Полный текст (4 158 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
٦٤٨ - وَذَكَرَ مَالِكٌ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ سَمِعَ أَهْلَ الْعِلْمِ لَا يَكْرَهُونَ السِّوَاكَ لِلصَّائِمِ فِي رَمَضَانَ فِي سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ النَّهَارِ لَا فِي أَوَّلِهِ وَلَا فِي آخِرِهِ وَلَمْ أَسْمَعْ أحدا من أهل العلم يكره ذَلِكَ وَلَا يَنْهَى عَنْهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي السِّوَاكِ لِلصَّائِمِ
فَرَخَّصَ فِيهِ مالك وأبو حنيفة وأصحابهما والثوري والأوزاعي وبن عُلَيَّةَ
وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ
وَرِوَايَةُ الرُّخْصَةِ فِيهِ أَيْضًا عن عمر وبن عَبَّاسٍ
وَحُجَّةُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا قَوْلُهُ ﵇ لَوْلَا أَنَّ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَلَمْ يَخُصَّ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِهِ وَلَا خَصَّ مِنَ السِّوَاكِ نَوْعًا رَطْبًا وَلَا يَابِسًا وَلَا صَدْرَ النَّهَارِ وَلَا آخِرَهُ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ ﵇ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَاكُ وَهُوَ صَائِمٌ
وَرُوِيَ عَنْهُ ﵇ أَنَّهُ قَالَ أَفْضَلُ خِصَالِ الصَّائِمِ لِلصَّائِمِ السِّوَاكُ
وَكَانَ مَالِكٌ ﵀ يَكْرَهُ السِّوَاكَ الرَّطْبَ لِلصَّائِمِ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ وَآخِرِهِ
وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ زِيَادِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مَيْسَرَةَ وَالشَّعْبِيِّ وَالْحَكَمِ بْنِ عتيبة
وَرَخَّصَ فِي السِّوَاكِ الرَّطْبِ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَأَبُو ثَوْرٍ
وَهُوَ قَوْلُ مجاهد وإبراهيم وعطاء وبن سيرين وروي ذلك عن بن عمر
وقال بن عُلَيَّةَ السِّوَاكُ سُنَّةُ الصَّائِمِ وَالْمُفْطِرِ وَالرَّطْبُ وَالْيَابِسُ سَوَاءٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَأْكُولٍ وَلَا مَشْرُوبٍ
стр. 1437
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ أُحِبُّ السِّوَاكَ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَعِنْدَ تَغْيِيرِ الْفَمِ إِلَّا أَنِّي أَكْرَهُهُ لِلصَّائِمِ آخِرَ النَّهَارِ وَمِنْ أَجْلِ الْحَدِيثِ فِي خُلُوفِ فَمِ الصَّائِمِ
وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَأَبُو ثَوْرٍ
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ
وَذَكَرَ مَالِكٌ فِي صِيَامِ سِتَّةِ أَيَّامٍ بَعْدَ الْفِطْرِ أَنَّهُ لَمْ يَرَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ يَصُومُهَا
قَالَ وَلَمْ يَبْلُغْنِي ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ وَإِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ يَكْرَهُونَ ذَلِكَ وَيَخَافُونَ بِدْعَتَهُ وَأَنْ يُلْحِقَ بِرَمَضَانَ مَا لَيْسَ مِنْهُ أَهْلُ الْجَهَالَةِ وَالْجَفَاءِ لَوْ رَأَوْا فِي ذَلِكَ رُخْصَةً عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَرَأَوْهُمْ يَعْمَلُونَ ذَلِكَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ فِي هَذَا الْمَعْنَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حديث انْفَرَدَ بِهِ عُمَرُ بْنُ ثَابِتٍ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ فَكَأَنَّهُ صَامَ الدَّهْرَ
أَخْبَرَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ
وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ أَخْبَرَنَا خَلَّادُ بْنُ أَسْلَمَ قَالَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ وَسَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ صَاحِبِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ من صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَرَوِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ فَكَأَنَّمَا صَامَ السَّنَةَ كُلَّهَا
هَكَذَا ذَكَرَهُ مَوْقُوفًا عَلَى أَبِي أَيُّوبَ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ ثَابِتٍ بِإِسْنَادِهِ مثله موقوفا
стр. 1438
قَالَ أَبُو عُمَرَ انْفَرَدَ بِهَذَا الْحَدِيثِ عُمَرُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ وَهُوَ مِنْ ثِقَاتِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ عُمَرُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ سَمِعَ أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ رَوَى عَنْهُ الزُّهْرِيُّ وَصَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَسَعْدٌ وَعَبْدُ رَبِّهِ ابْنَا سَعِيدٍ
وَحَدِيثُ ثَوْبَانَ يُعَضِّدُ حَدِيثَ عُمَرَ بْنِ ثَابِتٍ هَذَا
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ سَابُورَ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ الْحَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو أَسْمَاءَ الرَّحَبِيُّ عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ جَعَلَ اللَّهُ الْحَسَنَةَ بِعَشْرٍ فَشَهْرُ رَمَضَانَ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ وَسِتَّةُ أَيَّامٍ بَعْدَ الْفِطْرِ تَمَامُ السَّنَةِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَمْ يَبْلُغْ مَالِكًا حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ عَلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ مَدَنِيٌّ وَالْإِحَاطَةُ بِعِلْمِ الْخَاصَّةِ لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ وَالَّذِي كَرِهَهُ لَهُ مَالِكٌ أَمْرٌ قَدْ بَيَّنَهُ وَأَوْضَحَهُ وَذَلِكَ خَشْيَةَ أَنْ يُضَافَ إِلَى فَرْضِ رَمَضَانَ وَأَنْ يَسْتَبِينَ ذَلِكَ إِلَى الْعَامَّةِ وَكَانَ ﵀ مُتَحَفِّظًا كَثِيرَ الِاحْتِيَاطِ لِلدِّينِ
وَأَمَّا صِيَامُ السِّتَّةِ الْأَيَّامِ مِنْ شَوَّالٍ عَلَى طَلَبِ الْفَضْلِ وَعَلَى التَّأْوِيلِ الَّذِي جَاءَ بِهِ ثَوْبَانُ ﵁ فَإِنَّ مَالِكًا لَا يَكْرَهُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لِأَنَّ الصَّوْمَ جُنَّةٌ وَفَضْلُهُ مَعْلُومٌ لِمَنْ رَدَّ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ لِلَّهِ تَعَالَى وَهُوَ عَمَلُ بِرٍّ وَخَيْرٍ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ (وَافْعَلُوا الْخَيْرَ) الْحَجِّ ٧٧ وَمَالِكٌ لَا يَجْهَلُ شَيْئًا مِنْ هَذَا وَلَمْ يَكْرَهْ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَا خَافَهُ عَلَى أَهْلِ الْجَهَالَةِ وَالْجَفَاءِ إِذَا اسْتَمَرَّ ذَلِكَ وَخَشِيَ أَنْ يَعُدُّوهُ مِنْ فَرَائِضِ الصِّيَامِ مُضَافًا إِلَى رَمَضَانَ وَمَا أَظُنُّ مَالِكًا جَهِلَ الْحَدِيثَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِأَنَّهُ حَدِيثٌ مَدَنِيٌّ انْفَرَدَ بِهِ عُمَرُ بْنُ ثَابِتٍ وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ رَوَى عَنْهُ مَالِكٌ وَلَوْلَا عِلْمُهُ بِهِ مَا أَنْكَرَهُ وَأَظُنُّ الشَّيْخَ عُمَرَ بْنَ ثَابِتٍ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِمَّنْ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ وَقَدْ تَرَكَ مَالِكٌ الِاحْتِجَاجَ بِبَعْضِ مَا رَوَاهُ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ إِذَا لَمْ يَثِقْ بِحِفْظِهِ بِبَعْضِ مَا رَوَاهُ وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ جَهِلَ الْحَدِيثَ وَلَوْ عَلِمَهُ لَقَالَ بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَقَالَ مَالِكٌ لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ وَمَنْ يَقْتَدِي بِهِ يَنْهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَصِيَامُهُ حَسَنٌ وَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَصُومُهُ وَأَرَاهُ كَانَ يَتَحَرَّاهُ
стр. 1439
قَالَ أَبُو عُمَرَ اخْتَلَفَتِ الْآثَارِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي صِيَامِ يَوْمِ الجمعة ف روى بن مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ قَالَ وَمَا رَأَيْتُهُ يُفْطِرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهُوَ حديث صحيح
وقد روي عن بن عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُفْطِرًا يَوْمَ جُمُعَةٍ قط
ذكره بن أَبِي شَيْبَةَ عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ عُمَيْرِ بْنِ أبي عمير عن بن عمر
وروي عن بن عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَصُومُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيُوَاظِبُ عَلَيْهِ
وَأَمَّا الَّذِي ذَكَرَهُ مَالِكٌ فَيَقُولُونَ إِنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ وَقِيلَ إِنَّهُ صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي جُشَمَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ صَامَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كُتِبَ لَهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ عَدَدَهُنَّ مِنَ أيام الْآخِرَةِ لَا تُشَاكِلُهُنَّ أَيَّامُ الدُّنْيَا
رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرُهُ عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ
وَأَمَّا الْآثَارِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي النَّهْيِ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَحَدِيثُ جَابِرٍ
عَلَى أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَقَالَ قَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أن يُفْرَدَ بِصَوْمٍ
وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ
فَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ قَالَ حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ أَخْبَرَنَا قتيبة بن سعيد قال حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ شَيْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ قَالَ سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ أَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ قَالَ نَعَمْ وَرَبِّ هَذَا الْبَيْتِ
стр. 1440
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا حَمْزَةُ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ قَالَ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ قال حدثنا يحيى القطان قال حدثنا بن جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ قُلْتُ لِجَابِرٍ أَسَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ يُفْرَدَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ بِصَوْمٍ قَالَ إِي وَرَبِّ الْكَعْبَةِ
هَكَذَا رَوَاهُ فَأَسْقَطَ مِنَ الْإِسْنَادِ عَبْدَ الْحَمِيدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ شَيْبَةَ وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ وَحَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا حَمْزَةُ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ - وَاللَّفْظُ لَهُ - عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الْقَارِئِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ مَا أَنَا نَهَيْتُ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ مُحَمَّدٌ ﷺ وَرَبِّ هَذَا الْبَيْتِ نَهَى عَنْهُ
وَعَلَى هَذَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ إِلَّا أَنْ يُصَامَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ
وَرَوَتْ جُوَيْرِيَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلُ ذَلِكَ
وَهَذِهِ الآثار كلها ذكرها النسائي وأبو داود وبن أَبِي شَيْبَةَ
وَالْأَصْلُ فِي صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَنَّهُ عَمَلُ بِرٍّ لَا يُمْتَنَعُ مِنْهُ إِلَّا بِدَلِيلٍ لَا مُعَارِضَ لَهُ
وَأَمَّا الَّذِينَ كَرِهُوا صِيَامَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَبِشُهُودِ يَوْمِ الْعِيدِ فَلِذَلِكَ كَرِهُوا صَوْمَهُ
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يُفْطِرُهُ لِيَقْوَى عَلَى الصَّلَاةِ ذَلِكَ الْيَوْمَ كَمَا قَالَ بن عُمَرَ لَا يُصَامُ يَوْمُ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ مِنْ أجل القوة على الدعاء
ذكر بن أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ ظَبْيَانَ عَنْ حَكِيمِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ مَنْ كَانَ مِنْكَمْ مُتَطَوِّعًا مِنَ الشَّهْرِ أَيَّامًا فَلْيَكُنْ فِي صَوْمِهِ يوْمُ الْخَمِيسِ وَلَا يَصُومُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ يَوْمُ طَعَامٍ وَشَرَابٍ وَذِكْرٍ فَيَجْمَعُ اللَّهُ يَوْمَيْنِ صَالِحَيْنِ يَوْمَ صِيَامِهِ وَيَوْمَ نُسُكِهِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ
وَذَكَرَهُ الشَّعْبِيُّ وَمُجَاهِدٌ أَنْ يَتَعَمَّدَ يَوْمَ الجمعة بصوم
стр. 1441
وَذُكِرَ عَنْ جَرِيرِ بْنِ مُغِيرَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُمْ كَرِهُوا صَوْمَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِيَقْوَوْا عَلَى الصَّلَاةِ
وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَاصِمٍ عن بن سِيرِينَ قَالَ لَا تَخُصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصَوْمٍ بَيْنَ الْأَيَّامِ وَلَا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ بَيْنَ اللَّيَالِي
وَمِمَّنْ كَرِهَ صَوْمَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ الزُّهْرِيُّ وأحمد وَإِسْحَاقُ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَتَبَيَّنُ لِي أَنَّهُ نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ إِلَّا عَلَى الِاخْتِيَارِ
تَمَّ كِتَابُ الصِّيَامِ بِحَمْدِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ وتأييده ونصره
стр. 1442
(١٩ كتاب الاعتكاف)
(بَابُ ذِكْرِ الِاعْتِكَافِ)
٦٤٩ - ذَكَرَ فِيهِ مَالِكٌ عَنِ بن شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا اعْتَكَفَ يُدْنِي إِلَيَّ رَأْسَهُ فَأُرَجِّلَهُ وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ اخْتِلَافَ أَصْحَابِ مَالِكٍ عَلَيْهِ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ وَمَتْنِهِ واختلاف أصحاب بن شِهَابٍ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ أَيْضًا وَبَيَّنَّا ذَلِكَ كُلَّهُ هُنَالِكَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
وَأَمَّا الِاعْتِكَافُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ فَهُوَ الْقِيَامُ عَلَى الشَّيْءِ وَالْمُوَاظَبَةُ عَلَيْهِ وَالْمُلَازَمَةُ لَهُ
وَأَمَّا فِي الشَّرِيعَةِ فَمَعْنَاهُ الْإِقَامَةُ عَلَى الطَّاعَةِ وَعَمَلِ الْبِرِّ عَلَى حَسَبِ مَا وَرَدَ مِنْ سُنَنِ الِاعْتِكَافِ
فَمَا أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الِاعْتِكَافَ جَائِزٌ الدَّهْرَ كُلَّهُ إِلَّا الْأَيَّامَ الَّتِي نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صِيَامِهَا فَإِنَّهَا مَوْضِعُ اخْتِلَافٍ لِاخْتِلَافِهِمْ فِي جَوَازِ الِاعْتِكَافِ بغير صوم
стр. 1443
وَأَجْمَعُوا أَنَّ سُنَّةَ الِاعْتِكَافِ الْمَنْدُوبِ إِلَيْهَا شَهْرُ رَمَضَانَ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ وَأَنَّهُ جَائِزٌ فِي السَّنَةِ كُلِّهَا إِلَّا مَا ذَكَرْنَا
وَأَجْمَعُوا أَنَّ الِاعْتِكَافَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ يَعْنِي فِي الْبَقَرَةِ ١٨٧
فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْآيَةَ خَرَجَتْ عَلَى نَوْعٍ مِنَ الْمَسَاجِدِ وَإِنْ كَانَ لَفْظُهُ الْعُمُومَ فَقَالُوا لَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي مَسْجِدِ نَبِيٍّ كَالْكَعْبَةِ أَوْ مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ أَوْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَا غَيْرِ
وَرُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ
وَمِنْ حُجَّتِهِمَا أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فِي مَسْجِدِهِ وَكَانَ الْقَصْدُ وَالْإِشَارَةُ إِلَى نَوْعِ ذَلِكَ الْمَسْجِدِ مِمَّا بَنَاهُ نَبِيٌّ
وَقَالَ آخَرُونَ لَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ تُجْمَعُ فِيهِ الْجُمُعَةُ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ فِي الْآيَاتِ عِنْدَهُمْ إِلَى ذَلِكَ الْجِنْسِ مِنَ الْمَسَاجِدِ
رُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وبن مَسْعُودٍ وَبِهِ قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَالْحَكَمُ بن عيينة وَحَمَّادٌ وَالزُّهْرِيُّ وَأَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ مَالِكٍ
وَقَالَ آخَرُونَ الِاعْتِكَافُ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ جَائِزٌ
رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَأَبِي قِلَابَةَ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَهَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَأَبِي الْأَحْوَصِ وَالشَّعْبِيِّ
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ مَالِكٍ وَبِهِ يقول بن عُلَيَّةَ وَدَاوُدُ وَالطَّبَرِيُّ
وَحُجَّتُهُمْ حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى عُمُومِهَا فِي كُلِّ مَسْجِدٍ
٦٥٠ - وَقَالَ مَالِكٌ فِي الموطأ أنه سأل بن شِهَابٍ عَنِ الرَّجُلِ يَعْتَكِفُ هَلْ يَدْخُلُ لِحَاجَتِهِ تَحْتَ سَقْفٍ فَقَالَ نَعَمْ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ
قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ عِنْدَنَا الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ الِاعْتِكَافُ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ يُجَمَّعُ فِيهِ وَلَا أَرَاهُ كَرِهَ الِاعْتِكَافَ في المساجد التي لا يجمع فيها وإلا كَرَاهِيَةَ أَنْ يَخْرُجَ الْمُعْتَكِفُ مِنْ مَسْجِدِهِ الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ إِلَى الْجُمُعَةِ أَوْ يَدَعَهَا فَإِنْ كان
стр. 1444
مَسْجِدًا لَا يُجَمَّعُ فِيهِ الْجُمُعَةُ وَلَا يَجِبُ عَلَى صَاحِبِهِ إِتْيَانُ الْجُمُعَةِ فِي مَسْجِدٍ سِوَاهُ فَإِنِّي لَا أَرَى بَأْسًا بِالِاعْتِكَافِ فِيهِ لِأَنَّ اللَّهَ ﵎ قَالَ (وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) الْبَقَرَةِ ١٨٧ فَعَمَّ اللَّهُ الْمَسَاجِدَ كُلَّهَا وَلَمْ يَخُصَّ شَيْئًا مِنْهَا
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يُعْتَكَفُ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ إِلَّا مِنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْمَسْجِدِ قَالَ وَالِاعْتِكَافُ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ أَحَبُّ إِلَيَّ
قَالَ وَيَعْتَكِفُ الْمُسَافِرُ وَالْعَبْدُ وَالْمَرْأَةُ حيث شاؤوا ولا اعتكاف إلا في مسجد
وذكر بن عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ لَا يَعْتَكِفُ أَحَدٌ إِلَّا فِي رِحَابِ الْمَسْجِدِ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا الصَّلَاةُ
وَاخْتَلَفُوا فِي مَكَانِ اعْتِكَافِ النِّسَاءِ فَ قَالَ الشَّافِعِيُّ مَا قَدَّمْنَا عَنْهُ
وَقَالَ مَالِكٌ تَعْتَكِفُ الْمَرْأَةُ فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ وَلَا يُعْجِبُهُ اعْتِكَافُهَا فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا
وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ لَا تَعْتَكِفُ الْمَرْأَةُ إِلَّا فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا وَلَا تَعْتَكِفُ فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ
وَسَنَزِيدُ هَذَا بَيَانًا فِي بَابِ قَضَاءِ الِاعْتِكَافِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَهُنَاكَ ذَكَرَ مَالِكٌ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ فِي تَرْجِيلِ عَائِشَةَ شَعْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْيَدَيْنِ مِنَ الْمَرْأَةِ لَيْسَتَا بِعَوْرَةٍ وَلَوْ كَانَتَا عَوْرَةً لَمْ تُبَاشِرْهُ بِهِمَا فِي اعْتِكَافِهِ لِأَنَ الْمُعْتَكِفَ مَنْهِيٌّ عَنِ الْمُبَاشَرَةِ
قَالَ اللَّهُ (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) الْبَقَرَةِ ١٨٧
وَيَدُلُّكَ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّهَا تُنْهَى فِي الْإِحْرَامِ عَنْ لِبَاسِ الْقُفَّازَيْنِ وَتُؤْمَرُ بِسَتْرِ مَا عَدَا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا وَهَكَذَا حُكْمُهَا فِي الصَّلَاةِ تَكْشِفُ وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا
وَقَدْ مَضَى ذِكْرُ مَا هُوَ عَوْرَةٌ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ
وَقَدْ رَوَى تَمِيمُ بْنُ سَلَمَةَ وَهِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُدْنِي إِلَيَّ رَأْسَهُ وَهُوَ مُجَاوِرٌ وَأَنَا فِي حُجْرَتِي فَأُرَجِّلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ
стр. 1445
وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَائِضَ طَاهِرٌ غَيْرُ نَجِسَةٍ إِلَّا مَوْضِعَ النَّجَاسَةِ مِنْهَا
وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى مُجَوَّدًا فِي بَابِ الْحَيْضِ
وَأَمَّا قَوْلُهَا وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ تَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَكِفَ لَا يَشْتَغِلُ بِغَيْرِ مُلَازَمَةِ الْمَسْجِدِ لِلصَّلَوَاتِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَذِكْرِ اللَّهِ أَوِ السُّكُوتِ فَفِيهِ سَلَامَةٌ وَلَا يَخْرُجُ مِنَ الْمَسْجِدِ إِلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ كُلُّ مَا لَا غِنَى بِالْإِنْسَانِ عَنْهُ مِنْ مَنَافِعِهِ وَمَصَالِحِهِ وَمَا لَا يَقْضِيهِ عَنْهُ غَيْرُهُ
وَمَعْنَى تَرْجِيلِ شَعْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اسْتِعْمَالُ كُلِّ مَا كَانَ فِيهِ صَلَاحُ بَدَنِهِ مِنَ الْغِذَاءِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ
وَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ فَإِنَّ الْمُعْتَكِفَ نَاذِرٌ جَاعِلٌ عَلَى نَفْسِهِ الْمَقَامَ فِي الْمَسْجِدِ لِطَاعَةِ اللَّهِ فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِذَلِكَ وَأَنْ لَا يَشْتَغِلَ بِمَا يُلْهِيهِ عَنِ الذِّكْرِ وَالصَّلَاةِ وَلَا يَخْرُجُ إِلَّا لِضَرُورَةٍ كَالْمَرَضِ الْبَيِّنِ وَالْحَيْضِ فِي النِّسَاءِ وَهَذَا فِي مَعْنَى خُرُوجِهِ ﷺ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ لِأَنَّهَا ضَرُورَةٌ
وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُعْتَكِفِ يَخْرُجُ لِعُذْرٍ غَيْرِ ضَرُورَةٍ مِثْلِ أَنْ يَمُوتَ أَبُوهُ أَوِ ابْنُهُ وَلَا يَكُونُ لَهُ مَنْ يَقُومُ بِهِ أَوْ شِرَاءُ طَعَامٍ يُفْطِرُ عَلَيْهِ أَوْ غَسْلُ النَّجَاسَةِ مِنْ ثَوْبِهِ فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ يَبْتَدِئُ اعْتِكَافَهُ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يَبْنِي وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدِي قِيَاسًا عَلَى حاجة الإنسان
٦٥١ - وأما حديثه عن بن شِهَابٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ إِذَا اعْتَكَفَتْ لَا تَسْأَلُ عَنِ الْمَرِيضِ إِلَّا وَهِيَ تَمْشِي لَا تَقِفُ
فَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ عِلَلَ إِسْنَادِهِ لِأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ وَالْقَطَّانَ رَوَيَاهُ عَنْ مَالِكٍ عن بن شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ وَرَوَاهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِ مَالِكٍ كَمَا رَوَاهُ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ لَمْ يَذْكُرُوا عُرْوَةَ وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ
وبين أصحاب بن شِهَابٍ فِيهِ وَفِي الْمُسْنَدِ الَّذِي قَبْلَهُ ضُرُوبٌ مِنَ الِاضْطِرَابِ قَدْ ذَكَرْنَا أَكْثَرَ ذَلِكَ فِي باب بن شِهَابٍ مِنَ التَّمْهِيدِ
وَفِي حَدِيثِهَا هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَرِيضَ لَا يَجُوزُ عِنْدَهَا أَنْ يَعُودَهُ الْمُعْتَكِفُ وَلَا يَخْرُجَ لِعِيَادَتِهِ لَهُ عَنِ اعتكافه
стр. 1446
وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ لَا يَأْتِي الْمُعْتَكِفُ حَاجَةً وَلَا يَخْرُجُ لَهَا وَلَا يُعِينُ أَحَدًا عَلَيْهَا وَلَا يَشْتَغِلُ بِتِجَارَةٍ وَلَا يَعْرِضُ لَهَا وَلَا بأس أن يأمر بمصلحة أهله وبيع ماله وصلاح ضيعته
وقال بن الْقَاسِمِ عَنْهُ لَا يَقُومُ الْمُعْتَكِفُ لِرَجُلٍ يُعَزِّيهِ وَلَا يُهَنِّيهِ وَلَا يَشْهَدُ عَقْدَ نِكَاحٍ يَقُومُ لَهُ مِنْ مَكَانِهِ وَلَا يَشْتَغِلُ بِالْكَلَامِ فِي الْعِلْمِ وَكَتَابَتِهِ وَجَائِزٌ لَهُ مَا خَفَّ مِنَ الشِّرَاءِ
قَالَ فِي مُوَطَّئِهِ وَلَوْ كَانَ الْمُعْتَكِفُ خارجا لحاجة أحد لكان أَحَقُّ مَا يَخْرُجُ إِلَيْهِ عِيَادَةَ الْمَرِيضِ وَالصَّلَاةَ عَلَى الْجَنَائِزِ وَاتِّبَاعَهَا وَلَا يَكُونُ مُعْتَكِفًا حَتَّى يجتنب ما يجتنب المعتكف
٦٥٢ - مالك عن بن شِهَابٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَذْهَبُ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ فِي الْبُيُوتِ
قَالَ مَالِكٌ لَا يَخْرُجُ الْمُعْتَكِفُ مَعَ جِنَازَةِ أبويه
٦٥٣ - وذكر أنه سأل بن شِهَابٍ عَنِ الرَّجُلِ يَعْتَكِفُ هَلْ يَدْخُلُ لِحَاجَتِهِ تَحْتَ سَقْفٍ قَالَ نَعَمْ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَوُ قَوْلُ مَالِكٍ
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِغَالِ الْمُعْتَكِفِ بِالْأُمُورِ الْمُبَاحَةِ أَوِ الْمَنْدُوبِ إِلَيْهَا
فَقَالَ مَالِكٌ مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ يَتَحَدَّثَ وَيَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ فِي الْمَسْجِدِ وَاشْتِغَالُ مَا لَا يَأْثَمُ فِيهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ صَمْتٌ
وَاتَّفَقَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ أَنَّ الْمُعْتَكِفَ لَا يَخْرُجُ مِنْ مَوْضِعِ اعْتِكَافِهِ لِشُهُودِ جِنَازَةٍ وَلَا لِعِيَادَةِ مَرِيضٍ وَلَا يُفَارِقُ مَوْضِعَ اعْتِكَافِهِ إِلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ وَمَعَانِيهِمْ مُتَقَارِبَةٌ جِدًّا فِي هَذَا الْبَابِ
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ الْمُعْتَكِفُ يَعُودُ الْمَرِيضَ وَيَشْهَدُ الْجِنَازَةَ وَالْجُمُعَةَ وَمَا لَا يَحْسُنُ بِهِ أَنْ يَضِيعَ مِنْ أُمُورِهِ وَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ سَقْفٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَمَرُّهُ فِيهِ وَلَا يَجْلِسُ عِنْدَهُ أَهْلُهُ وَلَا يُوصِيهِمْ لِحَاجَةٍ إِلَّا وَهُوَ قَائِمٌ أَوْ مَاشٍ وَلَا يَبِيعُ وَلَا يَشْتَرِي وَإِنْ دَخَلَ تَحْتَ سَقْفٍ بَطُلَ اعْتِكَافُهُ
стр. 1447
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ إِذَا دَخَلَ الْمُعْتَكِفُ بَيْتًا غَيْرَ الْمَسْجِدِ الَّذِي هُوَ فِيهِ أَوْ بَيْتًا لَيْسَ فِي طَرِيقِهِ بَطُلَ اعْتِكَافُهُ وَيَحْضُرُ الْجِنَازَةَ وَيَعُودُ الْمَرِيضَ فِي الْمَسْجِدِ وَيَشْهَدُ الْجُمُعَةَ وَيَخْرُجُ لِلْوُضُوءِ وَيُكْرَهُ أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ مِنَ الْحُجَّةِ لِمَالِكٍ وَمَنْ تَابَعَهُ فِي هَذَا الْبَابِ مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ السُّنَّةُ عَلَى الْمُعْتَكِفِ أَنْ لَا يَعُودَ مَرِيضًا وَلَا يَشْهَدُ جِنَازَةً وَلَا يَمَسُّ امْرَأَةً وَلَا يُبَاشِرُهَا وَلَا يَخْرُجُ إِلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا بِصَوْمٍ وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ جَامِعٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا السُّنَّةُ إِلَّا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ وَلَا يَصِحُّ الْكَلَامُ عِنْدَهُمْ إِلَّا مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ وَبَعْضُهُ مِنْ كَلَامِ عُرْوَةَ
وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ الثَّوْرِيُّ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ الْمُعْتَكِفُ لَا يُجِيبُ دَعْوَةً وَلَا يَعُودُ مَرِيضًا وَلَا يَشْهَدُ جِنَازَةً
وَالْحُجَّةُ لِمَذْهَبِ الثَّوْرِيِّ وَمَنْ تَابَعَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ مَنِ اعْتَكَفَ فَلَا يَرْفُثُ وَلَا يُسَابُّ وَلْيَشْهَدِ الْجُمُعَةَ وَالْجِنَازَةَ وَيُوصِي أَهْلَهُ إِذَا كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ وَهُوَ صَائِمٌ وَلَا يَجْلِسُ عِنْدَهُمْ
ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ وَالثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ
وَبِهِ يَأْخُذُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ
وَذَكَرَ الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْفَزَارِيُّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ اعْتَكَفْتُ فِي مَسْجِدِ الْحَيِّ فَأَرْسَلَ إِلَيَّ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ يَدْعُونِي - وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى الْكُوفَةِ - فَلَمْ آتِهِ فَعَادَ فَلَمْ آتِهِ ثُمَّ عَادَ فَلَمْ آتِهِ ثُمَّ عَادَ فَأَتَيْتُهُ فَقَالَ مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَأْتِيَنَا قُلْتُ إِنِّي كُنْتُ مُعْتَكِفًا فَقَالَ وَمَا عَلَيْكَ إِنَّ الْمُعْتَكِفَ يَشْهَدُ الْجُمُعَةَ وَيَعُودُ الْمَرِيضَ وَيَمْشِي مَعَ الْجِنَازَةِ وَيُجِيبُ الْإِمَامَ
وَبِهَذَا كَانَ يفتي سعيد بن جبير
وعن بن جُرَيْجٍ وَمَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ لَا يَخْرُجُ الْمُعْتَكِفُ إِلَّا إِلَى حَاجَةٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهَا غَائِطًا وَبَوْلًا وَلَا يُشَيِّعُ جِنَازَةً وَلَا يَعُودُ مَرِيضًا
قَالَ وَقَالَ عَطَاءٌ إِنْ عَادَ مَرِيضًا قَطَعَ اعْتِكَافَهُ
стр. 1448
قال أبو عمر ذكر بن خواز بنداذ أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ فِي الْمُعْتَكِفِ يَأْتِي كَبِيرَةً أَنَّهُ قَدْ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَؤُلَاءِ يُبْطِلُونَ الِاعْتِكَافَ بِتَرْكِ سُنَّةٍ عَمْدًا فَكَيْفَ بِارْتِكَابِ الْكَبِيرَةِ فِيهِ
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ مَنْ سَكِرَ لَيْلًا لَمْ يَفْسُدِ اعْتِكَافُهُ يَعْنِي إِذَا لَمْ يَتَعَمَّدِ السُّكْرَ
وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَذْكُرُ فِي الِاعْتِكَافِ شَرْطًا وَإِنَّمَا الِاعْتِكَافُ عَمَلٌ مِنَ الْأَعْمَالِ مِثْلُ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ فِي هَذَا الْبَابِ مِنَ الْمُوَطَّأِ
وَمَعْنَاهُ أَنَّ الشَّرْطَ فِيهِ لَا يُبْطِلُ شَيْئًا مِنْ سُنَّتِهِ وَلَا يُجْزِئُهُ إِلَّا عَلَى سُنَّتِهِ كَسَائِرِ مَا ذَكَرَ مَعَهُ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ
قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ أَبُو سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَا عَلَى الْمُعْتَكِفِ الصَّوْمُ وإن نوى ألا يصوم
وبه قال بن شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ وَأَبُو عُمَرَ وَالْأَوْزَاعِيُّ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّا الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ فَأَجْمَعُوا أَنْ لَا مَدْخَلَ لِلشَّرْطِ فِيهِمَا وَأَمَّا الْحَجُّ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَمَنْ أَجَازَ فِيهِ الْإِشْرَاطَ احْتَجَّ بِحَدِيثِ ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمَطَّلِبِ أَنَّ رسول الله ﷺ قال لَهَا أَهِلِّي بِالْحَجِّ وَاشْرُطِي أَنْ تَحُلِّي حَيْثُ حُبِسْتِ وَسَنَذْكُرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي مَوْضِعِهَا مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ مِمَّا فِيهَا لِلْعُلَمَاءِ مِنَ الْمَذَاهِبِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَأَمَّا الِاعْتِكَافُ فَالشَّرْطُ فِيهِ أَنَّهُ مَتَى عَرَضَهُ مَا يَقْطَعُهُ عَلَيْهِ أَنْ يَبْنِيَ إِنْ شَاءَ وَلَا يَبْتَدِئَ فَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى مَا قَالَ مَالِكٌ أَنَّهُ إِذَا أَتَى مَا يَقْطَعُ اعْتِكَافَهُ ابْتَدَأَ وَلَمْ يَنْفَعْهُ شَرْطُهُ وَعَلَيْهِ قَضَاءُ اعْتِكَافِهِ
وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَ لَهُ شَرْطُهُ إِذَا اشْتَرَطَ فِي حِينِ دُخُولِهِ فِي اعْتِكَافِهِ
ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ شُيُوخِهِ بِالْأَسَانِيدِ أَنَّ قَتَادَةَ وَعَطَاءً وَإِبْرَاهِيمَ أَجَازُوا الشَّرْطَ لِلْمُعْتَكِفِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَاتِّبَاعِ الْجِنَازَةِ وَالْجُمُعَةِ وَأَنْ يَأْتِيَ الْخَلَاءَ فِي بَيْتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ
стр. 1449
وَزَادَ عَطَاءٌ إِنِ اشْتَرَطَ أَنْ يَعْتَكِفَ النَّهَارَ دُونَ اللَّيْلِ وَأَنْ يَأْتِيَ بَيْتَهُ لَيْلًا فَذَلِكَ لَهُ
وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدِ اللَّهِ لَهُ نِيَّتُهُ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا بَأْسَ أَنْ يَشْرُطَ إِنْ عَرَضَ لِي أَمْرٌ خَرَجْتُ
وَمِمَّنْ أَجَازَ الشَّرْطَ لِلْمُعْتَكِفِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلَ وإسحاق بن رَاهْوَيْهِ إِلَّا أَنَّ أَحْمَدَ اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِيهِ فَمَرَّةً قَالَ أَرْجُو أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ وَمَرَّةً مَنَعَ مِنْهُ
وَقَالَ إِسْحَاقُ أَمَّا الِاعْتِكَافُ الْوَاجِبُ فَلَا أَرَى أَنْ يَعُودَ فِيهِ مَرِيضًا وَلَا يَشْهَدَ جِنَازَةً وَأَمَّا التَّطَوُّعُ فَإِنَّهُ يَشْرُطُ فِيهِ حِينَ يَبْتَدِئُ شُهُودَ الْجِنَازَةِ وَعِيَادَةَ الْمَرْضَى
وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُعْتَكِفِ يَمْرَضُ فَ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ يَخْرُجُ فَإِذَا صَحَّ رَجَعَ فَأَتَمَّ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنِ اعْتِكَافِهِ إِذَا كَانَ نَذْرًا وَاجِبًا عَلَيْهِ
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ يَبْتَدِئُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا إِذَا كَانَ مَرَضُهُ يَمْنَعُهُ مَعَهُ الْمَقَامَ
وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُعْتَكِفَةِ تُطَلَّقُ أَوْ يَمُوتُ عَنْهَا زَوْجُهَا فَ قَالَ مَالِكٌ تَمْضِي فِي اعْتِكَافِهَا حَتَّى تَفْرَغَ مِنْهُ وَتُتِمَّ بَقِيَّةَ عِدَّتِهَا فِي بَيْتِ زَوْجِهَا
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ تَخْرُجُ فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا رَجَعَتْ
وَاخْتَلَفُوا فِي المعتكف يدخل بيتا ف قال بن عُمَرَ وَعَطَاءُ وَإِبْرَاهِيمُ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ سَقْفٍ
وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ إِنْ دَخَلَ بَيْتًا غَيْرَ مَسْجِدِهِ بَطُلَ اعْتِكَافُهُ
وَرَخَّصَ فِيهِ بن شِهَابٍ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمْ
وَكَانَ الشَّافِعِيُّ لَا يَكْرَهُ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ يَصْعَدَ الْمَنَارَةَ
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ
وَكَرِهَ ذَلِكَ مَالِكٌ وَلَمْ يُرَخِّصْ فِيهِ
وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُعْتَكِفِ يَصْعَدُ الْمِئْذَنَةَ لِيُؤَذِّنَ فَ كَرِهَ ذَلِكَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَقَالَا لَا يَصْعَدُ عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ
стр. 1450
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ كُلِّهِ
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إِنْ يَفْعَلْ لَمْ يَضُرُّهُ شَيْءٌ وَلَا يَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ وَلَوْ كَانَتْ خَارِجَ الْمَسْجِدِ
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ
وَقَالَ مَالِكٌ لَا يَشْتَمِلُ الْمُعْتَكِفُ فِي مَجَالِسِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَا يَكْتُبُ الْعِلْمَ
وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَالشَّافِعِيُّ لَا بَأْسَ أَنْ يَأْتِيَ الْمُعْتَكِفُ مَجَالِسَ الْعُلَمَاءِ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي يَعْتَكِفُ فِيهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ مَنْ كَرِهَ ذَلِكَ كَمَا كَرِهَهُ مَالِكٌ فَلِأَنَّ مَجَالِسَ الْعِلْمِ شَاغِلَةٌ لَهُ كَمَا جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ وَقَصْدِهِ مِنَ الاعتكاف وإذا لم يشهد الجنازة ويعود الْمَرِيضَ عَلَى أَنْ لَا يَتَعَدَّى اعْتِكَافُهُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ إِلَّا اعْتِكَافَهُ
وَكَمَا لَا تُقْطَعُ صَلَاةُ التَّطَوُّعِ وَلَا غَيْرُهَا لِعَمَلِ بِرٍّ سِوَاهَا مِنْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَكَذَلِكَ لَا يَدَعُ اعْتِكَافَهُ لِمَا يَشْغَلُهُ عَنْهُ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ وَمَنَ رَخَّصَ فِي مُشَاهَدَتِهِ مُجَالِسَ الْعَلَمِ فِي الْمَسْجِدِ فَلِأَنَّهُ عَمَلٌ لَا يُنَافِي اعْتِكَافَهُ وَإِنَّمَا يُكْرَهُ لَهُ مَا يُنَافِي اعْتِكَافَهُ مِنَ اللَّهْوِ وَالْبَاطِلِ وَالْحَرَامِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ مَالِكٌ أَقْرَبُ بِأَصْلِهِ مِنْ هَؤُلَاءِ لِأَنَّهُمْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الْمُعْتَكِفَ لَا يَشْهَدُ جِنَازَةً وَلَا يَعُودُ مَرِيضًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
(٢ - بَابُ مَا لَا يَجُوزُ الِاعْتِكَافُ إِلَّا بِهِ)
٦٥٤ - مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ وَنَافِعًا مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَا لَا اعْتِكَافَ إِلَّا بِصِيَامٍ بِقَوْلِ اللَّهِ ﵎ فِي كِتَابِهِ (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) الْبَقَرَةِ ١٨٧ فَإِنَّمَا ذَكَرَ اللَّهُ الِاعْتِكَافَ مَعَ الصِّيَامِ
قَالَ مَالِكٌ وَعَلَى ذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لا اعْتِكَافَ إِلَّا بِصِيَامٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَوْلُ مالك وعلى ذلك الأمر عندنا أنه لا اعْتِكَافَ إِلَّا بِصِيَامٍ فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ قول بن عَبَّاسٍ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ
وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ
стр. 1451
ذكر بن وهب وعبد الرزاق قالا أخبرنا بن جريج عن عطاء عن بن عباس وبن عُمَرَ قَالَا لَا اعْتِكَافَ إِلَّا بِصَوْمٍ
وَبِهِ قال عروة بن الزبير وعامر الشعبي وبن شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الِاعْتِكَافُ جَائِزٌ بِغَيْرِ صِيَامٍ
وَهُوَ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵄ كِلَاهُمَا قَالَ الْمُعْتَكِفُ إِنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَصُمْ
وعن بن مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ لَيْسَ عَلَى الْمُعْتَكِفِ صَوْمٌ إِلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ
وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ
وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حنبل وإسحاق وبن عُلَيَّةَ وَدَاوُدُ
وَاخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَنِ بن عَبَّاسٍ وَرَوَى عَنْهُ طَاوُسٌ لَيْسَ عَلَى الْمُعْتَكِفِ صَوْمٌ إِلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ
رَوَاهُ أَبُو سُهَيْلٍ نَافِعُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ طَاوُسٍ
وَرَوَى عَنْهُ عَطَاءُ وَمِقْسَمٌ وَأَبُو فَاخِتَةَ لَا اعْتِكَافَ إِلَّا بِصَوْمٍ
وَكَذَلِكَ رَوَى لَيْثٌ عَنْ طَاوُسٍ
وَاخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ فَرُوِيَ عَنْهُ الْقَوْلَانِ جَمِيعًا
وَكَذَلِكَ اخْتُلِفَ فِيهَا عَنْ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ
وَأَمَّا أَبُو ثَوْرٍ فَقَوْلُهُ فِيهَا كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ وَاحْتَجَّ لِمَذْهَبِهِ وَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ كَذَلِكَ بِحُجَجٍ
(مِنْهَا) أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ لَيْلَةً فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُوَفِّيَ بِنَذْرِهِ وَلَيْسَ اللَّيْلُ مَوْضِعَ صِيَامٍ
(وَمِنْهَا) أَنَّ صِيَامَ رَمَضَانَ لَا يَنْوِي بِهِ أَحَدٌ رَمَضَانَ وَغَيْرَهُ مَعًا لَا وَاجِبًا مِنَ الصِّيَامِ وَلَا غَيْرَ وَاجِبٍ وَمَعْلُومٌ أَنَّ اعْتِكَافَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ فِي رَمَضَانَ
(وَمِنْهَا) أَنَّ لَيْلَ الْمُعْتَكِفِ وَنَهَارَهُ سَوَاءٌ وَلَيْسَ اللَّيْلُ بِمَوْضِعِ الصِّيَامِ
وَذَكَرَ الْحُمَيْدِيُّ عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ اجْتَمَعْتُ أنا وبن شِهَابٍ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَكَانَ عَلَى امْرَأَتِي اعْتِكَافُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْمَسْجِدِ الحرام فقال بن شِهَابٍ لَا يَكُونُ الِاعْتِكَافُ إِلَّا بِصِيَامٍ فَقَالَ عمر بن
стр. 1452
عَبْدِ الْعَزِيزِ أَمِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَا قَالَ فَمِنْ أَبِي بَكْرٍ قَالَ لَا قَالَ فَمِنْ عُمَرَ قَالَ لَا قَالَ فَمِنْ عُثْمَانَ قَالَ لَا قَالَ أَبُو سُهَيْلٍ فَانْصَرَفْتُ فَوَجَدْتُ طَاوُسًا وَعَطَاءً فَسَأَلَتُهُمَا عن ذلك فقال طاوس كان بن عَبَّاسٍ لَا يَرَى عَلَى الْمُعْتَكِفِ صِيَامًا إِلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَذَلِكَ رَأْيِي
وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
(٣ - بَابُ خُرُوجِ الْمُعْتَكِفِ لِلْعِيدِ)
هَذَا الْبَابُ وَالْبَابَانِ اللَّذَانِ بَعْدَهُ إِلَى آخِرِ كِتَابِ الِاعْتِكَافِ لَمْ يَسْمَعْ ذَلِكَ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ فَرَوَاهُ عَنْ زِيَادِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مَالِكٍ وَقِيلَ سَمِعَ الْمُوَطَّأَ مِنْ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ ثُمَّ دَخَلَ إِلَى مَالِكٍ فَلَمْ يُتِمَّ الْمُوَطَّأَ فَاتَهُ مِنْهُ عَلَيْهِ لِمَرَضِهِ وَحُضُورِ أَجَلِهِ هَذِهِ الْأَبْوَابُ فَتَحَمَّلَهَا عَنْ زِيَادٍ عَنْهُ لِمَا فَاتَهُ عَنْ مَالِكٍ أَتَى زِيَادًا فَرَوَاهَا عَنْهُ عَنْ مَالِكٍ
٦٥٥ - ذَكَرَ فِيهِ مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ اعْتَكَفَ فَكَانَ يَذْهَبُ لِحَاجَتِهِ تَحْتَ سَقِيفَةٍ فِي حُجْرَةٍ مُغْلَقَةٍ فِي دَارِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ثُمَّ لَا يَرْجِعُ حَتَّى يَشْهَدَ الْعِيدَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّا مَشْيُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ تَحْتَ سَقِيفَةِ حُجْرَةِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ فَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِيمَنْ أَجَازَ ذَلِكَ وَمَنْ كَرِهَهُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا
وَالْأَصْلُ فِي الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ حَتَّى يَقْرَعَ السَّمْعَ مَا يُوجِبُ الْحَظْرَ وَلَمْ يَمْنَعِ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا رَسُولُهُ وَلَا اتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى الْمَنْعِ مِنْهُ وَلَا تَقُومُ الْحُجَّةُ إِلَّا مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ أَوْ مَا كَانَ فِي مَعْنَاهَا
٦٥٦ - وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ إِنَّهُ رَأَى أَهْلَ الْعِلْمِ إِذَا اعْتَكَفُوا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ لَا يَرْجِعُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ حَتَّى يَشْهَدُوا الْفِطْرَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ
قَالَ مَالِكٌ وَبَلَغَنِي ذَلِكَ عَنْ أَهْلِ الْفَضْلِ الَّذِينَ مَضَوْا وَهُوَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَ الِاخْتِلَافَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَقَدِ اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِيهَا فَالْأُكْثَرُ عَنْهُ مَا فِي مُوَطَّئِهِ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ مُعْتَكَفِهِ مَنِ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ إِلَّا إِلَى الْمُصَلَّى وَإِنْ خَرَجَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ
стр. 1453
رواه بن الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ قَوْلُ بن القاسم
وقال بن الْمَاجِشُونِ وَسَحْنُونٌ يُعِيدُ اعْتِكَافَهُ
قَالَ سَحْنُونٌ لِأَنَّ السنة المجتمع عَلَيْهَا أَنْ يَبِيتَ فِي مُعْتَكَفِهِ حَتَّى يُصْبِحَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَمْ يَقُلْ بِقَوْلِهِمَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيمَا عَلِمْتُ إِلَّا رِوَايَةً جَاءَتْ عَنْ مَالِكٍ ذَكَرَهَا إِسْمَاعِيلُ فِي الْمَبْسُوطِ لَا وَجْهَ لَهَا فِي الْقِيَاسِ لِمَا وَصَفْنَا وَالصَّحِيحُ عَنْ مَالِكٍ فِيهَا مَا ذَكَرْنَا وَلَمْ يُجْتَمَعْ عَلَى مَا ذَكَرَ سَحْنُونٌ أَنَّهَا سُنَّةٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا وَالْخِلَافُ مَوْجُودٌ فِيهَا وَالْخِلَافُ لَا حجة فيه
وذكر بن وَهْبٍ عَنِ اللَّيْثِ أَنَّ عَقِيلًا حَدَّثَهُ عَنِ بن شِهَابٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يَنْصَرِفَ الْمُعْتَكِفُ إِلَى أَهْلِهِ لَيْلَةَ الْفِطْرِ
وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هِيَ مَسْأَلَةُ اسْتِحْبَابٍ لِيَصِلَ الْمُعْتَكِفُ اعْتِكَافَهُ بِصَلَاةِ الْعِيدِ فَيَكُونُ قَدْ وَصَلَ نُسُكًا بِنُسُكٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا وَاجِبٌ وَلَا لَازِمٌ وَلَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لِأَنَّ الْأَصْلَ لَيْلَةُ الْعِيدِ وَيَوْمُ الْعِيدِ لَيْسَ بِمَوْضِعِ اعْتِكَافٍ لَا سِيَّمَا عِنْدَ مَنْ لَا يَرَاهُ إِلَّا بِصِيَامٍ وَمَعَ هَذَا فَإِنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ مَالِكٌ مَعْلُومٌ بِالْمَدِينَةِ وبالكوفة
ذكر بن أَبِي شَيْبَةَ عَنْ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ يَبِيتَ لَيْلَةَ الْفِطْرِ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى يَكُونَ غُدُوُّهُ مِنْهُ إِلَى العيد
وعن وكيع عن بن عُمَرَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ يَبِيتُ لَيْلَةَ الْفِطْرِ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ حَتَّى يَكُونَ خُرُوجُهُ مِنْهُ إِلَى مُصَلَّاهُ
وَعَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ أَنَّهُ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ
فَهَؤُلَاءِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ أَعْلَامٌ إِلَى مَا حَكَاهُ مَالِكٌ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ فُضَلَاءَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَعُلَمَائِهِمْ
وَمَذْهَبُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا اخْتَارَهُ مَالِكٌ وَاسْتَحَبَّهُ
وَكَانَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ يَقُولَانِ يَخْرُجُ مِنِ اعْتِكَافِهِ إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِ أَيَّامِهِ
قَالَ الشَّافِعِيُّ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ دَخَلَ قَبْلَ الْغُرُوبِ فَإِذَا أَهَلَّ هِلَالُ شَوَّالٍ فَقَدْ أَتَمَّ الْعَشْرَ
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ
стр. 1454
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ أَجْمَعُوا فِي الْمُعْتَكِفِ فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ أَوِ الْوُسُطِ مِنْ رَمَضَانَ أَنَّهُ يَخْرُجُ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِ يَوْمٍ مِنِ اعْتِكَافِهِ
وَفِي إِجْمَاعِهِمْ عَلَى ذَلِكَ مَا يُوهِنُ وَرِوَايَةُ مَنْ رَوَى يَخْرُجُ مِنْ صَبِيحَتِهَا أَوْ فِي صَبِيحَتِهَا وَإِجْمَاعُهُمْ عَلَى ذَلِكَ نَقِيضُ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْخُرُوجِ لِمَنِ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ وَيَدُلُّ عَلَى تَصْوِيبِ رِوَايَةِ مَنْ رَوَى يَخْرُجُ فِيهَا مِنَ اعْتِكَافِهِ يَعْنِي بَعْدَ الْغُرُوبِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَالصَّحِيحُ فِي تَحْصِيلِ مذهب مالك أن يقام الْمُعْتَكِفُ لَيْلَةَ الْفِطْرِ فِي مُعْتَكَفِهِ وَخُرُوجُهُ مِنْهُ إِلَى الْعِيدِ اسْتِحْبَابٌ وَفَضْلٌ لَا إِيجَابٌ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَ فِيهِ قَوْلَهُ فِي مُوَطَّئِهِ بَلْ قَدْ نَصَّ عَلَيْهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
(٤ - بَابُ قَضَاءِ الاعتكاف)
٦٥٧ - مالك عن بن شِهَابٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ فَلَمَّا انْصَرَفَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ فِيهِ وَجَدَ أَخْبِيَةً خِبَاءُ عَائِشَةَ وَخِبَاءُ حَفْصَةَ وَخِبَاءُ زَيْنَبَ فَلَمَّا رَآهَا سَأَلَ عَنْهَا فَقِيلَ لَهُ هَذَا خِبَاءُ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ وَزَيْنَبَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آلْبِرَّ تَقُولُونَ بِهِنَّ ثُمَّ انْصَرَفَ فَلَمْ يَعْتَكِفْ حَتَّى اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ كَذَا رَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مَالِكٍ عن بن شِهَابٍ وَلَمْ يُتَابِعْهُ عَلَى رِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ عن بن شِهَابٍ أَحَدٌ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ وَالْحَدِيثُ مَعْرُوفٌ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأنصاري عن عمرة ولم يروه بن شِهَابٍ أَصْلًا وَلَا يُعْرَفُ هَذَا الْحَدِيثُ لِابْنِ شِهَابٍ لَا مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ وَلَا مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ وَغَيْرِهِ لِمَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ كَذَلِكَ رَوَاهُ جَمَاعَةُ الْمُوَطَّأِ عَنْ مَالِكٍ
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَصْحَابُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْهُ عَنْ عَمْرَةَ لَا يَذْكُرُ عَائِشَةَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِيهِ عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ لَا يذكر عمرة
стр. 1455
وَقَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِنْ طُرُقِهِ بِذَلِكَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ فِي التَّمْهِيدِ وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ وَسَاقَهُ بِكَمَالِهِ
وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ عَارِمِ بْنِ الْفَضْلِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا الْحَدِيثُ أَدْخَلَهُ مَالِكٌ فِي بَابِ قَضَاءِ الِاعْتِكَافِ وَهُوَ أَعْظَمُ مَا اعْتَمَدَ عَلَيْهِ مِنْ فِقْهٍ
وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كان قَدْ عَزَمَ عَلَى اعْتِكَافِ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ فَلَمَّا رَأَى مَا كَرِهَهُ مِنْ تَنَافُسِ زَيْنَبَ وَحَفْصَةَ وَعَائِشَةَ فِي ذَلِكَ وَخَشِيَ أَنْ يَدْخُلَ نِيَّتَهُنَّ دَاخِلَةٌ انْصَرَفَ ثُمَّ وَفَّى اللَّهَ بِمَا نَوَاهُ مِنْ فِعْلِ الْبِرِّ فَاعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ وَفِي ذَلِكَ جَوَازُ الِاعْتِكَافِ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ وَهُوَ أَمْرٌ لَا خِلَافَ فِيهِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ آلْبِرَّ تَقُولُونَ بِهِنَّ فَمَعْنَاهُ يَظُنُّونَ بِهِنَّ الْبَرَّ وَأَنَا أَخْشَى عَلَيْهِنَّ أَنْ يُرِدْنَ الْكَوْنَ مَعِي عَلَى مَا يُرِيدُ النِّسَاءُ مِنَ الِانْفِرَادِ بِالْأَزْوَاجِ فِي كُلِّ حِينٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حِينَ جِمَاعٍ فكأنهن مع إرادتهن لذلك لم يكن اعتكافهن خَالِصًا لِلَّهِ فَكَرِهَ لَهُنَّ ذَلِكَ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي غَيْرِ حَدِيثِ مَالِكٍ آلْبَرَّ تُرِدْنَ - أَوْ يُرِدْنَ كَأَنَّهُ تَوْبِيخٌ أَيْ مَا أَظُنُّهُنَّ يُرِدْنَ الْبِرَّ
وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَرِهَ لِأَزْوَاجِهِ الِاعْتِكَافَ لِشِدَّةِ مُؤْنَتِهِ لِأَنَّ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ سَوَاءٌ
قَالَ مَالِكٌ لَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ولا عمر ولا عثمان ولا بن الْمُسَيَّبِ وَلَا أَحَدًا مِنْ سَلَفِ هَذِهِ الْأُمَّةِ اعْتَكَفَ إِلَّا أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِشِدَّةِ الِاعْتِكَافِ
وَلَوْ ذَهَبَ ذَاهِبٌ إِلَى أَنَّ الِاعْتِكَافَ لِلنِّسَاءِ مَكْرُوهٌ بِهَذَا الحديث لكان مذهبا ولولا أن بن عُيَيْنَةَ وَهُوَ حَافِظٌ ذَكَرَ فِيهِ أَنَّهُنَّ اسْتَأْذَنَّهُ فِي الِاعْتِكَافِ لَقَطَعْتُ بِأَنَّ الِاعْتِكَافَ لِلنِّسَاءِ فِي الْمَسَاجِدِ غَيْرُ جَائِزٍ
وَمَا أَظُنُّ اسْتِئْذَانَهُنَّ مَحْفُوظًا ولكن بن عيينة حافظ وقد تابعه الأوزاعي وبن فُضَيْلٍ فِي أَنَّ عَائِشَةَ اسْتَأْذَنَتْهُ لِنَفْسِهَا وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ إِنَّ عَائِشَةَ اسْتَأْذَنَتْهُ لِنَفْسِهَا وَحَفْصَةَ فِي الاعتكاف فأذن لمن استأذنته مِنْهُنَّ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَعْلَمُ فِيمَا فِي نِيَّتِهِنَّ
стр. 1456
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ الِاعْتِكَافَ يَلْزَمُ مَعَ النِّيَّةِ بِالدُّخُولِ فِيهِ فَإِذَا دَخَلَ الْإِنْسَانُ ثُمَّ قَطَعَهُ لَزِمَهُ قَضَاؤُهُ
وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّهُ يَلْزَمُهُ بِالنِّيَّةِ مَعَ الدُّخُولِ وَإِنْ لَمْ يكن في حديث مالك ذكر دخوله ﷺ فِي ذَلِكَ الِاعْتِكَافِ الذي قضاه إلا في رواية بن عُيَيْنَةَ لِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كان إذ أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الصُّبْحَ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ فَلَمَّا صَلَّى الصُّبْحَ - يَعْنِي فِي الْمَسْجِدِ - وَهُوَ مَوْضِعُ اعْتِكَافِهِ مَعَ عَقْدِ نِيَّتِهِ عَلَى ذَلِكَ وَالنِّيَّةُ هِيَ الْأَصْلُ فِي الْأَعْمَالِ وَعَلَيْهَا تَقَعُ الْمَجَازَاتُ فَمِنْ هُنَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - قَضَى اعْتِكَافَهُ فِي ذَلِكَ فِي شَوَّالٍ ﷺ
وَقَدْ ذَكَرَ سُنَيْدٌ قَالَ حَدَّثَنَا مَعْمَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ كَهَمْسٍ عَنْ مَعْبَدِ بْنِ ثَابِتٍ فِي قَوْلِهِ (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ الله لئن ءاتانا من فضله) التَّوْبَةِ ٧٥ إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ يَرَوْهُ فِي أَنْفُسِهِمْ وَلَمْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ أَلَا تَسْمَعُ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْآيَةِ (أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) التَّوْبَةِ ٧٨
قَالَ وحدثنا معتمر وقال رَكِبْتُ الْبَحْرَ فَأَصَابَتْنَا رِيحٌ شَدِيدَةٌ فَنَذَرَ قَوْمٌ معنا نذرا وَنَوَيْتُ أَنَا شَيْئًا لَمْ أَتَكَلَّمْ بِهِ فَلَمَّا قَدِمْتُ الْبَصْرَةَ سَأَلْتُ أَبَا سُلَيْمَانَ التَّيْمِيَّ فَقَالَ يا بني فء بِهِ
فَغَيْرُ نَكِيرٍ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ قَضَى الِاعْتِكَافَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ كَانَ قَدْ نَوَى أَنْ يَعْمَلَهُ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ لِأَنَّهُ كَانَ أَوْفَى النَّاسِ لِرَبِّهِ بِمَا عَاهَدَهُ عَلَيْهِ وَأَبْدَرَهُمْ إِلَى طَاعَتِهِ فَإِنْ كَانَ دَخَلَ فِيهِ فَالْقَضَاءُ وَاجِبٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ لَا يَخْتَلِفُ فِي ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ فَالْقَضَاءُ مُسْتَحَبٌّ لِمَنْ هَذِهِ حَالُهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ أَيْضًا مَرْغُوبٌ فِيهِ
وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ أَوْجَبَ قَضَاءَهُ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ كَانَ عَقَدَ عَلَيْهِ نِيَّتَهُ وَالْوَجْهُ عِنْدَنَا مَا ذَكَرْنَا
وَمَنْ جَعَلَ عَلَى الْمُعْتَكَفِ قَضَاءَ مَا قَطَعَهُ مِنِ اعْتِكَافِهِ قَاسَهُ عَلَى الْحَجِّ التَّطَوُّعِ يَقْطَعُهُ صَاحِبُهُ عَمْدًا أَوْ مَغْلُوبًا
وَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَ قَطْعِ الصَّلَاةِ التَّطَوُّعِ وَالصِّيَامِ التَّطَوُّعِ وَمَا لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَذَاهِبِ فِيمَا مَضَى مِنْ هَذَا الْكِتَابِ
وَذَكَرَ الْأَثْرَمُ قَالَ سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يُسْأَلُ عَنِ النِّسَاءِ أَيَعْتَكِفْنَ قَالَ نَعَمْ
وَقَدْ ذَكَرْنَا طَرَفًا مِنِ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي مَكَانِ مُعْتَكَفِ النِّسَاءِ فِي أَوَّلِ بَابِ الِاعْتِكَافِ وقد ذكرنا ها هنا مَا هُوَ عَلَى شَرْطِنَا
стр. 1457
قَالَ مَالِكٌ لَا يُعْجِبُنِي أَنْ تَعْتَكِفَ الْمَرْأَةُ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا وَلْتَعْتَكِفَ فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا تَعْتَكِفُ الْمَرْأَةُ إِلَّا فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا وَلَا تَعْتَكِفُ فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ اعْتِكَافُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنِ اعْتِكَافِهَا فِي الْمَسْجِدِ
وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ مِنْ حُجَّةِ مَنْ أَجَازَ اعتكاف المرأة حديث بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ هَذَا لِأَنَّ فِيهِ أَنَّهُنَّ اسْتَأْذَنَّهُ فِي الِاعْتِكَافِ فَأَذِنَ لَهُنَّ فَضَرَبْنَ أَخْبِيَتَهُنَّ فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ مَنَعَهُنَّ بَعْدُ وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْعَهُ لَهُنَّ كَانَ لِغَيْرِ الْمَعْنَى الَّذِي أَذِنَ لَهُنَّ مِنْ أَجْلِهِ
وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ إِنَّمَا جَازَ لَهُنَّ ضَرْبُ أَخْبِيَتَهُنَّ فِي الْمَسْجِدِ لِلِاعْتِكَافِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُنَّ كُنَّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
وَلِلنِّسَاءِ أَنْ يَعْتَكِفْنَ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ أَزْوَاجِهِنَّ وَكَمَا أَنَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُسَافِرَ مَعَ زَوْجِهَا كَذَلِكَ لَهَا أَنْ تَعْتَكِفَ مَعَهُ
وَقَالَ مَنْ لَمْ يُجِزِ اعْتِكَافَهُنَّ فِي الْمَسْجِدِ أَصْلًا إِنَّمَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الِاعْتِكَافَ إِنْكَارًا عَلَيْهِنَّ قَالَ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ آلْبَرَّ يُرِدْنَ أَيْ لَيْسَ هَذَا بِبِرٍّ
وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ صَلَاةَ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي الْمَسْجِدِ فَكَذَلِكَ الِاعْتِكَافُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَيْسَ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ ذِكْرُ دُخُولِ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ الِاعْتِكَافِ الَّذِي قَضَاهُ أَيَّ وَقْتٍ هُوَ
وَقَدْ ذَكَرَهُ غَيْرُهُ
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ حَدَّثَنَا قَاسِمٌ حَدَّثَنَا محمد بن إسماعيل حدثنا الحميد قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ سَمِعْتُ يَحْيَى يُحَدِّثُ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أن يَعْتَكِفَ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ فَسَمِعْتُ بِذَلِكَ فَاسْتَأْذَنْتُهُ فَأَذِنَ لِي ثُمَّ اسْتَأْذَنَتْهُ حَفْصَةُ فَأَذِنَ لَهَا ثُمَّ اسْتَأْذَنَتْهُ زَيْنَبُ فَأَذِنَ لَهَا قَالَتْ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الصُّبْحَ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ فَلَمَّا صَلَّى الصُّبْحَ رَأَى فِي الْمَسْجِدِ أَرْبَعَةَ أَبْنِيَةٍ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ
стр. 1458
وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانَ وَإِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ دَخَلَ مَكَانَهُ الَّذِي يَعْتَكِفُ فِيهِ قَالَ فَاسْتَأْذَنَتْهُ عَائِشَةُ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ
وَذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَيَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ قَالَ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَعَ ثُبُوتِهِ وَصِحَّتِهِ فِي وَقْتِ دُخُولِ الْمُعْتَكِفِ مَوْضِعَ اعْتِكَافِهِ إِلَّا الْأَوْزَاعِيَّ وَاللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ وَقَدْ قال به طائفة من التابعين
وروى بن وَهْبٍ عَنِ اللَّيْثِ قَالَ إِنَّمَا يَدْخُلُ الْمُعْتَكِفُ الْمَسْجِدَ لِلِاعْتِكَافِ قَبْلَ الْفَجْرِ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ
وَذَكَرَ الْأَثْرَمُ قَالَ سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَسْأَلُ عَنِ الْمُعْتَكِفِ فِي أَيِّ وَقْتٍ يَدْخُلُ مُعْتَكَفَهُ فَقَالَ يَدْخُلُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَيَكُونُ يبتدي لَيْلَتَهُ
فَقِيلَ لَهُ قَدْ رَوَى يَحْيَى بْنُ سعيد عن عمرة أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي الْفَجْرَ ثُمَّ يَدْخُلُ مُعْتَكَفَهُ فَسَكَتَ
قَالَ وَسَمِعْتُهُ مَرَّةً أُخْرَى يَسْأَلُ عَنِ الْمُعْتَكِفِ فِي أَيِّ وَقْتٍ يَدْخُلُ مُعْتَكَفَهُ فَقَالَ قَدْ كُنْتُ أُحِبُّ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ مُعْتَكَفَهُ فِي أَوَّلِ الليل حتى يبيت فيه ويبتدي وَلَكِنَّ حَدِيثَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَدْخُلُ مُعْتَكَفَهُ إِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ
قِيلَ فَمَتَى يَخْرُجُ قَالَ يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَى الْمُصَلَّى
قَالَ أَبُو عُمَرَ اتَّفَقَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ عَلَى خِلَافِ هَذَا الْحَدِيثِ إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي وَقْتِ دُخُولِ الْمُعْتَكِفِ الْمَسْجِدَ لِلِاعْتِكَافِ إِذَا نَذَرَهُ أَيَّامًا وَلَيَالِيَ أَوْ يَوْمًا وَاحِدًا
فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ إِذَا أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ اعْتِكَافَ شَهْرٍ دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ
стр. 1459
قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ يَوْمًا أو أكثر يدخل مُعْتَكَفَهُ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ مِنْ لَيْلَةِ ذَلِكَ الْيَوْمِ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إِذَا قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ اعْتِكَافُ يَوْمٍ دَخَلَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَخَرَجَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ خِلَافَ قَوْلِهِ فِي الشَّهْرِ
وَقَالَ زُفَرُ بْنُ الْهُذَيْلِ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ يَدْخُلُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَالشَّهْرُ وَالْيَوْمُ عِنْدَهُمَا سَوَاءٌ تَقَدَّمَ
وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ بِظَاهِرِ حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ قَالَ يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ الصُّبْحَ وَيَقُومُ إِلَى مُعْتَكَفِهِ
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ إِذَا أَرَادَ اعْتِكَافَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ دَخَلَ فِي اعْتِكَافِهِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَإِذَا أَرَادَ عَشْرَ لَيَالٍ دَخَلَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ ذَهَبَ هَؤُلَاءِ إِلَى أَنَّ اللَّيْلَ لَا يَدْخُلُ فِي الِاعْتِكَافِ إِلَّا أَنْ يَتَقَدَّمَهُ اعْتِكَافُ النَّهَارِ لِأَنَّ اللَّيْلَ لَيْسَ بِمَوْضِعِ اعْتِكَافٍ فَلَا يَصْلُحُ الِابْتِدَاءُ بِهِ وذهب أولئك إِلَى أَنَّ اللَّيْلَ تَبَعٌ لِلنَّهَارِ عَلَى كُلِّ حال فلذلك ابتدؤوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ ثُمَّ اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ فَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي وُجُوبِ قَضَاءِ الِاعْتِكَافِ لِلْبَادِ وَالْقَاطِعِ بِعُذْرٍ وَبِغَيْرِ عُذْرٍ وَمَضَى مَعَ مَا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ اعْتِكَافَهُ كُلُّ ذَلِكَ فِي هَذَا الْبَابِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
وَمَضَى فِي الْبَابِ قَبْلَهُ خُرُوجُ الْمُعْتَكِفِ لِمَرَضٍ يَعْرِضُ لَهُ وَاخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي حُكْمِهِ
فَقَوْلُ مَالِكٍ فِي مَوَطَّئِهِ أَصَحُّ مَا رُوِيَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمَرِيضَ يُتِمُّ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنِ اعْتِكَافِهِ إِذَا صَحَّ
وَاحْتَجَّ مَالِكٌ بِحَدِيثِهِ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرَادَ الِاعْتِكَافَ فِي رَمَضَانَ فَلَمْ يَعْتَكِفْ وَاعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ
قَالَ مَالِكٌ وَالْمُتَطَوِّعُ فِي الِاعْتِكَافِ وَالَّذِي عَلَيْهِ الِاعْتِكَافُ أَجْرُهُمَا سَوَاءٌ فِيمَا يَحِلُّ لَهُمَا وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمَا
قَالَ وَلَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ اعْتِكَافُهُ إِلَّا تَطَوُّعًا
стр. 1460
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا قَوْلُهُ مَعَ جُمْلَةِ الْعُلَمَاءِ لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا لَا عَلَى مَنْ نَذَرَهُ فَإِنَّهُ يَجِبُ بِالدُّخُولِ فِيهِ كَالصَّلَاةِ النَّافِلَةِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ النَّافِلَتَيْنِ
وَقَدِ اختلف العلماء في أقل ما يلزمه ها هنا وَلَمْ يُرْوَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْآثَارِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ اعْتِكَافًا
وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اعْتِكَافَهُ كَانَ تَطَوُّعًا
وَقَدْ أَوْضَحْنَا وَجْهَ قَضَائِهِ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ فِي اعْتِكَافِهِ بِمَا لَا معنى لإعادته ها هنا
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَقَلِّ مُدَّةِ الِاعْتِكَافِ فَ روى بن وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ أَقَلَّهُ عِنْدَهُ ثَلَاثَةُ أيام
وذكر بن حَبِيبٍ أَنَّ أَقَلَّهُ عِنْدَهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ
وَقَالَ بن الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَقَفْتُ مَالِكًا عَلَى ذَلِكَ فَأَنْكَرَهُ وَقَالَ أَقَلُّهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا عَلَى الِاسْتِحْقَاقِ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ مَنْ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ فَلَا يَعْتَكِفُ فِي غَيْرِ مَسْجِدِ الْجَامِعِ إِلَّا مِنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ
وَلَا حَدَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ فِي أَقَلِّ مُدَّتِهِ
وروى بن جريج عن عطاء عن بن أُمَيَّةَ قَالَ إِنِّي لَأَمْكُثُ سَاعَةً مُعْتَكِفًا
قَالَ عَطَاءٌ وَسَمِعْتُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ الِاعْتِكَافُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ
قَالَ عَطَاءٌ وَالِاعْتِكَافُ مَا مَكَثَ فِيهِ الْمُعْتَكِفُ
قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَرْأَةِ إِنَّهَا إِذَا اعْتَكَفَتْ ثُمَّ حَاضَتْ فِي اعْتِكَافِهَا إِنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى بَيْتِهَا فَإِذَا طَهُرَتْ رَجَعَتْ إِلَى الْمَسْجِدِ أَيَّةَ سَاعَةٍ طَهُرَتْ ثُمَّ تَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنِ اعْتِكَافِهَا وَمِثْلُ ذَلِكَ الْمَرْأَةُ يَجِبُ عَلَيْهَا صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ فَتَحِيضُ ثُمَّ تَطْهُرُ فَتَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنْ صِيَامِهَا وَلَا تُؤَخِّرُ ذَلِكَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ حُكْمُ الْمُعْتَكِفَةِ تَحِيضُ كَحُكْمِ مَنْ نَذَرَ صِيَامَ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ أَوْ كَانَ عَلَيْهِ أَيَّامٌ مُتَتَابِعَاتٌ صِيَامٌ مُتَتَابِعٌ وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِيمَنْ كَانَ عَلَيْهِ أَيَّامٌ مُتَتَابِعَاتٌ فَمَرِضَ أَوِ امْرَأَةٌ كَانَ عَلْيَهَا صِيَامٌ مُتَتَابِعٌ فَمَرِضَتْ أَوْ حَاضَتْ فِي بَابِ صِيَامِ الَّذِي يَقْتُلُ خَطَأً أَوْ يَتَظَاهَرُ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ
وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ إِذَا حَاضَتِ الْمُعْتَكِفَةُ خَرَجْتَ إِلَى بَيْتِهَا فَإِذَا طَهُرَتْ قَضَتْ ذَلِكَ
стр. 1461
وعن بن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ إِذَا حَاضَتِ الْمُعْتَكِفَةُ خَرَجَتْ فَإِذَا طَهُرَتْ رَجَعَتْ إِلَى مَوْضِعِهَا قُلْتُ فَيَطَؤُهَا زَوْجُهَا فِي يَوْمِ طُهْرِهَا قَالَ لَا قُلْتُ فَإِنْ كَانَتْ مَرِيضَةٌ قَالَ تَخْرُجُ إِلَى بَيْتِهَا فَإِذَا صَحَّتْ رَجَعَتْ إِلَى مَوْضِعِهَا
قُلْتُ أَيَطَؤُهَا زَوْجُهَا فِي مَرَضِهَا قَالَ لَا إِنْ وطىء الْحَائِضَ فِي طُهْرِهَا أَوِ الْمَرِيضَةَ فِي مَرَضِهَا فَسَدَ اعْتِكَافُهَا وَلَمْ يَكُنْ لَهَا الْبِنَاءُ عَلَى مَا مَضَى وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
(٥ - بَابُ النِّكَاحِ فِي الِاعْتِكَافِ)
قَالَ مَالِكٌ لَا بَأْسَ بِنِكَاحِ الْمُعْتَكِفِ نِكَاحَ الْمِلْكِ مَا لَمْ يَكُنِ الْمَسِيسُ وَالْمَرْأَةُ الْمُعْتَكِفَةُ أَيْضًا تُنْكَحُ نِكَاحَ الْخِطْبَةِ مَا لَمْ يَكُنِ الْمَسِيسُ وَيَحْرُمُ عَلَى الْمُعْتَكِفِ مِنْ أَهْلِهِ بِاللَّيْلِ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ مِنْهُنَّ بِالنَّهَارِ
وَلَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَمَسَّ امْرَأَتَهُ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ وَلَا يَتَلَذَّذُ مِنْهَا بِقُبْلَةٍ وَلَا غَيْرِهَا وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا يَكْرَهُ لِلْمُعْتَكِفِ وَلَا لِلْمُعْتَكِفَةِ أَنْ يَنْكِحَا فِي اعْتِكَافِهِمَا مَا لَمْ يَكُنِ الْمَسِيسُ وَكَذَلِكَ الصَّائِمُ يَنْكِحُ فِي لَيْلِ صِيَامِهِ وَلَيْسَ لِلْمُحْرِمِ إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَالَ اللَّهُ (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) الْبَقَرَةِ ١٨٧ فَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أنه إن وطىء فِي اعْتِكَافِهِ عَامِدًا فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ يبدأ اعتكافه
وروي عن بن عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَالضَّحَّاكِ قَالُوا كَانُوا يُجَامِعُونَ وَهُمْ مُعْتَكِفُونَ حَتَّى نَزَلَتْ (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ في المساجد)
وقال بن عباس كانوا إذا اعتكفوا يخرج أَحَدُهُمْ إِلَى الْغَائِطِ جَامَعَ امْرَأَتَهُ ثُمَّ اغْتَسَلَ وَرَجَعَ إِلَى اعْتِكَافِهِ فَنَزَلَتِ الْآيَةُ وَأَجْمَعُوا أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) قَدِ اقْتَضَى الْجِمَاعَ
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا دُونَهُ مِنَ الْقُبْلَةِ وَاللَّمْسِ وَالْمُبَاشَرَةِ
فَقَالَ مَالِكٌ مَنْ أَفْطَرَ فِي اعْتِكَافِهِ يَوْمًا عَامِدًا أَوْ جَامَعَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا نَاسِيًا أَوْ قَبَّلَ أَوْ لَمَسَ أَوْ بَاشَرَ فَسَدَ اعْتِكَافُهُ أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ)
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إِنْ بَاشَرَ أَوْ قَبَّلَ أَوْ نزل فسد اعتكافه
стр. 1462
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إِنْ بَاشَرَ فَسَدَ اعْتِكَافُهُ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ لَا يَفْسُدُ الِاعْتِكَافُ إِلَّا بِالْوَطْءِ الَّذِي يُوجِبُ الْحَدَّ
وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ إِذَا جَامَعَ دُونَ الْفَرَجِ أَفْسَدَ اعْتِكَافَهُ
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَالْحَسَنُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ مَا يَجِبُ عَلَى الْوَاطِئِ فِي رَمَضَانَ
وَرَوَى بن عيينة والثوري عن بن أبي نجيح عن مجاهد عن بن عَبَّاسٍ قَالَ إِذَا جَامَعَ الْمُعْتَكِفُ بَطُلَ اعْتِكَافُهُ
وَبِهَ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالْقَاسِمُ وَسَالِمٌ وَعَطَاءٌ وَجَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ وَكُلُّهُمْ يُلْزِمُهُ الِاسْتِئْنَافَ إِلَّا الشَّعْبِيَّ فَإِنَّهُ قَالَ يُتِمُّ مَا بَقِيَ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ يَتَصَدَّقُ بِدِينَارَيْنِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ فَسَادُ الِاعْتِكَافِ بِالْوَطْءِ لَا شَكَّ فِيهِ وَالْعَزْمُ فِي الْكَفَّارَةِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَلَا حُجَّةَ لِمَنْ أَوْجَبَهُ فَإِنْ كَانَ الِاعْتِكَافُ فِي رَمَضَانَ وَوَطِئَ فِيهِ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ الْجِمَاعِ فِي رَمَضَانَ أَوْ كَانَ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ قَضَاءُ اعْتِكَافِهِ
وَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي الْمُعْتَكِفِ يَطَأُ أَهْلَهُ عَامِدًا أَنَّهُ قَدْ أَفْسَدَ اعْتِكَافَهُ كَمَا يُفْسِدُ صَوْمَهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ فَإِنْ وطىء نَاسِيًا فَكُلٌّ عَلَى أَصْلِهِ يَقْضِي بِفَسَادِ الصَّوْمِ بِالْوَطْءِ نَاسِيًا فَالِاعْتِكَافُ كَذَلِكَ عِنْدَهُ فَاسِدٌ وَمَنْ لَمْ يُفْسِدِ الصَّوْمَ بِالْوَطْءِ نَاسِيًا لَمْ يُفْسِدْ لِذَلِكَ الِاعْتِكَافَ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
(٦ - بَابُ مَا جَاءَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)
٦٥٨ - مَالِكٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْوُسُطَ مِنْ رَمَضَانَ فَاعْتَكَفَ عَامًا حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةَ إِحْدَى وعشرين وهي الليلة التي يخرج فيها من صُبْحِهَا مِنِ اعْتِكَافِهِ قَالَ مَنِ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ وَقَدْ رَأَيْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا وَقَدْ رَأَيْتُنِي
стр. 1463
أَسْجُدُ مِنْ صُبْحِهَا فِي مَاءٍ وَطِينٍ فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ وَالْتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وَتْرٍ
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ فَأَمْطَرَتِ السَّمَاءُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَكَانَ الْمَسْجِدُ عَلَى عَرِيشٍ فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ فَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ انْصَرَفَ وَعَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ مِنْ صُبْحِ لَيْلَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِاعْتِكَافَ فِي رَمَضَانَ سُنَّةٌ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُوَاظِبُ عَلَى الِاعْتِكَافِ فِيهِ وَمَا وَاظَبَ عَلَيْهِ فَهُوَ سُنَّةٌ
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانَ قَوْلُهُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْوُسُطَ مِنْ رَمَضَانَ وَهَذَا اللَّفْظُ يَدُلُّ عَلَى الْمُدَاوَمَةِ
وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانَ
وَأَمَّا قَوْلُهُ حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ فِيهَا مِنْ صَبِيحَتِهَا مِنِ اعْتِكَافِهِ
هَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ وَالشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ يَخْرُجُ فِيهَا من صبيحتها
ورواه القعنبي وبن وهب وبن الْقَاسِمِ وَجَمَاعَةٌ عَنْ مَالِكٍ وَقَالُوا فِيهِ وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ فِيهَا مِنِ اعْتِكَافِهِ
وَقَدْ ذَكَرْنَا مَسْأَلَةَ خُرُوجِ الْمُعْتَكِفِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ أَيَّ وَقْتٍ هُوَ فِي بَابِ خُرُوجِ الْمُعْتَكِفِ إِلَى الْعِيدِ
وَأَمَّا خُرُوجُ مَنِ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْوُسُطَ أَوِ اعْتَكَفَ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ فَ روى بن وهب وبن عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ مَنِ اعْتَكَفَ أَوَّلَ الشَّهْرِ أَوْ وَسَطَهُ فَلْيَخْرُجْ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِ يَوْمٍ مِنِ اعْتِكَافِهِ وَإِنِ اعْتَكَفَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ فَلَا يَنْصَرِفْ إِلَى بَيْتِهِ حَتَّى يَشْهَدَ الْعِيدَ وَكَذَلِكَ بَلَغَنِي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي الْمُعْتَكِفِ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ أَوْ فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ أَوِ الْوُسُطِ مِنْ رَمَضَانَ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنِ اعْتِكَافِهِ إِلَّا إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِ أيام اعتكافه
стр. 1464
وَهَذَا يُعَضِّدُ وَيَشْهَدُ بِصِحَّةِ رِوَايَةِ مَنْ رَوَى يَخْرُجُ فِيهَا مِنِ اعْتِكَافِهِ وَأَنَّ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى يَخْرُجُ مِنْ صَبِيحَتِهَا وَهْمٌ وَأَظُنُّ الْوَهْمَ دَخَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ مَذْهَبِهِمْ فِي خُرُوجِ الْمُعْتَكِفِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ فِي صَبِيحَةِ يَوْمِ الْفِطْرِ
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الْأَوْسَطِ مِنْ رَمَضَانَ فَاعْتَكَفَ عَامًا حَتَّى إَذَا كَانَتْ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ فِيهَا مِنِ اعْتِكَافِهِ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُنِيرٍ عَنْ هَارُونَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ يَحْيَى بْنِ كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قُلْتُ هَلْ سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ قَالَ نَعَمْ اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ فَخَرَجْنَا صَبِيحَةَ عِشْرِينَ فَخَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ فَقَالَ إِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ
كَذَا قَالَ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ وَهَذَا خِلَافُ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ هَذَا وَالْوَجْهُ عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ أَرَادَ خَطَبَهُمْ غَدَاةَ عِشْرِينَ لِيُعَرِّفَهُمْ أَنَّهُ الْيَوْمُ الْآخِرُ مِنْ أَيَّامِ اعْتِكَافِهِمْ وَأَنَّ اللَّيْلَةَ الَّتِي تِلْكَ الصَّبِيحَةُ هِيَ لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ هِيَ الْمَطْلُوبُ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ بِمَا رَأَى مِنَ الرُّؤْيَا
وَقَوْلُهُ إِنِّي أُرِيتُهَا ثُمَّ أُنْسِيتُهَا وَرَأَيْتُنِي أَسْجُدُ مِنْ صَبِيحَتِهَا فِي مَاءٍ وَطِينٍ فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ وَالْتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وَتْرٍ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ تَنْتَقِلُ وَيُخَيَّلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ يَعْنِي فِي الْوَتْرِ مِنْهَا أَيْ فِي ذَلِكَ الْعَامِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الْأَغْلَبِ مِنْ كُلِّ عَامٍ وَرُؤْيَاهُ ﷺ دَلَّتْهُ عَلَى أَنَّهَا مِنْ ذَلِكَ الْعَامِ فِي الْأَيَّامِ الْبَاقِيَةِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ وَهِيَ الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ وَأَنَّهَا فِي الْوَتْرِ مِنْهَا فَلِذَلِكَ خَاطَبَهُمْ ثُمَّ خَاطَبَهُمْ بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ اخْتِلَافُ الْأَحَادِيثِ عَنْهُ ﷺ وَاخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِيهَا عَلَى مَا نَرَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَاكِرٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
стр. 1465
أَيُّوبَ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو الْبَزَّارُ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنِ شَرِيكٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْتَمِسُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُهَا فَنُسِّيتُهَا وَهِيَ لَيْلَةُ مَطَرٍ وريح
أو قال فطر وَرِيحٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ فِي ذَلِكَ الْعَامِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَأَمَّا قَوْلُهُ وَكَانَ الْمَسْجِدُ عَلَى عَرِيشٍ فَوَكَفَ فَإِنَّهُ أَرَادَ أَنَّ سَقْفَهُ كَانَ مُعَرَّشًا بِالْجَرِيدِ مِنْ غَيْرِ طِينٍ وَلِذَلِكَ كَانَ يَكِفُ
وَقَوْلُهُ فَوَكَفَ يَعْنِي هَطَلَ فَتَبَلَّلَ الْمَسْجِدُ مِنْ ذَلِكَ ماء وطين
وَقَدِ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الصَّلَاةِ فِي الطِّينِ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ فَمَرَّةً قَالَ لَا يُجْزِيهِ إِلَّا أَنْ يَنْزِلَ بِالْأَرْضِ وَيَسْجُدُ عَلَيْهَا عَلَى حَسَبِ مَا يُمْكِنُهُ اسْتِدْلَالًا بِهَذَا الْحَدِيثِ لِقَوْلِهِ فِيهِ فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ وَمَرَّةً قَالَ يُجْزِيهِ أَنْ يُومِئَ إِيمَاءً وَيَجْعَلُ سُجُودَهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ يَعْنِي إِذَا كَانَ الْمَاءُ قَدْ أَحَاطَ بِهِ
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ أَوْمَأَ فِي مَاءٍ وَطِينٍ
قَالَ عَمْرٌو وَمَا رَأَيْتُ أَعْلَمَ مِنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ حَدِيثَ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَصَابَتْنَا السَّمَاءُ فَكَانَتِ الْبِلَّةُ مِنْ تَحْتِنَا وَالسَّمَاءُ مِنْ فَوْقِنَا وَنَحْنُ فِي مَضِيقٍ فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِلَالًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ وَتَقَدَّمَ رسول الله يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ وَالْقَوْمُ عَلَى رَاحِلَتِهِمْ يُومِئُ إِيمَاءً يَجْعَلُ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ
وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا مِنْ طُرُقٍ فِي التَّمْهِيدِ وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ مِثْلَ ذَلِكَ بِالْأَسَانِيدِ
وَقَالَ الْأَثْرَمُ سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَسْأَلُ عَنِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ فَقَالَ فِي شِدَّةِ الْحَرْبِ وَأَمَّا الْأَمْنُ فَلَا إِلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ التَّطَوُّعُ وَفِي الطِّينِ الْمُحِيطِ بِهِ
وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي التَّمْهِيدِ وَأَتَيْنَا مِنْهُ ها هنا وَفِي كِتَابِ الصَّلَاةِ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ وَالْحَمْدُ لله
стр. 1466
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ أَنَّ السُّجُودَ عَلَى الْأَنْفِ وَالْجَبْهَةِ جَمِيعًا وَاجْتَمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا سَجَدَ عَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ فَقَدْ أَدَّى فَرْضَ سُجُودِهِ
وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ سَجَدَ عَلَى أَنْفِهِ دُونَ جَبْهَتِهِ أَوْ عَلَى جَبْهَتِهِ دُونَ أَنْفِهِ فَقَالَ مَالِكٌ يَسْجُدُ عَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ فَإِنْ سَجَدَ عَلَى أَنْفِهِ دُونَ جَبْهَتِهِ لَمْ يُجْزِهِ وَإِنْ سَجَدَ عَلَى جَبْهَتِهِ دُونَ أَنْفِهِ فَقَدْ أَدَّى وَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يُجْزِيهِ حَتَّى يَسْجُدَ عَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ
وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ
وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِحَدِيثِهِ فِي هَذَا الْبَابِ وَبِقَوْلِهِ ﵇ أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ وَذَكَرَ مِنْهَا الْوَجْهَ
وَبَانَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ هَذَا أَنَّ سُجُودَهُ عَلَى وَجْهِهِ كَانَ عَلَى جبهته وأنفه
وروى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَنْ لَمْ يَضَعْ أَنْفَهُ فِي الْأَرْضِ فِي سُجُودِهِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إِذَا سَجَدَ عَلَى جَبْهَتِهِ أَوْ ذقنه أو أنفه أجزأه
وحجته حديث بن عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ آرَابٍ فَذَكَرَ مِنْهَا الْوَجْهَ
قَالُوا فَأَيُّ شَيْءٍ وَضَعَ مِنَ الْوَجْهِ أَجْزَأَهُ
وهذا ليس بشيء لأن حديث بن عَبَّاسٍ قَدْ ذَكَرَ فِيهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ الْأَنْفَ وَالْجَبْهَةَ
وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي التَّمْهِيدِ مِنْ طُرُقٍ
وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ الْمُبَيِّنُ عَنِ اللَّهِ مُرَادَهُ قَوْلًا وَفِعْلًا
٦٥٩ - وَأَمَّا حَدِيثُ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ تَحَرُّوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ من رمضان
стр. 1467
فَقَدْ وَصَلْنَاهُ فِي التَّمْهِيدِ
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي يَعْقُوبَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ مِنْ رَمَضَانَ شَدَّ مِئْزَرَهُ وَأَحْيَى لَيْلَهُ وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ
وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ إِسْحَاقَ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَعْيَنَ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ قَالَ حَدَّثَنَا المسعودي عن محارب بن دثار عن بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ الْتَمِسُوهَا - لَيْلَةَ الْقَدْرِ - فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ
وَمَعْلُومٌ سَمَاعُ عُرْوَةَ من عائشة وبن عُمَرَ فِي غَيْرِ حَدِيثٍ وَقَوْلُهُ الْتَمَسُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ عَلَى انْتِقَالِهَا فِي الْوَتْرِ مِنْهَا عَلَى مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ
٦٦٠ - وَحَدِيثُهُ عن عبد الله بن دينار عن بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ تَحَرُّوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ الْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِيمَا قَبْلَهُ
وَالْأَغْلَبُ مِنْ قَوْلِهِ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ أَنَّهُ فِي ذَلِكَ الْعَامِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِئَلَّا يَتَضَادَّ مَعَ قَوْلِهِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ وَيَكُونُ قَوْلُهُ وَقَدْ مَضَى مِنَ الشَّهْرِ مَا يُوجِبُ قَوْلَ ذَلِكَ
وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْحَضُّ عَلَى الْتِمَاسِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَطَلَبِهَا بِصَلَاةِ اللَّيْلِ وَالِاجْتِهَادِ بِالدُّعَاءِ
٦٦١ - وَذُكِرَ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُنَيْسٍ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يا رسول الله! إني رجل شَاسِعُ الدَّارِ فَمُرْنِي لَيْلَةً أَنْزِلْ لَهَا فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ انْزِلْ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ
стр. 1468
قَالَ أَبُو عُمَرَ وَهَذَا حَدِيثٌ مُنْقَطِعٌ وَلَمْ يَلْقَ أَبُو النَّضْرِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُنَيْسٍ وَلَا رَآهُ وَلَكِنَّهُ يَتَّصِلُ مِنْ وُجُوهٍ شَتَّى صِحَاحٍ ثَابِتَةٍ مِنْهَا مَا رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُتَّصِلٌ
وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنِ الْأَسْوَدُ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عن محمد بن الحارث التيمي عن بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَكُونُ فِي بَادِيَتِي وَأَنَا بِحَمْدِ اللَّهِ أُصَلِّي فِيهَا فَمُرْنِي بِلَيْلَةٍ مِنْ هَذَا الشَّهْرِ أَنْزِلُ بِهَذَا الْمَسْجِدِ أُصَلِّيهَا فِيهِ قَالَ انْزِلْ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ فَصَلِّهَا فِيهِ
وَرَوَى يَزِيدُ بْنُ الْهَادِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن أنيس بمعناه
قال بن الْهَادِ وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ يَجْتَهِدُ تِلْكَ الليلة
وذكر بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ سماك عن عكرمة عن بن عَبَّاسٍ قَالَ بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ فِي رَمَضَانَ فَقِيلَ لِي إِنَّ اللَّيْلَةَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ فَقُمْتُ وَأَنَا نَاعِسٌ فَتَعَلَّقْتُ بِبَعْضِ أَطْنَابِ فُسْطَاطِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ يُصَلِّي فَنَظَرْتُ فِي اللَّيْلَةِ فَإِذَا هِيَ لَيْلَةُ ثلاث وعشرين
قال بن عَبَّاسٍ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَطْلُعُ مَعَ الشَّمْسِ كُلَّ يَوْمٍ إِلَّا لَيْلَةَ الْقَدْرِ وَذَلِكَ أَنَّهَا تَطْلُعُ يَوْمَئِذٍ لَا شُعَاعَ لَهَا
ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عن بن جُرَيْجٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ قَالَ كان بن عَبَّاسٍ يَنْضَحُ عَلَى أَهْلِهِ الْمَاءَ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وعشرين
وعن بن جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يُوسُفَ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ اسْتَقَامَ مَلَأُ الْقَوْمِ أَنَّهَا لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ يَعْنِي فِي ذَلِكَ الْعَامِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَهَذِهِ اللَّيْلَةُ تُعْرَفُ بِلَيْلَةِ الْجُهَنِيِّ بِالْمَدِينَةِ
وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ قَالَ كَانَتْ عَائِشَةُ تُوقِظُ أَهْلَهَا لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَاشِدٍ عَنْ مَكْحُولٍ أَنَّهُ كَانَ يَرَاهَا لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ
قَالَ مَعْمَرٌ كَانَ أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ فِي لَيْلَةِ ثلاث وعشرين
стр. 1469
وذكر بن وَضَّاحٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ قَالَ حَدَّثَنَا رِشْدَيْنُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ زَهْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ قَالَ أَصَابَنِي احْتِلَامٌ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ وَأَنَا فِي الْبَحْرِ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وعشرين في رمضان قال فذهبت لِأَغْتَسِلَ فَسَقَطْتُ فِي الْمَاءِ فَإِذَا الْمَاءُ عَذْبٌ فَأَذِنْتُ أَصْحَابِي وَأَعْلَمْتُهُمْ أَنَّى فِي مَاءٍ عَذْبٍ
٦٦٢ - وَأَمَّا حَدِيثُ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ فَقَالَ أَنِّي أُرِيتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ فِي رَمَضَانَ حَتَّى تَلَاحَى رَجُلَانِ فَرُفِعَتْ فَالْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ
هَكَذَا رَوَى مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ
وَخَالَفَهُ أَصْحَابُ حُمَيْدٍ كأنهم قرؤوه عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
أَخْبَرَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ عَنْ عُبَادَةَ قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُخْبِرَنَا بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلَاحَى رَجُلَانِ فَقَالَ إِنِّي خَرَجْتُ أَنْ أُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَلَعَلَّ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ خَيْرًا فَالْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ يَحْيَى الْقَطَّانُ وَبِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ وبن أَبِي عَدِيٍّ وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَغَيْرُهُمْ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ عَنْ عُبَادَةَ كُلُّهُمْ جَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِ عُبَادَةَ
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَهِمَ فِيهِ مَالِكٌ وَخَالَفَهُ أَصْحَابُ حُمَيْدٍ وَهُمْ أَعْلَمُ بِهِ مِنْهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَحُمَيْدٍ عِلْمٌ كَعِلْمِهِ بِمَشْيَخَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَيْسَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الْوَهَّابِ هَذَا فَرُفِعَتْ وَهُوَ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا أَرَادَ رَسُولُهُ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ وَالْأَظْهَرُ مِنْ مَعَانِيهِ أَنَّهُ رُفِعَ عِلْمُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ عَنْهُ فَأُنْسِيَهَا بَعْدَ أَنْ كَانَ عَلِمَهَا وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ مَا كَانَ مِنْ تَلَاحِي الرَّجُلَيْنِ والله أعلم
стр. 1470
وَالْمُلَاحَاةُ الْمِرَاءُ وَالْمِرَاءُ لَا تُؤْمَنُ فِتْنَتُهُ وَلَا تُفْهَمُ حِكْمَتُهُ وَمِنْ تَقَدُّمِ الْمُلَاحَاةِ أَنَّهُمْ حُرِمُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ وَلَمْ يُحْرَمُوهَا فِي ذَلِكَ الْعَامِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ الْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالْخَامِسَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي التَّاسِعَةِ فَإِنَّهُ أَرَادَ تَاسِعَةً تَبْقَى وَهِيَ لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَقَوْلُهُ وَالسَّابِعَةِ السَّابِعَةُ تَبْقَى وَهِيَ ليلة ثلاث وعشرين والخامسة يُرِيدُ الْخَامِسَةَ تَبْقَى وَهِيَ لَيْلَةُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ
وَهَذَا عَنِ الْأَغْلَبِ فِي أَنَّ الشَّهْرَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَهُوَ الْأَصْلُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﷺ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الشَّهْرَ قَدْ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ الشهر تسع وعشرون وثلاثون وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذَا الْمَعْنَى بِالْآثَارِ وَالشَّوَاهِدِ فِي التَّمْهِيدِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ فِي لَيْلَةِ إِحْدَى وَعِشْرَيْنِ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ وَفِي لَيْلَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ الْجُهَنِيِّ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَفِي لَيْلَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَحَدِيثُ مُعَاوِيَةَ وَهِيَ كُلُّهَا صِحَاحٌ تَدُلُّ عَلَى انْتِقَالِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِي الْوَتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فِي الْأَغْلَبِ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ تَكُونَ فِي غَيْرِ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ وَلَا أن تكون فِي غَيْرِ الْوَتْرِ
ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ تَنْتَقِلُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فِي كُلِّ وَتْرٍ
وَأَمَّا حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن
стр. 1471
بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَمُسَدَّدٌ قَالَا حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ زِرٍّ قَالَ قُلْتُ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَخْبِرْنِي عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فَإِنَّ صَاحِبَنَا سُئِلَ عَنْهَا فَقَالَ مَنْ يَقُمِ الْحَوْلَ يُصِبْهَا فَقَالَ رَحِمَ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمَ أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ وَلَكِنْ كَرِهَ أَنْ تَتَّكِلُوا وَاللَّهِ إِنَّهَا لَفِي رَمَضَانَ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ لَا يَسْتَثْنِي قُلْتُ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَنِّي عَلِمْتَ ذَلِكَ قَالَ بِالْآيَةِ الَّتِي أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُلْتُ مَا الْآيَةُ قَالَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ صَبِيحَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ مِثْلَ الطَّسْتِ لَيْسَ لَهَا شُعَاعٌ حَتَّى تَرْتَفِعَ
وَأَمَّا قَوْلُهُ إِنَّهَا تَكُونُ فِي غَيْرِ الْوَتْرِ فَلِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ فِي التَّمْهِيدِ أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ رَهْطٌ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ يَسْأَلُونَكَ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فَقَالَ كَمِ اللَّيْلَةُ قُلْتُ اثْنَانِ وَعِشْرُونَ قَالَ هِيَ اللَّيْلَةُ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ أَوِ الْقَابِلَةُ يُرِيدُ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ كَوْنِهَا لَيْلَةَ اثْنَيْ وَعِشْرِينَ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَتْرٍ إِلَّا أَنَّهُ حَدِيثٌ انْفَرَدَ بِهِ عَبَّادُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ عَنْ أُنَيْسٍ عَنْ أَبِيهِ وَعَبَّادٌ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ
وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ
ذَكَرَ مَعْمَرٌ عَنْ مَنْ سَمِعَ الْحَسَنَ يَقُولُ نَظَرْتُ الشَّمْسَ عِشْرِينَ سَنَةً فَرَأَيْتُهَا تَطْلُعُ لَيْلَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ لَيْسَ لَهَا شُعَاعٌ
وَأَمَّا قَوْلِي إِنَّهَا قَدْ تَكُونُ فِي غَيْرِ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فَلِمَا رَوَاهُ جَعْفَرٌ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ كَانَ يَتَحَرَّى لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَيْلَةَ تِسْعَةَ عَشْرَ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ وَثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ
وَرَوَى يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ أَخْبَرَنَا الْمَسْعُودِيُّ عَنْ حَوْطٍ الْخُزَاعِيِّ قَالَ سَأَلْتُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فَمَا تَمَارَى وَلَا شَكَّ لَيْلَةَ تِسْعَ عَشَرَةَ لَيْلَةَ الْفَرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الجمعان
стр. 1472
وَعَنِ الثَّوْرِيِّ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ الْأَسْوَدِ قَالَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَيْلَةَ سَبْعَ عَشَرَةَ صَبِيحَةَ بَدْرٍ أَوْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ أَوْ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ
وقد روي حديث بن مَسْعُودٍ هَذَا مَرْفُوعًا وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ فِي التَّمْهِيدِ
وَذَكَرْنَا هُنَاكَ بِالْأَسَانِيدِ عَنْ أَرْبَعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي كل رمضان بن عمر وبن عَبَّاسٍ وَأَبِي ذَرٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ
وَمِنْهُمْ مَنْ يروي حديث بن عُمَرَ وَحَدِيثَ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعَيْنِ وَقَدْ ذَكَرْنَا ذلك في التمهيد
وروى بن جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي دَاوُدَ بْنِ أَبِي عَاصِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ قَالَ قُلْتُ لأبي هريرة وعمر أإن لَيْلَةَ الْقَدْرِ قَدْ رُفِعَتْ قَالَ كَذَبَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ قُلْتُ فَهِيَ فِي كُلِّ رَمَضَانَ قال نعم
وهذا كله من قول بن مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ يَرُدُّ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى عَنِ بن مَسْعُودٍ مَنْ يَقُمِ الْحَوْلَ يُصِبْهَا وَأَنَّ ذَلِكَ عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ عَلَيْهِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ حِينَ قَالَ أَحَبَّ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنْ لَا يَتَّكِلُوا
وَقَدْ حَكَى الْجَوْزَجَانِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ أَنَّهُمْ قَالُوا لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي السَّنَةِ كُلِّهَا كَأَنَّهُمْ ذَهَبُوا إِلَى قول بن مسعود
قال مالك وَالشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ هِيَ مُنْتَقِلَةٌ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رمضان ولا يدفعون أن تكون فِي كُلِّ رَمَضَانَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ رَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ أَخْبَرَنَا رَبِيعَةُ بْنُ كُلْثُومٍ قَالَ سَأَلَ رَجُلٌ الْحَسَنَ وَأَنَا عِنْدَهُ فَقَالَ يَا أَبَا سَعِيدٍ! أَرَأَيْتَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ أَفِي كُلِّ رَمَضَانَ هِيَ قَالَ إِي وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنَّهَا لَفِي كُلِّ رَمَضَانَ وَإِنَّهَا اللَّيْلَةُ الَّتِي يُفْرَقُ فِيهَا كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ فِيهَا يَقْضِي اللَّهُ كُلَّ خَلْقٍ وَأَجَلٍ وَرِزْقٍ وَعَمَلٍ إِلَى مِثْلِهَا
وَذَكَرْنَا في التمهيد خبر بن عَبَّاسٍ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنْهُ وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَيْضًا عَنْهُ وَاخْتَصَرْنَا هُنَا الْخَبِرَيْنِ مَعًا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ دَعَا جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَسَأَلَهُمْ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فَقَالُوا كُنَّا نَرَاهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوْسَطِ
стр. 1473
وَبَلَغَنَا أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ وَأَكْثَرُوا فِي ذلك فقال بن عَبَّاسٍ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَيَّ لَيْلَةٍ هِيَ فَقَالَ عُمَرُ وَأَيُّ لَيْلَةٍ هِيَ فَقَالَ سَابِعَةٌ تَمْضِي أَوْ سَابِعَةٌ تَبْقَى مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فَقَالَ عُمَرُ مِنْ أَيْنَ عَلِمْتَ ذَلِكَ قَالَ رَأَيْتُ اللَّهَ خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَسَبْعَ أَرَضِينَ وَسَبْعَةَ أَيَّامٍ يَدُورُ الدَّهْرُ عَلَيْهِنَّ وَخَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ سَبْعٍ وَيَأْكُلُ مِنْ سَبْعٍ فَتَلَا قَوْلَهُ (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) الْمُؤْمِنُونَ ١٢ - ١٤ وَأَمَّا يَأْكُلُ مِنْ سَبْعٍ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى (فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) عَبَسَ ٢٧٠٣١ فَالْأَبُّ لِلْأَنْعَامِ وَالسَّبْعَةُ لِلْإِنْسَانِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ وَفِي هَذَا الْخَبَرِ أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ مَنْ حَضَرَهُ يَوْمَئِذٍ مِنَ الصَّحَابَةِ - وَكَانُوا جَمَاعَةً - عَنْ مَعْنَى نُزُولِ سُورَةِ (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) الْفَتْحِ ١ فَوَقَفُوا وَلَمْ يَزِيدُوا عَلَى أَنْ قَالُوا أَمَرَ نَبِيَّهُ ﵇ إِذَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَنْ يُسَبِّحَهُ وَيَسْتَغْفِرَهُ فَقَالَ عمر ما تقول يا بن عَبَّاسٍ فَقَالَ مَعْنَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُ نَعَى إِلَيْهِ نَفْسَهُ وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ قَابِضَهُ إِلَيْهِ إِذَا دَخَلَتِ الْعَرَبُ فِي الدِّينِ أَفْوَاجًا فَسُرَّ عُمَرُ بِذَلِكَ وَقَالَ يَلُومُونِي فِي تَقْرِيبِ هَذَا الْغُلَامِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ لَوْ أَدْرَكَ أَسْنَانَنَا مَا عَاشَرَهُ مِنَّا رَجُلٌ وَنِعْمَ ترجمان القرآن بن عَبَّاسٍ
٦٦٣ - وَأَمَّا حَدِيثُ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْمَنَامِ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قد تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ
هَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ وَتَابَعَهُ قَوْمٌ
وَرَوَاهُ الْقَعْنَبِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَمَعْنُ بْنُ عيسى وبن وهب وبن الْقَاسِمِ بْنِ بُكَيْرٍ وَأَكْثَرُ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ عن نافع عن بن عُمَرَ أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ الْحَدِيثَ
وَالْحَدِيثُ مَحْفُوظٌ مَعْلُومٌ من حديث نافع عن بن عُمَرَ لِمَالِكٍ وَغَيْرِهِ مَحْفُوظٌ أَيْضًا مَعْنَاهُ لِمَالِكٍ وَغَيْرِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ بن عُمَرَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ
стр. 1474
وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عن بن عُمَرَ قَالَ كَانُوا لَا يَزَالُونَ يَقُصُّونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الرُّؤْيَا بِأَنَّهَا فِي اللَّيْلَةِ السَّابِعَةِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ إِنِّي أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ أَنَّهَا اللَّيْلَةُ السَّابِعَةُ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا لَيْلَةَ السَّابِعَةِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَوْلُهُ مَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قِيَامَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ نَافِلَةٌ غَيْرُ وَاجِبٍ وَلَكِنَّهَا فَضْلٌ
وَيَدُلُّ هَذَا الْحَدِيثُ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ عَلَى أَنَّ الْأَغْلَبَ فِيهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ
وَقَوْلُهُ أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ يَعْنِي فِي ذَلِكَ الْمَنَامَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَبِدَلِيلِ سَائِرِ الْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَرْوَانَ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى الْقَلْزُمِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ قَالَ سَمِعْتُ زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ يَقُولُ لَوْلَا سُفَهَاؤُكُمْ لَوَضَعْتُ يَدِي فِي أُذُنِي ثُمَّ نَادَيْتُ أَلَا إِنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ قَبْلَهَا ثَلَاثٌ نَبَأُ مَنْ لَمْ يَكْذِبْنِي عَنْ نَبَأِ مَنْ لَمْ يَكْذِبْهُ يَعْنِي بِهِ أُبَيَّ بْنِ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
٦٦٤ - مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ مَنْ يَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُرِيَ أَعْمَارَ النَّاسِ قَبْلَهُ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ فَكَأَنَّهُ تَقَاصَرَ أَعْمَارَ أُمَّتِهِ أَنْ لَا يَبْلُغُوا مِنَ الْعَمَلِ مِثْلَ الَّذِي بَلَغَ غَيْرُهُمْ فِي طُولِ الْعُمُرِ فَأَعْطَاهُ اللَّهُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَا أَعْلَمُ هَذَا الْحَدِيثَ يُرْوَى مُسْنَدًا وَلَا مُرْسَلًا مِنْ وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ إِلَّا مَا فِي الْمُوَطَّأِ وَهُوَ أَحَدُ الْأَرْبَعَةِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِ الْمُوَطَّأِ
أَحَدُهَا إِنِّي لَأَنْسَى - أَوْ أُنَسَّى
وَالثَّانِي إِذَا نَشَأَتْ بَحْرِيَّةٌ
وَالثَّالِثُ حَسِّنْ خُلُقَكَ لِلنَّاسِ مُعَاذَ بْنَ جبل
стр. 1475
وَالرَّابِعُ هَذَا
وَلَيْسَ مِنْهَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ وَلَا مَا يَدْفَعُهُ أَصْلٌ
وَفِيهِ مِنْ وُجُوهِ الْعِلْمِ أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَمْ يُعْطَهَا إِلَّا مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ ﷺ
وَفِيهِ أَنَّ أَعْمَارَ مَنْ مَضَى كَانْتَ أَطْوَلَ مِنْ أَعْمَارِنَا
أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا بن وَضَّاحٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى قَالَ حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ قَالَ حَدَّثَنِي بُجَيْرُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْبَوَاقِي مَنْ قَامَهُنَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَهِيَ لَيْلَةُ تِسْعٍ تَبْقَى أَوْ سَبْعٍ أَوْ خَمْسٍ أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ آخِرِ لَيْلَةٍ
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أن أَمَارَةَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ أَنَّهَا صَافِيَةٌ بُلْجَةٌ كَأَنَّ فِيهَا قَمَرًا سَاطِعًا سَاكِنَةً لَا بَرْدَ فِيهَا وَلَا حَرَّ وَلَا يَحِلُّ لِكَوْكَبٍ أَنْ يُرْمَى به فيها حتى يصبح وإن أمارتهما الشمس أن تَخْرُجُ صَبِيحَتَهَا مُشْرِقَةً لَيْسَ لَهَا شُعَاعٌ مِثْلَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ وَلَا يَحِلُّ لِلشَّيْطَانِ أَنْ يَطْلُعَ مَعَهَا يَوْمَئِذٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَهُوَ مِنْ حَدِيثِ الشَّامِيِّينَ رُوَاتُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ وَبَقِيَّةُ إِذَا رَوَى عَنِ الثِّقَاتِ فَلَيْسَ بِحَدِيثِهِ بَأْسٌ
٦٦٥ - وَأَمَّا حَدِيثُ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ كَانَ يَقُولُ مَنْ شَهِدَ الْعِشَاءَ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فَقَدْ أَخَذَ بِحَظِّهِ مِنْهَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ مِثْلُ هَذَا لَا يَكُونُ رَأْيًا وَلَا يُؤْخَذُ إِلَّا تَوْقِيفًا وَمَرَاسِيلُ سَعِيدٍ أَصَحُّ الْمَرَاسِيلِ
وَفِيهِ الْحَضُّ عَلَى شُهُودِ الْعِشَاءِ فِي جَمَاعَةٍ وَبَيَانُ فَضِيلَةِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ تَمَّ شرح كتاب الاعتكاف
следующие страницы →