Полный текст (4 158 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
وَأَمَّا قَوْلُهُ نَكِّبُوا عَنِ الطَّعَامِ فَمَأْخُوذٌ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنَّمَا تُحْدِثُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أَطْعِمَتَهُمْ فَكَأَنَّهُ قَالَ نَكِّبُوا عَنْ ذَوَاتِ الدَّرِّ وَخُذُوا الْجَذَعَةَ وَالثَّنِيَّةَ
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَالَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ الْمَكِّيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيِّ عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ عَنِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِي آخِرِهِ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ
وَمِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ الْمُعْتَدِي فِي الصَّدَقَةِ كَمَانِعِهَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ وَقَدْ وَعَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرْبَابَ الْمَوَاشِي كَمَا وَعَظَ السُّعَاةُ
رُوِيَ مَنْ حَدِيثِ جَرِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لَا يَنْصَرِفُ الْمُصَدِّقُ عَنْكُمْ إِلَّا وَهُوَ رَاضٍ
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَسَانِيدَ هَذِهِ الْآثَارِ فِي التَّمْهِيدِ وَفِي سَمَاعِ أَبِي قُرَّةَ قُلْتُ لِمَالِكٍ فِي قَوْلِهِ نَكِّبُوا عَنِ الطَّعَامِ فَقَالَ لِي يُرِيدُ اللَّبَنَ
وَقَالَ مَالِكٌ لَا يَأْخُذُ الْمُصَدِّقُ لَبُونًا إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْغَنَمُ كُلُّهَا ذَاتَ لَبَنٍ فَيَأْخُذُ حِينَئِذٍ لَبَوْنًا مِنْ وَسَطِهَا وَلَا يَأْخُذُ حَزَرَاتِ النَّاسِ
٥٥٩ - وَذَكَرَ مَالِكٌ أَيْضًا فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ أَنَّهُ قَالَ أَخْبَرَنِي رَجُلَانِ مِنْ أَشْجَعَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيَّ كَانَ يَأْتِيهِمْ مُصَدِّقًا فَيَقُولُ لِرَبِّ الْمَالِ أَخْرِجَ إِلَيَّ صَدَقَةَ مَالِكَ فَلَا يَقُودُ إِلَيْهِ شَاةً فِيهَا وَفَاءٌ مِنْ حَقِّهِ إِلَّا قَبِلَهَا
وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَبْعَثُهُ سَاعِيًا
стр. 1262
وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا مَدْخَلَ فِيهِ لِلْقَوْلِ وَلَيْسَ فِيهِ مَعْنًى مُشْكِلٌ يَحْتَاجُ إِلَى تَفْسِيرٍ وَحَسْبُ كُلِّ مَنْ أُعْطِيَ حَقَّهُ أَنْ يَقْبَلَهُ
وَالْوَفَاءُ الْعَدْلُ فِي الْوَزْنِ وَغَيْرِهِ فَإِنْ أَرَادَ بِالْوَفَاءِ هَا هُنَا الزِّيَادَةَ فَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْعَامِلِ عَلَى الصَّدَقَةِ إِذَا أَعْطَاهُ رَبُّ الْمَالِ فَأَوْفَى عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ لِلْمَسَاكِينِ وَلَا يَرُدَّ مَا أَعْطَى لَهُمْ رَبُّ الْمَالِ وَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ
وَقَوْلُ مَالِكٍ السُّنَّةُ عِنْدَنَا وَالَّذِي أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا أَنَّهُ لَا يُضَيَّقُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي زَكَاتِهِمْ وَأَنْ يُقْبَلَ مِنْهُمْ مَا دَفَعُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ
قَالَ أَبُو عُمَرَ السُّنَّةُ عِنْدَ الْجَمِيعِ إِذَا دَفَعَ أَرْبَابُ الْأَمْوَالِ مَا يَلْزَمُهُمْ فَلَا تَضْيِيقَ حِينَئِذٍ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ إِنَّمَا التَّضْيِيقُ أَنْ يُطْلَبَ مِنْهُمْ غَيْرُ مَا فُرِضَ عَلَيْهِمْ
فِيمَا مَضَى مِنْ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ فِيمَنْ غَنَمُهُ كُلُّهَا جَرْبَاءُ أَوْ ذَوَاتُ عُيُوبٍ أَوْ صِغَارٌ مَا يُبَيِّنُ لَكَ مَعْنَى التَّضْيِيقِ مِنْ غَيْرِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(١٧ - بَابُ أَخْذِ الصَّدَقَةِ وَمَنْ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهَا)
٥٦٠ - مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلَّا لِخَمْسَةٍ لِغَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا أَوْ لِغَارِمٍ أَوْ لِرَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ أَوْ لِرَجُلٍ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ فَتُصُدِّقَ عَلَى الْمِسْكِينِ فَأَهْدَى الْمِسْكِيَنُ لَلَغَنِيِّ
تَابَعَ مَالِكٌ عَلَى إِرْسَالِ هَذَا الْحَدِيثِ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ وَإِسْمَاعِيلَ بْنَ أُمَيَّةَ
وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ بِذَلِكَ عَنْهُمْ فِي التَّمْهِيدِ
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ مَا يَدْخُلُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِ اللَّهِ (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ) التَّوْبَةِ ٦٠ لِأَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا
стр. 1263
تَجُوزُ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ لِأَنَّ قَوْلَهُ هَذَا لَا يُحْمَلُ مَدْلُولُهُ عَلَى عُمُومِهِ بِدَلِيلِ الْخَمْسَةِ الْأَغْنِيَاءِ الْمَذْكُورِينَ فِي حَدِيثِ هَذَا الْبَابِ
وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ الْمَفْرُوضَةَ وَهِيَ الزَّكَاةُ الْوَاجِبَةُ عَلَى الْأَمْوَالِ لَا تَحِلُّ لِغَنِيٍّ غَيْرَ الْخَمْسَةِ الْمَذْكُورِينَ فِي هَذَا الحديث الموصوفين فيه
وكان بن الْقَاسِمِ يَقُولُ لَا يَجُوزُ لِغَنِيٍّ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الصَّدَقَةِ مَا يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى الْجِهَادِ وَيُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَإِنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْفَقِيرِ
قَالَ وَكَذَلِكَ الْغَارِمُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الصَّدَقَةِ مَا بَقِيَ لَهُ مَالُهُ وَيُؤَدِّي مِنْهَا دَيْنَهُ وَهُوَ عَنْهَا غَنِيٌّ
قَالَ وَإِنِ احْتَاجَ الْغَازِي فِي غَزْوَتِهِ وَهُوَ غَنِيٌّ لَهُ مَالٌ غَابَ عَنْهُ لَمْ يَأْخُذْ مِنَ الصَّدَقَةِ شَيْئًا وَاسْتَقْرَضَ فَإِذَا بَلَغَ بَلَدَهُ أَدَّى ذَلِكَ مِنْ مَالِهِ
هَذَا كُلُّهُ ذَكَرَهُ بن حبيب عن بن القاسم وزعم أن بن قَانِعٍ وَغَيْرَهُ خَالَفُوهُ فِي ذَلِكَ
وَرَوَى أَبُو زيد وغيره عن بن الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَالَ فِي الزَّكَاةِ يُعْطَى مِنْهَا الْغَازِي وَإِنْ كَانَ مَعَهُ فِي غَزَاتِهِ مَا يَكْفِيهِ مِنْ مَالِهِ وَهُوَ غَنِيٌّ فِي بَلَدِهِ
وروى بن وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُعْطَى مِنْهَا الْغُزَاةُ وَمَنْ لَزِمَ مَوَاضِعَ الرِّبَاطِ فُقَرَاءَ كَانُوا أَوْ أَغْنِيَاءَ
وَذَكَرَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِلْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَوِ احْتَاجَ فِي غَزْوَتِهِ وَغَابَ عَنْهُ غِنَاهُ وَوَبَرُهُ وَلَا تَحِلُّ لِمَنْ كَانَ مَعَهُ مَالُهُ مِنَ الْغُزَاةِ
قَالَ عِيسَى وَتَحِلُّ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا وَهُوَ الَّذِي يَجْمَعُ مِنْ عِنْدِ أَرْبَابِ الْمَوَاشِي وَالْأَمْوَالِ فَهَذَا يُعْطَى مِنْهَا عَلَى قَدْرِ سَعْيِهِ لَا عَلَى قَدْرِ مَا جَمَعَ مِنَ الصَّدَقَاتِ وَالْعُشُورِ وَلَا يُنْظَرُ إِلَى الثَّمَنِ وَلَيْسَ الثَّمَنُ بِفَرِيضَةٍ
قَالَ وَتَحِلُّ لِغَارِمٍ غُرْمًا قَدْ فَدَحَهُ وَذَهَبَ بِمَالِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ غُرْمُهُ فِي فَسَادٍ وَلَا دَيْنُهُ فِي فَسَادٍ مِثْلُ أَنْ يَسْتَدِينَ فِي نِكَاحٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الْمُبَاحِ وَالصَّلَاحِ
стр. 1264
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَسَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيمَا عَلِمْتُ فَإِنَّهُمْ قَالُوا جَائِرٌ لِلْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِذَا ذَهَبَ نَفَقَتُهُ وَمَالُهُ غَائِبٌ عَنْهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الصَّدَقَةِ مَا يُبْلِغُهُ
قَالُوا وَالْمُحْتَمِلُ بِحَمَالَةٍ فِي بِرٍّ وَإِصْلَاحٍ وَالْمُتَدَايِنُ فِي غَيْرِ فَسَادٍ كِلَاهُمَا يَجُوزُ لَهُ أَدَاءُ دَيْنِهِ مِنَ الصَّدَقَةِ وَإِنْ كَانَ الْحَمِيلُ غَنِيًّا فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الصَّدَقَةِ إِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ أَدَاءُ مَا تَحَمَّلَ بِهِ وَكَانَ ذَلِكَ يُجْحِفُ بِهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ مِنْ حُجَّةِ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَهُ فِيمَا وَصَفْنَا عَنْهُ ظَاهِرُ حَدِيثِ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَحَدِيثُ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِقِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بإسناد فِي التَّمْهِيدِ وَفِيهِ لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ رَجُلٍ تَحَمَّلَ بِحَمَالَةٍ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ - يَعْنِي مَا تَحَمَّلَ بِهِ - ثُمَ يُمْسِكُ
فَقَوْلُهُ ثُمَّ يُمْسِكُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ غَنِيٌّ لِأَنَّ الْفَقِيرَ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُمْسِكَ عَنِ السُّؤَالِ مَعَ فَقْرِهِ وَدَلِيلٌ آخَرُ وَهُوَ عَطْفُهُ ذِكْرَ الَّذِي ذَهَبَ مَالُهُ وَذِكْرَ الْفَقِيرِ ذِي الْفَاقَةِ عَلَى ذِكْرِ صَاحِبِ الْحَمَالَةِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ مَالُهُ وَلَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يُشْهَدَ لَهُ بِهَا
وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ تَحِلُّ لِمَنْ عَمِلَ عَلَيْهَا وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا وَكَذَلِكَ الْمُشْتَرِي لها بماله والذي تُهْدَى إِلَيْهِ وَإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَنْ ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ يُشْبِهُ أَنَّ الْخَمْسَةَ تَحَلُّ لَهُمُ الصَّدَقَةُ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَغْنِيَاءِ
قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي قَسْمِ الصَّدَقَاتِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى وَجْهِ الِاجْتِهَادِ مِنَ الْوَالِي فَأَيُّ الْأَصْنَافِ كَانَتْ فِيهِ الْحَاجَةُ وَالْعَدَدُ أُوثِرَ ذَلِكَ الصِّنْفُ بِقَدْرِ مَا يَرَى الْوَالِي وَعَسَى أَنْ يَنْتَقِلَ ذَلِكَ إِلَى الصِّنْفِ الْآخَرِ بَعْدَ عَامٍ أَوْ عَامَيْنِ أَوْ أَعْوَامٍ فَيُؤْثَرُ أَهْلُ الْحَاجَةِ وَالْعَدَدِ حَيْثُمَا كَانَ ذَلِكَ وَعَلَى هَذَا أَدْرَكْتُ مَنْ أَرْضَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ
قَالَ مَالِكٌ وَلَيْسَ لِلْعَامِلِ عَلَى الصَّدَقَاتِ فَرِيضَةٌ مُسَمَّاةٌ إِلَّا عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى الْإِمَامُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ مِنْ لَدُنِ التَّابِعِينَ فِي كَيْفِيَّةِ قَسْمِ الصَّدَقَاتِ وَهَلْ هِيَ
стр. 1265
مَقْسُومَةٌ عَلَى مَنْ سَمَّاهُ اللَّهُ فِي الْآيَةِ وَهَلِ الْآيَةُ إِعْلَامٌ مِنْهُ تَعَالَى لِمَنْ تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ
وَكَانَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُوُنَ إِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تُوضَعَ الصَّدَقَةُ فِي صِنْفٍ وَاحِدٍ مِنَ الْأَصْنَافِ الْمَذْكُورِينَ فِي الْآيَةِ يَضَعُهَا الْإِمَامُ فِيمَنْ شَاءَ مِنْ تِلْكَ الْأَصْنَافِ على حسب اجتهاده
وروي عن حذيفة وبن عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا قَالَا إِذَا وَضَعْتَهَا فِي صِنْفٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَكَ وَلَا يُعْرَفُ لَهُمَا مُخَالِفٌ مِنَ الصَّحَابَةِ
وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْعَامِلَ عَلَيْهَا لَا يَسْتَحِقُّ ثَمَنَهَا وَإِنَّمَا لَهُ بِقَدْرِ عَمَالَتِهِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مَقْسُوَمَةً عَلَى الْأَصْنَافِ بِالسَّوِيَّةِ
قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ أُحِبُّ أَنْ لَا يُخْلَى مِنْهَا الْأَصْنَافُ كُلُّهَا
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ هِيَ سُهْمَانٌ ثَمَانِيَةٌ لَا يُصَرَفُ مِنْهَا سَهْمٌ وَلَا شَيْءَ عَنْ أَهْلِهِ مَا وُجِدَ مِنْ أَهْلِهِ أَحَدٌ يَسْتَحِقُّهُ
وَمِنْ حُجَّةِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ الصَّدَقَاتِ فِي أَصْنَافٍ ثَمَانِيَةٍ فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُعْطَى مَا جَعَلَهُ اللَّهُ لِثَمَانِيَةٍ لِصِنْفٍ وَاحِدٍ كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى مَا جَعَلَهُ اللَّهُ لِثَمَانِيَةٍ لِوَاحِدٍ
وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ أَوْصَى لِثَمَانِيَةِ أَصْنَافٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ فِي صِنْفٍ وَاحِدٍ فَكَانَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِقَسْمِهِ عَلَى ثَمَانِيَةٍ أحرى وأولى أن يُجْعَلَ فِي وَاحِدٍ وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ عَنْ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ الصُّدَائِيِّ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ مَا رَضِيَ اللَّهُ بِقِسْمَةِ أَحَدٍ فِي الصَّدَقَاتِ حَتَّى قَسَمَهَا عَلَى الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ انْفَرَدَ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَبَدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ الْإِفْرِيقِيُّ وَقَدْ ضَعَّفَهُ بَعْضُهُمْ وَأَمَّا أهل المغرب مصر وَإِفْرِيقِيَّةَ فَيُثْنُونَ عَلَيْهِ بِالدِّينِ وَالْعَقْلِ وَالْفَضْلِ وَقَدْ رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَةِ مِنْهُمُ الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ
وَجُمْلَةُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ كُلَّ مَا أُخِذَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ زَكَاةِ مَالٍ أَوْ مَاشِيَةٍ أَوْ حَبٍّ أَوْ زَكَاةٍ أَوْ مَعْدِنٍ يُقَسَّمُ عَلَى ثَمَانِيَةِ أَسْهُمٍ أَوْ عَلَى سَبْعَةٍ وَكَذَلِكَ يَكُونُ لِمَنْ قَسَّمَ زَكَاتَهُ عَلَى أَهْلِهَا كَمَا قَسَّمَهَا اللَّهُ تَعَالَى لَا يَخْتَلِفُ الْقَسْمُ فِيهِ وَلَا يَصْرِفُ سَهْمَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِلَى غَيْرِهِ وَالْوَاحِدُ مَرْدُودٌ إِلَى الْعَامِلِ
стр. 1266
قَالَ أَبُو ثَوْرٍ أَمَّا زَكَاةُ الْأَمْوَالِ الَّتِي يَقْسِمُهَا النَّاسُ عَنْ أَمْوَالِهِمْ فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ تُقْسَمَ عَلَى مَا أَمْكَنَ مِمَّنْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى إِلَّا الْعَامِلِينَ فَلَيْسَ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ إِذَا قَسَمَهَا رَبُّهَا وَإِنْ أَعْطَى الرَّجُلُ زَكَاةَ مَالِهِ بَعْضَ الْأَصْنَافِ رَجَوْتُ أَنْ تَسَعَهَا فَأَمَّا مَا صَارَ إِلَى الْإِمَامِ فَلَا يَقْسِمُهُ إِلَّا فِيمَنْ شَاءَ اللَّهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَالَ اللَّهُ (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ) التَّوْبَةِ ٦٠ فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ وَأَهْلُ اللُّغَةِ فِي الْمِسْكِينِ وَالْفَقِيرِ فَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلُونَ الْفَقِيرُ أَحْسَنُ حَالًا مِنَ الْمِسْكِينِ قَالُوا وَالْفَقِيرُ الَّذِي لَهُ بَعْضُ مَا يُقِيمُهُ وَالْمِسْكِينُ الَّذِي لَا شَيْءَ لَهُ
وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ الرَّاعِي
(أَمَّا الْفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَتُهُ ... وَفْقَ الْعِيَالِ فَلَمْ يُتْرَكْ لَهُ سَبَدُ)
قَالُوا أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّ لِهَذَا الْفَقِيرِ حَلُوبَةً
وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا بن السكيت وبن قُتَيْبَةَ وَهُوَ قَوْلُ يُونُسَ بْنِ حَبِيبٍ
وَذَهَبَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ إِلَى أَنَّ الْمِسْكِينَ أَحْسَنُ حَالًا مِنَ الْفَقِيرِ
وَاحْتَجَّ قَائِلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ) الْكَهْفِ ٧٩ فَأَخْبَرَ أَنَّ لِلْمَسَاكِينِ سَفِينَةً فِي الْبَحْرِ وَرُبَّمَا سَاوَتْ جُمْلَةً مِنَ الْمَالِ
وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى (لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسئلون الناس إلحافا) البقرة ٢٧٣
قالوا فَهَذِهِ الْحَالُ الَّتِي وَصَفَ اللَّهُ بِهَا الْفُقَرَاءَ دُونَ الْحَالِ الَّتِي أَخْبَرَ بِهَا عَنِ الْمَسَاكِينِ
قَالُوا وَلَا حُجَّةَ فِي بَيْتِ الرَّاعِي لِأَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ الْفَقِيرَ كَانَتْ لَهُ حَلُوبَةٌ فِي حَالِ مَا قَالُوا
وَالْفَقِيرُ مَعْنَاهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْمَفْقُورُ كَأَنَّهُ الَّذِي نُزِعَتْ فِقْرَةٌ مِنْ ظَهْرِهِ لِشِدَّةِ فَقْرِهِ فَلَا حَالَ أَشَدُّ مِنْ هذه
стр. 1267
وَاسْتَشْهَدُوا بِقَوْلِ الشَّاعِرِ
(لَمَّا رَأَى لُبَدَ النُّسُورِ تَطَايَرَتْ ... رَفَعَ الْقَوَادِمَ كَالْفَقِيرِ الْأَعْزَلِ)
أَيْ لَمْ يُطِقِ الطَّيَرَانَ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَنِ انْقَطَعَ صُلْبُهُ ولصق بالأرض
قالوا وَهَذَا هُوَ شَدِيدُ الْمَسْكَنَةِ وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى (أو مسكينا ذا متربة) الْبَلَدِ ١٦ يَعْنِي مِسْكِينًا قَدْ لَصِقَ بِالتُّرَابِ مِنْ شِدَّةِ الْفَقْرِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ مِسْكِينًا فَلَيْسَ ذَا مَتْرَبَةٍ مِثْلَ الطَّوَّافِ وَشِبْهِهِ مِمَّنْ لَهُ الْبُلْغَةُ وَالسَّاعِي فِي الِاكْتِسَابِ بِالسُّؤَالِ
وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْمِسْكِينَ أَحْسَنُ حَالًا مِنَ الْفَقِيرِ الْأَصْمَعِيُّ وَأَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْأَنْبَارِيِّ
وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ مِنَ الْفُقَهَاءِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ ذَكَرَ ذَلِكَ عَنْهُمُ الطَّحَاوِيُّ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ آخَرُ إِنَّ الْفَقِيرَ وَالْمِسْكِينَ سَوَاءٌ وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي الْمَعْنَى وَإِنِ افْتَرَقَا فِي الِاسْمِ
وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ بن الْقَاسِمِ وَسَائِرُ أَصْحَابِ مَالِكٍ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ) التَّوْبَةِ ٦٠
وَأَمَّا أَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فَعَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْكُوفِيُّونَ فِي هَذَا الْبَابِ
وَذَكَرَ بن وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرْنَا أَشْهَلُ بْنُ حَاتِمٍ عَنِ بن عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ قَالَ عُمَرُ لَيْسَ الْفَقِيرُ الَّذِي لَا مَالَ لَهُ وَلَكِنَّ الْفَقِيرَ الْأَخْلَقُ الْكَسْبِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ بَيَّنَّا فِي التَّمْهِيدِ مِثْلَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ قَوْلِهِ ﵇ لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِالطَّوَّافِ عَلَيْكُمْ أَنَّ الْمَعْنَى فِيهِ لَيْسَ الْمِسْكِينُ حَقَّ الْمِسْكِينِ وَأَنَّ مِنَ الْمَسَاكِينِ مَنْ لَيْسَ بِطَوَّافٍ وَأَوْضَحْنَا هُنَاكَ هَذَا الْمَعْنَى بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ
стр. 1268
وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ مِنَ الْفُقَرَاءِ وَمَا حَدُّ الْغِنِيِّ الَّذِي تَحْرُمُ بِهِ الصَّدَقَةُ عَلَى مَنْ بَلَغَهُ
فَقَالَ مَالِكٌ لَيْسَ لِهَذَا عِنْدَنَا حَدٌّ مَعْلُومٌ
وَسَنَذْكُرُ مَذْهَبَهُ فِيمَنْ يَحْرُمُ السُّؤَالُ عَلَيْهِ فِيمَنْ لَا تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ عِنْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ الْأَسَدِيِّ إِنَّ شَاءَ اللَّهُ رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ
وَأَمَّا الثَّوْرِيُّ فَذَهَبَ إِلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لِمَنْ يَمْلِكُ خَمْسِينَ دِرْهَمًا عَلَى حديث بن مَسْعُودٍ
وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إِلَى مَنْ مَلَكَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ أَنَّهُ تَحْرُمُ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ
وَحُجَّتُهُمُ الحديث أمرت أن آخذ الصدقة مِنْ أَغْنِيَائِكُمْ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الصَّدَقَةِ حَتَّى يَسْتَحِقَّ أَقَلَّ اسْمِ الْغِنَى وَذَلِكَ حِينَ يَخْرُجُ مِنَ الْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ وَعِنْدَهُ أَنَّ صَاحِبَ الدَّارِ وَالْخَادِمِ الَّذِي لَا غِنَى بِهِ عَنْهُمَا وَلَا فَضْلَ فِيهِمَا يُخْرِجُهُ إِلَى حَدِّ الْغِنَى أَنَّهُ مِمَّنْ يَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ
وَهَذَا نَحْوُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ
وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَالْكُوفِيُّونَ
وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ مَنْ لَا يَكُونُ عِنْدَهُ مَا يُقِيمُهُ وَيَكْفِيهِ سَنَةً فَإِنَّهُ يُعْطَى مِنَ الصَّدَقَةِ
وَاخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ مَا يُعْطَى الْمِسْكِينُ الْوَاحِدُ مِنَ الزَّكَاةِ
فَقَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ فِيهِ مَرْدُودٌ إِلَى الِاجْتِهَادِ مِنْ غَيْرِ تَوْقِيتٍ وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يُعْطَى مَنْ لَهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا أوعد لها ذَهَبًا
وَقَالَ اللَّيْثُ يُعْطَى مِقْدَارَ مَا يَبْتَاعُ بِهِ خَادِمًا إِذَا كَانَ ذَا عِيَالٍ وَكَانَتِ الزَّكَاةُ كَثِيرَةً
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَلَمْ يَحِدَّ حَدًّا وَاعْتَبَرَ مَا يَرْفَعُ الْحَاجَةَ وَسَوَاءٌ كَانَ مَا يُعْطَاهُ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ أَمْ لَا لِأَنَّ الزَّكَاةَ لَا يَجِبُ عَلَى مَالِكِ النِّصَابِ إِلَّا بِمُرُورِ الْحَوْلِ
وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَكْرَهُ أَنْ يُعْطَى إِنْسَانٌ وَاحِدٌ مِنَ الزَّكَاةِ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ
стр. 1269
قَالَ وَإِنْ أَعْطَيْتَهُ أَجْزَأَكَ وَلَا بَأْسَ أَنْ تُعْطِيَهُ أَقَلَّ مِنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ لَا يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ أَحَدٌ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ دِرْهَمًا
وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ
وقول بن شُبْرُمَةَ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ
وَكُلُّ مَنْ حَدَّ في أقل الغنى حدا ولم يحد فَإِنَّمَا هُوَ مَا لَا غِنَى عَنْهُ مِنْ دَارٍ تَحَمِلُهُ لَا تَفْضُلُ عَنْهُ أَوْ خَادِمٍ هُوَ شَدِيدُ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ
وَكُلُّهُمْ يُجِيزُ لِمَنْ كَانَ لَهُ مَا يُكِنُّهُ مِنَ الْبُيُوتِ وَيَخْدِمُهُ مِنَ الْعَبِيدِ لَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ وَلَا فَضْلَ لَهُ مِنْ مَالٍ يَتَحَرَّفُ بِهِ وَيَعْرِضُهُ لِلِاكْتِسَابِ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الصَّدَقَةِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ وَلَا يَكُونُ غَنِيًّا بِهِ
فَقِفْ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ فَإِنَّهُ قَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ فُقَهَاءُ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ عَنْ طَائِفَةٍ فِي التَّمْهِيدِ
وأما قوله (والعاملين عليها) التَّوْبَةِ ٦٠ فَلَا خِلَافَ بَيْنِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ أَنَّ الْعَامِلَ عَلَى الصَّدَقَةِ لَا يَسْتَحِقُّ جُزْءًا مَعْلُومًا مِنْهَا ثُمُنًا أَوْ سُبُعًا أَوْ سُدُسًا وَإِنَّمَا تعطى بِقَدْرِ عَمَالَتِهِ
وَأَمَّا أَقَاوِيلُهُمْ فِي ذَلِكَ فَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي مُوَطَّئِهِ لَيْسَ لِلْعَامِلِ عَلَى الصَّدَقَةِ فَرِيضَةٌ مُسَمَّاةٌ إِلَّا عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى الْإِمَامُ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الْعَامِلُونَ عَلَيْهَا الْمُتَوَلُّونَ قَبْضَهَا مِنْ أَهْلِهَا فَأَمَّا الْخَلِيفَةُ وَوَالِي الْإِقْلِيمِ الَّذِي يُوَلِّي أَخْذَهَا عَامِلًا دُونَهُ فَلَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ وَكَذَلِكَ مَنْ أَعَانَ وَالِيًا عَلَى قَبْضِهَا مِمَّنْ بِهِ الْغِنَى عَنْ مَعُونَتِهِ فَلَيْسَ لَهُمْ فِي سَهْمِ الْعَامِلِينَ وَسَوَاءٌ كَانَ الْعَامِلُونَ عَلَيْهَا أَغْنِيَاءَ أَمْ فُقَرَاءَ مِنْ أَهْلِهَا كَانُوا أَوْ غُرَبَاءَ
قَالَ وَلَا سَهْمَ فِيهَا لِلْعَامِلِينَ مَعْلُومٌ وَيُعْطَوْنَ لِعَمَالَتِهِمْ عَلَيْهَا بِقَدْرِ أُجُورِ مِثْلِهِمْ فِيمَا تَكَلَّفُوا مِنَ الْمَشَقَّةِ وَقَامُوا بِهِ مِنَ الْكِفَايَةِ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ يُعْطَى الْعَامِلُونَ عَلَى مَا رَأَى الْإِمَامُ
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ يُعْطَى الْعَامِلُونَ بِقَدْرِ عَمَالَتِهِمْ كَانَ دُونَ الثَّمَنِ أَوْ أَكْثَرَ لَيْسَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ مُوَقَّتٌ
وَأَمَّا قَوْلُهُ (وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ) التَّوْبَةِ ٦٠ فَقَالَ مَالِكٌ لَا مُؤَلَّفَةَ الْيَوْمَ
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ أَمَّا الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ فَكَانُوا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
وقال أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ قَدْ سَقَطَ سَهْمُهُمْ وَلَيْسَ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ فِي بَيْتِ الْمَالِ حق
стр. 1270
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ مَنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ مِنْ وَلَاءٍ وَلَا يُعْطَى مِنَ الصَّدَقَةِ مُشْرِكٌ لِيُتَأَلَّفَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَلَا يُعْطَى إِنْ كَانَ مُسْلِمًا إِلَّا إِذَا نَزَلَ بِالْمُسْلِمِينَ نَازِلَةٌ لَا تَكُونُ الطَّاعَةُ لِلْوَالِي قَائِمَةً فِيهَا وَلَا يَكُونُ مَنْ يَتَوَلَّى الصَّدَقَةَ قَوِيًّا عَلَى اسْتِخْرَاجِهَا إِلَّا بِالْمُؤَلَّفَةِ أَوْ تَكُونُ بِلَادُ الصَّدَقَةِ مُمْتَنِعَةً بالبعد وكثرة الأهل فيمتنعون عن الأذى ويكونوا قَوْمًا لَا يُوثَقُ بِثَبَاتِهِمْ فَيُعْطَوْنَ مِنْهَا الشَّيْءَ عَلَى الِاجْتِهَادِ مِنَ الْإِمَامِ لَا يَبْلُغُ اجْتِهَادُهُ فِي حَالٍ أَنْ يَزِيدَهُمْ عَلَى سَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَلْيَنْقُصْهُمْ مِنْهُ إِنْ قَدِرَ حَتَّى يَقْوَى بِهِمْ عَلَى أَخْذِ الصَّدَقَاتِ مِنْ أَهْلِهَا
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ مِثْلَهَ
وَأَمَّا قَوْلُهُ (وفي الرقاب) التَّوْبَةِ ٦٠ فَقَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ لَا يُعْطَى الْمُكَاتَبُ مِنَ الزَّكَاةِ شَيْئًا لِأَنَّهُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ وَالْعَبْدُ لَا يُعْطَى مِنْهَا مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا وَلَا مِنَ الْكَفَّارَاتِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ مِلْكَ الْعَبْدِ عِنْدَهُ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ وَلِسَيِّدِهِ انْتِزَاعُهُ هَذَا فِي الْكَفَّارَاتِ وَأَمَّا فِي الْمُكَاتَبِ فَإِنَّهُ رُبَّمَا عَجَزَ فَصَارَ عَبْدًا
قَالَ مَالِكٌ وَلَا يُعْتَقُ مِنَ الزَّكَاةِ إِلَّا رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ وَمَنِ اشْتَرَى مِنْ زَكَاتِهِ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً فَأَعْتَقَهَا كَانَ وَلَاؤُهَا لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ
وَهُوَ قَوْلُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ لَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ الرَّقَبَةَ مِنْ زَكَاتِهِ فَيُعْتِقَهَا عَلَى عُمُومِ الْآيَةِ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وأبو حنيفة والثوري وبن شُبْرُمَةَ لَا يُجْزِئُ الْعِتْقُ مِنَ الزَّكَاةِ
وَمَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَهُمْ (وَفِي الرِّقَابِ) هُمُ المكاتبون فإن أعطى المكاتب في أخذ كتابته مَا يَتِمُّ بِهِ عِتْقُهُ كَانَ حَسَنًا وَإِنْ أَعْطَاهُ فِي غَيْرِ تِلْكَ الْحَالِ ثُمَّ عَجَزَ أَجْزَتْهُ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُعَانُ الْمُكَاتَبُ
وَهُوَ قَوْلُ الطَّبَرِيِّ وَالْأَوَّلُ هُوَ تَحْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الرِّقَابُ الْمُكَاتَبُونَ مِنْ جيران الصدقة فإن اتسع لهم السهم أعطو حَتَّى يُعْتَقُوا وَإِنْ دَفَعَ ذَلِكَ الْوَالِي إِلَى مَنْ يُعْتِقُهُمْ فَحَسَنٌ وَإِنْ دَفْعَهُ إِلَيْهِمْ أَجْزَأَهُ
وأما قوله (والغارمين) التوبة ٦٠ فقد مضى قول بن الْقَاسِمِ فِي ذَلِكَ فِي صَدْرِ هَذَا الْبَابِ
قَالَ الشَّافِعِيُّ الْغَارِمُونَ صِنْفَانِ صِنْفٌ أَدَانُوا فِي مَصْلَحَةٍ وَمَعْرُوفٍ وَصِنْفٌ دَانُوا فِي حَمَالَاتٍ وَصَلَاحِ ذَاتِ بَيْنٍ فَيُعْطَوْنَ مِنْهَا مَا تُقْضَى بِهِ دُيُونُهُمْ إِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ عُرُوضٌ تُبَاعُ في الديون
стр. 1271
وأما قوله تعالى (وفي سبيل الله) التَّوْبَةِ ٦٠
فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَوَاضِعُ الْجِهَادِ وَالرِّبَاطِ
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ هُمُ الْغُزَاةُ
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مَنْ أَوْصَى بِثُلُثِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلِلْوَصِيِّ أَنْ يَجْعَلَهُ فِي الْحَاجِّ الْمُنْقَطِعِ بِهِ فِي سَبِيلِ الله
وهو قول بن عُمَرَ عِنْدَهُ الْحَجَّاجُ وَالْعُمَّارُ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي سَهْمِ سَبِيلِ اللَّهِ يُعْطَى مِنْهُ مَنْ أَرَادَ الْغَزْوَ مِنْ جِيرَانِ أَهْلِ الصَّدَقَةِ فَقِيرًا كَانَ أَوْ غَنِيًّا وَلَا يُعْطَى مِنْهُ غَيْرُهُمْ إِلَّا أَنْ يَحْتَاجَ إِلَى الدَّفْعِ عَنْهُمْ فَيُعْطَاهُ مَنْ دَفَعَ عَنْهُمُ الْمُشْرِكِينَ لِأَنَّهُ يَدْفَعُ عَنْ جَمَاعَةِ أهل الإسلام
وأما قوله تعالى (وبن السبيل) التوبة ٦٠ فقال مالك بن السَّبِيلِ الْمُسَافِرُ فِي طَاعَةٍ فَفَقَدَ زَادَهُ فَلَا يجد ما يبلغه
وروي عنه أن بن السَّبِيلِ الْغَازِي وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي مَذْهَبِهِ
وَقَالَ الشافعي بن السَّبِيلِ مِنْ جِيرَانِ الصَّدَقَةِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ السَّفَرَ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ فَيَعْجَزُونَ عَنْ بُلُوغِ سَفَرِهِمْ إِلَّا بِمَعُونَةٍ عَلَيْهِ
وَالْمَعْنَى فِيهِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ يَتَفَاوَتُ عَلَى مَا قَدَّمْنَا وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤَدَّى مِنَ الزَّكَاةِ دَيْنُ مَيِّتٍ وَلَا يُكَفَّنُ مِنْهَا وَلَا يُبْنَى مِنْهَا مَسْجِدٌ وَلَا يُشْتَرَى مِنْهَا مُصْحَفٌ وَلَا يُعْطَى لِذِمِّيٍّ وَلَا مُسْلِمٍ غَنِيٍّ
وَلَهُمْ فِيمَنْ أَعْطَى الْغَنِيَّ وَالْكَافِرَ وَهُوَ غَيْرُ عَالِمٍ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يُجْزِئُ وَالْآخَرُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ
(١٨ - بَابُ مَا جَاءَ فِي أَخْذِ الصَّدَقَاتِ وَالتَّشْدِيدِ فِيهَا)
٥٦١ - ذَكَرَ مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَالَ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا لَجَاهَدَتْهُمْ عَلَيْهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا فِيهِ حَدِيثٌ يَتَّصِلُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 1272
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا الليث عن عقيل عن بن شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِأَبِي بَكْرٍ كَيْفَ نُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتَ اللَّهَ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ
قَالَ أَبُو عمر رواه بن وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ عِقَالًا كَمَا قَالَ عَقِيلٌ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَوْلُهُ وَكَفَرَ مَنَ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ لَمْ يَخْرُجْ عَلَى كَلَامِ عُمَرَ لِأَنَّ كَلَامَ عُمَرَ إِنَّمَا خَرَجَ عَلَى مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَمَنَعَ الزَّكَاةَ وَتَأَوَّلُوا قوله تعالى (خذ من أموالهم صدقة) التَّوْبَةِ ١٠٣ فَقَالُوا الْمَأْمُورُ بِهَذَا رَسُولُ اللَّهِ لَا غيره
وكانت الرِّدَّةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ قَوْمٌ كَفَرُوا وَعَادُوا إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَقَوْمٌ آمَنُوا بِمُسَيْلِمَةَ وَهُمْ أَهْلُ الْيَمَامَةِ وَطَائِفَةٌ مَنَعَتِ الزَّكَاةَ وَقَالَتْ مَا رَجَعْنَا عَنْ دِينِنَا وَلَكِنْ شَحَحْنَا عَلَى أَمْوَالِنَا وَتَأَوَّلُوا مَا ذَكَرْنَاهُ
بَدَأَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ قِتَالَ الْجَمِيعِ وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ جَمِيعُ الصَّحَابَةِ بَعْدَ أَنْ كَانُوا خَالَفُوهُ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ الَّذِينَ مَنَعُوا الزَّكَاةَ قَدْ رَدُّوا عَلَى اللَّهِ قَوْلَهُ تَعَالَى (فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) الْبَقَرَةِ ٤٣ وَرَدُّوا عَلَى جَمِيعِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ شَهِدُوا التَّنْزِيلَ وَعَرَفُوا التَّأْوِيلَ فِي قَوْلِهِ (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم) التَّوْبَةِ ١٠٣ وَمَنَعُوا حَقًّا وَاجِبًا لِلَّهِ عَلَى الْأَئِمَّةِ الْقِيَامُ بِأَخْذِهِ مِنْهُمْ وَاتَّفَقَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَسَائِرُ الصَّحَابَةِ عَلَى قِتَالِهِمْ حَتَّى يُؤَدُّوا حَقَّ اللَّهِ فِي الزَّكَاةِ كَمَا يَلْزَمُهُمْ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ
إِلَّا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ لَمَّا قَاتَلَهُمْ أَجْرَى فِيهِمْ حُكْمَ مَنِ ارْتَدَّ مِنَ الْعَرَبِ تَأْوِيلًا وَاجْتِهَادًا
فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَأَى أَنَّ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ لَا مَدْخَلَ لَهُمْ فِي الْقِتَالِ الَّذِي اسْتَوْجَبَهُ مَانِعُ الزَّكَاةِ حَقِّ اللَّهِ وَفِي الْأَغْلَبِ أَنَّهُمْ لَا رَأْيَ لَهُمْ فِي مَنْعِ الزَّكَاةِ
стр. 1273
فَرَأَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ فِيهِمْ بِحُكْمِ الْمَانِعِينَ لِلزَّكَاةِ وَالْمُقَاتِلِينَ دُونَهَا الْجَاحِدِينَ لَهَا وَعَزَرَ أَبَا بَكْرٍ بِاجْتِهَادِهِ وَلَمْ يَسَعْهُ فِي دِينِهِ أَوْ بَانَ لَهُ مَا بَانَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَسْتَرِقَّهُمْ بِعَدَائِهِمْ وَأَطْلَقَ سَبِيلَهُمْ وَذَلِكَ أَيْضًا بِمَحْضَرِ الصَّحَابَةِ مِنَ غَيْرِ نَكِيرٍ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مَعْذُورٌ
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ فَدَا كُلَّ امْرَأَةٍ وَصَبِيٍّ كَانَ بِأَيْدِي مَنْ سَبَاهُ مِنْهُمْ وَخَيَّرَ الْمَرْأَةَ إِنْ أَرَادَتْ أَنْ تَبْقَى عَلَى نِكَاحِهِ يَنْكِحُهَا الَّذِي سَبَاهَا بَعْدَ الْحُكْمِ بِعِتْقِهَا
وَأَمَّا الْعِقَالُ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى هُوَ صَدَقَةُ عَامٍ
وَقَالَ غَيْرُهُ هُوَ عِقَالُ النَّاقَةِ الَّتِي تُعْقَلُ بِهِ وَخَرَجَ كَلَامُهُ عَلَى التَّقْلِيلِ وَالْمُبَالَغَةِ
وَقَالَ بن الْكَلْبِي كَانَ مُعَاوِيَةُ قَدْ بَعَثَ عَمْرَو بْنَ عتبة بن أخيه مصدقا فجاز عَلَيْهِمْ فَقَالَ شَاعِرُهُمْ
(سَعَى عِقَالًا فَلَمْ يَتْرُكْ لَنَا سَبَدًا ... فَكَيْفَ لَوْ قَدْ سَعَى عَمْرٌو عِقَالَيْنِ)
وَهَذَا حُجَّةٌ أَنَّ الْعِقَالَ صَدَقَةُ سَنَةٍ
وَمَنْ رَوَاهُ عَنَاقًا فَإِنَّمَا أَرَادَ التَّقْلِيلَ أَيْضًا لِأَنَّ الْعَنَاقَ لَا يُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ عِنْدَ طائفة مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَوْ كَانَتِ الْغَنَمُ عَنَاقًا كلها
وَذَكَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي الْمُسْنَدِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ عَدِيٍّ قَالَ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ قَالَ حَدَّثَتْنَا أَمُّ سَلَمَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِي فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَمْ صَدَقَةُ كَذَا وَكَذَا قَالَ كَذَا وَكَذَا قَالَ فَإِنَّ فُلَانًا تَعَدَّى عَلَيَّ قَالَ فَنَظَرُوا فَوَجَدُوهُ قَدْ تَعَدَّى بِصَاعٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ فَكَيْفَ بِكُمْ إِذَا سَعَى مَنْ يَتَعَدَّى عَلَيْكُمْ أَشَدَّ مِنْ هَذَا التَّعَدِي
قَالَ أَبُو عُمَرَ كَانَ يَبْكِي مَا يَحِلُّ بِأُمَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ ﷺ
وَذَكَرَ أَبُو يَحْيَى زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّاجِيُّ فِي كِتَابِ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ لَهُ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ غِيَاثٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَشْعَثُ بْنُ برَازٍ قَالَ
стр. 1274
جَاءَ رَجُلٌ إِلَى الْحَسَنِ فَقَالَ إِنِّي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ وَإِنَّهُ يُبْعَثُ عَلَيْنَا عُمَّالٌ يُصَدِّقُونَنَا وَيَظْلِمُونَنَا وَيَعْتَدُونَ عَلَيْنَا وَيَقُوِّمُونَ الشَّاةَ بِعَشَرَةٍ وَقِيمَتُهَا ثَلَاثَةٌ وَيُقَوِّمُونَ الْفَرِيضَةَ مِائَةً وَثَمَنُهَا ثَلَاثُونَ فَقَالَ الْحَسَنُ إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تُؤْخَذُ إِلَّا عَفْوًا وَلَا تُزَادُ إِلَّا عَفْوًا مَنْ أَدَّاهَا سَعِدَ بِهَا وَمَنْ بَخِلَ بِهَا شَقِيَ إِنَّ الْقَوْمَ وَاللَّهِ لَوْ أَخَذُوهَا مِنْكُمْ وَوَضَعُوهَا فِي حَقِّهَا وَفِي أَهْلِهَا مَا بَالُوا كَثِيرًا أَدَّيْتُمْ أَوْ قَلِيلًا وَلَكِنَّهُمْ حَكَمُوا لِأَنْفُسِهِمْ وَأَخَذُوا لَهَا قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّا يُؤْفَكُونَ يَا سُبْحَانَ اللَّهِ مَا لَقِيَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ بَعْدَ نَبِيِّهَا ﷺ مِنْ مُنَافِقٍ قَهَرَهُمْ وَاسْتَأْثَرَ عَلَيْهِمْ
٥٦٢ - مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ قَالَ شَرِبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَبَنًا فَأَعْجَبَهُ فَسَأَلَ الَّذِي سَقَاهُ مِنْ أَيْنَ هَذَا فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ وَرَدَ عَلَى مَاءٍ قَدْ سَمَّاهُ فَإِذَا نَعَمٌ مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ وَهُمْ يَسْقُونَ فَحَلَبُوا لِي مِنْ أَلْبَانِهَا فَجَعَلْتُهُ فِي سِقَائِي فَهُوَ هَذَا فَأَدْخَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَدَهُ فَاسْتَقَاءَهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ مَحْمَلُهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الَّذِي سَقَاهُ اللَّبَنَ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مِنْ مَالِهِ وَعَلِمَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ مَالِ الصَّدَقَةِ وَكَانَ عُمَرُ غَنِيًّا لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لَهُ وَكَانَ الَّذِي سَقَاهُ إِيَّاهُ لَمْ يَمْلِكِ اللَّبَنَ وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الَّذِي يَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ فَاسْتَقَاءَهُ وَلَمْ يُبْقِ فِي جَوْفِهِ شَيْئًا لَا يَحِلُّ لَهُ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى دَفْعِهِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ اللَّبَنُ مِلْكٌ لِمُعَيَّنٍ يُعَوِّضُهُ مِنْهُ أَوْ يَسْتَحِلُّهُ
وَهُوَ شَأْنُ أَهْلِ الْوَرَعِ وَالْفَضْلِ وَالدِّينِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَشْرَبْهُ إِلَّا غَيْرَ عَامِدٍ وَلَا عَالِمٍ
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ به ولكن ما تعمدت قلوبكم) الْأَحْزَابِ ٥
وَلَكِنَّهُ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ الْأَمْوَالَ تُضْمَنُ بِالْخَطَأِ وَلَمْ يَجِدْ مَالِكًا يَسْتَحِلُّهُ مِنْهُ أَوْ يُعَوِّضُهُ وَلَا كَانَ سَاقِيهُ لَهُ مِمَّنْ يَصِحُّ له ملك الصدقة فَيَعُدُّ ذَلِكَ اللَّبَنَ هَدِيَّةً مِنْهُ لَهُ - كَمَا عَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا أَهْدَتْ إِلَيْهِ بَرِيرَةُ مِنَ اللَّحْمِ الَّذِي تُصُدِّقَ بِهِ عَلَيْهَا فَحَلَّ ذَلِكَ لَهُ لِصِحَّةِ مِلْكِ بِرَيْرَةَ لَمَّا تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهَا - لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنِ اسْتِقَاءَتِهِ ﵁
وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ فَلَعَلَّهُ قَدْ أَعْطَى مِثْلَ مَا حَصَلَ فِي جَوْفِهِ مِنَ اللَّبَنِ أَوْ قِيمَتِهِ لِلْمَسَاكِينِ فَهَذَا أَشْبَهُ وَأَوْلَى بِهِ إِنَّ شَاءَ اللَّهُ
قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ كُلَّ مَنْ مَنَعَ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ فَلَمْ
стр. 1275
يَسْتَطِعِ الْمُسْلِمُونَ أَخْذَهَا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِمْ جِهَادُهُ حَتَّى يَأْخُذُوهَا مِنْهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ لِلْإِمَامِ الْمُطَالَبَةَ بِالزَّكَاةِ وَأَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِوُجُوبِهَا عَلَيْهِ أَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ بِهَا بَيِّنَةٌ كَانَ لِلْإِمَامِ أَخْذُهَا مِنْهُ
وَعَلَى هَذَا يَجِبُ عَلَى مَنِ امْتَنَعَ مِنْ أَدَائِهَا وَنَصَبَ الْحَرْبَ دُونَهَا أَنْ يُقَاتِلَ مَعَ الْإِمَامِ فَإِنْ أَتَى الْقِتَالُ عَلَى نَفْسِهِ فَدَمُهُ هَدَرٌ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ مَالُهُ وَقَدْ أَجْمَعُوا فِي الرَّجُلِ يَقْضِي عَلِيهِ الْقَاضِي بِحَقٍّ لَآخَرَ فَيَمْتَنِعُ مِنْ أَدَائِهِ فَوَاجِبٌ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ مَالِهِ فَإِنْ نَصَبَ دُونَهُ الْحَرْبَ قَاتَلَهُ حَتَّى يَأْخُذَهُ مِنْهُ وَإِنْ أَتَى الْقِتَالُ عَلَى نَفْسِهِ فَحَقُّ اللَّهِ الَّذِي أَوْجَبَهُ لِلْمَسَاكِينِ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْ حَقِّ الْآدَمِيِّ
وَقَوْلُ مَالِكٍ ﵀ عِنْدَهُ فِيمَنْ مَنَعَ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ أَنْ يُجَاهِدَ إِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَخْذِهَا مِنْهُ إِلَّا بِذَلِكَ هُوَ مَعْنَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَلِذَلِكَ رَأَى جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَتْلَ الْمُمْتَنِعِ مِنْ أَدَاءِ الصَّلَاةِ وَقَدْ أَوْضَحْنَا ذَلِكَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ
وَقَوْلُ أَبِي بَكْرٍ فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا بَحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ يَقُولُ إِنَّ الزَّكَاةَ مِنْ حَقِّهَا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
٥٦٣ - مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَامِلًا لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إِلَيْهِ يَذْكُرُ أَنَّ رَجُلًا مَنَعَ زَكَاةَ مَالِهِ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ أَنْ دَعْهُ وَلَا تَأْخُذْ مِنْهُ زَكَاةً مَعَ الْمُسْلِمِينَ قَالَ فَبَلَغَ ذَلِكَ الرَّجُلَ فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ وَأَدَّى بَعْدَ ذَلِكَ زَكَاةَ مَالِهِ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ أَنْ خُذْهَا مِنْهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ إِنْ صَحَّ هَذَا عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَيَحْتَمِلُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ مِنَ الرَّجُلِ إِلَّا أَنَّهُ أَبَى مِنْ دَفْعِهَا إِلَى عَامِلِهِ دُونَ مَنْعِهَا مِنْ أَهْلِهَا وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِمَّنْ يَمْنَعُ الزَّكَاةَ أَوْ تَفَرَّسَ فِيهِ فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ أَنَّهُ لَا يُخَالِفُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ بِبَلَدِهِ الدَّافِعِينَ لَهَا إِلَى الْإِمَامِ فَكَانَ كَمَا ظَنَّ
وَلَوْ صَحَّ عِنْدَهُ مَنْعُهُ لِلزَّكَاةِ مَا جَازَ لَهُ أَنْ يَتْرَكَهَا حتى يأخذها منه فهو حق للمساكين يلزمه الْقِيَامُ بِهِ لَهُمْ
وَهَذَا الْبَابُ فِيمَنْ مَنَعَ الزكاة مقرى بِهَا
وَأَمَّا مَنْ مَنَعَهَا جَاحِدًا لَهَا فَهِيَ رِدَّةٌ بِإِجْمَاعٍ وَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي الْمُرْتَدِ فِي بابه إن
стр. 1276
شَاءَ اللَّهُ وَقَدْ مَضَى فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ مَا فِيهِ شِفَاءٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى
وَلَيْسَ مَنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ كَمَنْ أَبَى مِنْ عَمَلِ الصَّلَاةِ إِذًا
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ شَعْبَانَ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ سَعِيدُ بْنُ حَفْصٍ الْبُخَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مَالِكٍ النُّكْرِيُّ عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ عَنِ بن عَبَّاسٍ - قَالَ حَمَّادٌ وَلَا أَظُنُّهُ إِلَّا رَفَعَهُ - قَالَ عُدُّ الْإِسْلَامِ - أَوْ قَالَ عَدُّ الدِّينِ - وَقَوَاعِدِهِ الَّتِي بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَيْهَا مَنْ تَرَكَ مِنْهُنَّ وَاحِدَةً فَهُوَ حَلَالُ الدَّمِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَالصَّلَاةُ وَصَوْمُ رَمَضَانَ
ثم قال بن عَبَّاسٍ تَجِدُهُ كَثِيرَ الْمَالِ وَلَا يُزَكِّي فَلَا يَكُونُ بِذَلِكَ كَافِرًا وَلَا يَحِلُّ دَمُهُ وَتَجِدُهُ كَثِيرَ الْمَالِ وَلَا يَحُجُّ فَلَا تَرَاهُ بِذَلِكَ كَافِرًا وَلَا يَحِلُّ دَمُهُ
(١٩ - بَابُ زَكَاةِ مَا يُخْرَصُ مِنْ ثِمَارِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ)
٥٦٤ - ذَكَرَ فِيهِ مَالِكٌ ﵀ عَنِ الثِّقَةِ عِنْدَهُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَعَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ وَالْبَعْلُ الْعُشْرُ وَفِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ فِي الْمُوَطَّأِ مُنْقَطِعًا وَبَلَاغًا فَإِنَّهُ يَتَّصِلُ مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ ثَابِتَةٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ من حديث بن عُمَرَ وَجَابِرٍ وَمُعَاذٍ وَأَنَسٍ وَقَدْ ذَكَرْتُهَا عَنْهُمْ فِي التَّمْهِيدِ
قَالَ يَحْيَى بْنُ آدَمَ (الْبَعْلُ) مَا كَانَ مِنَ الْكُرُومِ وَالنَّخْلِ قَدْ ذَهَبَتْ عُرُوقُهُ فِي الْأَرْضِ إِلَى الْمَاءِ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى السَّقْيِ الْخَمْسَ سِنِينَ وَالسِّتَّ يَحْتَمِلُ تَرْكَ السَّقْيِ
قَالَ وَ (الْعَثَرِيُّ) مَا يُزْرَعُ عَلَى السَّحَابِ وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا الْعَثِيرُ لِأَنَّهُ لَا يُسْقَى إِلَّا بِالْمَطَرِ خَاصَّةً وَفِيهِ جَاءَ الْحَدِيثُ مَا سُقِيَ عَثَرِيًّا أَوْ غَيْلًا
стр. 1277
قَالَ وَالْغَيْلُ سَيْلٌ دُونَ السَّيْلِ الْكَثِيرِ
قَالَ بن السِّكِّيتِ الْمَاءُ الْجَارِي عَلَى الْكَرْمِ وَالْغَرَبُ الدَّلْوُ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ فِيمَا سُقِيَ بِالْغَرَبِ وَالنَّضْحِ
وَقَالَ النَّضْرُ بْنُ شَمِيلٍ (الْبَعْلُ) مَاءُ الْمَطَرِ ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ قَوْلِ يَحْيَى بْنِ آدَمَ
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُ (الْبَعْلُ) مَا شَرِبَ بِعُرُوقِهِ مِنَ الْأَرْضِ مِنْ غَيْرِ سَقْيِ سَمَاءٍ وَلَا غَيْرِهَا
وَفِيهِ يَقُولُ النَّابِغَةُ
(مِنَ الْوَارِدَاتِ الْمَاءَ بِالْقَاعِ تَسْتَقِي ... بِأَعْجَازِهَا قَبْلَ اسْتِقَاءِ الْحَنَاجَرِ)
فَإِذَا سَقَتْهُ السَّمَاءُ فَهُوَ عِذْيٌ
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ
(هُنَالِكَ لَا أُبَالِي طَلْعَ بَعْلٍ ... وَلَا نَخْلٍ أَسَافِلُهَا رِوَاءِ)
وَمَا سَقَتْهُ الْعُيُونُ وَالْأَنْهَارُ فَهُوَ سَيْحٌ وَغَيْلٌ وَالْعَذْيُ هُوَ الْعَثَرِيُّ وَهَذَا يَنْصَرِفُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ بَعْلٌ وَغَيْلٌ وَسَقْيٌ
وَكَذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ وَالْبَعْلُ الْعُشْرُ
فَمَا سَقَتْهُ السَّمَاءُ عُيُونٌ وَعَثَرِيٌّ وَمَا سَقَتِ الْأَنْهَارُ وَالْعُيُونُ غَيْلٌ وَسَيْحٌ وَسَقْيٌ وَالْبَعْلُ مَا شَرِبَ بِعُرُوقِهِ مِنْ ثَرَاءِ الْأَرْضِ وَالنَّضْحِ مَا سُقِيَ بِالسَّوَاقِي وَالدَّلْوِ وَالدَّالِيَةِ مَا كَانَ نَضْحًا فَمُؤْنَتُهُ أَشَدُّ وَلِذَلِكَ كَانَ فِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ
وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى الْقَوْلِ بِظَاهِرِهِ فِي الْمِقْدَارِ الْمَأْخُوذِ مِنَ الشَّيْءِ الْمُزَكَّى وَذَلِكَ الْعُشْرُ فِي الْبَعْلِ كُلِّهِ مِنَ الْحُبُوبِ وَكَذَلِكَ الثِّمَارُ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ عِنْدَهُمْ كُلٌّ عَلَى أَصْلِهِ وَكَذَلِكَ مَا سَقَتِ الْعُيُونُ وَالْأَنْهَارُ لِأَنَّ الْمُؤْنَةَ قَلِيلَةٌ وَكَذَلِكَ أَيْضًا وَرَدَتِ السُّنَّةُ
стр. 1278
وَأَمَّا مَا سُقِيَ بِالسَّوَاقِي وَالدَّوَالِي فَنِصْفُ الْعُشْرِ فيما تجب فيها الزَّكَاةُ عِنْدَهُمْ كُلٌّ أَيْضًا عَلَى أَصْلِهِ وَسَنُبَيِّنُ أُصُولَهُمْ فِيمَا فِيهِ الزَّكَاةُ عِنْدَهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنًى آخَرَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ هَذَا الْحَدِيثُ يُوجِبُ الْعُشْرَ فِي كُلِّ مَا زَرَعَهُ الْآدَمِيُّونَ مِنَ الْحُبُوبِ وَالْبُقُولِ وَكُلِّ مَا أَنْبَتَتْهُ أَشْجَارُهُمْ مِنَ الثِّمَارِ كُلِّهَا قَلِيلِ ذَلِكَ وَكَثِيرِهِ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْعُشْرُ أَوْ نِصْفُ الْعُشْرِ عَلَى مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ جِذَاذِهِ وَحَصَادِهِ وقطافه كما قال الله تعالى (وءاتوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) الْأَنْعَامِ ١٤١ وَذَلِكَ الْعُشْرُ أَوْ نِصْفُ الْعُشْرِ
وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا حَمَّادُ بْنُ سُلَيْمَانَ ذَكَرَ ذَلِكَ عَنْهُ شُعْبَةُ وَأَبُو حَنِيفَةَ
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرُ فِي قَلِيلِ مَا تُخْرِجُهُ الْأَرْضُ أَوْ كَثِيرِهِ إِلَّا الْحَطَبَ وَالْقَصَبَ وَالْحَشِيشَ
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ لَا شَيْءَ فِيمَا تُخْرِجُهُ الْأَرْضُ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ ثَمَرَةٌ بَاقِيَةٌ ثُمَّ تَجِبُ فِيمَا يَبْلُغُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ وَلَا تَجِبُ فِيمَا دُونَهَا
وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ سِمَاكِ بْنِ الْفَضْلِ قَالَ كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنْ يُؤْخَذَ مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ الْعُشْرُ
وَاعْتَبَرَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وبن أَبِي لَيْلَى وَاللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ
وَقَالَ مَالِكٌ الْحُبُوبُ الَّتِي فِيهَا الزَّكَاةُ الْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ وَالسُّلْتُ وَالذُّرَةُ وَالدُّخْنُ وَالْأُرْزُ وَالْحِمَّصُ وَالْعَدَسُ وَالْجُلْبَانُ وَاللُّوبِيَا وَالْجُلْجُلَانُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْحُبُوبِ الَّتِي تَصِيرُ طَعَامًا تُؤْخَذُ مِنْهَا الصَّدَقَةُ بَعْدَ أَنْ تُحْصَدُ وَتَصِيرُ حَبًّا
قَالَ وَفِي الزَّيْتُونِ الزَّكَاةُ
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ مَضَتِ السَّنَةُ فِي الزَّكَاةِ فِي التَّمْرِ وَالْعِنَبِ وَالشَّعِيرِ وَالسُّلْتِ وَالزَّيْتُونِ فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْأَنْهَارُ أَوْ كَانَ بَعْلًا الْعُشْرُ وَفِيمَا سُقِيَ بِالرِّشَاءِ وَالنَّاضِحِ نِصْفُ العشر
وقال الثوري وبن أَبِي لَيْلَى لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ زَكَاةٌ إِلَّا التَّمْرَ وَالزَّبِيبَ وَالْحِنْطَةَ وَالشَّعِيرَ
وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إِنَّمَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيمَا يَيْبَسُ وَيُدَّخَرُ وَيُقْتَاتُ مَأْكُولًا وَلَا شَيْءَ فِي الزَّيْتُونِ لِأَنَّهُ إِدَامٌ
стр. 1279
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ مِثْلَهُ
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ أَمَّا مَا يُوسَقُ وَيَجْرِي فِيهِ الْكَيْلُ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ وَلَا زَكَاةَ فِيمَا دُونَهَا وَأَمَّا مَا لَا يُوسَقُ فَفِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ الْعُشْرُ أَوْ نِصْفُ الْعُشْرِ
٥٦٥ - مَالِكٌ عَنْ زِيَادِ بن سعد عن بن شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ لَا يُؤْخَذُ فِي صَدَقَةِ النَّخْلِ الْجُعْرُورُ وَلَا مُصْرَانُ الْفَارَةِ وَلَا عَذْقُ بن حُبَيْقٍ قَالَ وَهُوَ يُعَدُّ عَلَى صَاحِبِ الْمَالِ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ فِي الصَّدَقَةِ
قَالَ مَالِكٌ وَمِثْلُ ذَلِكَ مِثْلُ الْغَنَمِ تُعَدُّ بِسِخَالِهَا وَلَا يُؤْخَذُ السَّخْلُ فِي الصَّدَقَةِ
وَهَذَا الْحَدِيثُ ذَكَرَهُ بن وهب فِي مُوَطَّئِهِ فَقَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْجَلِيلِ بْنُ حميد عن بن شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ (وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ) الْبَقَرَةِ ٢٦٧ قَالَ الْجُعْرُورُ وَلَوْنُ الْحُبَيْقِ
قَالَ وَكَانَ نَاسٌ يَتَيَمَّمُونَ شَرَّ غَلَّاتِهِمْ فَيُخْرِجُونَهَا فِي الصَّدَقَةِ فَنُهُوا عَنْ لَوْنَيْنِ الْجُعْرُورِ ولون الحبيق
قال ونزلت (ولا تيمموا) الْبَقَرَةِ ٢٦٧
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ أَسْنَدَهُ عَنِ بن شِهَابٍ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ وَسُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ فروياه عن بن شِهَابٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نهى عن لَوْنَيْنِ الْجُعْرُورِ وَلَوْنِ الْحُبَيْقِ وَذَكَرَ تَمَامَ الْخَبَرِ في معنى قول بن شِهَابٍ فِي الْجُعْرُورِ وَلَوْنِ الْحُبَيْقِ
وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ فِي حَدِيثِهِ وَفِيهِ نَزَلَتْ (وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ) الْبَقَرَةِ
стр. 1280
وَقَالَ الْحَسَنُ كَانَ الرَّجُلُ يَتَصَدَّقُ بِرَذَالَةِ مَالِهِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ
وَرُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ وَأَجَلُّ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ ذَلِكَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا بَابٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ هَذَانِ النَّوْعَانِ فِي الصَّدَقَةِ لِلتَّمْرِ عَنْ غَيْرِهِمَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمَا غَيْرُهُمَا أُخِذَ مِنْهُمَا وَكَذَلِكَ الدَّنِيُّ كُلُّهُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ إِذَا كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ لِأَنَّهُ حِيَنَئِذٍ يُتَيَمَّمُ الْخَبِيثُ إِذَا أُخْرِجَ عَنْ غَيْرِهِ فَإِنْ كَانَ الثَّمَرُ نَوْعَيْنِ رَدِيئًا وَجَيِّدًا أُخِذَ مِنْ كُلٍّ بِحِسَابِهِ وَلَمْ يُؤْخَذْ مِنَ الرَّدِيءِ عَنِ الْجَيِّدِ وَلَا مِنَ الْجَيِّدِ عَنِ الرَّدِيءِ
وَهَذَا كُلُّهُ مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَالْكُوفِيِّ وَإِنْ كَانَ التَّمْرُ أَصْنَافًا أُخِذَ مِنَ الْوَسَطِ
قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا يُخْرَصُ مِنَ الثِّمَارِ إِلَّا النَّخِيلُ وَالْأَعْنَابُ فَإِنَّ ذَلِكَ يُخْرَصُ حِينَ يَبْدُو صَلَاحُهُ وَيَحِلُّ بَيْعُهُ وَذَلِكَ أَنَّ ثَمَرَ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ يُؤْكَلُ رُطَبًا وَعِنَبًا فَيُخْرَصُ عَلَى أَهْلِهِ لِلتَّوْسِعَةِ عَلَى النَّاسِ وَلِئَلَّا يَكُونَ عَلَى أَحَدٍ فِي ذَلِكَ ضِيقٌ فَيُخْرَصُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُمْ وبينه يأكلونه كيف شاؤوا ثُمَّ يُؤَدُّونَ مِنْهُ الزَّكَاةَ عَلَى مَا خُرِصَ عَلَيْهِمْ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي ذَلِكَ كَقَوْلِ مَالِكٍ سَوَاءً فِي الْكِتَابِ الْمِصْرِيِّ وَقَالَ بِالْقِرَآنِ يُخْرَصُ الْكَرْمُ وَالنَّخْلُ فَالْحَبُّ وَالزَّيْتُونُ قِيَاسًا عَلَى النَّخْلِ وَالْعِنَبِ وَاتِّبَاعًا لِأَنَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ النَّاسَ
قُلْنَا وَلَمْ يَخْتَلِفْ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا فِي أَنَّ الْحُبُوبَ كُلَّهَا لَا يُخْرَصُ شَيْءٌ مِنْهَا وَإِنَّمَا اخْتَلَفَا فِي الزَّيْتُونِ فَمَالِكٌ يَرَى الزَّكَاةَ فِيهِ مِنْ غَيْرِ خَرْصٍ (عَلَى مَا يَأْتِي فِي الْبَابِ بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ)
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ الْخَرْصُ بَاطِلٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ وَعَلَى رَبِّ الْمَالِ أَنْ يُؤَدَّى عُشْرُهُ زَادَ أَوْ نَقَصَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْخَرْصَ لِلزَّكَاةِ فِي النَّخْلِ وَالْعِنَبِ مَعْمُولٌ بِهِ سُنَّةٌ مَعْمُولَةٌ وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُرْسِلُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ وَغَيْرَهُ إِلَى خَيْبَرَ وَغَيْرِهَا يَخْرُصُ الثِّمَارَ وَالْقَوْلُ بِأَنَّ ذَلِكَ مَنْسُوخٌ بِالْمُدَايَنَةِ شُذُوذٌ
стр. 1281
وَكَذَلِكَ شَذَّ دَاوُدُ فَقَالَ لَا يُخْرَصُ إِلَّا النَّخْلُ خَاصَّةً وَدَفَعَ حَدِيثَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ وَقَالَ إِنَّهُ مُنْقَطِعٌ لن يُسْمَعْ مِنْهُ وَلَا يَأْتِي خَرْصُ الْعِنَبِ إِلَّا فِي حَدِيثِ عَتَّابٍ الْمَذْكُورِ
وَقَالَ اللَّيْثُ لَا يُخْرَصُ إِلَّا التَّمْرُ وَالْعِنَبُ وَأَهْلُهُ أُمَنَاءُ عَلَى ما رفعوا إلا أن يهتموا فينصب للسلطان أَمِينًا
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِيمَا رَوَى عَنْهُ أَصْحَابُ الْإِمْلَاءِ يُخْرَصُ الرُّطَبُ تَمْرًا أَوِ الْعِنَبُ زَبِيبًا فَإِذَا بَلَغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ أُخِذَ مِنْهُمُ الْعُشْرُ أَوْ نِصْفُ الْعُشْرِ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فِي الْخَرْصِ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ شَيْءٌ
فَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ أَمَّا الْحُبُوبُ لَا تُخْرَصُ فَهُوَ مَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِيمَا وَصَفْنَا
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْجَائِحَةِ أَنَّ النَّاسَ أُمَنَاءُ فِيمَا يدعون منها فهذا لا خلاف فيها إِلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ كَذِبُ مَنْ يَدَّعِي ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَبِنْ كَذِبُهُ وَأُوهِمَ أُحْلِفَ
وَأَمَّا مَا يَأْكُلُهُ الرَّجُلُ مِنْ ثَمَرِهِ وَزَرْعِهِ قَبْلَ الْحَصَادِ وَالْجِذَاذِ وَالْقِطَافِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ يُحْسَبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَمْ لَا فَقَالَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرُ يُحْسَبُ عَلَيْهِ
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إِذَا أَكَلَ صَاحِبُ الْأَرْضِ وَأَطْعَمَ جَارَهُ وَصَدِيقَهُ أُخِذَ مِنْهُ عُشْرُ مَا بَقِيَ مِنَ الْخَمْسَةِ الْأَوْسُقِ الَّتِي فِيهَا الزَّكَاةُ وَلَا يُؤْخَذُ مِمَّا أَكَلَ وَأَطْعَمَ وَلَوْ أَكَلَ الْخَمْسَةَ الْأَوْسُقِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ عُشْرٌ فَإِنْ بَقِيَ مِنْهَا قَلِيلٌ أَوْ كَثِيرٌ فَعَلَيْهِ نِصْفُ مَا بَقِيَ أَوْ نِصْفُ الْعُشْرِ
وَقَالَ اللَّيْثُ فِي زَكَاةِ الْحُبُوبِ يَبْدَأُ بِهَا قَبْلَ النَّفَقَةِ وَمَا أَكَلَ كَذَلِكَ هُوَ وَأَهْلُهُ فَلَا يُحْسَبُ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ الرُّطَبِ الَّذِي تُرِكَ لِأَهْلِ الْحَائِطِ يَأْكُلُونَهُ وَلَا يُخْرَصُ عَلَيْهِمْ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَتْرُكُ الْخَارِصُ لِرَبِّ الْحَائِطِ مَا يَأْكُلُهُ هُوَ وَأَهْلُهُ رُطَبًا لَا يَخْرُصُهُ عَلَيْهِمْ وَمَا أَكَلَهُ وَهُوَ رُطَبٌ لَمْ يُحْسَبْ عَلَيْهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (كلوا من ثمره إذا أثمر وءاتوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) الْأَنْعَامِ ١٤١ وَاسْتَدَلُّوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُحْسَبُ الْمَأْكُولُ قَبْلَ الْحَصَادِ بِهَذِهِ الْآيَةِ
стр. 1282
وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ ﵇ إِذَا خَرَصْتُمْ فَدَعُوا الثلث فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع
قَالَ أَبُو عُمَرَ رَوَى شُعْبَةُ عَنْ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَسْعُودِ بْنِ نِيَارٍ يَقُولُ جَاءَ سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ إِلَى مَسْجِدِنَا فَحَدَّثَنَا أَنَّ رسول الله ﷺ قال إِذَا خَرَصْتُمْ فَخُذُوا وَدَعُوا الثُّلُثَ فَإِنْ لَمْ تدعوا الثلث فدعوا الربع
ومن حديث بن لَهِيعَةَ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ خَفِّفُوا فِي الْخَرْصِ فَإِنَّ فِي الْمَالِ الْعَرِيَّةَ وَالْوَاطِئَةَ وَالْأَكَلَةَ وَالْوَصِيَّةَ وَالْعَامِلَ وَالنَّوَائِبَ
وَرَوَى الثَّوْرِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَأْمُرُ الْخُرَّاصَ أَنِ اخْرُصُوا وَارْفَعُوا عَنْهُمْ قَدْرَ مَا يَأْكُلُونَ
وَلَمْ يَعْرِفْ مَالِكٌ قَدْرَ هَذِهِ الْآثَارِ
وَمِنَ الْحُجَّةِ لَهُ مَا رَوَى سَهْلُ بن أبي حثمة أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ أَبَا حَثْمَةَ خَارِصًا فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أَبَا حَثْمَةَ قَدْ زَادَ عَلَيَّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إن بن عَمِّكَ يَزْعُمُ أَنَّكَ زِدْتَ عَلَيْهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ تَرَكْتُ لَهُ قَدْرَ عَرِيَّةِ أَهْلِهِ وَمَا تَطْعَمُهُ الْمَسَاكِينُ وَمَا تُسْقِطُ الرِّيحُ فقال قد زادك بن عَمِّكَ وَأَنْصَفَكَ
فَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ فَإِنْ قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِنَّمَا تَرَكَ الَّذِي تَرَكَ لِلْعَرَايَا وَالْعَرَايَا صَدَقَةٌ فَمِنْ هُنَا لَمْ تَجِبْ فِيهَا صَدَقَةٌ وَهَذَا تَعْنِيدٌ مِنَ الْقَوْلِ وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ بِخِلَافِهِ عَلَى أَنَّ مَالِكًا يَرَى الصَّدَقَةَ فِي الْعَرِيَّةِ إِذَا أَعْرَاهَا صَاحِبُهَا قَبْلَ أَنْ يَطِيبَ أَوَّلُ تَمْرِهَا عَلَى الْمُعْرِي فإن عراها بعد فهي على المعرا إِذَا بَلَغَتْ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ
وَأَمَّا مَا احْتَجَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ مِنْ قَوْلِهِ (كُلُوا من ثمره إذا أثمر وءاتوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) الْأَنْعَامِ ١٤١ وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ الْمَأْكُولَ أَخْضَرُ لَا يُرَاعَى فِي الزَّكَاةِ
стр. 1283
بِهَذِهِ الْآيَةِ فَقَدْ يَحْتَمِلُ عِنْدَ مُخَالِفِهِ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْآيَةِ آتُوا حَقَّ جَمِيعِ الْمَأْكُولِ وَالْبَاقِي وَالظَّاهِرُ مَعَ الشَّافِعِيِّ وَالْآثَارُ
وَأَمَّا الْخَبَرُ فِي الْخَرْصِ لِإِحْصَاءِ الزَّكَاةِ وَالتَّوْسِعَةِ عَلَى النَّاسِ فِي أَكْلِ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْ رُطَبِهِمْ وعنبهم فذكر
عبد الرزاق عن بن جريج عن بن شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ (وَذَكَرَتْ شَأْنَ خَيْبَرَ) فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ إِلَى الْيَهُودِ فَيَخْرُصُ النَّخْلَ حِينَ يَطِيبُ أَوَّلُ التَّمْرِ قَبْلَ أَنْ يُؤْكَلَ مِنْهُ ثُمَّ يُخَيِّرُ الْيَهُودَ بِأَنْ يَأْخُذُوهَا بِذَاكَ الْخَرْصِ أَوْ يَدْفَعُونَهَا إِلَيْهِمْ بِذَلِكَ وَإِنَّمَا كَانَ أَمْرُ النَّبِيِّ ﷺ بِالْخَرْصِ لِكَيْ تُحْصَى الزَّكَاةُ قَبْلَ أَنْ تُؤَكَلَ الثِّمَارُ وَتَفْتَرِقَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ يُقَالُ إِنَّ قَوْلَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَإِنَّمَا كَانَ أَمْرُ النَّبِيِّ ﷺ بِالْخَرْصِ لِكَيْ تُحْصَى إِلَى آخِرِهِ مِنْ قول بن شِهَابٍ وَقِيلَ مِنْ قَوْلِ عُرْوَةَ وَقِيلَ مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ
وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ الْقَائِلِينَ بِالْخَرْصِ لِإِحْصَاءِ الزَّكَاةِ وَكَذَلِكَ لَا خِلَافَ بَيْنِهِمْ أَنَّ الْخَرْصَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي أَوَّلِ مَا يَطِيبُ التَّمْرُ وَيَزْهَى بِحُمْرَةٍ أَوْ صُفْرَةٍ وَكَذَلِكَ الْعِنَبُ إِذَا جَرَى فِيهِ الْمَاءُ وَطَابَ أَكْلُهُ
(٢٠ - بَابُ زَكَاةِ الْحُبُوبِ وَالزَّيْتُونِ)
أَمَّا الْحُبُوبُ فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ قَبْلَ هَذَا مَذَاهِبُ الْعُلَمَاءِ فِيهَا وَسَنَزِيدُ ذَلِكَ بَيَانًا عَنْهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَأَمَّا الزيتون فذكر
٥٦٦ - مالك أنه سأل بن شهاب عن الزيتون فقال فيه العشر
قَالَ مَالِكٌ وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنَ الزَّيْتُونِ الْعُشْرُ بَعْدَ أَنْ يُعْصَرَ وَيَبْلُغَ زَيْتُونُهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَمَا لَمْ يَبْلُغْ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ وَالزَّيْتُونُ بِمَنْزِلَةِ النَّخِيلِ مَا كَانَ مِنْهُ سَقَتْهُ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ بَعْلًا فَفِيهِ الْعُشْرُ وَمَا كَانَ يُسْقَى بِالنَّضْحِ فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ وَلَا يُخْرَصُ شَيْءٌ مِنَ الزَّيْتُونِ فِي شَجَرِهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا قَوْلُهُ فِي موطئه أَنَّ الزَّيْتُونَ لَا يُخْرَصُ وَلَا يُخْرَصُ مِنَ الثمار
стр. 1284
غَيْرُ النَّخْلِ وَالْعِنَبِ وَلَا يُخْرَصُ شَيْءٌ مِنَ الحبوب ولم يختلف عنده شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ فِي خَرْصِ الزَّيْتُونِ
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيُّ بِبَغْدَادَ قَالَ يخرص النخل والعنب بالخير وَيُخْرَصُ الزَّيْتُونُ قِيَاسًا عَلَى النَّخْلِ وَالْعِنَبِ
وَقَالَ فِي الْكِتَابِ الْمِصْرِيِّ لَا زَكَاةَ فِي الزَّيْتُونِ لِأَنَّهُ إِدَامٌ لَيْسَ بِقُوتٍ
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرِ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَيَرَى أَنَّ الزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الثِّمَارِ عَلَى ظَاهِرِ قَوْلِهِ (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ) إِلَى آخَرَ الْآيَةِ الْأَنْعَامِ ١٤١
قَالَ أَبُو عُمَرَ الْقَوْلُ فِي خَرْصِ الْعِنَبِ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْكُدَيْمِيُّ
وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَا جَمِيعًا حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ السَّرِيِّ الْحَافِظُ قَالَ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ قَالَ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَخْرُصَ الْعِنَبَ وآخذ زَكَاتَهُ زَبِيبًا كَمَا تُؤْخَذُ زَكَاةُ النَّخْلِ تَمْرًا
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ مَضَتِ الزَّكَاةُ فِي التَّمْرِ أَنَّ الزَّكَاةَ فِي الْعِنَبِ وَالزَّيْتُونِ فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْأَنْهَارُ فَذَكَرَ مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ سَوَاءً
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ لَا زَكَاةَ فِي غَيْرِ النَّخْلِ وَالْعِنَبِ مِنَ الثِّمَارِ وَلَا فِي غَيْرِ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ من الحبوب
وذكر عنه بن الْمُنْذِرِ الزَّكَاةَ فِي الزَّيْتُونِ فَوَهِمَ عَلَيْهِ
وَكَذَلِكَ أَخْطَأَ فِي ذَلِكَ أَيْضًا عَلَى أَبِي ثَوْرٍ
وَفِي الْمُوَطَّأِ وَسُئِلَ مَالِكٌ مَتَى يُخْرَجُ مِنَ الزَّيْتُونِ الْعُشْرُ أَوْ نِصْفُهُ أَقَبْلَ النَّفَقَةِ أَمْ بَعْدَهَا فَقَالَ لَا يُنْظَرُ إِلَى النَّفَقَةِ وَلَكِنْ يُسْأَلُ عَنْهُ أَهْلُهُ كَمَا يُسْأَلُ أَهْلُ الطَّعَامِ عَنِ الطَّعَامِ وَيُصَدَّقُونَ بِمَا قَالُوا فَمَنْ رُفِعَ مِنْ زَيْتُونِهِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ فَصَاعِدًا أُخِذَ مِنْ زَيْتِهِ الْعُشْرُ بَعْدَ أَنْ يُعْصَرَ وَمَنْ لَمْ يُرْفَعْ مِنْ زَيْتُونِهِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ فِي زَيْتِهِ الزَّكَاةُ
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ تُؤْخَذُ زَكَاةُ الزَّيْتُونِ مِنْ حَبِّهِ إِذَا بَلَغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ
стр. 1285
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ بِبَغْدَادَ
قِيلَ لِمُحَمَّدٍ إِنَّ مَالِكًا يَقُولُ إِنَّمَا تُؤْخَذُ زَكَاتُهُ مِنْ زَيْتِهِ فَقَالَ مَا اجْتَمَعَ الْبَابُ عَلَى حَبِّهِ فَكَيْفَ عَلَى زَيْتِهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ مَنْ أَوْجَبَ الزَّكَاةَ عَلَى الزَّيْتُونِ فَإِنَّمَا قَالَهُ قِيَاسًا عَلَى النَّخْلِ وَالْعِنَبِ الْمُجْتَمَعِ عَلَى الزَّكَاةِ فِيهِمَا
وَالْقَائِلُونَ في الزيتون بالزكاة بن شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ وَمَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَهُوَ أُحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ
وَقِيَاسُ الزَّيْتُونِ عَلَى النَّخْلِ وَالْعِنَبِ غَيْرُ صَحِيحٍ عِنْدِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِأَنَّ التَّمْرَ وَالزَّبِيبَ قُوتٌ وَالزَّيْتُونَ إِدَامٌ
وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَالسُّنَّةُ عِنْدَنَا فِي الْحُبُوبِ الَّتِي يَدَّخِرُهَا النَّاسُ وَيَأْكُلُونَهَا أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِمَّا سَقَتْهُ السَّمَاءُ مِنْ ذَلِكَ وَمَا سَقَتْهُ الْعُيُونُ وَمَا كَانَ بَعْلًا الْعُشْرُ وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ إِذَا بَلَغَ ذَلِكَ خَمْسَةَ أَوْسِقٍ بِالصَّاعِ الْأَوَّلِ صَاعِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَا زَادَ عَلَى خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فَفِيهِ الزَّكَاةُ بِحِسَابِ ذَلِكَ
قَالَ مَالِكٌ وَالْحُبُوبُ الَّتِي فِيهَا الزَّكَاةُ الْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ وَالسُّلْتُ وَالذُّرَةُ وَالدُّخْنُ وَالْأُرْزُ وَالْعَدَسُ وَالْجُلْبَانُ وَاللُّوبِيَا وَالْجُلْجُلَانُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْحُبُوبِ الَّتِي تَصِيرُ طَعَامًا فَالزَّكَاةُ تُؤْخَذُ مِنْهَا بَعْدَ أَنْ تُحْصَدَ وَتَصِيرَ حَبًّا
قَالَ وَالنَّاسُ مُصَدَّقُونَ فِي ذَلِكَ وَيُقْبَلُ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ مَا دَفَعُوا
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِيمَا عَلِمْتُ أَنَّ الزَّكَاةَ وَاجِبَةٌ فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ لَا زَكَاةَ فِي غَيْرِهَا
رُوِيَ ذلك عن الحسن وبن سيرين والشعبي وقال به من الكوفيين بن أَبِي لَيْلَى وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وبن الْمُبَارَكِ وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُوُ عُبَيْدٍ
وَحُجَّةُ مَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ مَا رَوَاهُ وَكِيعٌ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِي بُرْدَةَ
стр. 1286
عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ كَانَ لَا يَأْخُذُ الزَّكَاةَ إِلَّا مِنَ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ
وَمِثْلُ هَذَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ رَأْيًا مِنْهُ وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَرْفُوعًا
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَقَوْلُهُ فِي زَكَاةِ الْحُبُوبِ كَقَوْلِ مَالِكٍ إِلَّا أَنَّهَا عِنْدَهُ أَصْنَافٌ يُعْتَبَرُ النِّصَابُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا وَلَا يَضُمُّ شَيْئًا مِنْهَا إِلَى غَيْرِهِ قِطْنِيَّةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَهَا
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ
وَسَتَأْتِي مَسْأَلَةُ ضَمِّ الْحُبُوبَ فِي الزَّكَاةِ مِنَ الْقِطْنِيَّةِ وَغَيْرِهَا فِي مَوْضِعِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَاخْتُلِفَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فَرُوِيَ عَنْهُ نَحْوُ قَوْلِ أَبِي عُبَيْدٍ وَرُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ
وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ
وَالْحُجَّةُ لِمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَهُمَا الْقِيَاسُ عَلَى مَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ لِأَنَّهُ يَيْبَسُ وَيُؤْخَذُ قُوتًا
قَالَ الشَّافِعِيُّ كُلُّ مَا يزرع الْآدَمِيُّونَ وَيَيْبَسُ وَيُدَّخِرُ ثُمَّ يُقْتَاتُ مَأَكُولًا خُبْزًا وَسَوِيقًا وَطَبِيخًا فَفِيهِ الصَّدَقَةُ
قَالَ وَالْقَوْلُ فِي كُلِّ صِنْفٍ جَمَعَ مِنْهُ رَدِيئًا وَجَيِّدًا أَنَّهُ يُعْتَدُّ بِالْجَيِّدِ مَعَ الرَّدِيءِ كَمَا يُعْتَدُّ بِذَلِكَ فِي التَّمْرِ وَيُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ بِقَدْرِهِ
وَالْعَلَسُ عِنْدَهُ ضَرْبٌ مِنَ الْحِنْطَةِ
قَالَ فَإِنْ أُخْرِجَتْ مِنْ أَكْمَامِهَا اعْتُبِرَ فِيهَا خَمْسَةُ أَوْسُقٍ وَإِلَّا فَإِذَا بَلَغَتْ عَشْرَةَ أَوْسُقٍ أُخِذَتْ صَدَقَتُهَا لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ
وَقَالَ فَخَيَّرَ أَهْلُهَا فِي ذَلِكَ فَأَبَى ذَلِكَ اخْتَارُوا وَأَحْمَلُوا عَلَيْهِ
ثُمَ قَالَ يُسْأَلُ عَنِ الْعَلْسِ أَهْلُ الْحِنْطَةِ وَالْعَلْسِ
وَقَالَ لَا يُؤْخَذُ زَكَاةُ شَيْءٍ مِنْهُ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ فِي سَبِيلِهِ
قَالَ وَيُضَمُّ الْعَلْسُ إِلَى الْحِنْطَةِ إِلَى أَنْ يُخْرَجَ مِنْ أَكْمَامِهِ
وَقَالَ إِسْحَاقُ كُلُّ حَبٍّ يُقْتَاتُ وَيَيْبَسُ وَيُدَّخَرُ فَفِيهِ الصَّدَقَةُ
وَقَالَ اللَّيْثُ كُلُّ مَا يُقْتَاتُ فَفِيهِ الصَّدَقَةُ
وَعَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ الصَّدَقَةُ مِنَ الثِّمَارِ فِي التَّمْرِ وَالْعِنَبِ وَالزَّيْتُونِ وَمِنَ الْحُبُوبِ فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالسُّلْتِ
стр. 1287
وَرُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ضَمِّ الْحُبُوبِ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ فِي الزَّكَاةِ فَمَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّهُ تُجْمَعُ الْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ وَالسُّلْتُ
بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ يُكَمَّلُ النِّصَابُ فِي بَعْضِهَا مِنْ بَعْضٍ وَكَذَلِكَ الْقِطْنِيَّةُ كُلُّهَا صِنْفٌ وَاحِدٌ يُضَمُّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ فِي الزَّكَاةِ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا تُضَمُّ حَبَّةٌ عُرِفَتْ بِاسْمٍ وَهِيَ فِي دُونِ صَاحِبَتِهَا وَهِيَ خِلَافُهَا ثَابِتَةٌ فِي الْخِلْقَةِ وَالطَّعْمِ إِلَى غَيْرِهَا وَيُضَمُّ كُلُّ صنف بعضه إلى بعض ردي إِلَى صِنْفِهِ كَالتَّمْرِ إِلَى غَيْرِهِ وَالزَّبِيبِ أَسْوَدِهِ وَأَحْمَرِهِ وَالْحِنْطَةِ أَنْوَاعِهَا مِنَ السَّمْرَاءِ وَغَيْرِهَا
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَأَبُو ثَوْرٍ مِثْلَ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ
وَقَالَ اللَّيْثُ تُضَمُّ الْحُبُوبُ كُلُّهَا الْقِطْنِيَّةُ وَغَيْرُهَا بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ فِي الزَّكَاةِ
وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَنْهَى عَنْ ضَمِّ الذَّهَبِ إِلَى الْوَرِقِ وَضَمِّ الْحُبُوبِ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ ثُمَّ كَانَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ يَقُولُ فِيهَا بِقَوْلٍ الشَّافِعِيِّ
قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ بَاعَ زَرْعَهُ وَقَدْ صَلَحَ وَيَبِسَ فِي أَكْمَامِهِ فَعَلَيْهِ زَكَاتُهُ وَلَيْسَ عَلَى الَّذِي اشْتَرَاهُ زَكَاةٌ وَلَا يَصْلُحُ بَيْعُ الزَّرْعِ حَتَّى يَيْبَسَ فِي أَكْمَامِهِ وَيَسْتَغْنِيَ عَنِ الْمَاءِ
قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ بَاعَ أَصْلَ حَائِطِهِ أَوْ أَرْضَهُ وَفِي ذَلِكَ زَرْعٌ أَوْ ثَمَرٌ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ فَزَكَاةُ ذَلِكَ عَلَى الْمُبْتَاعِ وَإِنْ كَانَ قَدْ طَابَ وَحَلَّ بَيْعُهُ فَزَكَاةُ ذَلِكَ عَلَى الْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا عَلَى الْمُبْتَاعِ
وَقَالَ مَالِكٌ فِي غَيْرِ الْمُوَطَّأِ لِيَحْيَى فِيمَنْ هَلَكَ وَخَلَّفَ زَرْعًا فَوَرِثَهُ وَرَثَتُهُ إِنْ كَانَ الزَّرْعُ قَدْ يَبِسَ فَالزَّكَاةُ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ فِيهِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ وَإِنْ كَانَ الزَّرْعُ يَوْمَ مَاتَ أَخْضَرَ فَإِنَّ الزَّكَاةَ عَلَيْهِمْ إِنْ كَانَ فِي حِصَّةِ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ وَإِلَّا فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِمْ
وَحُجَّةُ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَنَّ الْمُرَاعَاةَ فِي الزَّكَاةِ إِنَّمَا تَجِبُ بِطِيبِ أولها فقد باع ماله وَحِصَّةُ الْمَسَاكِينِ عِنْدَهُ مَعَهُ فَيُحِيلُ عَلَى أَنَّهُ ضَمِنَ ذَلِكَ لَهُمْ وَيَلْزَمُهُ هَذَا وَجْهُ النَّظَرِ فِيهِ
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ فِي الرَّجُلِ يَبِيعُ إِبِلَهُ أَوْ غَنَمَهُ بَعْدَ وَجُوَبِ الزَّكَاةِ فِيهَا قَالَ يَقْبِضُ الْمُصَدِّقُ صَدَقَتَهَا مِمَّنْ وَجَدَهَا عِنْدَهُ وَسِعَ الْمُبْتَاعُ الْبَائِعَ بِالزَّكَاةِ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إِذَا بَاعَ قبل أن تطيب الثمرة فالبيع جائر والزكاة على المشتري
стр. 1288
وإن باع بعد ما طَابَتِ الثَّمَرَةُ فَالزَّكَاةُ عَلَى الْبَائِعِ وَالْبَيْعُ مَفْسُوخٌ إِلَّا أَنْ يَبِيعَ تِسْعَةَ أَعْشَارِ الثَّمَرَةِ إِنْ كَانَتْ تُسْقَى بِعَيْنٍ أَوْ كَانَتْ بَعْلًا وَتِسْعَةَ أَعْشَارِهَا وَنِصْفَ عُشْرِهَا إِنْ كَانَتْ تُسْقَى بِغَرَبٍ
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ فِي إِنْفَاذِ الْبَيْعِ وَرَدِّهِ وَالْعُشْرُ مَأْخُوذٌ مِنَ الثَّمَرَةِ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرَى عَلَى الْبَائِعِ بِقَدْرِ ذَلِكَ هَذَا إِذَا بَاعَهُ بَعْدَ طِيبِهِ
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ مَنْ بَاعَ زَرْعَهُ فَضْلًا فَفَضَّلَهُ الْمُشْتَرِي فَالْعُشْرُ عَلَى الْبَائِعِ وَإِنْ تَرْكَهُ الْمُشْتَرِي حَتَّى صَارَ حبا فهو على المشتري
وذكر بن سَمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ إِذَا كَانَ الَّذِي بَاعَ ذَلِكَ لَوْ تَرَكَهُ بَلَغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَعَلَيْهِ الْعُشْرُ إِذَا بَاعَهُ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْهَا فَلَا عُشْرَ فِيهِ
قَالَ الشَّافِعِيُّ إِذَا قُطِعَ التَّمْرُ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ بَيْعُهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ عُشْرٌ
وَأَمَّا قَوْلُهُ لَا يَصْلُحُ بَيْعُ الزَّرْعِ حَتَّى يَيْبَسَ فِي أَكْمَامِهِ وَيَسْتَغْنِي عَنِ الْمَاءِ فَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى إِجَازَةِ بَيْعِ الزَّرْعِ فِي سُنْبُلِهِ إِذَا كَانَ قَائِمًا قَدْ يَبِسَ وَاسْتَغْنَى عَنِ الْمَاءِ
وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنَ بَيْعِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ وَعَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ
حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ وَعَنْ بَيْعِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ حَتَّى يُدْرَسَ وَيُصَفَّى
وَكَذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ إِذَا كَانَ قَائِمًا
وَلِأَصْحَابِهِ فِي رَفْعِ هَذَا الْحَدِيثِ كَلَامٌ سَيَأْتِي فِي الْبُيُوعِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَقْدَ رَوَى الرَّبِيعُ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ رَجَعَ إِلَى الْحَدِيثِ بِالْقَوْلِ الْمَذْكُورِ وَأَجَازَ الْبَيْعَ فِي الْحَبِّ إِذَا يَبِسَ قَائِمًا وَالْأَشْهَرُ الْمَعْرُوفُ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحَبِّ حَتَّى يُصَفَّى مِنْ تِبْنِهِ وَيُمْكِنَ النَّظَرُ إليه
стр. 1289
وَحُجَّتُهُ أَنَّ حَدِيثَ أَنَسٍ مَضْمُومٌ إِلَيْهِ النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ وَالْمَجْهُولِ وَمَا لَا يُتَأَمَّلُ وَيُنْظَرُ إِلَيْهِ فَدَلِيلُ النَّهْيِ عَنِ الْمُلَامَسَةَ وَالْمُنَابَذَةِ وَكُلُّ مَا لَا يُنْظَرُ إِلَيْهِ وَلَا يُتَأَمَّلُ وَلَا يُسْتَبَانُ فَهُوَ مِنْ بُيُوعِ الْأَعْيَانَ دُونَ السَّلَمِ الْمَوْصُوفِ
وَمِنْ حُجَّتِهِ فِي رَدِّ ظَاهِرِ حَدِيثِ أَنَسٍ هَذَا حَتَّى يُضَمَّ إِلَيْهِ وَصَفْنَا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْمُطَلَّقَةِ الْمَبْتُوتَةِ (حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) الْبَقَرَةِ ٢٣٠ وَقَوْلُهُ ﷺ لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَبْتُوتَةَ لَا تَحِلُّ بِنِكَاحِ الزَّوْجِ حَتَّى يَنْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ طَلَاقَةُ وَالْخُرُوجُ مِنْ عِدَّتِهَا وَكَذَلِكَ الْحَامِلُ وَالْحَائِضُ لَا تُوطَأُ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ حَتَّى يَنْضَمَّ إِلَى الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ الطُّهْرُ فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ فِي الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ - يعني ويصير حبا مصفى ينظروا إِلَيْهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
قَالَ مَالِكٌ فِي قَوْلِ اللَّهِ ﵎ (وءاتوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) الْأَنْعَامِ ١٤١ أَنَّ ذَلِكَ الزَّكَاةُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَقَدْ سَمِعْتُ مَنْ يَقُولُ ذَلِكَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ هُوَ الزَّكَاةُ
وَمِمَّنْ روي ذلك عنه بن عباس ومحمد بن الحنفية وزيد بن أَسْلَمَ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَطَاوُسٌ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ
وَقَالَ آخَرُونَ هُوَ أَنْ يُعْطَى الْمَسَاكِينُ عِنْدَ الْحَصَادِ وَالْجَذَاذِ مَعَ غَيْرِ مَا تَيَسَّرَ مِنْ غَيْرِ الزَّكَاةِ
روي ذلك عن بن عُمَرَ وَأَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حُنَيْنٍ وَعَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ
وَقَالَ النَّخَعِيُّ وَالسُّدِّيُّ الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ بِفَرْضِ الْعُشْرِ وَنِصْفِ الْعُشْرِ
(٢١ - بَابُ مَا لَا زَكَاةَ فِيهِ مِنَ الثِّمَارِ)
٥٦٧ - ذَكَرَ فِي هَذَا الْبَابِ مَعْنَى ضَمِّ الْحُبُوبِ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ مِنَ الْقِطْنِيَّةِ وَغَيْرِهَا وَفَسَّرَ ذَلِكَ وَاحْتَجَّ لَهُ بِمَا أَغْنَى عَنْ ذِكْرِهِ هَا هُنَا
فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ فَرَّقَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ بَيْنَ الْقِطْنِيَّةِ وَالِحِنْطَةِ فِيمَا
стр. 1290
أَخَذَ مِنَ النَّبَطِ وَرَأَى أَنَّ الْقِطْنِيَّةَ صِنْفٌ وَاحِدٌ فَأَخَذَ مِنْهَا الْعُشْرَ وَأَخَذَ مِنَ الْحِنْطَةِ وَالزَّبِيبِ نِصْفَ الْعُشْرِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا مَا فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ جَعَلَ الْقَطَانِيَّ أَصْنَافًا مُخْتَلِفَةً وَلَمْ يَضُمَّهَا وَحُجَّتُهُمْ أَيْضًا عَلَى مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْقِطْنِيَّةِ وَالْحِنْطَةِ وَهُوَ اللَّيْثُ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ
وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَلَا حُجَّةَ عَلَيْهِ بِهَذَا
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْقَائِلِينَ بِذَلِكَ كُلِّهِ فِي الْبَابِ قَبْلَ هَذَا عَلَى أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمُخَالِفِ لِأَنَّ عُمَرَ لَوْ أَخَذَ مِنَ الْجَمِيعِ الْعُشْرَ أَوْ مِنَ الْجَمِيعِ نِصْفَ الْعُشْرِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حُجَّةً عَلَى مَنْ ضَمَّ الْأَجْنَاسَ وَالْأَنْوَاعَ مِنَ الْحُبُوبِ وَغَيْرِهَا وَلَا عَلَى مَنْ لَمْ يَضُمَّهَا وَإِنَّمَا الْحُجَّةُ فِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ليس فيما دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ
وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يُجْمَعُ تَمْرٌ إِلَى زَبِيبٍ فَصَارَ أَصْلًا يُقَاسُ عَلَيْهِ مَا سِوَاهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي ضَمِّ الْحُبُوبِ بَعْضِهَا إِلَى بَعَضٍ وَمَا لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ مِنَ التَّنَازُعُ فِي الْبَابِ قَبْلَ هَذَا
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الشَّرِيكَيْنِ فِي النَّخْلِ وَالزَّرْعِ وَاعْتِبَارُهُ فِي مِلْكِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصَابًا وَأَنَّهُ لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ عَلَى مَنْ لَمْ تَبْلُغَ حِصَّتُهُ مِنْهُمَا خَمْسَةَ أَوْسُقٍ وَأَنَّ مَنْ بَلَغَتْ حِصَّتُهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ دُونَ صَاحِبِهِ الَّذِي لَمْ تَبْلُغْ حِصَّتُهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَبِهِ قَالَ الْكُوفِيُّونَ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَحْمَدُ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الشَّرِيكَانِ فِي الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَالزَّرْعِ وَالْمَاشِيَةِ يُزَكِّيَانِ زَكَاةَ الْوَاحِدِ فَإِذَا كَانَ لَهُمَا خَمْسَةُ أَوْسُقٍ وَجَبَتْ عَلَيْهِمَا الزَّكَاةُ فِي النَّخْلِ وَالْعِنَبِ وَالْحُبُوبِ وَالْمَاشِيَةِ وَلَهُ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا هَذَا وَهُوَ الْأَشْهَرُ عَنْهُ وَالْآخَرُ اعْتِدَادُ النِّصَابِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا
وَاحْتَجَّ بِأَنَّ السَّلَفَ كَانُوا يَأْخُذُونَ الزَّكَاةَ مِنَ الْحَوَائِطِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَى الْجَمَاعَةِ وَلَيْسَ فِي حِصَّةِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ فَالشُّرَكَاءُ عِنْدَهُ أَوْلَى بِهَذَا الْمَعْنَى مِنَ الْخُلَطَاءِ فِي الْمَاشِيَةِ وَقَدْ وَرَدَ فِي السُّنَّةِ مِنَ الْخُلَطَاءِ فِي الْمَاشِيَةِ مَا قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي بَابِ الْمَاشِيَةِ
وَالْحُجَّةُ لِمَالِكٍ ﵀ وَمَنْ وَافَقَهُ قَوْلُهُ ﵇ لَيْسَ فِيمَا دُونَ
стр. 1291
خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ مِنَ الْإِبِلِ صَدَقَةٌ
وَهُوَ أَصَحُّ مَا قِيلَ فِي هَذَا الْبَابِ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ
وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ السُّنَّةُ عِنْدَنَا أَنَّ كُلَّ مَا أُخْرِجَتْ زَكَاتُهُ مِنَ الْحُبُوبِ كُلِّهَا وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ بِمُرُورِ الْحَوْلِ عَلَيْهِ وَلَا فِي ثَمَنِهِ إِذَا بِيعَ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ كَسَائِرِ الْعُرُوضِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِلتِّجَارَةِ
هَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ دُونَ لَفْظِهِ أَمْرٌ مُجْتَمَعَ عَلَيْهِ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِيهِ
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي حُكْمِ الْعُرُوضِ لِلتِّجَارَةِ وَحُكْمِ الْإِدَارَةِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ
(٢٢ - بَابُ مَا لَا زَكَاةَ فِيهِ مِنَ الْفَوَاكِهِ وَالْقَضْبِ وَالْبُقُولِ)
قَالَ مَالِكٌ السُّنَّةُ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا عِنْدَنَا وَالَّذِي سَمِعْتُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْفَوَاكِهِ كُلِّهَا صَدَقَةٌ الرُّمَّانِ وَالْفِرْسِكِ وَالتِّينِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلَكَ وَمَا لَمْ يُشْبِهْهُ إِذَا كَانَ مِنَ الْفَوَاكِهِ
قَالَ وَلَا فِي الْقَضْبِ وَلَا فِي الْبُقُولِ كُلِّهَا صَدَقَةٌ وَلَا فِي أَثْمَانِهَا إِذَا بِيعَتْ صَدَقَةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَى أَثْمَانِهَا الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ بَيْعِهَا وَيَقْبِضَ صَاحِبُهَا ثَمَنَهَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْبُقُولِ صَدَقَةٌ عَلَى مَا قَالَ مَالِكٌ ﵀
وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَإِنَّهُمْ يُوجِبُونَ فِيهَا الزَّكَاةَ عَلَى مَا قَدْ مَضَى ذِكْرُهُ عَنْهُمْ
وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَتْبَاعِهِمْ لَهُمْ بِحَدِيثِ صَالِحِ بْنِ مُوسَى عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيمَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ مِنَ الْخُضَرِ الزَّكَاةُ
وَهَذَا حَدِيثٌ لَمْ يَرْوِهِ مِنْ ثِقَاتِ أَصْحَابِ مَنْصُورٍ وَاحِدٌ هَكَذَا وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ نَافِعٍ صَاحِبِ مَالِكٍ قَالَ حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ
стр. 1292
أن رسول الله ﷺ قَالَ فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْبَعْلِ وَالسَّيْلُ الْعُشْرُ وَفِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ
يَكُونُ ذَلِكَ فِي التَّمْرِ وَالْحِنْطَةِ وَالْحُبُوبِ فَأَمَّا الْقِثَّاءُ وَالْبِطِّيخُ وَالرُّمَّانُ وَالْقَضْبُ وَالْخُضَرُ فَعَفْوٌ عَفَا عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
وَهَذَا حَدِيثٌ أَيْضًا لَا يُحْتَجُّ بِمِثْلِهِ وَإِنَّمَا أَصْلُ هَذَا الْحَدِيثِ مَا رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهِبٍ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ أَنَّ مُعَاذًا لَمْ يَأْخُذْ مِنَ الْخُضَرِ صَدَقَةً
وَمُوسَى بْنُ طَلْحَةَ لَمْ يَلْقَ مُعَاذًا وَلَا أَدْرَكَهُ وَلَكِنَّهُ مِنَ الثِّقَاتِ الَّذِينَ يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِمَا يُرْسِلُونَهُ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ أَيْضًا
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَيْسَ الزَّيْتُونُ عِنْدَهُمْ مِنْ هَذَا الْبَابِ وَأُدْخِلَ التِّينُ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَظُنُّهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَنَّهُ يَيْبَسُ وَيُدَّخَرُ وَيُقْتَاتُ وَلَوْ عَلِمَ ذَلِكَ مَا أَدْخَلَهُ فِي هَذَا الْبَابِ لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ مِنْهُ بِالرُّمَّانِ وَالْفِرْسِكِ (وَهُوَ الْخَوْخُ)
وَلَا خِلَافَ عَنْ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِي اللَّوْزِ وَلَا الْجَوْزِ وَمَا كَانَ مِثْلَهُمَا وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يُدَّخَرُ كَمَا أَنَّ لَا زَكَاةَ عِنْدَهُمْ فِي الْأَنْمَاصِ وَلَا فِي التُّفَّاحِ وَلَا الْكُمَّثْرَى وَلَا مَا كَانَ مِثْلَ ذَلِكَ كُلِّهِ مِمَّا لَا يَيْبَسُ وَلَا يُدَّخَرُ
وَاخْتَلَفُوا فِي التِّينِ فَالْأَشْهُرُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَغْرِبِ مِمَّنْ يَذْهَبُ مَذْهَبَ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ عِنْدَهُمْ فِي التِّينِ إِلَّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَبِيبٍ فَإِنَّهُ كَانَ يَرَى فِيهِ الزَّكَاةَ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ قِيَاسًا عَلَى التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ
وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْبَغْدَادِيِّينَ الْمَالِكِيِّينَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ وَمَنِ اتَّبَعَهُ
وَقَدْ بَلَغَنِي عَنِ الْأَبْهَرِيِّ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنَّهُمْ كَانُوا يُفْتُونَ بِهِ وَيَرَوْنَهُ مَذْهَبَ مَالِكٍ عَلَى أُصُولِهِ عِنْدَهُمْ
وَالتِّينُ مَكِيلٌ يُرَاعَى فِيهِ الْأَوْسُقُ الْخَمْسَةُ وَمَا كَانَ مِثْلَهَا وَزْنًا وَيُحْكَمُ فِي التِّينِ عِنْدَهُمْ بِحُكْمِ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهِمَا
وَأَمَّا الْبُقُولُ وَالْخُضَرُ وَالتَّوَابِلُ فَلَا زَكَاةَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا عِنْدَ مَالِكٍ وَلَا عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ الْفَوَاكِهُ كُلُّهَا لَا تُؤْخَذُ الزَّكَاةُ مِنْهَا وَلَكِنْ تُؤْخَذُ مِنْ أَثْمَانِهَا إِذَا بِيعَتْ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ
стр. 1293
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا زَكَاةَ فِي شَيْءٍ مِمَّا تُثْمِرُهُ الْأَشْجَارُ إِلَّا النَّخْلَ وَالْعِنَبَ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ الصَّدَقَةَ مِنْهُمَا وَكَانَا بِالْحِجَازِ قُوتًا يُدَّخَرُ
قَالَ وَقَدْ يُدَّخَرُ الْجَوْزَ وَاللَّوْزَ وَلَا زَكَاةَ فِيهِمَا لِأَنَّهُمَا لَمْ يَكُونَا بِالْحِجَازِ قُوتًا كَمَا عَلِمْتُ وَإِنَّمَا كَانَا فَاكِهَةً
وَلَا زَكَاةَ فِي الْفَوَاكِهِ وَلَا فِي الْبُقُولِ كُلِّهَا وَلَا فِي الْكُرْسُفِ وَلَا الْقِثَّاءِ وَالْبِطِّيخِ لِأَنَّهَا فَاكِهَةٌ وَلَا فِي الرُّمَّانِ وَالْفِرْسِكِ وَلَا فِي شَيْءٍ مِنَ الثِّمَارِ غَيْرَ التَّمْرِ وَالْعِنَبِ
قَالَ وَالزَّيْتُونُ إِدَامٌ مَأْكُولٌ بِنَفْسِهِ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا قَوْلُهُ بِمِصْرَ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ فِي الزَّيْتُونِ وَلَهُ قَوْلٌ آخَرُ قَدْ ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ كَانَ يَقُولُهُ بِبَغْدَادَ قَبْلَ نُزُولِهِ مِصْرَ
وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَأَبِي ثَوْرٍ فِي هَذَا الْبَابِ كُلِّهِ مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ الْمِصْرِيِّ وَيُرَاعُونَ فِيمَا يَرَوْنَ فِيهِ الزَّكَاةَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالسُّلْتِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَالْأُرْزِ وَالسِّمْسِمِ وَسَائِرِ الْحُبُوبِ
وَأَمَّا الْخُضَرُ كُلُّهَا وَالْفَوَاكِهُ الَّتِي لَيْسَتْ لَهَا ثَمَرَةٌ بَاقِيَةٌ كَالْبِطِّيخِ فَإِنَّهُ لَا عُشْرَ فِيهَا وَلَا نِصْفَ عُشْرٍ وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ يُرْفَعَ فِي أَرْضِ عُشْرٍ دُونَ أَرْضِ خَرَاجٍ
وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ يَرَى الزَّكَاةَ فِي الْقِطْرِ وَفِي الزَّعْفَرَانِ وَالْوَرْسِ وَالْعُصْفُرِ وَالْكِتَّانِ وَيُعْتَبَرُ فِي الْعُصْفُرِ وَالْكَتَّانِ الْبَذْرُ فَإِذَا بَلَغَ قَدْرُهُمَا مِنَ الْقُرْطُمِ وَالْكِتَّانِ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ كَانَ الْعُصْفُرُ وَالْكِتَّانُ تَبَعًا لِلْبَذْرِ مَا وُجِدَ الْعُشْرُ أَوْ نِصْفُ الْعُشْرِ
وَأَمَّا الْقُطْنُ فَلَيْسَ عِنْدَهُ فِي خَمْسَةِ أَحْمَالٍ مِنْهُ شَيْءٌ وَالْحِمْلُ ثَلَاثُمِائَةٍ مِنَ الْعِرَاقِيِّ وَالْوَرْسُ وَالزَّعْفَرَانُ لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَمْنَانٍ مِنْهُمَا شَيْءٌ فَإِذَا بَلَغَ أَحَدُهُمَا خَمْسَةَ أَمِنَانٍ كَانَتْ فِيهِ الصَّدَقَةُ عُشْرًا وَنِصْفَ عُشْرٍ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ فِي الْفَوَاكِهِ كُلِّهَا الرُّمَّانِ وَالزَّيْتُونِ وَالْفِرْسِكِ وَكُلِّ ثَمَرَةٍ وَكَذَلِكَ كَلُّ مَا تُخْرِجُ الْأَرْضُ وَتُنْبِتُ مِنَ الْبُقُولِ وَالْخُضَرِ كُلِّهَا وَالثِّمَارِ إِلَّا الْقَصَبَ وَالْحَطَبَ وَالْحَشِيشَ
وَحُجَّتُهُ قَوْلُ اللَّهِ (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كلوا من ثمره إذا أثمر وءاتوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) الْأَنْعَامِ ١٤١
قَالَ وَحَقُّهُ الزَّكَاةُ
وَمِنْ حُجَّتِهِ أَيْضًا قَوْلُهُ ﷺ فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْبَعْلِ الْعُشْرُ الْحَدِيثَ
стр. 1294
وَلَا يُرَاعِي أَبُو حَنِيفَةَ إِلَّا خَمْسَةَ الْأَوْسُقِ مِنْ غَيْرِ الْحُبُوبِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ بَلْ يَرَى فِي كُلِّ شَيْءٍ عُشْرَهُ حَتَّى فِي عَشْرِ قبضان مِنَ الْبَقْلِ قَبَضَةٌ
وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ
وَاخْتَلَفُوا فِي الْعِنَبِ الَّذِي لَا يُزَبِّبُ وَالرُّطَبِ الَّذِي لَا يُتْمِرُ
وَقَالَ مَالِكٌ فِي عِنَبِ مِصْرَ لَا يَتَزَبَّبُ وَنَخِيلِ مِصْرَ لَا يُتْمِرُ وَزَيْتُونِ مِصْرَ لَا يُعْصَرُ يَنْظُرُ إِلَى مَا يَرَى أَنَّهُ يَبْلُغُ خَمَسَةَ أَوْسُقٍ وَأَكْثَرَ فَيُزَكِّي ثَمَنَ مَا بَاعَ مِنْ ذَلِكَ بِذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ وَبَلَغَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ أَوْ عِشْرِينَ دِينَارًا أَوْ لَمْ يَبْلُغْ إِذَا بَلَغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ
قَالَ مَالِكٌ وَكَذَلِكَ الْعِنَبُ الَّذِي لَا يُخْرَصُ عَلَى أَهْلِهِ وَإِنَّمَا يَبِيعُونَهُ عَنْهُ كُلَّ يَوْمٍ فِي السُّوقِ حَتَّى يَجْتَمِعَ مِنْ ثَمَنِ مَا بَاعَ مِنْ ذَلِكَ الشَّيْءُ الْكَثِيرُ فَإِنَّهُ يُخْرِجُ مِنْ ذَلِكَ الْعُشْرَ أو نضف الْعُشْرِ إِذَا كَانَ فِيهِ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إِذَا كَانَ النَّخْلُ يَأْكُلُهُ أَهْلُهُ رُطَبًا أَوْ يُطْعِمُونَهُ فَإِنْ كَانَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ وَأَكَلُوهُ أَوْ أَطْعَمُوُهُ ضَمِنُوا عُشْرَهُ أَوْ نِصْفَ عُشْرِهِ مِنْ وَسَطِهِ تَمْرًا
قَالَ فَإِنْ كَانَ النَّخْلُ لَا يَكُونُ رُطَبُهُ تَمْرًا أَحْبَبْتُ أَنْ يَعْلَمَ ذَلِكَ الْوَالِي لِيَأْمُرَ مَنْ يَبِيعُ عُشْرَهُ رُطَبًا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ خَرَصَهُ ثُمَّ صَدَقَ رَبَّهُ بِمَا بَلَغَ رُطَبُهُ وَأَخَذَ عُشْرَ الرُّطَبِ ثَمَنًا
(٢٣ - بابُ صَدَقَةِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ وَالْعَسَلِ)
أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنْ لَا زَكَاةَ عَلَى أَحَدٍ فِي رَقِيقِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ اشْتَرَاهُمْ لِلتِّجَارَةِ فَإِنِ اشْتَرَاهُمْ لِلْقِنْيَةِ فَلَا زَكَاةَ فِي شَيْءٍ مِنْهُمْ
وَقْدَ مَضَى الْقَوْلُ فِي زَكَاةِ الْعُرُوضِ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
٥٦٨ - رَوَى مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ سليمان بْنِ يَسَارٍ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فِي فَرَسِهِ صَدَقَةٌ
стр. 1295
هَكَذَا هَذَا الْحَدِيثُ لِسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ
وَفِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَالِكٍ وَهْمٌ وَخَطَأٌ وَهُوَ خَطَأٌ غَيْرُ مُشْكِلٍ لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَيْهِ فِي الرِّضَاعِ وَلَا غَيْرِهِ لِظُهُورِ الْوَهْمِ فِيهِ وَذَكَرَ أَنَّهُ قَالَ فِيهِ وَعَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ فَأَدْخَلَ فِيهِ الْوَاوَ وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ الرَّضَاعِ فَلَمْ يَلْتَفِتْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْفَهْمِ إِلَى ذَلِكَ
وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ مِنْ نَقْلِ الْأَئِمَّةِ الْحُفَّاظِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بَنَ يَسَارٍ عَنْ عِرَاكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
وَهَكَذَا رَوَاهُ الْحُفَّاظُ الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ
وَقَدْ زَادَ فِيهِ بَعْضُ رُوَاتِهِ إِلَّا صَدَقَةَ الْفِطْرِ وَسَتَأْتِي زَكَاةُ الْفِطْرِ عَنِ الْعَبِيدِ فِي بَابِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
٥٦٩ - وَأَمَّا حَدِيثُ مَالِكٍ عَنْ بن شهاب عن سليمان بْنِ يَسَارٍ أَنَّ أَهْلَ الشَّامِ قَالُوا لِأَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحَ خُذْ مِنْ خَيْلِنَا وَرَقِيقِنَا صَدَقَةً فَأَبَى ثُمَّ كَلَّمُوهُ أَيْضًا فَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ إِنْ أَحَبُّوا فَخُذْهَا منهم وارددها عليهم وارزق رقيقهم
ففي إباء إياه أبي عبيدة وعمر في الأخذ من أهل الشام ما ذكروا عن رقيقهم وخيلهم دلالة واضحة أنه لا زكاة في الرقيق ولا في الخيل ولو كانت الزكاة واجبة في ذلك ما امتنعا من أخذ ما أوجب الله عليهم أخذه لأهله ووضعه فيهم فلما ألحوا على أبي عبيدة في ذلك وألح أبو عبيدة على عمر استشار الناس في أمرها فرأى أن أخذها منهم عمل صالح له ولهم على ما شرط أن يردها عليهم يعني على فقرائهم
ومعنى قوله وارزق رقيقهم يعني الفقير منهم والله أعلم وقيل في معنى وارزق رقيقهم عبيدهم وإماءهم أي ارزقهم من بيت المال
واحتج قائلو هذا القول بأن أبا بكر الصديق كان يقرض للسيد وعبده من الفيء وكان عمر يقرض للسيد وللعبد وسلك سبيلهما في ذلك الخليفة بعدهما
وهذا الحديث يعارض ما روي عن عمر في زكاة الخيل وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ أَوْجَبَ الزَّكَاةَ فِي الْخَيْلِ إِلَّا أَبَا حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ أوجبها في الخيل السائمة
стр. 1296
فقال إذا كانت ذكورا وإناثا ففيها الصدقة في كل فرس وإن شاء قومها وأعطى من كل مائتي درهم خمسة دراهم
وحجته ما يروى عن عمر في ذلك
ذكر عبد الرحمن عن بن جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّ جبير بن يعلى أخبره أنه سمع بن يعلى بن أمية يقول ابتاع عبد الرحمن بن أمية أخو يعلى بن أمية من رجل من أهل اليمن فرسا أنثى بمائة قلوص فندم البائع فلحق بعمر فقال غصبني يعلى وأخوه فرسا لي فكتب عمر إلى يعلى أن الحق بي فأتاه فأخبره الخبر فقال عمر إن الخيل لتبلغ هذا عندكم! فقال ما علمت فرسا قبل هذا بلغ هذا فقال عمر نأخذ من أربعين شاة شاة ولا نأخذ من الخيل شيئا! خذ من كل فرس دينارا فضرب على الخيل دينارا دينارا
وحديث مالك المتقدم ذكره يرد هذا ويعارضه بسقط الحجة بهما
والحجة الثانية عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قوله لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صدقة
ومن حجة أبي حنيفة أيضا ما رواه عبد الرزاق عن بن جريج قال أخبرني بن أبي حسين أن بن شهاب أخبره أن عثمان كان يصدق الخيل وأن السائب بن يزيد أخبره أنه كان يأتي عمر بن الخطاب بصدقة الخيل
قال بن شهاب لم أَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سن صدقة الخيل
قال أبو عمر قد روى جويرية عن مالك فيه حديثا صحيحا ذكره الدارقطني عن أبي بكر الشافعي عن معاذ بن المثنى عن عبد الله بن محمد بن أسمى عن جويرية عن مالك عن الزهري أن السائب بن يزيد أخبره قال لقد رأيت أبي يقيم الخيل ثم يرفع صدقتها إلى عمر
وذكر إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا بن أَخِي جُوَيْرِيَةَ قَالَ حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ أن السائب بن يزيد أخبره قال رأيت أبي يقيم الخيل ثم يرفع صدقتها إلى عمر
стр. 1297
قال أبو عمر هذا يمكن أن يكون خاصا بالخيل لللتجارة والحجة قائمة لما قدمنا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فرسه صدقة
وحديث عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قال قد عفوت عنكم عن صدقة الخيل والرقيق
وقال علي وبن عمر لا صدقة في الخيل
وإذا كان الخلاف بين الصحابة في مسألة وكانت السنة في أحد القولين كانت الحجة فيه
على أن عمر قد اختلف عنه فيه ولم يختلف عن علي وبن عمر في ذلك
وهو قول سعيد بن المسيب
٥٧٠ - ذَكَرَ مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ قَالَ سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ عَنْ صَدَقَةِ الْبَرَاذِينِ فَقَالَ وَهَلْ فِي الْخَيْلِ مِنْ صَدَقَةٍ
وَالدَّلِيلُ عَلَى ضَعْفِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِيهَا أَنَّهُ يَرَى الزَّكَاةَ فِي السَّائِمَةِ مِنْهَا ثُمَّ يَقُوِّمُوهَا وَلَيْسَتْ هَذِهِ سُنَّةَ زَكَاةِ الْمَاشِيَةِ السَّائِمَةِ
وَقَدْ جَاءَ بَعْدَهُ صَاحِبَاهُ فِي ذَلِكَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ فَقَالَا لَا زَكَاةَ فِي الْخَيْلِ سَائِمَةٍ وَغَيْرِهَا
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ وَالشَّافِعِيِّ وَسَائِرِ الْعُلَمَاءِ
وَمِنْ حُجَّةِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَنْ رَأَى الصَّدَقَةَ فِي الْخَيْلِ ما رواه بن عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّ عُمَرَ أَمَرَ أَنْ يُؤْخَذَ عَنِ الْفَرَسِ شاتان أو عشرون درهما
رواه الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْهُ
وَأَمَّا الْعَسَلُ فَالِاخْتِلَافُ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِ بِالْمَدِينَةِ مَعْلُومٌ
стр. 1298
ذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ بْنِ أَخِي جُوَيْرِيَةَ بْنِ أَسْمَاءَ قَالَ حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ صَدَقَةَ الْعَسَلِ الْعُشْرُ وَأَنَّ صَدَقَةَ الزَّيْتِ مِثْلُ ذَلِكَ
وَمِمَّنْ قَالَ بِإِيجَابِ الزَّكَاةِ فِي الْعَسَلِ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وأصحابه وهو قول ربيعة وبن شِهَابٍ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ
إِلَّا أَنَّ الْكُوفِيِّينَ لَا يَرَوْنَ فِيهِ الزَّكَاةَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي أَرْضِ الْعُشْرِ دُونَ أَرْضِ الْخَرَاجِ
وَرَوَى بن وهب عن يونس عن بن شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ بَلَغَنِي أَنَّ فِي الْعَسَلِ الْعُشْرَ
قَالَ وَهْبٌ وَأَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ الْحَارِثِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَرَبِيعَةَ بِمِثْلِ ذَلِكَ
قَالَ يَحْيَى إِنَّهُ سَمِعَ مَنْ أَدْرَكَ يَقُولُ مَضَتِ السُّنَّةُ بِأَنَّ فِي الْعَسَلِ الْعُشْرَ
وَهُوَ قول بن وَهْبٍ
وَأَمَّا مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ وَالشَّافِعِيُّ فَلَا زَكَاةَ عِنْدَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْعَسَلِ
وَضَعَّفَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ الْحَدِيثَ الْمَرْفُوعَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَخَذَ مِنْهُ الْعُشْرَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هُوَ حَدِيثٌ يَرْوِيهِ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ مِنْ عَشْرِ قِرَبٍ قِرْبَةٌ
وَيَرْوِي أَبُو سَيَّارَةَ الْمُتْعِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَعْنَاهُ
فَأَمَّا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شعيب فهو حديث حسن رواه بن وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جده أَنَّ فُقَرَاءَ مَنْ بَنِي سَيَّارَةَ بَطْنٍ مَنْ فَهْمٍ كَانُوا يُؤَدُّونَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ نَحْلِهِمْ مِنْ كُلِّ عَشَرَةِ قِرَبٍ قِرْبَةً وَجَاءَ هِلَالٌ - أَحَدُ بَنِي متعان - إلى رسول الله بِعُشْرِ نَحْلٍ لَهُ وَسَأَلَهُ أَنْ يَحْمِيَ وَادِيًا لَهُ فَحَمَاهُ لَهُ فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ اسْتَعْمَلَ عَلَى ذَلِكَ سُفْيَانَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيَّ فَأَبَوْا أَنْ يُؤَدُّوا إِلَيْهِ شَيْئًا وَقَالُوا إِنَّمَا كُنَّا نُؤَدِّيهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَتَبَ سُفْيَانُ إِلَى عُمَرَ بِذَلِكَ فَكَتَبَ عُمَرُ إِنَّمَا النَّحْلُ ذُبَابُ غَيْثٍ يَسُوقُهُ اللَّهُ إِلَى مَنْ شَاءَ فَإِنْ أَدَّوْا إِلَيْكَ مَا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاحِمِ لَهُمْ بِوَادِيهِمْ وَإِلَّا
стр. 1299
فَخَلِّ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَهُ قَالَ فَأَدُّوا إِلَيْهِ مَا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَحَمَى لَهُمْ بِوَادِيهِمْ
وَذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ بِمَعْنَاهُ
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَيَّارَةَ الْمُتْعِيِّ فَإِنَّهُ يَرْوِيهِ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى عَنْ أَبِي سيارة المتعي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَمَرَ أَنْ يُؤْخَذَ مِنَ الْعَسَلِ الْعُشْرُ
كَانَ حَدِيثًا مُنْقَطِعًا لَمْ يَسْمَعْ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى مِنْ أَبِي سَيَّارَةَ وَلَا يُعْرَفُ أَبُو سَيَّارَةَ هَذَا وَلَا تَقُومُ بِمِثْلِهِ حُجَّةٌ
(٢٤ - بَابُ جِزْيَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوسِ)
٥٧٢ - ذَكَرَ فِيهِ مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ الْبَحْرَيْنِ
وَأَنَّ عُمَرَ أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ فَارِسَ
وَأَنَّ عُثْمَانَ أَخَذَهَا مِنَ الْبَرْبَرِ
هَكَذَا هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْمُوَطَّأِ عِنْدَ جَمَاعَةِ رُوَاتِهِ وَكَذَلِكَ معمر عن بن شِهَابٍ وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ بن شهاب عن السائب بن يزيد ورواه بن وهب عن يونس عنه بن شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا بِأَسَانِيدِهَا فِي التَّمْهِيدِ
٥٧٣ - وَذَكَرَ مَالِكٌ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ذَكَرَ الْمَجُوسَ فَقَالَ مَا أَدْرِي كَيْفَ أَصْنَعُ فِي أَمْرِهِمْ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ
وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ رَوَاهُ أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ
стр. 1300
أبيه عن جده وهو أيضا منقطع والصحيح عن مالك مَا فِي الْمُوَطَّأِ
وَفِي حَدِيثِ جَعْفَرٍ مِنَ الفقه أن الخبر الْعَالِمَ قَدْ يَجْهَلُ مَا يَجِدُ عِنْدَ مَنْ هُوَ دُونَهُ فِي الْعِلْمِ
وَفِيهِ انْقِيَادُ الْعَالِمِ إِلَى الْعِلْمِ حَيْثُ كَانَ
وَفِيهِ إِيجَابُ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ سُنُّوَا فِيهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فَهُوَ مِنَ الْكَلَامِ الْخَارِجِ مَخْرَجَ الْعُمُومِ وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْخُصُوصُ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي الْجِزْيَةِ لَا فِي نِكَاحِ نِسَائِهِمْ وَلَا فِي أَكْلِ ذَبَائِحِهِمْ
وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ إِلَّا شَيْءٌ يُرْوَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ لَمْ يَرَ بِذَبْحِ الْمَجُوسِ لِشَاةِ الْمُسْلِمِ إذا أمره المسلم بذبحا بَأْسًا وَالنَّاسُ عَلَى خِلَافِهِ
وَالْمَعْنَى عِنْدَ طَائِفَةٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ أَنَّ أَخْذَ الْجِزْيَةِ صَغَارٌ لَهُمْ وَذِلَّةٌ لِكُفْرِهِمْ وَقَدْ سَاوَوْا أَهْلَ الْكِتَابِ فِي الْكُفْرِ بَلْ هُمْ أَشَدُّ كُفْرًا فَوَجَبَ أَنْ يَجْرُوا مَجْرَاهُمْ فِي الذُّلِّ وَالصَّغَارِ لِأَنَّ الْجِزْيَةَ لَمْ تُؤْخَذْ مِنَ الْكِتَابِيِّينَ رِفْقًا بهم وإنما مِنْهُمْ تَقْوِيَةً لِلْمُسْلِمِينَ وَذُلًّا لِلْكَافِرِينَ
وَلَيْسَ نِكَاحُ نِسَائِهِمْ وَلَا أَكْلُ ذَبَائِحِهِمْ مِنْ هَذَا الْبَابِ لِأَنَّ ذَلِكَ مَكْرُمَةٌ بِالْكِتَابِيِّينَ لِمَوْضِعِ كِتَابِهِمْ وَاتِّبَاعِهِمُ الرسل ﵈ فلم يجز أن يحلق بِهِمْ مَنْ لَا كِتَابَ لَهُ فِي هَذِهِ الْمَكْرُمَةِ
هَذِهِ جُمْلَةٌ اعْتَلَّ بِهَا أَصْحَابُ مَالِكٍ وَغَيْرُهُمْ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الْجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنَ الْمَجُوسِ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ وَمِنْ مَجُوسِ هَجَرَ وَفَعَلَهُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلَيٍّ ﵃
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَمَنْ لَا كِتَابَ لَهُ هَلْ تُؤْخَذُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ أَمْ لَا
فَقَالَ مَالِكٌ تُقْبَلُ الْجِزْيَةُ مِنْ جميع الكفار عربا كانوا أو عجما لقوله اللَّهِ (مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) التَّوْبَةِ ٢٩
قَالَ وَتُقْبَلُ مِنَ الْمَجُوسِ بِالسُّنَّةِ
وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَأَبِي ثَوْرِ وَأَحْمَدَ وَدَاوُدَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وُهْبٍ
следующие страницы →