Полный текст (4 158 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
وَاحِدٍ وَهُوَ مُوَجَّهٌ لِلْقِبْلَةِ يُقَلِّدُهُ بِنَعْلَيْنِ وَيُشْعِرُهُ مِنَ الشِّقِّ الْأَيْسَرِ ثُمَّ يُسَاقُ مَعَهُ حَتَّى يُوقَفَ بِهِ مَعَ النَّاسِ بِعَرَفَةَ ثُمَّ يَدْفَعُ به معهم إذا دفعوا فإذا قدم منى غَدَاةَ النَّحْرِ نَحَرَهُ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ وَكَانَ هُوَ يَنْحَرُ هَدْيَهُ بِيَدِهِ يَصُفُّهُنَّ قِيَامًا وَيُوَجِّهُهُنَّ إِلَى الْقِبْلَةِ ثُمَّ يَأْكُلُ وَيُطْعِمُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ التَّقْلِيدُ فِي الْهَدْيِ إِعْلَامٌ بِأَنَّهُ هَدْيٌ وَالنِّيَّةُ مَعَ التَّقْلِيدِ تُغْنِي عَنِ الْكَلَامِ فِيهِ وَكَذَلِكَ الشِّعَارُ وَالتَّحْلِيلُ عِنْدَ مَالِكٍ
٨١٤ - مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا طَعَنَ فِي سَنَامِ هَدْيِهِ وهو يشعره قال بسم اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّا قَوْلُهُ كَانَ إِذَا أَهْدَى هَدْيًا مِنَ الْمَدِينَةِ قَلَّدَهُ وَأَشْعَرَهُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ فَهِيَ السُّنَّةُ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ فَلَمَّا كَانَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ قَلَّدَ الْهَدْيَ وَأَشْعَرَهُ وَأَحْرَمَ فَإِنْ كَانَ الْهَدْيُ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يُقَلِّدُ نَعْلًا أَوْ نَعْلَيْنِ أَوْ مَا يُشْبِهُ ذَلِكَ مِمَّنْ يَجِدُ النِّعَالَ
قَالَ مَالِكٌ يُجْزِئُ النَّعْلُ الْوَاحِدُ في التقليد
وكذلك هو عند غير
وقال الثوري يقلد نعلين وفم القربة يجزئ
وَاخْتَلَفُوا فِي تَقْلِيدِ الْغَنَمِ
فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حنيفة لا تقلد الغنم
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ تُقَلِّدُ الْبَقَرَ وَالْإِبِلَ النِّعَالَ وَتُقَلِّدُ الْغَنَمَ الرِّقَاعَ
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَدَاوَدَ لِحَدِيثِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَهْدَى إِلَى الْبَيْتِ مَرَّةً غَنَمًا فَقَلَّدَهَا
وَقَالَ مَالِكٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَلَّدَ الْهَدْيُ إِلَّا عِنْدَ الْإِهْلَالِ يُقَلِّدُهُ ثُمَّ يُشْعِرُهُ ثُمَّ يُصَلِّي ثُمَّ يُحْرِمُ
стр. 1717
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ لَا يُقَلَّدُ إِلَّا هَدْيُ مُتْعَةٍ أَوْ قِرَانٍ أَوْ تَطَوُّعٍ
وَجَائِزٌ إِشْعَارُ الْهَدْيِ قَبْلَ تَقْلِيدِهِ وَتَقْلِيدُهُ قَبْلَ إِشْعَارِهِ وَكُلُّ ذَلِكَ قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
وَأَمَّا تَوَجُّهُهُ إِلَى الْقِبْلَةِ فِي حِينِ التَّقْلِيدِ فَإِنَّ الْقِبْلَةَ عَلَى كُلِّ حَالٍ يُسْتَحَبُّ اسْتِقْبَالُهَا بِالْأَعْمَالِ الَّتِي يُرَادُ بِهَا اللَّهُ تَبَرُّكًا بِذَلِكَ وَاتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ أَكَلَ ذَبِيحَتَنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا الْحَدِيثَ
فَهَذَا فِي الصَّلَاةِ وَتَدْخُلُ فِيهِ الذَّبِيحَةُ
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَقْبِلُ بِذَبِيحَتِهِ الْقِبْلَةَ وَيَقُولُ (وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ والأرض حنيفا) الأنعام ٧٩
وكره بن عمر وبن سِيرِينَ أَنْ يُؤْكَلَ مِنْ ذَبِيحَةِ مَنْ لَمْ يَسْتَقْبِلْ بِذَبِيحَتِهِ الْقِبْلَةَ
وَأَبَاحَ أَكْلَهَا جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ وَالْقَاسِمُ
وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ والْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ
وَيَسْتَحِبُّونَ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَقَدْ رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ خَيْرُ الْمَجَالِسِ مَا اسْتُقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةُ فَمَا ظَنُّكَ بِمَا هُوَ أَوْلَى بِذَلِكَ
وَأَمَّا تَقْلِيدُهُ بِنَعْلَيْنِ فَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
وَإِنَّمَا التَّقْلِيدُ عَلَامَةٌ لِلْهَدْيِ كَأَنَّهُ إِشْهَارٌ مِنْهُ أَنَّهُ أَخْرَجَ مَا قَلَّدَهُ مِنْ مِلْكِهِ لِلَّهِ وَجَائِزٌ أَنْ يُقَلِّدَ بِنَعْلٍ وَاحِدَةٍ وَنَعْلَانِ أَفْضَلُ إِنْ شَاءَ الله لمن وجدهما
وَكَذَلِكَ الْإِشْعَارُ أَيْضًا عَلَامَةٌ لِلْهَدْيِ وَجَائِزٌ الْإِشْعَارُ فِي الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ وَفِي الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ
стр. 1718
وقد روي عن بن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ رُبَّمَا فَعَلَ هَذَا وَرُبَّمَا فَعَلَ هَذَا إِلَّا أَنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ الْعِلْمِ يستحبون الإشعار في الجانب الأيمن لحديث بن عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ وَحَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَا حَدَّثَنِي شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي حَسَّانَ عن بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ ثُمَّ دَعَا بِبُدْنِهِ فَأَشْعَرَهَا فِي صَفْحَةِ سَنَامِهَا الْأَيْمَنِ ثُمَّ سَلَتَ الدَّمَ عَنْهَا وَقَلَّدَهَا بِنَعْلَيْنِ
وَمِمَّنِ اسْتَحَبَّ الْإِشْعَارَ فِي الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ
وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ يُشْعَرُ مِنَ الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ عَلَى ما رواه عن نافع عن بن عُمَرَ
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَبِيدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عن بن عُمَرَ
وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عن بن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُشْعِرُ فِي الشِّقِّ الْأَيْمَنِ حِينَ يُرِيدُ أَنْ يُحْرِمَ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَشْعِرْ مِنْ حَيْثُ شِئْتَ
وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يُنْكِرُ الْإِشْعَارَ وَيَكْرَهُهُ وَيَقُولُ إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ النَّهْيِ عَنِ الْمُثْلَةِ
وَهَذَا الْحُكْمُ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ إِلَّا التَّوَهُّمُ وَالظَّنُّ وَلَا تُتْرَكُ السُّنَنُ بِالظُّنُونِ
وَأَمَّا نَحْرُهُ بِمِنًى فَهُوَ الْمَنْحَرُ عِنْدَ الْجَمِيعِ فِي الْحَجِّ
وَأَمَّا تَقْدِيمُهُ النَّحْرَ قَبْلَ الْحَلْقِ فَهُوَ الْأَوْلَى عِنْدَ الْجَمِيعِ وَسَيَأْتِي فِي التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ فِيمَا يَفْعَلُ يَوْمَ النَّحْرِ مِنْ عَمَلِ الْحَجِّ وَمَا لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَذَاهِبِ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَأَمَّا صَفُّهُ لِبُدْنِهِ فَمَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ (فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عليها) الْحَجِّ ٣٦ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ
стр. 1719
وَأَمَّا أَكْلُهُ وَإِطْعَامُهُ مِنَ الْهَدْيِ فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ هَدْيَ تَطَوُّعٍ قَدْ بَلَغَ مَحِلَّهُ امْتِثَالًا لِقَوْلِ اللَّهِ (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا) الْحَجِّ ٣٦ وَهَذَا عِنْدَ الْجَمِيعِ فِي الْهَدْيِ التَّطَوُّعِ إِذَا بَلَغَ مَحِلَّهُ وَفِي الضَّحَايَا وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِيمَا يُؤْكَلُ مِنَ الْهَدْيِ وَمَا لَا يُؤْكَلُ مِنْهُ وَمَذَاهِبُ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَأَمَّا قَوْلُهُ عِنْدَ نَحْرِهِ بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ فَلِقَوْلِ اللَّهِ (فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا) الْحَجِّ ٣٦ وَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ يَسْتَحِبُّ التَّكْبِيرَ مع التسمية كما كان يقول بن عُمَرَ وَعَسَاهُ أَنْ يَكُونَ امْتَثَلَ قَوْلَ اللَّهِ (وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ) الْبَقَرَةِ ١٨٥
وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَقُولُ التَّسْمِيَةُ تُجْزِي وَلَا يَزِيدُ عَلَى بِسْمِ اللَّهِ وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَقُولَ بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُ أَكْبَرُ
وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي ذَبْحِ ضَحِيَّتِهِ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ
مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عمر كان يقول الْهَدْيُ مَا قُلِّدَ وَأُشْعِرَ وَوُقِفَ بِهِ بِعَرَفَةَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ قَبْلَ هَذَا عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَسُوقُ هَدْيَهُ حَتَّى يَقِفَهُ بِعَرَفَةَ مَعَ النَّاسِ ثُمَّ يَدْفَعَ به معهم إذا دفعوا فإذا قدم منى نَحَرَهُ
وَوَقْفُ الْهَدْيِ بِعَرَفَةَ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ لِمَنِ اشْتَرَى الْهَدْيَ بِمَكَّةَ وَلَمْ يُدْخِلْهُ مِنَ الْحِلِّ وَاجِبٌ لَا يُجْزِئُ عِنْدَهُمْ غَيْرُ ذَلِكَ على قول بن عُمَرَ الْهَدْيُ مَا قُلِّدَ وَأُشْعِرَ وَوُقِفَ بِهِ عَلَى عَرَفَةَ
قَالَ مَالِكٌ مَنِ اشْتَرَى هَدْيَهُ بِمَكَّةَ أَوْ بِمِنًى وَنَحَرَهُ وَلَمْ يُخْرِجْهُ إِلَى الْحِلِّ فَعَلَيْهِ الْبُدْنُ فَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْهَدْيِ قَدْ سَاقَهُ مِنَ الْحِلِّ اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَقِفَهُ بِعَرَفَةَ فَإِنْ لَمْ يَقِفْهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَحَسْبُهُ فِي الْهَدْيِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ
وَقَدْ كَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ يقول نحو قول بن عُمَرَ لَا يَصْلُحُ مِنَ الْهَدْيِ إِلَّا مَا عُرِّفَ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ
وَأَمَّا عَائِشَةُ فَكَانَتْ تَقُولُ إِنْ شِئْتَ فَعَرِّفْ وَإِنْ شِئْتَ فَلَا تعرف
وروي ذلك عن بن عَبَّاسٍ
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو ثَوْرٍ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَقْفُ الْهَدْيِ بِعَرَفَةَ سُنَّةٌ لِمَنْ شَاءَ إِذَا لَمْ يَسُقْهُ مِنَ الحل
стр. 1720
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَيْسَ بِسُنَّةٍ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِنَّمَا سَاقَ الْهَدْيَ مِنَ الْحِلِّ لِأَنَّ مَسْكَنَهُ كَانَ خَارِجَ الْحَرَمِ
وَقَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ أَوْلَى لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَاقَ هَدْيَهُ مِنَ الْحِلِّ
وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ التَّقْلِيدَ سُنَّةٌ فَكَذَلِكَ التَّعْرِيفُ لِمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهَدْيِهِ مِنَ الْحِلِّ
وَأَمَّا حُجَّةُ مَالِكٍ فِي إِيجَابِ ذَلِكَ فَلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَدْخَلَ هَدْيَهُ مِنَ الْحِلِّ وَقَالَ خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ وَالْهَدْيُ إِذَا وَجَبَ بِاتِّفَاقٍ فَوَاجِبٌ أَنْ لَا يُجْزِئَ إِلَّا بِمِثْلِ ذَلِكَ أَوْ سُنَّةٍ تُوجِبُ غَيْرَ ذَلِكَ وَالْفِعْلُ مِنْهُ ﷺ عِنْدَ الْمَالِكِيِّينَ عَلَى الْوُجُوبِ فِي مِثْلِ هَذَا
وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ الْحَاجَّ وَالْمُعْتَمِرَ يَجْمَعَانِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ فِي عَمَلِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ يَكُنْ لَهُ الْهَدْيُ
قَالُوا وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْهَدْيُ هَدْيًا لِأَنَّهُ يُهْدِي مِنَ الْحِلِّ إِلَى الْحَرَمِ كَمَا يُهْدِي مِنْ مِلْكٍ مَلَكَهُ إِلَى اللَّهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ تَابَعَهُ يَقُولُونَ اسْمُ الْهَدْيِ مُشْتَقٌّ مِنَ الْهَدِيَّةِ فَإِذَا أُهْدِيَ إِلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ فَقَدْ أَجْزَأَ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ جَاءَ
وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ بن عُمَرَ قَالَ إِنَّمَا الْهَدْيُ مَا قُلِّدَ وَأُشْعِرَ وَوُقِفَ بِهِ بِعَرَفَةَ وَأَمَّا مَا اشْتُرِيَ بِمِنًى فهو جزور
وعن بن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ عَرَّفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بالبدن
وكان بن سِيرِينَ يَكْرَهُ شِرَاءَ الْبَدَنَةِ إِذَا لَمْ تُوقَفْ بعرفة
وروى الثوري وبن عُيَيْنَةَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ مَا اسْتَطَعْتُمْ فَعَرِّفُوا بِهِ وَمَا لَمْ تَسْتَطِيعُوا فَاحْبِسُوهُ وَاعْقِلُوهُ بِمِنًى
مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ بن عُمَرَ كَانَ يُجَلِّلُ بُدْنَهُ الْقَبَاطِيَّ وَالْأَنْمَاطَ وَالْحُلَلَ ثُمَّ يَبْعَثُ بِهَا إِلَى الْكَعْبَةِ فَيَكْسُوهَا إِيَّاهَا
مَالِكٌ أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ دِينَارٍ مَا كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَصْنَعُ بِجِلَالِ بُدْنِهِ حِينَ كُسِيَتِ الْكَعْبَةُ هَذِهِ الْكُسْوَةَ قَالَ كَانَ يَتَصَدَّقُ بِهَا
مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَشُقُّ جِلَالَ بُدْنِهِ وَلَا يُجَلِّلُهَا حَتَّى يَغْدُوَ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَةَ
стр. 1721
قَالَ أَبُو عُمَرَ كَانَتِ الْكَعْبَةُ تُكْسَى مِنْ زمن تبع
ويقال إن أول من كسى الْكَعْبَةَ تُبَّعٌ الْحِمْيَرِيُّ
وَكِسْوَتُهَا مِنَ الْفَضَائِلِ الْمُتَقَرَّبِ بِهَا إِلَى اللَّهِ وَمِنْ كَرَائِمِ الصدقات فلهذا كان بن عُمَرَ يَكْسُو بُدْنَهُ الْجُلَلَ وَالْقَبَاطِيَّ وَالْحُلَلَ فَيُجَمِّلُ بِذَلِكَ بُدْنَهُ لِأَنَّ مَا كَانَ لِلَّهِ تَعَالَى فَتَعْظِيمُهُ وَتَجْمِيلُهُ مِنْ تَعْظِيمِ شَعَائِرِ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ يَكْسُوهَا الْكَعْبَةَ فَيَحْصُلُ عَلَى فَضْلَيْنِ وَعَمَلَيْنِ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ رَفِيعَيْنِ فَلَمَّا كَسَا الْأُمَرَاءُ الكعبة وحالوا بين الناس وكسوتها تصدق بن عُمَرَ حِينَئِذٍ بِجِلَالِ بُدْنِهِ لِأَنَّهُ شَيْءٌ أَخْرَجَهُ لله تعالى من ماله وما خرج لله تعالى فَلَا عَوْدَةَ فِيهِ
وَأَمَّا تَرْكُهُ تَجْلِيلَ بُدْنِهِ إِلَى يَوْمِ التَّرْوِيَةِ فِي حِينِ رَوَاحِهِ إِلَى عَرَفَةَ فَذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِأَنَّهُ شَيْءٌ قَصَدَ بِهِ التَّزْيِينَ وَالْجَمَالَ كَمَا يَتَزَيَّنُ بِاللِّبَاسِ فِي العيدين وينحر البدن في مجتمع الناس وذلك ليقتدي بِهِ النَّاسُ ٨١٥ - مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ فِي الضَّحَايَا وَالْبُدْنِ الثَّنِيُّ فَمَا فَوْقَهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا لَا يَجُوزُ مِنْ أَسْنَانِ الضَّحَايَا وَالْهَدَايَا بَعْدَ إِجْمَاعِهِمْ أَنَّهَا لَا تَكُونُ إِلَّا مِنَ الْأَزْوَاجِ الثَّمَانِيَةِ
وَأَجْمَعُوا أَنَّ الثَّنِيَّ فَمَا فَوْقَهُ يُجْزِئُ مِنْهَا كُلِّهَا
وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لا يجزئ الْجَزَعُ مِنَ الْمَعْزِ فِي الْهَدَايَا وَلَا فِي الضَّحَايَا لِقَوْلِهِ ﵇ لِأَبِي بُرْدَةَ لَمْ يُجْزِ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ
وَاخْتَلَفُوا فِي الْجَذَعِ من الضأن فأكثر أهل العلم يقولون يجزئ الْجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ هَدْيًا وَضَحِيَّةً
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَاللَّيْثِ وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وأبي ثور
وكان بن عمر يقول لا يجزئ فِي الْهَدْيِ إِلَّا الثَّنِيُّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ
وقال عطاء الجذع من الإبل يجزئ عَنْ سَبْعَةٍ
وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أن الجذع يجزئ عن ثلاثة
стр. 1722
مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لِبَنِيهِ يَا بَنِيَّ لَا يهدين أحدكم من البدن شيئا يستحي أن يُهْدِيهِ لِكَرِيمِهِ فَإِنَّ اللَّهَ أَكْرَمُ الْكُرَمَاءِ وَأَحَقُّ مَنِ اخْتِيرَ لَهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَمَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ سُئِلَ عَنْ أَفْضَلِ الرِّقَابِ أَغْلَاهَا ثَمَنًا وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا كَانَ ذَلِكَ نَدْبًا إِلَى اخْتِيَارِ مَا يُهْدَى إِلَى اللَّهِ وَيُبْتَغَى بِهِ مَرْضَاتُهُ إِنْ (شَاءَ اللَّهُ) وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
(٤٧ - بَابُ الْعَمَلِ فِي الْهَدْيِ إِذَا عَطِبَ أَوْ ضَلَّ)
٨١٦ - مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ صَاحِبَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أَصْنَعُ بِمَا عَطِبَ مِنَ الْهَدْيِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُلُّ بَدَنَةٍ عَطِبَتْ مِنَ الْهَدْيِ فَانْحَرْهَا ثُمَّ أَلْقِ قِلَادَتَهَا فِي دَمِهَا ثُمَّ خَلِّ بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّاسِ يَأْكُلُونَهَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مُسْنَدًا فِي غَيْرِ الْمُوَطَّأِ
حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَكَمٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو خَلِيفَةَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ نَاجِيَةَ الْأَسْلَمِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مَعَهُ بِهَدْيٍ قَالَ إِنْ عَطِبَ فَانْحَرْهُ ثُمَّ اصْبُغْ نَعْلَهُ فِي دَمِهِ ثُمَّ خَلِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ
وَهَكَذَا رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ منهم بن عُيَيْنَةَ وَوَهْبٌ لَمْ يَزِيدُوا فِيهِ عَلَى قَوْلِهِ وخل بينها وبين الناس يأكلونها
وروى بن عَبَّاسٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَزَادَ فِيهِ لَا تَأْكُلْ مِنْهَا أَنْتَ وَلَا أَهْلَ رُفْقَتِكَ
حَدَّثَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا بن زيد قال حدثنا أبو
стр. 1723
التياج عَنْ مُوسَى بْنِ سَلَمَةَ قَالَ خَرَجْتُ أَنَا وَسِنَانُ بْنُ سَلَمَةَ مُعْتَمِرَيْنِ قَالَ وَانْطَلَقَ سِنَانٌ مَعَهُ بِبَدَنَةٍ يَسُوقُهَا فَأَزْحَفَتْ عَلَيْهِ بِالطَّرِيقِ فَعَيِيَ بِشَأْنِهَا إِنْ هِيَ أُبْدِعَتْ كَيْفَ يَأْتِي بِهَا فَقَالَ لَئِنْ قَدِمْتُ الْبَلَدَ لَأَسْتَحْفِيَنَّ عَنْ ذَلِكَ قَالَ فَأَضْحَيْتُ لَمَّا نَزَلْنَا الْبَطْحَاءَ قَالَ انْطَلِقْ إلى بن عَبَّاسٍ نَتَحَدَّثُ إِلَيْهِ قَالَ فَذَكَرَ لَهُ شَأْنَ بَدَنَتِهِ فَقَالَ عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسِتَّ عَشْرَةَ بَدَنَةً مَعَ رَجُلٍ وَأَمَرَهُ فِيهَا قَالَ فَمَضَى ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ أَصْنَعُ بِمَا أُبْدِعَ عَلَيَّ مِنْهَا قَالَ انْحَرْهَا ثُمَّ اصْبُغْ نَعْلَيْهَا فِي دَمِهَا ثُمَّ اجْعَلْهُ عَلَى صَفْحَتِهَا وَلَا تَأْكُلْ مِنْهَا أَنْتَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ
وَرَوَاهُ شُعْبَةَ وَسَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سِنَانِ بن سلمة عن بن عَبَّاسٍ أَنَّ ذُؤَيْبًا أَبَا قَبِيصَةَ الْخُزَاعِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَبْعَثُ مَعَهُ بِالْبُدْنِ ثُمَّ يَقُولُ إِذَا عَطِبَ مِنْهَا شَيْءٌ وَخَشِيتَ عَلَيْهِ مَوْتًا فَانْحَرْهُ ثُمَّ اغْمِسْ نَعْلَهُ فِي دَمِهِ ثُمَّ اضْرِبْ بِهِ صَفْحَتَهُ وَلَا تَطْعَمْ مِنْهُ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَا يوجد هذا اللفظ إلا في حديث بن عَبَّاسٍ قَوْلُهُ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ عَلَى خِلَافِهِ وَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ فَإِنَّ أَهْلَ رُفْقَتِهِ وَغَيْرَهُمْ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ نَاجِيَةَ الْأَسْلَمِيِّ خَلِّ بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّاسِ فَيَأْكُلُونَهَا لَمْ يَخُصَّ أَهْلَ رُفْقَتِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ
وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ إِلَّا أَبَا ثَوْرٍ وَدَاوُدَ قَالَا لَا يَأْكُلُ مِنْهَا هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ مَنْ قَالَ بِهَذَا قَالَ هِيَ زِيَادَةُ حَافِظٍ يَجِبُ الْعَمَلُ بها وكأنه جعل أَهْلِ رُفْقَتِهِ فِي حُكْمِهِ لِمَا نُدِبَ إِلَيْهِ الرَّفِيقُ مِنْ مُوَاسَاةِ رَفِيقِهِ فَزَادَهُ وَإِلَّا فَالْقَوْلُ مَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ لِظَاهِرِ حَدِيثِ نَاجِيَةَ خَلِّ بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّاسِ وَهَذَا عَلَى عُمُومِهِ
وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يَصْنَعُ بِالْهَدْيِ التَّطَوُّعِ إِذَا عَطِبَ قَبْلَ مَحِلِّهِ مَا فِي حَدِيثِ نَاجِيَةَ وَحَدِيثِ بن عَبَّاسٍ مِنْ غَمْسِ نَعْلِهِ فِي دَمِهِ وَضَرْبِهِ بِهِ صَفْحَتَهُ وَالتَّخْلِيَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِيَكُونَ عَلَامَةً أَنَّهَا مُبَاحٌ أَكْلُهَا وَأَنَّهَا لِلَّهِ فَجَعَلَهَا خَارِجَةً عَنْ مِلْكِ صاحبها
стр. 1724
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ (كَيْفَ أَصْنَعُ بِمَا عَطِبَ مِنَ الْهَدْيِ) فَإِنَّ مَحْمَلَ هَذَا عِنْدَ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْهَدْيِ التَّطَوُّعِ لِأَنَّهُ هَدْيٌ بَعَثَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما في حديث ناجية وبن عَبَّاسٍ فَهُوَ هَدْيُ تَطَوُّعٍ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ سَاقَهُ أَكْلَ شَيْءٍ مِنْهُ أَقَامَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَقَامَ نَفْسِهِ بِمَا يَلْتَزِمُ مَحِلَّهُ لِيَأْكُلَهُ قَبْلَ وُجُوبِ أَكْلِهِ قَطْعًا للذريعة في ذلك
٨١٧ - مالك عن بن شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ مَنْ سَاقَ بَدَنَةً تَطَوُّعًا فَعَطِبَتْ فَنَحَرَهَا ثُمَّ خَلَّى بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّاسِ يَأْكُلُونَهَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَإِنْ أَكَلَ مِنْهَا أَوْ أَمَرَ مَنْ يَأْكُلُ مِنْهَا غَرِمَهَا
مَالِكٌ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ مثل ذلك
٨١٨ - مالك عن بن شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ مَنْ أَهْدَى بَدَنَةً جَزَاءً أَوْ نَذْرًا أَوْ هَدْيَ تَمَتُّعٍ فَأُصِيبَتْ فِي الطَّرِيقِ فَعَلَيْهِ الْبَدَلُ
مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ مَنْ أَهْدَى بَدَنَةً ثُمَّ ضَلَّتْ أَوْ مَاتَتْ فَإِنَّهَا إِنْ كَانَتْ نَذْرًا أَبْدَلَهَا وَإِنْ كَانَتْ تَطَوُّعًا فَإِنْ شَاءَ أَبْدَلَهَا وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهَا
مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ أَهْلَ الْعِلْمِ يَقُولُونَ لَا يَأْكُلُ صَاحِبُ الْهَدْيِ مِنَ الْجَزَاءِ وَالنُّسُكِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّا الْهَدْيُ التَّطَوُّعُ إِذَا بَلَغَ مَحِلَّهُ فَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي أَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْهُ صَاحِبُهُ إِنْ شَاءَ كَسَائِرِ النَّاسِ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الضَّحَايَا وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَكَلَ مِنَ الْهَدْيِ الْوَاجِبِ أَوْ أَكَلَ مِنَ الْهَدْيِ التَّطَوُّعِ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ
فَكَانَ مَالِكٌ والْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ يَقُولُونَ فِي الْهَدْيِ التَّطَوُّعِ يَعْطَبُ قَبْلَ مَحِلِّهِ أَنَّ عَلَى صَاحِبِهِ أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ يَأْكُلُونَهُ وَلَا يَأْمُرُ أَحَدًا يَأْكُلُ مِنْهُ فَقِيرًا وَلَا غَنِيًّا يَتَصَدَّقُ وَلَا يَطْعَمُ وَحَسْبُهُ وَالتَّخْلِيَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ
وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ يَتَصَدَّقُ بِهِ أَفْضَلَ مِنْ أَنْ يَتْرُكَهُ لِلسِّبَاعِ فَتَأْكُلَهُ
وَأَمَّا مَا يُطَمْئِنُ الْآكِلَ مِنَ الْهَدْيِ الَّذِي لَا يَجِبُ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ قَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ أَيْضًا
стр. 1725
فَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ إِنْ أَكَلَ مِنْهُ أَبْدَلَهُ كله
وروى بن وَهْبٍ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ فِي الَّذِي يَأْكُلُ مِنْ هَدْيٍ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ قَالَ أَرَى أَنْ يَتَصَدَّقَ بِقَدْرِ مَا أَكَلَ طَعَامًا يُطْعِمُهُ الْمَسَاكِينَ وَلَا أَرَى عَلَيْهِ غير بدله
قال بن وَهْبٍ خَالَفَهُ مَالِكٌ فَقَالَ إِنْ أَكَلَ مِنْهُ شَيْئًا وَلَوْ نَصِفَهُ وَآخِرَهُ أَبْدَلَهُ كُلَّهُ
وَبِهِ يأخذ بن وهب
وكذلك قال بن الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ إِنْ أَكَلَ مِنْهُ فَعَلَيْهِ بَدَلُهُ كُلُّهُ كَانَ الَّذِي أَكَلَ مِنْهُ قَلِيلًا أو كثيرا
قال بن الْقَاسِمِ إِنْ أَكَلَ مِنَ الْهَدْيِ الَّذِي نَذَرَ لِلْمَسَاكِينِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُطْعِمَ قِيمَةَ مَا أَكَلَ للمساكين ولا يكون عليه البدل
وقال بن حَبِيبٍ إِنْ أَكَلَ مِمَّا لَا يَجِبُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ فَعَلَيْهِ ثَمَنُ مَا أَكَلَ طَعَامًا يَتَصَدَّقُ بِهِ
وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ
وَرُوِيَ عَنْ علي بن أبي طالب وبن مسعود وبن عَبَّاسٍ فِي الْهَدْيِ يَعْطَبُ قَبْلَ مَحِلِّهِ أَنَّ صاحبه إن أكل منه أو أمر عزم
وعن بن الْمُسَيَّبِ وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ مِثْلُ ذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُمْ لَيْسَ عِنْدَهُمْ تَفْسِيرُ مَا يَغْرَمُ مَا أَكَلَ أَوْ أَتْلَفَ
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ عَطَاءٌ وَالزُّهْرِيُّ إِنَّ عَلَيْهِ الْبَدَلَ إِنْ فَعَلَ شَيْئًا من ذَلِكَ
وَمَنْ قَالَ عَلَيْهِ الْبَدَلُ أَوْجَبَ عَلَيْهِ غُرْمَ الْجَمِيعِ
وَعَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ عَلَى مَا قَدَّمْنَا
وَاخْتَلَفُوا فِي الْهَدْيِ الَّذِي يُؤْكَلُ مِنْهُ
فَقَالَ مَالِكٌ يُؤْكَلُ مِنْ كُلِّ الْهَدْيِ إِلَّا جَزَاءَ الصَّيْدِ وَنَذْرَ الْمَسَاكِينِ وَفِدْيَةَ الْأَذَى وَهَدْيَ التَّطَوُّعِ الَّذِي يَعْطَبُ فِي الطَّرِيقِ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ يُؤْكَلُ مِنْ هَدْيِ الْمُتْعَةِ وَالْإِحْصَارِ وَالْوَصِيَّةِ وَالتَّطَوُّعِ إِذَا بَلَغَ مَحِلَّهُ لَا يُؤْكَلُ مِنْ غَيْرِهَا
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ لَا يُؤْكَلُ مِنَ الْهَدْيِ إِلَّا هَدْيُ الْمُتْعَةِ وَهَدْيُ التَّطَوُّعِ يَعْنُونَ إِذَا بَلَغَ مَحِلَّهُ وَهَدْيُ الْقِرَانِ وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا يُؤْكَلُ مِنْهُ شَيْءٌ
стр. 1726
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يُؤْكَلُ مِنَ الْهَدْيِ كُلِّهِ إِلَّا التَّطَوُّعَ خَاصَّةً إِذَا بَلَغَ مَحِلَّهُ وَكُلُّ مَا كَانَ وَاجِبًا مِنَ الْهَدْيِ فَلَحْمُهُ كُلُّهُ لِلْمَسَاكِينِ وَجِلْدُهُ وَكَذَلِكَ جُلُّهُ وَالنَّعْلَانِ اللَّتَانِ عَلَيْهِ
قَالَ وَكَذَلِكَ عِنْدِي هَدْيُ الْمُتْعَةِ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ فَسَبِيلُهُ سَبِيلُ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَهَدْيُ الْإِفْسَادِ وَهَدْيُ الْقِرَانِ فَكُلُّ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ فَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ شَيْئًا
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ مِثْلَهُ
ذَكَرَ بن أبي شيبة قال حدثنا بن عُلَيَّةَ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ لَيْثٍ عَنْ عَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَمُجَاهِدٍ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ لَا يُؤْكَلُ مِنَ الْفِدْيَةِ وَلَا مِنْ جزاء الصيد
عبد الرزاق عن بن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ لَا يَأْكُلُ مِنْ جزاء الصيد ولا من نذر المساكين ولا من الْكَفَّارَاتِ وَيَأْكُلُ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ الْهَدْيُ وَاجِبًا وَعَطِبَ قَبْلَ مَحِلِّهِ فَإِنَّ صَاحِبَهُ يَأْكُلُهُ إِنْ شَاءَ أَوْ مَا شَاءَ مِنْهُ وَيُطْعِمُ مِنْهُ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ لِأَنَّ عَلَيْهِ بَدَلَهُ
وَعَلَى هَذَا جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَ لَهُ بَيْعَ لَحْمِهِ وَأَنْ يَسْتَعِينَ بِهِ فِي الْبَدَلِ
وَكَرِهَ ذَلِكَ مَالِكٌ لِأَنَّهُ بَيْعُ شَيْءٍ أَخْرَجَهُ لِلَّهِ
وَمَنْ أَجَازَ بَيْعَ لَحْمِهِ عَلَى جَوَازِ أَكْلِهِ
وَقَدْ كَانَ عَطَاءٌ يُبِيحُ الْبَيْعَ فِي ذَلِكَ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ
وَرَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ عن عكرمة عن بن عَبَّاسٍ قَالَ إِذَا أَهْدَيْتَ هَدْيًا وَاجِبًا فَعَطِبَ فَانْحَرْهُ فَإِنْ شِئْتَ فَكُلْ وَإِنْ شِئْتَ فَأَهْدِ وَإِنْ شِئْتَ فَتَقَوَّلْ بِهِ فِي هَدْيٍ آخَرَ
وأما قول بن عُمَرَ (أَنَّهُ مَنْ أَهْدَى بَدَنَةً ثُمَّ ضَلَّتْ أَوْ مَاتَتْ فَإِنَّهَا إِنْ كَانَتْ نَذْرًا أَبْدَلَهَا وَإِنْ كَانَتْ تَطَوُّعًا فَإِنْ شَاءَ أَبْدَلَهَا وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهَا)
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَا خِلَافَ فِي هَذَا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَأَصْلُهُمْ فِيهِ الصَّلَاةُ النَّافِلَةُ لَا تُقْضَى لِمَنْ غَلَّبَ عَلَيْهَا مَا يُفْسِدُهَا وَالنَّذْرُ وَالصَّلَاةُ الْفَرِيضَةُ مَا غَلَبَهُ عَلَيْهَا مِنَ الْحَدَثِ وَغَيْرِهِ لَا يُسْقِطُهَا
قَالَ عَبْدُ الرزاق عن بن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ أَمَّا النَّذْرُ فَإِنْ كَانَ لِلْمَسَاكِينِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَإِنْ قَالَ عَلَيَّ بَدَنَةٌ أَوْ هَدْيٌ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ شَيْئًا فَهُوَ هَدْيٌ وَالْمُتْعَةُ سَوَاءٌ لِيُهْدِ مِنْهُمَا لِمَنْ هُوَ غَنِيٌّ عَنْهُمَا مِنْ صَدِيقٍ أَوْ ذِي رَحِمٍ وَلَيَأْكُلْ هُوَ وَأَهْلَهُ وَلْيَتَصَدَّقْ وَلْيَنْتَفِعْ بِجُلُودِهَا وَلَا يَبِعْ
стр. 1727
قَالَ وَهَلْ لِلْمُتْعَةِ لِهَدْيِ الْمُحْصَرِ فِيمَا يُؤْكَلُ مِنْهُ سَوَاءٌ
وَاخْتَلَفُوا فِي هَدْيِ التَّطَوُّعِ إِذَا عَطِبَ وَقَدْ دَخَلَ الْحَرَمَ
فَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلُونَ إِذَا دَخَلَ الْحَرَمَ فَقَدْ بَلَغَ مَحِلَّهُ وَالْحَرَمُ كُلُّهُ وَمَكَّةُ وَمِنًى سَوَاءٌ لِأَنَّهُ حَرَمٌ كُلُّهُ
وَأَجْمَعُوا أَنَّ قَوْلَهُ (ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ) الْحَجِّ ٣٣ لَمْ يُرِدْ بِهِ الذَّبْحَ وَلَا النَّحْرَ فِي الْبَيْتِ الْعَتِيقِ لِأَنَّ الْبَيْتَ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِلدِّمَاءِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَمَرَ بِتَطْهِيرِهِ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِذِكْرِهِ الْبَيْتَ الْعَتِيقَ مَكَّةَ وَمِنًى
وَكَذَلِكَ قَالَ ﷺ مَكَّةُ كُلُّهَا مَنْحَرٌ يَعْنِي فِي الْعُمْرَةِ وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ يَعْنِي فِي الْحَجِّ
فالحرم كله مكة ومنى لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ حَرَمٌ فَإِذَا عَطِبَ الْهَدْيُ التَّطَوُّعُ فِي الْحَرَمِ جَازَ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ
وَإِذَا كَانَ هَدْيًا وَاجِبًا وَبَلَغَ الْحَرَمَ وَعَطِبَ فَقَدْ جَزَى عَنْهُ لِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي سِيَاقِهِ الْهَدْيَ إِطْعَامُ مَسَاكِينِ الْحَرَمِ
وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَعَطَاءٍ وَكَثِيرٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ
وَرَوَى بن جُرَيْجٍ وَحَبِيبٌ الْمُعَلِّمِ وَغَيْرُهُمَا عَنْ عَطَاءٍ قَالَ كُلُّ هَدْيٍ بَلَغَ الْحَرَمَ فَعَطِبَ فَقَدْ أَجْزَى
وَقَدِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ قَتْلَ الصَّيْدِ بِمَكَّةَ وَمِنًى وَسَائِرِ الْحَرَمِ سَوَاءٌ فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ
وَقَالَ ﷺ فِي مَكَّةَ لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا
وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْحَرَمَ كُلَّهُ فِي ذَلِكَ حُكْمُهُ حُكْمُهَا
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ مَنْ أَحْرَمَ مِنَ الْمِيقَاتِ قَطَعَ التَّلْبِيَةَ إِذَا دَخَلَ الْحَرَمَ وَمِنْ قَوْلِهِ (إِنَّ الْحَرَمَ لَا يُدْخَلُ إِلَّا بِإِحْرَامٍ) فَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْحَرَمِ وَمَكَّةَ إِلَّا أَنَّ مَذْهَبَهُ فِيمَا
стр. 1728
عَطِبَ أَوْ نُحِرَ مِنَ الْهَدْيِ قَبْلَ بُلُوغِ مكة أنه لا يجزئ قَوْلُهُ تَعَالَى (ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ) الْحَجِّ ٣٣
وَاحْتَجَّ لَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي بِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ لَا يَكُونَانِ إِلَّا بِمَكَّةَ وَأَنَّ رَمْيَ الْجِمَارِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِمِنًى وَكَذَلِكَ النَّحْرُ لَا يَكُونُ إِلَّا فِيهِمَا
(٤٨ - بَابُ هَدْيِ الْمُحْرِمِ إِذَا أَصَابَ أَهْلَهُ)
٨١٩ - مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ سُئِلُوا عَنْ رَجُلٍ أَصَابَ أَهْلَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ بِالْحَجِّ فَقَالُوا يَنْفُذَانِ يَمْضِيَانِ لِوَجْهِهِمَا حَتَّى يَقْضِيَا حَجَّهُمَا ثُمَّ عَلَيْهِمَا حَجٌّ قَابِلٌ وَالْهَدْيُ
قَالَ وَقَالَ علي بن أبي طالب وإذا أهلا بِالْحَجِّ مِنْ عَامٍ قَابِلٍ تَفَرَّقَا حَتَّى يَقْضِيَا حَجَّهُمَا
٨٢٠ - مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ مَا تَرَوْنَ فِي رَجُلٍ وَقَعَ بِامْرَأَتِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَلَمْ يَقُلْ لَهُ الْقَوْمُ شَيْئًا فَقَالَ سَعِيدٌ إِنَّ رَجُلًا وَقَعَ بِامْرَأَتِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَبَعَثَ إِلَى الْمَدِينَةِ يَسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا إِلَى عَامٍ قَابِلٍ فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ لِيَنْفُذَا لِوَجْهِهِمَا فَلْيُتِمَّا حَجَّهُمَا الَّذِي أَفْسَدَاهُ فَإِذَا فَرَغَا رَجَعَا فَإِنْ أَدْرَكَهُمَا حَجٌّ قَابِلٌ فَعَلَيْهِمَا الْحَجُّ وَالْهَدْيُ وَيُهِلَّانِ مِنْ حَيْثُ أهلا بحجهما الذي أفسدا وَيَتَفَرَّقَانِ حَتَّى يَقْضِيَا حَجَّهُمَا
قَالَ مَالِكٌ يُهْدِيَانِ جَمِيعًا بَدَنَةً بَدَنَةً
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَالَ اللَّهُ (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الحج) الْبَقَرَةِ ١٩٧
وَأَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ وَطْءَ النِّسَاءِ عَلَى الْحَاجِّ حَرَامٌ مِنْ حِينِ يُحْرِمُ حَتَّى يَطُوفَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى (فَلَا رَفَثَ) الْبَقَرَةِ ١٩٧ وَالرَّفَثُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الْجِمَاعُ عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ وَقَدْ قِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ
стр. 1729
وَالصَّوَابُ عِنْدَهُمْ مَا ذَكَرْتُ لَكَ فِي تَأْوِيلِ الرَّفَثِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ من وطىء قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَقَدْ أَفْسَدَ حَجَّهُ وَمَنْ وطىء مِنَ الْمُعْتَمِرِينَ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَيَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَقَدْ أَفْسَدَ عُمْرَتَهُ وَعَلَيْهِ قَضَاءُ الْحَجِّ وَالْهَدْيِ قَابِلًا وَقَضَاءُ الْعُمْرَةِ وَالْهَدْيِ في كل وقت يمكنه ذلك
واختلفوا فيمن وطىء أهله بعد عرفة وقبل رمي جمرة العقبة وفيمن وطىء قبل الإفاضة أيضا وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِيمَا بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
فأما اختلافهم فيمن وطىء بَعْدَ عَرَفَةَ وَقَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ الْجَمْرَةَ فَقَالَ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ فِي رَجُلٍ وَقَعَ بِامْرَأَتِهِ فِي الْحَجِّ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَدْفَعَ مِنْ عَرَفَةَ وَيَرْمِيَ الْجَمْرَةَ إِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْهَدْيُ وَحَجُّ قَابِلٍ
قَالَ فَإِنْ كَانَتْ إِصَابَتُهُ أَهْلَهُ بَعْدَ رَمْيِ الْجَمْرَةِ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَمِرَ وَيُهْدِيَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ حَجُّ قَابِلٍ
وَرَوَى بن أَبِي حَازِمٍ وَأَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ رجع عن قوله في الموطأ فيمن وطىء بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَقَبْلَ رَمْيِ الْجَمْرَةِ أَنْ حَجَّهُ يَفْسُدُ بِوَطْئِهِ ذَلِكَ وَقَالَ لَيْسَ عَلَيْهِ إلا العمرة والهدي وحجه تام كمن وطىء بَعْدَ رَمْيِ الْجَمْرَةِ سَوَاءً
قَالَ أَبُو مُصْعَبٍ إن وطىء بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ لَيْلَةِ النَّحْرِ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ وَالْهَدْيُ وَإِنْ كَانَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَدْ فَسَدَ حَجُّهُ
وَفِي الْأَسَدِيَّةِ لِابْنِ الْقَاسِمِ إِنْ يَطَأْ بَعْدَ مَغِيبِ الشَّمْسِ يَوْمَ النَّحْرِ فَحَجُّهُ تَامٌّ رَمَى الْجَمْرَةَ أَوْ لَمْ يَرِمِ
وَقَدْ تَقَصَّيْنَا الِاخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ وأصحابه في كتب اختلافهم
وروى بن وَهْبٍ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ أَيْضًا قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ مَنْ أَفْسَدَ حَجَّهُ أَوْ عُمْرَتَهُ بِإِصَابَةِ نِسَاءٍ فَإِنَّهُ يُهِلُّ مِنْ حَيْثُ كَانَ أَهَلَّ بِحَجِّهِ الَّذِي أَفْسَدَ أَوْ عُمْرَتِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَهَلَّ مِنْ أَبْعَدَ من الميقات فليس عليه أن يهل من الميقات
وقال بن الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الَّذِي يُفْسِدُ حَجَّهُ بِإِصَابَةِ أَهْلِهِ يَحُجَّانِ مِنْ قَابِلٍ وَيَفْتَرِقَانِ إِذَا أَحْرَمَا
قَالَ فَقُلْتُ لَهُ وَلَا يُؤَخِّرَانِ ذَلِكَ حَتَّى يَأْتِيَ الْمَوْضِعَ الَّذِي أَفْسَدَا فِيهِ حَجَّهُمَا فَقَالَ لَا وَهَذَا الَّذِي سَمِعْتُ
قَالَ أَشْهَبُ فَقُلْتُ لَهُ مِمَّا افْتِرَاقُهُمَا أَيَفْتَرِقَانِ فِي الْبُيُوتِ أَوْ فِي الْمَنَاهِلِ لَا
стр. 1730
يَجْتَمِعَانِ فِي مَنْهَلٍ قَالَ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي مَنْزِلٍ وَلَا يَتَسَايَرَانِ وَلَا فِي الْجُعْفَةِ وَلَا بِمَكَّةَ وَلَا بِمِنًى
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ إِذَا جَامَعَ الْمُحْرِمُ امْرَأَتَهُ أَفْسَدَ حَجَّهُ وَحَجَّهَا وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ وَعَلَيْهَا أُخْرَى فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَدَنَةٌ أُخْرَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاةٌ ثُمَّ يَمْضِيَانِ فِي حَجِّهِمَا فَإِذَا فَرَغَا مِنْ حَجِّهِمَا حَلَّا وَعَلَيْهِمَا الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ وَلَا يَنْزِلَانِ بِذَلِكَ الْمَكَانِ الَّذِي تَوَاقَعَا فِيهِ إِلَّا وَهُمَا مُهِلَّانِ ثُمَّ يَفْتَرِقَا مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ وَلَا يَجْتَمِعَانِ حَتَّى يَفْرُغَا مِنْ حَجِّهِمَا لَا يَكُونَانِ فِي مَحْمَلٍ وَلَا فُسْطَاطٍ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إِذَا جَامَعَ الْمُحْرِمُ امْرَأَةً قَبْلَ الْوُقُوفِ بعرفة كان على كل واحد مِنْهُمَا شَاةٌ يَذْبَحُهَا وَيَتَصَدَّقَا بِلَحْمِهَا وَيَقْضِيَا حَجَّهُمَا مَعَ النَّاسِ وَعَلَيْهِمَا الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ وَلَا يَفْتَرِقَانِ فَإِنَّ جَامَعَ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ وَيُجْزِئُهُ شَاةٌ وَلَا حَجَّ عَلَيْهِ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الْجِمَاعُ يُفْسِدُ الْإِحْرَامَ مَا كَانَ إِذَا جَاوَزَ الْخِتَانَ فَإِذَا جَامَعَ الْمُفْرِدُ أَوِ الْقَارِنُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَمْضِيَ فِي إِحْرَامِهِ حَتَّى يَفْرُغَ ثُمَّ يَحُجُّ قَابِلًا بِمِثْلِ إِحْرَامِهِ الَّذِي أَفْسَدَ حَاجًّا قَارِنًا أَوْ مُعْتَمِرًا وَيُهْدِي بَدَنَةً تُجْزِئُ عَنْهُمَا مَعًا وَإِذَا أَهَلَّا بِقَضَاءِ حَجِّهِمَا أَهَلَّا مِنْ حَيْثُ أَهَلَّا أَوَّلًا وَإِنْ كَانَ أَبْعَدَ مِنَ الْمِيقَاتِ فَإِنْ كَانَا أَهَلَّا بِالْإِحْرَامِ الَّذِي أفسداه مِنْ مِيقَاتِهِمَا أَحْرَمَا مِنْ مِيقَاتِهِمَا فَإِنْ جَاوَزَاهُ أَهْدَيَا دَمًا
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ مِثْلَ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ عَلَى الْمَرْأَةِ إِلَّا إِنْ كَانَتْ طَاوَعَتْهُ دَمٌ مِثْلَ مَا عَلَى الرَّجُلِ وَلَا يَفْتَرِقَانِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ تَلْخِيصُ أَقْوَالِهِمْ أَنَّ مَالِكًا ذَهَبَ إِلَى أَنَّ مَنْ وَقَعَ بِأَهْلِهِ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَقَبْلَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فَقَدْ فَسَدَ حَجُّهُ
وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وأصحابه والثوري إذا وطىء بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ وَحَجُّهُ تَامٌّ
وقال مالك يجزئ الْوَاطِئَ شَاةٌ كَسَائِرِ الْهَدَايَا
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يُجْزِئُ الْوَاطِئَ إِلَّا بَدَنَةٌ أَوْ سَبْعٌ مِنَ الْغَنَمِ
وَقَالَ مَالِكٌ الَّذِي يُفْسِدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَاءٌ دَافِقٌ
قَالَ وَلَوْ قَبَّلَ امْرَأَتَهُ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ ذَلِكَ مَاءٌ دَافِقٌ لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ فِي الْقُبْلَةِ إِلَّا الْهَدْيُ
стр. 1731
هَذَا كُلُّهُ قَوْلُهُ فِي الْمُوَطَّأِ وَجُمْلَةُ مَذْهَبِهِ عِنْدَ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ مَنْ لَمَسَ فَقَبَّلَ فَأَنْزَلَ أَوْ تَابَعَ النَّظَرَ فَأَنْزَلَ فَقَدْ فَسَدَ حَجُّهُ
وقال الأوزاعي إن لمس فأنزل أو وطىء دُونَ الْفَرْجِ فَأَنْزَلَ فَقَدْ أَفْسَدَ حَجَّهُ
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ إِذَا لَمَسَ فَأَنْزَلَ فَقَدْ أَفْسَدَ حَجَّهُ
قَالَ عُبَيْدٌ وَإِنْ نَظَرَ فَأَنْزَلَ لَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الَّذِي يُفْسِدُ الْحَجَّ مِنَ الْجِمَاعِ مَا يُوجِبُ الْحَدَّ وَذَلِكَ أَنْ تَغِيبَ الْحَشَفَةُ وَيَلْتَقِيَ الْخِتَانَانِ لَا يُفْسِدُهُ شَيْءٌ غَيْرُ ذَلِكَ
قَالَ وَإِنْ جَامَعَ دُونَ الْفَرْجِ فَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَنْحَرَ بَدَنَةً وَيُجْزِئُهُ شَاةٌ
قَالَ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا تَلَذَّذَ مِنَ امْرَأَتِهِ مِنْ قُبْلَةٍ أَوْ مُبَاشَرَةٍ أَوْ غَيْرِهَا أَجْزَأَهُ الدَّمُ
قَالَ وَيَكْفِي الْمَرْأَةَ إِذَا تَلَذَّذَتْ بِالرَّجُلِ كَمَا يَكْفِي الرَّجُلَ
وَبِذَلِكَ كُلِّهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُفْسِدُ الْحَجَّ إِلَّا أَنْ يُنْزِلَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ حُجَّةُ مَنْ لَمْ يَرَ فَسَادَ الْحَجِّ إِلَّا بِالْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ الْقِيَاسُ عَلَى مَا أجمعوا عليه من وجوب الحد وعلة من جعل الْإِفْسَادِ فِي الْفَرْجِ وَفِي غَيْرِ الْفَرْجِ الْقِيَاسُ عَلَى مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنَ الْغُسْلِ وَاتَّفَقُوا فِيمَنْ قَبَّلَ وَهُوَ مُحْرِمٌ
قَالَ مَالِكٌ لَيْسَ عَلَى مَنْ جَامَعَ مِرَارًا إِلَّا هَدْيٌ وَاحِدٌ وَعَلَيْهِمَا وَاحِدٌ إِنْ طَاوَعَتْهُ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إِنْ كَرَّرَ الْوَطْءَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ أَجَزَاهُ هَدْيٌ وَاحِدٌ وَإِنْ كَانَ فِي مَجَالِسَ مُخْتَلِفَةٍ فعليه في كل مجلس هدي
وقال محمد بن الحسن يجزئه هدي واحد ما لم يبعد وطؤه الأول
وَلِلشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا كَقَوْلِ مَالِكٍ وَهُوَ الْأَشْهَرُ عَنْهُ
وَالْآخَرُ عَلَيْهِ فِي كُلِّ وَطْءٍ هَدْيٌ
وَالْآخَرُ إِنْ كَانَ قَدْ كَفَّرَ فَعَلَيْهِ هَدْيٌ آخَرُ مِثْلُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ
واختلفوا فيمن وطىء امْرَأَتَهُ نَاسِيًا
فَقَالَ مَالِكٌ سَوَاءٌ وَطَأَ نَاسِيًا أَوْ عَامِدًا فَعَلَيْهِ الْحَجُّ قَابِلَ وَالْهَدْيُ
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ
وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ إِذَا وَطَأَ نَاسِيًا وَلَا قضاء
стр. 1732
مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مَنْ قَالَ لَا يَخْتَلِفُ قَوْلُهُ أَنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ كَالصِّيَامِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَحْكَامُ الْحَجِّ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ وَلُبْسِ الثِّيَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ يَسْتَوِي فِيهِ الْخَطَأُ وَالْعَمْدُ فَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الوطء فِي الْحَجِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَقَالَ مَالِكٌ كُلُّ نَقْصٍ دَخَلَ الْإِحْرَامَ مِنْ وَطْءٍ أَوْ حَلْقِ شَعْرٍ أَوْ إِحْصَارٍ بِمَرَضٍ فَإِنَّ صَاحِبَهُ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ لَا مَدْخَلَ لِلْإِطْعَامِ فِيهِ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ كُلُّ جِنَايَةٍ وَقَعَتْ فِي الْإِحْرَامِ فَلَا يُجْزِئُ فِيهَا إِلَّا الْهَدْيُ ولا يجوز فيها إلا الصِّيَامُ وَلَا الْإِطْعَامُ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ عَلَى الْحَاجِّ بَدَنَةٌ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ قُوِّمَتِ الْبَدَنَةُ دَرَاهِمَ وَقُوِّمَتِ الدَّرَاهِمُ طَعَامًا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا إِلَّا أَنَّ الطَّعَامَ وَالْهَدْيَ لَا يُجْزِيهِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا إِلَّا بِمَكَّةَ أَوْ بِمِنًى وَالصَّوْمُ حَيْثُ شَاءَ
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ نَحْوَ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ
وَقَالَ مَالِكٌ مَنْ أَكْرَهَ امْرَأَتَهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُحِجَّهَا مِنْ مَالِهِ وَيَهْدِيَ عَنْهَا كَمَا يَهْدِي عَنْ نَفْسِهِ وَإِنْ طَاوَعَتْهُ فَعَلَيْهَا أَنْ تَحُجَّ وَتُهْدِيَ مِنْ مَالِهَا
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ وَإِنْ أَكْرَهَهَا فَإِنَّهَا تَحُجُّ مِنْ مَالِهَا وَلَا تَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَنْ أَكْرَهَهَا
وَقَالَ أَصْحَابُهُ تَرْجِعُ بِكُلِّ مَا أَنْفَقَتْ عَلَى الزَّوْجِ إِذَا أَكْرَهَهَا
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ كَقَوْلِ مَالِكٍ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إِنْ طَاوَعَتْهُ فَعَلَيْهِمَا أَنْ يَحُجَّا وَيُهْدِيَا بَدَنَةً وَاحِدَةً عَنْهُ وَعَنْهَا لِقَوْلِهِ فِي الصَّوْمِ إِنَّ كَفَارَّةً وَاحِدَةً تُجْزِي عَنْهُمَا
وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ عَلَى الرَّجُلِ إِذَا أَكْرَهَهَا أَنْ يُحِجَّهَا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي حَلَالِ حَلْقِ رَأْسِ مُحْرِمٍ لِغَيْرِ أَمْرِهِ إِنَّ عَلَى الْمُحْرِمِ الْفِدْيَةَ وَيَرْجِعُ عَلَى الْحَلَالِ
قَالَ مَالِكٌ من وطىء امْرَأَتَهُ فَأَفْسَدَ حَجَّتَهُ فَإِنَّهُمَا يَحُجَّانِ مِنْ قَابِلٍ فَإِذَا أَهَلَّا تَفَرَّقَا مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَا
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ يَفْتَرِقَا مِنْ حَيْثُ أَفْسَدَا الْحَجَّةَ الْأُولَى
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ لَا يفترقان
стр. 1733
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ
وَقَالَ زُفَرُ يَفْتَرِقَانِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ الصَّحَابَةُ ﵃ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَحَدُهُمَا يَفْتَرِقَانِ مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَا
وَالْآخَرُ يَفْتَرِقَانِ مِنْ حَيْثُ أفسدا الحج
وليس على أَحَدٍ مِنْهُمْ لَا يَفْتَرِقَانِ
وَاخْتَلَفَ التَّابِعُونَ فِي ذَلِكَ فَبَعْضُهُمْ قَالُوا لَا يَفْتَرِقَانِ
(٤٩ - بَابُ هَدْيِ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ)
٨٢١ - مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ خَرَجَ حَاجًّا حَتَّى إِذَا كَانَ بِالنَّازِيَةِ مِنْ طَرِيقِ مَكَّةَ أَضَلَّ رَوَاحِلَهُ وَإِنَّهُ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَوْمَ النَّحْرِ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ عُمَرُ اصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الْمُعْتَمِرُ ثُمَّ قَدْ حَلَلْتَ فَإِذَا أَدْرَكَكَ الْحَجُّ قَابِلًا فَاحْجُجْ وَأَهْدِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ
٨٢٢ - مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ هَبَّارَ بْنَ الْأَسْوَدِ جَاءَ يَوْمَ النَّحْرِ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَنْحَرُ هَدْيَهُ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَخْطَأْنَا الْعِدَّةَ كنا نَرَى أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ يَوْمُ عَرَفَةَ فَقَالَ عمر اذهب إلى مكة فطف أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ وَانْحَرُوا هَدْيًا إِنْ كَانَ مَعَكُمْ ثُمَّ احْلِقُوا أَوْ قَصِّرُوا وَارْجِعُوا فَإِذَا كَانَ عَامُ قَابِلٍ فَحُجُّوا وَأَهْدُوا فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ
قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ قَرَنَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ ثُمَّ فَاتَهُ الْحَجُّ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ قَابِلًا وَيَقْرِنَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَيُهْدِي هَدْيَيْنِ هَدْيًا لِقِرَانِهِ الْحَجَّ مَعَ الْعُمْرَةِ وَهَدْيًا لِمَا فَاتَهُ مِنَ الْحَجِّ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ قَدِيمًا وَلَا حَدِيثًا أَنَّ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ بِفَوْتِ عَرَفَةَ لَا يَكُونُ يَخْرُجُ مِنْ إِحْرَامِهِ إِلَّا بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِذَا لَمْ يَحُلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ حَائِلٌ يَمْنَعُهُ مِنْ عَمَلِ الْعُمْرَةِ إِلَّا شَيْءٌ رُوِيَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ
стр. 1734
مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ مَنْ فَاتَتْهُ عَرَفَةُ وَأَدْرَكَ الْوُقُوفَ بِجَمْعٍ مَعَ الْإِمَامِ فَقَدْ جَزَى عَنْهُ حَجُّهُ وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَهُ غَيْرُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي الْوُقُوفِ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَمَنْ رَآهُ مِنْ فُرُوضِ الْحَجِّ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ الْخِلَافُ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِيمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ إِنَّمَا هُوَ فِي الْهَدْيِ خَاصَّةً وَيَدُلُّكَ عَلَى عِلْمِ مَالِكٍ بِالِاخْتِلَافِ تَرْجَمَتُهُ هَذَا الْبَابَ هَدْيُ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ
قَالَ مَالِكٌ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ يَحْلِلُ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ
وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ
وَحُجَّتُهُمْ إِجْمَاعُ الْجَمِيعِ عَلَى مَنْ حَبَسَهُ الْمَرَضُ وَمَنَعَهُ حَتَّى فَاتَهُ الْحَجُّ أَنَّ عَلَيْهِ الْهَدْيَ
فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ تَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ وَعَلَيْهِ حَجُّ قَابِلٍ وَلَا هدي عليه
وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ يَعْمَلُ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ عَمَلِ الْحَجِّ وَيُفِيضُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا ظَاهِرُهُ عَلَى خِلَافِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ عَمَلِ الْعُمْرَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لأنه لا بد مِنَ الطَّوَافِ عِنْدَهُ وَالسَّعْيِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَحُجَّةُ مَنْ أَسْقَطَ الْهَدْيَ عَنْ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ أَنَّ الْقَضَاءَ اللَّازِمَ بِذَلِكَ يُسْقِطُ الْهَدْيَ عَنْهُ لِأَنَّ الْهَدْيَ بَدَلٌ مِنَ الْقَضَاءِ وَبَدَلٌ مِنْهُ
قَالُوا وَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَى الْمُحْصَرِ الْهَدْيُ لِأَنَّهُ لَا يَصِلُ إِلَى الْبَيْتِ فَيَحِلُّ بِهِ فِي وَقْتِهِ
قَالَ وَالْمُحْرِمُ لَا يَحِلُّ مِنْ إِحْرَامِهِ إِلَّا بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ أَوْ يَهْدِي لِقَوْلِهِ (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) الْبَقَرَةِ ١٩٦ أَيْ لَا يَحِلُّ إِلَّا بِهَدْيٍ إِذَا مُنِعَ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى الْبَيْتِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا غَيْرُ لَازِمٍ عِنْدَ الْحِجَازِيِّينَ لِأَنَّ الْمُحْرِمَ عِنْدَهُمُ إِذَا لَمْ يَحْصُرْهُ عُذْرٌ فَلَا يُحِلُّهُ إِلَّا الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَمَنْ أَحْصَرَهُ الْعُذْرُ لَمْ يَحْتَجْ عِنْدَ بَعْضِهِمْ إِلَى هَدْيٍ وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ
وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْقَارِنِ يَفُوتُهُ الْحَجُّ فَقَدْ وَافَقَهُ الشَّافِعِيُّ وَخَالَفَهُمَا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ فَقَالُوا يَطُوفُ وَيَسْعَى لِعُمْرَتِهِ ثُمَّ يَطُوفُ وَيَسْعَى لِحَجَّتِهِ وَيَحِلُّ وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ وَلَيْسَ عَلَيْهِ عُمْرَةٌ وَتُجْزِئُهُ عُمْرَتُهُ وَيَسْقُطُ عَنْهُ دَمُ الْقِرَانِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ الْقَوْلُ مَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فَإِنَّ كُلَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ إِنَّمَا
стр. 1735
يَقْضِيهِ كَمَا فَاتَهُ وَهَدْيُ الْقِرَانِ وَاجِبٌ بِإِجْمَاعٍ وَهَدْيٌ بَدَلُ مِيقَاتِ الْحَجِّ وَاجِبٌ لِقَوْلِ عُمَرَ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ من غير نكير
وجمهور العلماء على أن مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ لَا يُقِيمُ عَلَى إِحْرَامِهِ ذَلِكَ وَعَلَيْهِ مَا وَصَفْنَا مِنْ إِتْيَانِ الْبَيْتِ لِلطَّوَافِ بِهِ وَالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ يَحِلُّ بِالتَّقْصِيرِ أَوِ الْحَلْقِ ثُمَّ يَقْضِي حَجَّهُ عَلَى مَا بَيَّنَّا قَبْلُ وَأَنَّهُ إِنْ أَقَامَ عَلَى إِقْرَانِهِ حَتَّى الْحَجِّ مِنْ قَابِلٍ لَمْ يَجُزْ عِنْدَهُمْ
وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا وَالثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الِاخْتِيَارِ لِمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ أَنْ يَتَحَلَّلَ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ وَلَا يُقِيمَ مُحْرِمًا إِلَى قَابِلٍ وَلَكِنَّهُ جَائِزٌ عِنْدَهُ أَنْ يُقِيمَ عَلَى إِحْرَامِهِ إِلَى قَابِلٍ فَإِنْ فَعَلَ سَقَطَ عِنْدَهُ عَنْهُ الْحَجُّ وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى أَنْ يَتَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ وَعِنْدَ غَيْرِهِ لَا يُجْزِئُهُ إِقَامَتُهُ عَلَى إِحْرَامِهِ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَنْ يَتَحَلَّلَ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ وَيَحُجَّ مِنْ قَابِلٍ
ثُمَّ اخْتِلَافُهُمْ فِي الْهَدْيِ عَلَيْهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا عَنْهُمْ وَلِمَا قَالَ اللَّهُ (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ) الْبَقَرَةِ ١٩٧ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إِحْرَامُ أَحَدٍ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ فَمِنْهُمْ مَنْ أَلْزَمُهُ ذَلِكَ مِنْهُمْ مَالِكٌ لِقَوْلِهِ (أوفوا بالعقود) الْمَائِدَةِ ١ عَلَى أَنَّ الِاخْتِيَارَ عِنْدَهُ أَنْ لَا يَفْعَلَ
وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ إِحْرَامَهُ عُمْرَةً كَمَنْ أَحْرَمَ بِالظُّهْرِ قَبْلَ الزَّوَالِ
(٥٠ - بَابُ مَنْ أَصَابَ أَهْلَهُ قَبْلَ أَنْ يُفِيضَ)
٨٢٣ - مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ وَقَعَ بِأَهْلِهِ وَهُوَ بِمِنًى قَبْلَ أَنْ يُفِيضَ فَأَمَرَهُ أَنْ يَنْحَرَ بَدَنَةً
٨٢٤ - مَالِكٌ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ مولى بن عَبَّاسٍ قَالَ لَا أَظُنُّهُ إِلَّا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ الَّذِي يُصِيبُ أَهْلَهُ قَبْلَ أَنْ يُفِيضَ يَعْتَمِرُ وَيُهْدِي
стр. 1736
٨٢٥ - مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ رَبِيعَةَ بْنَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ فِي ذَلِكَ مِثْلَ قَوْلِ عِكْرِمَةَ عن بن عَبَّاسٍ
قَالَ مَالِكٌ وَذَلِكَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ كَانَ مَالِكٌ ﵀ قَدْ سَمِعَ الِاخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ
أَحَدُهَا قَوْلُ مَالِكٍ هذا من وطىء بَعْدَ الْجَمْرَةِ قَبْلَ الْإِفَاضَةِ فَعَلَيْهِ عُمْرَةٌ وَهَدْيٌ
وَهُوَ قَوْلُ عِكْرِمَةَ
وَبِهِ قَالَ رَبِيعَةُ
وَفِيهِ رواية عن بن عَبَّاسٍ
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِيمَا ذَكَرَ عَنْهُ الْأَثْرَمُ
وَالثَّانِي أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا هَدْيُ بَدَنَةٍ وَحَجُّهُمَا تَامٌّ
هَذَا هُوَ الصحيح عن بن عَبَّاسٍ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ
وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَالشَّعْبِيُّ
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُجْزِئُهُ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ
وَالثَّالِثُ أَنَّ حَجَّهُ فَاسِدٌ وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ قَابِلَ وَالْهَدْيُ
وَهُوَ قَوْلُ بن عُمَرَ
رَوَى هُشَيْمٌ قَالَ أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ إِيَاسٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ الْبَارِقِيُّ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ عَمَّانَ حَجَّ مَعَ امْرَأَتِهِ فَلَمَّا قَضَيَا وَحَلَقَ الرَّجُلُ رَأْسَهُ وَلَبِسَ الثِّيَابَ وَذَبَحَ ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ فَوَقَعَ بِامْرَأَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ فَانْطَلَقْتُ به إلى بن عُمَرَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ اقْضِيَا مَا بَقِيَ عَلَيْكُمَا مِنْ نُسُكِكُمَا وَعَلَيْكُمَا الْحَجُّ فِي قَابِلٍ
قَالَ قُلْتُ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّهُمَا مِنْ أَهْلِ عَمَّانَ بَعِيدِ الشُّقَّةِ فَلَمْ يزدني على ذلك
وقال الحسن البصري وبن شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِيمَنْ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ أَنَّهُ قَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ مَا حَرُمَ عَلَيْهِ إِلَّا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدِ اخْتُلِفَ فِي الطِّيبِ وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ النِّسَاءَ عَلَيْهِ حرام
стр. 1737
وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي وأبو الفرج عمرو بن محمد المالكي قالا من وطىء قَبْلَ الْإِفَاضَةِ فَسَدَ حَجُّهُ سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ رَمْيِ الْجَمْرَةِ أَوْ بَعْدَهُ لِأَنَّ وَطْءَ النِّسَاءِ عَلَيْهِ حَرَامٌ حَتَّى يَطُوفَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ الْمُفْتَرَضِ عَلَيْهِ
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ رِوَايَةَ أَبِي حازم وأبي مصعب فيمن وطىء بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ قَبْلَ رَمْيِ الْجَمْرَةِ وَذَكَرْنَا الإجماع فيمن وطىء قبل الوقوف بعرفة
وتحصيل مذهب بن القاسم عن مالك أن من وطىء بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ وَإِنْ لَمْ يَرْمِ الْجَمْرَةَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا الْهَدْيُ وَالْعُمْرَةُ خَاصَّةً وَإِنَّمَا يكون عندهم الهدي إذا وطىء بَعْدَ رَمْيِ الْجَمْرَةِ يَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ الْإِفَاضَةِ
قال عبد الملك بن الماجشون إنما جعل مَالِكٌ عَلَيْهِ الْعُمْرَةُ مَعَ الْهَدْيِ لِيَكُونَ طَوَافُهُ بِالْبَيْتِ فِي إِحْرَامٍ صَحِيحٍ
قَالَ إِسْمَاعِيلُ هَذَا قَوْلٌ ضَعِيفٌ لِأَنَّ إِحْرَامَهُ لِعُمْرَةٍ يُوجِبُ عَلَيْهِ طَوَافًا لَهَا وَسَعْيًا فَكَيْفَ يَكُونُ الطَّوَافُ لِلْعُمْرَةِ وَالْإِفَاضَةِ مَعًا
وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَسُئِلَ عَمَّنْ نَسِيَ الْإِفَاضَةَ حَتَّى خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ وَرَجَعَ إِلَى بِلَادِهِ فَقَالَ أَرَى إِنْ لَمْ يَكُنْ أَصَابَ النِّسَاءَ فَلْيَرْجِعْ فَلْيُفِضْ وَإِنْ كَانَ أَصَابَ النِّسَاءَ فَلْيَرْجِعْ فَلْيُفِضْ ثُمَّ لِيَعْتَمِرْ وَلْيُهْدِ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ هَدْيَهُ مِنْ مَكَّةَ وَيَنْحَرَهُ بِهَا وَلَكِنْ إِنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَهُ مَعَهُ مِنْ حَيْثُ اعْتَمَرَ فَلْيَشْتَرِهِ بِمَكَّةَ ثُمَّ لِيُخْرِجْهُ إِلَى الْحِلِّ فَلْيَسُقْهُ مِنْهُ إِلَى مَكَّةَ ثُمَّ يَنْحَرُهُ بِهَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيمَنْ نَسِيَ الإفاضة في بابه مِنْ هَذَا الْكِتَابِ وَفِي هَذَا الْبَابِ الْجَوَابُ عَلَى مَنْ أَصَابَ النِّسَاءَ قَبْلَ أَنْ يُفِيضَ عَلَى مَذْهَبِ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا التَّعْرِيفُ بِالْهَدْيِ وَمَا لِلسَّلَفِ فِي ذَلِكَ مِنَ الِاخْتِيَارِ
(٥١ - بَابُ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ)
٨٢٦ - مَالِكٌ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ كَانَ يَقُولُ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ شَاةٌ
٨٢٧ - مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ شَاةٌ
стр. 1738
قَالَ مَالِكٌ وَذَلِكَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ ﵎ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ (يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا) الْمَائِدَةِ ٩٥ فَمِمَّا يُحْكَمُ بِهِ فِي الْهَدْيِ شَاةٌ وَقَدْ سَمَّاهَا اللَّهُ هَدْيًا وَذَلِكَ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا وَكَيْفَ يَشُكُّ أَحَدٌ فِي ذَلِكَ وَكُلُّ شَيْءٍ لَا يَبْلُغُ أَنْ يُحْكَمَ فِيهِ بِبَعِيرٍ أَوْ بَقَرَةٍ فَالْحُكْمُ فِيهِ شَاةٌ وَمَا لَا يَبْلُغُ أَنْ يُحْكَمَ فِيهِ بِشَاةٍ فَهُوَ كَفَّارَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ إِطْعَامِ مَسَاكِينَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ أَحْسَنَ مَالِكٌ فِي احْتِجَاجِهِ هَذَا وَأَتَى بِمَا لَا مَزِيدَ لِأَحَدٍ فِيهِ وَجْهًا حَسَنًا فِي مَعْنَاهُ
وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَعَلَيْهِ تَدُورُ فَتْوَى فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ بِالْعِرَاقِ وَالْحِجَازِ فيما استيسر من الهدي
وكان بن عمر يَقُولُ (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) الْبَقَرَةِ ١٩٦ بَدَنَةٌ دُونَ بَدَنَةٍ وَبَقَرَةٌ دُونَ بَقَرَةٍ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ مِثْلُ ذَلِكَ
ذَكَرَ سُنَيْدٌ عَنْ هُشَيْمٍ قَالَ أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ عائشة وبن عمر أنهما قالا (فما اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) الْبَقَرَةِ ١٩٦ النَّاقَةُ ثُمَّ النَّاقَةُ والبقرة دون البقرة
وكان بن عُمَرَ يَقُولُ الصِّيَامُ لِلْمُتَمَتِّعِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الشَّاةِ
رَوَاهُ وَبَرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعَطَاءٌ عن بن عُمَرَ
وَرَوَى عَنْهُ صَدَقَةُ بْنُ يَسَارٍ أَنَّهُ قَالَ الشَّاةُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الْبَدَنَةِ
وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي جَمْرَةَ عَنِ بن عباس قال (فما اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) الْبَقَرَةِ ١٩٦ نَاقَةٌ أَوْ بَقَرَةٌ أَوْ شِرْكٌ فِي دَمٍ
٨٢٨ - مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ (فما اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) بَدَنَةٌ أَوْ بَقَرَةٌ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا قَوْلٌ مُجْمَلٌ يُفَسِّرُهُ مَا ذَكَرْنَا عَنْهُ عَنْ عَائِشَةَ وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَعْلَى الْهَدْيِ بَدَنَةٌ فَكَيْفَ يَكُونُ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهدي إلا أن مَعْنَاهُ مَا ذَكَرْنَا وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا
стр. 1739
٨٢٩ - مالك عن عبد الله بن أبي بكر أَنَّ مَوْلَاةً لِعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يُقَالُ لَهَا رُقَيَّةُ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا خَرَجَتْ مَعَ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَى مَكَّةَ قَالَتْ فَدَخَلَتْ عَمْرَةُ مَكَّةَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَأَنَا مَعَهَا فَطَافَتْ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ دَخَلَتْ صُفَّةَ الْمَسْجِدِ فَقَالَتْ أَمَعَكِ مِقَصَّانِ فَقُلْتُ لَا فَقَالَتْ فَالْتَمِسِيهِ لِي فَالْتَمَسْتُهُ حَتَّى جِئْتُ بِهِ فَأَخَذَتْ مِنْ قُرُونِ رَأْسِهَا فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ ذَبَحَتْ شَاةً
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ مَا يَحْتَاجُ إِلَى الْقَوْلِ لِأَنَّ الشَّاةَ دُونَ الْحِلَابِ لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ وَإِنَّمَا أَدْخَلَ مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ شَاهِدًا عَلَى مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ شَاةٌ لِأَنَّ الْمُتَمَتِّعَ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ لِقَوْلِهِ (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) الْبَقَرَةِ ١٩٦ وَعَمْرَةُ كَانَتْ مُتَمَتِّعَةً لَا شَكَّ فِيهِ وَلِلْمُتَمَتِّعِ أَنْ يُؤَخِّرَ الذَّبْحَ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ
وَفِي أَخْذِ عَمْرَةَ مِنْ قُرُونِ رَأْسِهَا فِي الْمَسْجِدِ دَلِيلٌ عَلَى طَهَارَةِ شَعْرِ الْإِسْلَامِ
وَعَلَى هَذَا جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ فِي طَهَارَةِ شُعُورِ بَنِي آدَمَ
وقد كان للشافعي فيه قول رجع عنه إِلَى مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ بِدَلِيلِ حَلْقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَعْرَ رَأْسِهِ فِي حَجَّتِهِ وَأَنَّهُ أَعْطَاهُ أَبَا طَلْحَةَ وَغَيْرَهُ وَلَوْ كَانَ نَجِسًا مَا وَهَبَهُ لَهُمْ وَلَا مَلَّكَهُمْ إِيَّاهُ
وَأَمَّا قَوْلُهُ (مِنْ قُرُونِ رَأْسِهَا) فَالْقُرُونُ هُنَا الضَّفَائِرُ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تَأْخُذَ الْمَرْأَةُ مِنْ كُلِّ ضَفِيرَةٍ قَدْرًا مُمْكِنًا فَتَعُمُّ بِالتَّقْصِيرِ ضَفَائِرَهَا وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ جَزَا عَنْهَا أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ تَقْصِيرٍ مِنْ شَعْرِهَا
(٥٢ - بَابُ جَامِعِ الْهَدْيِ)
٨٣٠ - مَالِكٌ عَنْ صَدَقَةَ بْنِ يَسَارٍ الْمَكِّيِّ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ جَاءَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَقَدْ ضَفَّرَ رَأْسَهُ فَقَالَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنِّي قَدِمْتُ بِعُمْرَةٍ
стр. 1740
مُفْرَدَةٍ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لَوْ كُنْتُ مَعَكَ أَوْ سَأَلْتَنِي لَأَمَرْتُكَ أَنْ تَقْرِنَ فَقَالَ الْيَمَانِيُّ قَدْ كَانَ ذَلِكَ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ خُذْ مَا تَطَايَرَ مِنْ رَأْسِكَ وَأَهْدِ فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ مَا هَدْيُهُ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ هَدْيُهُ فَقَالَتْ لَهُ مَا هَدْيُهُ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لَوْ لَمْ أَجِدْ إِلَّا أَنْ أَذْبَحَ شَاةً لَكَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَصُومَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يُضَفِّرَ رَأْسَهُ إِلَّا أَنَّ مَنْ ضَفَّرَ أَوْ لَبَّدَ أَوْ عَقَصَ فَعَلَيْهِ الْحِلَاقُ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ بَعْدَهُ لِمَا فِي التَّضْفِيرِ مِنْ وِقَايَةِ الرَّأْسِ لِأَنْ لَا يَصِلَ الْغُبَارُ إِلَى جِلْدِهِ
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ على أن القرآن كان عند بن عُمَرَ أَوْلَى مِنْ التَّمَتُّعِ وَقَدْ كَانَ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ يُفَضِّلُ التَّمَتُّعَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى هَذَا وَقَالَ مَا أَمْرُهُمَا إِلَّا وَاحِدٌ أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ مَعَ الْعُمْرَةِ الْحَجَّ
وَأَمَّا قَوْلُ الْيَمَانِيِّ (قَدْ كَانَ ذَلِكَ) أَيْ قَدْ فَاتَ الْقِرَانُ لِأَنَّهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ سَأَلَهُ بَعْدَ أَنْ طَافَ وَسَعَى لِعُمْرَتِهِ وَلَا سَبِيلَ إِلَى الْقِرَانِ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْحَجَّ لَا يَدْخُلُ عَلَى الْعُمْرَةِ إِلَّا قَبْلَ ذَلِكَ
وَأَمَّا أَمْرُ بن عُمَرَ الْيَمَانِيَّ بِالتَّقْصِيرِ وَقَدْ ضَفَّرَ فَإِنَّمَا ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِأَنَّهُ رَأَى عَلَيْهِ حَلْقَ رَأْسِهِ يَوْمَ النَّحْرِ فِي حَجِّهِ الَّذِي تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَيْهِ فَأَرَادَ أَنْ لَا يَحْلِقَ فِي الْعُمْرَةِ لِيَحْلِقَ فِي الْحَجِّ
وَأَمَّا قَوْلُهُ (فَأَهْدِ) فَإِنَّهُ يُرِيدُ هَدْيَ مُتْعَتِهِ
ثُمَّ سُئِلَ (مَا الْهَدْيُ) فَقَالَ إِنْ لَمْ أَجِدْ إِلَّا شَاةً لَكَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنَ الصَّوْمِ
فَهَذَا يَرُدُّ رِوَايَةَ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ الصِّيَامُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الشَّاةِ
وَرِوَايَةُ مَالِكٍ عَنْ صَدَقَةَ بْنِ يَسَارٍ هَذِهِ أَصَحُّ عَنْهُ لِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ مِنْ مَذْهَبِهِ تَفْضِيلُ إِرَاقَةِ الدِّمَاءِ فِي الْحَجِّ عَلَى سَائِرِ الْأَعْمَالِ
وَيُرْوَى (مَا هَدْيُهُ) وَأَمَّا هَدْيُهُ وَهُوَ الْأَوْلَى لِأَنَّهُ مِمَّا يُهْدَى إِلَى اللَّهِ
وَعَلَى نَحْوِ هَذَا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ الصَّلَاةُ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ وَالصَّدَقَةُ أَفْضَلُ مِنَ الصَّوْمِ
٨٣١ - مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ الْمَرْأَةُ المحرمة إذا
стр. 1741
حَلَّتْ لَمْ تَمْتَشِطْ حَتَّى تَأْخُذَ مِنْ قُرُونِ رَأْسِهَا وَإِنْ كَانَ لَهَا هَدْيٌ لَمْ تَأْخُذْ مِنْ شَعْرِهَا شَيْئًا حَتَّى تَنْحَرَ هَدْيَهَا
إِنَّمَا قَالَ هَذَا لِأَنَّ الْحِلَاقَ نُسُكٌ يُحِلُّ لِمَنْ رَمَى الْجَمْرَةَ إِلْقَاءَ التَّفَثِ كُلِّهِ وَهُوَ الشَّعَثُ
وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ الْحِلَاقَ مِنَ النُّسُكِ وَجَعَلَهُ أَوَّلَ الْحِلِّ فَهُوَ مَذْهَبٌ سَنَذْكُرُهُ فِي بَابِ الْحِلَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَأَمَّا مَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَنْحَرَ فَقَدْ قَدَّمَ وَأَخَّرَ وَتَقْدِيمُ الْأَفْعَالِ الْمَفْعُولَةِ يَوْمَ النَّحْرِ وَتَأْخِيرُهَا لَا حَرَجَ فِيهِ
وَسَنَذْكُرُ مَا فِي ذَلِكَ لِلْعُلَمَاءِ مِنَ الْمَذَاهِبِ فِي هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
٨٣٢ - مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ لَا يَشْتَرِكُ الرَّجُلُ وَامْرَأَتُهُ فِي بَدَنَةٍ وَاحِدَةٍ لِيُهْدِ كُلُّ وَاحِدٍ بَدَنَةً بَدَنَةً
قَالَ أَبُو عمر إن كان أراد أن من وطىء امْرَأَتَهُ فِي الْحَجِّ لَا يُجْزِئُهُمَا بَدَنَةً وَاحِدَةً فَقَدْ مَضَى مَذْهَبُهُ وَمَذْهَبُ مَنْ خَالَفَهُ فِي ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ أَرَادَ الِاشْتِرَاكَ فِي النُّسُكِ كُلِّهِ مِنْ ضَحِيَّةٍ أَوْ هَدْيٍ فَقَدِ اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي هَدْيِ التَّطَوُّعِ
فَمَرَّةً أَجَازَ الِاشْتِرَاكَ فِيهِ وَمَرَّةً لَمْ يُجِزْهُ وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ إِنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاشْتِرَاكُ فِي الْهَدْيِ الْوَاجِبِ
وَسَنَذْكُرُ فِي كِتَابِ الضَّحَايَا مَذْهَبَهُ فِي الِاشْتِرَاكِ فِي الضَّحَايَا كَيْفَ هُوَ عِنْدَهُ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِكَ سَبْعَةٌ فِي بَدَنَةٍ وَيُجْزِيهِمْ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شَاةٌ بِوُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنْ جَزَاءِ صَيْدٍ وَمِنْ إِحْصَارٍ أَوْ تَمَتُّعٍ أَوْ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ
وَقَالَ زُفَرُ لَا يُجْزِئُ حَتَّى تَكُونَ الْجِهَةُ الْمُوجِبَةُ لِلْهَدْيِ عَلَيْهِمْ وَاحِدَةً فَإِمَّا جَزَاءُ صَيْدٍ كُلِّهِ وَإِمَّا تَطَوُّعٌ كُلُّهُ فَإِنِ اخْتَلَفَ لَمْ يُجْزِهِ
وَقَالُوا وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ ذِمِّيٌّ أَوْ مَنْ لَا يُرِيدُ أَنْ يُهْدِيَ فَلَا يُجْزِئُهُمْ مِنَ الْهَدْيِ
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ إِنْ كَانَ أَحَدُ السَّبْعَةِ الْمُشْتَرِكِينَ فِي الْهَدْيِ ذِمِّيًّا أَوْ مَنْ يُرِيدُ حِصَّتَهُ مِنَ اللَّحْمِ وَلَا يُرِيدُ الْهَدْيَ أَجْزَأَ مَنْ أَرَادَ الْهَدْيَ وَيَأْخُذُ الْبَاقُونَ حِصَصَهُمْ مِنَ اللَّحْمِ
стр. 1742
قال أبو عمر ذكر بن وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي مُوَطَّئِهِ قَالَ إِنَّمَا الْعُمْرَةُ الَّتِي يَتَطَوَّعُ النَّاسُ بِهَا فَإِنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ فِيهَا الِاشْتِرَاكُ فِي الْهَدْيِ وَأَمَّا كُلُّ هَدْيٍ وَاجِبٍ فِي عُمْرَةٍ أَوْ مَا أَشْبَهَهَا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاشْتِرَاكُ فِيهِ
قَالَ وَإِنَّمَا اشْتَرَكُوا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُعْتَمِرِينَ تَطَوُّعًا
وقال بن الْقَاسِمِ لَا يُشْتَرَكُ فِي الْهَدْيِ الْوَاجِبِ وَلَا فِي التَّطَوُّعِ عِنْدَ مَالِكٍ
قَالَ مَالِكٌ إِذَا قَلَّدَ الْهَدْيَ وَأَشْعَرَهُ ثُمَّ مَاتَ وَجَبَ إِخْرَاجُهُ عَلَى وَرَثَتِهِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَلَمْ يَرِثُوهُ
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي يُوسُفَ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ يَكُونُ مِيرَاثًا
وَقَالَ مَالِكٌ مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ وَلَا هبته ولا بدله وَكَذَلِكَ الْأُضْحِيَّةُ إِذَا أَوْجَبَهَا وَنَعَلَهَا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ كَانَ لَهُ بَدَلُهَا بِأَحْسَنَ مِنْهَا
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ جَائِزٌ لَهُ بَيْعُهَا لِهَدْيٍ وَعَلَيْهِ بَدَلُهُ
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ لَا بَأْسَ أَنْ يُبَدِّلَ الرَّجُلُ هَدْيَهُ الْوَاجِبَ وَلَا يُبَدِّلُ التَّطَوُّعَ
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ لَهُ أَنْ يُبَدِّلَ هَدْيَهُ إِذَا قَلَّدَهُ وَأَشْعَرَهُ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ بِفَرْضِهِ
وَسُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ بُعِثَ مَعَهُ بِهَدْيٍ يَنْحَرُهُ فِي حَجٍّ وَهُوَ مُهِلٌّ بِعُمْرَةٍ هَلْ يَنْحَرُهُ إِذَا حَلَّ أَمْ يُؤَخِّرُهُ حَتَّى يُنْحَرَهُ فِي الْحَجِّ وَيَحِلُّ هُوَ مِنْ عُمْرَتِهِ فَقَالَ بَلْ يُؤَخِّرُهُ حَتَّى ينحره في الحج ويحل هو من عمرته
قَالَ أَبُو عُمَرَ إِنَّمَا قَالَ كَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ (ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ) الْحَجِّ ٣٣ وَقَالَ (هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ) الْمَائِدَةِ ٩٥ يَعْنِي أَيَّامَ النَّحْرِ وَسَائِرَ أَيَّامِ الذَّبْحِ إِلَّا بِمِنًى وَمَكَّةَ
إِلَّا أَنَّ الِاخْتِيَارَ أَنْ يَذْبَحَ الْحَاجُّ بِمِنًى وَالْمُعْتَمِرُ بِمَكَّةَ وَمَنْ ذَبَحَ بِمَكَّةَ مِنَ الْحَاجِّ لَمْ يَخْرُجْ وَلَا يَذْبَحْ بِمِنًى إِلَّا أَيَّامَ مِنًى وَسَائِرَ السَّنَةِ بِمَكَّةَ
وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ هَذَا الْهَدْيُ لِلْمُعْتَمِرِ وَإِنَّمَا بُعِثَ بِهِ مَعَهُ لَمْ يَرْتَبِطْ نَحْرُهُ بِشَيْءٍ مِنْ عُمْرَتِهِ
قَالَ مَالِكٌ وَالَّذِي يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْهَدْيِ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ أَوْ يَجِبُ عَلَيْهِ هَدْيٌ فِي غَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّ هَدْيَهُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِمَكَّةَ كَمَا قَالَ اللَّهُ ﵎ (هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ) وَأَمَّا مَا عُدِلَ بِهِ الْهَدْيُ مِنَ الصِّيَامِ أَوِ الصَّدَقَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ بِغَيْرِ مَكَّةَ حَيْثُ أَحَبَّ صَاحِبُهُ أَنْ يفعله فعلة
стр. 1743
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ وَهُوَ الْبَيْتُ الْعَتِيقُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ فِيهِ ذَبْحٌ وَلَا نَحْرٌ وَكَذَلِكَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ
فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ (هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ) أَنَّهُ أَرَادَ الْحَرَمَ يَعْنِي مَسَاكِينَ الْحَرَمِ أَوْ أَرَادَ مَكَّةَ لِمَسَاكِينِهَا رِفْقًا بِجِيرَانِ بَيْتِ اللَّهِ وَإِحْسَانًا إِلَيْهِمْ وَهُمْ أَهْلُ الْحَرَمِ
عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ الْعُلَمَاءُ فِي قَوْلِ اللَّهِ (هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ)
وَأَمَّا قَوْلُهُ (فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) الْبَقَرَةِ ١٩٦ فَلَيْسَ ذَلِكَ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَسَنَذْكُرُ مَا لَهُمْ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَكَانَ مَالِكٌ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى (هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ) أَنَّهُ عَنَى مَكَّةَ وَلَمْ يُرِدِ الْحَرَمَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَمَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْحَاجِّ مَكَّةُ وَطُرُقُهَا مَنْحَرٌ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ مَكَّةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ مَالِكٌ مَنْ نَحَرَ هَدْيَهُ فِي الْحَرَمِ لَمْ يُجْزِهِ أَنْ يَنْحَرَهُ إِلَّا بِمَكَّةَ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ إِنْ نَحَرَهُ فِي الْحَرَمِ أَجْزَاهُ
وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ
وَقَالَ الطَّبَرِيُّ يَجُوزُ نَحْرُ الْهَدْيِ حَيْثُ شَاءَ الْمُهْدِي إِلَّا هَدْيَ الْقِرَانِ وَجَزَاءَ الصَّيْدِ فَإِنَّهُ لَا يَنْحَرُهُ إِلَّا فِي الْحَرَمِ
وَقَالَ مَالِكٌ إِذَا نَحَرَ هَدْيَ التَّمَتُّعِ أَوِ الْهَدْيَ التَّطَوُّعَ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ لَمْ يُجْزِهِ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْهَدْيِ التَّمَتُّعِ كَقَوْلِ مَالِكٍ وَخَالَفَهُ فِي التَّطَوُّعِ فَجَوَّزَهُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُجْزِئُ نَحْرُ الْجَمِيعِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ (وَأَمَّا مَا عُدِلَ بِهِ الْهَدْيُ مِنَ الصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ فَإِنَّهُ يَكُونُ بِغَيْرِ مَكَّةَ حَيْثُ أَحَبَّ صَاحِبُهُ أَنْ يَفْعَلَهُ فَعَلَهُ) فَلَا خِلَافَ فِي الصِّيَامِ أَنْ يَصُومَ حَيْثُ شَاءَ لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ فِي ذَلِكَ لِأَهْلِ الْحَرَمِ وَلَا لِأَهْلِ مَكَّةَ
وَأَمَّا الصَّدَقَةُ فَلَا تَكُونُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَالْكُوفِيِّينَ إِذَا كَانَتْ بَدَلًا مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ إِلَّا بِمَكَّةَ لِأَهْلِهَا حَيْثُ يَكُونُ النَّحْرُ
стр. 1744
وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّحْرَ فِي الْعُمْرَةِ بِمَكَّةَ وَفِي الْحَجِّ بِمِنًى وَهُمَا جَمِيعًا حَرَمٌ فَالْحَرَمُ كُلُّهُ مَنْحَرٌ عِنْدَهُمْ
وَفِي الْعُتْبِيَة لِيَحْيَى بْنِ يَحْيَى عن بن وَهْبٍ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي مُوَطَّئِهِ أَنَّ الْإِطْعَامَ كَالصِّيَامِ يَجُوزُ بِغَيْرِ مَكَّةَ
وَفِي الْأَسَدِيَّةِ لِابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ لَا يُطْعِمُ إِلَّا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أَصَابَ فِيهِ الصَّيْدَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا خِلَافُ الْجُمْهُورِ وَلَا وَجْهَ لَهُ
٨٣٣ - مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ خَالِدٍ الْمَخْزُومِيِّ عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ فَخَرَجَ مَعَهُ مِنَ الْمَدِينَةِ فَمَرُّوا عَلَى حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ وَهُوَ مَرِيضٌ بِالسُّقْيَا فَأَقَامَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ حَتَّى إِذَا خَافَ الْفَوَاتَ خَرَجَ وَبَعَثَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ وَهُمَا بِالْمَدِينَةِ فقدما عليه ثم إن حسينا أشار إلى رَأْسِهِ فَأَمَرَ عَلِيٌّ بِرَأْسِهِ فَحُلِقَ ثُمَّ نَسَكَ عَنْهُ بِالسُّقْيَا فَنَحَرَ عَنْهُ بَعِيرًا قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَكَانَ حُسَيْنٌ خَرَجَ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فِي سَفَرِهِ ذَلِكَ إِلَى مَكَّةَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ فِي أَنَّ مَنْ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الدِّمَاءِ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى لِمَنِ اخْتَارَ النُّسُكَ فِي ذَلِكَ دُونَ الْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ جَائِزٌ أَنْ يَذْبَحَ ذَلِكَ النُّسُكَ بِغَيْرِ مَكَّةَ
وَأَمَّا نَحْرُ عَلِيٍّ عَنْ حُسَيْنٍ ابْنِهِ ﵄ فِي حَلْقِهِ رَأْسَهُ بَعِيرًا فَذَلِكَ أَفْضَلُ مَا يُفْعَلُ فِي ذَلِكَ وَالشَّاةُ كَانَتْ تُجْزِيهِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﵇ لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ وَانُسُكْ بِشَاةٍ
وَفِي تَرْكِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ لِحُسَيْنٍ مَرِيضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ خَافَ فَوْتَ الْحَجِّ وَكَذَلِكَ تَرْكُهُ وَأَيْقَنَ أَنَّ أَبَاهُ سَيَلْحَقُهُ فَلَحِقَهُ أَبُوهُ مَعَ امْرَأَتِهِ لِأَنَّ النِّسَاءَ أَلْطَفُ بِتَمْرِيضِ الْمَرْضَى وَكَانَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ كَأُمِّهِ زَوْجَةً لِأَبِيهِ فَلِذَلِكَ أَتَى بِهَا عَلِيٌّ أَبُوهُ ﵄ لِتُمَرِّضَهُ
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَخْرَسِ وَغَيْرَ الْأَخْرَسِ فِي تَتَبُّعِ الْكَلَامِ سَوَاءٌ إِذَا فُهِمَتْ إِشَارَتُهُ قَامَتْ مَقَامَ كَلَامِهِ لَوْ تَكَلَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 1745
٥٣ - بَابُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ ٨٣٤ - مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ وَالْمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ مُحَسِّرٍ
٨٣٥ - مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ اعْلَمُوا أَنَّ عَرَفَةَ كُلَّهَا مَوْقِفٌ إِلَّا بَطْنَ عُرَنَةَ وَأَنَّ الْمُزْدَلِفَةَ كُلَّهَا مَوْقِفٌ إِلَّا بَطْنَ مُحَسِّرٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا الْحَدِيثُ يَتَّصِلُ من حديث جابر وبن عباس وعلي بن أبي طالب وقد ذَكَرْنَا طُرُقَهُ فِي التَّمْهِيدِ وَأَكْثَرُهَا لَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ بَطْنِ عُرَنَةَ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَهُوَ مَحْفُوظٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ
ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَرَفَةُ كُلُّها مَوْقِفٌ وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ وَمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ مُحَسِّرٍ وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ وَلِلْحَاجِّ مَكَّةُ كُلُّهَا مَنْحَرٌ
قَالَ وَأَخْبَرَنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ بن عُمَرَ قَالَ عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ إِلَّا بَطْنَ عُرَنَةَ وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ إِلَّا بَطْنَ مُحَسِّرٍ
قال وأخبرنا معمر عن أيوب عن بن أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ وَارْتَفِعَوا عن بطن محسر
قال بن وَهْبٍ سَأَلْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ عَنْ عُرَنَةَ فقال موضع الْمَمَرِّ فِي عَرَفَةَ ثُمَّ ذَلِكَ الْوَادِي كُلُّهُ قِبْلَةُ الْمَسْجِدِ إِلَى الْعَلَمِ الْمَوْضِعِ لِلْحَرَمِ بِطَرِيقِ مَكَّةَ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ عَرَفَةُ مَا جَاوَزَ وَادِي عُرَنَةَ الَّذِي فِيهِ الْمَسْجِدُ وَوَادِي عُرَنَةَ مِنْ عَرَفَةَ إِلَى الْجِبَالِ الْمُقَابِلَةِ عَلَى عَرَفَةَ كُلِّهَا مِمَّا يَلِي حَوَائِطَ بَنِي عَامِرٍ وَطَرِيقَ حِضْنٍ فإذا جاوزت ذلك فليس بعرفة
стр. 1746
وقال بن شَعْبَانَ عَرَفَةُ كُلُّ سَهْلٍ وَجَبَلٍ أَقْبَلَ عَلَى الْمَوْقِفِ فِيمَا بَيْنَ التَّلْعَةِ إِلَى أَنْ يُفْضُوا إِلَى طَرِيقِ نُعْمَانَ وَمَا أَقْبَلَ مِنْ كَبْكَبٍ مِنْ عَرَفَةَ
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ وَقَفَ مِنْ عرفة بعرنة
فقال مالك فيما ذكر بن الْمُنْذِرِ عَنْهُ يُهْرِيقُ دَمًا وَحَجُّهُ تَامٌّ
قَالَ أَبُو عُمَرَ رَوَى هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَنْ مَالِكٍ خَالِدُ بْنُ نِزَارٍ
قَالَ أَبُو مُصْعَبٍ إِنَّهُ كمن لم يقف وحجة فَائِتٌ وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ إِذَا وَقَفَ ببطن عرنة
وروي عن بن عَبَّاسٍ قَالَ مَنْ أَفَاضَ مِنْ عُرَنَةَ فَلَا حَجَّ لَهُ
وَقَالَ الْقَاسِمُ وَسَالِمٌ مَنْ وَقَفَ بِعُرَنَةَ حَتَّى دَفَعَ فَلَا حَجَّ لَهُ
وَذَكَرَ بن الْمُنْذِرِ هَذَا الْقَوْلَ عَنِ الشَّافِعِيِّ قَالَ وَبِهِ أَقُولُ لِأَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَقِفَ مَكَانًا أمر رسول الله ﷺ أَنْ لَا يَقِفَ بِهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ مَنْ أَجَازَ الْوُقُوفَ بِبَطْنِ عُرَنَةَ قَالَ إِنَّ الاستثناء لبطن عرنة من عرفة لم يجيء مَجِيئًا تَلْزَمُ حُجَّتُهُ لَا مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ وَلَا مِنْ جِهَةِ الْإِجْمَاعِ
وَالَّذِي ذَكَرَهُ الْمُزَنِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ قَالَ ثُمَّ يَرْكَبُ فَيَرُوحُ إِلَى الْمَوْقِفِ عِنْدَ الصَّخَرَاتِ ثُمَّ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ بِالدُّعَاءِ
قَالَ وَحَيْثُمَا وَقَفَ النَّاسُ مِنْ عَرَفَةَ أَجْزَأَهُمْ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵇ قَالَ هَذَا مَوْقِفٌ وَكُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ
وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ أَبِي الْمُصْعَبِ أَنَّ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ فَرْضٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ فِي مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ فَلَا يَجُوزُ أَدَاؤُهُ إِلَّا بِيَقِينٍ وَلَا يَقِينَ مَعَ الِاخْتِلَافِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ ﵇ وَالْمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ مُحَسِّرٍ فَالْمُزْدَلِفَةُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ مِمَّا يَلِي عَرَفَةَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ وَادِيَ مُحَسِّرٍ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَالِ مِنْ تِلْكَ الْبُطُونِ وَالشِّعَابِ وَالْجِبَالِ كُلِّهَا وَلَيْسَ الْمَأْزِمَانِ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ
وَأَمَّا وَادِي مُحَسِّرٍ فَهُوَ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ فَكُلُّ مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ لِلدُّعَاءِ ارْتَفَعَ عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ كَذَلِكَ مَنْ وَقَفَ صَبِيحَةَ يَوْمِ النَّحْرِ لِلدُّعَاءِ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَهُوَ الْمُزْدَلِفَةُ وَهُوَ جَمْعٌ ثَلَاثَةُ أَسْمَاءٍ لِمَكَانٍ وَاحِدٍ وَارْتَفَعَ عَنْ وَادِي مُحَسِّرٍ
وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَسْرَعَ السَّيْرَ فِي بَطْنِ مُحَسِّرٍ
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي وَكِيعٌ قَالَ حَدَّثَنِي سُفْيَانُ
стр. 1747
عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَوْضَعَ فِي وَادِي مُحَسِّرٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ الْإِيضَاعُ سُرْعَةُ السَّيْرِ
وَسَنَذْكُرُ فِي الْبَابِ بَعْدَ هَذَا حُكْمَ مَنْ لَمْ يَقِفْ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَمَنْ لَمْ يَبِتْ بِهَا وَمَا لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَذَاهِبِ بَعْدَ ذِكْرِ مَذَاهِبِهِمْ فِيمَنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ بِحَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى
قَالَ مَالِكٌ قَالَ اللَّهُ ﵎ (فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) الْبَقَرَةِ ١٩٧ قَالَ فَالرَّفَثُ إِصَابَةُ النِّسَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ اللَّهُ ﵎
(أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ) الْبَقَرَةِ ١٨٧ قَالَ وَالْفُسُوقُ الذَّبْحُ لِلْأَنْصَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ اللَّهُ ﵎ (أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) الْأَنْعَامِ ١٤٥ قَالَ وَالْجِدَالُ فِي الْحَجِّ أَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ تَقِفُ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ بِالْمُزْدَلِفَةِ بِقُزَحَ وَكَانَتِ الْعَرَبُ وَغَيْرُهُمْ يَقِفُونَ بِعَرَفَةَ فَكَانُوا يَتَجَادَلُونَ يَقُولُ هَؤُلَاءِ نَحْنُ أَصْوَبُ وَيَقُولُ هؤلاء نحن أصوب فقال الله تعالى ولكل أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ) الْحَجِّ ٦٧ فَهَذَا الْجِدَالُ فِيمَا نُرَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَقَدْ سَمِعْتُ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ العلم
قال أبو عمر أما الرفث ها هنا فَهُوَ مُجَامَعَةُ النِّسَاءِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ
وَأَمَّا الْفُسُوقُ وَالْجِدَالُ فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ
قَرَأْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْرُورٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ مِسْكِينٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَنْجَرَ الْجُرْجَانِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيُّ وَقَبِيصَةُ قَالَا حَدَّثَنِي سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي خُصَيْفٌ عَنْ مقسم عن بن عَبَّاسٍ قَالَ الرَّفَثُ الْجِمَاعُ وَالْفُسُوقُ الْمَعَاصِي وَالْجِدَالُ أَنْ تُمَارِيَ صَاحِبَكَ حَتَّى تُغْضِبَهُ
قَالَ وَحَدَّثَنِي الفريابي قال حدثني بن عيينة عن بن طاوس عن أبيه عن بن عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) قَالَ الرَّفَثُ الَّذِي ذَكَرَهَا هُنَا لَيْسَ بالرَّفَثِ الَّذِي ذُكِرَ فِي الْمَكَانِ الْآخَرِ وَلَكِنَّهُ التَّعْرِيضُ بِذِكْرِ الْجِمَاعِ
قال بن سنجر وحدثني أبو نعيم قال حدثني الأعمشي قَالَ حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ الْحُصَيْنِ عَنْ رُفَيْعٍ أبي العالية قال خرجنا مع بن عَبَّاسٍ حُجَّاجًا فَأَحْرَمَ وَاحِدٌ مِنَّا ثُمَّ نَزَلَ يَسُوقُ الْإِبِلَ وَهُوَ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ
стр. 1748
(وَهُنَّ يَمْشِينَ بِنَا هَمِيسَا ... إِنْ تَصْدُقِ الطَّيْرُ ننك لميسا) فقلت يا بن عباس ألست محرما قلت بَلَى قُلْتُ فَهَذَا الْكَلَامُ الَّذِي تَكَلَّمْتَ بِهِ قَالَ إِنَّهُ لَا يَكُونُ الرَّفَثُ إِلَّا مَا وَاجَهْتَ بِهِ النِّسَاءَ وَلَيْسَ مَعَنَا نِسَاءٌ
وَقَالَ بن سَنْجَرَ حَدَّثَنِي يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ وَأَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ الذَّهَبِيُّ قَالَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ بن عُمَرَ قَالَ الرَّفَثُ جِمَاعُ النِّسَاءِ وَالْفُسُوقُ مَا أَصَابَ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ صَيْدٍ أَوْ غَيْرِهِ وَالْجِدَالُ السِّبَابُ وَالْمُشَاتَمَةُ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الرَّفَثِ وَالْفُسُوقِ وَقَالَ فِي الْجِدَالِ قَدِ اسْتَقَامَ أَمْرُ الْحَاجِّ فَلَا يَتَجَادَلُ في أمر الحج
هذه رواية خصيف وبن جُرَيْجٍ وَعَبْدِ الْكَرِيمِ عَنْ مُجَاهِدٍ
وَرَوَى سَالِمٌ الْأَفْطَسُ عَنْ مُجَاهِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ الرَّفَثُ الْمُجَامَعَةُ وَالْفُسُوقُ جَمِيعُ الْمَعَاصِي وَالْجِدَالُ أَنْ تُمَارِيَ صَاحِبَكَ
وَكَذَلِكَ رَوَى أَبُو يَحْيَى الْقَتَّاتُ عَنْ مُجَاهِدٍ
رَوَى الثَّوْرِيُّ عَنِ الْأَعْمَشِ قَالَ الرَّفَثُ الْجِمَاعُ وَالْفُسُوقُ السِّبَابُ وَالْجِدَالُ الْمِرَاءُ
وَرَوَاهُ بن وهب عن يزيد عن نافع عن بن عُمَرَ قَالَ الْجِدَالُ السِّبَابُ وَالْمِرَاءُ وَالْخُصُومَاتُ وَالرَّفَثُ إِتْيَانُ النِّسَاءِ وَالتَّكَلُّمُ بِذَلِكَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فِيهِ سَوَاءٌ وَالْفُسُوقُ الْمَعَاصِي فِي الْحَرَمِ
وَعَنْ مُحَمَّدِ بن كعب وبن شِهَابٍ مِثْلَهُ إِلَّا أَنَّهُمَا قَالَا الْفُسُوقُ الْمَعَاصِي
(٥٤ - بَابُ وُقُوفِ الرَّجُلِ وَهُوَ غَيْرُ طَاهِرٍ وَوُقُوفُهُ عَلَى دَابَّةٍ)
٨٣٦ - سُئِلَ مَالِكٌ هَلْ يَقِفُ الرَّجُلُ بِعَرَفَهَ أَوْ بِالْمُزْدَلِفَةِ أَوْ يَرْمِي الْجِمَارَ
стр. 1749
أو يسعى بين الصفا والمروة وهو غير طَاهِرٍ فَقَالَ كُلُّ أَمْرٍ تَصْنَعُهُ الْحَائِضُ مِنْ أَمْرِ الْحَجِّ فَالرَّجُلُ يَصْنَعُهُ وَهُوَ غَيْرُ طَاهِرٍ ثُمَّ لَا يَكُونُ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي ذَلِكَ وَالْفَضْلُ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ طاهرا وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَعَمَّدَ ذَلِكَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ الْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ لِلْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ
حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ وَسَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَا حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنِي الْحُمَيْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ تَقُولُ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا نَرَى إِلَّا الْحَجَّ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِسَرِفَ أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا حِضْتُ فَدَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي فَقَالَ مَا لَكِ تَبْكِينَ أَحِضْتِ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ فَاقْضِي مَا يَقْضِي الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ
وَقَدْ ذَكَرَنَا فِي أَوَّلِ هَذَا الْكِتَابِ أن رسول الله ﷺ أَمَرَ بِمِثْلِ هَذَا أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ وَهِيَ نُفَسَاءُ
وَهُوَ أَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ لَا خِلَافَ فِيهِ وَالْقَوْلُ فِيهِ مَا قَالَهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ أَنَّ كُلَّ مَا يَصْنَعُهُ الْحَاجُّ مِنْ أَمْرِ الْحَاجِّ وَهُوَ عَمَلُ الْحَجِّ كُلِّهِ إِلَّا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ يَفْعَلُهُ كُلُّ مَنْ لَيْسَ عَلَى طَهَارَةٍ عِنْدَ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ لِلرَّاكِبِ أَيَنْزِلُ أَمْ يَقِفُ رَاكِبًا فَقَالَ بَلْ يَقِفُ رَاكِبًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِهِ أَوْ بِدَابَّتِهِ عِلَّةٌ فَاللَّهُ أَعْذَرُ بِالْعُذْرِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَفَ بِعَرَفَةَ رَاكِبًا وَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ دَفَعَ مِنْهَا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ
وَهَذَا مَحْفُوظٌ فِي حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وفي حديث بن عباس أيضا
стр. 1750
وفي حديث أسامة أنه كان يسير العنف فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً أَوْ فُرْجَةً نَصَّ
وَفِي حديث يزيد بن سفيان قال أتانا بن مِرْبَعٍ الْأَنْصَارِيُّ وَنَحْنُ بِعَرَفَةَ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَيْكُمْ يَقُولُ لَكُمْ قِفُوا عَلَى مَشَاعِرِكُمْ فَإِنَّكُمْ عَلَى إِرْثٍ مِنْ إِرْثِ إِبْرَاهِيمَ ﵇
وَلَا خِلَافَ عَلِمْتُهُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي أَنَّ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ رَاكِبًا لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ أَفْضَلُ فَمَنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ وَإِلَّا وَقَفَ عَلَى رِجْلَيْهِ دَاعِيًا مَا دَامَ يَقْدِرُ وَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي الْجُلُوسِ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْوُقُوفِ
وَفِي الْوُقُوفِ رَاكِبًا مُبَاهَاةٌ وَتَعْظِيمٌ لِلْحَجِّ (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ)
الحج ٣٢ قال بن وَهْبٍ فِي مُوَطَّئِهِ قَالَ لِي مَالِكٌ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ عَلَى الدَّوَابِّ وَالْإِبِلِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقِفَ قَائِمًا
قَالَ وَمَنْ وَقَفَ قَائِمًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَرِيحَ
(٥٥ - بَابُ وُقُوفِ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ بِعَرَفَةَ)
٨٣٧ - مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ مَنْ لَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ مِنْ لَيْلَةِ الْمُزْدَلِفَةِ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ وَمَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ مِنْ لَيْلَةِ الْمُزْدَلِفَةِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ
٨٣٨ - مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ مَنْ أَدْرَكَهُ الْفَجْرُ مِنْ
стр. 1751
لَيْلَةِ الْمُزْدَلِفَةِ وَلَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ فَقَدْ فَاتَهُ الحج ومن وقف بعرفة من ليلة المزدلفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك الحج
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَيْلَةُ الْمُزْدَلِفَةِ هِيَ لَيْلَةُ يَوْمِ النَّحْرِ وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَبِيتُونَ فِيهَا بِالْمُزْدَلِفَةِ بَعْدَ أَنْ يَأْتُوهَا مِنْ عَرَفَةَ فَيَجْمَعُونَ فِيهَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَيَبِيتُونَ بِهَا وَيُصَلُّونَ الصُّبْحَ ثُمَّ يَدْفَعُونَ مِنْهَا إِلَى مِنًى وَذَلِكَ يَوْمُ النَّحْرِ
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مَالِكٌ عَنِ بن عُمَرَ وَعُرْوَةَ هُوَ قَوْلُ جَمَاعَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا لَا يَخْتَلِفُونَ
وَقَدْ رُوِيَ بِهِ أَثَرٌ مُسْنَدٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَّا رَجُلًا يُدْعَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَعْمَرَ الدِّيلِيُّ
أخبرنا عبد الله بن محمد بن أمية قَالَ حَدَّثَنِي حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنِي وَكِيعٌ قَالَ حَدَّثَنِي سُفْيَانُ - يَعْنِي الثَّوْرِيَّ - عَنْ بُكَيْرٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ الدِّيلِيِّ قَالَ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَرَفَةَ وَأَتَاهُ أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ فَسَأَلُوهُ عَنِ الْحَجِّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحَجُّ عَرَفَةُ مَنْ أَدْرَكَهَا قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَقَدْ تَمَّ حجه
ورواه بن عُيَيْنَةَ عَنْ بُكَيْرٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ الدِّيلِيِّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ الْحَجُّ عَرَفَاتٌ فَمَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَقَدْ أَدْرَكَ وَأَيَّامُ مِنًى ثَلَاثَةٌ فَمَنْ تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَمْ تَخْتَلِفِ الْآثَارُ وَلَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا بِعَرَفَةَ ثُمَّ ارْتَفَعَ فَوَقَفَ بِجِبَالِهَا دَاعِيًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَوَقَفَ معه
стр. 1752
كُلُّ مَنْ حَضَرَهُ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ وَأَنَّهُ لَمَّا اسْتَيْقَنَ غُرُوبَهَا وَبَانَ لَهُ ذَلِكَ دَفَعَ منها إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ كَذَلِكَ سُنَّةُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَالْعَمَلُ بِهَا
وَأجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ يَوْمَ عَرَفَةَ قَبْلَ الزَّوَالِ ثُمَّ أَفَاضَ مِنْهَا قَبْلَ الزَّوَالِ أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِوُقُوفِهِ قَبْلَ الزَّوَالِ وَأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَرْجِعْ فَيَقِفُ بَعْدَ الزَّوَالِ أَوْ يَقِفُ مِنْ لَيْلَتِهِ تِلْكَ أَقَلَّ وُقُوفٍ قَبْلَ الْفَجْرِ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيمَا عَلَى مَنْ وَقَفَ فِي عَرَفَةَ بَعْدَ الزَّوَالِ مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ دَفَعَ مِنْهَا قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ
فَقَالَ مَالِكٌ إِنْ دَفَعَ مِنْهَا قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ فَعَلَيْهِ الْحَجُّ قَابِلًا وَإِنْ دَفَعَ مِنْهَا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ قَبْلَ الْإِمَامِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ
وَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّ مَنْ دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ثُمَّ عَادَ إِلَيْهَا قَبْلَ الْفَجْرِ أَنَّهُ لَا دَمَ عَلَيْهِ
وَقَالَ سَائِرُ الْعُلَمَاءِ مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ بَعْدَ الزَّوَالِ فَحَجُّهُ تَامٌّ وَإِنْ دَفَعَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إلا إنهم اختلفوا في وجوب الد م عَلَيْهِ إِنْ رَجَعَ فَوَقَفَ لَيْلًا
فَقَالَ الشَّافِعِيُّ إِنْ عَادَ إِلَى عَرَفَةَ حَتَّى يَدْفَعَ بَعْدَ مَغِيبِ الشَّمْسِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ أَجْزَأَتْ حَجَّتُهُ وَأَهْرَاقَ دَمًا
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالثَّوْرِيُّ إِذَا أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ أَجْزَأَهُ حَجُّهُ وَكَانَ عَلَيْهِ لِتَرْكِهِ الْوُقُوفُ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ دَمٌ وَإِنْ دَفَعَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الدَّمُ وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَدَاوُدُ مِثْلَ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ
وَبِهِ قَالَ الطَّبَرِيُّ
وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَعَامَّةِ الْعُلَمَاءِ فِي الدَّمِ وَتَمَامِ الْحَجِّ
إِلَّا أَنَّ الحسن البصري وبن جُرَيْجٍ قَالَا لَا يُجْزِئُهُ إِلَّا بَدَنَةٌ
قَالَ أَبُو عُمَرَ الْحُجَّةُ لَهُمْ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ الطَّائِيِّ وَهُوَ حَدِيثٌ ثَابِتٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّعْبِيِّ الثِّقَاتِ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ مِنْهُمْ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ وَدَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدَ وَزَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ وَمُطَرِّفٌ
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي
стр. 1753
أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ أَخْبَرْنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ قَالَ حَدَّثَنِي خَالِدٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ قَالَ سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ يَقُولُ حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ مُضَرِّسِ بْنِ أَوْسِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ لَامٍ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِجَمْعٍ فَقُلْتُ هَلْ لِي مِنْ حَجٍّ فَقَالَ مَنْ صَلَّى مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ وَمَنْ وَقَفَ مَعَنَا هَذَا الْمَوْقِفَ حَتَّى نُفِيضَ وَأَفَاضَ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ عَرَفَاتٍ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ
حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنِي زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ عَامِرٍ قَالَ حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ مُضَرِّسِ بْنِ أَوْسِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ لَامٍ أَنَّهُ حَجَّ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يُدْرِكِ النَّاسَ إِلَّا لَيْلًا وَهُوَ بِجَمْعٍ فَانْطَلَقَ إِلَى عَرَفَاتٍ لَيْلًا فَأَفَاضَ مِنْهَا ثُمَّ رَجَعَ إِلَى جَمْعٍ فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْمَلْتُ نَفْسِي وَأَنْصَبْتُ رَاحِلَتِي فَهَلْ لِي مِنْ حَجٍّ فَقَالَ مَنْ صَلَّى مَعَنَا الْغَدَاةَ بِجَمْعٍ وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نُفِيضَ وَقَدْ أَفَاضَ مِنْ عَرَفَاتٍ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنِي مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنِي عَامِرٌ قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ مُضَرِّسٍ الطَّائِيُّ قَالَ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالْمَوْقِفِ يَعْنِي بِجَمْعٍ فَقُلْتُ جِئْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ جَبَلَيْ طيء أكلت مَطِيَّتِي وَأَتْعَبْتُ نَفْسِي وَاللَّهِ مَا تَرَكْتُ مِنْ جَبَلٍ إِلَّا وَقَفْتُ عَلَيْهِ فَهَلْ لِي مِنْ حَجٍّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ وَأَتَى عَرَفَاتٍ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا الْحَدِيثُ يَقْضِي بِأَنَّ مَنْ لَمْ يَأْتِ عَرَفَاتٍ وَلَمْ يُفِضْ مِنْهَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَلَا حَجَّ لَهُ وَمَنْ أَفَاضَ مِنْهَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ نَهَارًا لَمْ يُرِدْ بِهِ مَا قَبْلَ الزَّوَالِ فَكَانَ ذَلِكَ بَيَانًا شَافِيًا
стр. 1754
وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ إِنَّمَا فِي حَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ إِعْلَامٌ مِنْهُ ﷺ أن الوقوف بالنهار لَا يَضُرُّهُ إِنْ فَاتَهُ لِأَنَّهُ لَمَّا قِيلَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا وَالسَّائِلُ يَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا وَقَفَ بِالنَّهَارِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْوُقُوفَ بِاللَّيْلِ فَأَعْلَمَ أَنَّهُ إِذَا وَقَفَ بِاللَّيْلِ وَقَدْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِالنَّهَارِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّهُ وَأَنَّهُ قَدْ تَمَّ حَجُّهُ لَا أَنَّهُ أَرَادَ بِهَذَا الْقَوْلِ أَنْ يَقِفَ بِالنَّهَارِ دُونَ اللَّيْلِ
قَالَ وَلَوْ حُمِلَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى ظَاهِرِهِ كَانَ مَنْ لَمْ يُدْرِكِ الصَّلَاةَ بِجَمْعٍ قَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ
وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ مَعْنَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ وَقَدْ أَفَاضَ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ عَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا أَرَادَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا وَلَيْلًا فَسَكَتَ عَنْ أَنْ يَقُولَ وَلَيْلًا لِعِلْمِهِ بِمَا قَدَّمَ مِنْ فِعْلِهِ لِأَنَّهُ وَقَفَ نَهَارًا وَأَخَذَ مِنَ اللَّيْلِ فَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِذِكْرِ النَّهَارِ اتِّصَالَ اللَّيْلِ بِهِ
قَالَ وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فِي مَعْنَى لَيْلًا وَنَهَارًا فَتَكُونُ أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَوْ كَانَ كَمَا ذَكَرَ لَكَانَ الْوُقُوفُ وَاجِبًا لَيْلًا وَنَهَارًا ولم يغن أحدهما عن صاحبه وَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا يُجْزِئُ عَنِ الْوُقُوفِ بِالنَّهَارِ إِلَّا أَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُرَاهِقًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ فَهُوَ مُسِيءٌ وَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ رَأَى عَلَيْهِ دَمًا وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَرَ شَيْئًا عَلَيْهِ
وَجَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ يَقُولُونَ إِنَّ مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ أَنَّهُ مُدْرِكٌ لِلْحَجِّ إِلَّا مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ فَإِنَّهُ انْفَرَدَ بِقَوْلِهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَهُ وَالْفَرْضَ عِنْدَهُ الْوُقُوفُ بِاللَّيْلِ دُونَ النَّهَارِ وَعِنْدَ سَائِرِ الْعُلَمَاءِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ إِذَا كَانَ بَعْدَ الزَّوَالِ
وَالسُّنَّةُ أَنْ يَقِفَ كَمَا وقف رسول الله ﷺ نَهَارًا يَتَّصِلُ لَهُ بِاللَّيْلِ
وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ فَرْضٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ تَنَازُعِهِمْ فِي الْوَقْتِ الْمُفْتَرَضِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ يَعْنِي صَلَاةَ الصُّبْحِ بِجَمْعٍ وَكَانَ قَدْ أَتَى قَبْلَ ذَلِكَ عَرَفَاتٍ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَإِنَّ ظَاهِرَ هَذَا اللَّفْظِ يُوجِبُ أَنَّ مُشَاهَدَةَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَإِدْرَاكَ الصَّلَاةِ فِيهِ مِنْ فَرْضِ الْحَجِّ
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ في ذلك
стр. 1755
فَكَانَ عَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ وَعَامِرٌ الشَّعْبِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَرُوِيَ ذَلِكَ عن بن الزُّبَيْرِ وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُمْ قَالُوا مَنْ لم يزل بِالْمُزْدَلِفَةِ وَفَاتَهُ الْوُقُوفَ بِهَا فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ وَيَجْعَلُهَا عُمْرَةً
وَرُوِيَ عَنِ الثَّوْرِيِّ مِثْلُ ذَلِكَ وَالْأَصَحُّ عَنْهُ أَنَّ الْوُقُوفَ بِهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ
وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ مَنْ فَاتَتْهُ الْإِفَاضَةُ مِنْ جَمْعٍ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ فَلْيَحِلَّ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ لِيَحُجَّ قَابِلًا
وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ ظَاهِرُ قَوْلِ اللَّهِ (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المشعر الحرام) البقرة ١٩٨
وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ من أَدْرَكَ جَمْعًا وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ قَبْلَ ذَلِكَ عَرَفَاتٍ فَقَدْ أَدْرَكَ
وَقَالَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ الْوُقُوفُ بِالْمُزْدَلِفَةِ مِنْ سُنَنِ الْحَجِّ الْمُؤَكَّدَةِ وَلَيْسَ مِنْ فُرُوضِهَا
وَتَفْصِيلُ أَقْوَالِهِمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ مَالِكًا قَالَ مَنْ لَمْ يُنِخْ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَلَمْ يَنْزِلْ فِيهَا وَتَقَدَّمَ إِلَى مِنًى وَرَمَى الْجَمْرَةَ فَإِنَّهُ يُهَرِيقُ دَمًا فَإِنْ نَزَلَ بِهَا ثُمَّ دَفَعَ مِنْهَا فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ أَوْ وَسَطِهِ أَوْ آخِرِهِ وَتَرَكَ الْوُقُوفَ مَعَ الْإِمَامِ فَقَدَ أَجْزَأَ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ مَنْ لَمْ يَقِفْ بِجَمْعٍ وَلَمْ يَنْزِلْ مِنْهَا لَيْلَةَ النَّحْرِ فَعَلَيْهِ دَمٌ
وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ فِي رِوَايَةٍ وَقَوْلِ الزُّهْرِيِّ وَقَتَادَةَ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إِذَا تَرَكَ الْوُقُوفَ بِالْمُزْدَلِفَةِ فَلَمْ يَقِفْ بِهَا وَلَمْ يَمُرَّ بِهَا وَلَمْ يَبِتْ بِهَا فعليه دم قالوا وإن بَاتَ بِهَا وَتَعَجَّلَ فِي اللَّيْلِ رَجَعَ إِذَا كَانَ خُرُوجُهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ حَتَّى يَقِفَ مَعَ الْإِمَامِ أَوْ يُصْبِحَ بِهَا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَعَلَيْهِ دَمٌ
قَالُوا وَإِنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ غُلَامًا صَغِيرًا فَتَقَدَّمُوا بِاللَّيْلِ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إِنْ نَزَلَ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَخَرَجَ مِنْهَا بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ خَرَجَ قَبْلَ نِصْفِ اللَّيْلِ وَلَمْ يَعُدْ إِلَيْهَا لِيَقِفَ بِهَا مَعَ الْإِمَامِ وَلَمْ يُصْبِحْ فَعَلَيْهِ شَاةٌ
قَالَ وَإِنَّمَا حَدَّدْنَا نِصْفَ اللَّيْلِ لِأَنَّهُ بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَذِنَ لِضَعَفَةِ أَهْلِهِ أَنْ يَرْحَلُوا مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ وَرَخَّصَ لَهُمْ فِي أَنْ لَا يُصْبِحُوا بِهَا وَلَا يَقِفُوا مَعَ الْإِمَامِ
следующие страницы →