الذهب الصهيوني، وتنشئون به جمعية تشتري كل أرض تُعرَض للبيع وتقطع السبيل دونها على الجمعيات الصهيونية، وهذا خير ما تصنعون، فليس يَفِلّ الحديدَ إلا الحديدُ، وليس يغلب الذهب إلا الذهب. - لا، ما جمعنا شيئاً. - إذن فأنتم قد أقسمتم بأغلظ الأيمان، وأعطيتم العهود الشِّداد، أنكم لا تشترون ولا تتوسطون في شراء بضاعة صهيونية أو إنكليزية، وأنكم تسيرون عراة إذا أعجَزَكم ما تسترون به

стр. 277

أجسادكم إلا منها، لتُروا العالم أنكم أمة من الأحياء، وأنكم لستم من الجنون بحيث تشتمون عدوكم ثم تعطوه من مالكم ما يشتري به السيفَ الذي به يذبّحكم! - لا، ما أقسمنا هذا القَسَم ولا قاطَعْنا. - أحسبكم إذن تريدون أن تساعدوهم بسواعدكم، وهذا حسن، ولعلكم بعثتم إلى إخوانكم في فلسطين بعثاً يكون معهم لله وللدم، لا للاستغلال الحزبي والفخر الكاذب! - لا، لا ... احزر. - لست أستطيع الحَزْر. - لقد خطبنا في «الأموي» خطباً كالنار! - حسبك؛ لقد فهمت، فاسمع ما صنع زميلكم من قبل: خرج بإبل له كثيرة يرعاها، فاعترضه قاطع طريق فذهب بها، ووقف صاحبنا ينظر إليه، ثم عاد إلى أمه يقول: «أوسعته شتماً وأَوْدَى بالإبل»! وأنتم أوسعتموهم خطباً ومظاهرات وأَوْدَوا بفلسطين ... يا للعار! * * * أمَا إن الخطب والمظاهرات تبني مجداً، ولكن في الهواء! فابنوا يا أيها الناس مجداً في الأرض ثابتاً، أو فاصمتوا. إن قضية فلسطين تحتاج ذهباً وسواعد لا خطباً ومظاهرات! * * *

стр. 278

نقد «مجلة المعلمين والمعلمات» التربية الوطنية والدينية نشرت سنة ١٩٣٣ (١) [سادتي الأساتذة الأجلاء التنوخي وصليبا وعيّاد (٢): أما وقد سُجِّل عليكم أنكم القائمون على تحرير مجلة المعلمين والمعلمات، وغدوتم مسؤولين عند الله والناس عن هذه المجلة وعن الحركة الإصلاحية في التربية، فليس لكم بد من أن تولوها من العناية أكثر من منحكم إياها أسماءكم الكبيرة لتتكئ عليها في نهوضها وظهورها للناس، وأكثر من منحكم إياها مقالة كل شهر تكتبونها على عجل كتابةَ مَنْ يودّ الخلاص من تكليف لا كتابةَ مَنْ يكتب لنفسه. وإذا كان الناس يجدون للسيد محمود مهدي (٣) العذر

стр. 279

في ظهور المجلة بهذا الشكل (لأنه كان منفرداً بالنهوض بها) فلا والله لا يجدون لكم عذراً، وإن لم تقم مجلة المعلمين على عاتقكم -وأنتم خير من ينهض بها في دمشق- لا تَقُمْ لها قائمة. وأنتم يا سادتي تهتمون بنهوضها وتقدمها ويسركم أن تسمعوا الآراء في ذلك، ثم يكون إليكم تمحيصها وقبولها أو رفضها. وهذا رأي أراه صواباً إلى حين أسمع البرهان على غير ذلك، فإذا تفضلتم بقراءته أكون لكم شاكراً ويكون لكم الفضل.] إننا نسوق هذه الكلمة إلى كُتّاب مجلة المعلمين والمعلمات وقُرّائها صريحة واضحة، لا نسلك فيها سبل التعريض ولا نُجَمجم فيها القول، آملين ممن يرى فيها رأينا أن يعمل بهذا الرأي ويأخذ في إذاعته، وممّن يخالفنا فيه أن يقرع بحجّته حجّتَنا ويأكل بدليله دليلنا. وذلك أننا نعتقد أن في مباحث التربية ما هو لازم لنا لا مناص لنا من نشره والعمل به، فهو بمثابة الغذاء الذي ما منه بُدّ. وفيها ما هو بمثابة الحلوى، فيها لذة وفيها متعة، ولكن المرء يعيش وإن لم يأكلها. وفيها ما هو بمثابة الدواء، نأخذ منه ولكن

стр. 280

بقَدْر مقدور لعلّة معروفة. ومنها ما هو بمثابة السم، كيفما تأخذه لا يأتي بخير (١). أما النوع الثاني والأخير فخيرٌ لنا أن ندع البحث فيه في المجلة، وأن لا نملأ به صفحاتها ونهمل من أجله النوع الأول والثالث، وهما كل ما نحتاج إليه اليوم. على أنّ جُلّ ما يُنشَر في المجلة هو من النوع الثاني والأخير! فطريقة تدريس الرسم شيء لذيذ ممتع ولكنه كلذة الحلوى، لا تصلح للجائع الذي لا يجد الخبز. وترجمة بحوث التربية من الفرنسية شيء حسن، ولكنه ثوب خُلق لغيرنا، فلنصلح أكمامه وجيوبه حتى تصلح لنا قبل أن نلبسه واسعاً نضيع وسطه أو ضيّقاً يتمزق من دوننا! وليُعلَم أن هذه البحوث تختلف عن البحوث العلمية في الكيمياء وأمثالها، ولا يجوز أن نطلق عليها اسم «العلم» وننقلها على أنها حقيقة لا تتبدل، فهي تتبدل بتبدل العادات والسجايا الوطنية والدينية التي تنشأ عنها قواعد التربية. ولا شك أن كثيراً من هذه البحوث مما لا نستسيغه ولا يتواءم وعاداتنا وسجايانا الوطنية والدينية، كما لا يستسيغ الألماني بحوثَ التربية الأميركيةَ والفرنسيُّ اليونانيةَ والإسبانيُّ الإيطاليةَ. وأما النوع الثالث فهو ضروري لنا ضرورة الدواء للجسم

стр. 281

العليل، ولكن لا نكاد نجد منه في المجلة شيئاً يُذكَر. وأنتم ترون هذه الآفات تفتك بأخلاق أبنائنا وتجعل من بعضهم -وهم رجال الزمن الآتي وعماد صرحه- عنصراً ثالثاً، فيه لين وضعف ويختلف عن عنصرَي البشر المعروفَين! وترون هذه العادات السيئة تهدم علينا المدرسة الأولى، مدرسة الأم، وتجعلها عاملاً على الفساد وغرس بذور الشر في نفوس النشء! وترون هذا التدهور العلمي المريع في إخواننا المعلمين، حيث ينصرف أكثرهم عن المطالعة والدرس ويودّعهما وداعاً لا لقاء بعده من يوم يودّع المدرسة، فلا تمر عليه سنة بعد ذلك إلا ازداد فيها جهلاً ... هذا كله نراه عياناً ونحس خطره، ثم لا نحرك قلماً في نقده وبيان علاجه؟ وأما النوع الأول فهو ركن التربية، بل ركن الحياة؛ وهو التربية الوطنية والدينية. وإن من آكد الواجبات على المشرفين على الحركة التعليمية في هذا البلد، من رجال العلم ورجال الأمر، أن يعتنوا بها ويرفعوا من شأنها، ويجعلوها المبدأ الذي عنه يَصدرون والغاية التي إليها يسعون. التربية الدينية والوطنية هي التي تحفظ لنا كياننا قائماً، وتجعل منا أمة حية متماسكة البنيان ثابتة الدعائم. وأعني بها تلك التي تحل فيها الحقائق الوطنية والدينية المحل الأول، وتكون الغاية منها إخراج رجال صِلاب يصلب بهم صرح الوطن، لا رجال مائعين يذوبون في فكرة الإنسانية. ولست أنكر أن فكرة الإنسانية من أجمل السخافات وأحلاها، ولكنها لا تخرج عن أنها سخافة. «الإنسان أخو الإنسان»؟ كلام

стр. 282

حلو، ولكن هل له من حقيقة؟ النحّاس (رئيس وزراء مصر) أخو السير بيرسي لورين؟ غاندي أخو الملك جورج؟ الشيخ أمين الحسيني أخو اللورد بلفور؟ أنا أو أنت يا صديقي القارئ المسكين أخو الكونت دومارتيل؟! (١) ليس في الدنيا فكرة إنسانية ما دام القائلون بها كذلك الذي كان يذبح العصافير في يوم بارد، فقال عصفور (رأيه كرأي بعض إخواننا): أما ترى شفقة هذا الإنسان وبكاءه علينا؟ فقال الآخر: ويحك، لا تنظر إلى الدموع في عينيه، بل انظر ما تصنع يداه! وليس في الدنيا فكرة علمية في التربية والتاريخ، وكبارُ العلماء يدوسون أقدس شيء في هذه الفكرة ليصلوا إلى تحقيق مأرب وطني. ومهما يكن من أمر الإنسانية والعلم ودخلهما في التربية فإنهما لا تغنيان عنّا من الحياة شيئاً، فيجب أن نحيا أمةً مستقلة قوية قبل كل شيء. ولا حياة لنا إلا إذا ارتكزت برامجنا في التربية والتعليم على مبدأين عظيمين: الله والشعب، أي الدين والتاريخ، حتى لا يكون في هذه البرامج بحث أو كلمة تخالف الدين أو تُضعف أثره في نفس صاحبه، ولا يكون في المعلمين معلم واحد يعمل على هذه المخالفة أو هذا الإضعاف، ولا يكون فيها صفحة واحدة من تاريخ أجنبي -مهما كان هذا التاريخ- إلا بعد أن نحيط

стр. 283

بتاريخ أمتنا كله ونفقهه حق الفقه، وأن تكون رواية هذا التاريخ بأسلوب يبعث الفخر بمواقفه الظاهرة والتأثر بمآسيه، وأن تُشرَح فيه عظمة العلماء شرحاً يجعل منهم في نظر التاريخ مصابيح للإنسانية خالدة وينقش أسماءهم على صفحات قلبه. * * * هذا ما أرجو أن تعنى به مجلة المعلمين والمعلمات، أنشره موجزاً، وأرقب من الأساتذة الأجلاء القائمين عليها رأيهم فيه. * * *

стр. 284

نصائح لمن كان يتعلم الوطنية نشرت سنة ١٩٣٣ (١) أنا أتناول موضوعاً بالدرس والبحث، لا أشخاصاً بالسباب والمهاترة. وما كان السباب خلقاً صالحاً ولا وسيلة لبلوغ الغايات صالحة، ولا يصبح المرء ظافراً إذا شتم وسبّ ولكن إذا دلّلَ وأثبت. ثم إن النصيحة إذا صدرت عن الإخلاص المجرَّد ولم يكن مبعثها رهبة ولا رغبة (وهذا ما نرجو الله أن يهبه لنا) فإنها لا تخرج عن واحد من أمرين: إما أن تكون نافعة معقولة، وإذن فعلى العاقل قبولها شاكراً، وإما أن يكون الناصح قد أخطأ في اجتهاده فكانت سيئة ضارة، وإذن فتُرَدّ ويُشكَر صاحبها على إخلاصه واجتهاده. وقد جعلت العنوان «نصائح لمن كان يتعلم الوطنية» حتى يبقى قاصراً على هؤلاء الشبّان من طلاب وغير طلاب، الذين لا نشك اليوم في إخلاصهم ولكنّا نشك في صحة فهمهم معنى

стр. 285

الوطنية. ولا يلزم نصحنا لهم أن نكون خيراً منهم أو أعقل، لا، فما نريد الآن أن ندّعي شيئاً من هذا، وما نريد إلا الإصلاح ما استطعنا. * * * ويحسن بنا -قبل أن نتوغل في الموضوع- أن نتساءل: ما هي الوطنية؟ أهي كل عمل ينفع الأمة ويعود على الوطن بالخير والفائدة، أم هي قاصرة على الانتساب لحزب من الأحزاب وعلى الصياح والتهليل والهتاف؟ هنا تبدأ مسألتنا: فعلى الرغم من صحة الرأي الأول نجد أن الثاني -على فساده- هو المعروف بيننا، الذي يقرّه الناس بأفعالهم وإن لم يكن هناك من يجرؤ على الدفاع عنه وتأييده، بل ربما سعوا إلى البراءة منه. غير أننا نُثبت سَلَفاً أن الناس يفهمون الوطنية هذا الفهم المقلوب بما نجده من احترامهم لأناس ليس لهم من فضيلة إلا السعي في إغلاق المدينة أو تسيير المظاهرة، أو تشقيق الحناجر بالهتاف في كل مناسبة وفي غير مناسبة. ويكفي أن يُطرَد طالب أو يُضرَب إنسان حتى تغلق المدينة. ونحن لا نريد السكوت على طرد طالب ظلماً أو ضرب إنسان اعتداء، ولكننا إذا أغلقنا المدينة لمثل هذا الحادث التافه فماذا نصنع إذا وقع لنا من الحوادث ما فيه روعة وجلال؟ وإذا كنت تطلق مدفعك على هرة فماذا تعمل إذا عدا عليك الأسد؟ هذه الأولى، فأنا أودّ لو احتفظ إخواننا بقوتهم ليوم الحاجة ولم يضعوا السيف في موضع العصا.
следующие страницы →