Полный текст (4 158 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
شَيْءٌ تَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ الزَّكَاةُ فَإِنَّهُ يَجْعَلُ لَهُ شَهْرًا مِنَ السَّنَةِ يُقَوِّمُ فِيهِ مَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ عَرْضٍ لِلتِّجَارَةِ وَيُحْصِي فِيهِ مَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ نَقْدٍ أَوْ عَيْنٍ فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ كُلُّهُ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ فَإِنَّهُ يُزَكِّيهِ
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي الْمُدِيرِ الْمَذْكُورِ لَا يَنِضُّ لَهُ فِي حَوْلِهِ شَيْءٌ مِنَ الذَّهَبِ وَلَا مِنَ الْوَرِقِ فقال بن الْقَاسِمِ إِنْ نَضَّ لَهُ فِي عَامِهِ وَلَوْ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ فَمَا فَوْقُهُ قَوَّمَ عُرُوضَهُ كُلَّهَا وَأَخْرَجَ الزَّكَاةَ وَإِنْ لَمْ يَنِضَّ لَهُ شَيْءٌ وَإِنَّمَا بَاعَ عَامَهُ كُلَّهُ الْعُرُوضَ بِالْعُرُوضِ لَمْ يَلْزَمْهُ تَقْوِيمٌ وَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ لِذَلِكَ زَكَاةٌ
وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ بن عبد الحكم عنه ورواه بن وهب عن مالك بمعنى ما رواه بن القاسم
وذكر مالك عن مطرف وبن الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ عَلَى الْمُدِيرِ أَنْ يَقُوِّمَ عُرُوضَهُ فِي رَأْسِ الْحَوْلِ وَيُخْرِجَ زَكَاةَ ذَلِكَ نَضَّ لَهُ فِي عَامِهِ شَيْءٌ أَمْ لَمْ يَنِضَّ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا هُوَ الْقِيَاسُ وَلَا أَعْلَمُ أَصْلًا يُعَضِّدُ قَوْلَ مَنْ قَالَ لَا يَعْدِلُ التَّاجِرُ عُرُوضَهُ حَتَّى يَنِضَّ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الْوَرِقِ أَوِ الذَّهَبِ أَوْ حَتَّى يَنِضَّ لَهُ نِصَابٌ كَمَا قَالَ نَافِعٌ لِأَنَّ الْعُرُوضَ الْمُشْتَرَاةَ بِالْوَرِقِ وَالذَّهَبِ لِلتِّجَارَةِ لَوْ لَمْ تَقُمْ مَقَامَهَا لِوَضْعِهَا فِيهَا لِلتِّجَارَةِ مَا وَجَبَتْ فِيهَا زَكَاةٌ أَبَدًا لَأَنَّ الزَّكَاةَ لَا تَجِبُ فِيهَا لِعَيْنِهَا إِذَا كَانَتْ لِغَيْرِ التِّجَارَةِ بِإِجْمَاعِ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ وَإِنَّمَا وَجَبَ تَقْوِيمُهَا عِنْدَهُمْ لِلْمُتَاجِرِ بِهَا لِأَنَّهَا كَالْعَيْنِ الْمَوْضُوعَةِ فِيهَا التِّجَارَةُ وَإِذَا كَانَتْ كَذَلِكَ فَلَا مَعْنَى لِمُرَاعَاةِ مَا نَضَّ مِنَ الْعَيْنِ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا وَلَوْ كَانَتْ جِنْسًا آخَرَ مَا وَجَبَتْ فِيهَا زَكَاةٌ مِنْ أَجْلِ غَيْرِهَا وَإِنَّمَا صَارَتْ كَالْعَيْنِ لِأَنَّ النَّمَاءَ لَا يُطْلَبُ بِالْعَيْنِ إِلَّا هَكَذَا
وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ بِالْعِرَاقِ وَالْحِجَازِ
قَالَ الشَّافِعِيُّ مَنِ اشْتَرَى عَرْضًا لِلتِّجَارَةِ حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ ابْتَاعَهُ لِلتِّجَارَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُقَوِّمَهُ بِالْأَغْلَبِ مِنْ نَقْدِ بَلَدِهِ دَنَانِيرَ كَانَتْ أَوْ دَرَاهِمَ ثُمَّ يُخْرِجَ زَكَاتَهُ مِنَ الَّذِي قَوَّمَهُ بِهِ إِذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهُ مَا يَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ وَهَذِهِ سَبِيلُ كُلِّ عَرْضٍ أُرِيدَ بِهِ التِّجَارَةُ
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَقَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَدَ وإسحاق وأبي ثور وأبي عبيد والطبري وَالْمُدِيرُ عِنْدَهُمْ وَغَيْرُ الْمُدِيرِ سَوَاءٌ وَكُلُّهُمْ تَاجِرٌ مُدِيرٌ يَطْلُبُ الرِّبْحَ بِمَا يَضَعُهُ مِنَ الْعَيْنِ فِي الْعُرُوضِ
وَأَمَّا دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ فَإِنَّهُ شَذَّ عَنْ جَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ فَلَمْ يَرَ الزَّكَاةَ فِيهَا عَلَى حَالٍ اشْتُرِيَتْ لِلتِّجَارَةِ أَوْ لَمْ تشتر للتجارة
стр. 1227
وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ
قَالَ وَلَمْ يَقُلْ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ فِيهَا التِّجَارَةَ وَزَعَمَ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي زَكَاةِ الْعُرُوضِ مَوْجُودٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فَلِذَلِكَ نَزَعَ بِمَا نَزَعَ مِنْ دَلِيلِ عُمُومِ السُّنَّةِ
وَذَكَرَ عن عائشة وبن عَبَّاسٍ وَعَطَاءٍ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُمْ قَالُوا لَا زَكَاةَ فِي الْعُرُوضِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا - لَعَمْرِي - مَوْجُودٌ عَنْ هَؤُلَاءِ وَعَنْ غَيْرِهِمْ مَحْفُوظٌ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِي الْعُرُوضِ وَلَا زَكَاةَ إِلَّا فِي الْعَيْنِ وَالْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ وَلَيْسَ هَذَا عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى زَكَاةِ التِّجَارَاتِ وَإِنَّمَا هَذَا عِنْدَهُمْ عَلَى زَكَاةِ الْعُرُوضِ الْمُقْتَنَاةِ لِغَيْرِ التِّجَارَةِ وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِي الْعُرُوضِ لِلتِّجَارَةِ حَتَّى تباع إلا بن عَبَّاسٍ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ
وَذَكَرَ دَاوُدُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ لَا أَرَى الزَّكَاةَ فِي الْعُرُوضِ عَلَى التَّاجِرِ الَّذِي يَبِيعُ الْعَرْضَ بِالْعَرْضِ وَلَا يَنِضُّ لَهُ شَيْءٌ وَلَا عَلَى مَنْ بَارَتْ عَلَيْهِ سِلْعَتُهُ اشْتَرَاهَا لِلتِّجَارَةِ حَتَّى يَبِيعَ تِلْكَ السِّلْعَةَ وَيَنِضَّ ثَمَنُهَا بِيَدِهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَوْ كَانَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ هَذَا لَهُ حُجَّةٌ فِي إِسْقَاطِ الزَّكَاةِ فِيمَا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْعُرُوضِ لِلتِّجَارَةِ لَكَانَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أنه يقوم العروض ويزكيها إدا نَضَّ لَهُ أَقَلُّ شُيْءٍ حُجَّةٌ عَلَيْهِ وَقَوْلُ مَالِكٍ أَنَّهُ يُزَكِّي الْعَرْضَ إِذَا بَاعَهُ غَيْرُ الْمُدِيرِ سَاعَةَ يَبِيعَهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَرَى فِيهِ الزَّكَاةَ إِذَا لَمْ يَسْتَأْنِفْ بِالثَّمَنِ حَوْلًا وَلَكِنَّهُ لَا يَقُولُ بِقَوْلِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ ولا يقول غَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ الْفُقَهَاءِ وَسَائِرِ السَّلَفِ الَّذِينَ ذَكَرْنَا أَقْوَالَهُمُ فِي إِيجَابِ الزَّكَاةِ فِي الْعُرُوضِ الْمُشْتَرَاةِ لِلتِّجَارَةِ وَيَحْتَجُّ بِمَا لَا حُجَّةَ فِيهِ عِنْدَهُ وَلَا عِنْدَ غَيْرِهِ مُغَالَطَةً
وَقَدْ حَكَيْنَا عَنْ مَالِكْ أَنَّهُ قَالَ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ الْجُمْهُورِ الَّذِينَ هُمُ الْحُجَّةُ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
وَاحْتَجَّ أَيْضًا دَاوُدُ وَبَعْضُ أَصْحَابِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ فِيهَا شَيْءٌ لِمِسْكِينٍ وَلَا غَيْرِهِ إِلَّا بِنَصِّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ وَزَعَمَ أَنَّهَا مَسْأَلَةُ خِلَافٍ
стр. 1228
قَالَ أَبُو عُمَرَ احْتِجَاجُ أَهْلِ الظَّاهِرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ عَجَبٌ عَجِيبٌ لِأَنَّ ذَلِكَ نَقْضٌ لِأُصُولِهِمْ وَرَدٌّ لِقَوْلِهِمْ وَكَسْرٌ لِلْمَعْنَى الَّذِي بَنَوْا عَلَيْهِ مَذْهَبَهُمْ فِي الْقَوْلِ بِظَاهِرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ في كتابه (خذ من أموالهم صدقة) التَّوْبَةِ ١٠٣ وَلَمْ يَخُصَّ مَالًا مِنْ مَالٍ وَظَاهِرُ هذا القول يوجب على أصوله أن تؤخر الزَّكَاةُ مِنْ كُلِّ مَالٍ إِلَّا مَا أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَلَا إِجْمَاعَ فِي إِسْقَاطِ الزَّكَاةِ عَنْ عُرُوضِ التِّجَارَةِ بَلِ الْقَوْلُ فِي إِيجَابِ الزَّكَاةِ فِيهَا إِجْمَاعٌ مِنَ الْجُمْهُورِ الَّذِينَ لَا يَجُوزُ الْغَلَطُ عَلَيْهِمْ وَلَا الْخُرُوجُ عَنْ جَمَاعَتِهِمْ لِأَنَّهُ مُسْتَحِيلٌ أَنْ يَجُوزُ الْغَلَطُ فِي التَّأْوِيلِ عَلَى جَمِيعِهِمْ
وَأَمَّا السُّنَّةُ الَّتِي زَعَمَ أَنَّهَا خَصَّتْ ظَاهِرَ الْكِتَابِ وَأَخْرَجَتْهُ عَنْ عُمُومِهِ فَلَا دَلِيلَ لَهُ فِيمَا ادَّعَى مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ قَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا سُنَّةَ فِي ذَلِكَ إِلَّا حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ وَحَدِيثَ عَلِيٍّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ قَدْ عَفَوْتُ لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ فَالْوَاجِبُ عَلَى أَصْلِ أَهْلِ الظَّاهِرِ - أَنْ تَكُونَ الزَّكَاةُ تُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ مَالٍ مَا عَدَا الرَّقِيقَ وَالْخَيْلَ لِأَنَّهُمُ لَا يَقِيسُونَ عَلَى الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُمَا مِنَ الْعُرُوضِ وَلَا إِجْمَاعَ فِي إِسْقَاطِ الصَّدَقَةِ عَنِ الْعُرُوضِ الْمُبْتَاعَةِ لِلتِّجَارَةِ بَلِ الْقَوْلُ فِي إِيجَابِ الزَّكَاةِ فِيهِ نَوْعٌ مِنَ الْإِجْمَاعِ وَفِي هَذَا كُلِّهِ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ أَوْضَحُ الدَّلَائِلِ عَلَى تَنَاقُضِهِمْ فِيمَا قَالُوهُ وَنَقْضِهِمْ لِمَا أَصَّلُوهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ مِنَ الْحُجَّةِ فِي إِيجَابِ الصَّدَقَةِ فِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ عَمَلِ الْعُمَرَيْنِ (رِضَى اللَّهِ عَنْهُمَا) حَدِيثُ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
ذَكَرَهُ أَبُو داود وغيره بالإسناد الحسن عَنْ سَمُرَةَ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي التَّمْهِيدِ عَنْ سَمُرَةَ أَنَّهُ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الزَّكَاةَ مِمَّا نُعِدُّهُ لِلْبَيْعِ
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ حَمَاسٍ أَنَّ أَبَاهُ حَمَاسًا قَالَ مَرَرْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلَى عَاتِقِي أَدَمَةٌ أَحْمِلُهَا فَقَالَ لِي أَلَا تُؤَدِّي زَكَاتَهَا يَا حَمَاسُ فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ
стр. 1229
الْمُؤْمِنِينَ مَا لِي غَيْرُ هَذِهِ وَآهِبَةٌ مِنَ الْقَرَظِ فَقَالَ ذَلِكَ مَالٌ فَضَعْ فَوَضَعْتُهَا بَيْنَ يَدَيْهِ فَحَسَبَهَا فَوَجَدَهَا قَدْ وَجَبَتْ فِيهَا الزَّكَاةُ فَأَخَذَ مِنْهَا الزَّكَاةَ
وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنِ حَمَاسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ مَرَّ عَلَيَّ عُمَرُ فَقَالَ أَدِّ زَكَاةَ مَالِكَ فَقُلْتُ مالي مَالٌ أُزَكِّيهِ إِلَّا فِي الْجِعَابِ وَالْأَدَمِ فَقَالَ قَوِّمْهُ وَأَدِّ زَكَاتَهُ
فَهَذَا الْحَدِيثُ عَنْ عُمَرَ مِنْ رِوَايَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ رِوَايَةِ أَهْلِ الْعِرَاقِ حَدِيثُ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِمِثْلِ ذَلِكَ فَلَا مَقَالَ لِأَحَدٍ فِي إِسْنَادِ حَدِيثِ أَنَسٍ هَذَا
وَرَوَى أَبُو الزِّنَادِ وَغَيْرُهُ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ كُلُّ مَالٍ أَوْ رَقِيقٍ أَوْ دَوَابَّ أُدِيرَ لِلتِّجَارَةِ فِيهِ الزَّكَاةُ
وَقَالَ أَبُو جعفر الطحاوي قد ثبت عن عمر وبن عُمَرَ زَكَاةُ عُرُوضِ التِّجَارَةِ وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا مِنَ الصَّحَابَةِ (رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ)
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا يَشْهَدُ لِمَا وَصَفْنَا أَنَّ قَوْلَ بن عَبَّاسٍ لَا زَكَاةَ فِي الْعُرُوضِ إِنَّمَا هُوَ فِي عُرُوضِ الْقُنْيَةِ كَقَوْلِ سَائِرِ الْعُلَمَاءِ
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ عَنْ عَطَاءٍ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ فَقَدَ أَخْطَأَ عَلَيْهِمَا وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَعْرُوفٍ عَنْهُمَا وَالْمَعْرُوفُ عَنْهُمَا خِلَافُ مَا يُوَافِقُ مَذْهَبَ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ
ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ بن طَاوُسٍ وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ جَابِرٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ وعن بن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي الْعَرْضِ لِلتِّجَارَةِ لَا زَكَاةَ فِيهِ حَتَّى يَبِيعَهُ فَإِذَا باعه زكاه وأدى زكاة واحدة
قال بن جُرَيْجٍ وَقَالَ عَطَاءٌ لَا زَكَاةَ فِي عَرْضٍ لَا يُدَارُ قَالَ وَالذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ يُزَكَّيَانِ وَإِنْ لَمْ يُدَارَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِقَوْلِ الشَّعْبِيِّ وَعَطَاءٍ فِي غَيْرِ الْمُدِيرِ إِلَّا مَالِكًا ﵀ وَأَمَّا طَاوُسٌ فَقَدِ اخْتُلِفَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ فَرُوِيَ عَنْهُ مَا ذَكَرْنَا وَرُوِيَ عَنْهُ إِيجَابُ الزَّكَاةِ فِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ كُلَّ عَامٍ بِالتَّقْوِيمِ كَسَائِرِ الْعُلَمَاءِ
وَمِمَّنْ قَدْ رَوَيْنَا ذَلِكَ عَنْهُ مِنَ السَّلَفِ إِذْ قَدْ ذَكَرْنَا مَنْ قَالَهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْفُتْيَا بِالْأَمْصَارِ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَسَائِرُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَطَاوُسٌ الْيَمَانِيُّ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ
стр. 1230
هَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ التَّابِعِينَ فِي أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ وَسَبِيلَهُمْ سَلَكَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَهْلِ الرَّأَيِ وَالْحَدِيثِ بِالْعِرَاقِ وَالْحِجَازِ وَالشَّامِ
أَخْبَرَنَا خَلَفُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قال أخبرني بن جُرَيْجٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عن بن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ مَالٍ يُدَارُ فِي عَبِيدٍ أَوْ دَوَابَّ أَوْ طَعَامٍ الزَّكَاةُ كُلَّ عَامٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ مَا كان بن عُمَرَ لِيَقُولَ مِثْلَ هَذَا مِنْ رَأْيِهِ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يُدْرَكُ بِالرَّأْيِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَلَوْلَا أَنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ سُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ مَا قَالَهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
(١٠ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْكَنْزِ)
٥٥ - مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بن عُمَرَ وَهُوَ يُسْأَلُ عَنِ الْكَنْزِ مَا هُوَ فَقَالَ هُوَ الْمَالُ الَّذِي لَا تُؤَدَّى مِنْهُ الزَّكَاةُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ سُؤَالُ السَّائِلِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنِ الْكَنْزِ مَا هُوَ إِنَّمَا كَانَ سُؤَالًا عَنْ مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فذوقوا ما كنتم تكنزون) التَّوْبَةِ ٣٤ ٣٥
وَكَانَ أُبُو ذَرٍ يَقُولُ بَشِّرَ أَصْحَابَ الْكُنُوزِ بِكَيٍّ فِي الْجِبَاهِ وَكَيٍّ فِي الْجَنُوبِ وَكَيٍّ فِي الظُّهُورِ
وَرَوَى الْأَعْمَشُ عَنْ عَبْدِ الله بن مرة عن مسروق عن بن مَسْعُودٍ قَالَ وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ لَا يُعَذَّبُ رَجُلٌ يَكْنِزُ فَيَمَسُّ دِينَارٌ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ دِرْهَمٌ وَلَكِنَّهُ يُوَسَّعُ جِلْدُهُ حَتَّى يَصِلَ إِلَيْهِ كُلُّ دِينَارٍ وَدِرْهَمٍ عَلَى حِدَتِهِ
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْكَنْزِ الْمَذْكُورِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ومعناه فجمهورهم على ما قاله بن عمر وعليه جماعة فقهاء الأمصار
واما الكنوز فِي كَلَامِ الْعَرَبِ فَهُوَ الْمَالُ الْمُجْتَمِعُ الْمَخْزُونُ فَوْقَ الْأَرْضِ كَانَ أَوْ تَحْتَهَا
стр. 1231
هَذَا مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْعَيْنِ وَغَيْرُهُ وَلَكِنَّ الِاسْمَ الشَّرْعِيَّ قَاضٍ عَلَى الِاسْمِ اللُّغَوِيِّ
ولا أعلم مخالفا فيما فسر به بن عُمَرَ الْكَنْزَ الْمَذْكُورَ إِلَّا شَيْءٌ يُرْوَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَبِي ذَرٍ الْغِفَارِيِّ وَالضَّحَّاكِ وَذَهَبَ إِلَيْهِ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الزُّهْدِ وَالسِّيَاحَةِ وَالْفَضْلِ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ فِي الْأَمْوَالِ حُقُوقًا سِوَى الزَّكَاةِ وَتَأَوَّلُوا فِي ذَلِكَ قَوْلَ الله (والذين فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) الْمَعَارِجِ ٢٤
وَرَوَوْا بِمَعْنَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ آثَارًا مَرْفُوعَةً إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مَعْنَاهَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ فِي الزَّكَاةِ
وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حقه والمسكين وبن السبيل) الْإِسْرَاءِ ٢٦
فَأَمَّا أَبُو ذَرٍ فَرُوِيَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ آثَارٌ كَثِيرَةٌ فِي بَعْضِهَا شِدَّةٌ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ كُلَّ مَالٍ مَجْمُوعٍ يَفْضُلُ عَنِ الْقُوتِ وَسَدَادِ الْعَيْشِ فَهُوَ كَنْزٌ وَأَنَّ آيَةَ الْوَعِيدِ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ
وَرُوِيَ عَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ فِي مَنْعِ الزَّكَاةِ وَكَانَ يَقُولُ الْأَكْثَرُونَ هُمُ الْأَخْسَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيْلٌ لِأَصْحَابِ الْمِئِينَ وَقْدَ رُوِيَ هَذَا عَنْهُ مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ
وَهِيَ أَحَادِيثُ مَشْهُورَةٌ تَرَكْتُ ذِكْرَهَا لِذَلِكَ وَلِأَنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ عَلَى خِلَافِ تَأْوِيلِ أَبِي ذَرٍ لَهَا
وَكَانَ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ يَقُولُ مَنْ مَلَكَ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ فَهُوَ مِنَ الْأَكْثَرِينَ الْأَخْسَرِينَ إِلَّا مَنْ قَالَ بِالْمَالِ هَكَذَا وَهَكَذَا بِصِلَةِ الرَّحِمِ وَرِفْدِ الْجَارِ وَالضَّعِيفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الصَّدَقَةِ وَالصِّلَةِ
وَكَانَ مَسْرُوقٌ يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ (سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) آلِ عِمْرَانَ ١٨٠ قَالَ الرَّجُلُ يَرْزُقُهُ اللَّهُ الْمَالَ فَيَمْنَعُ قَرَابَتَهُ الْحَقَّ الَّذِي فِيهِ فيجعل حية يطوقها فيقول مالي وَلَكِ فَتَقُولُ الْحَيَّةُ أَنَا مَالُكَ
وَهَذَا ظَاهِرُهُ غَيْرُ الزَّكَاةِ وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الزَّكَاةَ
وقد روي عن بن مَسْعُودٍ مِثْلُهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ مَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهُ طَوَّقَهُ
стр. 1232
يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ يَنْقُرُ رَأْسَهُ ثُمَّ قَرَأَ (سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) آلِ عِمْرَانَ ١٨٠
وَأَمَّا عَنِ التَّرِكَةِ فَرَوَى الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ عَنْ أَبِي الضُّحَى مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ عَنْ جَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ أَرْبَعَةُ آلَافٍ نَفَقَةٌ فَمَا كَانَ فَوْقَ أَرْبَعَةِ آلَافٍ فَهُوَ كَنْزٌ
قَالَ أَبُو عُمَرَ وَسَائِرُ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ على ما قاله بن عُمَرَ فِي الْكَنْزِ
رَوَى بُكَيْرٌ وَيَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ بِشْرِ بْنِ رَبِيعَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ أَمَرَ رَجُلًا لَهُ مَالٌ عَظِيمٌ أَنْ يَدْفِنَهُ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَلَيْسَ بِكَنْزٍ إِذَا دَفَنْتُهُ فَقَالَ عُمَرُ لَيْسَ بِكَنْزٍ إِذَا أَدَّيْتَ زَكَاتَهُ
وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ بن عُمَرَ قَالَ إِذَا أَدَّيْتَ صَدَقَةَ مَالِكَ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ وَإِنْ كَانَ مَدْفُونًا وَلَمْ يُؤَدِّهَا فَهُوَ كَنْزٌ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا
وَرَوَى الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عن بن عُمَرَ قَالَ مَا أُدِّيَ زَكَاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ وإن كان تحت سبع أراضين وَمَا كَانَ ظَاهِرًا لَا تُؤَدَّى زَكَاتُهُ فَهُوَ كنز
وروى بن جريج قال أخبرني بن الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ إِذَا أَخْرَجْتَ صَدَقَةَ كَنْزِكَ فَقَدْ أَذْهَبْتَ شره وليس بشر
وعن بن مَسْعُودٍ نَحْوُهُ
وَرَوَى وَكِيعٌ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ أبي إسحاق عن عكرمة عن بن عَبَّاسٍ قَالَ كُلُّ مَا أَدَّيْتَ زَكَاتَهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ مَا قَالَ هَؤُلَاءِ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى قَالَ حَدَّثَنَا عَتَّابٌ عَنْ ثَابِتِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ كُنْتُ أَلْبَسُ أَوْضَاحًا مِنْ ذَهَبٍ فَقُلْتُ يَا رسول الله أكنز هو قال ما بلغ أن تؤدى زكانة فَلَيْسَ بِكَنْزٍ
وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ مُهَاجِرٍ عَنْ ثَابِتِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَمِّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مثله
стр. 1233
وَرَوَاهُ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ عَطَاءٍ فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الْكَنْزَ
وَهَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ فِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ فِإِنَّهُ يَشْهَدُ بِصِحَّتِهِ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ
وَرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ حَدَّثْنَا عُمَرُ بْنُ الْحَارِثِ عَنْ دَرَّاجٍ أَبِي السَّمْحِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُجَيْرَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ إِذَا أَدَّيْتَ زَكَاةَ مَالِكَ فَقَدْ قَضَيْتَ مَا عَلَيْكَ
وَحَدِيثُ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ فَرْضِ الصَّلَاةِ وَفَرْضِ الزَّكَاةِ فَلَمَّا أَخْبَرَهُ بِهَا قَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا قَالَ لَا إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ
رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ طلحة بن عبيد الله
ورواه بن عَبَّاسٍ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ مِنْ طُرُقٍ صِحَاحٍ قَدْ ذَكَرْتُهَا فِي التَّمْهِيدِ بِأَتَمِّ أَلْفَاظٍ وَأَكْمَلِ معاني
وفي حديث بن عَبَّاسٍ فَقَالَ لَهُ الْأَعْرَابِيُّ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَدَعُ مِنْهُنَّ شَيْئًا وَلَا أُجَاوِزُهُنَّ ثُمَّ وَلَّى فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ إِنْ صَدَقَ الْأَعْرَابِيُّ دَخَلَ الْجَنَّةَ
وَالصَّحَابِيُّ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هُوَ ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ السَّعْدِيُّ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الصَّحَابَةِ بِمَا يَنْبَغِي مِنْ ذِكْرِهِ
وَفِي هَذَا كُلِّهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَالَ لَيْسَ فِيهِ حَقٌّ وَاجِبٌ سِوَى الزَّكَاةِ وَأَنَّهُ إِذَا أُدِّيَتْ زَكَاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ
стр. 1234
حَدَّثَنَا سَعِيدٌ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَفَّانُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبَانُ الْعَطَّارُ وَهَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبَى طَلْحَةَ عَنْ ثَوَبَانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ من فارق منه الروح الْجَسَدَ وَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ ثَلَاثٍ دَخَلَ الْجَنَّةَ الْكَنْزُ وَالْغُلُولُ وَالذَّنْبُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ الْأَحَادِيثُ الْمَرْوِيَّةُ فِي الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) التَّوْبَةِ ١٠٣
قَالَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ مِنْهُمْ أَبُو عُمَرَ حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الضرير وغيره
وروى بن وهب قال أخبرني بن أَنْعُمَ عَنْ عِمَارَةَ بْنِ مُسْلِمٍ الْكِنَانِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَعِرَاكَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولَانِ مَنْ أَعْطَى زَكَاةَ مَالِهِ فَلَيْسَ بكنز
قالا نَسَخَتْ آيَةُ الصَّدَقَةِ مَا قَبْلَهَا
وَرَوَى الثَّوْرِيُّ عن بن أَنْعُمَ عَنْ عِمَارَةَ بْنِ رَاشِدٍ قَالَ قَرَأَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله) التَّوْبَةِ ٣٤ فَقَالَ عُمَرُ مَا أَرَاهَا إِلَّا مَنْسُوخَةً نسختها (خذ من أموالهم صدقة) التَّوْبَةِ ١٠٣
٥٥٢ - مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مَالٌ لَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ يَطْلُبُهُ حَتَّى يُمْكِنَهُ يَقُولُ أَنَا كَنْزُكَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَكَذَا هَذَا الْحَدِيثُ مَوْقُوفًا عِنْدَ جَمَاعَةٍ فِي الْمُوَطَّأِ مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبَى هُرَيْرَةَ عَنِ
стр. 1235
النَّبِيِّ ﷺ مَرْفُوعًا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ هَكَذَا وَقَدْ رَوَيْنَاهُ فِي التَّمْهِيدِ مِنْ طُرُقٍ شَتَّى وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عن بْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ حَدَّثَنَا بُكَيْرُ بْنُ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْمِسْوَرِ قَالَا حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عبد الله بن دينار عن بْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنِ الَّذِي لَا يُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ يُمَثَّلُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ فَيَلْزَمُهُ - أَوْ قَالَ يُطَوَّقُ بِهِ - يَقُولُ أَنَا كَنْزُكَ
ذَكَرَهُ النَّسَائِيُّ هَكَذَا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عبد الله بن دينار عن بْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْمَحْفُوظُ فِيهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا وَحَدِيثُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَاجِشُونِ عِنْدِي فِيهِ خَطَأٌ فِي الْإِسْنَادِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عِنْدَ عبد الله بن دينار عن بن عُمَرَ مَا رَوَاهُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَبَدًا فَرِوَايَةُ مَالِكٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ فِيهِ هِيَ الصَّحِيحَةُ وَإِنْ كَانَ مَالِكٌ وَقَفَهُ فَلَا وَجْهَ لِوَقْفِهِ لِأَنَّ مِثْلَهُ لَا يَكُونُ رَأْيًا وَهُوَ مَرْفُوعٌ صَحِيحٌ عَلَى مَا خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ حَدَّثَنَا بَشِيرُ بْنُ حَجَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا مِنْ صَاحِبِ كَنْزٍ لا يؤدي حقه إلا جعله الله صفائح من نار فيحمى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جَبْهَتُهُ وجنبه وظهره حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَ عِبَادِهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ وَمَا مِنْ صَاحِبِ غَنَمٍ لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا إِلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوْفَرَ ما كانت فيبطح لها بقاع قرقر فتطأه بِأَظْلَافِهَا وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ وَلَا جلحاء كُلَّمَا مَرَّتْ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَ عِبَادِهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ وَمَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا إِلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوْفَرَ ما كانت فيبطح لها بقاع قرقر فتطأه بِأَخْفَافِهَا كُلَّمَا مَرَّتْ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَ عِبَادِهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ
стр. 1236
مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَأَبُو يَحْيَى بْنُ أَبِي مَسَرَّةَ فَقِيهُ مَكَّةَ قَالَ حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنَا جَامِعُ بْنُ أَبِي رَاشِدٍ وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَعْيَنَ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا مِنْ أَحَدٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ إِلَّا مُثِّلَ لَهُ شُجَاعًا أَقْرَعَ يَطُوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِصْدَاقَهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القيامة) آلِ عِمْرَانَ ١٨٠
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ وَلَا بَقَرٍ وَلَا غَنَمٍ لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا إِلَّا أُقْعِدَ لَهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقَاعٍ قَرْقَرٍ تَطَؤُهُ ذَاتُ الْأَظْلَافِ بِأَظْلَافِهَا وَتَنْطَحُهُ ذَاتُ الْقَرْنِ بِقَرْنِهَا وَلَيْسَ فِيهَا يَوْمَئِذٍ جَمَّاءُ وَلَا مَكْسُورَةُ الْقَرْنِ قالوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا حَقُّهَا قَالَ إِطْرَاقُ فحلها وإعارضه دَلْوِهَا وَمَنِيحَتُهَا وَحَلْبُهَا عَلَى الْمَاءِ وَالْحَمْلُ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
وَرَوَى شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي عُمَرَ الْغُدَانِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَفِيهِ فَقِيلَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ وَمَا حَقُّ الْإِبِلِ قَالَ تُعْطِي الْكَرِيمَةَ وَتَمْنَحُ الْغَزِيرَةَ وَتُفْقِرُ الظَّهْرَ وَتُطْرِقُ الْفَحْلَ وَتَسْقِي اللَّبَنَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي مَعْنَى مِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ عَلَى النَّدْبِ وَالْإِرْشَادِ إِلَى الْفَضْلِ أَوْ تَكُونُ قَبْلَ نُزُولِ فَرْضِ الزَّكَاةِ وَنُسِخَ بِفَرْضِ الزَّكَاةِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الدَّلَائِلِ وَإِذَا كَانَ قَبْلَ نُزُولِ فَرْضِ الزَّكَاةِ وَنُسِخَ بِهَا كَمَا نُسِخَ صَوْمُ عَاشُورَاءَ بِصَوْمِ رَمَضَانَ عَادَ كُلُّهُ فَضْلًا وَفَضِيلَةً بَعْدَ أَنْ كَانَ فَرِيضَةً وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الَّذِي خَفِيَ عَلَى مَنْ ذَهَبَ إِلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَنْ أَوْجَبَ فِي الْمَالِ حُقُوقًا سِوَى الزَّكَاةِ مِنْ إِيجَابِ إِطْعَامِ الْجَائِعِ وَفَكِّ الْعَانِي وَالْمُوَاسَاةِ فِي حِينِ الْمَسْغَبَةِ وَالْعُسْرَةِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ وَالْعَطْفِ عَلَى الْجَارِ وَنَحْوَ هَذَا مِمَّا قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ
وَلَمْ يُرَ لِأَحَدٍ حَبْسُ فَوْقَ مَا يَكْفِيهِ كَأَبِي ذَرٍّ وَمَنْ تَابَعَهُ مِمَّنْ جَعَلَ مَا فَضَلَ عَلَى الْقُوتِ كَنْزًا عَلَى أَنَّ أَبَا ذَرٍّ أَكْثَرَ مَا تَوَاتَرَ عَنْهُ فِي الْأَخْبَارِ الْإِنْكَارُ عَلَى مَنْ أَخَذَ الْمَالَ
стр. 1237
مِنَ السَّلَاطِينِ لِنَفْسِهِ وَمَنَعَ مِنْهُ أَهْلَهُ فَهَذَا مَا لَا خِلَافَ عَنْهُ فِي إِنْكَارِهِ وَأَمَّا إِيجَابُ غَيْرِ الزَّكَاةِ فَمُخْتَلَفٌ عَنْهُ فِيهِ
وَرُوِيَ عن بن مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ مَنْ كَسَبَ كَسْبًا طَيِّبًا خَبَّثَهُ مَنْعُ الزَّكَاةِ وَمَنْ كَسَبَ كَسْبًا خَبِيثًا لَمْ تُطَيِّبْهُ الزَّكَاةُ
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ شُجَاعًا أَقْرَعَ فَالشُّجَاعُ الْحَيَّةُ وَقِيلَ الثُّعْبَانُ وَقِيلَ الشُّجَاعُ مِنَ الْحَيَّاتِ الَّذِي يُوَاثِبُ الْفَارِسَ وَالرَّاجِلَ فَيَقُومُ عَلَى ذَنَبِهِ وَرُبَّمَا بَلَغَ وَجْهَ الْفَارِسِ يَكُونُ فِي الصَّحَارِي
قَالَ الشَّمَّاخُ أَوِ الْبَعِيثُ
(فَأَطْرَقَ إِطْرَاقَ الشُّجَاعِ وَقَدْ جَرَى ... عَلَى حَدِّ نَابَيْهِ الزُّعَافُ الْمُسَمَّمُ)
وَقَالَ الْمُتَلَمِّسُ
(فَأَطْرَقَ إِطْرَاقَ الشُّجَاعِ وَلَوْ يَرَى ... مَسَاغًا لِنَابَيْهِ الشُّجَاعُ لَصَمَّمَا)
وَالزَّبِيبَتَانِ نُقْطَتَانِ مُسَلَحَتَانِ فِي شِدْقَيْهِ كَالرُّغْوَتَيْنِ يُقَالُ إِنَّهُمَا تَبْدُوَانِ حِينَ يَفُحْ وَيَغْضَبُ وَقِيلَ نُقْطَتَانِ سَوْدَاوَانِ عَلَى عَيْنَيْهِ وَهِيَ عَلَامَةُ الْحَيَّةِ الذَّكَرِ الْمُؤْذِي وَقِيلَ الزَّبِيبَتَانِ نَابَانِ لَهُ وَقِيلَ نُكْتَتَانِ عَلَى شَفَتَيْهِ وَالْأَوَّلُ أَوْثَقُ وَأَكْثَرُ
وَالْأَقْرَعُ (مِنْ صِفَاتِ الْحَيَّاتِ) هُوَ الَّذِي بِرَأْسِهِ بَيَاضٌ وَقِيلَ كُلَّمَا كَثُرَ سُمُّهُ ابْيَضَّ رَأْسُهُ
(١١ - بَابُ صَدَقَةِ الْمَاشِيَةِ)
٥٥٣ - مَالِكٌ أَنَّهُ قَرَأَ كِتَابَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي الصَّدَقَةِ قَالَ فَوَجَدْتُ فِيهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(كِتَابُ الصَّدَقَةِ)
فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الْإِبِلِ فَدُونَهَا الْغَنَمُ فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ
стр. 1238
وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ إِلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ ابْنَةُ مَخَاضٍ
فَإِنْ لَمْ تَكُنِ ابْنَةُ مَخَاضٍ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ
وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ
وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ إِلَى سِتِّينَ حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الْفَحْلِ
وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ جَذَعَةٌ
وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ إِلَى تِسْعِينَ ابْنَتَا لَبُونٍ
وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الْفَحْلِ
فَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْإِبِلِ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ
وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ
وَفِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ إِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ شَاةٌ
وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ إِلَى مِائَتَيْنِ شَاتَانِ
وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ إِلَى ثَلَاثِمِائَةٍ ثَلَاثُ شِيَاهٍ
فَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ
وَلَا يُخْرَجُ فِي الصَّدَقَةِ تَيْسٌ وَلَا هَرِمَةٌ وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ إِلَّا مَا شَاءَ الْمُصَدِّقُ
وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ
وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ
стр. 1239
وَفِي الرِّقَةِ إِذَا بَلَغَتْ خَمْسَ أَوَاقٍ رُبُعُ الْعُشْرِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ كِتَابُ عُمَرَ هَذَا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ فِي الْمَدِينَةِ مَحْفُوظٌ وَكُلُّ مَا فِيهِ مِنَ الْمَعَانِي مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي شَيْءٍ مِنْهَا إِلَّا أَنَّ فِي الْغَنَمِ شَيْئًا مِنَ الْخِلَافِ نَذْكُرَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَكَذَلِكَ نَذْكُرُ الْخِلَافَ عَلَى الْإِبِلِ فِيمَا زَادَ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ إِلَّا أَنْ تَبْلُغَ ثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَقَدْ رَوَى سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ عَنِ بن شهاب عن سالم عن بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ كِتَابَ الصَّدَقَاتِ فَلَمْ يُخْرِجْهُ إِلَى عُمَّالِهِ حَتَّى قُبِضَ وَعَمِلَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى قُبِضَ ثُمَّ عُمَرُ حَتَّى قُبِضَ فَكَانَ فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الْإِبِلِ فَمَا دُونَهَا الْغَنَمُ فِي كُلِّ خَمْسِ ذَوْدٍ شَاةٌ وَذَكَرَ مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ مِنْ كِتَابِ عُمَرَ سَوَاءً وَقَدَ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ فِي التَّمْهِيدِ
وروى بن المبارك وغيره عن يونس عن بن شِهَابٍ قَالَ أَخْرَجَ إِلَيَّ سَالِمٌ وَعُبَيْدُ اللَّهِ ابْنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ نُسْخَةَ كِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الصدقة قال بن شِهَابٍ أَقْرَأَنِيهَا سَالِمٌ فَوَعَيْتُهَا عَلَى وَجْهِهَا وَهِيَ الَّتِي انْتَسَخَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنْ عُبَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ حِينَ أُمِّرَ عَلَى الْمَدِينَةِ وَأَمَرَ عُمَّالَهُ بِالْعَمَلِ بِهَا وَلَمْ يَزَلِ الْعُلَمَاءُ يَعْمَلُونَ بِهَا
قَالَ وَهَذَا كِتَابُ تَفْسِيرِهَا
لَا يُؤْخَذُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْإِبِلِ صَدَقَةٌ حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسَ ذَوْدٍ فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا فَفِيهَا شَاةٌ حَتَّى تَبْلُغَ عَشْرًا فَإِذَا بَلَغَتْ عَشَرَةً فَفِيهَا شَاتَانِ حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسَ عَشْرَةَ فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسَ عَشْرَةَ فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ حَتَّى تَبْلُغَ عِشْرِينَ فَإِذَا بَلَغَتْ عِشْرِينَ فَفِيهَا أَرْبَعُ شِيَاهٍ حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ كَانَ فِيهَا فَرِيضَةٌ وَالْفَرِيضَةُ ابْنَةُ مَخَاضٍ فَإِنْ لَمْ تُوجَدِ ابْنَةُ مَخَاضٍ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسًا وَثَلَاثِينَ فَإِذَا كَانَتْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا ابْنَةُ لَبُونٍ حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسًا وَأَرْبَعِينَ فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ حَتَّى تَبْلُغَ سِتِّينَ فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَسِتِّينَ فَفِيهَا جَذَعَةٌ حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسًا وَسَبْعِينَ فَإِذَا كَانَتْ سِتًّا وَسَبْعِينَ فَفِيهَا ابْنَتَا لَبُونٍ حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعِينَ فَإِذَا كَانَتْ إِحْدَى وَتِسْعِينَ فَفِيهَا حِقَّتَانِ حِينَ تَبْلُغُ عِشْرِينَ وَمِائَةً فَإِذَا كَانَتْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةً فَفِيهَا ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ وَمِائَةً فَإِذَا كَانَتْ ثَلَاثِينَ وَمِائَةً ففيها ابنتا
стр. 1240
لَبُونٍ وَحِقَّةٌ حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعًا وَثَلَاثِينَ فَإِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ وَمِائَةً فَفِيهَا حِقَّتَانِ وَابْنَةُ لَبُونٍ حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعًا وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةً فَإِذَا كَانَتْ خَمْسِينَ وَمِائَةً فَفِيهَا ثَلَاثُ حِقَاقٍ حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعًا وَخَمْسِينَ وَمِائَةً فَإِذَا كَانَتْ سِتِّينَ وَمِائَةً فَفِيهَا أَرْبَعُ بَنَاتِ لَبُونٍ حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعًا وَسِتِّينَ وَمِائَةً فَإِذَا كَانَتْ سَبْعِينَ وَمِائَةً فَفِيهَا ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ وَحِقَّةٌ حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعًا وَسَبْعِينَ وَمِائَةً فَإِذَا كَانَتْ ثَمَانِينَ وَمِائَةً فَفِيهَا حِقَّتَانِ وَابْنَتَا لَبُونٍ حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعًا وَثَمَانِينَ وَمِائَةً فَإِذَا كَانَتْ تِسْعِينَ وَمِائَةً فَفِيهَا ثَلَاثُ حِقَاقٍ وَابْنَةُ لَبُونٍ حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعًا وَتِسْعِينَ وَمِائَةً فَإِذَا كَانَتْ مِائَتَيْنِ فَفِيهَا أَرْبَعُ حِقَاقٍ أَوْ خَمْسُ بَنَاتِ لَبُونٍ أَيَّ السِّنِّ وَجَدْتَ أَخَذْتَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَيْسَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحِجَازِ اخْتِلَافٌ فِي شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي زَكَاةِ الْإِبِلِ إِلَّا فِي قَوْلِ بن شِهَابٍ فِي رِوَايَتِهِ لِكِتَابِ عُمَرَ فَإِذَا كَانَتْ إحدى وعشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون فَهَذَا مَوْضِعُ اخْتِلَافٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَسَائِرُهُ إِجْمَاعٌ
وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ إِذَا زَادَتِ الْإِبِلُ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةً وَاحِدَةً فَالْمُصَدِّقُ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ أَخَذَ ثَلَاثَ بَنَاتِ لبون وإن شاء أخذ حقتين
قال بن القاسم وقال بن شِهَابٍ إِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةً فَفِيهَا ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ إِلَى أَنْ تَبْلُغَ ثَلَاثِينَ وَمِائَةً تَكُونُ فِيهَا حِقَّةٌ وَابْنَتَا لَبُونٍ
قال بن القاسم اتفق مالك وبن شِهَابٍ فِي هَذَا وَاخْتَلَفَا فِيمَا بَيْنَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ إِلَى تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ
قَالَ بن القاسم ورأى علي قول بن شهاب
وذكر بن حَبِيبٍ أَنَّ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ وعبد العزيز بن أبي حازم وبن دِينَارٍ كَانُوا يَقُولُونَ بِقَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ السَّاعِيَ مُخَيَّرٌ إِذَا زَادَتِ الْإِبِلُ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِيهَا حِقَّتَانِ (أَوْ ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ
وَذَكَرَ أَنَّ الْمُغِيرَةَ الْمَخْزُومِيَّ كَانَ يَقُولُ إِذَا زَادَتِ الْإِبِلُ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِيهَا حِقَّتَانِ لَا غَيْرَ إِلَى) ثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ
قَالَ وَلَيْسَ السَّاعِي فِي ذَلِكَ مُخَيَّرًا
قَالَ وَأَخَذَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ بِقَوْلِ الْمُغِيرَةِ هَذَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ وَبِهِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الزِّيَادَةِ شَيْءٌ عَلَى حِقَّتَيْنِ حَتَّى يَبْلُغَ ثَلَاثِينَ وَمِائَةً
قَالَ أَبُو عُمَرَ إِذَا بَلَغَتْ ثَلَاثِينَ وَمِائَةً فَفِيهَا حِقَّةٌ وَابْنَتَا لَبُونٍ بِإِجْمَاعٍ مِنْ عُلَمَائِنَا
стр. 1241
الْحِجَازِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِيمَا وَصَفْتُ لَكَ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي فَرَائِضَ الْإِبِلِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا فِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ وَفِي كَلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ فَلَمَّا احْتَمَلَتِ الزِّيَادَةُ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ كَمَا رَأَيْتَ لِاحْتِمَالِ الْأَصْلِ لَهُ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ إِذَا زَادَتِ الْإِبِلُ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ ففيها ثلاث بنات لبون كقول بن شِهَابٍ
وَهَذَا أَوْلَى عِنْدَ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ قَوْلُ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ
وَأَمَّا قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَأَصْحَابَهُ وَالثَّوْرِيَّ قَالُوا إِذَا زَادَتِ الْإِبِلُ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ اسْتَقْبَلَتِ الْفَرِيضَةُ
وَمَعْنَى اسْتِقْبَالِ الْفَرِيضَةِ عِنْدَهُمْ أَنْ يَكُونَ فِي كُلِّ خَمْسِ ذَوْدٍ شَاةٌ وَهَذَا قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ
قَالَ سُفْيَانُ إِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ تُرَدُّ الْفَرَائِضُ إِلَى أَوَّلِهَا فَإِنْ كَثُرَتِ الْإِبِلُ فَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ وَفِي كُلِّ سِتِّينَ جَذَعَةٌ
وَفِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ مِثْلُ هَذَا
وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى الْعِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَلَيْسَ فِيهَا إِلَّا الْحِقَّتَانِ حَتَّى تَصِيرَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ فَيَكُونُ فِي الْعِشْرِينَ وَمِائَةٍ حِقَّتَانِ وَفِي الْخَمْسِ شَاةٌ وَذَلِكَ فَرْضُ الثَّلَاثِينَ وَمِائَةٍ فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِيهَا حِقَّتَانِ وَشَاتَانِ الْحِقَّتَانِ لِلْعِشْرِينَ وَمِائَةٍ وَشَاتَانِ ثُمَّ ذَلِكَ فَرْضُهَا إِلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ فَيَكُونُ فِيهَا حِقَّتَانِ وَثَلَاثُ شِيَاهٍ إِلَى أَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِيهَا حِقَّتَانِ وَأَرْبَعُ شِيَاهٍ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِيهَا حِقَّتَانِ وَابْنَةُ مَخَاضٍ إِلَى خَمْسِينَ وَمِائَةٍ فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِيهَا ثَلَاثُ حِقَاقٍ فَإِذَا زَادَتْ عَلَى الْخَمْسِينَ وَمِائَةٍ اسْتَقْبَلَ بِهَا الْفَرِيضَةَ كَمَا اسْتَقْبَلَ بِهَا إِذَا زَادَتْ عَلَى الْعِشْرِينَ وَمِائَةٍ إلى مائتين فيكون فيها أربعة حِقَاقٍ فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَتَيْنِ اسْتَقْبَلَ بِهَا أَيْضًا ثُمَّ كَذَلِكَ أَبَدًا
وَرَوَى الثَّوْرِيُّ وَالْكُوفِيُّونَ قولهم عن إبراهيم عن علي وبن مَسْعُودٍ وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ مَا لَمْ أَرَ لِذِكْرِهِ وَجْهًا
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عُمَرَ وَفِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ إِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ شَاةٌ وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ إِلَى مِائَتَيْنِ شَاتَانِ فَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ إِلَّا شَيْءٌ رُوِيَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ مِنْ رِوَايَةِ الشَّعْبِيِّ عَنْهُ وَهِيَ مُنْقَطِعَةٌ لَمْ يَقُلْ بِهَا أَحَدٌ مِنْ فُقَهَاءِ
стр. 1242
الْأَمْصَارِ وَالَّذِي عَلَيْهِ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ أَنَّ فِي مِائَتَيْ شَاةٍ وَشَاةٍ ثَلَاثَ شِيَاهٍ وَكَذَلِكَ فِي ثلاث مائة وما زاد عليها حتى تبلغ أربع مائة فَفِيهَا أَرْبَعُ شِيَاهٍ
وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا مَالِكُ بن أنس والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم
وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَسَائِرِ أَهْلِ الْأَثَرِ
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ إِذَا كَانَتِ الغنم ثلاث مائة شَاةٍ وَشَاةً فَفِيهَا خَمْسُ شِيَاهٍ
وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ قَوْلَهُ هَذَا عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّا الْآثَارُ الْمَرْفُوعَةُ فِي كِتَابِ الصَّدَقَاتِ فَعَلَى مَا قَالَهُ جَمَاعَةُ فقهاء الأمصار لا على مَا قَالَهُ النَّخَعِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ
وَالسَّائِمَةُ مِنَ الْغَنَمِ وَسَائِرِ الْمَاشِيَةِ هِيَ الرَّاعِيَةُ وَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهَا
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْإِبِلِ الْعَوَامِلِ وَالْبَقَرِ الْعَوَامِلِ وَالْكِبَاشِ الْمَعْلُوفَةِ
فَرَأَى مَالِكٌ وَاللَّيْثُ أَنَّ فِيهَا الزَّكَاةَ لِأَنَّهَا سائمة في طبعها وخلفها وَسَوَاءٌ رَعَتْ أَوْ أَمَسَكَتْ عَنِ الرَّعْيِ
وَقَالَ سَائِرُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَأَهْلُ الْحَدِيثِ لَا زَكَاةَ فِي الْإِبِلِ وَلَا فِي الْبَقَرِ الْعَوَامِلِ وَلَا فِي شَيْءٍ مِنَ الْمَاشِيَةِ الَّتِي لَيْسَتْ بِمُهْلَةٍ وَإِنَّمَا هِيَ سَائِمَةٌ رَاعِيَةٌ
وَيُرْوَى هَذَا الْقَوْلُ عَنْ عَلِيٍّ وَجَابِرٍ وَطَائِفَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ لَا مُخَالِفَ لَهُمْ مِنْهُمْ وَعَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ مَنْ لَهُ أَرْبَعَةٌ مِنَ الْإِبِلِ سَائِمَةٌ وَوَاحِدٌ عَامِلٌ وَتِسْعٌ وَعِشْرُونَ مِنَ الْبَقَرِ رَاعِيَةٌ وَوَاحِدَةٌ عَامِلَةٌ أَوْ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ شَاةً رَاعِيَةً وَكَبْشٌ مَعْلُوفٌ فِي دَارِهِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ
وَأَمَّا قَوْلُهُ وَلَا يَخْرُجُ فِي الصَّدَقَةِ تَيْسٌ وَلَا هَرِمَةٌ وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ إِلَّا مَا شَاءَ الْمُصَدِّقُ يَعْنِي مُجْتَهِدًا فَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ لِأَنَّ الْمَأْخُوذَ فِي الصَّدَقَاتِ الْعَدْلُ كَمَا قَالَ عُمَرُ عَدْلٌ بَيْنَ هَذَا الْمَالِ وَخِيَارِهِ لَا الزَّائِدِ وَلَا النَّاقِصِ فَفِي التَّيْسِ زِيَادَةٌ وَفِي الْهَرِمَةِ وَذَاتِ الْعَوَارِ نُقْصَانٌ
وَأَمَّا قَوْلُهُ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الْمُصَدِّقُ فَمَعْنَاهُ أَنْ تَكُونَ الْهَرِمَةُ وَذَاتُ الْعَوَارِ خَيْرًا لِلْمَسَاكِينِ مِنَ الَّتِي أَخْرَجَ صَاحِبُ الْغَنَمِ إِلَيْهِ فَيَأْخُذُ ذَلِكَ بِاجْتِهَادِهِ
وَقَدْ رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ لَا تُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ وَلَا تَيْسٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الْمُصَدِّقُ كَمَا جَاءَ فِي كتاب عمر
стр. 1243
وروي ذلك أيضا عن علي وبن مَسْعُودٍ
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْعَمْيَاءِ وَذَاتِ الْعَيْبِ هَلْ تُعَدُّ عَلَى صَاحِبِهَا
فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ تُعَدُّ الْعَجْفَاءُ وَالْعَمْيَاءُ وَالْعَرْجَاءُ وَلَا تُؤْخَذُ
وَرَوَى أَسَدُ بْنُ الْفُرَاتِ عَنْ أَسَدِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِالْعَمْيَاءِ كَمَا لَا تُؤْخَذُ وَلَمْ تَأْتِ هَذِهِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ
وَسَيَأْتِي اخْتِلَافُهُمْ فِي الْعَدِّ عَلَى رَبِّ الْمَاشِيَةِ فِي السَّخْلِ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَالتَّيْسُ عند العرب كلما يَبْدُو عَنِ الْغَنَمِ مِنْ ذُكُورِ الضَّأْنِ أَوْ مِنَ الْمَعْزِ لِأَنَّ الْغَنَمَ الضَّأْنُ وَالْمَعْزُ
وَالْهَرِمَةُ الشَّاةُ الشَّارِفُ
وَذَاتُ الْعَوَارِ (بِفَتْحِ الْعَيْنِ) الْعَيْبُ وَ (بِضَمِّهَا) ذَهَابُ الْعَيْنِ وَقَدْ قِيلَ فِي ذَلِكَ بَالضِّدِّ
وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْعَوْرَاءَ لَا تُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ إِذَا كَانَ بَيِّنًا وَكَذَلِكَ كَلُّ عَيْبٍ يُنْقِصُ مِنْ ثَمَنِهَا نُقْصَانًا بَيِّنًا إِذَا كَانَتِ الْغَنَمُ صِحَاحًا كُلُّهَا أَوْ أَكْثَرُهَا فَإِنْ كَانَ كُلُّهَا عَوْرَاءَ أَوْ شَوَارِفَ أَوْ جَرْبَاءَ أَوْ عَجْفَاءَ أَوْ فِيهَا مِنَ الْعُيُوبِ مَا لا يجوز معه في الضحايا فقد قيل لَيْسَ عَلَى رَبِّهَا إِلَّا أَنْ يُعْطِيَ صَدَقَتَهَا مِنْهَا وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُصَدِّقُ بِسَائِمَةٍ مِنَ الْعُيُوبِ صَحِيحَةٍ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي غَنَمِهِ وَقِيلَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُصَدِّقَ بِجَذَعَةٍ أَوْ ثَنِيَّةٍ تَجُوزُ ضَحِيَّةً وَعَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ اخْتِلَافُ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِمْ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ إِنَّ شَاءَ اللَّهُ مُسْتَوْعِبًا فِي هَذَا الْمَعْنَى عِنْدَ ذِكْرِ قَوْلِ عُمَرَ ﵁ لَا تَأْخُذِ الرُّبَّى وَلَا الْمَاخِضَ وَلَا الْأَكُولَةَ وَلَا فَحْلَ الْغَنَمِ وَتَأْخُذِ الْجَذَعَةُ وَالثَّنِيَّةَ
وَأَمَّا قَوْلُهُ وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بُيْنَ مُجْتَمِعٍ فَقَدْ فَسَّرَ مَالِكٌ مَذْهَبَهُ فِي مُوَطَّئِهِ فَقَالَ مَالِكٌ فِي بَابِ صَدَقَةِ الْخُلَطَاءِ
وَتَفْسِيرُ قَوْلِهِ لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ أَنْ يَكُونَ النَّفَرُ الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ يَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَرْبَعُونَ شَاةً قَدْ وَجَبَتْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي غَنَمِهِ الصَّدَقَةُ فَإِذَا أَظَلَّهُمُ الْمُصَدِّقُ جَمَعُوهَا لِئَلَّا يَكُونَ عَلَيْهِمْ فِيهَا إِلَّا شَاةً وَاحِدَةً فَنُهِيَ عَنْ ذَلِكَ وَتَفْسِيرُ قَوْلِهِ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ أَنَّ الْخَلِيطَيْنِ يَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةُ شَاةٍ وَشَاةٌ فَيَكُونُ عَلَيْهِمَا فِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ فَإِذَا أَظَلَّهُمَا الْمُصَدِّقُ فَرَّقَا غَنَمَهُمَا فَلَمْ يَكُنْ عَلَى كل
стр. 1244
وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَّا شَاةٌ وَاحِدَةٌ فَنُهِيَ عَنْ ذَلِكَ فَقِيلَ لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ قَالَ مَالِكٌ فَهَذَا الَّذِي سَمِعْتُ فِي ذَلِكَ
قَالَ مَالِكٌ وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ أَصْحَابَ الْمَوَاشِي
لَمْ يَذْكُرْ يَحْيَى هَذِهِ الْكَلِمَةَ هَا هُنَا فِي الْمُوَطَّأِ وَهِيَ عِنْدَهُ فِي بَابِ صَدَقَةِ الْخُلَطَاءِ مِنَ الْمُوَطَّأِ وَذَكَرَهَا غَيْرُهُ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ عِنْدَ جَمَاعَةِ أَصْحَابِهِ
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ مَعْنَى قَوْلِهِ ﵇ لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ هُوَ افْتِرَاقُ الْخُلَطَاءِ عِنْدَ قُدُومِ الْمُصَدِّقِ يُرِيدُونَ بِهِ بخس الصدقة فهذا لا يصلح وَقَدْ يُرَادُ بِهِ السَّاعِي يَجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ ليأخذ منه الأكثر مِمَّا عَلَيْهِمُ اعْتِدَاءً فَأَمَّا التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْخُلَطَاءِ فَالنَّفَرُ الثَّلَاثَةُ أَوْ أَقَلُّ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ يَكُونُ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَرْبَعُونَ شَاةً فَإِنَّمَا فِيهَا شَاةٌ فَلَا يَنْبَغِي لِلْمُصَدِّقِ أَنْ يُفَرِّقَ حَتَّى يَأْخُذَ مِنْهُمْ ثَلَاثَ شِيَاهٍ وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ وَلَا يَنْبَغِي لِلْقَوْمِ يَكُونُ لِلْوَاحِدِ مِنْهُمْ أَرْبَعُونَ شَاةً عَلَى حَسَبِهِ فَإِذَا جَاءَ الْمُصَدِّقُ جَمَعُوهَا لِيَبْخَسُوهُ
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْمُجْتَمِعِ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ رَجُلٍ شَاةً فَيُفَرِّقُهَا عِشْرِينَ عِشْرِينَ لِئَلَّا يُؤْخَذَ مِنْ هَذِهِ شَيْءٌ وَلَا مِنْ هَذِهِ شَيْءٌ
وَقَوْلُهُ لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ أَنْ يَكُونَ لِرَجُلٍ أربعون شاة وللآخر خمسون يجمعانها لئلا يؤخذ مِنْهَا شَاةٌ
قَالَ أَبُو عُمَرَ ذَهَبَ الثَّوْرِيُّ أَيْضًا إِلَى أَنَّ الْمُخَاطَبَ أَرْبَابُ الْمَوَاشِي
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ ثَلَاثَةِ نَفَرٍ خُلَطَاءَ فِي عِشْرِينَ وَمِائَةِ شَاةٍ حَسَبَهُ إِذَا جُمِعَتْ بَيْنَهُمْ أَنْ يَكُونَ فِيهَا شَاةٌ لِأَنَّهَا إِذَا فُرِّقَتْ فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ رَجُلٌ لَهُ مِائَةُ شَاهٍ وَشَاةٌ وَآخِرُ لَهُ مِائَةُ شَاةٍ وَشَاةٌ فَإِذَا تُرِكَا عَلَى افْتِرَاقِهِمَا كَانَ فِيهِمَا شَاتَانِ وَإِذَا جُمِعَتَا كَانَ فِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ وَرَجُلَانِ لَهُمَا أَرْبَعُونَ شَاةً فإذا فرقت فَلَا شَيْءَ فِيهَا وَإِذَا جُمِعَتْ فَفِيهَا شَاةٌ وَالْخَشْيَةُ خَشْيَةُ السَّاعِي أَنْ تَقِلَّ الصَّدَقَةُ وَخَشْيَةُ رَبِّ الْمَالِ أَنْ تَكْثُرَ الصَّدَقَةُ وَلَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا أَوْلَى بِاسْمِ الْخَشْيَةِ مِنَ الْآخَرِ فَأَمَرَ أَنْ يُقَرَّ كُلٌّ عَلَى حَالِهِ إِنْ كَانَ مُجْتَمِعًا صُدِقَ مُجِتَمِعًا وَإِنْ كَانَ مُفْتَرِقًا صُدِقَ مفترقا
وقال أبو حنيفة وأصحابه مَعْنَى قَوْلِهِ ﵇ لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجُتَمِعٍ أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ شَاةً فَفِيهَا شَاةٌ وَاحِدَةٌ فَإِنْ فَرَّقَهَا الْمُصَدِّقُ أَرْبَعِينَ أَرْبَعِينَ فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ
стр. 1245
وَمَعْنَى قَوْلِهِ لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُلَيْنِ أَرْبَعِينَ شَاةً فَإِنْ جَمَعَهَا صَارَتْ فِيهَا شَاةٌ وَلَوْ فَرَّقَهَا عِشْرِينَ عِشْرِينَ لَمْ يكن فيها شيء
قالوا وَلَوْ كَانَا شَرِيكَيْنِ مُتَعَارِضَيْنِ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ أَغْنَامِهِمَا
وَرَوَى بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ إِذَا قِيلَ فِي الْحَدِيثِ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ هُوَ أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ ثَمَانُونَ شَاةً فَإِذَا جَاءَ الْمُصَدِّقُ قَالَ هُوَ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِشْرُونَ أَوْ يَكُونُ لَهُ أربعون شاة فيأخذ من إخوته أربعون أربعون فَيَقُولُ هَذِهِ كُلُّهَا لِي فَلَيْسَ فِيهَا إِلَّا شَاةٌ وَاحِدَةٌ فَهَذِهِ خَشْيَةُ الصَّدَقَةِ لِأَنَّ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْهُ يَخْشَى الصَّدَقَةَ
وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَقُلْ فِيهِ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ فَقَدْ يَكُونُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَقَدْ يَكُونُ عَلَى وَجْهِ أَنْ يَكُونَ يَجِيءُ الْمُصَدِّقُ إِلَى إِخْوَةٍ ثَلَاثَةٍ وَلَوْ أُخِذَ مِنْهُمْ عِشْرُونَ وَمِائَةُ شَاةٍ فَيَقُولُ هَذِهِ بَيْنَكُمْ لِكُلِّ وَاحِدٍ أَرْبَعُونَ أَوْ يَكُونُ لَهُمْ أَرْبَعُونَ فَيَقُولُ الْمُصَدِّقُ هَذِهِ لِوَاحِدٍ مِنْكُمْ
قَالَ أَبُو عُمَرَ إِنَّمَا حَمَلَ الْكُوفِيُّونَ أَبَا يُوسُفَ وَأَصْحَابَهُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ لِأَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ إِنَّ الْخُلْطَةَ تُغَيِّرُ الصَّدَقَةَ وَإِنَّمَا يُصْدِقُ الْخُلَطَاءُ عِنْدَهُمْ صَدَقَةَ الْجَمَاعَةِ وَعِنْدَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ يُصَدِقُونَ صَدَقَةَ الْمَالِكِ الْوَاحِدِ وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي بَابِ صَدَقَةِ الْخُلَطَاءِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَمَا تَأَوَّلُوهُ فِي الْحَدِيثِ لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ يَرْتَفِعُ مَعَهُ فَائِدَةُ الْحَدِيثِ وَلِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا يَأْتِي فِي بَابِ الْخُلَطَاءِ
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ قَوْلُهُ ﵇ لَا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع عَلَى رَبِّ الْمَالِ وَالسَّاعِي وَذَلِكَ أَنَّ السَّاعِيَ إذا جاؤوا لرجل عِشْرُونَ وَمِائَةُ شَاةٍ فَفَرَّقَهَا عَلَى أَرْبَعِينَ أَرْبَعِينَ أَخَذَ مِنْهُ ثَلَاثَ شِيَاهٍ وَلَا يَحِلُّ لِلسَّاعِي ذَلِكَ وَلَا يَحِلُّ لِلسَّاعِي أَنْ يَجِيءَ إِلَى قَوْمٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عِشْرُونَ شَاةً أَوْ ثَلَاثُونَ فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يُزَكِّيهَا وَكَذَلِكَ أَصْحَابُ الْمَوَاشِي إِذَا كَانَ لِرَجُلٍ أَرْبَعُونَ شَاةً فَكَانَ فِيهَا الزَّكَاةُ فَإِذَا جَاءَ الْمُصَدِّقُ فَرَّقَهَا عَلَى نَفْسَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ لِئَلَّا يُؤْخَذَ مِنْهُ شَيْءٌ أَوْ يَكُونُ لِثَلَاثَةٍ أَرْبَعُونَ أَرْبَعُونَ شَاةً فَإِذَا جاء المصدق جمعوها وصيروها لواحد فتأخذ مِنْهَا شَاةٌ فَهَذَا لَا يَحِلُّ لِرَبِّ الْمَاشِيَةِ وَلَا لِلْمُصَدِّقِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عُمَرَ وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ فَسَنَذْكُرُ وَجْهَ التَّرَاجُعِ بَيْنَ الْخَلِيطَيْنِ إِذَا أُخِذَتِ الشَّاةُ مِنْ غَنَمِ أَحَدِهِمَا فِي بَابِ صدقة الخلطاء
стр. 1246
وَأَمَّا قَوْلُهُ وَفِي الرِّقَةِ إِذَا بَلَغَتْ خَمْسَ أَوَاقٍ رُبُعُ الْعُشْرِ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي زَكَاةِ الْمَالِ فِي زَكَاةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَمَبْلَغِ النِّصَابِ فِيهَا وَالرِّقَةُ عِنْدَ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ هِيَ الْفِضَّةُ وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُنَا فِي الْمَضْرُوبِ مِنْهَا وَالنَّفْرِ وَالْمَسْبُوكِ وَمَضَى الْقَوْلُ فِي الْحَلْيِ فِي بَابِ زَكَاةِ الْحَلْيِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
(١٢ - بَابُ مَا جَاءَ فِي صَدَقَةِ الْبَقَرِ)
٥٥٤ - مَالِكٌ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ الْمَكِّيِّ عَنْ طَاوُسٍ الْيَمَانِيِّ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ الْأَنْصَارِيَّ أَخَذَ مِنْ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً تَبِيعًا وَمِنْ أَرْبَعِينَ بَقَرَةً مُسِنَّةً وَأُتِيَ بِمَا دُونَ ذَلِكَ فَأَبَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا وَقَالَ لَمْ أَسْمَعْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِ شَيْئًا حَتَّى أَلْقَاهُ فَأَسْأَلُهُ فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ الْوُقُوفُ عَلَى مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ مِنْ قَوِلِهِ إِلَّا أَنَّ فِي قَوْلِهِ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا دُونَ الثَّلَاثِينَ وَالْأَرْبَعِينَ مِنَ الْبَقَرِ شَيْئًا دَلِيلًا وَاضِحًا عَلَى أَنَّهُ قَدْ سَمِعَ مِنْهُ ﵇ فِي الثَّلَاثِينَ وَفِي الْأَرْبَعِينَ مَا عَمِلَ بِهِ فِي ذَلِكَ مَعَ أَنَّ مِثْلَهُ لَا يَكُونُ رَأْيًا إِنَّمَا هُوَ تَوْقِيفٌ مِمَّنْ أَمَرَ بِأَخْذِ الزَّكَاةِ مِنَ الَّذِينَ يُطَهِّرُهُمْ وَيُزَكِّيهِمْ بِهَا ﷺ
وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ السُّنَّةَ فِي زَكَاةِ الْبَقَرِ مَا فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ هَذَا وَأَنَّهُ النِّصَابُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ فِيهَا
وَحَدِيثُ طَاوُسٍ هَذَا عِنْدَهُمْ عَنْ مُعَاذٍ غَيْرُ مُتَّصِلٍ وَالْحَدِيثُ عَنْ مُعَاذٍ ثَابِتٌ مُتَّصِلٌ مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ وَالثَّوْرِيِّ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ مُعَاذٍ بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ
وَرَوَى مَعْمَرٌ وَالثَّوْرِيُّ أَيْضًا عَنْ إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ وَفِي الْبَقَرِ فِي كُلِّ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً تَبِيعُ حَوْلَيْنِ وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ
وَكَذَلِكَ فِي كِتَابِ النَّبِيِّ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ
стр. 1247
وَكَذَلِكَ فِي كِتَابِ الصَّدَقَاتِ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَلِيٍّ ﵃
وَعَلَى ذَلِكَ مَضَى جَمَاعَةُ الْخُلَفَاءِ وَلَمْ يَخْتَلِفْ فِي ذَلِكَ الْعُلَمَاءُ إِلَّا شَيْءٌ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي قِلَابَةَ وَالزُّهْرِيِّ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي خَلْدَةَ الْمُزَنِيِّ وَقَتَادَةَ وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ لِخِلَافِ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ وَالْآثَارِ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَالشَّامِ لَهُ وَذَلِكَ لِمَا قَدَّمْنَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ يَرُدُّ قَوْلَهُمْ لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ فِي كُلِّ خَمْسٍ مِنَ الْبَقَرِ شَاةً إِلَى ثَلَاثِينَ وَاعْتَلُّوا بِحَدِيثٍ لَا أَصْلَ لَهُ وَهُوَ حَدِيثُ حَبِيبِ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ أَنَّهُ فِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْبَابِ فِيمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ
فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ وَالطَّبَرِيُّ وَجَمَاعَةُ أَهْلِ الْفِقْهِ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ وَالْحَدِيثِ إِلَى أَنْ لَا شَيْءَ فِيمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ مِنَ الْبَقَرِ حَتَّى تَبْلُغَ سِتِّينَ فَفِيهَا تَبِيعَانِ إِلَى سَبْعِينَ فَإِذَا بَلَغَتْ سَبْعِينَ فَفِيهَا تَبِيعٌ وَمُسِنَّةٌ إِلَى ثَمَانِينَ فَيَكُونُ فِيهَا مُسِنَّتَانِ إِلَى تِسْعِينَ فَيَكُونُ فِيهَا ثَلَاثُ تَبَائِعَ إِلَى مِائَةٍ فَيَكُونُ فِيهَا تَبِيعَانِ وَمُسِنَّةٌ ثُمَّ هكذا أبدا في ثلاثين تبيعا وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ
وَبِهَذَا أَيْضًا كُلِّهُ قال بن أَبِي لَيْلَى وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ مَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ مِنَ الْبَقَرِ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ
وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ فِي مَذْهَبِهِ فِي خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ وَمَنْ وَفَى خَمْسِينَ مُسِنَّةٌ وَرُبْعٌ وَعَلَى هَذَا كُلُّ مَا زَادَ قَلَّ أَوْ كَثُرَ
هَذِهِ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ
وَقَدْ رَوَى أَسَدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِثْلَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ وَسَائِرِ الْفُقَهَاءِ
وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ يَقُولُ مِنْ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً تَبِيعًا وَفِي أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ وَفِي خَمْسِينَ مُسِنَّةٌ وَرُبْعٌ وَفِي سِتِّينَ تَبِيعَانِ
وَكَانَ الْحَكَمُ وَحَمَّادٌ يَقُولَانِ إِذَا بَلَغَتْ خَمْسِينَ فَبِحِسَابِ مَا زَادَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَا قَوْلَ فِي هَذَا الْبَابِ إِلَّا مَا قَالَهُ مَالِكٌ وَمَنْ تَابَعَهُ وَهُمُ الْجُمْهُورُ الَّذِينَ بِهِمْ تَجِبُ الْحُجَّةُ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ وَشَذَّ عَنْهُمْ إِلَى مَا فِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ ذِكْرُهُ
وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ بن جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّ طاوسا أخبره
стр. 1248
أَنَّ مُعَاذًا قَالَ لَسْتُ آخُذُ مِنْ أَوْقَاصِ الْبَقَرِ شَيْئًا حَتَّى آتِيَ رَسُولَ ﷺ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَأْمُرْنِي فِيهَا بِشَيْءٍ
قَالَ بن جُرَيْجٍ وَقَالَ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ إِنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ لَمْ يَزَلْ بِالْجَنَدِ مُنْذُ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ حَتَّى مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ ثُمَّ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ فَرَدَّهُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ الْجَنَدُ مِنَ الْيَمَنِ هُوَ بَلَدُ طَاوُسٍ
وَتُوُفِّيَ طَاوُسٌ سَنَةَ سِتٍّ وَمِائَةٍ
وَتُوُفِّيَ مُعَاذٌ فِي طَاعُونِ عَمَوَاسَ وَكَانَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ أَوْ ثَمَانِي عَشْرَةَ
قَالَ مَالِكٌ أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِيمَنْ كَانَتْ لَهُ غَنَمٌ عَلَى رَاعِيَيْنِ مُفْتَرِقَيْنِ أَوْ عَلَى رِعَاءٍ مُفْتَرِقِينَ فِي بُلْدَانٍ شَتَّى أَنَّ ذَلِكَ يُجْمَعُ كُلُّهُ عَلَى صَاحِبِهِ فَيُؤَدِّي مِنْهُ صَدَقَتَهُ وَمِثْلُ ذَلِكَ الرُّجُلُ يَكُونُ لَهُ الذَّهَبُ أَوِ الْوَرِقُ مُتَفَرِّقَةً فِي أَيْدِي نَاسٍ شَتَّى إِنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَجْمَعَهَا فَيُخْرِجَ مِنْهَا مَا وَجَبَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مِنْ زَكَاتِهَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَوْلُ مَالِكٍ ﵀ أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ سَمِعَ الْخِلَافَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَالْأَصْلُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ مُرَاعَاةُ مِلْكِ الرَّجُلِ لِلنِّصَابِ مِنَ الْوَرِقِ أَوِ الذَّهَبِ أَوِ الْمَاشِيَةِ أَوْ ما تخرجه الأرضد فَإِذَا حَصَلَ فِي مِلْكِ الرَّجُلِ نِصَابٌ كَامِلٌ وَأَتَى عَلَيْهِ حَوْلٌ فِيمَا يُرَاعَى فِيهِ الْحَوْلُ أَوْ نِصَابٌ فِيمَا تُخْرِجُهُ الْأَرْضُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَمْ يُرَاعَ فِي ذَلِكَ افْتِرَاقُ الْمَالِ إِلَّا مِنْ جِهَةِ السُّعَاةِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ عَنِ الْفُقَهَاءِ بَعْدُ
قَالَ الشَّافِعِيُّ إِذَا كَانَ لِلرَّجُلِ بِبَلَدٍ أَرْبَعُونَ شَاةً وَبِبَلَدِ غَيْرِهِ عِشْرُونَ شَاةً دَفَعَ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُصَدِّقِينَ قِيمَةَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ شِيَاهٍ فَقَسَمَهَا بَيْنَهُمَا وَلَا أُحِبُّ أَنْ يَدْفَعَ فِي أَحَدِ الْبَلَدَيْنِ شَاةً وَيَتْرُكَ الْأُخْرَى لِأَنِّي أُحِبُّ أَنْ تُقَسَمَ صَدَقَةُ الْمَالِ حَيْثُ الْمَالُ
وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِ مَالِكٍ لِأَنَّهُ يَرَى أَنْ يَجْمَعَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ صَدَقَتَهُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ
وَهُوَ عَلَى مَا قَدَّمْتُ لَكَ أَنَّ الْخَلِيفَةَ لَا يَحِلُّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا فِي الْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ وَعُمَّالُهُ فِي الْأَقْطَارِ يَسْأَلُونَ مَنْ مَرَّ بِهِمْ هَلْ عِنْدَكَ مِنْ مَالٍ وَجَبَ فِيهِ الزَّكَاةُ وَكَذَلِكَ مَنْ قَدِمَ عَلَيْهِ السُّعَاةُ
قَالَ الشَّافِعِيُّ مَنْ أَدَّى فِي أَحَدِ الْبَلَدَيْنِ شَاةً كَرِهْتُ لَهُ ذَلِكَ وَلَمْ أَرَ عَلَيْهِ فِي
стр. 1249
الْبَلَدِ الْأُخْرَى إِعَادَةَ نِصْفِ شَاةٍ وَعَلَى صَاحِبِ الْبَلَدِ الْآخَرِ أَنْ يُصَدِّقَهُ فِي قَوْلِهِ وَلَا يَأْخُذَ مِنْهُ فَإِنِ اتَّهَمَهُ أَحْلَفَهُ بِاللَّهِ قَالَ وَسَوَاءٌ كَانَتْ إِحْدَى غَنَمِهِ بِالْمَشْرِقِ وَالْأُخْرَى بِالْمَغْرِبِ في طاعة خليفة واحد أو طاعة والييين مُفْتَرِقَيْنِ إِنَّمَا تَجِبُ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ بِنَفْسِهِ فِي مِلْكِهِ لَا بِوَالِيهِ
قَالَ وَلَوْ كَانَتْ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَرْبَعُونَ شَاةً وَلِأَحَدِهِمَا فِي بَلَدٍ آخَرَ أَرْبَعُونَ شَاةً فَأَخَذَ الْمُصَدِّقُ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ شَاةً فَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا عَلَى صَاحِبِ الْأَرْبَعِينَ الْغَائِبَةِ وَرُبُعُهَا عَلَى الَّذِي لَهُ عِشْرُونَ وَلَا غَنَمَ لَهُ غَيْرُهَا لِأَنِّي أَضُمُّ كُلَّ مَالِ الرَّجُلِ إِلَى مَالِهِ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ آخُذُ صَدَقَتَهُ
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ قَالَ إِذَا كَانَ العامل واحدا ضَمَّ بَعَضَ ذَلِكَ إِلَى بَعْضٍ فَإِذَا كَانَ الْعَامِلَانِ مُخْتَلِفَيْنِ أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا فِي عَمَلِهِ
وَكَذَلِكَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ
قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ الضَّأْنُ وَالْمَعْزُ أَنَّهَا تُجْمَعُ عَلَيْهِ فِي الصَّدَقَةِ لِأَنَّهَا غَنَمٌ كُلُّهَا وَتُؤْخَذُ الصَّدَقَةُ مِنْ أَكْثَرِهَا عَدَدًا ضَأْنًا كَانَتْ أَوْ مَعْزًا كَذَلِكَ الْإِبِلُ الْعِرَابُ وَالْبُخْتُ وَالْبَقَرُ وَالْجَوَامِيسُ - هَذَا مَعْنَى مَا قَالَهُ مَالِكٌ - فَإِنِ اسْتَوَتْ فَلْيَأْخُذْ مِنْ أَيَّتِهِمَا شَاءَ فَإِنْ كَانَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصَابٌ أَخَذَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَدَقَتَهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي أَنَّ الضَّأْنَ وَالْمُعْزَ يُجْمَعَانِ وَكَذَلِكَ الْإِبِلُ كُلُّهَا عَلَى اخْتِلَافِ أَصْنَافِهَا إِذَا كَانَتْ سَائِمَةً وَالْبَقَرُ وَالْجَوَامِيسُ كَذَلِكَ
وَاخْتَلَفُوا إِذَا كَانَ بَعْضُ الْجِنْسِ أَرْفَعَ مِنْ بَعْضٍ فَقَوْلُ مَالِكٍ مَا ذَكَرْنَا
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ إِذَا انْتَهَى الْمُصَدِّقُ إِلَى الْغَنَمِ صَدَعَ الْغَنَمَ صَدْعَيْنِ فَأَخَذَ صَاحِبُ الْغَنَمِ خَيْرَ الصَّدْعَيْنِ ثُمَّ يَأْخُذُ الْمُصَدِّقُ مِنَ الصَّدْعِ الْآخَرِ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إِذَا اخْتَلَفَتِ الْغَنَمُ أَخَذَ الْمُصَدِّقُ مِنْ أَيِّ الْأَصْنَافِ شَاءَ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إِذَا كَانَتْ غَنَمُ الرَّجُلِ بَعْضُهَا أَرْفَعُ مِنْ بَعْضٍ أَخَذَ الْمُصَدِّقُ مِنْ وَسَطِهَا فَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً أَخْذَ خَيْرَ مَا يَجِبُ لَهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْوَسَطِ السِّنُّ الَّتِي وَجَبَتْ قَالَ لِصَاحِبِ الْغَنَمِ إِنْ تطوعت بأعلى مِنْهَا أَخَذْتُهَا مِنْكَ وَإِنْ لَمْ تَطَوَّعْ فَعَلَيْكَ أَنْ تَأْتِيَ بِشَاةٍ وَسَطٍ
قَالَ وَإِنْ كَانَتِ الْغَنَمُ ضَأْنًا وَمَعْزًا وَاسْتَوَتْ فِي الْعَدَدِ أَخَذَ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ
وَالْقِيَاسُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كل حصته
стр. 1250
قَالَ مَالِكٌ مَنْ أَفَادَ مَاشِيَةً مِنْ إِبِلٍ أَوْ بَقَرٍ أَوْ غَنَمٍ فَلَا صَدَقَةَ عَلَيْهِ فِيهَا حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ أَفَادَهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ قَبْلَهَا نِصَابٌ إِلَى آخَرِ كَلَامِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ مَذْهَبُهُ فِي فَائِدَةِ الْمَاشِيَةِ أَنَّهَا لَا تُضَمُّ إِلَى نِصَابٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نِصَابٌ أَكْمَلَ بِمَا اسْتَفَادَ النِّصَابَ وَاسْتَأْنَفَ بِهِ حَوْلًا فَإِنْ كَانَ لَهُ نِصَابُ مَاشِيَةٍ أَرْبَعِينَ مِنَ الْغَنَمِ فَاسْتَفَادَ إِلَيْهَا غَنَمًا زَكَّى الْفَائِدَةَ بِحَوْلِ الْأَرْبَعِينَ وَلَوِ اسْتَفَادَهَا قَبْلَ مَجِيءِ السَّاعِي بِيَوْمٍ أو قبل حلول الحول بيوم وكذلك كَانَ لَهُ نِصَابُ إِبِلٍ أَوْ نِصَابُ بَقَرٍ ثُمَّ اسْتَفَادَ إِبِلًا ضَمَّهَا إِلَى النِّصَابِ وَكَذَلِكَ الْبَقَرُ يُزَكِّي كُلَّ ذَلِكَ بِحَوْلِ النِّصَابِ
وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ فِي ذَلِكَ نَحْوُ قَوْلِ مَالِكٍ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَضُمُّ شَيْئًا مِنَ الْفَوَائِدِ إِلَى غَيْرِهِ وَيُزَكِّي كُلَّ مَالٍ لِحَوْلِهِ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ نِتَاجِ الْمَاشِيَةِ فَإِنَّهُ يُزَكَّى مَعَ أُمَّهَاتِهِ إِذَا كَانَتِ الْأُمَّهَاتُ نِصَابًا وَلَوْ كَانَتْ وِلَادَتُهُ قَبْلَ الْحَوْلِ بَطَرْفَةِ عَيْنٍ وَلَا يُعْتَدُّ بِالسِّخَالِ حَتَّى تَكُونَ الْأُمَّهَاتُ أَرْبَعِينَ وَلَوْ نَتَجَتِ الْأَرْبَعُونَ قَبْلَ الْحَوْلِ أَرْبَعِينَ بَهِيمَةً ثُمَّ مَاتَتْ وَحَالَ الْحَوْلُ عَلَى الْبَنَاتِ أُخِذَ مِنْهَا زَكَاتُهَا كَمَا كَانَ يُؤْخَذُ مِنَ الْأُمَّهَاتِ بِحَوْلِ الْأُمَّهَاتِ وَلَا يُكَلَّفُ أَنْ يَأْتِيَ بِثَنِيَّةٍ ولا جذعة وإنما يكلف وَاحِدَةً مِنَ الْأَرْبَعِينَ بَهِيمَةً
وَقَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ
قَالَ مَالِكٌ فِي الْفَرِيضَةِ تَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ فَلَا تُوجَدُ عِنْدَهُ أَنَّهَا إِنْ كَانَتِ ابْنَةَ مَخَاضٍ فَلَمْ توجد أخذ مكانها بن لَبُونٍ ذَكَرٌ وَإِنَّ كَانَتْ بِنْتَ لَبُونٍ أَوْ حِقَّةً أَوْ جَذَعَةً وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ كَانَ عَلَى رَبِّ الْإِبِلِ أَنْ يَبْتَاعَهَا لَهُ حَتَّى يأتيه بها لا أُحِبُّ أَنْ يُعْطِيَهُ قِيمَتَهَا
وَقَالَ مَالِكٌ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْسَنَّ الَّتِي تَجِبُ فِي الْمَالِ لَمْ يَأْخُذْ مَا فَوْقَهَا وَلَا مَا دُونَهَا وَلَا يَزْدَادُ دَرَاهِمَ وَلَا يَرُدُّهَا وَيَبْتَاعُ لَهُ رَبُّ الْمَالِ سِنًّا يَكُونُ فِيهَا وَفَاءُ حَقِّهِ إِلَّا أَنْ يَخْتَارَ رَبُّ الْمَالِ أَنْ يُعْطِيَهُ شَيْئًا فَوْقَ السِّنِّ الَّتِي وَجَبَتْ عَلَيْهِ
ذَكَرَهَا بن وهب في موطئه عن مالك
وقال بن الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ إِذَا لَمْ يَجِدْ فِيهَا ابنة مخاض أو بن لَبُونٍ ذَكَرًا فَرَبُّ الْمَالِ يَشْتَرِي لِلسَّائِلِ بِنْتَ مَخَاضٍ عَلَى مَا أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّ الْإِبِلِ أَنْ يَدْفَعَ مِنْهَا مَا هُوَ خَيْرٌ مِنَ ابْنَةِ مَخَاضٍ وَلَيْسَ لِلْمُصَدِّقِ أَنْ يَرُدَّ ذَلِكَ وَإِنْ أَرَادَ رَبُّ المال أن يدفع بن لَبُونٍ ذَكَرًا إِذَا لَمْ يُوجَدْ فِي الْمَالِ بِنْتُ مَخَاضٍ قَالَ فَذَلِكَ لِلسَّاعِي إِنْ أَرَادَ أَخَذَهُ وَإِلَّا أَلْزَمَهُ بِنْتَ مَخَاضٍ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ ذَلِكَ
стр. 1251
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ فِي أَسْنَانِ الْإِبِلِ الَّتِي فَرِيضَتُهَا ابْنَةُ لَبُونٍ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمُصَدِّقُ السَّنَّ الَّتِي وَجَبَتْ لَهُ أَخَذَ السِّنَّ الَّتِي دُونَهَا وَأَخَذَ مِنْ رَبِّ الْمَالِ شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا وَلَوْلَا الْأَثَرُ الَّذِي جَاءَ كَانَ مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ أَحَبَّ إِلَيَّ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إِذَا وَجَبَتْ فِي الْإِبِلِ صَدَقَةٌ فَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ الْوَاجِبُ فِيهَا وَوُجِدَ بَيْنَ أَفْضَلَ مِنْهَا أَوْ دُونَهَا فَإِنَّهُ يَأْخُذُ قِيمَةَ الَّتِي وَجَبَتْ عَلَيْهِ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ أَفْضَلَ وَرَدَّ عَلَيْهِ بِالْفَضْلِ قِيمَتَهُ دَرَاهِمَ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ دُونَهَا وَأَخَذَ بِالْفَضْلِ دَرَاهِمَ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ مِثْلَ ذَلِكَ قَالَ وَعَلَى الْمُصَدِّقِ إِذَا لَمْ يَجِدِ السِّنَّ الَّتِي وَجَبَتْ وَوَجَدَ السِّنَّ التي هي أعلى منها أو أسفل منها فَكَذَلِكَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ أَنْ يُعْطِيَ الْخَيْرَ لَهُمْ ثُمَّ يُعْطِيَهُ أَهْلُ السُّهْمَانِ
قَالَ وَإِذَا وَجَدَ الْعُلْيَا وَلَمْ يَجِدِ السُّفْلَى أَوِ السُّفْلَى وَلَمْ يَجِدِ الْعُلْيَا فَلَا خِيَارَ لَهُ وَيَأْخُذُ مِنَ الَّتِي وَجَدَ لَيْسَ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ مِثْلَ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ مَا لَمْ يَسُنَّ النَّبِيُّ ﷺ فِيهَا فَهُوَ قِيَاسٌ عَلَى مَا سَنَّ فِيهِ مِنْ رَدِّ الشَّاتَيْنِ أَوِ الْعِشْرِينَ دِرْهَمًا أَخَذَهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ فِي الصَّدَقَةِ وَهُوَ أَيْضًا مَذْكُورٌ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ وَغَيْرِهِ وَلَمْ يَقُلْ مَالِكٌ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ فِي الزَّكَاةِ إِلَّا كِتَابُ عُمَرَ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِيهِ فَقَالَ بِمَا رَوَى وَذَلِكَ شَأْنُ الْعُلَمَاءِ وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ انْفَرَدَ بِرَفْعِهِ وَاتِّصَالِهِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ فِيمَا انْفَرَدَ بِهِ
وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْإِبِلِ النَّوَاضِحِ وَالْبَقَرِ السَّوَانِي وَبَقَرِ الْحَرْثِ إِنِّي أَرَى أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ إِذَا وَجَبَتْ فِيهِ الصَّدَقَةُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ وَهَذَا قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ غَيْرَهَمَا
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالشَّافِعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ لَا زَكَاةَ فِي الْبَقَرِ الْعَوَامِلِ وَإِنَّمَا الزَّكَاةُ فِي السَّائِمَةِ
وَرَوَى قَوْلَهُمْ عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عَلِيٌّ وَجَابِرٌ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْبَقَرِ الْعَوَامِلِ صدقة
стр. 1252
وَحُجَّتُهُ قَوْلُهُ ﷺ وَفِي كُلِّ إِبِلٍ سَائِمَةٍ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ مِنْ حَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ
وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَتَبَ لَهُ فَرَائِضَ الصَّدَقَةِ وَفِيهَا سَائِمَةُ الْغَنَمِ إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ شَاةً
وَحُجَّةُ مَالِكٍ الْحَدِيثُ الْوَارِدُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَوْلُهُ لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ وَأَنَّهُ أَخَذَ مِنْ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً تَبِيعًا وَمِنْ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً وَمِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةً وَلَمْ يَخُصَّ سَائِمَةً مِنْ غَيْرِهَا
وَقَالَ أَصْحَابُهُ إِنَّمَا السَّائِمَةُ صِفَةٌ لَهَا كَالِاسْمِ وَالْمَاشِيَةُ كُلُّهَا سَائِمَةٌ وَمَنْ حَالَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الرَّعْيِ لم يمنعها ذلك أن تمى سَائِمَةً وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
(١٣ - بَابُ صَدَقَةِ الْخُلَطَاءِ)
٥٥٥ - ذَكَرَ مَالِكٌ مَذْهَبَهُ فِي مُوَطَّئِهِ فِي هَذَا الْبَابِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْخَلِيطَيْنِ لَا يُزَكِّيَانِ زَكَاةَ الْوَاحِدِ حَتَّى يَكَوَنَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصَابٌ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ وَاخْتَلَطَا بِغَنَمِهِمَا فِي الدَّلْوِ وَالْحَوْضِ وَالْمُرَاحِ وَالرَّاعِي وَالْفَحْلِ فَهُمَا خَلِيطَانِ يُزَكِّيهِمَا السَّاعِي زَكَاةَ الْوَاحِدِ ثُمَّ يَتَرَادَّانِ عَلَى كَثْرَةِ الْغَنَمِ وَقِلَّتِهَا
فَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا دُونَ النِّصَابِ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ شَيْءٌ ولم يرجع عليه صاحبه شيء
وَإِذَا وَرَدَ السَّاعِي عَلَى الْخَلِيطَيْنِ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَوْصَافِهِمَا زَكَّاهُمَا وَلَمْ يُرَاعِ مُرُورَ الْحَوْلِ عَلَيْهِمَا كَامِلًا وَهُمَا خَلِيطَانِ وَإِنَّمَا يُرَاعِي مُرُورَ الْحَوْلِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَوِ اخْتَلَطَا قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ بِشَهْرٍ أَوْ نَحْوِهِ إِذَا وَجَدَهُمَا خَلِيطَيْنِ زَكَّاهُمَا زَكَاةَ الْمُنْفَرِدِ
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي مُرَاعَاةِ الدَّلْوِ وَالْحَوْضِ وَالْمُرَاحِ وَالْفَحْلِ وَالرَّاعِي فقال بعضهم لا يكونان خليطين إلا ثلاثة أَوْصَافٍ مَنْ ذَلِكَ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ إِذَا كَانَ الرَّاعِي وَاحِدًا فَعَلَيْهِ مُرَادُ الْخُلْطَةِ
وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْخَلِيطَيْنِ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ إِنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْخَلِيطَيْنِ فِي مُرَاعَاةِ النِّصَّابِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا
стр. 1253
وَاحْتَجَّ مَالِكٌ بِأَنَّ الْخَلِيطَيْنِ لَا يُزَكِّيَانِ زَكَاةَ الْوَاحِدِ إِلَّا إِذَا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصَابٌ بِقَوْلِهِ ﵇ لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ مِنَ الْإِبِلِ صَدَقَةٌ وَقَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَفِي سَائِمَةِ الغنم إذا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ
قَالَ مَالِكٌ وَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ فِي هَذَا إِلَيَّ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَوْلُهُ وَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ يَدُلُّ عَلَى عِلْمِهِ بِالْخِلَافِ فِيهَا وَأَنَّ الْخِلَافَ كَانَ بِالْمَدِينَةِ قَدِيمًا
وَقَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ فِي الْخُلَطَاءِ كَقَوْلِ مَالِكٍ سَوَاءٌ وَاحْتَجَّ بِنَحْوِ حُجَّتِهِ فِي ذَلِكَ
وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ قَالَ بِقَوْلِ مَالِكٍ أَيْضًا فِي الْخُلَطَاءِ إِجْمَاعُ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ الْمُنْفَرِدَ لَا تَلْزَمُهُ زَكَاةٌ فِي أَقَلِّ مِنْ أَرْبَعِينَ مِنَ الْغَنَمِ
وَاخْتَلَفُوا فِي الْخَلِيطِ بِغَيْرِهِ لِغَنَمِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْقُضَ أَصْلٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ بِرَأْيٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ لَيْسَ فِي ذَلِكَ رَأْيٌ وَإِنَّمَا هُوَ تَوْقِيفٌ عَمَّنْ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ ﵊ لَا يُجْتَمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ وَقَوْلِهِ ﵊ فِي خَمْسٍ مِنَ الْإِبِلِ شَاةٌ وَفِي أَرْبَعِينَ مِنَ الْغَنَمِ شَاةٌ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْغَنَمِ الْمُجْتَمِعَةِ فِي الْخُلْطَةِ لِمَالِكَيْنِ أبو لِمَالِكٍ وَاحِدٍ
قَالَ الشَّافِعِيُّ وَلَمَّا لَمْ يَخْتَلِفِ السَّلَفُ الْقَائِلُونَ فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ أَنَّ الْخُلَطَاءَ فِي مِائَةٍ وَعِشْرِينَ شَاةً لَيْسَ عَلَيْهِمْ فِيهَا إِلَّا شَاةٌ وَاحِدَةٌ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ عِدَّةَ الْمَاشِيَةِ الْمُخْتَلِطَةِ لَا مِلْكَ الْمَالِكِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّ الْخَلِيطَيْنِ الشَّرِيكَيْنِ لَمْ يَقْتَسِمَا الْمَاشِيَةَ وَتَرَاجُعُهُمَا بِالسَّوِيَّةِ أَنْ يَكُونَا خَلِيطَيْنِ فِي الْإِبِلِ فِيهَا الْغَنَمُ فَتُؤْخَذُ الْإِبِلُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا فَيُؤْخَذُ مِنْهَا صَدَقَتُهَا وَيُرْجَعُ عَلَى شَرِيكِهِ بِالسَّوِيَّةِ لِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ
قَّالَ وَقَدْ يَكُونُ الْخَلِيطَانِ الرَّجُلَيْنِ يَتَخَالَطَانِ بِمَاشِيَتِهِمَا وَإِنْ عَرَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَاشِيَتَهُ وَلَا يَكُونَانِ خَلِيطَيْنِ حَتَّى يُرِيحَا وَيَحْلِبَا وَيَسْرَحَا وَيَسْقِيَا مَعًا فَحَلُّهُمَا وَاحِدٌ فَإِذَا كَانَ هَكَذَا صَدَقَا صَدَقَةَ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ لِكُلِّ حَوْلٍ
стр. 1254
قَالَ وَلَا يَكُونَانِ حَوْلَيْنِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِمَا الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ اخْتَلَطَا وَيَكُونَا مُسْلِمَيْنِ وَإِنِ افْتَرَقَا فِي مُرَاحٍ وَمَسْرَحٍ أَوْ سَقْيٍ أَوْ فُحُولٍ قَبْلَ الْحَوْلِ فَلَيْسَا بِخَلِيطَيْنِ وَيُصْدِقَانِ صَدَقَةَ الِاثْنَيْنِ وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَا شَرِيكَيْنِ
وَلَا يُرَاعِي الشَّافِعِيُّ النِّصَابَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَوِ اخْتَلَطَ عِنْدَهُ أَرْبَعَةُ رِجَالٍ أَوْ أَكْثَرُ أَوِ أَقَلُّ فِي أَرْبَعِينَ شَاةً كَانَ عَلَيْهِمْ فِيهَا شَاةٌ بِمُرُورِ الْحَوْلِ
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ
قَالَ الشَّافِعِيُّ وَلَمَّا لَمْ أَعْلَمْ مُخَالِفًا إِذَا كَانَ ثَلَاثَةُ خُلَطَاءَ لَهُمْ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ شَاةً أَنَّ عَلَيْهِمْ فِيهَا شَاةً وَاحِدَةً وَأَنَّهُمْ يُصْدِقُونَ صَدَقَةَ الْوَاحِدِ يَنْتَقِصُونَ الْمَسَاكِينَ شَاتَيْنِ مِنْ مَالِ الْخُلَطَاءِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ لَمْ يُفَرَّقْ مَالُهُمْ كَانَ فِيهِ ثَلَاثُ شِيَاهٍ لَمْ يَجُزْ إِلَّا أَنْ يُقَالَ لَوْ كَانَتْ أَرْبَعُونَ بَيْنَ ثَلَاثَةِ رِجَالٍ كَانَ عَلَيْهِمْ شَاةٌ لِأَنَّهُمْ خُلَطَاءُ صَدَقُوا صَدَقَةَ الْوَاحِدِ
قَالَ وَبِهَذَا أُقُولُ فِي الْمَاشِيَةِ كُلِّهَا! وَالزَّرْعِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ يُرِيدُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْخُلَطَاءِ فِي أَرْبَعِينَ شَاةً وَغَيْرُهُ الْخُلْطَةُ فَرِيضَةُ الْمُنْفَرِدِ وَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ النِّصَابُ بَيْنَهُمْ نِصَابُ الْوَاحِدِ كَمَا يُزَكُّونَ زَكَاةَ الْوَاحِدِ
قَالَ وَلَوْ أَنَّ حَائِطًا كَانَ مَوْقُوفًا حَبْسًا عَلَى مِائَةِ إِنْسَانٍ وَلَمْ يُخْرِجْ إِلَّا عَشَرَةَ أَوْسُقٍ أُخِذَتْ مِنْهُ صَدَقَةٌ كَصَدَقَةِ الْوَاحِدِ
وَيَقُولُ الشَّافِعِيُّ فِي الْخُلْطَةِ بِقَوْلِ اللَّيْثِ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ
قَالَ أَحْمَدُ إِذَا اخْتَلَطَ جَمَاعَةٌ فِي خَمْسَةٍ مِنَ الْإِبِلِ أَوْ ثَلَاثِينَ مِنَ الْبَقَرِ أَوْ أَرْبَعِينَ مِنَ الْغَنَمِ وَكَانَ مَرْعَاهُمْ وَمَسْرَحُهُمْ وَمَبِيتُهُمْ وَمِحْلَبُهُمْ وَفَحْلُهُمْ وَاحِدًا أُخِذَ مِنْهُمُ الصَّدَقَةُ وَتَرَاجَعُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ بِالْحِصَصِ
وَاخْتَلَفُوا فِي غَيْرِ الْمَاشِيَةِ أُخِذَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى انْفِرَادِهِ إِذَا كَانَتْ حِصَّتُهُ تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ الْخَلِيطَانِ فِي الْمَوَاشِي كَغَيْرِ الْخَلِيطَيْنِ لَا تَجِبُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيمَا يَمْلِكُ مِنْهَا إِلَّا مِثْلُ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ خَلِيطًا
قَالُوا وَكَذَلِكَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَالزَّرْعُ
قَالُوا وَإِذَا أَخَذَ الْمُصَدِّقُ الصَّدَقَةَ مِنْ مَاشِيَتِهِمَا تَرَاجَعَا فِيمَا أَخَذَ مِنْهُمَا حَتَّى تَعُودَ مَاشِيَتُهُمَا لَوْ لَمْ يَنْقُصْ مِنْ مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَّا مِقْدَارُ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الزَّكَاةِ فِي حِصَّتِهِ
وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ لَهُمَا عِشْرُونَ وَمِائَةُ شَاةٍ لِأَحَدِهِمَا ثُلُثُهَا فَلَا يَجِبُ عَلَى
стр. 1255
الْمُصَدِّقِ انْتِظَارُ قِيمَتِهَا وَلَكِنْ يَأْخُذُ مِنْ عَرْضِهَا شَاتَيْنِ فَيَكُونُ بِذَلِكَ أَخَذَ مِنْ مَالِ صَاحِبِ الثُّلُثِ شَاةً وَثُلُثًا وَإِنَّمَا كَانَتْ عَلَيْهِ شَاةٌ وَفِيهَا لِلْآخَرِ ثُلُثَا شَاةٍ وَقَدْ كَانَتْ عَلَيْهِ شَاةٌ فَيَرْجِعُ صَاحِبُ الثُّلُثَيْنِ عَلَى صَاحِبِ الثُّلُثِ ثُلُثَ الشَّاةِ الَّتِي أَخَذَهَا الْمُصَدِّقُ مِنْ حِصَّتِهِ زِيَادَةً عَلَى الْوَاجِبِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ فِيهَا فَتَعُودُ حِصَّةُ صَاحِبِ الثُّلُثِ إِلَى تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَحِصَّةُ صَاحِبِ الثُّلُثِ إِلَى تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ
وَلَوْ خَالَطَ صَاحِبُ عِشْرِينَ صَاحِبَ سِتِّينَ فَالشَّاةُ عَلَى صَاحِبِ السِّتِّينَ لَا عَلَى صَاحِبِ الْعِشْرِينَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ إِنَّمَا حَمَلَ الْكُوفِيُّونَ عَلَى دَفْعِ الْقَوْلِ بِصَدَقَةِ الْخُلَطَاءِ أَنَّهُمْ لَمْ يَبْلُغْهُمْ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ اعْتَمَدُوا عَلَى ظَاهِرِ قَوْلِهِ ﷺ لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ وَقَوْلُهُ ﵇ فِي الْغَنَمِ لَيْسَ فِيمَا دُونَ أَرْبَعِينَ مِنْهَا شَيْءٌ وَرَأَوْا أَنَّ الْخُلْطَةَ الْمَذْكُورَةَ تُغَيِّرُ هَذَا الْأَصْلَ فَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(١٤ - بَابُ مَا جَاءَ فِيمَا يُعْتَدُّ بِهِ مِنَ السَّخْلِ فِي الصَّدَقَةِ)
٥٥٦ - مَالِكٌ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ عَنِ بن لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُفْيَانَ الثَّقَفِيِّ عَنْ جَدِّهِ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بَعَثَهُ مُصَدِّقًا فَكَانَ يَعُدُّ عَلَى النَّاسِ بِالسَّخْلِ فَقَالُوا أَتَعُدُّ عَلَيْنَا بِالسَّخْلِ وَلَا تَأْخُذُ مِنْهُ شَيْئًا! فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ عُمَرُ نَعَمْ تَعُدُّ عَلَيْهِمْ بِالسَّخْلَةِ يَحْمِلُهَا الرَّاعِي وَلَا تَأْخُذُهَا! وَلَا تَأْخُذُ الْأَكُولَةَ وَلَا الرُّبَّى وَلَا الْمَاخِضَ وَلَا فَحْلَ الْغَنَمِ وَتَأْخُذُ الْجَذَعَةَ وَالثَّنِيَّةَ! وَذَلِكَ عَدْلٌ بَيْنَ غِذَاءِ الْغَنَمِ وَخِيَارِهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ ذَكَرَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ تَفْسِيرَ الرُّبَّى وَالْمَاخِضِ وَالْأَكُولَةِ وَفَحْلِ الْغَنَمِ بِمَا يُغْنِي عَنْ ذكره ها هنا
стр. 1256
وَقَوْلُهُ فِي نِصَابِ الْغَنَمِ أَنَّهُ يَكْمُلُ مِنْ أَوْلَادِهَا كَرِبْحِ الْمَالِ سَوَاءٌ وَلَوْ كَانَتْ عِنْدَهُ ثَلَاثُونَ شَاةً حَوْلًا ثُمَّ وَلَدَتْ قَبْلَ مَجِيءِ السَّاعِي بَلَيْلَهٍ فَكَمُلَتِ النِّصَابَ أُخِذَ مِنْهَا - عِنْدَهُ - الزَّكَاةُ وَذَلِكَ عِنْدَهُ مُخَالِفٌ لِمَا أُفِيدَ مِنْهَا بِشِرَاءٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ مِيرَاثٍ
وَمَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ هَذَا أَنَّ النِّصَابَ عِنْدَهُ يَكُونُ بَالْوِلَادَةِ وَلَا يَكُونُ بِالْفَائِدَةِ مِنْ غَيْرِ الْوِلَادَةِ لِمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ ثَلَاثُونَ مِنَ الْغَنَمِ أَوْ مَا دُونَ النِّصَابِ ثُمَّ اشْتَرَى أَوْ وَرِثَ أَوْ وُهِبَ لَهُ مَا يَكْمُلُ بِهِ النِّصَابُ اسْتَأْنَفَ بِالنِّصَابِ حَوْلًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ عِنْدَهُ حُكْمُ الْبَنَاتِ مَعَ الْأُمَّهَاتِ فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ نِصَابُ مَاشِيَةٍ قَدْ حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ ثُمَّ اسْتَفَادَ قَبْلَ مَجِيءِ السَّاعِي شَيْئًا بِغَيْرِ وِلَادَةٍ زَكَّى ذَلِكَ مَعَ النِّصَابِ
وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَائِدَةُ الْعَيْنِ الصَّامِتُ عِنْدَهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي بَابِهِ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَضُمَّنَّ شَيْئًا مِنَ الْفَوَائِدِ إِلَى غيره ويزكي كل لحوله إلى مَا كَانَ مِنْ نِتَاجِ الْمَاشِيَةِ مَعَ النِّصَابِ
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ
وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ فِي ذَلِكَ كَقَوْلِ مَالِكٍ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَعُدُّ بِالسَّخْلِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ غَنَمِهِ قَبْلَ الْحَوْلِ وَيَكُونُ أَصْلُ الْغَنَمِ أَرْبَعِينَ فَصَاعِدًا فَإِذَا لَمْ تَكُنِ الْغَنَمُ نِصَابًا فَلَا يَعُدُّ بِالسَّخْلِ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إِذَا كَانَ لَهُ فِي أَوَّلِ الْحَوْلِ أَرْبَعُونَ صِغَارًا أَوْ كِبَارًا وَفِي آخِرِهِ كَذَلِكِ وَجَبَتْ فِيهَا الصَّدَقَةُ وَإِنْ نَقَصَتْ فِي الْحَوْلِ
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ يَتِمُّ الْحَوْلُ بِالسِّخَالِ مَعَ الْأُمَّهَاتِ وَيُعْتَبَرُ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ تَمَّ النِّصَابُ فَإِنْ جَاءَ الْحَوْلُ وَجَبَتْ فِيهَا الزَّكَاةُ وَإِذَا تَمَّتْ سِخَالُهَا أَرْبَعِينَ أَوْ زَادَتْ عَلَيْهَا بِالسِّخَالِ حَتَّى بَلَغَتْ سِتِّينَ أَوْ نَحْوَهَا فَذَهَبَ مِنَ الْأُمَّهَاتِ وَاحِدَةٌ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ اسْتَقْبَلَ بِهَا حَوْلًا كَمَا يَفْعَلُ بِالدَّرَاهِمِ إِذَا كَانَتْ نَاقِصَةً فَأَفَدْتَ إِلَيْهَا تَمَامَ النِّصَابِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ لَا يَأْخُذُ الرُّبَّى إِلَى آخَرِ قَوْلِهِ ذَلِكَ فَقَالَ مَالِكٌ إِذَا كَانَتْ كُلُّهَا رُبًّى أَوْ فُحُولًا أَوْ مَاخِضًا أَوْ بَازِلًا كَانَ لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَأْتِيَ السَّاعِيَ بِمَا فِيهِ وَفَاءُ حَقِّهِ جَذَعَةٍ أَوْ ثَنِيَّةٍ وَإِنْ شَاءَ صَاحِبُهَا أَنْ يُعْطِيَ مِنْهَا وَاحِدَةً كَانَ ذَلِكَ لَهُ
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ
قَالَ مَالِكٌ لَيْسَ فِي الْإِبِلِ فِي الصَّدَقَةِ مِثْلُ الْغَنَمِ فَإِنَّ الْغَنَمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْهَا إِلَّا جَذَعَةٌ أَوْ ثَنِيَّةٌ وَيُؤْخَذُ من الإبل في الصدقة الصغار
стр. 1257
قال بن الْمَاجِشُونِ يَأْخُذُ الرُّبَّى إِذَا كَانَتْ كُلُّهَا رُبًّى كَمَا يَأْخُذُ الْعَجْفَاءَ مِنَ الْعِجَافِ
قَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يُؤْخَذُ فِي صَدَقَةِ الْإِبِلِ وَلَا فِي صَدَقَةِ الْغَنَمِ مِنَ الْغَنَمِ إِلَّا جَذَعَةٌ مِنَ الضَّأْنِ أَوْ ثَنِيَّةٌ مِنَ الْمَعْزِ وَلَا يُؤْخَذُ أَعْلَى مِنْ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ رَبُّ الْمَالِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا نَفْسُ اسْتِعْمَالِ حَدِيثِ عُمَرَ فِي الْجَذَعَةِ وَالثَّنِيَّةِ وَهُوَ كَقَوْلِ مَالِكٍ سَوَاءٌ
وَاخْتَلَفُوا إِذَا كَانَتِ الْإِبِلُ فُصْلَانًا وَالْبَقَرُ عُجُولًا وَالْغَنَمُ سِخَالًا
فَقَالَ مَالِكٌ عَلَيْهِ فِي الْغَنَمِ شَاةٌ ثَنِيَّةٌ أَوْ جَذَعَةٌ وَعَلَيْهِ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ مَا فِي الْكِبَارِ مِنْهَا
وهو قول زفر
قال بن عَبْدِ الْحَكَمِ مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ سقيا فعليه بنت مخاض وإن كانت أربعون حَلُوبَةً فَعَلَيْهِ فِيهَا جَذَعَةٌ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ السِّنُّ الَّتِي تُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ مِنَ الْغَنَمِ وَالْبَقَرِ وَالْإِبِلِ الْجَذَعَةُ مِنَ الضَّأْنِ وَالثَّنِيَّةُ مِمَّا سِوَاهَا إِلَّا أَنْ تَكُونَ صِغَارًا كُلُّهَا وَقَدْ حَالَ عَلَيْهَا حَوْلُ أُمِّهَا فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهَا الصَّغِيرُ
قَالَ وَحُكْمُ الْبَنَاتِ حُكْمُ الْأُمَّهَاتِ إِذَا حَالَ عَلَيْهَا حَوْلُ الْأُمَّهَاتِ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ لَا شَيْءَ فِي الْفُصْلَانِ إِذَا كَانَ كُلُّهَا فُصْلَانًا وَلَا فِي الْعُجُولِ وَلَا فِي صِغَارِ الغنم لا منها ولا من غيرها
وهو قول جَمَاعَةٍ مِنْ تَابِعِي أَهْلِ الْكُوفَةِ
وَمِنْ حُجَّتِهِمْ مَا رَوَاهُ هُشَيْمٌ عَنْ هِلَالِ بْنِ حَسَّانَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ مَيْسَرَةَ بْنِ صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ قَالَ أَتَانَا مُصَدِّقُ النَّبِيِّ ﷺ فَأَتَيْتُهُ فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ إِنَّ عَهْدِي أَنْ لَا آخُذَ مِنْ رَاضِعِ لَبَنٍ وَلَا أَجْمَعَ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ وَلَا أُفَرِّقَ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ
قَالَ وَأَتَاهُ رَجُلٌ بِنَاقَةٍ كَوْمَاءَ فَأَبَى أَنْ يَأْخُذَهَا
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ يُؤْخَذُ مِنْهَا إِذَا كَانَتْ خِرْفَانًا أَوْ عُجُولًا أَوْ فُصْلَانًا وَلَا يُكَلِّفُ صَاحِبُهَا أَكْثَرَ مِنْهَا
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ قَالَ فِي خَمْسِ فُصْلَانٍ وَاحِدَةٌ مِنْهَا أَوْ شَاةٌ
وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَعِيبَةِ كُلِّهَا عِجَافًا كَانَتْ أَوْ مَرِيضَةً فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مالك أنه
стр. 1258
يَلْزَمُ صَاحِبَهَا أَنْ يَأْتِيَ بِمَا يَجُوزُ ضَحِيَةً جذعة أو ثنية غير معيبة
وروى بن الْقَاسِمِ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ الْحَكَمِ سَأَلَ مَالِكًا عَنِ السَّاعِي يَجِدُهَا عِجَافًا كُلَّهَا فَقَالَ يَأْخُذُ مِنْهَا
قَالَ سَحْنُونٌ وَهُوَ قَوْلُ الْمَخْزُومِيِّ وَبِهِ قال مطرف وبن الْمَاجِشُونِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي يُوسُفَ
قَالَ الشَّافِعِيُّ لِأَنِّي إِذَا كَلَّفْتُهُ صَحِيحَةً كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ شَاةٍ مَعِيبَةٍ فَأَوْجَبْتُ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ
قَالَ وَلَمْ تُوضَعِ الصَّدَقَةُ إِلَّا رِفْقًا بِالْمَسَاكِينِ مِنْ حَيْثُ لَا يَضُرُّ بِأَرْبَابِ الْمَالِ
وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فَقَوْلُهُ فِي الْمَعِيبَةِ نَحْوَ ذَلِكَ
وَأَمَّا الصِّغَارُ فَلَا أَرَى فِيهَا شَيْئًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(١٥ - بَابُ الْعَمَلِ فِي صَدَقَةِ عَامَيْنِ إِذَا اجْتَمَعَا)
٥٥٧ - قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الرَّجُلِ تَجِبُ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ وَإِبِلُهُ مِائَةُ بَعِيرٍ فَلَا يَأْتِيهِ السَّاعِي حَتَّى تَجِبَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ أُخْرَى فَيَأْتِيهِ الْمُصَدِّقُ وَقَدْ هَلَكَتْ إِبِلُهُ إِلَّا خَمْسَ ذَوْدٍ
قَالَ مَالِكٌ يَأْخُذُ الْمُصَدِّقُ مِنَ الْخَمْسِ ذَوْدٍ الصَّدَقَتَيْنِ اللَّتَيْنِ وَجَبَتَا عَلَى رَبِّ الْمَالِ شَاتَيْنِ فِي كُلِّ عَامٍ شَاةً لِأَنَّ الصَّدَقَةَ إِنَّمَا تَجِبُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ يَوْمَ يُصَدِّقُ مَالَهُ فَإِنْ هَلَكَتْ مَاشِيَتُهُ أَوْ نَمَتْ فَإِنَّمَا يُصَدِّقُ الْمُصَدِّقُ زَكَاةَ مَا يَجِدُ يَوْمَ يُصَدِّقُ وَإِنْ تَظَاهَرَتْ عَلَى رَبِّ الْمَالِ صَدَقَاتٌ غَيْرُ وَاحِدَةٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُصَدِّقَ إِلَّا مَا وَجَدَ الْمُصَدِّقُ عِنْدَهُ فَإِنْ هَلَكَتْ مَاشِيَتُهُ أَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ فِيهَا صَدَقَاتٌ فَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى هَلَكَتْ مَاشِيَتُهُ كُلُّهَا أَوْ صَارَتْ إِلَى مَا لَا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ فَإِنَّهُ لَا صَدَقَةَ عَلَيْهِ وَلَا ضَمَانَ فِيمَا هَلَكَ أَوْ مَضَى مِنَ السِّنِينَ
وَمِنْ غَيْرِ الْمُوَطَّأِ وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ كَانَتْ لَهُ أَرْبَعُونَ شَاةً فَلَمْ يَأْتِهِ الْمُصَدِّقُ ثَلَاثَةَ أَعْوَامٍ ثُمَّ أَتَاهُ فِي الْعَامِ الرَّابِعِ وَهِيَ أَرْبَعُونَ كَمْ يَأْخُذُ مِنْهَا لِعَامِهِ ذَلِكَ وَلِلسِّنِينَ الْمَاضِيَةِ فَقَالَ مَالِكٌ يُؤْخَذُ مِنْهَا شَاةٌ وَاحِدَةٌ
стр. 1259
قَالَ وَلَوْ كَانَتْ ثَلَاثًا وَأَرْبَعِينَ أُخِذَ مِنْهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ أَيْضًا وَإِنْ كَانَتْ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ أُخِذَ مِنْهَا شَاتَيْنِ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ كَقَوْلِ مَالِكٍ قَالَ أَحَبُّ إِلَيَّ فِي الْأَرْبَعِينَ أَنْ يُؤَدِّيَ عَنْهَا فِي كُلِّ سَنَةٍ شَاةً إِذَا كَانَتْ لَمْ تَنْقُصْ فِي كُلِّ سَنَةٍ عَنْ أَرْبَعِينَ لِأَنَّهُ قَدْ حَالَتْ عَلَيْهَا أَحْوَالٌ وَهِيَ كُلُّهَا أَرْبَعُونَ
هَذَا قَوْلُهُ فِي الْكِتَابِ الْمِصْرِيِّ
وَقَالَ فِي الْبَغْدَادِيِّ فِي الرَّجُلِ الَّذِي تَكُونُ عِنْدَهُ عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ فَيَتْرُكُهَا سِنِينَ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهَا فِي السِّنِينَ كُلِّهَا لِأَنَّ صَدَقَتَهَا مِنْ غَيْرِهَا
وَقَالَ فِي الْأَرْبَعِينَ وَالثَّلَاثِ وَالْأَرْبَعِينَ إِذَا تَرَكَهَا صَاحِبُهَا فَلَمْ يُزَكِّهَا سِنِينَ كَقَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي ذَلِكَ وَمَا اسْتَحَبَّهُ الشَّافِعِيُّ فِي أَنْ يُؤْخَذَ مِنَ الْأَرْبَعِينَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ كَأَنَّهُ قَدْ أَخَذَ مِنَ السَّاعِي شَاةً فِي الْعَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ أَتَى فِي الثَّانِي فَوَجَدَهَا أَرْبَعِينَ ثُمَّ فِي الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ مِثْلُ ذَلِكَ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْهَارِبِ بِمَاشِيَتِهِ مِنَ السَّاعِي
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ فَلَمْ يزكها سنين فإنه عَلَيْهِ فِي السَّنَةِ الْأُولَى شَاتَيْنِ وَفِي الثَّانِيَةِ شَاةً
قَالَ أَبُو عُمَرَ جَعَلُوا الشَّاةَ الْمَأْخُوذَةَ مِنَ الْخَمْسِ ذَوْدٍ كَأَنَّهَا مِنْهَا فَنَقَصَتْ لِذَلِكَ عَنْ نِصَابِهَا
وَقَالُوا فِي الْغَنَمِ إِذَا كَانَ لِوَاحِدٍ عِشْرُونَ وَمِائَةُ شَاةٍ وَأَتَى عَلَيْهَا سَنَتَانِ لَمْ يُزَكِّهَا فَإِنَّ عَلَيْهَا زَكَاةَ سَنَتَيْنِ فِي كُلِّ سَنَةٍ شَاةٌ وَلَوْ كَانَتْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةً وَلَمْ يُزَكِّهَا سَنَةً فَإِنَّ عَلَيْهِ لِلسَّنَةِ الْأُولَى شَاتَيْنِ وَلِلسَّنَةِ الثَّانِيَةِ شَاةً
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ إِذَا كَانَتْ لِرَجُلٍ عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ فَحَالَ عَلَيْهَا حَوْلَانِ فَإِنَّ فِيهَا أَرْبَعًا مِنَ الْغَنَمِ وَذَلِكَ أَنَّ زَكَاتَهَا مِنْ غَيْرِهَا وَلَيْسَ زَكَاتُهَا مِنْهَا تَنْتَقِصُ
(١٦ - بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّضْيِيقِ عَلَى النَّاسِ فِي الصَّدَقَةِ)
٥٥٨ - ذَكَرَ فِيهِ مَالِكٌ حَدِيثَ عَائِشَةَ ﵄ أَنَّهَا قَالَتْ مُرَّ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِغَنَمٍ مِنَ الصَّدَقَةِ فَرَأَى فِيهَا شَاةً حَافِلًا ذَاتَ ضَرْعٍ عظيم فقال
стр. 1260
عُمَرُ مَا هَذِهِ الشَّاةُ فَقَالُوا شَاةٌ مِنَ الصَّدَقَةِ فَقَالَ عُمَرُ مَا أَعْطَى هَذِهِ أَهْلُهَا وَهُمْ طَائِعُونَ لَا تَفْتِنُوا النَّاسَ لَا تَأْخُذُوا حَزَرَاتِ الْمُسْلِمِينَ نَكِّبُوا عَنِ الطَّعَامِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَوْلُهُ حَافِلًا يَعْنِي الَّتِي قَدِ امْتَلَأَ ضَرْعُهَا لَبَنًا وَمِنْهُ قِيلَ مَجْلِسٌ حَافِلٌ وَمُحْتَفَلٌ
وَإِنَّمَا أُخِذَتْ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - مِنْ غَنَمٍ كُلِّهَا لَبُونٍ كَمَا لَوْ كَانَتْ كُلُّهَا رُبًّى أُخِذَ مِنْهَا أَوْ لَوْ كَانَتْ كُلُّهَا مَوَاخِضَ أُخِذَ مِنْهَا وَلَكِنَّ عُمَرَ ﵁ كَانَ شَدِيدَ الْإِشْفَاقِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَالطَّيْرِ الْحَذِرِ وَهَكَذَا يَلْزَمُ الْخُلَفَاءُ فِيمَنْ أَمَّرُوهُ وَاسْتَعْمَلُوهُ الْحَذَرَ مِنْهُمْ وَاطَّلَاعَ أَعْمَالِهِمْ
وَكَانَ ﵁ إِذَا قِيلَ لَهُ أَلَا تَسْتَعْمِلُ أَهْلَ بَدْرٍ قَالَ أُدَنِّسُهُمْ بِالْوِلَايَةِ!
عَلَى أَنَّهُ قَدِ اسْتَعْمَلَ مِنْهُمْ قَوْمًا مِنْهُمْ سَعْدٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ
وَرُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ إِنَّكَ لَتَسْتَعْمِلُ الرَّجُلَ الْفَاجِرَ فَقَالَ أَسْتَعْمِلُهُ لِأَسْتَعِينَ بِقُوَّتِهِ ثُمَّ أَكُونُ بَعْدَ قَفَاهُ يُرِيدُ أَسْتَقْصِي عَلَيْهِ وَأَعْرِفُ مَا يَعْمَلُ بِهِ
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الشَّاةَ الْحَافِلَ لَمْ تُؤْخَذْ إِلَّا عَلَى وَجْهِهَا أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِرَدِّهَا وَوَعَظَ وَحَذَّرَ تَنْبِيهًا لِيُوقَفَ عَلَى مَذْهَبِهِ وَيُنْشَرَ ذَلِكَ عَنْهُ فَتَطْمَئِنَّ نُفُوسُ الرَّعِيَّةِ وَيَخَافَ عَامِلُهُمْ
وَأَمَّا الْحَزَرَاتُ فَمَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ خَيْرُ الْمَالِ وَخِيَارُهُ وَقَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ الْحَزَرَاتُ خِيَارُ الْمَالِ وَقِيلَ الْحَزَرَاتُ كَرَائِمُ الْأَمْوَالِ وَكَذَلِكَ قَالَ ﵊ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ
стр. 1261
وَأَمَّا قَوْلُهُ نَكِّبُوا عَنِ الطَّعَامِ فَمَأْخُوذٌ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنَّمَا تُحْدِثُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أَطْعِمَتَهُمْ فَكَأَنَّهُ قَالَ نَكِّبُوا عَنْ ذَوَاتِ الدَّرِّ وَخُذُوا الْجَذَعَةَ وَالثَّنِيَّةَ
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَالَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ الْمَكِّيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيِّ عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ عَنِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِي آخِرِهِ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ
وَمِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ الْمُعْتَدِي فِي الصَّدَقَةِ كَمَانِعِهَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ وَقَدْ وَعَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرْبَابَ الْمَوَاشِي كَمَا وَعَظَ السُّعَاةُ
رُوِيَ مَنْ حَدِيثِ جَرِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لَا يَنْصَرِفُ الْمُصَدِّقُ عَنْكُمْ إِلَّا وَهُوَ رَاضٍ
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَسَانِيدَ هَذِهِ الْآثَارِ فِي التَّمْهِيدِ وَفِي سَمَاعِ أَبِي قُرَّةَ قُلْتُ لِمَالِكٍ فِي قَوْلِهِ نَكِّبُوا عَنِ الطَّعَامِ فَقَالَ لِي يُرِيدُ اللَّبَنَ
وَقَالَ مَالِكٌ لَا يَأْخُذُ الْمُصَدِّقُ لَبُونًا إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْغَنَمُ كُلُّهَا ذَاتَ لَبَنٍ فَيَأْخُذُ حِينَئِذٍ لَبَوْنًا مِنْ وَسَطِهَا وَلَا يَأْخُذُ حَزَرَاتِ النَّاسِ
٥٥٩ - وَذَكَرَ مَالِكٌ أَيْضًا فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ أَنَّهُ قَالَ أَخْبَرَنِي رَجُلَانِ مِنْ أَشْجَعَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيَّ كَانَ يَأْتِيهِمْ مُصَدِّقًا فَيَقُولُ لِرَبِّ الْمَالِ أَخْرِجَ إِلَيَّ صَدَقَةَ مَالِكَ فَلَا يَقُودُ إِلَيْهِ شَاةً فِيهَا وَفَاءٌ مِنْ حَقِّهِ إِلَّا قَبِلَهَا
وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَبْعَثُهُ سَاعِيًا
стр. 1262
وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا مَدْخَلَ فِيهِ لِلْقَوْلِ وَلَيْسَ فِيهِ مَعْنًى مُشْكِلٌ يَحْتَاجُ إِلَى تَفْسِيرٍ وَحَسْبُ كُلِّ مَنْ أُعْطِيَ حَقَّهُ أَنْ يَقْبَلَهُ
وَالْوَفَاءُ الْعَدْلُ فِي الْوَزْنِ وَغَيْرِهِ فَإِنْ أَرَادَ بِالْوَفَاءِ هَا هُنَا الزِّيَادَةَ فَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْعَامِلِ عَلَى الصَّدَقَةِ إِذَا أَعْطَاهُ رَبُّ الْمَالِ فَأَوْفَى عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ لِلْمَسَاكِينِ وَلَا يَرُدَّ مَا أَعْطَى لَهُمْ رَبُّ الْمَالِ وَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ
وَقَوْلُ مَالِكٍ السُّنَّةُ عِنْدَنَا وَالَّذِي أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا أَنَّهُ لَا يُضَيَّقُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي زَكَاتِهِمْ وَأَنْ يُقْبَلَ مِنْهُمْ مَا دَفَعُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ
قَالَ أَبُو عُمَرَ السُّنَّةُ عِنْدَ الْجَمِيعِ إِذَا دَفَعَ أَرْبَابُ الْأَمْوَالِ مَا يَلْزَمُهُمْ فَلَا تَضْيِيقَ حِينَئِذٍ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ إِنَّمَا التَّضْيِيقُ أَنْ يُطْلَبَ مِنْهُمْ غَيْرُ مَا فُرِضَ عَلَيْهِمْ
فِيمَا مَضَى مِنْ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ فِيمَنْ غَنَمُهُ كُلُّهَا جَرْبَاءُ أَوْ ذَوَاتُ عُيُوبٍ أَوْ صِغَارٌ مَا يُبَيِّنُ لَكَ مَعْنَى التَّضْيِيقِ مِنْ غَيْرِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(١٧ - بَابُ أَخْذِ الصَّدَقَةِ وَمَنْ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهَا)
٥٦٠ - مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلَّا لِخَمْسَةٍ لِغَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا أَوْ لِغَارِمٍ أَوْ لِرَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ أَوْ لِرَجُلٍ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ فَتُصُدِّقَ عَلَى الْمِسْكِينِ فَأَهْدَى الْمِسْكِيَنُ لَلَغَنِيِّ
تَابَعَ مَالِكٌ عَلَى إِرْسَالِ هَذَا الْحَدِيثِ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ وَإِسْمَاعِيلَ بْنَ أُمَيَّةَ
وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ بِذَلِكَ عَنْهُمْ فِي التَّمْهِيدِ
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ مَا يَدْخُلُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِ اللَّهِ (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ) التَّوْبَةِ ٦٠ لِأَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا
стр. 1263
تَجُوزُ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ لِأَنَّ قَوْلَهُ هَذَا لَا يُحْمَلُ مَدْلُولُهُ عَلَى عُمُومِهِ بِدَلِيلِ الْخَمْسَةِ الْأَغْنِيَاءِ الْمَذْكُورِينَ فِي حَدِيثِ هَذَا الْبَابِ
وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ الْمَفْرُوضَةَ وَهِيَ الزَّكَاةُ الْوَاجِبَةُ عَلَى الْأَمْوَالِ لَا تَحِلُّ لِغَنِيٍّ غَيْرَ الْخَمْسَةِ الْمَذْكُورِينَ فِي هَذَا الحديث الموصوفين فيه
وكان بن الْقَاسِمِ يَقُولُ لَا يَجُوزُ لِغَنِيٍّ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الصَّدَقَةِ مَا يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى الْجِهَادِ وَيُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَإِنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْفَقِيرِ
قَالَ وَكَذَلِكَ الْغَارِمُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الصَّدَقَةِ مَا بَقِيَ لَهُ مَالُهُ وَيُؤَدِّي مِنْهَا دَيْنَهُ وَهُوَ عَنْهَا غَنِيٌّ
قَالَ وَإِنِ احْتَاجَ الْغَازِي فِي غَزْوَتِهِ وَهُوَ غَنِيٌّ لَهُ مَالٌ غَابَ عَنْهُ لَمْ يَأْخُذْ مِنَ الصَّدَقَةِ شَيْئًا وَاسْتَقْرَضَ فَإِذَا بَلَغَ بَلَدَهُ أَدَّى ذَلِكَ مِنْ مَالِهِ
هَذَا كُلُّهُ ذَكَرَهُ بن حبيب عن بن القاسم وزعم أن بن قَانِعٍ وَغَيْرَهُ خَالَفُوهُ فِي ذَلِكَ
وَرَوَى أَبُو زيد وغيره عن بن الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَالَ فِي الزَّكَاةِ يُعْطَى مِنْهَا الْغَازِي وَإِنْ كَانَ مَعَهُ فِي غَزَاتِهِ مَا يَكْفِيهِ مِنْ مَالِهِ وَهُوَ غَنِيٌّ فِي بَلَدِهِ
وروى بن وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُعْطَى مِنْهَا الْغُزَاةُ وَمَنْ لَزِمَ مَوَاضِعَ الرِّبَاطِ فُقَرَاءَ كَانُوا أَوْ أَغْنِيَاءَ
وَذَكَرَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِلْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَوِ احْتَاجَ فِي غَزْوَتِهِ وَغَابَ عَنْهُ غِنَاهُ وَوَبَرُهُ وَلَا تَحِلُّ لِمَنْ كَانَ مَعَهُ مَالُهُ مِنَ الْغُزَاةِ
قَالَ عِيسَى وَتَحِلُّ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا وَهُوَ الَّذِي يَجْمَعُ مِنْ عِنْدِ أَرْبَابِ الْمَوَاشِي وَالْأَمْوَالِ فَهَذَا يُعْطَى مِنْهَا عَلَى قَدْرِ سَعْيِهِ لَا عَلَى قَدْرِ مَا جَمَعَ مِنَ الصَّدَقَاتِ وَالْعُشُورِ وَلَا يُنْظَرُ إِلَى الثَّمَنِ وَلَيْسَ الثَّمَنُ بِفَرِيضَةٍ
قَالَ وَتَحِلُّ لِغَارِمٍ غُرْمًا قَدْ فَدَحَهُ وَذَهَبَ بِمَالِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ غُرْمُهُ فِي فَسَادٍ وَلَا دَيْنُهُ فِي فَسَادٍ مِثْلُ أَنْ يَسْتَدِينَ فِي نِكَاحٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الْمُبَاحِ وَالصَّلَاحِ
стр. 1264
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَسَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيمَا عَلِمْتُ فَإِنَّهُمْ قَالُوا جَائِرٌ لِلْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِذَا ذَهَبَ نَفَقَتُهُ وَمَالُهُ غَائِبٌ عَنْهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الصَّدَقَةِ مَا يُبْلِغُهُ
قَالُوا وَالْمُحْتَمِلُ بِحَمَالَةٍ فِي بِرٍّ وَإِصْلَاحٍ وَالْمُتَدَايِنُ فِي غَيْرِ فَسَادٍ كِلَاهُمَا يَجُوزُ لَهُ أَدَاءُ دَيْنِهِ مِنَ الصَّدَقَةِ وَإِنْ كَانَ الْحَمِيلُ غَنِيًّا فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الصَّدَقَةِ إِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ أَدَاءُ مَا تَحَمَّلَ بِهِ وَكَانَ ذَلِكَ يُجْحِفُ بِهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ مِنْ حُجَّةِ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَهُ فِيمَا وَصَفْنَا عَنْهُ ظَاهِرُ حَدِيثِ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَحَدِيثُ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِقِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بإسناد فِي التَّمْهِيدِ وَفِيهِ لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ رَجُلٍ تَحَمَّلَ بِحَمَالَةٍ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ - يَعْنِي مَا تَحَمَّلَ بِهِ - ثُمَ يُمْسِكُ
فَقَوْلُهُ ثُمَّ يُمْسِكُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ غَنِيٌّ لِأَنَّ الْفَقِيرَ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُمْسِكَ عَنِ السُّؤَالِ مَعَ فَقْرِهِ وَدَلِيلٌ آخَرُ وَهُوَ عَطْفُهُ ذِكْرَ الَّذِي ذَهَبَ مَالُهُ وَذِكْرَ الْفَقِيرِ ذِي الْفَاقَةِ عَلَى ذِكْرِ صَاحِبِ الْحَمَالَةِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ مَالُهُ وَلَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يُشْهَدَ لَهُ بِهَا
وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ تَحِلُّ لِمَنْ عَمِلَ عَلَيْهَا وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا وَكَذَلِكَ الْمُشْتَرِي لها بماله والذي تُهْدَى إِلَيْهِ وَإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَنْ ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ يُشْبِهُ أَنَّ الْخَمْسَةَ تَحَلُّ لَهُمُ الصَّدَقَةُ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَغْنِيَاءِ
قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي قَسْمِ الصَّدَقَاتِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى وَجْهِ الِاجْتِهَادِ مِنَ الْوَالِي فَأَيُّ الْأَصْنَافِ كَانَتْ فِيهِ الْحَاجَةُ وَالْعَدَدُ أُوثِرَ ذَلِكَ الصِّنْفُ بِقَدْرِ مَا يَرَى الْوَالِي وَعَسَى أَنْ يَنْتَقِلَ ذَلِكَ إِلَى الصِّنْفِ الْآخَرِ بَعْدَ عَامٍ أَوْ عَامَيْنِ أَوْ أَعْوَامٍ فَيُؤْثَرُ أَهْلُ الْحَاجَةِ وَالْعَدَدِ حَيْثُمَا كَانَ ذَلِكَ وَعَلَى هَذَا أَدْرَكْتُ مَنْ أَرْضَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ
قَالَ مَالِكٌ وَلَيْسَ لِلْعَامِلِ عَلَى الصَّدَقَاتِ فَرِيضَةٌ مُسَمَّاةٌ إِلَّا عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى الْإِمَامُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ مِنْ لَدُنِ التَّابِعِينَ فِي كَيْفِيَّةِ قَسْمِ الصَّدَقَاتِ وَهَلْ هِيَ
стр. 1265
مَقْسُومَةٌ عَلَى مَنْ سَمَّاهُ اللَّهُ فِي الْآيَةِ وَهَلِ الْآيَةُ إِعْلَامٌ مِنْهُ تَعَالَى لِمَنْ تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ
وَكَانَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُوُنَ إِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تُوضَعَ الصَّدَقَةُ فِي صِنْفٍ وَاحِدٍ مِنَ الْأَصْنَافِ الْمَذْكُورِينَ فِي الْآيَةِ يَضَعُهَا الْإِمَامُ فِيمَنْ شَاءَ مِنْ تِلْكَ الْأَصْنَافِ على حسب اجتهاده
وروي عن حذيفة وبن عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا قَالَا إِذَا وَضَعْتَهَا فِي صِنْفٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَكَ وَلَا يُعْرَفُ لَهُمَا مُخَالِفٌ مِنَ الصَّحَابَةِ
وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْعَامِلَ عَلَيْهَا لَا يَسْتَحِقُّ ثَمَنَهَا وَإِنَّمَا لَهُ بِقَدْرِ عَمَالَتِهِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مَقْسُوَمَةً عَلَى الْأَصْنَافِ بِالسَّوِيَّةِ
قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ أُحِبُّ أَنْ لَا يُخْلَى مِنْهَا الْأَصْنَافُ كُلُّهَا
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ هِيَ سُهْمَانٌ ثَمَانِيَةٌ لَا يُصَرَفُ مِنْهَا سَهْمٌ وَلَا شَيْءَ عَنْ أَهْلِهِ مَا وُجِدَ مِنْ أَهْلِهِ أَحَدٌ يَسْتَحِقُّهُ
وَمِنْ حُجَّةِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ الصَّدَقَاتِ فِي أَصْنَافٍ ثَمَانِيَةٍ فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُعْطَى مَا جَعَلَهُ اللَّهُ لِثَمَانِيَةٍ لِصِنْفٍ وَاحِدٍ كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى مَا جَعَلَهُ اللَّهُ لِثَمَانِيَةٍ لِوَاحِدٍ
وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ أَوْصَى لِثَمَانِيَةِ أَصْنَافٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ فِي صِنْفٍ وَاحِدٍ فَكَانَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِقَسْمِهِ عَلَى ثَمَانِيَةٍ أحرى وأولى أن يُجْعَلَ فِي وَاحِدٍ وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ عَنْ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ الصُّدَائِيِّ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ مَا رَضِيَ اللَّهُ بِقِسْمَةِ أَحَدٍ فِي الصَّدَقَاتِ حَتَّى قَسَمَهَا عَلَى الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ انْفَرَدَ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَبَدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ الْإِفْرِيقِيُّ وَقَدْ ضَعَّفَهُ بَعْضُهُمْ وَأَمَّا أهل المغرب مصر وَإِفْرِيقِيَّةَ فَيُثْنُونَ عَلَيْهِ بِالدِّينِ وَالْعَقْلِ وَالْفَضْلِ وَقَدْ رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَةِ مِنْهُمُ الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ
وَجُمْلَةُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ كُلَّ مَا أُخِذَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ زَكَاةِ مَالٍ أَوْ مَاشِيَةٍ أَوْ حَبٍّ أَوْ زَكَاةٍ أَوْ مَعْدِنٍ يُقَسَّمُ عَلَى ثَمَانِيَةِ أَسْهُمٍ أَوْ عَلَى سَبْعَةٍ وَكَذَلِكَ يَكُونُ لِمَنْ قَسَّمَ زَكَاتَهُ عَلَى أَهْلِهَا كَمَا قَسَّمَهَا اللَّهُ تَعَالَى لَا يَخْتَلِفُ الْقَسْمُ فِيهِ وَلَا يَصْرِفُ سَهْمَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِلَى غَيْرِهِ وَالْوَاحِدُ مَرْدُودٌ إِلَى الْعَامِلِ
следующие страницы →