Полный текст (4 158 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
يَعْقُوبَ بْنِ خَالِدٍ الْمَخْزُومِيِّ عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ وَخَرَجَ مَعَهُ مِنَ الْمَدِينَةِ فَمَرُّوا عَلَى حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ وَهُوَ مَرِيضٌ بِالسُّقْيَا فَأَقَامَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ حَتَّى إِذَا خَافَ الْمَوْتَ خَرَجَ وَبَعَثَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ وَهُمَا بِالْمَدِينَةِ فَقَدِمَا عليه ثم إن حسينا أشار إلى رأسه فَأَشَارَ عَلِيٌّ بِحَلْقِ رَأْسِهِ ثُمَّ نَسَكَ عَنْهُ بِالسُّقْيَا فَنَحَرَ عَنْهُ بَعِيرًا
فَهَذَا أَوْضَحُ فِي أَنَّ الدَّمَ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى جَائِزٌ أَنْ يُهْرَاقَ بِغَيْرِ مَكَّةَ
وَجَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ فِي الْهَدْيِ إِذَا نُحِرَ فِي الْحَرَمِ أَنْ يُعْطَاهُ غَيْرُ أَهْلِ الْحَرَمِ لِأَنَّ الْبُغْيَةَ فِيهِ إِطْعَامُ الْمَسَاكِينِ
وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ الصَّوْمَ جَائِزٌ أَنْ يُؤْتَى بِهِ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ الدَّمُ وَالْإِطْعَامُ لَا يُجْزِئُ إِلَّا بِمَكَّةَ وَالصَّوْمُ حَيْثُ شَاءَ لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ فِي الصَّوْمِ لِجِيرَانِ بَيْتِ اللَّهِ مِنْ أَهْلِ مكة والحرم
وهو قول طاوس
وقال عطاء مَا كَانَ مِنْ دَمٍ فَبِمَكَّةَ وَمَا كَانَ مِنْ إِطْعَامٍ أَوْ صِيَامٍ فَحَيْثُ شَاءَ
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ مِثْلُهُ
وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الدَّمَ وَالْإِطْعَامَ لَا يُجْزِئُ إِلَّا لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَا يُوجِبُ مَالِكٌ الْفِدْيَةَ إِلَّا عَلَى مَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ وَأَمَّا مَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَنْحَرَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدَهُ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ مَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَنْحَرَ أَوْ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إِنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ أَوْ قَبْلَ أَنْ يَنْحَرَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ
وَسَنَزِيدُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بَيَانًا فِي بَابِ جَامِعِ الْحَجِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
(٧٩ - بَابُ مَا يَفْعَلُ مِنْ نَسِيَ مِنْ نُسُكِهِ شَيْئًا)
٩٠٩ - مَالِكٌ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ السَّخْتِيَانِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ مَنْ نَسِيَ مِنْ نُسُكِهِ شَيْئًا أَوْ تَرَكَهُ فَلْيُهْرِقْ دَمًا
стр. 1857
قَالَ أَيُّوبُ لَا أَدْرِي قَالَ تَرَكَ أَوْ نَسِيَ
قَالَ مَالِكٌ مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ هَدْيًا فَلَا يَكُونُ إِلَّا بِمَكَّةَ وَمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ نُسُكًا فَهُوَ يَكُونُ حَيْثُ أَحَبَّ صَاحِبُ النُّسُكِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَيْسَ فِي هَذَا الْبَابِ مَعْنًى إِلَّا وَقَدْ تَقَدَّمَ مُجَوَّدًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَفِيهِ أَنَّ مَنْ أَسْقَطَ شَيْئًا مِنْ سُنَنِ الْحَجِّ خَيَّرَهُ بِالدَّمِ لَا غَيْرُ إلا ما أَتَى فِيهِ الْخَبَرُ نَصًّا أَنْ يَكُونَ الْبَدَلُ فِيهِ مِنَ الدَّمِ طَعَامًا أَوْ صِيَامًا
هَذَا حُكْمُ سُنَنِ الْحَجِّ
وَأَمَّا فَرَائِضُهُ فَلَا بُدَّ مِنَ الْإِتْيَانِ بِهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ حكمها وربما كان مع ذَلِكَ دَمٌ لِتَأْخِيرِ الْعَمَلِ عَنْ مَوْضِعِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ مَضَتْ وُجُوهُهُ وَاضِحَةً وَالْحَمْدُ للَّهِ
وَقَدْ مَضَى فِي بَابِ طَوَافِ الْحَائِضِ حُكْمُ طَوَافِ الْوَدَاعِ وَهَلْ عَلَى مَنْ تَرَكَهُ دَمٌ وَاخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
(٨٠ - بَابُ جَامِعِ الْفِدْيَةِ)
٩١٠ - مَالِكٌ فِيمَنْ أَرَادَ أَنْ يَلْبَسَ شَيْئًا مِنَ الثِّيَابِ الَّتِي لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَلْبَسَهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ أَوْ يُقَصِّرَ شَعْرُهُ أَوْ يَمَسَّ طِيبًا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ لِيَسَارَةِ مُؤْنَةِ الْفِدْيَةِ عَلَيْهِ قَالَ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ وَإِنَّمَا أُرْخِصَ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ وَعَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ الْفِدْيَةُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ تَقَدَّمَ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ الْعَامِدَ وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فِي فِعْلِهِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُخَيَّرٌ مَعَ ذَلِكَ فِي الْفِدْيَةِ الَّتِي وَرَدَتْ فِيمَنْ حَلَقَ لِضَرُورَةٍ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَكْرُوهًا لِمَنْ فَعَلَهُ وَتَقَدَّمَ قَوْلُ غَيْرِهِ فِي ذَلِكَ بِمَا لَا وَجْهَ لِإِعَادَتِهِ وَأَهْلُ الْعِلْمِ مُجْمِعُونَ عَلَى كَرَاهِيَةِ مَا كَرِهَ مَالِكٌ مِنْ ذَلِكَ
وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنِ الْفِدْيَةِ مِنَ الصِّيَامِ أَوِ الصَّدَقَةِ أَوِ النُّسُكِ أَصَاحِبُهُ بِالْخِيَارِ فِي ذَلِكَ وَمَا النُّسُكُ وَكَمِ الطَّعَامُ وَبِأَيِّ مُدٍّ هُوَ وَكَمِ الصِّيَامُ وَهَلْ يُؤَخِّرُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ أَمْ يَفْعَلُهُ فِي فَوْرِهِ ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ كُلُّ شَيْءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ فِي الْكَفَّارَاتِ كَذَا أَوْ كَذَا فَصَاحِبُهُ مُخَيَّرٌ فِي ذَلِكَ أَيُّ شَيْءٍ أَحَبَّ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فَعَلَ قَالَ وَأَمَّا
стр. 1858
النُّسُكُ فَشَاةٌ وَأَمَّا الصِّيَامُ فَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَأَمَّا الطَّعَامُ فَيُطْعِمُ سِتَّةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدَّانِ بِالْمُدِّ الْأَوَّلِ مُدُّ النَّبِيِّ ﷺ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ خَطَأً أَوْ عَمْدًا وَمَا لِلسَّلَفِ وَالْخَلَفِ فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَذَاهِبِ وَالتَّنَازُعِ فِي بَابِ فِدْيَةِ مَا أُصِيبَ مِنَ الطَّيْرِ وَالْوَحْشِ فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَةِ ذَلِكَ هُنَا
وَفِي قَوْلِ مَالِكٍ سَمِعْتُ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ دَلِيلٌ عَلَى عِلْمِهِ بِالْخِلَافِ فِي ذَلِكَ
فَأَمَّا قَوْلُهُ وَكَذَلِكَ الْحَلَالُ يَرْمِي فِي الْحَرَمِ فَفِيهِ إِجْمَاعٌ وَاخْتِلَافٌ
فَالْإِجْمَاعُ أَنَّ فِيهِ الْجَزَاءَ عَلَى حَسَبِ مَا تَقَدَّمَ مِنِ اخْتِلَافِهِمْ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ
وَأَمَّا الِاخْتِلَافُ فَقَالَ مَالِكٌ هُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْهَدْيِ وَالصِّيَامِ وَالْإِطْعَامِ
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إِذَا قَتَلَ الْحَلَالُ صَيْدًا فِي الحرم فَعَلَيْهِ الْهَدْيُ وَالْإِطْعَامُ وَلَا يُجْزِئُهُ الصِّيَامُ
وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْهَدْيَ لَا يُجْزِئُهُ أَيْضًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ قِيمَتُهُ مَذْبُوحًا قِيمَةَ الصَّيْدِ
قَالَ مَالِكٌ فِي الْقَوْمِ يُصِيبُونَ الصَّيْدَ جَمِيعًا وَهُمْ مُحْرِمُونَ أَوْ فِي الْحَرَمِ قَالَ أَرَى أَنَّ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ جَزَاءَهُ إِنْ حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِالْهَدْيِ فَعَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ هَدْيٌ وَإِنْ حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِالصِّيَامِ كَانَ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمُ الصِّيَامُ وَمِثْلُ ذَلِكَ الْقَوْمُ يَقْتُلُونَ الرَّجُلَ خَطَأً فَتَكُونُ كَفَّارَةُ ذَلِكَ عِتْقَ رَقَبَةٍ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ أَوْ صِيَامَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ
قَالَ أَبُو عُمَرَ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْجَمَاعَةِ يَشْتَرِكُونَ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ وَهُمْ مُحْرِمُونَ أَوْ مُحِلُّونَ
فَقَالَ مَالِكٌ مَا ذَكَرْنَا
وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ وَالثَّوْرِيِّ قِيَاسًا عَلَى الْكَفَّارَةِ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ وَذَلِكَ إِجْمَاعٌ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إِذَا قَتَلَ جَمَاعَةٌ مُحْرِمُونَ صَيْدًا فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَزَاءٌ كَامِلٌ فَإِنْ قَتَلَ مُحِلُّونَ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ فَعَلَى جَمَاعَتِهِمْ جَزَاءٌ وَاحِدٌ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ عَلَيْهِمْ جَزَاءٌ وَاحِدٌ كَانُوا مُحْرِمِينَ أَوْ كَانُوا مُحِلِّينَ فِي الْحَرَمِ
стр. 1859
قِيَاسًا عَلَى الدِّيَةِ وَذَلِكَ إِجْمَاعٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) الْمَائِدَةِ ٩٥
وَالْمِثْلُ الْبَدَلُ لَا الْإِبْدَالُ
قَالَ مَالِكٌ مَنْ رَمَى صَيْدًا أَوْ صَادَهُ بَعْدَ رميه الجمرة وحلاق رَأْسَهُ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يُفِضْ إِنَّ عَلَيْهِ جَزَاءَ ذَلِكَ الصَّيْدِ لِأَنَّ اللَّهَ ﵎ قَالَ (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا) الْمَائِدَةِ ٢ وَمَنْ لَمْ يُفِضْ فَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ مَسُّ الطِّيبِ وَالنِّسَاءِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَدْ مَرَّتْ وَمَرَّ الْقَوْلُ فِيهَا فِي بَابِ الْإِفَاضَةِ عِنْدَ قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مَنْ رَمَى الْجَمْرَةَ فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ حَرُمَ عَلَيْهِ إِلَّا النِّسَاءَ أَوِ الطِّيبَ وَذَكَرْنَا هُنَاكَ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي هَذَا الْمَعْنَى مُجَوَّدًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
قَالَ مَالِكٌ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِيمَا قَطَعَ مِنَ الشَّجَرِ فِي الْحَرَمِ شَيْءٌ وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ أَحَدًا حَكَمَ عَلَيْهِ فِيهِ بِشَيْءٍ وَبِئْسَ مَا صَنَعَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا عَلَى مَنْ قَطَعَ شَيْئًا مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ
فَقَالَ مَالِكٌ مَا ذَكَرْنَا فِي الْمُوَطَّأِ وروى بن وَهْبٍ عَنْهُ أَنَّهُ ذَكَرَ لَهُ مَا يَقُولُ أَهْلُ مَكَّةَ فِي الدَّوْحَةِ بَقَرَةٌ وَفِي كُلِّ غُصْنٍ شَاةٌ فَقَالَ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ عِنْدَنَا وَلَا نَعْلَمُ فِي قَطْعِ الشَّجَرِ شَيْئًا مَعْلُومًا غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمُحْرِمٍ وَلَا لِحَلَالٍ أن يقطع شيئا من شجر الحرم ولايكسره
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إِنْ قَطَعَ شَجَرَةً فَإِنَّمَا هِيَ تَبَعٌ لِأَهْلِهَا وَلَا أَنْظُرُ إِلَى فَرْعِهَا فَإِنْ كَانَ أَصْلُهَا فِي الْحِلِّ لَمْ يَجِزْهَا وَإِنْ كَانَ فِي الْحَرَمِ جَزَاهَا وَفِي الدَّوْحَةِ بَقَرَةٌ وَفِيمَا دُونَهَا شَاةٌ
قَالَ وَهَذَا فِي شَجَرِ الْحَرَمِ خَاصَّةً وَسَوَاءٌ قَطَعَهُ مُحْرِمٌ أَوْ حَلَالٌ وَأَمَّا إِذَا قَطَعَ الْمُحْرِمُ أَوْ غَيْرُ الْمُحْرِمِ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ شَيْئًا فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ كُلُّ شَيْءٍ أَنْبَتَهُ النَّاسُ فَلَا شَيْءَ عَلَى قَاطِعِهِ وَكُلُّ شَيْءٍ لَمْ يُنْبِتْهُ النَّاسُ فَقَطَعَهُ رَجُلٌ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ بَالِغَةٌ مَا بَلَغَتْ فَإِنْ بَلَغَتْ هَدَيًا كَانَ بِمَكَّةَ فَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ هَدْيًا فَالصَّدَقَةُ حَيْثُ شَاءَ وَلَا يَجُوزُ فِيهَا صِيَامٌ
والصدقة عند أَبِي حَنِيفَةَ نِصْفُ صَاعِ حِنْطَةٍ لِكُلِّ مِسْكِينٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا لَا يَطِّرِدُ لِمَالِكٍ فِي فَتْوَاهُ وَأُصُولِهِ وَلَا لِمَنْ قَالَ بِالْقِيَاسِ
وَقَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي يَجْهَلُ أَوْ يَنْسَى صِيَامَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ أَوْ مَرِضَ
стр. 1860
فِيهَا فَلَا يَصُومُهَا حَتَّى يَقْدَمَ بَلَدَهُ قَالَ لِيُهْدِ إِنْ وَجَدَ هَدْيًا وَإِلَّا فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَسَبْعَةً بَعْدَ ذَلِكَ
وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ
وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ
قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ يَصُومُ السَّبْعَةَ فِي بَلَدِهِ وَيُطْعِمُ عَنِ الثَّلَاثَةِ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إِنِ انْقَضَى يَوْمُ عَرَفَةَ وَلَمْ يَصُمِ الثَّلَاثَةَ الْأَيَّامَ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَلَا يُجْزِئُهُ غَيْرُهُ وَلَا يَصُومُ أَيَّامَ مِنًى
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إِنْ رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ وَلَمْ يَكُنْ صَامَ الثَّلَاثَةَ الْأَيَّامَ صَامَهَا فِي بَلَدِهِ وَتَصَدَّقَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ بِمُدٍّ وَصَامَ السَّبْعَةَ فِي بَلَدِهِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إِلَّا بَعْدَ الرُّجُوعِ فَإِنْ رَجَعَ وَمَاتَ وَلَمْ يَصُمِ الثَّلَاثَةَ وَلَا السَّبْعَةَ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ فِي الثَّلَاثَةِ وَمَا أَمَكَنَهُ صَوْمُهُ مِنَ السَّبْعَةِ فَتَرَكَهُ إِنْ أَمْكَنَ صَوْمُهُ مِنَ السَّبْعَةِ فَتَرَكَهُ إِنْ أَمْكَنَهُ صَوْمَهُ كُلَّهَا فَلَمْ يَصُمْهَا حَتَّى مَاتَ تُصُدِّقَ عَنْهُ بِمُدٍّ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ فِيهَا بِقَوْلِ مَالِكٍ
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي رَجُلٍ تَمَتَّعَ وَلَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ وَفَاتَهُ الصَّوْمَ فِي الْعَشْرِ قَالَ يَصُومُ السَّبْعَةَ وَيُطْعِمُ عَنِ الثَّلَاثَةِ
وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ
وحجة أبي حنيفة ما قاله بن عباس من ترك من نسكه شيئا فليهرق دَمًا
وَصَوْمُ الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ
وَحُجَّةُ مَالِكٍ أَنَّ الصِّيَامَ بِكُلِّ مكان سواء وإن أهدى فحسن
ورواه بن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ وَهِشَامٌ عَنِ الْحَسَنِ فِي الْمُتَمَتِّعِ لَا يَصُومُ الثَّلَاثَةَ الْأَيَّامَ فِي الْعَشْرِ وَهُوَ لَمْ يَهْدِ حَتَّى رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ قَالَا يَصُومُ الثَّلَاثَةَ وَالسَّبْعَةَ بِمِصْرِهِ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ
(٨١ - باب جامع الحج)
٩١١ - مالك عن بن شِهَابٍ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
стр. 1861
عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ قَالَ وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلنَّاسِ بِمِنًى وَالنَّاسُ يَسْأَلُونَهُ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ انْحَرْ وَلَا حَرَجَ ثُمَّ جَاءَهُ آخَرُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ قَالَ ارْمِ وَلَا حَرَجَ قَالَ فَمَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عن شيء قدم ولا أخر إِلَّا قَالَ افْعَلْ وَلَا حَرَجَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ فِي حَجَّتِهِ رَمَى الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ ثُمَّ نحر بُدْنَهُ ثُمَّ حَلَقَ رَأْسَهُ
وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ هَذِهِ سُنَّةُ الْحَاجِّ أَنْ يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ ثُمَّ يَنْحَرُ هَدْيًا إِنْ كَانَ مَعَهُ ثُمَّ يَحْلِقُ رَأْسَهُ فَمَنْ شَاءَ قَدَّمَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عَنْ رُتْبَتِهِ فَلِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ مَا أَصِفُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
قَالَ مَالِكٌ مَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لِأَنَّهُ حَرَامٌ عَلَيْهِ أَنْ يَمَسَّ من شعره شيئا أَوْ يَلْبَسَ أَوْ يَمَسَّ طِيبًا حَتَّى يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ
وَقَدْ حَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ قَبْلَ مَحِلِّهِ مِنْ ضَرُورَةٍ بِالْفِدْيَةِ فَكَيْفَ مِنْ غير ضرورة
وقال بن الْقَاسِمِ وَقَالَ مَالِكٌ مَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ قَالَ وَكَذَلِكَ إِنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ يُجْزِئُهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْهَدْيَ قَدْ بَلَغَ مَحِلَّهُ وَذَلِكَ يَوْمُ النَّحْرِ كَمَا لَوْ نَحَرَ الْمُعْتَمِرُ بِمَكَّةَ هَدْيًا سَاقَهُ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِعُمْرَتِهِ
وَقَالَ بن عبد الحكم عن مالك في من طَافَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ أَنَّهُ يَرْمِي ثُمَّ يَحْلِقُ رَأْسَهُ ثُمَّ يُعِيدُ الطَّوَافَ
قَالَ وَمَنْ رَمَى ثُمَّ طَافَ قَبْلَ الْحِلَاقِ حَلَقَ رَأَسَهُ وَأَعَادَ الطَّوَافَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ رُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي إِيجَابِ الْفِدْيَةِ عَلَى مَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ
стр. 1862
وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ وَدَاوُدُ وَالطَّبَرِيُّ لَا شَيْءَ عَلَى مَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ وَلَا عَلَى مَنْ قَدَّمَ شَيْئًا أَوْ أَخَّرَهُ مِنْ رَمْيٍ أَوْ نَحْرٍ أَوْ حِلَاقٍ أَوْ طَوَافٍ سَاهِيًا - مِمَّا يَفْعَلُ يَوْمَ النَّحْرِ
وَحُجَّتُهُمْ حديث عبد الله بن عمرو الْمَذْكُورُ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ فَمَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عن شيء قدم ولا أخر إلا قال افعل ولا حرج
وحديث عطاء عن بن عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ سُئِلَ يَوْمَ النَّحْرِ عَنْ رَجُلٍ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ أَوْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ أَوْ أَشْبَاهِ هَذَا فَأَكْثَرُوا فِي التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ فَمَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ هَذَا إِلَّا قَالَ لَا حَرَجَ لَا حَرَجَ
وَقَالَ عَطَاءٌ مَنْ قَدَّمَ نسكا على نُسُكٍ فَلَا حَرَجَ
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَطَاوُسٍ وَمُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةَ وَقَتَادَةَ
وَأَمَّا اختلافهم في من حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ فَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أنه لَا شَيْءَ عَلَيْهِ
كَذَلِكَ قَالَ عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَعِكْرِمَةُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَدَاودُ وَإِسْحَاقُ وَالطَّبَرِيُّ
وَقَالَ النَّخَعِيُّ مَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَنْحَرَ أَهْرَاقَ دَمًا
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ قَالَ وَإِنْ كَانَ قَارِنًا فَعَلَيْهِ دَمَانِ دم للقران وَدَمٌ لِلْحِلَاقِ
وَقَالَ زُفَرُ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ دِمَاءٍ لِلْقِرَانِ وَدَمَانِ لِلْحِلَاقِ قَبْلَ النَّحْرِ
وَقَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ مَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَنْحَرَ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي من نَحَرَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِأَنَّ الْهَدْيَ قَدْ بَلَغَ مَحِلَّهُ وَلِأَنَّهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ نحرت قبل أرمي فقال رسول الله ارْمِ وَلَا حَرَجَ
стр. 1863
قال أبو عمر روى بن عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو حَدِيثَ هَذَا الْبَابِ فَلَمْ يَقُلْ فِيهِ لَمْ أَشْعُرْ
وَقَدْ ذَكَرَهُ مَالِكٌ وَهِيَ لَفْظَةٌ فِيهَا مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ الرَّجُلَ فَعَلَ ذَلِكَ سَاهِيًا فَقِيلَ لَهُ لَا حَرَجَ
وَقَدْ جَاءَ مَعْمَرٌ بِمَعْنَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ فِيهِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ رأيت رسول الله وَاقِفًا عَلَى رَاحِلَتِهِ بِمِنًى فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أَرَى أَنَّ الذَّبْحَ قَبْلَ الرَّمْيِ فَذَبَحْتُ قَالَ ارْمِ وَلَا حَرَجَ فَمَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ قَدَّمَهُ رَجُلٌ قَبْلَ شَيْءٍ إِلَّا قَالَ افْعَلْ وَلَا حَرَجَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ وَلَا أَعْلَمُ لِأَهْلِ الْعِلْمِ جوابا في المتعمد فِي ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ مُخَالِفًا لِلْجَاهِلِ وَالسَّاهِي لَفَرَّقُوا بَيْنَهُ فِي أَجْوِبَتِهِمْ وَفِي كُتُبِهِمْ وَاللَّهُ أعلم
إلا أن بن عَبَّاسٍ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ مَنْ قَدَّمَ مَنْ نُسُكِهِ شَيْئًا أَوْ أَخَّرَهُ فَلْيُهْرِقْ لِذَلِكَ دَمًا وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ سَاهٍ وَلَا عَامِدٍ وَلَيْسَتِ الرِّوَايَةُ عَنْهُ بِذَلِكَ بِالْقَوِيَّةِ
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةَ مِثْلُ ذَلِكَ
وَقَدْ ذَكَرْنَا مذهبهم في من قَدَّمَ الْإِفَاضَةَ قَبْلَ الرَّمْيِ وَالْحَلْقِ أَنَّهُ تَلْزَمُهُ إِعَادَةُ الطَّوَافَ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ تَابَعَهُ لَا إعادة فِي الطَّوَافِ
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ إِنَّمَا طَافَ لِلْإِفَاضَةِ قبل أن يرمي جمرة الْعَقَبَةِ ثُمَّ وَاقَعَ أَهْلَهُ أَهْرَاقَ دَمًا
وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَمَا كَانَ مِثْلَهَا فِي مَوْضِعِهَا مِنْ كِتَابِنَا هَذَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
٩١٢ - مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا قَفَلَ مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنَ الْأَرْضِ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ ثُمَّ يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
стр. 1864
قَدِيرٌ آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ سَاجِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ
رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عمر عن نافع عن بْنَ عُمَرَ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَفَلَ مِنَ الْجُيُوشِ أَوِ السَّرَايَا أَوِ الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ سَوَاءً
وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِلَّا الْحَضُّ عَلَى شُكْرِ اللَّهِ لِلْمُسَافِرِ عَلَى أَوْبَتِهِ وَرَجْعَتِهِ
وَشُكْرُ اللَّهِ تَعَالَى وَالثَّنَاءُ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ لَازِمٍ لَهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ) الْبَقَرَةِ ١٥٢
وَمِنَ الشُّكْرِ الِاعْتِرَافُ بِالنِّعْمَةِ فَنِعْمَةُ اللَّهِ عَظِيمَةٌ
وَمَعْنَى آيِبُونَ رَاجِعُونَ وَمَعْنَى تَائِبُونَ أَيْ مِنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ عَائِدُونَ بِمَا افْتَرَضَهُ عَلَيْهِمْ وَرَضِيَهُ مِنْهُمْ سَاجِدُونَ لِوَجْهِهِ لَا لِغَيْرِهِ حَامِدُونَ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ وَقَوْلُهُ صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ فِيمَا كَانَ وَعَدَهُ مِنْ ظُهُورِ دِينِهِ وَذَلِكَ كُلُّهُ اعْتِرَافٌ بِالنِّعْمَةِ وَشُكْرٌ لَهَا
وَفِيهِ مِنَ الْخَبَرِ أَنَّ غَزْوَةَ الْخَنْدَقِ وَهِيَ غَزْوَةُ الْأَحْزَابِ نَصَرَ اللَّهُ فِيهَا الْمُؤْمِنِينَ بِرِيحٍ وَجُنُودٍ لَمْ يَرَوْهَا وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا لِآدَمِيٍّ صُنْعٌ فَلِذَلِكَ قَالَ (وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ)
٩١٣ - مالك عن إبراهيم بن عقبة عن كريب مولى عبد الله بن عباس عن بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِامْرَأَةٍ وَهِيَ فِي مِحَفَّتِهَا فَقِيلَ لَهَا هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَخَذَتْ بِضَبْعَيْ صَبِيٍّ كَانَ مَعَهَا فَقَالَتْ أَلِهَذَا حَجٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ نَعَمْ وَلَكِ أَجْرٌ هَكَذَا رَوَى يَحْيَى هَذَا الْحَدِيثَ مُرْسَلًا وَتَابَعَهُ أَكْثَرُ الرُّوَاةِ لِلْمُوَطَّأِ
وَرَوَاهُ بن وهب وأبو مصعب والشافعي وبن عَثْمَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ
стр. 1865
التِّنِّيسِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ عن كريب مولى بن عباس عن بن عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﵇
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ الِاخْتِلَافَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ وَعَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَقَبَةَ أَيْضًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ
وَهُوَ حَدِيثٌ مُسْنَدٌ صَحِيحٌ لِأَنَّهُ حَدِيثٌ قَدْ أَسْنَدَهُ ثِقَاتٌ لَيْسُوا بِدُونِ مَنْ قَطَعَهُ
وَالْمِحَفَّةُ شَبِيهَةٌ بِالْهَوْدَجِ وَقِيلَ لَا غِطَاءَ عَلَيْهَا
وَالضَّبْعُ بَاطِنُ السَّاعِدِ
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ الْحَجُّ بِالصِّبْيَانِ
وَأَجَازَهُ جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَمِصْرَ وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ أَهْلُ البدع فلم يرو الْحَجَّ بِهِمْ وَقَوْلُهُمْ مَهْجُورٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ لِأَنَّ النَّبِيُّ ﵊ حَجَّ بِأُغَيْلِمَةِ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَقَالَ فِي الصَّبِيِّ لَهُ حَجٌّ وَلِلَّذِي يُحِجُّهُ أَجْرٌ
وَحَجَّ أَبُو بَكْرٍ بِابْنِ الزُّبَيْرِ فِي خِرْقَةٍ
قَالَ عُمَرُ تُكْتَبُ لِلصَّبِيِّ حَسَنَاتُهُ وَلَا تُكْتَبُ عَلَيْهِ السَّيِّئَاتُ
وَحَجَّ السَّلَفُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا بِالصِّبْيَانِ وَالْأَطْفَالِ يُعَرِّضُونَهُمْ لِرَحْمَةِ اللَّهِ
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُرُوا الصَّبِيَّ بِالصَّلَاةِ إِذَا بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ وَإِذَا بَلَغَ عَشْرًا فَاضْرِبُوهُ عَلَيْهَا
فَكَمَا تَكُونُ لَهُ صَلَاةٌ وَلَيْسَتْ عَلَيْهِ كَذَلِكَ يَكُونُ لَهُ حَجٌّ وَلَيْسَ عَلَيْهِ
وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ الزَّكَاةَ فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى وَمُحَالٌ أَلَّا يُؤْجَرُوا عَلَيْهَا فَالْقَلَمُ إِنَّمَا هُوَ مَرْفُوعٌ عَنْهُمْ فِيمَا أَسَاءُوا فِي أَنْفُسِهِمْ أَلَّا تَرَى أَنَّ مَا أَتْلَفُوهُ مِنَ الْأَمْوَالِ ضَمِنُوهُ وَكَذَلِكَ الدِّمَاءُ عَمْدُهُمْ فِيهَا خَطَأٌ يُؤَدِّيهِ عَنْهُمْ مَنْ يُؤَدِّيهِ عَنِ الْكِبَارِ فِي خَطَئِهِمْ
وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ مَنْ حَجَّ صَغِيرًا قَبْلَ الْبُلُوغِ أَوْ حُجَّ بِهِ طِفْلًا ثُمَّ بَلَغَ لَمْ يُجِزْهُ ذَلِكَ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ
стр. 1866
وَقَدْ شَذَّتْ فِرْقَةٌ فَأَجَازُوا لَهُ حَجَّةً بِهَذَا الْحَدِيثِ وَلَيْسَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِشَيْءٍ لِأَنَّ الغرض لا يؤدي إلا بعد الوجوب
وهذا بن عَبَّاسٍ هُوَ الَّذِي رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ النَّبِيِّ ﵊ وَهُوَ الَّذِي كَانَ يُفْتِي بِالصَّبِيِّ يَحُجُّ ثُمَّ يَحْتَلِمُ قَالَ يَحُجُّ حُجَّةَ الْإِسْلَامِ
وَفِي الْمَمْلُوكِ يَحُجُّ ثُمَّ يَعْتِقُ قَالَ عَلَيْهِ الْحَجُّ
ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي السَّفَرِ عن بن عباس وعن بن عيينة عن مطرف عن بن عَبَّاسٍ مِثْلَهُ وَعَنِ الثَّوْرِيِّ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أبي ظبيان عن بن عَبَّاسٍ مِثْلَهُ
وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةُ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ إِلَّا دَاوُدَ بْنَ عَلِيٍّ فَإِنَّهُ خَالَفَهُ فِي الْمَمْلُوكِ فَقَالَ يُجْزِئُهُ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ وَلَا يُجْزِئُ الصبي
وذكر عبد الرزاق عن بن جُرَيْجٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ يَقْضِي حَجَّةُ الصَّغِيرِ عَنْهُ فَإِذَا بَلَغَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ واجبة
قال وأخبرنا معمر عن بن طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ مِثْلَهُ
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمُرَاهِقِ وَالْعَبْدِ يُحْرِمَانِ بِالْحَجِّ ثُمَّ يَحْتَلِمُ هَذَا وَيَعْتِقُ هَذَا قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ
فَقَالَ مَالِكٌ لَا سَبِيلَ إِلَى رَفْضِ الْإِحْرَامَيْنِ لِهَذَيْنِ وَلَا لِأَحَدٍ وَيَتَمَادَيَانِ عَلَى إِحْرَامِهِمَا وَلَا يُجْزِئُهُمَا حَجُّهُمَا ذَلِكَ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إِذَا أَحْرَمَ الصَّبِيُّ ثُمَّ بَلَغَ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَوَقَفَ بِهَا مُحْرِمًا أَجْزَأَهُ ذَلِكَ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَحْتَجْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا إِلَى تَجْدِيدِ إِحْرَامِهِ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إِذَا أَحْرَمَ الصَّبِيُّ ثُمَّ بَلَغَ فِي حَالِ إِحْرَامٍ فَإِنْ جَدَّدَ إِحْرَامًا قَبْلَ وُقُوفِهِ بِعَرَفَةَ أَجْزَأَهُ وَإِنْ لَمْ يُجَدِّدْ إِحْرَامًا لَمْ يُجْزِئْهُ
قَالَ وَأَمَّا الْعَبْدُ فَلَا يُجْزِئُهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَإِنْ جَدَّدَ إِحْرَامًا
وَقَدْ ذَكَرْنَا وَجْهَ قَوْلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَحُجَّتَهُ فِي التَّمْهِيدِ
وَقَالَ مَالِكٌ يُحَجُّ بِالصَّغِيرِ وَيُجَرَّدُ بِالْإِحْرَامِ وَيُمْنَعُ مِنَ الطِّيبِ وَمِنْ كُلِّ مَا يُمْنَعُ مِنْهُ الْكَبِيرُ فَإِنْ قَوِيَ عَلَى الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَرَمْيِ الْجِمَارِ وَإِلَّا طِيفَ بِهِ مَحْمُولًا وَرُمِيَ عَنْهُ وَإِنْ أَصَابَ صَيْدًا فُدِيَ عَنْهُ وَإِنِ احْتَاجَ إِلَى مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْكَبِيرُ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ وَفُدِيَ عَنْهُ
وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ إِلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ
стр. 1867
لَا جَزَاءَ عَلَيْهِ فِي صَيْدٍ وَلَا فِدْيَةَ عليه في لباس ولا طيب
وقال بن الْقَاسِمِ تَجْرِيدُهُ يُغْنِي عَنِ التَّلْبِيَةِ عَنْهُ لَا يُلَبِّي عَنْهُ أَحَدٌ إِلَّا أَنْ يَتَكَلَّمَ فَيُلَبِّي عَنْ نَفْسِهِ
قَالَ وَقَالَ مَالِكٌ لَا يَطُوفُ بِهِ أَحَدٌ لَمْ يَطُفْ طَوَافَهُ الْوَاجِبَ لِأَنَّهُ يدخل طوافين في طواف
وقال بن الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَرَى أَنْ يَطُوفَ لِنَفْسِهِ ثُمَّ يَطُوفَ لِلصَّبِيِّ وَلَا يَرْكَعَ عَنْهُ وَلَا شَيْءَ عَلَى الصَّبِيِّ فِي رَكْعَتَيْهِ
ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانُوا يَحُجُّونَ إِذَا حَجَّ الصَّبِيُّ أَنْ يُجَرِّدُوهُ وَأَنْ يُجَنِّبُوهُ الطِّيبَ إِذَا أَحْرَمَ وَأَنْ يُلَبَّى عَنْهُ إِذَا كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّلْبِيَةِ
قَالَ وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ يَحُجُّ بِالصَّبِيِّ وَيُرْمَى عَنْهُ وَيُجَنَّبُ مَا يُجَنَّبُهُ الْكَبِيرُ مِنَ الطِّيبِ وَلَا يُخَمِّرُ رَأْسَهُ وَيُهْدَى عَنْهُ إِنْ تَمَتَّعَ
١٤ - مَالِكٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كُرَيْزٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَا رُؤِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلَا أَدْحَرُ وَلَا أَحْقَرُ وَلَا أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا رَأَى من تنزل الرَّحْمَةِ وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنِ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ إِلَّا مَا أُرِي يَوْمَ بَدْرٍ قِيلَ وَمَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَمَا إِنَّهُ قَدْ رَأَى جِبْرِيلَ يَزَعُ الْمَلَائِكَةَ
إِبْرَاهِيمُ بن أبي عبلة رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَقِيلٍ وَقِيلَ تَمِيمٌ وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ يُكْنَى أَبَا إِسْحَاقَ وَقِيلَ أَبَا إِسْمَاعِيلَ ثِقَةٌ أَدْرَكَ طَائِفَةً مِنَ الصَّحَابَةِ وَعَمَّرَ عُمْرًا طَوِيلًا وَهُوَ مَعْدُودٌ فِي الشَّامِيِّينَ
وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنُ كَرِيزٍ خُزَاعِيٌّ تَابِعِيٌّ شَامِيٌّ ثِقَةٌ وَكَرِيزٌ بِفَتْحِ الْكَافِ فِي خُزَاعَةَ وَكُرَيْزٌ بِضَمِّهَا فِي عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ مِنْ قُرَيْشٍ
وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَكْثَرُ مِنَ التَّرْغِيبِ فِي شُهُودِ عَرَفَةَ وَالتَّعْرِيفِ بِفَضْلِ ذَلِكَ الْمَوْقِفِ وَفِي ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ الْحَجِّ مافيه
стр. 1868
وَفِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا فِي الْجَنَّةِ كِفَايَةٌ
وَقَالَ ﵇ مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ عِنْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ هَذَا مِنْ فَضْلِ شُهُودِ عَرَفَاتٍ فِي الْحَجِّ مَا فِيهِ شِفَاءٌ وَاكْتِفَاءٌ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
كَذَلِكَ أَتَيْنَا مِنَ الشَّوَاهِدِ عَلَى مَعْنَى قَوْلِهِ يَزَعُ الْمَلَائِكَةَ فِي التَّمْهِيدِ أَيْضًا بِمَا لَا مَزِيدَ فِيهِ
وَمُخْتَصَرُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَازِعَ هُوَ الْمَانِعُ الَّذِي يَكُفُّ وَهُوَ هَذَا الْحَدِيثُ بِمَعْنَى يُعَبِّئُهُمْ وَيُرَتِّبُهُمْ لِلْقِتَالِ وَيَصِفُهُمْ وَيَمْنَعُ مِنْ أَنْ يَشُفَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيَخْرُجَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ
قَالَ الشَّاعِرُ
(وَلَا يَزَعُ النَّفْسَ اللَّجُوجَ عَنِ الْهَوَى ... مِنَ النَّاسِ إِلَّا وَافِرُ الْعَقْلِ كَامِلُهُ)
٩١٥ - مَالِكٌ عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ مَوْلَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كُرَيْزٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ
وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْحَدِيثَ مُسْنَدًا فِي التَّمْهِيدِ
وَفِيهِ فَضْلُ الدُّعَاءِ وَفَضْلُ يَوْمِ عَرَفَةَ
وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِ الْأَيَّامِ عَلَى بَعْضٍ وَقَدْ جَاءَ فِي فَضْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَفَضْلِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ وَعَرَفَةَ أَحَادِيثُ صِحَاحٌ ثَابِتَةٌ
وَفِيهِ تَفْضِيلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ عَلَى سائر الكلام
стр. 1869
وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْآثَارُ فِي ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ فَمِنْهَا مَا جَاءَ بِتَفْضِيلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَمِنْهَا مَا جَاءَ بِتَفْضِيلِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ كُلَّهُ فِي التَّمْهِيدِ
وَذَكَرْنَا مِنْ دُعَائِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ أَنْوَاعًا مِنْهَا مِنْ حَدِيثُ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دعاء يَوْمَ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ فَقَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا وَفِي سَمْعِي نُورًا وَفِي بَصَرِي نُورًا اللَّهُمَّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَسَاوِسِ الصَّدْرِ وَفِتْنَةِ الْقَبْرِ وَمِنْ شَرِّ مَا تَهُبُّ بِهِ الرِّيَاحُ وَمِنْ شَرِّ مَا يَأْتِي به الليل والنهار
وسئل بن عُيَيْنَةَ مَا كَانَ أَكْثَرُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﵇ بِعَرَفَةَ فَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ
قَالَ سُفْيَانُ إِنَّمَا هُوَ ذِكْرٌ وَلَيْسَ بِدُعَاءٍ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ إِذَا شَغَلَ عَبْدِي ثَنَاؤُهُ عَلَيَّ عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ
قَالَ قُلْتُ نعم حدثتني أَنْتَ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ
وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ هَذَا تَفْسِيرُهُ ثُمَّ قَالَ أَمَا عَلِمْتُ قَوْلَ أُمَيَّةَ بْنَ أَبِي الصَّلْتِ حِينَ أتى بن جدعان يطلب نائلة وَفَضْلَهُ قُلْتُ لَا قَالَ قَالَ أُمَيَّةُ حِينَ أتى بن جدعان
(أأطلب حاجتي أم قد كفاني ... إذا أثنى عليك المرء يوم)
(حياؤك إن شيمتك الحياء ... كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِكَ الثَّنَاءُ)
قَالَ سُفْيَانُ ﵀ هَذَا مَخْلُوقٌ حِينَ يُنْسَبُ إِلَى أَنْ يُكْتَفَى بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ دُونَ مَسْأَلَتِهِ فَكَيْفَ بِالْخَالِقِ ﵎!
وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ حَدَّثْنَا الْحَسَنُ بْنُ رَشِيقٍ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سعيد الرازي حدثنا بن أَبِي عُمَرَ الْعَدَنِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ قَالَ لِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ كُنْتُ أَتَمَنَّى أَنْ أَلْقَى الزُّهْرِيَّ فَرَأَيْتُهُ فِي النَّوْمِ بَعْدَ مَوْتِهِ عِنْدَ الْحَدَّادِينَ فَقُلْتُ يَا أَبَا بَكْرٍ هَلْ مِنْ دَعْوَةٍ قَالَ نَعَمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ تَوَكَّلْتُ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ تُعِيذَنِي وَذَرِّيَّتِي مِنَ الشيطان الرجيم
стр. 1870
قَالَ أَبُو عُمَرَ فَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الثَّنَاءَ دُعَاءٌ وَيُفَسِّرُ مَعْنَى حَدِيثِ هَذَا الْبَابِ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ
٩١٦ - مَالِكٌ عَنْ بن شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بن خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اقْتُلُوهُ
قَالَ مَالِكٌ وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ مُحْرِمًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ أَبُو عمر حديث مالك عن بن شِهَابٍ عَنْ أَنَسٍ هَذَا انْفَرَدَ بِهِ مَالِكٌ عن بن شهاب لم يروه عن بن شِهَابٍ أَحَدٌ غَيْرُهُ مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ وَقَدْ رُوِيَ مِنْ وُجُوهٍ لَا تَصِحُّ وَالصَّحِيحُ فِيهِ انفراد مالك عن بن شِهَابٍ
وَقَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَ طُرُقِهِ وَالِاخْتِلَافَ فِي أَلْفَاظِهِ فِي التَّمْهِيدِ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِيهِ مِغْفَرٌ مِنْ حَدِيدٍ
رَوَى زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ وَإِبْرَاهِيمُ بن علي الغزي عن مالك عن بن شهاب عن أنس أن بن خَطَلٍ كَانَ يَهْجُو رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
وَرَوَى شَبَابَةُ بْنُ سِوَارٍ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قال من رأى منكم بن خَطَلٍ فَلْيَقْتُلْهُ
وَزَعَمَ أَصْحَابُنَا أَنَّ هَذَا أَصْلٌ فِي قَتْلِ الذِّمِّيِّ إِذَا سَبَّ النَّبِيَّ ﵇ وهذا غلط لأن بن خَطَلٍ كَانَ حَرْبِيًّا فِي دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يدخله رسول الله ﷺ في أَمَانِ أَهْلِ مَكَّةَ بَلِ اسْتَثْنَاهُ مِنْ ذَلِكَ الْأَمَانِ
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ كَانُوا كُلُّهُمْ أَوْ أَكْثَرُهُمْ عَلَى سَبِّ النَّبِيِّ ﵇ وَلَمْ يَجْعَلْ لِابْنِ خَطَلٍ أَمَانًا لِأَنَّ أَمْرَهُ ﵇ بقتل بن خَطَلٍ خَرَجَ مِنَ الْأَمَانِ لِأَهْلِ مَكَّةَ مَخْرَجًا وَاحِدًا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ
بِذَلِكَ وَرَدَتِ الْآثَارُ وَهُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِ السِّيَرِ
وَالْوَجْهُ فِي قتل بن خَطَلٍ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِقَتْلِ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وُجِدُوا وَقَالَ
стр. 1871
(فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ) الْأَنْفَالِ ٥٧ وَجَعَلَ لَهُمْ مَعَ ذَلِكَ إِذَا قَدَرَ عَلَيْهِمْ الْمَنَّ إِنْ شَاءَ وَإِنْ شَاءَ الْفِدَاءَ وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذِكْرِ وُجُوهِ ذَلِكَ وَلِمَا كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حُكْمِ اللَّهِ ذَلِكَ صَنَعَ مَا أَذِنَ اللَّهُ لَهُ فِيهِ
وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سفيان قراءة مني عليه قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بن سعد عن بن إِسْحَاقَ قَالَ وَأَمَّا قَتْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَطَلٍ فَقَتَلَهُ سَعِيدُ بْنُ حُرَيْثٍ الْمَخْزُومِيُّ وَأَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ اشْتَرَكَا فِي دَمِهِ وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ بْنِ غَالِبٍ
قَالَ وَإِنَّمَا أمر رسول الله ﷺ بِقَتْلِهِ لِأَنَّهُ بَعَثَهُ مُصَدِّقًا وَكَانَ مُسْلِمًا وَبَعَثَ مَعَهُ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ وَكَانَ مَعَهُ مَوْلًى له يخدمه وكان مسلما فنزل بن خَطَلٍ مَنْزِلًا وَأَمَرَ الْمَوْلَى أَنْ يَذْبَحَ لَهُ شَاةً وَيَصْنَعَ لَهُ طَعَامًا فَنَامَ وَاسْتَيْقَظَ وَلَمْ يَصْنَعْ لَهُ شَيْئًا فَعَدَا عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ ثُمَّ ارْتَدَّ مُشْرِكًا
قَالَ أَبُو عُمَرَ فَهَذَا الْقَتْلُ قَوْدٌ مِنْ مُسْلِمٍ
وَمِثْلُ هَذَا قِصَّةُ مِقْيَسِ بْنِ صُبَابَةَ قَتَلَ مُسْلِمًا بَعْدَ أَخْذِ الدِّيَةِ وَهُوَ أَيْضًا مِمَّا هَدَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَمَهُ فِي حِينِ دُخُولِهِ مَكَّةَ
كَذَا حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي قَاسِمٌ قَالَ حدثني بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ حَدَّثَنِي أَسْبَاطُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ زَعَمَ السُّدِّيُّ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قال لما كان فتح يوم مكة أمن رسول الله أَهْلَ مَكَّةَ إِلَّا أَرْبَعَةَ نَفَرِ وَامْرَأَتَيْنِ وَقَالَ
اقْتُلُوهُمْ وَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمْ مُتَعَلِّقِينَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ وَمِقْيَسُ بْنُ صَبَابَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ فَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ فَأُدْرِكَ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَاسْتَبَقَ إِلَيْهِ سَعِيدُ بْنُ حُرَيْثٍ وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ فَسَبَقَ سَعِيدٌ عَمَّارًا وَكَانَ أَشَدَّ الرَّجُلَيْنِ فَقَتَلَهُ وَذَكَرَ تَمَامَ الْخَبَرِ فِي التَّمْهِيدِ
стр. 1872
قَالَ أَبُو عُمَرَ كَانَ هَذَا كُلُّهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ فِي السَّاعَةِ الَّتِي خَلَتْ لَهُ مِنْ ذَلِكَ النَّهَارِ ثُمَّ هِيَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ
وَلِهَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ لَمْ يَدْخُلْهَا رسول الله مُحْرِمًا
٩١٧ - مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَقْبَلَ مِنْ مَكَّةَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِقُدَيْدٍ جَاءَهُ خَبَرٌ مِنَ الْمَدِينَةِ فَرَجَعَ فدخل مكة بغير إحرام ومالك عن بن شِهَابٍ بِمِثْلِ ذَلِكَ
وَتَعَلَّقَ بِذَلِكَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ فَقَالَ جَائِزٌ أَنْ تَدْخُلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ
وَخَالَفَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ وَذُكِرَ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَالْمَشْهُورُ عَنْ
وَقَدْ رَوَى أَشْعَثُ عَنِ الْحَسَنِ مِثْلَهُ
ذَكَرَ السَّاجِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَرَشِيِّ قَالَ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ حَدَّثَنَا أَشْعَثُ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ تُدْخَلَ مَكَّةُ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ
ورواه بن الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ الْحُجَّةُ لِمَنْ قَالَ لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ مَكَّةَ إلا محرما إلا الحطابين ومن يد من التَّكَرُّرَ إِلَيْهَا لِإِجْمَاعِهِمْ أَنَّ مَنْ نَذَرَ مَشْيًا إِلَى بَيْتِ اللَّهِ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُهُ إِلَّا مُحْرِمًا بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ لِأَنَّهُ بَلَدٌ حَرَامٌ وقال طاوس ما دخل رسول الله قَطُّ مَكَّةَ إِلَّا مُحْرِمًا إِلَّا يَوْمَ الْفَتْحِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا يَجِبُ عَلَى مَنْ دَخَلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ
فَقَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ لَا يَدْخُلُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْآفَاقِ إِلَّا مُحْرِمًا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ أَسَاءَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ
وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَجِبُ عَلَى مَنْ دَخَلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ حَجٌّ وَلَا عُمْرَةٌ لِأَنَّ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لَا يَجِبَانِ إِلَّا عَلَى مَنْ نَوَاهُمَا وَأَحْرَمَ بِهِمَا
وَلَكِنَّ سُنَّةَ اللَّهِ فِي عِبَادِهِ أَنْ لَا يَدْخُلَ الْحَرَمَ إِلَّا حَرَامًا
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ فَإِنْ دَخَلَهَا أَحَدٌ غَيْرَ مُحْرِمٍ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أو عمرة
стр. 1873
وهو قول الثوري إلا أنه قال فإن لَمْ يَحُجَّ وَلَمْ يَعْتَمِرْ قِيلَ لَهُ اسْتَغْفِرِ اللَّهَ
وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ
٩١٨ - مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ الدِّيلِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ عَدَلَ إِلَيَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَأَنَا نَازِلٌ تَحْتَ سَرْحَةٍ بِطَرِيقِ مَكَّةَ فَقَالَ مَا أَنْزَلَكَ تَحْتَ هَذِهِ السَّرْحَةِ فَقُلْتُ أَرَدْتُ ظِلَّهَا فَقَالَ هَلْ غَيْرُ ذَلِكَ فَقُلْتُ لَا مَا أَنْزَلَنِي إِلَّا ذَلِكَ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا كُنْتَ بَيْنَ الْأَخْشَبَيْنِ مِنْ مِنًى وَنَفَخَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ فَإِنَّ هُنَاكَ وَادِيًا يُقَالُ لَهُ السُّرَرُ بِهِ شَجَرَةٌ سُرَّ تَحْتَهَا سَبْعُونَ نَبِيًّا
قَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ وَفِي أَبِيهِ التَّمْهِيدِ
وَالسَّرْحَةُ الشَّجَرَةُ
قَالَ الْخَلِيلُ السَّرْحُ الشَّجَرُ الطُّوَالُ الَّذِي لَهُ شُعَبٌ وَظِلٌّ وَاحِدَتُهُ سَرْحَةٌ وَنَفَحَ بِيَدِهِ أَشَارَ
وَالسُّرَرُ وَالْأَخْشَابُ الْجَبَلَانِ وَكَذَلِكَ الأخاشب الجبال
وقال بن وَهْبٍ أَرَادَ بِقَوْلِهِ الْأَخْشَبَيْنِ مِنْ مِنًى الْجَبَلَيْنِ اللَّذَيْنِ تَحْتَ الْعَقَبَةِ بِمِنًى فَوْقَ الْمَسْجِدِ
وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ يُقَالُ إِنَّ الْأَخْشَبَيْنِ اسْمٌ لِجِبَالِ مَكَّةَ ومنى خاصة
قال أبو عمر أنشد بن هِشَامٍ لِأَبِي قَيْسِ بْنِ الْأَسْلَتِ
(فَقُومُوا وَصَلُّوا رَبَّكُمْ وَتَمَسَّحُوا ... بِأَرْكَانِ هَذَا الْبَيْتِ بَيْنَ الْأَخَاشِبِ)
وقال العامري في بيعة بن الزُّبَيْرِ
(وَيُبَايِعُ بَيْنَ الْأَخْشَبَيْنِ وَإِنَّمَا ... يَدُ اللَّهِ بَيْنَ الْأَخْشَبَيْنِ تُبَايِعُ)
هَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى التَّبَرُّكِ بِمَوَاضِعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَمَسَاكِنِهِمْ
стр. 1874
وآثارهم وإلى هذا قصد بن عُمَرَ بِحَدِيثِهِ هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَفِيهِ أَيْضًا إِبَاحَةُ الْحَدِيثِ بِكُلِّ مَا يُسْمَعُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَالْأُمَمِ السَّالِفَةِ لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ فِيهِ يَجِبُ
وَكَذَلِكَ لَا حُكْمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ
٩١٩ - مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن أبي بكر بن حزم عن بن أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مَرَّ بِامْرَأَةٍ مَجْذُومَةٍ وَهِيَ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ فَقَالَ لَهَا يَا أَمَةَ اللَّهِ لَا تُؤْذِي النَّاسَ لَوْ جَلَسْتِ فِي بَيْتِكِ فَجَلَسَتْ فَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ لَهَا إِنَّ الَّذِي كَانَ قَدْ نَهَاكِ قَدْ مَاتَ فَاخْرُجِي فَقَالَتْ مَا كُنْتُ لِأُطِيعَهُ حَيًّا وَأَعْصِيَهُ مَيِّتًا
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ الْحُكْمُ بِأَنْ يُحَالَ بَيْنَ الْمَجْذُومِينَ وَبَيْنَ اخْتِلَاطِهِمْ بِالنَّاسِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْأَذَى لَهُمْ وَأَذَى الْمُؤْمِنِ وَالْجَارِ لَا يَحِلُّ
وَإِذَا كَانَ آكِلُ الثَّوْمِ يُؤْمَرُ بِاجْتِنَابِ الْمَسْجِدِ وَكَانَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رُبَّمَا أُخْرِجَ إِلَى الْبَقِيعِ فَمَا ظَنُّكَ بِالْجُذَامِ وَهُوَ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ يُعْدِي وَعِنْدَ جَمِيعِهِمْ يُؤْذِي
وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ لِلْمَرْأَةِ لَوْ جَلَسْتِ فِي بَيْتِكِ بَعْدَ أَنْ أَخْبَرَهَا أَنَّهَا تُؤْذِي النَّاسَ فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ مِنْ لِينِ الْقَوْلِ لَهَا وَالتَّعْرِيضِ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَقْدَمُ إِلَيْهَا وَرَحِمَهَا بِالْبَلَاءِ الَّذِي نَزَلَ بِهَا فَرَقَّ لَهَا وَكَانَ أَيْضًا مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَعْتَقِدُ أن شيئا يعدي وقد كان يجالس معيقيب الدوسي وَكَانَ عَلَى بَيْتِ مَالِهِ وَكَانَ يُؤَاكِلُهُ وَرُبَّمَا وَضَعَ فَمَهُ مِنَ الْإِنَاءِ عَلَى مَا يَضَعُ عَلَيْهِ مُعَيْقِيبٌ فَمَهُ
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْخَبَرَ بِذَلِكَ فِي صَدْرِ كِتَابِ التَّمْهِيدِ فَلِهَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ لَمْ يَزْجُرْهَا وَلَمْ يَنْهَهَا وَأَشَارَ إِلَيْهَا إِشَارَةً كَانَتْ مِنْهَا مَقْبُولَةً وَلَعَلَّهُ لَمْ تُخْطِئْ فِرَاسَتُهُ فِيهَا فَأَطَاعَتْهُ حَيًّا وَمَيِّتًا
٩٢٠ - مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ مَا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ الْمُلْتَزَمُ
стр. 1875
قَالَ أَبُو عُمَرَ رِوَايَةُ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ مَا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ الْمُلْتَزَمُ خَطَأٌ لم يتابعوا عليه
وأمر بن وضا ح برده ما بين الركن والباب وهوالصواب
وَكَذَلِكَ الرِّوَايَةُ فِي الْمُوَطَّأِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ الرُّكْنُ الْأَسْوَدُ وَبَابُ الْبَيْتِ
كَذَلِكَ فَسَّرَ الْخُزَاعِيُّ الْمُلْتَزَمَ وَذَكَرَ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُلْصِقُ وَجْهَهُ وَصَدْرَهُ بِالْمُلْتَزَمِ
وَرَوَى عَبَّادُ بْنُ كثير عن أيوب عن عكرمة عن بن عَبَّاسٍ قَالَ الْمُلْتَزَمُ وَالْمُدْعَا وَالْمُتَعَوَّذُ مَا بَيْنَ الْحَجَرِ وَالْبَابِ
قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ دَعَوْتُ اللَّهَ هُنَاكَ بِدُعَاءٍ فَاسْتُجِيبَ لِي وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ أَحَادِيثُ فِيمَا يُرَغِّبُ فِي الصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ
وَكَانَ بن عباس كثيرا ما يدعو بين الركن المقام وَكَانَ مِنْ دُعَائِهِ فِيهِ اللَّهُمَّ قَنِّعْنِي بِمَا رَزَقَتْنِي وَبَارِكْ لِي فِيهِ وَاخْلُفْ عَلَيَّ كُلَّ عَائِبَةٍ لِي بِخَيْرٍ
وَرَوَى الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَأَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ وَحُمَيْدٌ الطَّوِيلُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَلْتَزِمُونَ ظَهْرَ الْبَيْتِ مِنَ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ وَالْبَابِ الْمُؤَخَّرِ وَقَالَ إِنَّ ذَلِكَ مُلْتَزَمٌ أَيْضًا
وَهَذَا خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ الْمُلْتَزَمُ وَهُوَ الْمُتَعَوَّذُ فَكَأَنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ مَوْضِعَ رَغْبَةٍ وَهَذَا مَوْضِعُ اسْتِعَاذَةٍ وَعَلَى ذَلِكَ تَرَكَ أَلْفَاظَ الْأَخْبَارِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَمَنْ ذَكَرْنَا مَعَهُ عَلَى أَنَّهُ مَوْضِعُ اسْتِعَاذَةٍ
٩٢١ - مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَذْكُرُ أَنَّ رَجُلًا مَرَّ عَلَى أَبِي ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ وَأَنَّ أَبَا ذَرٍّ سَأَلَهُ أَيْنَ تُرِيدُ فَقَالَ أَرَدْتُ الْحَجَّ فَقَالَ هَلْ نَزَعَكَ غَيْرُهُ فَقَالَ لَا قَالَ فَأْتَنِفِ الْعَمَلَ قَالَ الرَّجُلُ فَخَرَجْتُ حَتَّى قَدِمْتُ مَكَّةَ فَمَكَثْتُ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ إِذَا أَنَا بِالنَّاسِ مُنْقَصِفِينَ عَلَى رَجُلٍ فَضَاغَطْتُ عَلَيْهِ النَّاسَ فَإِذَا أَنَا بِالشَّيْخِ الَّذِي وَجَدْتُ بِالرَّبَذَةِ يَعْنِي أَبَا ذَرٍّ قَالَ فَلَمَّا رَآنِي عَرَفَنِي
стр. 1876
قَالَ أَبُو عُمَرَ فِي هَذَا الْخَبَرِ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَبُو ذَرٍّ مِنَ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ وَأَمَّا زُهْدُهُ وَعِبَادَتُهُ فَقَدْ ذَهَبَ فِيهَا مَثَلًا
سُئِلَ عَلِيٌّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ فَقَالَ وَعَى عِلْمًا عَجَزَ النَّاسُ عَنْهُ ثُمَّ أَوْكَأَ عَلَيْهِ فَلَمْ يُخْرِجْ شَيْئًا مِنْهُ
وَمَعْلُومٌ أَنَّ قَوْلَ أَبِي ذَرٍّ لِلرَّجُلِ لَا يَكُونُ مِثْلُهُ رَأْيًا وَإِنَّمَا يُدْرَكُ مِثْلُهُ بِالتَّوْقِيفِ مِنَ النَّبِيِّ ﵇
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ أَنَّ اللَّهَ قَدْ رَضِيَ مِنْ عِبَادِهِ بِقَصْدِ بَيْتِهِ مَرَّةً فِي عُمُرِ الْعَبْدِ لِيَحُطَّ أَوْزَارَهُ بِذَلِكَ وَيَغْفِرَ ذُنُوبَهُ وَيَخْرُجَ مِنْهَا كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ كَمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ الْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ
وَقَالَ مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ وَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ
ذَكَرَ إِسْحَاقُ الْأَزْرَقُ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ حَجَجْنَا فَلَمَّا قَضَيْنَا نُسُكَنَا مَرَرْنَا بِأَبِي ذَرٍّ فَقَالَ لَنَا اسْتَأْنِفُوا الْعَمَلَ فَقَدْ كُفِيتُمْ مَا مَضَى
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَبِي مَيْسَرَةَ قَالَ حدثنا بن أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عَمِّ أَبِيهِ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَبِي مَيْسَرَةَ عَنْ رَبِيعِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَعُونَةَ بْنِ سَعُوبٍ اللَّيْثِيِّ قَالَ خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَنَظَرَ إِلَى رَكْبٍ صَادِرِينَ مِنَ الْحَجِّ فَقَالَ لَوْ يَعْلَمُ الرَّكْبُ مَا يَنْقَلِبُونَ بِهِ مِنَ الْفَضْلِ بَعْدَ الْمَغْفِرَةِ لَا يُكَلِّفُوا وَلَكِنْ لِيَسْتَأْنِفُوا الْعَمَلَ وَإِذَا كَانَ هَذَا فَلْيَأْتَنِفِ الْعَمَلَ كُلُّ مَنْ حَجَّ حَجًّا مَبْرُورًا فَطُوبَى لِمَنْ وَقَفَ بَعْدَ ذَلِكَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ
رَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ أَنَّهُ قَالَ لِمَنْ سَأَلَهُ حِينَ دَفَعَ النَّاسَ مِنْ عَرَفَةَ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ عَنْ أَخْسَرِ النَّاسِ صَفْقَةً وَهُوَ يُعَرِّضُ بِأَهْلِ الْفِسْقِ وَالظَّلَمَةِ فَقَالَ أَخْسَرُ النَّاسِ صَفْقَةً مَنْ ظَنَّ أَنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ لِهَؤُلَاءِ
٩٢٢ - مَالِكٌ أنه سأل بن شهاب عن الاستثناء في الحج فقال أو يصنع ذَلِكَ أَحَدٌ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ
стр. 1877
قَالَ أَبُو عُمَرَ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ الِاسْتِثْنَاءُ أَنْ يَشْتَرِطَ وَيَسْتَثْنِيَ فَيَقُولُ عِنْدَ إِحْرَامِهِ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً إِلَّا أَنْ يَمْنَعَنِي مِنْهُ مَا لَا أَقْدِرُ عَلَى النُّهُوضِ فَيَكُونُ مَحَلِّي حَيْثُ حَبَسَتْنِي وَلَا شَيْءَ عَلَيَّ فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ كَانَ لَهُ شَرْطُهُ وَمَا اسْتَثْنَاهُ إِنْ نَابَهُ شَيْءٌ أَوْ عَاقَهُ عَائِقٌ يَقُومُ مَحَلُّهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا قَدِيمًا وَحَدِيثًا
فَقَالَ مَالِكٌ الِاشْتِرَاطُ فِي الْحَجِّ بَاطِلٌ وَيَمْضِي عَلَى إِحْرَامِهِ حَتَّى يُتِمَّهُ عَلَى سُنَّتِهِ وَلَا يَنْفَعُهُ قَوْلُهُ مَحَلِّي حَيْثُ حَبَسَتْنِي
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ
وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وبن شهاب الزهري
وهو قول بن عُمَرَ
ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يُنْكِرُ الِاشْتِرَاطَ فِي الْحَجِّ وَيَقُولُ حَسْبُكُمْ سُنَّةُ رسول الله أَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطْ فَإِنْ حَبَسَ أَحَدَكُمْ عَنِ الْحَجِّ حَابِسٌ فَطَافَ بِالْبَيْتِ فَلْيَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلِيَحْلِقْ وَيُقَصِّرْ وَقَدْ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى يَحُجَّ قَابِلًا وَيَهْدِيَ أَوْ يَصُومَ إِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إِنْ ثَبَتَ حَدِيثُ ضُبَاعَةَ لَمْ أُعِدْهُ
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ الِاشْتِرَاطُ بَاطِلٌ
وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَطَاوُسٍ أَنَّهُمَا أَنْكَرَا الِاشْتِرَاطَ فِي الْحَجِّ وذهبا فيه مذهب بن عُمَرَ
وَقَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوَدُ لَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِطَ وَيَنْفَعَهُ شَرْطُهُ عَلَى مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ وَعَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ رُوِيَ الِاشْتِرَاطُ فِي الْحَجِّ عِنْدَ الْإِحْرَامِ عَنْ علي وعمر وعثمان وبن عباس وبن مَسْعُودٍ وَعَمَّارٍ وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ بِالْمَدِينَةِ مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَعُرْوَةُ بِالْكُوفَةِ وَمِنْهُمْ عَلْقَمَةُ وَعَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ وَشُرَيْحٌ
وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءِ بْنِ أبي رباح
стр. 1878
كل ذلك من كتاب عبد الرزاق وبن أَبِي شَيْبَةَ
سُئِلَ مَالِكٌ هَلْ يَحْتَشُّ الرَّجُلُ لِدَابَّتِهِ مِنَ الْحَرَمِ فَقَالَ لَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يُحْتَشُّ فِي الْحَرَمِ إِلَّا الْإِذْخِرُ الَّذِي أَذِنَ النَّبِيُّ ﵇ فِي قَطْعِهِ فَإِنَّ الْجَمِيعَ يُجِيزُونَ أَخْذَهُ وَيَقُولُونَ أَذِنَ النَّبِيُّ ﵇ فِي قَطْعِ الْإِذْخَرِ
أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يَرْعَى إِنْسَانٌ فِي حَشِيشِ الْحَرَمِ لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ أَنْ يَرْعَى جَازَ أَنْ يَحْتَشَّ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُقْطَعُ السِّوَاكُ مِنْ فَرْعِ الشَّجَرَةِ وَيُؤْخَذُ مِنْهَا الثَّمَرُ وَالْوَرَقُ لِلدَّوَاءِ إِذَا كَانَ لَا يُمِيتُهَا وَلَا يَضُرُّ بِهَا لِأَنَّ هَذَا يَسْتَخْلِفُ فَيَكُونُ كَمَا كَانَ وَلَيْسَ كَالَّذِي يُنْزَعُ أَصْلُهُ
قَالَ وَأَكْرَهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ حِجَارَةِ الْحَرَمِ وَتُرَابِهِ شَيْءٌ إِلَى غَيْرِهِ لِلْحُرْمَةِ الَّتِي ثَبَتَتْ لَهُ
فَأَمَّا مَاءُ زَمْزَمَ فَلَا أَكْرَهُ الْخُرُوجَ بِهِ
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ نَحْوَ قَوْلِهِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ
(٨٢ - بَابُ حَجِّ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ)
٩٢٣ - مَالِكٌ فِي الصَّرُورَةِ مِنَ النِّسَاءِ الَّتِي لَمْ تَحُجَّ قَطُّ إِنَّهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا ذُو مَحْرَمٍ يَخْرُجُ مَعَهَا أَوْ كَانَ لَهَا فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا أَنَّهَا لَا تَتْرُكُ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَيْهَا فِي الْحَجِّ لِتَخْرُجْ فِي جَمَاعَةِ النِّسَاءِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إليه سبيلا) آل عِمْرَانَ ٩٧ فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ الْمُسْتَطِيعُونَ إليه سبيلا
стр. 1879
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم مِنْهَا
وَاخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ هَلْ يَكُونُ الْمَحْرَمُ مِنَ السَّبِيلِ أَمْ لَا
فَقَالَ مَالِكٌ مَا رَسَمَهُ فِي مُوَطَّأِهِ وَلِمَ يُخْتَلَفْ فِيهِ عَنْهُ وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي أَنَّهَا تَخْرُجُ مَعَهُ مَعَ جُمْلَةِ النِّسَاءِ
قَالَ وَلَوْ خَرَجَتْ مَعَ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ مسلمة لله فلا شيء عليها
وقال بن سِيرِينَ جَائِزٌ أَنْ تَحُجَّ مَعَ ثِقَاتِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الرِّجَالِ
وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ تَخْرُجُ مَعَ قَوْمٍ عُدُولٍ وَتَتَّخِذُ سُلَّمًا تَصْعَدُ عَلَيْهِ وَتَنْزِلُ وَلَا يَقْرُبُهَا رَجُلٌ وَكُلُّ هَؤُلَاءِ يَقُولُ لَيْسَ الْمَحْرَمُ لِلْمَرْأَةِ مِنَ السَّبِيلِ
وَهُوَ مَذْهَبُ عَائِشَةَ لِأَنَّهَا قَالَتْ لَيْسَ كُلُّ امْرَأَةٍ لَهَا ذُو مَحْرَمٍ أَوْ تَجِدُ ذَا مَحْرَمٍ ذكر عبد الرزاق قال حدثنا معمر عن الزُّهْرِيِّ عَنْ عَمْرَةَ قَالَ أَخْبَرَتْ عَائِشَةُ تُفْتِي أَلَّا تُسَافِرُ امْرَأَةٌ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ فَقَالَتْ عَائِشَةُ تَجِدُونَ ذَا مَحْرَمٍ
قال وأخبرنا معمر وبن التيمي أنهما سمعا أيوب يحدث عن بن سِيرِينَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْمَرْأَةِ تَحُجُّ مَعَ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ فَقَالَ رُبَّ مَنْ لَيْسَ بِذِي مَحْرَمٍ خَيْرٌ مِنْ مَحْرَمٍ
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ الْمَحْرَمُ لِلْمَرْأَةِ مِنَ السَّبِيلِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا زَوْجُهَا وَلَا ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا فَلَيْسَ عَلَيْهَا الْحَجُّ لِأَنَّهَا لَمْ تَجِدِ السَّبِيلَ إِلَيْهِ
وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ
стр. 1880
وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ إِلَّا أَنَّ الْأَثْرَمَ رَوَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ قَالَ أَرْجُو فِي الْفَرِيضَةِ أَنْ تَخْرُجَ مَعَ النِّسَاءِ وَكُلِّ مَنْ تَأْمَنُهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ حُجَّةُ مَنْ رَأَى الْمَحْرَمَ مِنَ السَّبِيلِ ظَاهِرُ قَوْلِهِ ﵊ لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ
وَقَدْ رُوِيَ لَا تَحُجُّ امْرَأَةٌ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ
ذكر عبد الرزاق قال حدثنا بن جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عكرمة وأبو معبد عن بن عَبَّاسٍ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى الْمَدِينَةِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْنَ نَزَلْتَ فَقَالَ عَلَى فُلَانَةٍ فَقَالَ أَغْلَقَتْ عَلَيْكَ بَابَهَا مَرَّتَيْنِ لَا تَحُجُّنَّ امْرَأَةٌ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ
ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أخبرنا بن جريج وأما بن عيينة فأخبرناه عن عكرمة عن بن عَبَّاسٍ لَيْسَ فِيهِ شَكٌّ
وَعَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ لَيْثٍ عَنْ أَبِي هُبَيْرَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ كَتَبَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ مِنَ الرَّيِّ تَسْأَلُهُ عَنِ الحج مع ذي مَحْرَمٍ قَالَ هُوَ مِنَ السَّبِيلِ فَإِنْ لَمْ تَجِدِ ذَا مَحْرَمٍ فَلَا سَبِيلَ
(٨٣ - بَابُ صِيَامِ التمتع)
٩٢٤ - مالك عن بن شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ الصِّيَامُ لِمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا مَا بَيْنَ أَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ إِلَى يَوْمِ عَرَفَةَ فَإِنْ لَمْ يَصُمْ صَامَ أَيَّامَ منى
ومالك عن بن شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي ذَلِكَ مِثْلَ قَوْلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ) الْبَقَرَةِ ١٩٦
وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الثَّلَاثَةَ الْأَيَّامَ إِنْ صَامَهَا قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ فَقَدْ أَتَى بِمَا
стр. 1881
يَلْزَمُهُ مِنْ ذَلِكَ وَلِهَذَا قَالَ مَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ قَالَ آخِرُهَا يَوْمُ عَرَفَةَ
وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ صِيَامُ يَوْمِ النَّحْرِ
وَاخْتَلَفُوا فِي صِيَامِ أَيَّامِ مِنًى إِذَا كَانَ قَدْ فَرَّطَ فَلَمْ يَصُمْهَا قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ
فَقَالَ مَالِكٌ يَصُومُهَا الْمُتَمَتِّعُ إِذَا لَمْ يَجِدْ هَدْيًا لِأَنَّهَا من أيام الحج وروي عن بن عُمَرَ وَعَائِشَةَ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمَا وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ لَا يَصُومُ الْمُتَمَتِّعُ أَيَّامَ مِنًى لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيَّامَ مِنًى وَلَمْ يَخُصَّ نَوْعًا مِنَ الصِّيَامِ
وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي ذَلِكَ فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَصُمِ الثَّلَاثَةَ الْأَيَّامَ آخِرُهَا يَوْمُ عَرَفَةَ وَلَمْ يَصُمْ يَوْمَ النَّحْرِ وَصَامَ أَيَّامَ مِنًى وَرُوِيَ عنه أنه لا يصوم أيام منى ويصم بَعْدَ ذَلِكَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ وَعَلَيْهِ دَمٌ
وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُتَمَتِّعِ أَنْ يَصُومَ فِي الْعَشْرِ وَهُوَ حَلَالٌ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَطَاوُسٌ إِذَا صَامَهُنَّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَجْزَأَهُ
وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ شَاذَّانِ ذَكَرَهُمَا الطَّبَرِيُّ عن محمد بن بشار وعن بن مهدي وعن سفيان عن بن جُرَيْجٍ وَعَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ عَنْ حكام عن عنبسة عن بن أبي نجيح عن مجاهد وطاوس
كمل كتاب الحج بِحَمْدِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الطيبين الطاهرين وسلم تسليما
стр. 1882
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(٢١ك تاب الجهاد)
(١ - بَابُ التَّرْغِيبِ فِي الْجِهَادِ)
٩٢٥ - ذَكَرَ فِيهِ مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ((مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَفْتُرُ (١) مِنْ صَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ حَتَّى يَرْجِعَ))
٩٢٦ - وَعَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ((تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَّا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ وَتَصْدِيقُ كَلِمَاتِهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ يَرُدَّهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ))
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((يَضْمَنُ اللَّهُ لِمَنْ
стр. 1883
خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ إِيمَانًا بِهِ وَتَصْدِيقًا بِرَسُولِهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ يُرْجِعَهُ إِلَى مَنْزِلِهِ نَائِلًا مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ))
قَالَ أَبُو عُمَرَ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ مِنْ حَدِيثَيْ مَالِكٍ الْمَذْكُورَيْنِ
هَذَا مِنْ أَجَلِّ حَدِيثٍ رُوِيَ فِي فَضْلِ الْجِهَادِ لِأَنَّهُ مُثِّلَ بِالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَهُمَا أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ وَجَعَلَ الْمُجَاهِدَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَا يَفْتُرُ عَنْ ذَلِكَ سَاعَةً فَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ شَيْءٍ يَكُونُ صَاحِبُهُ رَاكِبًا وَمَاشِيًا وَرَاقِدًا وَمُتَلَذِّذًا بِكَثِيرٍ - مَا أُبِيحُ لَهُ - مِنْ حَدِيثِ رَفِيقِهِ وَأَكْلِهِ وَشُرْبِهِ وَهُوَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ كَالْمُصَلِّي التَّالِي لِلْقُرْآنِ فِي صِلَاتِهِ الصَّائِمِ الْمُجْتَهِدِ
وَلِذَلِكَ قُلْنَا إِنَّ الْفَضَائِلَ لَا تُدْرَكُ بِقِيَاسٍ وَإِنَّمَا هُوَ تُفَضُّلٌ مِنَ اللَّهِ
قَالَ اللَّهُ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) الصَّفِّ ١٠ ١١ الْآيَاتِ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) الصَّفِّ ١٣
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ اسْتِعْمَالُ الْقِيَاسِ وَالتَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ فِي الْأَحْكَامِ لِأَنَّهُ شَبَّهَ الْمُجَاهِدَ بِالصَّائِمِ الْقَائِمِ
وَفِي الْحَدِيثِ الثَّانِي أَيْضًا فَضْلُ الْجِهَادِ وَأَنَّ الْأَعْمَالَ لَا يَزْكُو مِنْهَا إِلَّا مَا خَلُصَتْ فِيهِ النِّيَّةُ لِلَّهِ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ ((لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَّا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ وَتَصْدِيقُ كَلِمَاتِهِ))
وَفِي حَدِيثِ سُهَيْلٍ ((إِيمَانًا بِهِ وَتَصْدِيقًا بِرَسُولِهِ وَقَوْلُهُ فِيهِ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ يُرِيدُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - مِنْ أَجِرٍ وَغَنِيمَةٍ كَمَا قَالَ اللَّهُ (وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا) النِّسَاءِ ٢٤ يُرِيدُ وَلَا كَفُورًا وَكَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ (مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ) النِّسَاءِ ٣ فَاطِرٍ ١ أَيْ مَثْنَى أَوْ ثَلَاثَ أَوْ رُبَاعَ فَقَدْ تَكُونُ ((أَوْ)) بِمَعْنَى ((الْوَاوِ)) وَتَكُونُ الْوَاوُ بِمَعْنَى ((أَوْ))
وَقَدْ رُوِيَ مَنْصُوصًا مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ بِوَاوِ الْجَمْعِ لَا ((بِأَوْ))
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ عَتِيقٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ قَالَ أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا الْأَوْزَاعِيُّ قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَبِيبٍ عَنْ أبي أمامة الباهلي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 1884
قَالَ ((ثَلَاثَةٌ كُلُّهُمْ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ مَنْ خَرَجَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُ فَيُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ يَرُدَّهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ)) وَذَكَرَ تَمَامَ الْخَبَرِ
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْغَنِيمَةَ لَا تُنْقِصُ مِنْ أَجْرِ الْمُجَاهِدِ شَيْئًا وَأَنَّهُ أَقَرَّ الْأَجْرَ غَنِمَ أَوْ لَمْ يَغْنَمْ وَشَهِدَ لِهَذَا مَا اجْتَمَعَ عَلَى تَقَبُّلِهِ أَهْلُ السِّيَرِ وَالْعِلْمِ بِالْأَثَرِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَرَبَ لِعُثْمَانَ وَطَلْحَةَ وَسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ بِأَسْهُمِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ وَهُمْ غَيْرُ حَاضِرِي الْقِتَالِ فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَأَجْرِي يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ ((وَأَجْرُكَ))
وَأَجْمَعُوا أَنَّ تَحْلِيلَ الْغَنَائِمِ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ وَظَائِفِهَا
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((لَمْ تَحِلَّ الْغَنَائِمُ لِقَوْمٍ سُودِ الرُّؤُوسِ قَبْلَكُمْ))
وَقَالَ ﵇ ((أُعْطِيتُ خمسا لم يعطهن أحد قَبْلِي)) وَذَكَرَ مِنْهَا ((فَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ))
قَالَ أَبُو عُمَرَ وَلَوْ كَانَتْ تُحْبِطُ الْأَجْرَ أَوْ تُنْقِصُهُ مَا كَانَتْ فَضِيلَةً لَهُ
وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ إِنَّ الْغَنِيمَةَ تُنْقِصُ مِنْ أَجْرِ الْغَانِمِينَ لِحَدِيثٍ رَوَوْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ ((مَا مِنْ سَرِيَّةٍ أُسِرَتْ وَأَخْفَقَتْ إِلَّا كُتِبَ لَهَا أَجْرُهَا مَرَّتَيْنِ
стр. 1885
قَالُوا وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَسْكَرَ إِذَا لَمْ يَغْنَمْ كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِهِ وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ قَالَ حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِي هَانِئٍ حُمَيْدِ بْنِ هَانِئٍ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ((مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتُصِيبُ غَنِيمَةً إِلَّا تَعَجَّلُوا ثُلْثَيْ أَجْرِهِمْ مِنَ الْآخِرَةِ وَيَبْقَى لَهُمُ الثُّلُثُ فَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَةً تَمَّ لَهُمْ أَجْرُهُمْ))
وَأَمَّا قَوْلُهُ ﵇ فِي السَّرِيَّةِ أُسِرَتْ فَأَخْفَقَتْ أَنَّ لَهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ فَيَحْتَمِلُ مِثْلَ مَا يَحْتَمِلُ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَكُونَ الْأَجْرُ مُضَاعَفًا لَهَا بِمَا نَالَهَا مِنَ الْخَوْفِ وَعَلَى مَا فَاتَهَا مِنَ الْغَنِيمَةِ كَمَا يُؤْجَرُ مَنْ أُصِيبَ بِمَالِهِ مُضَاعَفًا فَيُؤْجَرُ عَلَى مَا يَتَكَلَّفُهُ مِنَ الْجِهَادِ أَجْرَ الْمُجَاهِدِ وَعَلَى مَا فَاتَهُ مِنَ الْغَنِيمَةِ أَجْرًا آخَرَ كَمَا يُؤْجَرُ عَلَى مَا يَذْهَبُ مِنْ مَالِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ
٩٢٧ - وَذَكَرَ مَالِكٌ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ((الْخَيْلُ لِرَجُلٍ أَجْرٌ (٢) وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ فَأَمَّا الَّذِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَطَالَ لَهَا فِي مَرْجٍ
стр. 1886
أَوْ رَوْضَةٍ فَمَا أَصَابَتْ فِي طِيَلِهَا ذَلِكَ مِنَ الْمَرْجِ أَوِ الرَّوْضَةِ كَانَ لَهُ حَسَنَاتٌ وَلَوْ أَنَّهَا قَطَعَتْ طِيَلَهَا ذَلِكَ فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ كَانَتْ آثَارُهَا وَأَرْوَاثُهَا حَسَنَاتٍ لَهُ وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهَرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَ بِهِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ حَسَنَاتٍ فَهِيَ لَهُ أَجْرٌ وَرَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِيًّا وَتَعَفُّفًا وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا وَلَا فِي ظُهُورِهَا فَهِيَ لِذَلِكَ سِتْرٌ وَرَجُلٌ رَبْطَهَا فَخْرًا وَرِيَاءً وَنِوَاءً لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ فَهِيَ عَلَى ذَلِكَ وِزْرٌ)) وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْحُمُرِ فَقَالَ ((لَمْ يُنْزَلْ عَلَيَّ فِيهَا شَيْءٌ إِلَّا هَذِهِ الْآيَةُ الْجَامِعَةُ (١٢) الْفَاذَّةُ (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)
قَالَ أَبُو عُمَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ الْأَعْيَانَ لَا يُؤْجَرُ الْإِنْسَانُ فِي اكْتِسَابِهَا لِأَعْيَانِهَا وَإِنَّمَا يُؤْجَرُ بِالنِّيَّةِ الْحَسَنَةِ فِي اسْتِعْمَالِ مَا وَرَدَ الشَّرْعُ مِنَ الْفَضْلِ فِي عَمَلِهِ لِأَنَّهَا خَيْلٌ كُلُّهَا وَقَدِ اخْتَلَفَتْ أَحْوَالُ مُكْتَسِبِيهَا لِاخْتِلَافِ النِّيَّاتِ فِيهَا
وَفِيهِ أَنَّ الْحَسَنَاتِ تُكْتَبُ لِلْمَرْءِ إِذَا كَانَ لَهُ فِيهَا سَبَبٌ وَاصِلٌ وَإِنْ لَمْ يُقْصَدْ فَضْلُ الْحَسَنَةِ تَفَضُّلًا مِنَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ حُكْمُ السَّيِّئَاتِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
يَدُلُّكَ عَلَى ذَلِكَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ حَرَكَاتِ الْخَيْلِ وَتَقَلُّبَهَا وَرَعْيَهَا وَرَوَثَهَا فِي سَيِّئَاتِ الْمُفْتَخِرِ بِهَا كَمَا ذَكَرَهَا فِي حَسَنَاتِ الرَّابِطِ الَّذِي رَبَطَهَا أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَوْ قَطَعَتْ حَبْلَهَا نَهَارًا فَأَفْسَدَتْ زَرْعًا أَوْ رَمَحَتْ فَقَتَلَتْ أَوْ جَنَتْ أَنَّ صَاحِبَهَا بَرِيءٌ مِنَ الضَّمَانِ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهَرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَهَا كَانَ ذَلِكَ لَهُ حَسَنَاتٍ
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ ﷺ ((مَنْ كَانَ مُنْتَظِرًا الصلاة فهو في صلاة
стр. 1887
وَقَالَ ﷺ ((انْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ ذَلِكُمُ الرِّبَاطُ)) وَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ لِأَنَّ انْتِظَارَ الصَّلَاةِ سَبَبُ شُهُودِهَا
وَكَذَلِكَ انْتِظَارُ الْعَدُوِّ فِي الْمَوْضِعِ الْمَخُوفِ فِيهِ إِرْصَادٌ لِلْعَدُوِّ وَقُوَّةٌ لِأَهْلِ الْمَوْضِعِ وَعِدَّةٌ لِلِقَاءِ الْعَدُوِّ وَسَبَبٌ لِذَلِكَ كُلِّهِ
وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذِهِ الْمَعَانِيَ فِي ((التَّمْهِيدِ)) بِالشَّوَاهِدِ فَمَنْ أَرَادَ الْوُقُوفَ عَلَيْهَا قَابَلَهَا هُنَاكَ
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ حَجَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((مَا مِنْ صَاحِبِ كَنْزٍ)) فَذَكَرَ الْحَدِيثَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي بَابِ الْكَنْزِ
قَالَ ثُمَّ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْخَيْلِ فَقَالَ ((الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهِيَ لِرَجُلٍ أَجْرٌ وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ وَجَمَالٌ وَعَلَى آخَرَ وِزْرٌ فَأَمَّا الَّذِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ فَهُوَ الَّذِي يَتَّخِذُهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ مَرَّتْ بِمَرْجٍ فَأَكَلَتْ مِنْهُ فَمَا غَيَّبَتْهُ فِي بُطُونِهَا فَهُوَ لَهُ أَجْرٌ وَإِنْ مَرَّتْ بِنَهْرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ فَمَا شَرِبَتْ فِي بُطُونِهَا فَهُوَ لَهُ أَجْرٌ وَإِنِ اسْتَنَّتْ شَرَفًا كَانَ لَهُ أَجْرٌ)) حَتَّى ذَكَرَ أَرْوَاثَهَا وَأَبْوَالَهَا ((وَأَمَّا الَّذِي لَهُ سِتْرٌ وَجَمَالٌ فَرَجُلٌ يَتَّخِذُهَا تَكَرُّمًا وتجملا ولا سيما مِنْ ظَهْرِهَا وَبُطُونِهَا فِي عُسْرِهِ وَيُسْرِهِ وَأَمَّا الَّذِي هِيَ عَلَيْهِ وِزْرٌ فَرَجُلٌ يَتَّخِذُهَا بَذَخًا وَأَشَرًا وَرِيَاءً أَوْ سُمْعَةً))
ثُمَّ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْحُمُرِ فَقَالَ ((مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهَا شَيْءٌ غَيْرَ الْآيَةِ الْفَاذَّةِ الْجَامِعَةِ (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يره) الزَّلْزَلَةِ ٧ ٨
وَأَمَّا قَوْلُهُ فَمَا أَصَابَتْ فِي طِيَلِهَا فالطيل الحبل يطول للدابة وَهُوَ مَكْسُورُ الْأَوَّلِ وَيُقَالُ فِيهِ طِوَلٌ وَطِيَلٌ
стр. 1888
قَالَ طَرَفَةُ
(لَعَمْرُكَ إِنَّ الْمَوْتَ مَا أَخْطَأَ الفتى ... لكالطيل الْمُرْخَا وَثِنْيَاهُ بِالْيَدِ)
وَقَدْ أَتَيْنَا مِنَ الشَّوَاهِدِ عَلَى الطِّيَلِ بِكَثِيرٍ مِنَ الشِّعْرِ فِي ((التَّمْهِيدِ)) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ فَإِنَّ الْاسْتِنَانَ أَنْ يَلِجَ الْفَرَسُ فِي عَدْوِهِ فِي إِقْبَالِهِ وَإِدْبَارِهِ
يُقَالُ مِنْهُ جَاءَتِ الْإِبِلُ سَنَنًا أَيْ تَسْتَنُّ فِي عَدْوِهَا وَتُسْرِعُ
وَمِنْهُ الْمَثَلُ الْقَائِلُ ((اسْتَنَّتِ الْفِصَالُ حَتَّى الْقَرْعَا)) تُضْرَبُ لِلرَّجُلِ الضَّعِيفِ يَرَى الْجُلَدَاءَ يَفْعَلُونَ شَيْئًا فَيَفْعَلُ مِثْلَهُ
قَالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ
(فَبَلَغْنَا صُنْعَهُ حَتَّى نَشَا ... فَارِهَ الْبَالِ لَجُوجًا فِي السَّنَنِ)
فَارِهَ الْبَالِ أَيْ نَاعِمَ الْبَالِ
وَقَالَ أَعْشَى هَمْدَانَ
(لَا تَأْسَيَنَّ عَلَى شَيْءٍ فَكُلُّ فَتًى ... إِلَى مَنِيَّتِهِ يُسَنَّنُ فِي عُنْفِ)
وَمِنْهَا شَوَاهِدُ غَيْرُهَا قَدْ ذَكَرْنَا أَكْثَرَهَا فِي ((التَّمْهِيدِ))
وَالشَّرَفُ وَالشَّرَفَانِ الْكُدْيَةُ وَالْكُدْيَتَانِ وَالْجَبَلُ الصَّغِيرُ الْمُعْتَدِلُ وَالْجَبَلَانِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَغَنِّيًا فَيُرِيدُ اسْتِغْنَاءً يُقَالُ فِيهِ تَغَنَّيْتُ تَغَنِّيًا وَتَغَانَيْتُ تَغَانِيًا وَاسْتَغْنَيْتُ اسْتِغْنَاءً وَشَوَاهِدُهُ بِالشِّعْرِ فِي ((التَّمْهِيدِ))
وَأَمَّا قَوْلُهُ وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا وَلَا ظُهُورِهَا فَلِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ
أَحَدُهَا حُسْنُ مَلَكَتِهَا وَالْإِحْسَانُ إِلَيْهَا وَرُكُوبُهَا غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهَا وَخَصَّ الرِّقَابَ وَالظُّهُورَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ قَدْ تُسْتَعَارُ الرِّقَابُ فِي مَوْضِعِ الْحُقُوقِ اللَّازِمَةِ وَالْفُرُوضِ
стр. 1889
الْوَاجِبَةِ وَفِي مُعْظَمِ الشَّيْءِ كَمَا قَالَ اللَّهُ (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) النِّسَاءِ ٩٢ يُرِيدُ الْإِنْسَانَ كُلَّهُ
وَكَمَا قَالَ كُثَيِّرٌ
(غَمْرُ الرِّدَاءِ إِذَا تَبَسَّمَ ضَاحِكًا ... غَلِقَتْ لِضَحْكَتِهِ رِقَابُ الْمَالِ)
وَقَدْ يَجْعَلُونَ الْعُنُقَ فِي مِثْلِ هَذَا كَالرَّقَبَةِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ ((فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ))
قَالَ هَذَا لَمْ يُوجِبْ عَلَى مَالِكِ الْخَيْلِ فِيهَا شَيْئًا يَجِبُ عَلَيْهِ إِخْرَاجُهُ لِعُمْرِهِ مِنْ مِسْكِينٍ أَوْ فَقِيرٍ أَوْ قَرِيبٍ أَوْ غَيْرِهِمْ
وَهَذَا مَذْهَبُ مَنْ لَا يَرَى فِي الْأَمْوَالِ حَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ وَهُمْ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ
وَمِنْ حُجَّتِهِمْ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ((إِذَا أَدَّيْتَ زَكَاةَ مَالِكَ فَقَدْ قَضَيْتَ ما عليك))
وقال بن عَبَّاسٍ مَنْ أَدَّى زَكَاةَ مَالِهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَلَّا يَتَصَدَّقَ
وَقَدْ ذَكَرْنَا إِسْنَادَ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ فِي ((التَّمْهِيدِ)) وَذَكَرْنَا فِي بَابِ الْكَنْزِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ فِي هَذَا الْمَعْنَى مَا هُوَ الشِّفَاءُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
وَقَدْ تَأَوَّلَ مَنْ قَالَ بِهَذَا فِي قَوْلِ اللَّهِ و (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ) الْمَعَارِجِ ٢٤ أَنَّهُ الزَّكَاةُ كَمَا قَالَ (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) الْأَنْعَامِ ١٤١
وَقَالَ آخَرُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ ((وَلَا يَنْسَى حَقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا وَلَا ظُهُورِهَا)) إِطْرَاقُ فَحْلِهَا وَإِفْقَارُ ظَهْرِهَا وَحَمْلٌ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
وإلى هذا ونحوه ذهب بن نَافِعٍ فِيمَا أَحْسَبُ لِأَنَّ يَحْيَى بْنَ يَحْيَى سأله عن
стр. 1890
ذلك فقال يريد أن لا يَنْسَى يَتَصَدَّقُ لِلَّهِ تَعَالَى بِبَعْضِ مَا يَكْسِبُهُ عَلَيْهَا
وَهَذَا مَذْهَبُ مَنْ قَالَ فِي الْمَالِ حُقُوقٌ سِوَى الزَّكَاةِ لِقَوْلِ اللَّهِ و (فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) الْمَعَارِجِ ٢٤ ٢٥ وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ الشَّعْبِيُّ وَمُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ عَنْهُ بِذَلِكَ فِي ((التَّمْهِيدِ))
وَذَكَرَ بن أبي شيبة عن بن عُلَيَّةَ عَنْ أَبِي حَيَّانَ قَالَ حَدَّثَنِي مُزَاحِمُ بْنُ زُفَرَ قَالَ كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ عَطَاءٍ فَجَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ إِنَّ لِي إِبِلًا فَهَلْ عَلَيَّ فِيهَا حَقٌّ بَعْدَ الصَّدَقَةِ قَالَ نَعَمْ
وَحُجَّةُ هَؤُلَاءِ حَدِيثُ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ قَالَ قلت يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا خَيْرُ الْمَالِ قَالَ ((نِعْمَ الْمَالُ الْأَرْبَعُونَ وَالْأَكْثَرُ السِّتُّونَ وَوَيْلٌ لِأَصْحَابِ الْمِئِينَ إِلَّا مَنْ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ فِي رِسْلِهَا وَنَجْدَتِهَا وَأَفْقَرَ ظَهْرَهَا وَأَطْرَقَ فَحْلَهَا وَمَنَحَ غَزِيرَتَهَا وَنَحَرَ سَمِينَهَا فَأَطْعَمَ الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ وَذَكَرَ تَمَامَهَا
وَقَدْ ذَكَرْنَا تَمَامَ الْخَبَرِ فِي ((التَّمْهِيدِ))
وَقَالَ آخَرُونَ ((وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا وَلَا ظُهُورِهَا)) الزَّكَاةُ الْوَاجِبَةُ لِلَّهِ تَعَالَى فِيهَا
وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ أَوْجَبَ الزَّكَاةَ فِي الْخَيْلِ إِلَّا أَبَا حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ أَوْجَبَ الزَّكَاةَ فِيهَا إِذَا كَانَتِ الْخَيْلُ سَائِمَةً ذُكُورًا وَإِنَاثًا يُطْلَبُ فَسْلُهَا
وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِمَا فِيهَا لِلْعُلَمَاءِ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ ((فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا وَرِيَاءً وَنِوَاءً لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ)) فَالْفَخْرُ وَالرِّيَاءُ مَعْرُوفَانِ
وَأَمَّا النِّوَاءُ فَمَصْدَرُ نَاوَأْتُ الْعَدُوَّ مُنَاوَأَةً وَنِوَاءً أَوْ هِيَ الْمُنَاوَأَةُ
قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ أَصْلُهُ مِنْ نَاءَ إِلَيْكَ وَنُؤْتَ إِلَيْهِ أَيْ نَهَضَ إِلَيْكَ وَنَهَضْتَ إِلَيْهِ
قَالَ بِشْرُ بْنُ أَبِي خَازِمٍ
(بَلَّتْ قُتَيْبَةُ فِي النِّوَاءِ بِفَارِسٍ ... لَا طَائِشٍ رَعِشٍ وَلَا وَقَّافِ
стр. 1891
وَقَالَ أَعْشَى بَاهِلَةَ
(أَمَا يُصِبْكَ عَدُوٌّ فِي مُنَاوَأَةٍ ... يَوْمًا فَقَدْ كُنْتَ تَسْتَعْلِي وَتَنْتَصِرُ) وَقَالَ أَوْسُ بْنُ حُجْرٍ
(إِذَا أَنْتَ نَاوَأْتَ الرِّجَالَ ولم تنوء ... بِقَرْنَيْنِ غَرَّتْكَ الْقُرُونُ الْكَوَامِلُ)
(وَلَا يَسْتَوِي قَرْنُ النِّطَاحِ الَّذِي بِهِ ... تَنُوءُ وَقَرْنٌ كُلَّمَا نُؤْتَ مَائِلُ)
وَأَمَّا قَوْلُهُ الْآيَةُ الْجَامِعَةُ الْفَاذَّةُ فَالْفَاذُّ هُوَ الشَّاذُّ وَيُقَالُ فَاذَّةٌ وَفَذَّةٌ وَفَاذٌّ وَفَذٌّ وَمِنْهُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ((صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ))
وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهَا مُنْفَرِدَةٌ فِي عُمُومِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ لَا آيَةَ أَعَمُّ مِنْهَا
وَقَدْ زِدْنَا هَذَا الْمَعْنَى بَيَانًا فِي ((التَّمْهِيدِ))
وَقَوْلُهُ فِي الْحُمُرِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِثْلُ قَوْلِهِ ﵇ ((فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ))
وَكَانَ الْحُمَيْدِيُّ ﵀ يَقُولُ إِذَا نَحَرْتَ حِمَارًا فَانْظُرْ كَيْفَ تَنْحَرُهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّا الْخَيْلُ فَقَدْ جَاءَ فِيهَا مَا جَاءَ وَسَيَأْتِي فِي هَذَا الْمَعْنَى زِيَادَةٌ عِنْدَ قَوْلِهِ عُوتِبْتُ اللَّيْلَةَ فِي الْخَيْلِ
وَرَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رُئِيَ صباحا وهو يمسح فَرَسِهِ بِرِدَائِهِ وَقَالَ ((إِنَّ جِبْرِيلَ عَاتَبَنِي اللَّيْلَةَ فِي الْخَيْلِ))
أَخْبَرَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ حَدَّثَنَا الخشني قال حدثنا بْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ فَذَكَرَهُ
стр. 1892
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ عَلَى أَنَّ كَلَامَهُ ذَلِكَ فِي الْخَيْلِ كَانَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْحُمُرِ ((لَمْ يُنْزَلْ عَلَيَّ فِيهَا شَيْءٌ إِلَّا الْآيَةُ الْجَامِعَةُ الْفَاذَّةُ))
فَكَأَنَّ قَوْلَهُ فِي الْخَيْلِ كَانَ بِوَحْيٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ ((إِنِّي عُوتِبْتُ اللَّيْلَةَ فِي الْخَيْلِ)) !
وَرَوَى زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ قَالَ حَدَّثَنَا رَجَاءُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى قَالَ سَمِعْتُ عَجْلَانَ بْنَ سَهْلٍ الْبَاهِلِيَّ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ يَقُولُ مَنِ ارْتَبَطَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَمْ يَرْتَبِطْهُ رِيَاءً وَلَا سُمْعَةً كَانَ مِنَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً
وَأَمَّا حَدِيثُهُ فِي هَذَا الْبَابِ
٩٢٨ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النَّاسِ مَنْزِلًا رَجُلٌ آخِذٌ بِعِنَانِ فَرَسِهِ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النَّاسِ مَنْزِلًا بَعْدَهُ رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ فِي غُنَيْمَتِهِ يُقِيمُ الصَّلَاةَ ويؤتي الزكاه ويعبد الله لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا))
فَقَدْ ذَكَرْنَا فِي ((التَّمْهِيدِ)) مَنْ وَصَلَهُ وَذَكَرْنَا طُرُقَهُ وَذَكَرْنَا فِي فَضْلِ العزلة هناك وما فِيهِ شِفَاءٌ فِي مَعْنَاهُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا شبابة عن بن أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي ذئب عن عطاء بن يسار عن بن عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ جُلُوسٌ فَقَالَ ((أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النَّاسِ مَنْزِلًا قُلْنَا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ ((رَجُلٌ مُمْسِكٌ بِرَأْسِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى يُقْتَلَ أَوْ يَمُوتَ أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالَّذِي يَلِيهِ قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ فِي شِعْبٍ يُقِيمُ الصَّلَاةَ وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ وَيَعْتَزِلُ شَرَّ النَّاسِ
стр. 1893
٩٢٩ - مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عُبَادَةُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ والطاعة في اليسر والعسر والمنشط والمكره وأن لا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ وَأَنْ نَقُولَ أَوْ نَقُومَ بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ
قَدْ ذَكَرْنَا الِاخْتِلَافَ عَلَى يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي ((التَّمْهِيدِ))
وَأَصَحُّ شَيْءٍ فِيهِ مَا قَالَهُ مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ
وَهَذِهِ الْبَيْعَةُ لَمْ تَكُنْ بَيْعَةَ الْعَقَبَةِ وَإِنَّمَا كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ عَلَى الْحَرْبِ
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي ((التَّمْهِيدِ)) الشَّوَاهِدَ بِذَلِكَ
مِنْهَا مَا حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ قال سلمة عن بن إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنِي عُبَادَةُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَكَانَ أَحَدَ النُّقَبَاءِ قَالَ بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَيْعَةَ الْحَرْبِ - وَكَانَ عُبَادَةُ مِنَ الِاثْنَيْ عَشَرَ الَّذِينَ بَايَعُوا بَيْعَةَ الْعَقَبَةِ الْأُولَى عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي عُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَمَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا وَأَلَّا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ وَأَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ الْحَدِيثَ مَعْنَاهُ فِيمَا اسْتَطَاعُوا
وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ حَدِيثُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ بْنَ عُمَرَ قَالَ كُنَّا إِذَا بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ يَقُولُ لَنَا ((فِيمَا اسْتَطَعْتُمْ))
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ فَمَعْنَاهُ فِيمَا نَقْدِرُ عَلَيْهِ شَقَّ عَلَيْنَا أَوْ يَسُرَ بِنَا وَفِيمَا نُحِبُّهُ وَنَنْشَطُ إِلَيْهِ وَفِيمَا نَكْرَهُهُ وَيَثْقُلُ عَلَيْنَا
стр. 1894
وَفِي حَدِيثُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عن بْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ ((عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أحب أو أكره))
وَهُدَى اللَّهِ عَلَى مَا يَحِلُّ فِي دِينِ اللَّهِ وَمَا أَبَاحَتْهُ الشَّرِيعَةُ فَهُوَ الْمَعْرُوفُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِهِ ((لَا طَاعَةَ إِلَّا فِي مَعْرُوفٍ))
وَلَمَّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَأْمُرُ إِلَّا بِالْمَعْرُوفِ أَطْلَقَ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ فِي الْمَنْشَطِ وَالْمَكْرِهِ ثُمَّ قَيَّدَ ذَلِكَ لِمَنْ جَاءَ بَعْدَهُ بِأَنْ قَالَ ((إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ))
وَلِهَذَا يَشْهَدُ الْمُحْكَمُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) الْمَائِدَةِ ٢
وَقَدْ قَالَ خُضَيْرٌ السُّلَمِيُّ لِعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَقَدْ حَدَّثَهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَرَأَيْتَ إِنْ أَطَعْتُ أَمِيرِي فِي كُلِّ مَا يَأْمُرُنِي بِهِ قَالَ يُؤْخَذُ بِقَوَائِمِكَ فَتُلْقَى فِي النَّارِ وَلْيَجِئْ هَذَا فَيُنْقِذُكَ
وَقَالَ عَلَيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ حَقٌّ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَأَنْ يُؤَدِّيَ الأمانة فإذا فعل ذلك كان حَقًّا عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَسْمَعُوا وَيُطِيعُوا
حَدَّثَنَا سَعِيدٌ وَعَبْدُ الْوَارِثِ قَالَا حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ سعد بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ ((إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ)) فِي حَدِيثٍ ذَكَرَهُ
قَالَ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ حَدَّثَنَا بَكْرٌ قَالَ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ أخبرني نافع عن بْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ ((السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ
стр. 1895
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ وَهِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَالْحَكَمِ الْغِفَارِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ ((لَا طَاعَةَ لِبَشَرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ))
وَأَمَّا قَوْلُهُ أَلَّا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ فَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ الْقَائِلُونَ مِنْهُمْ أَهْلُهُ أَهْلُ الْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَالْفَضْلِ وَالدِّينِ مَعَ الْقُوَّةِ عَلَى الْقِيَامِ بِذَلِكَ فَهَؤُلَاءِ لَا يُنَازَعُونَ لِأَنَّهُمْ أَهْلُهُ وَأَمَّا أَهْلُ الْجَوْرِ وَالْفِسْقِ وَالظُّلْمِ فَلَيْسُوا بِأَهْلٍ لَهُ
وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ لِإِبْرَاهِيمَ (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدَيِ الظَّالِمِينَ) الْبَقَرَةِ ١٢٤
ذَهَبَ إِلَى هَذَا طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ وَاتَّبَعَهُمْ بِذَلِكَ خَلَفٌ مِنَ الْفُضَلَاءِ وَالْقُرَّاءِ وَالْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْعِرَاقِ
وَبِهَذَا خرج بن الزُّبَيْرِ وَالْحُسَيْنُ عَلَى يَزِيدَ وَخَرَجَ خِيَارُ أَهْلِ العراق وعلمائهم عَلَى الْحَجَّاجِ وَلِهَذَا أَخْرَجَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ بَنِي أُمَيَّةَ عَنْهُمْ وَقَامُوا عَلَيْهِمْ فَكَانَتِ الْحَرَّةُ
وَبِهَذِهِ اللَّفْظَةِ وَمَا كَانَ مِثْلَهَا فِي مَعْنَاهَا مَذْهَبٌ تَعَلَّقَتْ بِهِ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ جَمَاعَةِ الْخَوَارِجِ
وَأَمَّا جَمَاعَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَأَئِمَّتُهُمْ فَقَالُوا هَذَا هُوَ الِاخْتِيَارُ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ فَاضِلًا عَالِمًا عَدْلًا مُحْسِنًا قَوِيًّا عَلَى الْقِيَامِ كَمَا يَلْزَمُهُ فِي الْإِمَامَةِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالصَّبْرُ عَلَى طَاعَةِ الْإِمَامِ الْجَائِرِ أَولَى مِنَ الْخُرُوجِ عَلَيْهِ لِأَنَّ فِي مُنَازَعَتِهِ وَالْخُرُوجِ عَلَيْهِ اسْتِبْدَالَ الْأَمْنِ بِالْخَوْفِ وَإِرَاقَةَ الدِّمَاءِ وَانْطِلَاقَ أَيْدِي الدَّهْمَاءِ وَتَبْيِيتَ الْغَارَاتِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَالْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ وَهَذَا أَعْظَمُ مِنَ الصَّبْرِ عَلَى جَوْرِ الجائر
روى عبد الرحمن بن هدي عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قال قال بن عُمَرَ حِينَ بُويِعَ لِيَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ إِنْ كَانَ خَيْرٌ رَضِينَا وَإِنْ كَانَ بَلَاءٌ صَبَرْنَا
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي ((التَّمْهِيدِ)) آثَارًا كَثِيرَةً تَشْهَدُ لِهَذَا الْمَعْنَى وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
следующие страницы →