Полный текст (4 158 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.
стр. 1751
لَيْلَةِ الْمُزْدَلِفَةِ وَلَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ فَقَدْ فَاتَهُ الحج ومن وقف بعرفة من ليلة المزدلفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك الحج
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَيْلَةُ الْمُزْدَلِفَةِ هِيَ لَيْلَةُ يَوْمِ النَّحْرِ وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَبِيتُونَ فِيهَا بِالْمُزْدَلِفَةِ بَعْدَ أَنْ يَأْتُوهَا مِنْ عَرَفَةَ فَيَجْمَعُونَ فِيهَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَيَبِيتُونَ بِهَا وَيُصَلُّونَ الصُّبْحَ ثُمَّ يَدْفَعُونَ مِنْهَا إِلَى مِنًى وَذَلِكَ يَوْمُ النَّحْرِ
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مَالِكٌ عَنِ بن عُمَرَ وَعُرْوَةَ هُوَ قَوْلُ جَمَاعَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا لَا يَخْتَلِفُونَ
وَقَدْ رُوِيَ بِهِ أَثَرٌ مُسْنَدٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَّا رَجُلًا يُدْعَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَعْمَرَ الدِّيلِيُّ
أخبرنا عبد الله بن محمد بن أمية قَالَ حَدَّثَنِي حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنِي وَكِيعٌ قَالَ حَدَّثَنِي سُفْيَانُ - يَعْنِي الثَّوْرِيَّ - عَنْ بُكَيْرٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ الدِّيلِيِّ قَالَ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَرَفَةَ وَأَتَاهُ أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ فَسَأَلُوهُ عَنِ الْحَجِّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحَجُّ عَرَفَةُ مَنْ أَدْرَكَهَا قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَقَدْ تَمَّ حجه
ورواه بن عُيَيْنَةَ عَنْ بُكَيْرٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ الدِّيلِيِّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ الْحَجُّ عَرَفَاتٌ فَمَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَقَدْ أَدْرَكَ وَأَيَّامُ مِنًى ثَلَاثَةٌ فَمَنْ تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَمْ تَخْتَلِفِ الْآثَارُ وَلَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا بِعَرَفَةَ ثُمَّ ارْتَفَعَ فَوَقَفَ بِجِبَالِهَا دَاعِيًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَوَقَفَ معه
стр. 1752
كُلُّ مَنْ حَضَرَهُ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ وَأَنَّهُ لَمَّا اسْتَيْقَنَ غُرُوبَهَا وَبَانَ لَهُ ذَلِكَ دَفَعَ منها إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ كَذَلِكَ سُنَّةُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَالْعَمَلُ بِهَا
وَأجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ يَوْمَ عَرَفَةَ قَبْلَ الزَّوَالِ ثُمَّ أَفَاضَ مِنْهَا قَبْلَ الزَّوَالِ أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِوُقُوفِهِ قَبْلَ الزَّوَالِ وَأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَرْجِعْ فَيَقِفُ بَعْدَ الزَّوَالِ أَوْ يَقِفُ مِنْ لَيْلَتِهِ تِلْكَ أَقَلَّ وُقُوفٍ قَبْلَ الْفَجْرِ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيمَا عَلَى مَنْ وَقَفَ فِي عَرَفَةَ بَعْدَ الزَّوَالِ مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ دَفَعَ مِنْهَا قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ
فَقَالَ مَالِكٌ إِنْ دَفَعَ مِنْهَا قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ فَعَلَيْهِ الْحَجُّ قَابِلًا وَإِنْ دَفَعَ مِنْهَا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ قَبْلَ الْإِمَامِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ
وَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّ مَنْ دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ثُمَّ عَادَ إِلَيْهَا قَبْلَ الْفَجْرِ أَنَّهُ لَا دَمَ عَلَيْهِ
وَقَالَ سَائِرُ الْعُلَمَاءِ مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ بَعْدَ الزَّوَالِ فَحَجُّهُ تَامٌّ وَإِنْ دَفَعَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إلا إنهم اختلفوا في وجوب الد م عَلَيْهِ إِنْ رَجَعَ فَوَقَفَ لَيْلًا
فَقَالَ الشَّافِعِيُّ إِنْ عَادَ إِلَى عَرَفَةَ حَتَّى يَدْفَعَ بَعْدَ مَغِيبِ الشَّمْسِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ أَجْزَأَتْ حَجَّتُهُ وَأَهْرَاقَ دَمًا
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالثَّوْرِيُّ إِذَا أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ أَجْزَأَهُ حَجُّهُ وَكَانَ عَلَيْهِ لِتَرْكِهِ الْوُقُوفُ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ دَمٌ وَإِنْ دَفَعَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الدَّمُ وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَدَاوُدُ مِثْلَ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ
وَبِهِ قَالَ الطَّبَرِيُّ
وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَعَامَّةِ الْعُلَمَاءِ فِي الدَّمِ وَتَمَامِ الْحَجِّ
إِلَّا أَنَّ الحسن البصري وبن جُرَيْجٍ قَالَا لَا يُجْزِئُهُ إِلَّا بَدَنَةٌ
قَالَ أَبُو عُمَرَ الْحُجَّةُ لَهُمْ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ الطَّائِيِّ وَهُوَ حَدِيثٌ ثَابِتٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّعْبِيِّ الثِّقَاتِ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ مِنْهُمْ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ وَدَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدَ وَزَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ وَمُطَرِّفٌ
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي
стр. 1753
أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ أَخْبَرْنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ قَالَ حَدَّثَنِي خَالِدٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ قَالَ سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ يَقُولُ حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ مُضَرِّسِ بْنِ أَوْسِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ لَامٍ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِجَمْعٍ فَقُلْتُ هَلْ لِي مِنْ حَجٍّ فَقَالَ مَنْ صَلَّى مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ وَمَنْ وَقَفَ مَعَنَا هَذَا الْمَوْقِفَ حَتَّى نُفِيضَ وَأَفَاضَ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ عَرَفَاتٍ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ
حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنِي زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ عَامِرٍ قَالَ حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ مُضَرِّسِ بْنِ أَوْسِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ لَامٍ أَنَّهُ حَجَّ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يُدْرِكِ النَّاسَ إِلَّا لَيْلًا وَهُوَ بِجَمْعٍ فَانْطَلَقَ إِلَى عَرَفَاتٍ لَيْلًا فَأَفَاضَ مِنْهَا ثُمَّ رَجَعَ إِلَى جَمْعٍ فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْمَلْتُ نَفْسِي وَأَنْصَبْتُ رَاحِلَتِي فَهَلْ لِي مِنْ حَجٍّ فَقَالَ مَنْ صَلَّى مَعَنَا الْغَدَاةَ بِجَمْعٍ وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نُفِيضَ وَقَدْ أَفَاضَ مِنْ عَرَفَاتٍ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنِي مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنِي عَامِرٌ قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ مُضَرِّسٍ الطَّائِيُّ قَالَ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالْمَوْقِفِ يَعْنِي بِجَمْعٍ فَقُلْتُ جِئْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ جَبَلَيْ طيء أكلت مَطِيَّتِي وَأَتْعَبْتُ نَفْسِي وَاللَّهِ مَا تَرَكْتُ مِنْ جَبَلٍ إِلَّا وَقَفْتُ عَلَيْهِ فَهَلْ لِي مِنْ حَجٍّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ وَأَتَى عَرَفَاتٍ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا الْحَدِيثُ يَقْضِي بِأَنَّ مَنْ لَمْ يَأْتِ عَرَفَاتٍ وَلَمْ يُفِضْ مِنْهَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَلَا حَجَّ لَهُ وَمَنْ أَفَاضَ مِنْهَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ نَهَارًا لَمْ يُرِدْ بِهِ مَا قَبْلَ الزَّوَالِ فَكَانَ ذَلِكَ بَيَانًا شَافِيًا
стр. 1754
وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ إِنَّمَا فِي حَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ إِعْلَامٌ مِنْهُ ﷺ أن الوقوف بالنهار لَا يَضُرُّهُ إِنْ فَاتَهُ لِأَنَّهُ لَمَّا قِيلَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا وَالسَّائِلُ يَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا وَقَفَ بِالنَّهَارِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْوُقُوفَ بِاللَّيْلِ فَأَعْلَمَ أَنَّهُ إِذَا وَقَفَ بِاللَّيْلِ وَقَدْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِالنَّهَارِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّهُ وَأَنَّهُ قَدْ تَمَّ حَجُّهُ لَا أَنَّهُ أَرَادَ بِهَذَا الْقَوْلِ أَنْ يَقِفَ بِالنَّهَارِ دُونَ اللَّيْلِ
قَالَ وَلَوْ حُمِلَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى ظَاهِرِهِ كَانَ مَنْ لَمْ يُدْرِكِ الصَّلَاةَ بِجَمْعٍ قَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ
وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ مَعْنَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ وَقَدْ أَفَاضَ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ عَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا أَرَادَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا وَلَيْلًا فَسَكَتَ عَنْ أَنْ يَقُولَ وَلَيْلًا لِعِلْمِهِ بِمَا قَدَّمَ مِنْ فِعْلِهِ لِأَنَّهُ وَقَفَ نَهَارًا وَأَخَذَ مِنَ اللَّيْلِ فَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِذِكْرِ النَّهَارِ اتِّصَالَ اللَّيْلِ بِهِ
قَالَ وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فِي مَعْنَى لَيْلًا وَنَهَارًا فَتَكُونُ أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَوْ كَانَ كَمَا ذَكَرَ لَكَانَ الْوُقُوفُ وَاجِبًا لَيْلًا وَنَهَارًا ولم يغن أحدهما عن صاحبه وَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا يُجْزِئُ عَنِ الْوُقُوفِ بِالنَّهَارِ إِلَّا أَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُرَاهِقًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ فَهُوَ مُسِيءٌ وَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ رَأَى عَلَيْهِ دَمًا وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَرَ شَيْئًا عَلَيْهِ
وَجَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ يَقُولُونَ إِنَّ مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ أَنَّهُ مُدْرِكٌ لِلْحَجِّ إِلَّا مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ فَإِنَّهُ انْفَرَدَ بِقَوْلِهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَهُ وَالْفَرْضَ عِنْدَهُ الْوُقُوفُ بِاللَّيْلِ دُونَ النَّهَارِ وَعِنْدَ سَائِرِ الْعُلَمَاءِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ إِذَا كَانَ بَعْدَ الزَّوَالِ
وَالسُّنَّةُ أَنْ يَقِفَ كَمَا وقف رسول الله ﷺ نَهَارًا يَتَّصِلُ لَهُ بِاللَّيْلِ
وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ فَرْضٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ تَنَازُعِهِمْ فِي الْوَقْتِ الْمُفْتَرَضِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ يَعْنِي صَلَاةَ الصُّبْحِ بِجَمْعٍ وَكَانَ قَدْ أَتَى قَبْلَ ذَلِكَ عَرَفَاتٍ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَإِنَّ ظَاهِرَ هَذَا اللَّفْظِ يُوجِبُ أَنَّ مُشَاهَدَةَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَإِدْرَاكَ الصَّلَاةِ فِيهِ مِنْ فَرْضِ الْحَجِّ
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ في ذلك
стр. 1755
فَكَانَ عَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ وَعَامِرٌ الشَّعْبِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَرُوِيَ ذَلِكَ عن بن الزُّبَيْرِ وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُمْ قَالُوا مَنْ لم يزل بِالْمُزْدَلِفَةِ وَفَاتَهُ الْوُقُوفَ بِهَا فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ وَيَجْعَلُهَا عُمْرَةً
وَرُوِيَ عَنِ الثَّوْرِيِّ مِثْلُ ذَلِكَ وَالْأَصَحُّ عَنْهُ أَنَّ الْوُقُوفَ بِهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ
وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ مَنْ فَاتَتْهُ الْإِفَاضَةُ مِنْ جَمْعٍ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ فَلْيَحِلَّ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ لِيَحُجَّ قَابِلًا
وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ ظَاهِرُ قَوْلِ اللَّهِ (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المشعر الحرام) البقرة ١٩٨
وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ من أَدْرَكَ جَمْعًا وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ قَبْلَ ذَلِكَ عَرَفَاتٍ فَقَدْ أَدْرَكَ
وَقَالَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ الْوُقُوفُ بِالْمُزْدَلِفَةِ مِنْ سُنَنِ الْحَجِّ الْمُؤَكَّدَةِ وَلَيْسَ مِنْ فُرُوضِهَا
وَتَفْصِيلُ أَقْوَالِهِمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ مَالِكًا قَالَ مَنْ لَمْ يُنِخْ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَلَمْ يَنْزِلْ فِيهَا وَتَقَدَّمَ إِلَى مِنًى وَرَمَى الْجَمْرَةَ فَإِنَّهُ يُهَرِيقُ دَمًا فَإِنْ نَزَلَ بِهَا ثُمَّ دَفَعَ مِنْهَا فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ أَوْ وَسَطِهِ أَوْ آخِرِهِ وَتَرَكَ الْوُقُوفَ مَعَ الْإِمَامِ فَقَدَ أَجْزَأَ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ مَنْ لَمْ يَقِفْ بِجَمْعٍ وَلَمْ يَنْزِلْ مِنْهَا لَيْلَةَ النَّحْرِ فَعَلَيْهِ دَمٌ
وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ فِي رِوَايَةٍ وَقَوْلِ الزُّهْرِيِّ وَقَتَادَةَ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إِذَا تَرَكَ الْوُقُوفَ بِالْمُزْدَلِفَةِ فَلَمْ يَقِفْ بِهَا وَلَمْ يَمُرَّ بِهَا وَلَمْ يَبِتْ بِهَا فعليه دم قالوا وإن بَاتَ بِهَا وَتَعَجَّلَ فِي اللَّيْلِ رَجَعَ إِذَا كَانَ خُرُوجُهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ حَتَّى يَقِفَ مَعَ الْإِمَامِ أَوْ يُصْبِحَ بِهَا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَعَلَيْهِ دَمٌ
قَالُوا وَإِنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ غُلَامًا صَغِيرًا فَتَقَدَّمُوا بِاللَّيْلِ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إِنْ نَزَلَ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَخَرَجَ مِنْهَا بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ خَرَجَ قَبْلَ نِصْفِ اللَّيْلِ وَلَمْ يَعُدْ إِلَيْهَا لِيَقِفَ بِهَا مَعَ الْإِمَامِ وَلَمْ يُصْبِحْ فَعَلَيْهِ شَاةٌ
قَالَ وَإِنَّمَا حَدَّدْنَا نِصْفَ اللَّيْلِ لِأَنَّهُ بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَذِنَ لِضَعَفَةِ أَهْلِهِ أَنْ يَرْحَلُوا مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ وَرَخَّصَ لَهُمْ فِي أَنْ لَا يُصْبِحُوا بِهَا وَلَا يَقِفُوا مَعَ الْإِمَامِ
стр. 1756
وَالْفَرْضُ عَلَى الضَّعِيفِ وَالْقَوِيِّ سَوَاءٌ وَلَكِنَّهُ نَاظِرٌ لِمَوْضِعِ الْفَضْلِ وَتَعْلِيمِ النَّاسِ وَقَدَّمَ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ لِأَنَّهُ كَانَ مُبَاحًا لَهُمْ
قَالَ وَمَا كَانَ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ فَهُوَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ
وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَنْزِلْ بِجَمْعٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَإِنَّ نَزَلَ بِهَا ثُمَّ ارْتَحَلَ بِلَيْلٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ
رَوَاهُ عَنْهُ بن جُرَيْجٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ عَنْهُ
وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَقُولُ إِنَّمَا جَمْعٌ مَنْزِلٌ تَذْبَحُ فِيهِ إِذَا جِئْتَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَمَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ يَعْنِي صَلَاةَ الصُّبْحِ بِجَمْعٍ وَصَحَّ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَدَّمَ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ لَيْلًا وَلَمْ يَشْهَدُوا مَعَهُ تِلْكَ الصَّلَاةِ وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مَوْضِعُ الِاخْتِيَارِ
وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ وَقَفَ بِالْمُزْدَلِفَةِ لَيْلًا وَدَفَعَ مِنْهَا قَبْلَ الصُّبْحِ أَنَّ حَجَّهُ تَامٌّ وَكَذَلِكَ مَنْ بَاتَ بِهَا وَنَامَ عَنِ الصَّلَاةِ فَلَمْ يُصَلِّهَا مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى فَاتَتْهُ أَنَّ حَجَّهُ تَامٌّ
فَلَوْ كَانَ حُضُورُ الصَّلَاةِ مَعَهُ ﵇ مِنْ صُلْبِ الْحَجِّ وَفَرَائِضِهِ مَا أَجْزَأَهُ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنَّ مُشَاهَدَةَ الصَّلَاةِ بِجَمْعٍ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ وَسُنَنُ الْحَجِّ تُجْبَرُ بِالدَّمِ إِذَا لَمْ يَفْعَلْهَا مَنْ عَلَيْهِ فِعْلُهَا
وَأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِقَوْلِ اللَّهِ (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ) الْبَقَرَةِ ١٩٨ وَقَوْلُهُمْ إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَرَفَاتٍ وَالْمُزْدَلِفَةَ جَمِيعًا مِنْ فُرُوضِ الْحَجِّ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّهُ لَوْ وَقَفَ بِالْمُزْدَلِفَةِ أَوْ بَاتَ فِيهَا بَعْضَ اللَّيْلِ وَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ عَلَى أَنَّ حَجَّهُ تَامٌّ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الذِّكْرَ بِهَا مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ وَإِذَا لَمْ يَكُنِ الذِّكْرُ الْمَنْصُوصُ عليه من أيام الْحَجِّ فَالْمَبِيتُ وَالْوُقُوفُ أَحْرَى بِذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الَّذِي يَقِفُ بِعَرَفَةَ مُغْمًى عَلَيْهِ فَقَالَ مَالِكٌ إِذَا أَحْرَمَ ثُمَّ أُغْمَى عَلَيْهِ وَوُقِفَ بِهِ مُغْمًي عَلَيْهِ فَحَجُّهُ تَامٌّ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ مَنْ وَقَفَ بِهَا مُغْمًى عَلَيْهِ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ
قَالَ الشَّافِعِيُّ عَمَلُ الْحَجِّ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ أَنْ يُحْرِمَ وَهُوَ يَعْقِلُ وَيَدْخُلُ عَرَفَةَ في
стр. 1757
وَقْتِهَا وَهُوَ يَعْقِلُ وَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَهُوَ يَعْقِلُ وَلَا يُجْزِئُ عَنْهُ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ إِلَّا وَهُوَ يَعْقِلُ
وَاخْتَلَفُوا فِي الرَّجُلِ يَمُرُّ بِعَرَفَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهَا عَرَفَةُ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ يُجْزِئُهُ
حَكَى أَبُو ثَوْرٍ هَذَا الْقَوْلَ عَنْ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ وَاقِفًا إِلَّا بِإِرَادَةٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ مُسْتَحِيلٌ أَنْ يتأدى الفرض عن من لَمْ يَقْصِدْ إِلَيْهِ وَلَا عَلِمَهُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ ذَاهِبُ الْعَقْلِ غَيْرُ مُخَاطَبٍ وَاللَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا أَمَرَ عِبَادَهُ أَنْ يَعْبُدُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ وَالْإِخْلَاصُ الْقَصْدُ بِالنِّيَّةِ إِلَى أَدَاءِ مَا افْتُرِضَ عَلَيْهِ وَيُؤَكِّدُ هَذَا قَوْلُهُ ﵇ إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ
وَاخْتَلَفُوا فِي جَمَاعَةِ أَهْلِ الْمَوْسِمِ يُخْطِئُونَ الْعَدَدَ فَيَقِفُونَ بِعَرَفَةَ فِي غَيْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ على ثلاثة أَقْوَالٍ
أَحَدُهَا أَنَّهُ إِنْ وَقَفُوا قَبْلُ لَمْ يُجْزِهِمْ وَإِنْ وَقَفُوا بَعْدُ أَجْزَأَهُمْ
وَالثَّانِي أَنَّهُ يُجْزِيهِمُ الْوُقُوفُ قَبْلُ وَبَعْدُ عَلَى حَسَبِ اجْتِهَادِهِمْ
وَالثَّالِثُ أَنَّهُ لَا يُجْزِيهِمُ الْوُقُوفُ قَبْلُ وَلَا بَعْدُ
وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ وَالْحَسَنِ أَنَّهُ يُجْزِئُهُمْ قَبْلُ وَبَعْدُ
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فَبَعْضُهُمْ قَالَ يُجْزِئُهُمْ بَعْدُ وَلَا يُجْزِئُهُمْ قَبْلُ قِيَاسًا عَلَى الْأَسِيرِ تَلْتَبِسُ عَلَيْهِ الشُّهُورُ فَيَصُومُ رَمَضَانَ فَيُجْزِئُهُ بَعْدُ وَلَا يُجْزِئُهُ قَبْلُ
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ يُجْزِئُهُمْ قَبْلُ وَبَعْدُ قِيَاسًا عَلَى الْقِبْلَةِ
وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ لَا يُجِيزَانِ الْوُقُوفَ لَا قَبْلُ وَلَا بَعْدُ
وَرَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عن بن الْقَاسِمِ قَالَ إِذَا أَخْطَأَ أَهْلُ الْمَوْسِمِ فَكَانَ
стр. 1758
وُقُوفُهُمْ بِعَرَفَةَ يَوْمَ النَّحْرِ مَضَوْا عَلَى أَمَلِهِمْ وَإِنْ تَبَيَّنَ ذَلِكَ لَهُمْ وَثَبَتَ عِنْدَهُمْ فِي بَقِيَّةِ يَوْمِهِمْ ذَلِكَ أَوْ بَعْدَهُ وَيَنْحَرُونَ مِنَ الْغَدِ وَيَعْمَلُونَ عَمَلَ الْحَجِّ وَلَا يَتْرُكُوا الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ يَوْمَ النَّحْرِ وَلَا يَنْفَضُّوا مِنْ رَمْيِ الْجِمَارِ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامَ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ وَيَجْعَلُونَ يَوْمَ النَّحْرِ بِالْغَدِ بَعْدَ وُقُوفِهِمْ وَيَكُونُ حَالُهُمْ فِي مِيقَاتِهِمْ كَحَالِ مَنْ لَمْ يُخْطِئْ
قَالَ وَإِذَا أَخْطَؤُوا بَعْدَ أَنْ وَقَفُوا بِعَرَفَةَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ أَعَادُوا الْوُقُوفَ مِنَ الْغَدِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ نَفْسِهِ وَلَمْ يُجْزِهِمُ الْوُقُوفَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ
وَقَالَ سَحْنُونُ اخْتَلَفَ قَوْلُ بن الْقَاسِمِ فِيمَنْ وَقَفَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ اخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ سَحْنُونَ أَيْضًا
قَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ فِي أَهْلِ الْمَوْسِمِ ينزل مَا نَزَلَ بِالنَّاسِ وَهُرُوبُهُمْ مِنْ عَرَفَةَ وَلَمْ يُعِدِ الْوُقُوفَ قَالَ يُجْزِئُهُمْ وَلَا دَمَ عَلَيْهِمْ
قَالَ أَبُو عُمَرَ إِنَّمَا هَذَا فِي جَمَاعَةِ أَهْلِ الْمَوْسِمِ وَأَهْلِ الْبَلَدِ يَغْلَطُونَ فِي الْهِلَالِ وَأَمَّا الْمُنْفَرِدُ فَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِي هَذَا الْبَابِ وَإِذَا أَخْطَأَ الْعَدَدَ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ لَزِمَهُ إِذَا لَمْ يُدْرِكِ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ مِنْ لَيْلَةِ النَّحْرِ مَا يَلْزَمُ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ وَاجْتِهَادُهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ اجْتِهَادٌ
وَكَذَلِكَ مَنْ أَخْطَأَ وَحْدَهُ مِنْ بَيْنِ أَهْلِ مِصْرِهِ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ وَشَوَّالٍ وَذِي الْحِجَّةِ وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ الْمُنْفَرِدِ فِي مَوْضِعِهِ
وَأَمَّا الْجَمَاعَةُ فَاجْتِهَادُهُمْ سَائِغٌ وَالْحَرَجُ عَنْهُمْ سَاقِطٌ لِقَوْلِهِ ﵇ أَضْحَاكُمْ حِينَ تُضَحُّونَ وَفِطْرُكُمْ حِينَ تُفْطِرُونَ فَأَجَازَ الْجَمِيعُ اجْتِهَادَهُمْ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
قَالَ مَالِكٌ فِي الْعَبْدِ يَعْتِقُ فِي الْمَوْقِفِ بِعَرَفَةَ فإن ذلك لا يجزئ عنه من حج الْإِسْلَامِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَمْ يُحْرِمْ فَيُحْرِمُ بَعْدَ أَنْ يَعْتِقَ ثُمَّ يَقِفُ بِعَرَفَةَ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَإِنْ فَعَلَ أَجْزَأَ عَنْهُ وَإِنْ لَمْ يُحْرِمْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ كَانَ بِمَنْزِلَةِ
стр. 1759
مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ إِذَا لَمْ يُدْرِكِ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ لَيْلَةِ الْمُزْدَلِفَةِ ويكون عَلَى الْعَبْدِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ يَقْضِيهَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَمْ يَذْكُرْ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ الصَّبِيَّ يُحْرِمُ مُرَاهِقًا ثُمَّ يَحْتَلِمُ وَهُوَ ذلك عندهم حكم الْعَبْدِ سَوَاءً
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الصَّبِيِّ الْمُرَاهِقِ وَالْعَبْدِ يُحْرِمَانِ بِالْحَجِّ ثُمَّ يَحْتَلِمُ هَذَا وَيَعْتِقُ هَذَا قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ
فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ بِرَفْضِ تَجْدِيدِ الْإِحْرَامِ وَيَتَمَادَيَانِ عَلَى إِحْرَامِهِمَا وَلَا يُجْزِيهِمَا حَجُّهُمَا ذَلِكَ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إِذَا أَحْرَمَ الصَّبِيُّ وَالْعَبْدُ بِالْحَجِّ فَبَلَغَ الصَّبِيُّ وَعَتَقَ الْعَبْدُ قَبْلَ الْوُقُوفِ بعرفة أَنَّهُمَا يَسْتَأْنِفَانِ الْإِحْرَامَ وَيُجْزِيهِمَا عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَعَلَى الْعَبْدِ دَمٌ لِتَرْكِهِ الْمِيقَاتَ وَلَيْسَ عَلَى الصَّبِيِّ دَمٌ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إِذَا أَحْرَمَ الصَّبِيُّ ثُمَّ بَلَغَ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَوَقَفَ بِهَا مُحْرِمًا أَجْزَاهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ إِذَا أَحْرَمَ ثُمَّ عَتَقَ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فوقف بها محرما أجزاه من حجة الإسلام وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى تَجْدِيدِ إِحْرَامِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا
قال ولو أُعْتِقَ الْعَبْدُ بِمُزْدَلِفَةَ أَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ بِهَا فَرَجَعَا إِلَى عَرَفَةَ بَعْدَ الْعِتْقِ وَالْبُلُوغِ فَأَدْرَكَا بِهَا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ جَزَتْ عَنْهُمَا مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمَا دَمٌ وَلَوِ احْتَاطَا فَأُهْرِقَا كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ
قَالَ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِالْبَيِّنِ عِنْدِي
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَالَ بِهَذِهِ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ وَفُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ
وَحُجَّةُ مَالِكٍ أَمْرُ اللَّهِ كُلَّ مَنْ دَخَلَ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فإتمامه حَجَّهُ تَطَوُّعًا كَانَ أَوْ فَرْضًا لِقَوْلِهِ (وأتموا الحج والعمرة لله) البقرة ١٩٦ وَمَنْ رَفَضَ إِحْرَامَهُ فَلَمْ يَتِمَّ حَجُّهُ وَلَا عُمْرَتُهُ
وَحُجَّةُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْحَجَّ الَّذِي كان فيه لما لم يكن يجزئ عَنْهُ وَلَمْ يَكُنِ الْفَرْضُ لَازِمًا لَهُ حِينَ أَحْرَمَ بِهِ ثُمَّ لَزِمَهُ حِينَ بَلَغَ اسْتَحَالَ أَنْ يَشْتَغِلَ عَنْ فَرْضٍ قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ بِنَافِلَةٍ وَيُعَطِّلُ فَرْضَهُ كَمَنْ دَخَلَ فِي نَافِلَةٍ فَقَامَتْ عَلَيْهِ الْمَكْتُوبَةُ فَخَشِيَ فَوْتَهَا قَطَعَ النَّافِلَةَ وَدَخَلَ فِي الْمَكْتُوبَةِ فَأَحْرَمَ لَهَا
وَكَذَلِكَ الْحَجُّ عِنْدَهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُجَدِّدَ الْإِحْرَامَ لَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِلْفَرِيضَةِ وَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَى الْعَبْدِ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ يَلْزَمُهُ الْعِبَادَاتُ وَيُجْزِيهِ حَجُّهُ عِنْدَ بعض الناس
стр. 1760
وَالْجُمْهُورُ مُتَّفِقُونَ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَدْخُلُ الْحَرَمَ إِلَّا مُحْرِمًا وَالصَّبِيُّ غَيْرُ مُكَلَّفٍ فَلَا يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ وَلَا غَيْرُهُ فَافْتَرَقَا لِهَذِهِ الْعِلَّةِ
وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ فِي إِسْقَاطِ النِّيَّةِ بِأَنَّهُ جَائِزٌ لِكُلِّ مَنْ نَوَى بِإِهْلَالِهِ الْإِحْرَامَ أَنْ يَصْرِفَهُ إِلَى مَا شَاءَ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أمر أَصْحَابَهُ الْمُهِلِّينَ بِالْحَجِّ أَنْ يَفْسَخُوهُ فِي عُمْرَةٍ وَبِقَوْلِ عَلِيٍّ وَأَبِي مُوسَى أَهَلَلْنَا بِإِهْلَالٍ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ يُرِيدُ أَنَّ إِهْلَالَهُمَا عَلَى إِهْلَالِهِ كَائِنًا مَا كَانَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النِّيَّةَ فِي الْإِحْرَامِ لَيْسَتْ كَالنِّيَّةِ فِي الصَّلَاةِ
(٥٦ - بَابُ تَقْدِيمِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ)
٨٣٩ - مَالِكٌ عن نافع عن سالم وعبيد الله ابني عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ أَبَاهُمَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُقَدِّمُ أَهْلَهُ وَصِبْيَانَهُ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ إِلَى مِنًى حَتَّى يُصَلُّوا الصُّبْحَ بِمِنًى وَيَرْمُوا قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ النَّاسُ
٨٤٠ - مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّ مَوْلَاةً لِأَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ جِئْنَا مَعَ أَسْمَاءَ ابْنَةِ أَبِي بَكْرٍ مِنًى بِغَلَسٍ قَالَتْ فَقُلْتُ لَهَا لَقَدْ جِئْنَا مِنًى بِغَلَسٍ فَقَالَتْ قَدْ كُنَّا نَصْنَعُ ذَلِكَ مَعَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكِ
٨٤١ - مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدٍ الله كَانَ يُقَدِّمُ نِسَاءَهُ وَصِبْيَانَهُ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ إِلَى مِنًى
٨٤٢ - مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَكْرَهُ رَمْيَ الْجَمْرَةِ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ وَمَنْ رَمَى فَقَدْ حَلَّ لَهُ النَّحْرُ
٨٤٣ - مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا
стр. 1761
كَانَتْ تَرَى أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ بِالْمُزْدَلِفَةِ تَأْمُرُ الَّذِي يُصَلِّي لَهَا وَلِأَصْحَابِهَا الصُّبْحَ يُصَلِّي لَهُمُ الصُّبْحَ حِينَ يَطْلُعُ الْفَجْرُ ثُمَّ تَرْكَبُ فَتَسِيرُ إِلَى مِنًى وَلَا تَقِفُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ جُمْلَةُ الْقَوْلِ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ حَدِيثَهُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ سَالِمٍ وَعُبَيْدِ اللَّهِ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ إنما أخذ بن عُمَرَ فِعْلَهُ ذَلِكَ مِنَ السُّنَّةِ الَّتِي رَوَاهَا هُوَ وَغَيْرُهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عن الزهري عن سالم عن بْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَذِنَ لِضُعَفَاءِ النَّاسِ مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ
قَالَ وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ أَنَّ بن عُمَرَ كَانَ يُقَدِّمُ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ يَقِفُونَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ بِلَيْلٍ فَيَذْكُرُونَ اللَّهَ مَا بَدَا لهم ثم يَدْفَعُونَ مِنْهُمْ مَنْ يَأْتِي مِنًى لِصَلَاةِ الصُّبْحِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ وَأَوَّلُهُمْ ضُعَفَاءُ أَهْلِهِ وَيَقُولُ أَذِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ قَالَ وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نافع قال بعثني بن عُمَرَ فِي ضَعَفَةِ أَهْلِهِ فَرَمَيْنَا الْجَمْرَةَ قَبْلَ أن يأتينا الناس
قال وأخبرنا بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ قال سمعت بن عَبَّاسٍ يَقُولُ كُنْتُ مِمَّنْ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ ضَعَفَةِ أَهْلِهِ فِي التَّعَجُّلِ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ إِلَى مِنًى
وَرُوِيَ عن عطاء وعكرمة عن بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَهُ فِي ضَعَفَةِ بَنِي هَاشِمٍ وَصِبْيَانِهِمْ أَنْ يَتَعَجَّلُوا مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ الْمَبِيتُ بِجَمْعٍ لَيْلَةَ النَّحْرِ سُّنَّةٌ مَسْنُونَةٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهَا إِلَّا أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ وَمَا كَانَ مِثْلَهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ فِي أَكْثَرِ اللَّيْلِ وَأَنَّهُ قَدْ رَخَّصَ أَنْ لَا يُصْبِحَ الْبَائِتُ فِيهَا وَأَنَّ لَهُ أَنْ يُصْبِحَ بِمِنًى عَلَى أَنَّ الْفَضْلَ عِنْدَ الْجَمِيعِ الْمَبِيتُ بِهَا
стр. 1762
حَتَّى يُصَلِّيَ الصُّبْحَ ثُمَّ يَرْفَعُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ وَلَا فِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ كَذَلِكَ
وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُ مَنْ لَمْ يَبِتْ بِجَمْعٍ لَيْلَةَ النَّحْرِ عَلَيْهِ دَمٌ وَأَنَّهُ لَا يُسْقِطُ الدَّمَ عَنْهُ وُقُوفُهُ بِهَا وَلَا مُرُورُهُ عَلَيْهَا
وَقَدْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مُجَاهِدٌ أَنَّهُ مَنْ أَفَاضَ مِنْ جَمْعٍ قَبْلَ الْإِمَامِ وَإِنْ بَاتَ بِهَا أَنَّ عَلَيْهِ دَمًا
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَظُنُّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا بِهَذِهِ الْآثَارِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ امْرَأَةٌ ثَقِيلَةٌ ثَبِطَةٌ فَأَسْتَأْذَنَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي أَنْ تُدْلِجَ مِنْ جَمْعٍ فَأَذِنَ لَهَا قَالَتْ عَائِشَةُ وَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ اسْتَأْذَنْتُهُ
وَكَانَتْ تَقُولُ لَيْسَ الْإِدْلَاجُ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
وَمَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سالم عن بن عُمَرَ قَالَ الْمَشْعَرُ الْحَرَامُ الْمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا
وَرَوَى الثَّوْرِيُّ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عَطَاءٍ قَالَ الرَّحِيلُ مِنْ جَمْعٍ إِذَا غَابَ الْقَمَرُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ مَغِيبُهُ لَيْلَةَ النَّحْرِ مَعْلُومٌ
وبن جريج عن عطاء عن بن عَبَّاسٍ وَعَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ الْأَعْمَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ إِنَّمَا جَمْعٌ مَنْزِلٌ تُدْلِجُ مِنْهُ إِذَا شِئْتَ
قَالَ مَعْمَرٌ وَأَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمَّ سَلَمَةَ أَنْ تُصْبِحَ بِمَكَّةَ يَوْمَ النَّحْرِ وَكَانَ يَوْمَهَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ اخْتُلِفَ عَلَى هِشَامٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَرَوَتْهُ طَائِفَةٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلًا كَمَا رَوَاهُ مَعْمَرٌ
وَرَوَاهُ آخَرُونَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ أُمَّ سَلَمَةَ بِذَلِكَ مُسْنَدًا
стр. 1763
وَرَوَاهُ آخَرُونَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَيْضًا
وَكُلُّهُمْ ثِقَاتٌ مِنْ رُوَاةِ هِشَامٍ
وَهَذَا الْحَدِيثُ خِلَافٌ لِسَائِرِ الْأَحَادِيثِ لِأَنَّ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْإِدْلَاجَ مِنْ جَمْعٍ إِلَى مِنًى وَصَلَاةُ الصُّبْحِ بِهَا وَأَقْصَى مَا فِي ذَلِكَ رَمْيُ الْجَمْرَةِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَبَعْدَ الْفَجْرِ
وَيَدُلُّ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ عَلَى أَنَّ رَمْيَ الْجَمْرَةِ بِمِنًى قَبْلَ الْفَجْرِ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَهَا أَنْ تُصْبِحَ بِمَكَّةَ يَوْمَ النَّحْرِ وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا وَقَدْ رَمِيَتِ الْجَمْرَةَ بِمِنًى لَيْلًا قَبْلَ الْفَجْرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ وقف بالمشعر الحرام بعد ما صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ دَفَعَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ
وَنَقَلَ ذَلِكَ أَيْضًا الْآحَادُ الْعُدُولُ
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ قَالَ عُمَرُ كَانَ أَهْلُ الجاهلية لا يفيضون يعني من جمع حين يَرَوْا الشَّمْسَ عَلَى ثَبِيرٍ قَالَ فَخَالَفَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ فَدَفَعَ قَبْلَ طُلُوعِ الشمس
وروى بن عيينة عن بن جُرَيْجٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ وعن بن طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَدْفَعُونَ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَكَانُوا يَدْفَعُونَ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَأَخَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذَا وَعَجَّلَ هَذَا أَخَّرَ الدَّفْعَ مِنْ عَرَفَةَ وَعَجَّلَ الدَّفْعَ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ مُخَالِفًا لِهَذَا هَدْيَ الْمُشْرِكِينَ
وَأَجْمَعُوا أَنَّ الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَدْ فَاتَ وَقْتُ الْوُقُوفِ بِجَمْعٍ وَأَنَّ مَنْ أَدْرَكَ الْوُقُوفَ بِهَا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَقَدْ أَدْرَكَ فَمَنْ قَالَ إِنَّهَا فَرْضٌ وَمَنْ يَقُولُ إِنَّهَا سُنَّةٌ وَقَدْ أَوْضَحْنَا ذَلِكَ فِيمَا مَضَى والحمد لله
стр. 1764
وَأَجْمَعُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَمَى يَوْمَ النَّحْرِ فِي حَجَّتِهِ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ بِمِنًى يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ رَمَاهَا ذَلِكَ الْيَوْمَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى زَوَالِهَا فَقَدْ رَمَاهَا فِي وَقْتِهَا
وَأَجْمَعُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَرْمِ يَوْمَ النَّحْرِ مِنَ الجمرات غيرها
واختلفوا فمن رَمَاهَا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ
فَقَالَ لَمْ يَبْلُغْنَا أن رسول الله ﷺ رَخَّصَ لِأَحَدٍ يَرْمِي قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ وَلَا يَجُوزُ رَمْيُهَا قَبْلَ الْفَجْرِ فَإِنْ رَمَاهَا قَبْلَ الْفَجْرِ أَعَادَهَا
وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ لَا يَجُوزُ رَمْيُهَا قَبْلَ الْفَجْرِ
وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَقْتُ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ الَّذِي أُحِبُّهُ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا أَكْرَهُهُ قَبْلَ الْفَجْرِ
وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَعِكْرِمَةَ
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَرْمِيَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ
وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ لَا يَجُوزُ الرَّمْيُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ إِنْ كَانَ فِيهِ خِلَافٌ وَأَجْمَعُوا أَوْ كَانَتْ فِيهِ سُنَّةٌ أَجْزَأَهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَمَنْ تَابَعَهُ فَحُجَّتُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَمَى الْجَمْرَةَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَالَ خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ
وَرَوَى الْحَسَنُ الْعُرَنِيُّ وعطاء ومقسم كلهم عن بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدَّمَ أُغَيْلِمَةَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وضعفتهم وقال لهم أبني! لَا تَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ
стр. 1765
أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ قَالَ حَدَّثَنِي قَاسِمٌ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنِ الْمَسْعُودِيِّ عَنِ الحكم عن مقسم عن بن عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدَّمَ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ وَقَالَ لَا تَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ
وَمَنْ أَجَازَ رَمْيَهَا بَعْدَ الْفَجْرِ وَقَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي هذا الْبَابِ مِنَ الْآثَارِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ
ومن حديث بن أبي ذئب قال حدثني سعيد عن بن عَبَّاسٍ قَالَ بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ مَعَ أَهْلِهِ وَأَمَرَنِي أَنْ أَرْمِيَ الْجَمْرَةَ بَعْدَ الْفَجْرِ
وَأَمَّا مَنْ جَوَّزَ رَمْيَهَا قَبْلَ الْفَجْرِ فَحُجَّتُهُ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ
حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حدثني بن أَبِي فُدَيْكٍ عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عائشة أَنَّهَا قَالَتْ أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قَبْلَ الْفَجْرِ ثُمَّ مَضَتْ فَأَفَاضَتْ وَكَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْنِي عِنْدَهَا
وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَهَا أَنْ تُوَافِيَ مَكَّةَ صَلَاةَ الصُّبْحِ يَوْمَ النَّحْرِ
قَالُوا فَلَمْ تَكُنْ لِتُوَافِيَ مَكَّةَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ يَوْمَ النَّحْرِ لِلطَّوَافِ إِلَّا وَقَدْ رَمَتِ الْجَمْرَةَ بِلَيْلٍ قَبْلَ ذَلِكَ
وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ قال حدثني يحيى عن بن جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ
стр. 1766
قَالَ أَخْبَرَنِي مُخْبِرٌ عَنْ أَسْمَاءَ أَنَّهَا رَمَتِ الْجَمْرَةَ قُلْتُ إِنَّا رَمَيْنَا الْجَمْرَةَ بِلَيْلٍ قَالَتْ إِنَّا كُنَّا نَصْنَعُ هَذَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
وَقَدْ عَارَضَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَسْمَاءَ بِحَدِيثِ مَالِكٍ فِي حَدِيثِ هَذَا الْبَابِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ أَنَّهَا كَانَتْ تَرَى أَسْمَاءَ بِالْمُزْدَلِفَةِ تَأْمُرُ الَّذِي يُصَلِّي لَهَا الصُّبْحَ وَلِأَصْحَابِهَا يُصَلِّي لَهُمْ حِينَ يَطْلُعُ الْفَجْرُ ثُمَّ تَرْكَبُ فَتَسِيرُ إِلَى مِنًى وَلَا تَقِفُ
وَهَذَا لَا مُعَارَضَةَ فِيهِ وَلَا يُدْفَعُ بِحَدِيثِ أَسْمَاءَ الْمُسْنَدِ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ لِأَسْمَاءَ وَلِغَيْرِهَا أَنْ يَفْعَلَ مَا فِي حَدِيثِ مَالِكٍ هَذَا بَلْ هُوَ الْأَفْضَلُ الْمُسْتَحَبُّ عِنْدَ الْجَمِيعِ
وَأَمَّا الْكَلَامُ فِيمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَرَمَى بِلَيْلٍ فَإِنَّمَا يَكُونُ مُعَارِضًا لَوْ كَانَتِ الْحَجَّةُ لَهُمْ وَاحِدَةً
وَاخْتَلَفَتِ الْحِكَايَةُ عَنْ أَسْمَاءَ فِيهَا فَأَمَّا إِذَا جَازَ أَنْ تَكُونَ حَجَّتَيْنِ وَأَمْكَنَ ذَلِكَ فَلَا مُعَارَضَةَ هُنَالِكَ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
وَأجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الِاخْتِيَارَ فِي رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى زَوَالِهَا
وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ إِنْ رَمَاهَا قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ فَقَدْ جَزَا عَنْهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إِلَّا مَالِكًا فَإِنَّهُ قَالَ أَسْتَحِبُّ لَهُ إِنْ تَرَكَ رَمْيَ الْجَمْرَةِ حَتَّى أَمْسَى أَنْ يُهَرِيقَ دَمًا يَجِيءُ بِهِ مِنَ الْحِلِّ
وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ لَمْ يَرْمِهَا حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ فَرَمَاهَا مِنَ اللَّيْلِ أَوْ مِنَ الْغَدِ
فَقَالَ مَالِكٌ عَلَيْهِ دَمٌ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إِنْ رَمَاهَا مِنَ اللَّيْلِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ أَخَّرَهَا إِلَى الْغَدِ فَعَلَيْهِ دَمٌ
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ إِنْ أخر رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ إِلَى اللَّيْلِ أَوْ إِلَى الْغَدِ رَمَى وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ
وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ لِرِعَاءِ الْإِبِلِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ وَمَا كَانَ لِيُرَخِّصَ لَهُمْ فِيمَا لا يجوز
وفي حديث بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وقت لرمي الجمرة وَقْتًا وَهُوَ يَوْمُ
стр. 1767
النَّحْرِ فَمَنْ رَمَى بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَقَدْ رَمَاهَا بَعْدَ خُرُوجِهَا وَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا فِي الْحَجِّ بَعْدَ وَقْتِهِ فَعَلَيْهِ دَمٌ
(٥٧ - بَابُ السَّيْرِ فِي الدُّفْعَةِ)
٨٤٤ - مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ سُئِلَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَأَنَا جَالِسٌ مَعَهُ كَيْفَ كَانَ يَسِيرُ رسول الله ﷺ في حَجَّةِ الْوَدَاعِ حِينَ دَفَعَ قَالَ كَانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ قَالَ مَالِكٌ قَالَ هِشَامٌ وَالنَّصُّ فَوْقَ الْعَنَقِ
٨٤٥ - مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عمر كان يُحَرِّكُ رَاحِلَتَهُ فِي بَطْنِ مُحَسِّرٍ قَدْرَ رَمْيَةٍ بحجر
قال أَبُو عُمَرَ هَكَذَا قَالَ يَحْيَى فُرْجَةً وَتَابَعَهُ جماعة منهم أبو المصعب وبن بُكَيْرٍ وَسَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمُ بن وهب وبن الْقَاسِمِ وَالْقَعْنَبِيُّ فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ
وَالْفَجْوَةُ وَالْفُرْجَةُ سَوَاءٌ فِي اللُّغَةِ
وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَكْثَرُ مِنْ مَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ السَّيْرِ فِي الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ وَهُوَ شَيْءٌ يَجِبُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ وَامْتِثَالُهُ عَلَى أَئِمَّةِ الْحَاجِّ فَمَنْ دُونَهُمْ لِأَنَّ فِي اسْتِعْجَالِ السَّيْرِ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ اسْتِعْجَالَ الصَّلَاةِ بِهَا وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَغْرِبَ لَا تُصَلَّى تِلْكَ اللَّيْلَةَ إِلَّا مَعَ الْعِشَاءِ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَتِلْكَ سُنَّتُهَا فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ عَلَى حسب مَا فَعَلَهُ رَسُولُ
стр. 1768
اللَّهِ ﷺ وَمَنْ قَصَرَ عَنْ ذَلِكَ أَوْ زَادَ فَقَدْ أَسَاءَ إِذَا كَانَ عَالِمًا بِمَا فِي ذَلِكَ
وَسَيَأْتِي حُكْمُ الصَّلَاتَيْنِ بِالْمُزْدَلِفَةِ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَالْعَنَقُ مَشْيُ الدَّوَابِّ مَعْرُوفٌ لَا يُجْهَلُ وَرُبَّمَا استعمل في غير الدواب مجازا
والنص ها هنا كَالْخَبَبِ أَوْ فَوْقَ ذَلِكَ وَأَرْفَعُ
وَأَصْلُ النَّصِّ في اللغة الرفع يقال منه نصعت الدَّابَّةُ فِي سَيْرِهَا
قَالَ الشَّاعِرُ
(أَلَسْتُ الَّذِي كَلَّفْتُهَا نَصَّ لَيْلَةٍ ... مِنَ اهْلِ مِنًى نَصًّا إِلَى أَهْلِ يَثْرِبَ)
وَقَالَ اللِّهْبِيُّ
(وَرُبَّ بَيْدَاءَ وَلَيْلٍ دَاجِ ... قَطَعَتْهُ بِالنَّصِّ وَالْإِدْلَاجِ)
وَقَالَ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْقُدُّوسِ
(وَنُصَّ الْحَدِيثَ إِلَى أَهْلِهِ ... فَإِنَّ الْوَثِيقَةَ فِي نَصِّهِ)
أَيِ ارْفَعْهُ إِلَى أَهْلِهِ وَانْسُبْهُ إِلَيْهِمْ
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ النَّصُّ التَّحْرِيكُ الَّذِي يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الدَّابَّةِ أَقْصَى سَيْرِهَا وَأَنْشَدَ قَوْلَ الرَّاجِزِ
(تَقْطَعُ الْخَرْقَ بِسَيْرٍ نَصِّ)
وَأَمَّا النَّصُّ فِي الشَّرِيعَةِ فَلِلْفُقَهَاءِ فِي الْعِبَارَةِ تَنَازُعٌ عَنْهُ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذِكْرِهِ
وأما حديث مالك عن نافع أن بْنَ عُمَرَ كَانَ يُحَرِّكُ رَاحِلَتَهُ فِي بَطْنِ مُحَسِّرٍ قَدْرَ رَمْيَةٍ بِحَجَرٍ فَإِنْ فِعْلَهُ فِي ذَلِكَ مَأْخُوذٌ مِنَ السُّنَّةِ
وَرَوَى الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ وَقَالَ لَهُمْ أَوْضِعُوا فِي وَادِي مُحَسِّرٍ
وَقَالَ لَهُمْ خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ
стр. 1769
وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنِ بن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا فَاضَ مِنْ عَرَفَةَ سَارَ عَلَى هَيْئَتِهِ حَتَّى يَأْتِيَ الْمُزْدَلِفَةَ فَإِذَا أَفَاضَ مِنْهَا سَارَ أَيْضًا عَلَى هَيْئَتِهِ حَتَّى يأتي محسر ثُمَّ يَسْتَحِثُّ رَاحِلَتَهُ شَيْئًا ثُمَّ يَسِيرُ عَلَى هَيْئَتِهِ حَتَّى يَأْتِيَ الْجَمْرَةَ
وَرَوَى الْأَعْمَشُ عَنْ عِمَارَةَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زيد أنه أوضع بن مَسْعُودٍ يَعْنِي فِي وَادِي مُحَسِّرٍ
وَالْإِيضَاعُ سُرْعَةُ السَّيْرِ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي هَذَا الْبَابِ
(٥٨ - بَابُ مَا جَاءَ فِي النَّحْرِ فِي الْحَجِّ)
٨٤٦ - مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ بِمِنًى هَذَا الْمَنْحَرُ وَكُلُّ مِنًى مَنْحَرٌ وَقَالَ فِي الْعُمْرَةِ هَذَا الْمَنْحَرُ يَعْنِي الْمَرْوَةَ وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ وَطُرُقِهَا مَنْحَرٌ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا الْحَدِيثُ يَسْتَنِدُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ وَقَدْ ذَكَرْنَا طُرُقَهَا فِي التَّمْهِيدِ
حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الطَّيِّبِ وَجِيهُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ يُوسُفَ قَالَ حَدَّثَنِي بَكَّارُ بْنُ قُتَيْبَةَ الْقَاضِي قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ الْحُمَيْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ وَقَفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَرَفَةَ فَقَالَ هَذِهِ عَرَفَةُ وَهَذَا الْمَوْقِفُ وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ ثُمَّ أَفَاضَ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَأَرْدَفَ أُسَامَةَ وَجَعَلَ يَسِيرُ عَلَى هَيْئَتِهِ وَالنَّاسُ يَضْرِبُونَ يَمِينًا وَشِمَالًا وَهُوَ يَقُولُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمُ السَّكِينَةَ ثُمَّ أَتَى جَمْعًا فَصَلَّى بِهَا الصَّلَاتَيْنِ جَمِيعًا فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى قُزَحَ فَقَالَ هَذَا قُزَحُ وَهَذَا الْمَوْقِفُ وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ ثم أفاضا حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَلَمَّا انْتَهِي إِلَى وَادِي مُحَسِّرٍ قَرَعَ نَاقَتَهُ حَتَّى
стр. 1770
جَازَ الْوَادِيَ ثُمَّ أَرْدَفَ الْفَضْلَ ثُمَّ أَتَى الْجَمْرَةَ فَرَمَاهَا ثُمَّ أَتَى الْمَنْحَرَ بِمِنًى فَقَالَ هَذَا الْمَنْحَرُ وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ فَاسْتَقْبَلَتْهُ جَارِيَةٌ مِنْ خَثْعَمَ شَابَّةٌ فَقَالَتْ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ
وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ أَيْضًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نحر بَدَنَةً بِمِنًى وَقَالَ هَذَا الْمَنْحَرُ وَكُلُّهَا مَنْحَرٌ
قَالَ أَبُو عُمَرَ الْمَنْحَرُ فِي الْحَجِّ بِمِنًى إِجْمَاعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَأَمَّا الْعُمْرَةُ فَلَا طَرِيقَ لِمِنًى فِيهَا فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْحَرَ فِي عُمْرَتِهِ وَسَاقَ هَدْيًا تَطَوَّعَ بِهِ نَحَرَهُ بِمَكَّةَ حَيْثُ شَاءَ مِنْهَا
وَهَذَا إِجْمَاعٌ أَيْضًا لَا خلاف فيه يعني عن الإسلام وَالِاسْتِشْهَادِ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَصَابَ السُّنَّةَ وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ وَنَحَرَ فِي غَيْرِهِمَا فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ
فَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّ الْمَنْحَرَ لَا يَكُونُ فِي الْحَجِّ إِلَّا بِمِنًى وَلَا فِي الْعُمْرَةِ إِلَّا بِمَكَّةَ وَمَنْ نَحَرَ فِي غَيْرِهِمَا لَمْ يُجِزْهُ وَمَنْ نَحَرَ فِي أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ فِي الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ أَجْزَأَهُ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَعَلَهُمَا مَوْضِعًا لِلنَّحْرِ وَخَصَّهُمَا بِذَلِكَ
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى (هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ) الْمَائِدَةِ ٩٥
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى قَوْلِهِ (هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ) وَأَنَّ الْعُلَمَاءَ فِي ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ
أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أُرِيدَ بِذِكْرِ الْكَعْبَةِ حَضْرَةُ مَكَّةَ كُلِّهَا وَلِذَلِكَ قَالَ ﷺ طُرُقُ مَكَّةَ وَفِجَاجُهَا كُلُّهَا مَنْحَرٌ
وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّهُ أَرَادَ الْحَرَمَ وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الذَّبْحُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَلَا فِي الْكَعْبَةِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ اللَّفْظَ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ إِنْ نَحَرَ فِي غَيْرِ مَكَّةَ مِنَ الْحَرَمِ أَجْزَأَهُ
قَالَ وَإِنَّمَا يُرِيدُ بِذَلِكَ مَسَاكِينَ الْحَرَمِ وَمَسَاكِينَ مَكَّةَ
وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ مَنْ نَحَرَ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ وَلَمْ يَكُنْ مُحْصَرًا أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ
٨٤٧ - مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ أَخْبَرَتْنِي عَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
стр. 1771
أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ تَقُولُ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِخَمْسِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ وَلَا نَرَى إِلَّا أَنَّهُ الْحَجُّ فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَنْ يَحِلَّ قَالَتْ عَائِشَةُ فَدُخِلَ عَلَيْنَا يَوْمَ النَّحْرِ بِلَحْمِ بَقَرٍ فَقُلْتُ مَا هَذَا فَقَالُوا نَحَرَ رسول الله ﷺ عن أَزْوَاجِهِ
قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ فَذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ لِلْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ فَقَالَ أَتَتْكَ وَاللَّهِ بِالْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّا قَوْلُهَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ (وَلَا نَرَى إِلَّا أَنَّهُ الْحَجُّ) فَلَيْسَ فِيهِ قَطْعٌ بِإِفْرَادٍ وَلَا غَيْرِهِ وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي الْإِفْرَادِ وَالتَّمَتُّعِ وَالْإِقْرَانِ قَبْلَ هَذَا
وَأَمَّا قَوْلُهَا فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَنْ يَحِلَّ فَهَذَا فَسْخُ الْحَجِّ فِي الْعُمْرَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ وَأَوْضَحْنَا أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِهِ الَّذِينَ خَاطَبَهُمْ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَذَكَرْنَا قَوْلَ مَنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ
وَأَمَّا قَوْلُهَا (فَدُخِلَ عَلَيْنَا يَوْمَ النَّحْرِ بِلَحْمِ بَقَرٍ الْحَدِيثَ) فَفِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَحَرَ عَنْ أَزْوَاجِهِ يَوْمَ الْهَدْيِ الَّذِي نَحَرَ عَنْ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ مَحْفُوظٌ مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ مُتَوَاتِرَةٍ أَنَّهُ ﵇ قَدِمَ عَلَيْهِ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ بِبُدْنٍ هَدْيًا وَكَانَ ﵇ قَدْ سَاقَ مَعَ نَفْسِهِ أَيْضًا مِنَ الْمَدِينَةِ هَدْيًا فَكَمَّلَ فِي ذَلِكَ مِائَةَ بَدَنَةٍ وَأَشْرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحَرَهَا هُوَ وَعَلِيٌّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ وَحَدِيثِ جَابِرٍ الْمُسْنَدِ الصَّحِيحِ
وَلَمْ يَذْبَحِ الْبَقَرَ إِلَّا عن أزواجه
стр. 1772
على أن بن شِهَابٍ يَقُولُ إِنَّمَا نَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَزْوَاجِهِ بَقَرَةً وَاحِدَةً يُرِيدُ أَنَّهُ أَشْرَكَهُنَّ فِيهَا
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ بَقَرَةً عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا عَرْضُ الْعَالِمِ عَلَى مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْعِلْمِ لِيَعْرِفَ قَوْلَهُ فِيهِ
وَفِيهِ أَنَّ أَهْلَ الدُّنْيَا إِذَا سَمِعُوا الصَّادِقَ وَصَدَّقُوهُ فَرِحُوا بِهِ
وَفِيهِ جَوَازُ نَحْرِ الْبَقَرِ وَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ كَرِهَ ذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ فِي الْبَقَرَةِ (فَذَبَحُوهَا) الْبَقَرَةِ ٧١ وَالَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْبَقَرَ يَجُوزُ فِيهَا الذَّبْحُ بِدَلِيلِ الْقُرْآنِ وَالنَّحْرُ بِالسُّنَّةِ
وَأَمَّا الْإِبِلُ فَتُنْحَرُ وَلَا تُذْبَحُ وَالْغَنَمُ تُذْبَحُ ولاتنحر
وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ بِمَا لِلْعُلَمَاءِ فِيمَنْ نَحَرَ مَا يُذْبَحُ أَوْ ذَبَحَ مَا يُنْحَرُ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ كِتَابِ الذَّبَائِحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
٨٤٨ - مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ حَفْصَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ من عمرتك فقال إني لبدت رأسي وقلدت هَدْيِي فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ
وَأَمَّا قَوْلُ حَفْصَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ (مَا بَالُ النَّاسِ حَلُّوا وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ (فَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ أَمَرَ أَصْحَابَهُ الْمُحْرِمِينَ بِالْحَجِّ أَنْ يَحِلُّوا إِذَا طَافُوا وَسَعَوْا وَيَجْعَلُوا حَجَّهُمْ ذلك عمرة إلا من كان هَدْيٌ فَإِنَّ مَحِلَّهُ مَحِلُّ هَدْيِهِ وَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ وَلَمْ تَعْرِفْ حَفْصَةُ مِنْ أَمْرِهِ هَذَا فَسَأَلْتُهُ
وَقَدْ مَضَى قَوْلُنَا فِي أَنَّ فَسْخَ الْحَجِّ فِي الْعُمْرَةِ لَيْسَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ لِأَحَدٍ بَعْدَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِينَ أُمِرُوا بِهِ
وَدَلَّلْنَا عَلَى أَنَّهُمْ خُصُّوا بِذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْآثَارِ فِي ذَلِكَ وَذَكَرْنَا الْعِلَّةَ
стр. 1773
الْمُوجِبَةَ ﵇ أَصْحَابَهُ بِفَسْخِ الْحَجِّ فِي الْعُمْرَةِ وَأَنْ يَحِلَّ الْحِلَّ كُلَّهُ إِنَّمَا كَانَ لِيُرِيَهُمْ أَنَّ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ جَائِزَةٌ وَكَانُوا يَرَوْنَ ذَلِكَ مُحَرَّمًا فَأَعْلَمَ بِجَوَازِ ذَلِكَ لِيَدِينُوا بِهِ بِغَيْرِ مَا يَدِينُونَ بِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَيُدْرِكُوا فِي عَامِهِمْ ذَلِكَ وَيَكُونُوا مُتَمَتِّعِينَ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ فِي التَّمَتُّعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ وَإِبَاحَتُهُ مُطْلَقَةٌ وَكَذَلِكَ الْقِرَانُ وَالْإِفْرَادُ كُلُّ ذَلِكَ مُبَاحٌ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ ولم يأت في الكتاب ولا السُّنَّةِ أَنَّ بَعْضَهَا أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ حَفْصَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ (مَا بَالُ النَّاسِ حَلُّوا وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ)
وَكَانَ أَمْرُهُ ﷺ أَصْحَابَهُ بِالْإِحْلَالِ مَحَالَّهُمْ فِي دُخُولِ مَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يَطُوفُوا وَذَلِكَ مَوْجُودٌ مَحْفُوظٌ فِي حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ لَا نَرَى إِلَّا الْحَجَّ فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ أَنْ يَحِلَّ
قَالَ أَبُو عُمَرَ يَعْنِي بِالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَهِيَ الْعُمْرَةُ
وَذَلِكَ أَيْضًا مَحْفُوظٌ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ مِنْ رِوَايَةِ عَطَاءٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أمر أَصْحَابَهُ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً وَيَطُوفُوا بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ يَحْلِقُوا أَوْ يُقَصِّرُوا وَيَحِلُّوا إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ
وَهَذَا يَرْفَعُ الْإِشْكَالَ فِيمَا قُلْنَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
وَأَمَّا قَوْلُ حَفْصَةَ (وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ) فَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ قَوْلَهَا مِنْ عُمْرَتِكَ لَمْ يَقُلْهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرُ مَالِكٍ وَأَظُنُّهُ رَأَى رِوَايَةَ مَنْ رَوَاهُ فَقَصَرَ فِي ذَلِكَ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ (مِنْ عُمْرَتِكَ) فَظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ غَيْرُ مَالِكٍ لِأَنَّهُ لم يذكر بن جُرَيْجٍ عَنْ نَافِعٍ فِي حَدِيثِهِ هَذَا وَقَدْ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ مُسَدَّدٍ عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عن بن عُمَرَ فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ (مِنْ عُمْرَتِكَ) وَهِيَ لَفْظَةٌ مَحْفُوظَةٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ وَعُبَيْدِ اللَّهِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ نَافِعٍ
فَأَمَّا رِوَايَةُ مَالِكٍ فَلَمْ يُخْتَلَفْ عَنْهُ فِي ذَلِكَ
وَأَمَّا رِوَايَةُ عُبَيْدِ اللَّهِ فَقَالَ
حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ
стр. 1774
وَضَّاحٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو أُسَامَةَ قَالَ حَدَّثَنِي عبيد الله بن عمر عن نافع عن بن عُمَرَ أَنَّ حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قالت يا رسول الله مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا وَلَمْ تَحِلَّ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ قَالَ إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي وَقَلَّدْتُ هَدْيِي فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ
وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قِرَاءَةً مِنِّي عَلَيْهِ أَنَّ قَاسِمَ بْنَ أَصْبَغَ حَدَّثَهُ قَالَ حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ عبيد الله قال حدثني نافع عن بن عُمَرَ عَنْ حَفْصَةَ قَالَتْ قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا وَلَمْ تَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِكَ قَالَ إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي وَقَلَّدْتُ هَدْيِي فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ فِي الْحَجِّ
وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَا حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ بْنِ مَالِكٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ حَفْصَةَ ابْنَةِ عُمَرَ قَالَتْ لَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نِسَاءَهُ أَنْ يَحْلِلْنَ بِعُمْرَةٍ قُلْتُ فَمَا يَمْنَعُكَ يَا رَسُولَ الله أَنْ تَحِلَّ مَعَنَا قَالَ إِنِّي قَدْ أَهْدَيْتُ وَلَبَّدْتُ فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ هَدْيِي
وَرَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى عَنْ نَافِعٍ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ قَالَ إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي وَقَلَّدْتُ هديي فلست محل إِلَّا مَحِلَّ هَدْيِي
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَمْ يُقِمْ إِسْنَادَهُ أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى وَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ وَمَنْ تَابَعَهُ
وَذِكْرُ (عُمْرَتِكَ) وَتَرْكُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ سَوَاءٌ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ الْمَأْمُورِينَ بِالْحِلِّ هُمُ الْمُحْرِمُونَ بِالْحَجِّ لِيَفْسَخُوهُ فِي عُمْرَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَأْمُرَ بِذَلِكَ الْمُحْرِمِينَ بِعُمْرَةٍ لِأَنَّ الْمُعْتَمِرَ يَحِلُّ بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَالْخِلَافُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ شَكٌّ عَنْهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ وَلَا عِنْدَ مَنْ بعدهم وقد اعتمروا مع رسول الله وَعَرَفُوا حُكْمَ الْعُمْرَةِ فِي الشَّرِيعَةِ فَلَمْ يَكُنْ لِيُعَرِّفَهُمْ شَيْئًا فِي عِلْمِهِمْ بَلْ عَرَّفَهُمْ بِمَا أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُمْ فِي عَامِهِمْ ذَلِكَ مِنْ فسخ الحج في عمرة فما كانوا قد جَهِلُوهُ وَأَنْكَرُوهُ مِنْ جَوَازِ الْعُمْرَةِ فِي زَمَنِ الْحَجِّ حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ يَتَوَجَّهُ إِلَى مِنًى وَلَمْ يَكُونُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ
стр. 1775
يَتَمَتَّعُونَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ وَلَا يَعْتَمِرُونَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَلَا يَخْلِطُونَ عُمْرَةً مَعَ حَجَّةٍ وَلَا يَجْمَعُونَهَا فَأَتَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ اللَّهِ فِي الْحَجِّ بِغَيْرِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ وَصَدَعَ بِمَا أُمِرَ بِهِ وَأَوْضَحَ مَعَالِمَ الدِّينِ ﷺ وَعَلَى آلِهِ أَجْمَعِينَ
فَحَدِيثُ حَفْصَةَ هَذَا يَدُلُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ عَلَى الْقِرَانِ لِأَنَّ هَدْيَ الْقِرَانِ يَمْنَعُ مِنَ الْإِحْلَالِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ مَا سَاقَهُ الْمُفْرِدُ لِأَنَّ هَدْيَ الْمُفْرَدِ هَدْيُ تَطَوُّعٍ لَا يَمْنَعُ شَيْئًا وَلَوْلَا هَدْيُهُ الْمَانِعُ لَهُ مِنَ الْإِحْلَالِ لَحَلَّ مَعَ أَصْحَابِهِ أَلَّا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ ﷺ لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً يَعْنِي عُمْرَةً مُفْرَدَةً يَتَمَتَّعُ فِيهَا بِالْحِلِّ إِلَى يَوْمِ التَّرْوِيَةِ عَلَى مَا أَمَرَ بِهِ أَصْحَابَهُ وَمَنْ سَاقَ هَدْيًا لِمُتْعَتِهِ لم يمنعه مِنَ الْحِلِّ
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ قَوْلَهُ ﵇ لِأَصْحَابِهِ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ كَانَ قَبْلَ الطَّوَافِ لِلْقُدُومِ بِدَلِيلِ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَوْلُهَا فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ وَكَذَلِكَ حَدِيثُ جَابِرٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ
وَهَذَا كله ينبغي أَنْ يَكُونَ هَدْيُهُ هَدْيَ مُتْعَةٍ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ هَدْيَ مُتْعَةٍ لَحَلَّ حِينَئِذٍ مَعَ أَصْحَابِهِ وَلَمْ يَكُنْ لِيُخَالِفَهُمْ وَيَعْتَذِرَ إِلَيْهِمْ فَيَقُولُ لَوْلَا أَنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ وَهَدْيُ الْمُتْعَةِ لَا يَمْنَعُ مِنَ الْإِحْلَالِ عِنْدَ أَهْلِ الْحِجَازِ
قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ الْمُعْتَمِرُ يَحِلُّ مِنْ عُمْرَتِهِ إِذَا طَافَ وَسَعَى سَاقَ هَدْيًا أَوْ لَمْ يَسُقْ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إِذَا سَاقَ الْمُعْتَمِرُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ هَدْيًا وَهُوَ يُرِيدُ الْمُتْعَةَ لَمْ يَنْحَرْهُ إِلَّا بِمِنًى وَطَافَ وَسَعَى وَأَقَامَ إِحْرَامًا وَلَا يَحِلُّ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَا يَحْلِقُ وَلَا يُقَصِّرُ لِأَنَّهُ سَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ فَمَحِلُّهُ مَحِلُّ الْهَدْيِ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَنْحَرَ الْهَدْيَ
قَالُوا وَلَوْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ كَانَ لَهُ أَنْ يَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ حَفْصَةَ أَيْضًا مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا وَلَمْ تَحِلَّ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهَا قَوْلَهَا وَقَالَ لَهَا إِنِّي قَلَّدْتُ هَدْيِي وَلَبَّدْتُ رَأْسِي فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَحِلَّ مِنَ الْهَدْيِ
وَحُجَّةُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمَا ظَاهِرُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالِي (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ) الْبَقَرَةِ ١٩٦ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ إِلَّا مَنْ حَلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ وَتَمَتَّعَ بِالْإِحْرَامِ إِلَى أَنْ يُحْرِمَ لِحَجِّهِ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ
وَأَمَّا هَدْيُ الْقِرَانِ فَإِنَّهُ مَانِعٌ مِنَ الْإِحْلَالِ والفسخ عند جمهور السلف والخلف إلا بن عَبَّاسٍ
وَتَابَعَتْهُ فِرْقَةٌ إِذَا لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ جَازَ لَهُ فَسْخُ الْحَجِّ فِي الْعُمْرَةِ
قَالَ عَلَى مَا قَدَّمْنَا مِنْ مَذْهَبِهِ فِي ذَلِكَ روى خصيف عن طاوس وعطاء عن بن عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ الْقَارِنَ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً إِذَا لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ
قَالَ أَبُو عمر قول بن عَبَّاسٍ يَحْتَمِلُهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﵇ حِينَ أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِفَسْخِ الْحَجِّ فِي الْعُمْرَةِ لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ وَلَحَلَلْتُ يَعْنِي فَسَخَتُ الْحَجَّ مِنَ الْعُمْرَةِ كَمَا أَمَرْتُكُمْ
وَقَدْ أَوْضَحْنَا أَنَّ فَسْخَ الْحَجِّ خُصُوصٌ لَهُمْ بِالْآثَارِ الْمَرْوِيَّةِ فِي ذَلِكَ وَعَلَى هَذَا لِقَوْلِ اللَّهُ تَعَالَى (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) الْبَقَرَةِ ١٩٦ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ وَهَدْيُ الْقِرَانِ يَمْنَعُ مِنَ الْإِحْلَالِ عِنْدَ جَمَاعَةِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَجُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ فَالْأَوْلَى بِمَنْ يَرَوْنَ الْإِنْصَافَ أَلَّا يَشُكُّوا فِي حَدِيثِ حَفْصَةَ هَذَا أَنَّهُ دَالٌّ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ قَارِنًا مَعَ مَا يَشْهَدُ لَهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي بَابِ القران
وإنما اختار مالك ﵀ القران وَمَالَ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ رُوِيَ مِنْ وُجُوهٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَفْرَدَ الْحَجَّ
مَالَ إِلَى مَا رَوَى وَهَذَا اللَّازِمُ لَهُ وَلِغَيْرِهِ أَنْ يَقِفَ عِنْدَ مَا عَلِمَ وَحُكْمُهُ عَلَى اخْتِيَارِ الْإِفْرَادِ أَيْضًا مَعَ عِلْمِهِ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي اخْتِيَارِ الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ
وَالْإِفْرَادُ مَا صَحَّ عِنْدَهُ عَنَ الْخَلِيفَتَيْنِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ أَنَّهُمَا أَفْرَدَا الْحَجَّ وَعَنْ عُثْمَانَ مِثْلُ ذَلِكَ أَيْضًا
وَكَانَ عُمَرُ يُنْكِرُ ذَلِكَ وَيَنْهَى عَنْهُ وَيَقُولُ افْصِلُوا بَيْنَ حَجِّكُمْ وَعُمْرَتِكُمْ فَهُوَ أَتَمُّ لِحَجِّ أَحَدِكُمْ أَنْ تَكُونَ عُمْرَتُهُ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ
فَاخْتِيَارُ مَالِكٍ هُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵃ وكان مالك
стр. 1776
يَقُولُ إِذَا اخْتَلَفَتِ الْآثَارِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي شَيْءٍ فَانْظُرُوا إِلَى مَا عَمِلَ بِهِ الْخَلِيفَتَانِ بَعْدَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَهُوَ الْحَقُّ
قَالَ أَبُو عُمَرَ يَعْنِي الْأَوْلَى وَالْأَفْضَلَ لَا أَنَّ مَا عَدَاهُ بَاطِلٌ لِأَنَّ الْأُمَّةَ مُجْتَمِعَةٌ عَلَى أَنَّ الْإِفْرَادَ وَالْقِرَانَ وَالتَّمَتُّعَ كُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ بَاطِلٌ بَلْ كُلُّ ذَلِكَ حَقٌّ وَدِينٌ وَشَرِيعَةٌ مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ فِي الْحَجِّ وَمَنْ مَالَ مِنْهَا إِلَى شَيْءٍ فَإِنَّمَا مَالَ بِرَأْيِهِ إِلَى وَجْهِ تَفْضِيلٍ اخْتَارَهُ وَأَبَاحَ مَا سِوَاهُ
وَجَائِزٌ أَنْ يُقَالَ أَفْرَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحَجَّ بِمَعْنَى أَمَرَ بِهِ فَأَذِنَ فِيهِ كَمَا قِيلَ رَجَمَ مَاعِزًا وقَتَلَ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ وَقَطَعَ فِي مِجَنٍّ
وَيُبَيِّنُ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ) الزُّخْرُفِ ٥١ الْمَعْنَى أَنَّهُ أَمَرَ بِذَلِكَ
وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ مُفْرِدًا تَأَوَّلَ فِي حَدِيثِ حَفْصَةَ مَا بَالُ النَّاسِ حَلُّوا مِنْ إِحْرَامِهِمْ ولَمْ تَحِلَّ أَنْتَ مِنْ إِحْرَامِكَ الَّذِي ابْتَدَأْتَهُ مَعَهُمْ
وَقَالَ بعضهم قد يأتي من بالباب كَمَا قَالَ اللَّهُ (يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) الرَّعْدِ ١١ أَيْ بِأَمْرِ اللَّهِ يُرِيدُ وَلَمْ تَحِلَّ أَنْتَ بِعُمْرَةٍ مِنْ إِحْرَامِكَ الَّذِي جِئْتَ بِهِ مُفْرِدًا فِي حَجَّتِكَ
وَمَنِ اخْتَارَ الْقِرَانَ مَالَ فِيهِ إِلَى أَحَادِيثَ مِنْهَا حَدِيثُ شُعْبَةَ قَالَ حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ قَالَ سَمِعْتُ مُطَرِّفَ بْنَ الشِّخِّيرِ يَقُولُ قَالَ لِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ وَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ اللَّهُ
أخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ حَدَّثَنِي حَمْزَةُ قَالَ أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنِي هُشَيْمٌ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ وَحُمَيْدٌ
стр. 1777
الطَّوِيلُ وَيَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ كُلُّهُمْ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُمْ سَمِعُوهُ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا
وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي حَمْزَةُ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ أَخْبَرَنِي يحيى بن معين قال حدثني حجاح وَهُوَ الْأَعْوَرُ قَالَ حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ كُنْتُ مَعَ عَلِيٍّ ﵁ حِينَ أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ على الْيَمَنِ فَأَصَبْتُ مَعَهُ أَوَاقِيَ فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ عَلِيٌّ وَجَدْتُ فَاطِمَةَ قَدْ نَضَحَتِ الْبَيْتَ بِنَضُوحٍ قال فتخطيته فقالت لي مالك فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَحِلُّوا قَالَ قُلْتُ إِنِّي أَهْلَلْتُ بِإِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ لِي كَيْفَ صَنَعْتَ قُلْتُ إِنِّي أَهْلَلْتُ بِمَا أَهْلَلْتَ قَالَ فَإِنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ وَقَرَنْتُ
أَخْبَرَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَاصِحٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ الْقَاضِي قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ قَالَ حَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ كُنْتُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ حِينَ أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْيَمَنِ فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ عَلِيٌّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لِي كَيْفَ صَنَعْتَ فَقُلْتُ أَهْلَلْتُ بِإِهْلَالِكَ قَالَ فَإِنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ وَقَرَنْتُ قَالَ وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَفَعَلْتُ كَمَا فَعَلْتُمْ وَلَكَنَّى سُقْتُ الْهَدْيَ وَقَرَنَتْ
قَالَ أَبُو عُمَرَ فَهَذَا أَنَسٌ يُخْبِرُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يُلَبِّي بِالْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ مَعًا
وَعَلِيٌّ يُخْبِرُ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ سُقْتُ الْهَدْيَ وَقَرَنْتُ
وَلَيْسَ يُوجَدُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ إِخْبَارٌ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ أَفْرَدَ وَلَا أَنَّهُ تَمَتَّعَ وَإِنَّمَا يُوجَدُ عَنْ غَيْرِهِ إِضَافَةُ ذَلِكَ إِلَيْهِ بِمَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ
وَهَذَا لَفْظٌ يَدْفَعُ الْإِشْكَالَ وَيَدْفَعُ الِاحْتِمَالَ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ وَهُوَ الْمُسْتَعَانُ
وَمِمَّا يَدُلُّ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كان قارنا حديث مالك عن بن شهاب عن
стр. 1778
عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عام حجة الْوَدَاعِ فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ ثُمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ وَأَنَّهُ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى نَحَرَ الْهَدْيَ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
(٥٩ - بَابُ الْعَمَلِ فِي النَّحْرِ)
٨٤٩ - مَالِكٌ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَحَرَ بَعْضَ هَدْيِهِ وَنَحَرَ غَيْرُهُ بَعْضَهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَكَذَا قَالَ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ علي وتابعه القعنبي في ذلك ورواه بن القاسم وأبو مصعب وبن بكير وبن قَانِعٍ وَالشَّافِعِيُّ فَقَالُوا فِيهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جابر وأرسله بن وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ لَمْ يَقُلْ (عَنْ جَابِرٍ وَلَا عَنْ عَلِيٍّ)
قَالَ أَبُو عُمَرَ الصَّحِيحُ فِيهِ عن جابر وأرسله بن وهب وذلك موجود في رواية بن عَلِيٍّ عَنْ جَابِرٍ فِي الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ فِي الْحَجِّ وَإِنَّمَا جَاءَ حَدِيثُ عَلِيٍّ مِنْ رِوَايَةِ بن أَبِي لَيْلَى عَنْهُ لَا أَحْفَظُهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ
وَفِيهِ مِنَ الْفِقْهِ أَنْ يَتَوَلَّى الرَّجُلُ نَحْرَ هَدْيِهِ بِيَدِهِ وَذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ مُسْتَحْسَنٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ لِفِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ بِيَدِهِ وَلِأَنَّهَا قُرْبَةٌ إِلَى اللَّهِ فَمُبَاشَرَتُهَا أَوْلَى لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهَا
وَجَائِزٌ أَنْ يَذْبَحَ الْهَدْيَ وَالضَّحَايَا غَيْرُ صَاحِبِهَا إِذَا كَانَ مِنْ خَاصَّتِهِ وَمَنْ بِفَضْلِ فِعْلِهِ يَكُونُ مَصْدَرَ كِفَايَةٍ
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ الْآثَارَ الْمُسْنَدَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَمِنْ أَحْسَنِهَا مَا
حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ حَدَّثَنِي شُعَيْبُ بن الليث قال حدثني الليث عن بن الْهَادِي عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَدِمَ عَلِيٌّ ﵁ مِنَ الْيَمَنِ بِهَدْيِ رسول
стр. 1779
اللَّهِ ﷺ وَكَانَ الْهَدْيُ الَّذِي قَدِمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ مِائَةَ بَدَنَةٍ فَنَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهَا ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً وَنَحَرَ عَلِيٌّ (رِضَى اللَّهُ عَنْهُ) سَبْعًا وَثَلَاثِينَ وَأَشْرَكَ عَلِيًّا فِي بُدْنِهِ ثُمَّ أَخَذَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بُضْعَةً فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ فَطُبِخَتْ وَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَ مِنْ مَرَقِهَا
وَأَمَّا رِوَايَةُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طالب ف حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي قَاسِمٌ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنِي الْحُمَيْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيُّ قَالَ سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلِي يَقُولُ سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ وَأَنْ أُقْسِمَ جِلَالَهَا وَجُلُودَهَا وَلَا أُعْطِيَ الْجَازِرَ مِنْهَا وَقَالَ نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ وَنَحَرَ غَيْرُهُ بَعْضَهُ فَقَدْ بَانَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ غَيْرَهُ هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ نُحِرَتْ أُضْحِيَّتُهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَلَا أَمْرِهِ
فَقَالَ مَالِكٌ إِنَّهَا لَا تجزي بِهِ عَنِ الذَّبَائِحِ وَسَوَاءٌ إِنْ نَوَى ذَبْحَهَا عَنْ نَفْسِهِ أَوْ عَنْ صَاحِبِهَا وَعَلَيْهِ ضَمَانُهَا
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ الذَّابِحَ إِذَا كَانَ مِثْلَ الولد وبعض العيال فأرجو أن يجزئ
رواه بن عبد الحكم عنه
وقال بن القاسم عنه مثل ذلك إلا أن بن الْقَاسِمِ قَالَ عَنْهُ تُجْزِي فِي الْوَلَدِ وَبَعْضِ العيال
وفي رواية بن عبد الحكم أرجو أن يجزئ
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ إِذَا ذَبَحَهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِ لَمْ تُجْزِ عَنْهُ وَيَضْمَنُ الذَّابِحُ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ تُجْزِي عَنْ صَاحِبِهَا وَيَضْمَنُ الذَّابِحُ النُّقْصَانَ
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي رَجُلٍ تَطَوَّعَ عَنْ رَجُلٍ فَذَبَحَ لَهُ ضَحِيَّةً قَدْ أَوْجَبَهَا أَنَّهُ
стр. 1780
إِنْ ذَبَحَهَا عَنْ نَفْسِهِ مُتَعَمِّدًا لَمْ تُجْزِ عَنْ صَاحِبِهَا وَلَهُ أَنْ يَضْمَنَ الذَّابِحَ فَإِنَّ ضَمِنَهُ إِيَّاهَا أَجْزَتْ عَنِ الضَّامِنِ بِأَنْ ضَمِنَهَا عَنْ صَاحِبِهَا وَلَوْ أَنْ يَضْمَنَ الذَّابِحُ فَإِنْ ضَمِنَهُ إِيَّاهَا جَزَتْ عَنِ الضَّامِنِ فَإِنْ ذَبَحَهَا عَنْ صَاحِبِهَا بِغَيْرِ أَمْرِهِ أَجْزَتْ عَنْهُ
وَبِهِ قَالَ الطَّبَرِيُّ
وَإِنْ أَخْطَأَ رَجُلَانِ فَذَبَحَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَحِيَّةَ صَاحِبِهِ لَمْ تُجْزِ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَيَضْمَنُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قِيمَةَ ضَحِيَّةِ صَاحِبِهِ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي ذَلِكَ
وَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ فِي الهدي
فالأشهر عن مالك ما حكاه بن عَبْدِ الْحَكَمِ وَغَيْرُهُ عَنْهُ أَنَّهُ لَوْ أَخْطَأَ رَجُلَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِهَدْيِ صَاحِبِهِ فَذَبَحَهُ عَنْ نَفْسِهِ أَجْزَأَهُمَا وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمَا شَيْءٌ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْهَدْيِ الْوَاجِبِ
وقال بن عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُعْتَمِرَيْنِ لَوْ ذَبَحَ أَحَدُهُمَا شَاةَ صَاحِبِهِ عَنْ نَفْسِهِ ضَمِنَهَا وَلَمْ يُجْزِهِ وَذَبَحَهَا شَاتَهُ الَّتِي أَوْجَبَهَا وَغَرَّمَ لصاحبه قِيمَةَ الشَّاةِ وَاشْتَرَى صَاحِبُهُ شَاةً وَأَهْدَاهَا
قَالَ بن عَبْدِ الْحَكَمِ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَعْجَبُ إِلَيْنَا يَعْنِي الْمُعْتَمِرَيْنِ يَذْبَحُ أَحَدَهُمَا شَاةَ صَاحِبِهِ وَهُوَ قَدْ أَخْطَأَ بِهَا أَنَّ ذَلِكَ يُجْزِيهِمَا
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُعْتَمِرَيْنِ إِذَا أَهْدَيَا شَاتَيْنِ فَذَبَحَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاةَ صَاحِبِهِ خَطَأً إن ذلك لا يجزئ عَنْهُمَا وَيَضْمَنُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قِيمَةَ مَا ذَبَحَ وَاسْتَأْنَفَا الْهَدْيَ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَضْمَنُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا بَيْنَ قِيمَةِ مَا ذَبَحَ حَيًّا وَمَذْبُوحًا وَجَزَتْ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أضحيته وذبحه
وقال الطبري يجزئ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَحِيَّتُهُ وَذَبْحُهُ وَلَا شَيْءَ عَلَى الذَّابِحِ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ وَلَا ضَمَانَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَّا أَنْ يَسْتَهْلِكَ شَيْئًا مِنْ لَحْمِهَا فَيَضْمَنُ مَا اسْتَهْلَكَ
٨٥٠ - مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ مَنْ نَذَرَ بَدَنَةً فَإِنَّهُ
стр. 1781
يُقَلِّدُهَا نَعْلَيْنِ وَيُشْعِرُهَا ثُمَّ يَنْحَرُهَا عِنْدَ الْبَيْتِ أو بمنى يوم النحر ليس لها محل دُونَ ذَلِكَ وَمَنْ نَذَرَ جَزُورًا مِنَ الْإِبِلِ أَوِ الْبَقَرِ فَلْيَنْحَرْهَا حَيْثُ شَاءَ
قَالَ أَبُو عمر جعل بن عُمَرَ الْبَدَنَةَ كَالْهَدْيِ وَالْهَدْيُ لَا خِلَافَ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ يُهْدَى إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ يُرَادُ بِذَلِكَ مَسَاكِينُ أَهْلِ مَكَّةَ
وَالْهَدْيُ سُنَّتُهُ أَنْ يُقَلَّدَ وَيُشْعَرَ وَيُنْحَرَ إِنْ سَلِمَ بِمَكَّةَ فَمَنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ بَدَنَةٌ فَهُوَ كَمَنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ هَدْيٌ وَأَمَّا إِذَا قَالَ جَزُورٌ فَإِنَّهُ أَرَادَ إِطْعَامَ لَحْمِهِ مَسَاكِينَ مَوْضِعِهِ أَوْ مَا يَرَى مِنَ الْمَوَاضِعِ
٨٥١ - مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يَنْحَرُ بُدْنَهُ قِيَامًا
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي نحر البدن قياما في حديث بن عُمَرَ فِي هَذَا الْكِتَابِ وَذَكَرْنَا أَنَّ مَعْنَى قوله تعالى (أصوافها) قِيَامًا
وَأَظُنُّ اخْتِيَارَ الْعُلَمَاءِ لِنَحْرِ الْبُدْنِ قِيَامًا لقوله تعالى (فإذا وجبت جنوبها) الحج ٣٦ وَالْوُجُوبُ السُّقُوطُ إِلَى الْأَرْضِ عِنْدَ الْعَرَبِ
وَاخْتِصَارُ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذَا الْبَابِ قَالَ مَالِكٌ يَنْحَرُ الْبُدْنَ قِيَامًا وَتُعْقَلُ إِنْ خِيفَ أَنْ تَنْفِرَ وَلَا تُنْحَرَ بَارِكَةً إِلَّا أَنْ يَصْعُبَ نَحْرُهُ
قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ إِنْ شَاءَ أَضَجْعَهَا وَإِنْ شَاءَ نَحَرَهَا قَائِمَةً
قَالَ مَالِكٌ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَنْحَرَ قَبْلَ الْفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ وَإِنَّمَا الْعَمَلُ كُلُّهُ يَوْمَ النَّحْرِ الذَّبْحُ وَلُبْسُ الثِّيَابِ وَإِلْقَاءُ التَّفَثِ وَالْحِلَاقُ لَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ يُفْعَلُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ إِنَّمَا تُرْمَى ضُحَى يَوْمِ النَّحْرِ وَتَمَامُ حِلِّهَا أَوَّلُ الْحِلِّ وَإِلْقَاءُ التَّفَثِ كُلِّهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيمَنْ رَمَاهَا قَبْلَ الْفَجْرِ وَبَعْدَ الْفَجْرِ فِي مَوْضِعِهِ وَأَعْمَالُ يَوْمِ النَّحْرِ كُلُّهَا جَائِزٌ فِيهَا التَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ إِلَّا مَا نَذْكُرُ الْخِلَافَ فِيهِ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
стр. 1782
(٦٠ - بَابُ الْحِلَاقِ)
٨٥٢ - مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ قَالُوا وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ قَالُوا وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَالْمُقَصِّرِينَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّا حَدِيثُ بن عُمَرَ هَذَا فَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَذَا الْقَوْلُ
وَهُوَ مَحْفُوظٌ مِنْ حَدِيثِ بن عَبَّاسٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ذَلِكَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ
رَوَى الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَغْفِرُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلَاثًا وَلِلْمُقَصِّرِينَ مَرَّةً
حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ الزُّهَيْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ فَذَكَرَ حَدِيثَهُمَا فِي الْحُدَيْبِيَةِ قَالَا فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْكِتَابِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُومُوا فَانْحَرُوا وَأَحِلُّوا فَوَاللَّهِ مَا قَامَ رَجُلٌ لِمَا دَخَلَ قُلُوبَ النَّاسِ مِنَ الشَّرِّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَا أَيُّهَا النَّاسُ انْحَرُوا وَأَحِلُّوا فَوَاللَّهِ مَا قَامَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ ثُمَّ قَالَهَا الثَّالِثَةَ فَمَا قَامَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَقَالَ يَا أُمَّ سَلَمَةَ أَمَا تَرَيْنَ إِلَى النَّاسِ آمُرُهُمْ بِالْأَمْرِ لَا يَفْعَلُونَهُ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا تَلُمْهُمْ فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ دَخَلَهُمْ أَمْرٌ عَظِيمٌ مِمَّا رَأَوْكَ حَمَلْتَ عَلَى نَفْسِكَ فِي الصُّلْحِ فَاخْرُجْ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ حَتَّى يَأْتِيَ هَدْيُكَ فَتَنْحَرَ وَتَحِلَّ فَإِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْكَ فَعَلْتَ ذَلِكَ فَعَلُوا كَالَّذِي فَعَلْتَ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عِنْدِهَا فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا حَتَّى أَتَى هَدْيُهُ فَنَحَرَ وَحَلَقَ فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ فعل
стр. 1783
ذَلِكَ قَامُوا فَنَحَرَ مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ وَحَلَقَ بَعْضٌ وَقَصَّرَ بَعْضٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلِلْمُقَصِّرِينَ فَذَكَرَهَا ثَلَاثَةً وَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ وَلِلْمُقَصِّرِينَ
وَبِهِ عَنْ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ عَنْ هِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ حَلَقَ أَصْحَابُ رَسُولِ الله ﷺ يوم الحديبية كُلُّهُمْ إِلَّا رَجُلَيْنِ قَصَّرَا وَلَمْ يَحْلِقَا
وَبِهِ عن بن إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَجِيحٍ عن مجاهد عن بن عَبَّاسٍ قَالَ حَلَقَ رِجَالٌ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَقَصَّرَ آخَرُونَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالْمُقَصِّرِينَ قَالَ رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالْمُقَصِّرِينَ قَالَ رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالْمُقَصِّرِينَ قَالَ وَالْمُقَصِّرِينَ قَالُوا فَمَا بَالُ الْمُحَلِّقِينَ ظَاهَرْتَ لَهُمْ بالترحم قال لم يشكوا
رواه عن بن إِسْحَاقَ جَمَاعَةُ أَصْحَابِهِ إِلَّا أَنَّ أَبَا إِبْرَاهِيمَ الْأَنْصَارِيَّ هَذَا هُوَ الْأَشْهَلِيُّ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي هِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى أَصْحَابَهُ حَلَقُوا رؤوسهم يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ إِلَّا عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَأَبَا قَتَادَةَ فَاسْتَغْفَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلَاثًا وَلِلْمُقَصِّرِينَ وَاحِدَةً
وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذِهِ الْأَحَادِيثَ بِالْأَسَانِيدِ فِي التَّمْهِيدِ
وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ النِّسَاءَ لَا يَحْلِقْنَ وَأَنَّ سُنَّتَهُنَّ التَّقْصِيرُ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ حِينَ أُحْصِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمُنِعَ مِنَ النُّهُوضِ إِلَى الْبَيْتِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ أَحْكَامِ الْمُحْصَرِ فِي مَوْضِعِهِ
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ هَلِ الْحِلَاقُ نُسُكٌ يَجِبُ عَلَى الْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ أَمْ لَا
فَقَالَ مَالِكٌ الْحِلَاقُ نُسُكٌ يَجِبُ عَلَى الْحَاجِّ الْمُتِمِّ لِحَجِّهِ وَالْمُعْتَمِرِ لِعُمْرَتِهِ وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ التَّقْصِيرِ وَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ أَوْ أُحْصِرَ بِعَدُوٍّ أَوْ مَرَضٍ
وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ إِلَّا فِي الْمُحْصَرِ بِعَدُوٍّ هَلْ هُوَ مِنَ النُّسُكِ أَمْ لَا فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ
стр. 1784
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الْمُحْصَرُ لَيْسَ عَلَيْهِ تَقْصِيرٌ وَلَا حِلَاقٌ
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يُقَصِّرُ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ عَلَيْهِ الْحِلَاقَ أَوِ التَّقْصِيرَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ
وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ هَلِ الْحِلَاقُ مِنَ النُّسُكِ أَوْ لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ عَلَى قَوْلَيْنِ
أَحَدُهُمَا الْحِلَاقُ مِنَ النُّسُكِ
وَالْآخَرُ الْحِلَاقُ مِنَ الْإِحْلَالِ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْهُ بِالْإِحْرَامِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ مَنْ جَعَلَ الْحِلَاقَ نُسُكًا أَوْجَبَ عَلَى مَنْ تَرَكَهُ دَمًا
وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَنْ أَفَاضَ قَبْلَ أَنْ يحلق
فذكر بن عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ وَمَنْ أَفَاضَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ فَلْيَحْلِقْ ثُمَّ لِيُفِضْ فَإِنْ لَمْ يُفِضْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ
قَالَ وَقَدْ قَالَ يَنْحَرُ وَيَحْلِقُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ قَالَ وَالْأَوَّلُ أَحَبُّ إلينا
وقال بن حَبِيبٍ يُعِيدُ الْإِفَاضَةَ
٨٥٣ - مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ مَكَّةَ لَيْلًا وَهُوَ مُعْتَمِرٌ فَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَيُؤَخِّرُ الْحِلَاقَ حَتَّى يُصْبِحَ
قَالَ وَلَكِنَّهُ لَا يَعُودُ إِلَى الْبَيْتِ فَيَطُوفُ بِهِ حَتَّى يَحْلِقَ رَأْسَهُ
قَالَ وَرُبَّمَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَأَوْتَرَ فِيهِ وَلَا يَقْرَبُ الْبَيْتَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَيْسَ عَلَيْهِ فِي تَأْخِيرِ الْحِلَاقِ حَرَجٌ إِذَا شَغَلَهُ عَنْهُ مَا يَمْنَعُهُ مِنْهُ وَأَظُنُّ الْقَاسِمَ لَمْ يَجِدْ فِي اللَّيْلِ مَنْ يَحْلِقُهُ
وَأَمَّا امْتِنَاعُهُ مِنَ الطَّوَافِ قَبْلَ الْحَلْقِ فَمِنْ أَجْلِ أَلَّا يَطُوفَ فِي عُمْرَتِهِ طَوَافَيْنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِأَنَّهُ خِلَافُ السُّنَّةِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا فَإِذَا حَلَّ بِالْحِلَاقِ طَافَ تَطَوُّعًا مَا شَاءَ
وَأَمَّا قَوْلُهُ (وَرُبَّمَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَأَوْتَرَ فِيهِ وَلَا يَقْرَبُ الْبَيْتَ) فَذَلِكَ لِأَنْ لَا تَدْعُوهُ نَفْسُهُ إِلَى الطَّوَافِ فَيَنْسَى فَيَطُوفُ فِي مَوْضِعٍ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَطُوفَ فِيهِ مِنْ أَجْلِ الْحِلَاقِ الْمَانِعِ لَهُ ذَلِكَ فَإِذَا حَلَقَ خَرَجَ مِنْ عُمْرَتِهِ كُلِّهَا فَصَنَعَ مَا شَاءَ مِنْ طَوَافِ كُلِّهِ
وَهَذَا يَدُلُّكَ أَنَّ حِلَاقَ الرَّأْسِ يُعَدُّ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ وَالْمُعْتَمِرُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ
стр. 1785
وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ التَّفَثُ حِلَاقُ الشَّعَرِ وَلُبْسُ الثِّيَابِ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ فَهُوَ كَمَا قَالَ ذَلِكَ لَا خِلَافَ فِيهِ
سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ نَسِيَ الْحِلَاقَ بِمِنًى فِي الْحَجِّ هَلْ لَهُ رُخْصَةٌ فِي أَنْ يَحْلِقَ بِمَكَّةَ قَالَ ذَلِكَ وَاسِعٌ وَالْحِلَاقُ بِمِنًى أَحَبُّ إِلَيَّ
قَالَ أَبُو عُمَرَ إِنَّمَا اسْتَحَبَّ ذَلِكَ لِيَكُونَ حَلْقُ رَأْسِهِ فِي حَجِّهِ حَيْثُ يَنْحَرُ هَدْيَهُ فِي حَجِّهِ وَذَلِكَ بِمِنًى هُوَ مَنْحَرُ الْحَاجِّ عِنْدَ الْجَمِيعِ وَأَجَازَهُ بِمَكَّةَ كَمَا يَجُوزُ النَّحْرُ بِمَكَّةَ لَمْ يَنْحَرْ هُنَا لِأَنَّ الْهَدْيَ إِذَا لَمْ يَبْلُغْ مَكَّةَ فَقَدْ بَلَغَ مَحِلَّهُ
قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا أَنَّ أَحَدًا لَا يَحْلِقُ رَأْسَهُ وَلَا يَأْخُذُ مِنْ شَعْرِهِ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيًا إِنْ كَانَ مَعَهُ وَلَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ عَلَيْهِ حَتَّى يَحِلَّ بِمِنًى يَوْمَ النَّحْرِ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ ﵎ قال (ولا تحلقوا رؤوسكم حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) الْبَقَرَةِ ١٩٦
قَالَ أَبُو عُمَرَ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيمَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَنْحَرَ أَوْ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ
فَقَالَ مَالِكٌ إِذَا حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَإِنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَنْحَرَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ
وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إِنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ أَوْ قَبْلَ أَنْ يَنْحَرَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ إِنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَنْحَرَ أَوْ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَإِنْ كَانَ قَارِنًا فَعَلَيْهِ دَمَانِ
وَقَالَ زُفَرُ إِنْ كَانَ قَارِنًا فَعَلَيْهِ ثَلَاثَةُ دِمَاءٍ دَمٌ لِلْقِرَانِ وَدَمَانِ لِلْحِلَاقِ قَبْلَ النَّحْرِ
وَسَنَذْكُرُ هَذِهِ المسألة بأتم ذكر من ها هنا عند ذكر حديث بن شِهَابٍ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ فِي بَابِ جَامِعِ الْحَجِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
(٦١ - بَابُ التَّقْصِيرِ)
٨٥٤ - مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا أَفْطَرَ مِنْ رَمَضَانَ وَهُوَ يُرِيدُ الْحَجَّ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ رَأْسِهِ وَلَا مِنْ لِحْيَتِهِ شَيْئًا حَتَّى يَحُجَّ
قال أبو عمر إنما كان بن عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِأَنَّهُ كَانَ يتمتع بالعمرة
стр. 1786
إِلَى الْحَجِّ فَيُهْدِي وَمَنْ أَهْدَى أَوْ ضَحَّى لَمْ يَأْخُذْ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا حَتَّى يُضَحِّيَ عِنْدَ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ لِحَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ بْنِ أُكَيْمَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَمِّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ مَنْ رَأَى مِنْكُمْ هِلَالَ ذِي الحجة فأراد أن يضحي فلا يأخذ من شَعْرِهِ وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ
وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الْحَدِيثِ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَطَائِفَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ فِي هَذَا الْكِتَابِ لِأَنَّا أَوْضَحْنَا الْقَوْلَ فِيهِمْ فِي بَابِ مَا لَا يُوجِبُ الْإِحْرَامَ مِنْ تَقْلِيدِ الْهَدْيِ
وَكَانَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ لَا يَقُولُونَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَقَدْ بَيَّنَّا وُجُوهَ أَقْوَالِهِمْ فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ
وَهُنَالِكَ بَيَّنَّا مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا
٨٥٥ - مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا حَلَقَ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَخَذَ مِنْ لِحْيَتِهِ وَشَارِبِهِ
وَهَذَا مَعْنَاهُ لَمَّا كَانَ حَرَامًا عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ لِحْيَتِهِ وَشَارِبِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ رَأَى أَنْ يَنْسِكَ بِذَلِكَ عِنْدَ إِحْلَالِهِ
٨٥٦ - مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ رَجُلًا أَتَى الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ فَقَالَ إِنِّي أَفَضْتُ وَأَفَضْتُ مَعِي بِأَهْلِي ثُمَّ عَدَلْتُ إِلَى شِعْبٍ فَذَهَبْتُ لِأَدْنُوَ مِنْ أَهْلِي فَقَالَتْ إِنِّي لَمْ أُقَصِّرْ مِنْ شَعْرِي بَعْدُ فَأَخَذْتُ مِنْ شَعْرِهَا بِأَسْنَانِي ثُمَّ وَقَعْتُ بِهَا فَضَحِكَ الْقَاسِمُ وقال مرها فلتأخذ من شعرها بالجلمين
قَالَ مَالِكٌ أَسْتَحِبُّ فِي مِثْلِ هَذَا أَنْ يُهْرِقَ دَمًا وَذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالَ مَنْ نَسِيَ مِنْ نُسُكِهِ شَيْئًا فَلْيُهْرِقْ دَمًا
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا الْحَدِيثُ بَيِّنٌ مَا فِيهِ مَدْخَلٌ لِلْقَوْلِ إِلَّا أَنَّ مِنَ السُّنَّةِ إِذَا رَمَى
стр. 1787
الْجَمْرَةَ إِنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ أَنْ يَحْلِقَ وينحر ثم يفيض وَعَمَلُ يَوْمِ النَّحْرِ الْحَلْقُ وَالرَّمْيُ لِلْإِفَاضَةِ قَدْ أَجَازَ فِيهِ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ التَّقْدِيمَ وَالتَّأْخِيرَ وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ طَافَ لِلْإِفَاضَةِ فَقَدْ حَلَّ لَهُ النِّسَاءُ فَلَمْ يَأْتِ الرَّجُلُ حَرَامًا فِي فعله ذلك إلا أنه أساء إذ وطىء قَبْلَ الْحَلْقِ وَعَلَيْهِ أَنْ يَحْلِقَ كَمَا قَالَ لَهُ الْقَاسِمُ لَا غَيْرُ
وَاسْتَحَبَّ لَهُ مَالِكٌ الدم مع ذلك ذكره عن بن عَبَّاسٍ وَلَمْ يَرَهُ عَلَيْهِ الْقَاسِمُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ افْعَلْ وَلَا حَرَجَ يَعْنِي فِي التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ فِيمَا يُعْمَلُ يَوْمَ النَّحْرِ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ
رَوَى الْقَاسِمُ أَنَّ التَّقْصِيرَ بِالْأَسْنَانِ لَهُ هَذَا الشَّأْنُ وَأَجْمَعُوا أَنَّ سُنَّةَ الْمَرْأَةِ التَّقْصِيرُ لَا الْحِلَاقُ
وَقَدْ رَوَى الْحَسَنُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لَا تَحْلِقُ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا
وَقَالَ الْحَسَنُ حَلْقُ رَأْسِهَا مُثْلَةٌ فَرَأَى الْقَاسِمُ الْأَخْذَ بِالْجَلَمَيْنِ لِلْمُقَصِّرِ لِأَنَّهُ الْمَعْرُوفُ بِالتَّقْصِيرِ كَمَا أَنَّ الْمَعْرُوفَ بِالْحَجِّ الْحِلَاقُ بِالْمُوسَى فِي الْحَجِّ
وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ الْحَلْقُ بِالْمُوسَى فِي غَيْرِ الْحَجِّ مُثْلَةٌ
وَقَالَ غَيْرُهُ لَمَّا كَانَ الْحَلْقُ بِالْمُوسَى نُسُكًا فِي الْحَجِّ كَانَ فِي غَيْرِ الحج حسنا
وفي أخذ بن عُمَرَ مِنْ آخِرِ لِحْيَتِهِ فِي الْحَجِّ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْأَخْذِ مِنَ اللِّحْيَةِ فِي غَيْرِ الْحَجِّ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ غَيْرُ جَائِزٍ مَا جَازَ فِي الْحَجِّ لِأَنَّهُمْ أُمِرُوا أَنْ يَحْلِقُوا أَوْ يُقَصِّرُوا إِذَا حَلُّوا مَحَلَّ حَجِّهِمْ مَا نهوا عنه في حجهم
وبن عُمَرَ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أعفوا اللحا وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَعْنَى مَا رَوَى فَكَانَ الْمَعْنَى عِنْدَهُ وَعِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ الْأَخْذُ مِنَ اللِّحْيَةِ مَا تَطَايَرَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ مِنْ لِحْيَتِهِ مَا يَلِي وَجْهَهُ
стр. 1788
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنْ عَوَارِضِ لِحَاهُمْ
وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ يَأْخُذُ مِنْ عَارِضِ لِحْيَتِهِ
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ مِنَ اللِّحْيَةِ ما فضل عن القبضة
وعن بن عُمَرَ مِثْلُ ذَلِكَ
وَعَنِ الْحَسَنِ مِثْلُهُ
وَقَالَ قَتَادَةُ مَا كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنْ طُولِهَا إِلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنَ العارضين
كل ذلك من كتاب بن أَبِي شَيْبَةَ بِالْأَسَانِيدِ
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنِي قَاسِمٌ قَالَ حَدَّثَنِي الْخُشَنِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْعَدَنِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي سفيان قال حدثني بن أبي نجيح عن مجاهد قال رأيت بن عُمَرَ قَبَضَ عَلَى لِحْيَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ ثُمَّ قَالَ لِلْحَجَّامِ خُذْ مَا تَحْتَ الْقَبْضَةِ
٨٥٧ - مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ لَقِيَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِهِ يُقَالُ لَهُ الْمُجَبَّرُ قَدْ أَفَاضَ وَلَمْ يَحْلِقْ وَلَمْ يُقَصِّرْ جَهِلَ ذَلِكَ فَأَمَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ أَنْ يَرْجِعَ فَيَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ ثُمَّ يَرْجِعَ إِلَى الْبَيْتِ فَيُفِيضَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ الْقَوْلُ فِي مَعْنَى الحديث قبله يعني عَنِ الْقَوْلِ فِيهِ
٨٥٨ - مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ دَعَا بِالْجَلَمَيْنِ فَقَصَّ شَارِبَهُ وَأَخَذَ مِنْ لِحْيَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْكَبَ وَقَبْلَ أَنْ يُهِلَّ مُحْرِمًا
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا أَحْسَنُ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ الشَّعْرَ يَطُولُ وَيَسْمَحُ وَيَثْقُلُ فَتَأَهَّبَ لِذَلِكَ وَقَدْ فِعْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي الطِّيبِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ مَا يَدْفَعُ عَنْهُمْ رِيحَ عَرَقِ أَبْدَانِهِمْ هَذَا وَاضِحٌ وَالْقَوْلُ فِيهِ تَكَلُّفٌ لِوُضُوحِهِ
وَفِيهِ أَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ مِنْ لِحْيَتِهِ وَذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ كَمَا قَالَ مَالِكٌ يُؤْخَذُ مَا تَطَايَرَ مِنْهَا وَطَالَ وقبح
стр. 1789
وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ ﵇ أحفوا الشوارب وأعفوا اللحا فِي مَوْضِعِهِ مِنْ كِتَابِ الْجَامِعِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
(٦٢ - بَابُ التَّلْبِيدِ)
٨٥٩ - مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ مَنْ ضَفَّرَ رَأْسَهُ فَلْيَحْلِقْ وَلَا تَشَبَّهُوا بِالتَّلْبِيدِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ رُوِيَ مِثْلُ قَوْلِ بن عُمَرَ هَذَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ وَجْهٍ حَسَنٍ وَيُرْوَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَشَبَّهُوا وَتُشَبَّهُوا بِضَمِّ التَّاءِ وَفَتْحِهَا وَهُوَ الصَّحِيحُ بِمَعْنَى تَتَشَبَّهُ
وَمَنْ رَوَى (تَشَبَّهُوا) أَرَادَ لَا تَشَبَّهُوا عَلَيْهَا فَتَفْعَلُوا أَفْعَالًا تُشْبِهُ التَّلْبِيدَ الَّذِي مِنْ سُنَّةِ فَاعِلِهِ أَنْ يَحْلِقَ
٨٦٠ - مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ مَنْ عَقَصَ رَأَسَهُ أَوْ ضَفَّرَ أَوْ لَبَّدَ فَقَدْ وجب عليه الحلاق
روى بن جريج عن عطاء بن عُمَرَ قَالَ مَنْ عَقَدَ أَوْ لَبَّدَ أَوْ ضفر أو عقص فليحلق
وقال بن عباس نواه
وروى بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عطاء عن بن عَبَّاسٍ قَالَ مَنْ ضَفَّرَ رَأَسَهُ أَوْ عَقَصَ أَوْ لَبَّدَ فَهُوَ مَا نَوَى
قَالَ وَقَالَ بن عُمَرَ مَنْ عَقَصَ رَأَسَهُ أَوْ ضَفَّرَ أَوْ لَبَّدَ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحِلَاقُ
وَسُفْيَانُ عَنْ أيوب بن موسى عن نافع عن بن عُمَرَ مِثْلَهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فَلْيَحْلِقْ
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ
стр. 1790
قال أبو عمر قول بن عَبَّاسٍ (هُوَ مَا نَوَاهُ) يُرِيدُ مَنْ حَلَقَ أَوْ قَصَّرَ فِي حِينِ عَقْصِهِ أَوْ ضَفْرِهِ أَوْ تَلْبِيدِهِ وَقَدْ قَالَتْ بِهِ فِرْقَةٌ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إِنْ قَصَّرَ الْمُلَبِّدُ لِرَأْسِهِ بِالْمِقْرَاضِ أَوْ بِالْمِقَصِّ أَجْزَأَهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ التَّلْبِيدُ سُنَّةُ الْحَلْقِ وَذَلِكَ أَنَّهُ مَنْ لَبَّدَ رَأْسَهُ بِالْخَطْمِيِّ وَمَا أَشْبَهَهُ مِمَّا يَمْنَعُ وُصُولَ التُّرَابِ إِلَى أُصُولِ الشَّعْرِ وِقَايَةً لِنَفْسِهِ
وَالَّذِي عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ أَنْ لَا تَقْصِيرَ دون الحلاق مع أنه سنة لِقَوْلِهِ ﵇ لَبَّدْتُ رَأْسِي ثُمَّ حَلَقَ ﷺ وَلَمْ يُقَصِّرْ فِي حَجَّتِهِ
وَمَعْنَى التَّلْبِيدِ أَنْ يَجْعَلَ الصَّمْغَ فِي الْغَسُولِ ثُمَّ يُلَطِّخَ بِهِ رَأْسَهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ لِيَمْنَعَهُ ذَلِكَ مِنَ الشَّعَثِ وَلِمَا ذَكَرْنَا
وَالْعَقْصُ أَنْ يَجْمَعَ شَعْرَهُ فِي قَفَاهُ وَهَذَا لَا يُمْكِنُ إِلَّا فِي قَلِيلِ الشَّعْرِ
فَرَأَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فِيمَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْحِلَاقَ عَلَيْهِ وَاجِبٌ
وَهَذَا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ وُجُوبٌ بِسُنَّةٍ
وَمَعْنَى قَوْلِهِ (لَا تَشَبَّهُوا بِالتَّلْبِيدِ) أَيْ لَا تَفْعَلُوا أَفْعَالًا حُكْمُهَا حُكْمُ التَّلْبِيدِ مِنَ الْعَقْصِ وَالضَّفْرِ وَنَحْوِهِ ثُمَّ تُقَصِّرُونَ وَلَا تَحْلِقُونَ وَتَقُولُونَ لَمْ نُلَبِّدْ
يَقُولُ فَمَنْ عَقَصَ أَوْ ضَفَرَ فَهُوَ مُلَبِّدٌ وَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُلَبِّدِ مِنَ الْحِلَاقِ
(٦٣ - بَابُ الصَّلَاةِ فِي الْبَيْتِ وَقَصْرِ الصَّلَاةِ وَتَعْجِيلِ الْخُطْبَةِ بِعَرَفَةَ)
٨٦١ - مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ
следующие страницы →