Полный текст (4 158 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
وَعَهِدَ إِلَى أُمَرَائِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِذَا دَخَلُوا مكة أن لا يُقَاتِلُوا إِلَّا مَنْ قَاتَلَهُمْ إِلَّا نَفَرًا سَمَّاهُمْ فَنَهَضَ بِهَذَا الْأَمَانِ إِلَى مَكَّةَ أَبُو سُفْيَانَ وَنَادَى بِهِ
فَهَذَا الْأَمَانُ قَدْ حَصَلَ لِأَهْلِ مَكَّةَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بمر الظهران فأين العنوة ها هنا مَعَ الْأَمَانِ الْحَاقِنِ لِلدَّمِ وَالْمَالِ لِأَنَّ الْمَالَ تَبَعٌ لِلنَّفْسِ
ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ وَطَافَ بِهَا ثُمَّ خَطَبَ خُطْبَةً مَحْفُوظَةً أَسْقَطَ فِيهَا كُلَّ دَمٍ ومأثرة ونهى عن تعظيم الآباء والتفاخر بهم وقال ((كلكم بنو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ ((يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! مَا تَرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ بِكُمْ)) قالوا خير أخ كريم وبن أَخٍ كَرِيمٍ قَالَ ((اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ)) ثُمَّ جَلَسَ حِينًا فِي الْمَسْجِدِ فَقَضَى أُمُورًا مَذْكُورَةً فِي السِّيَرِ
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدم حدثنا بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ عَبِيدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عن بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاءَهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بِأَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ فَأَسْلَمَ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ يُحِبُّ الْفَخْرَ فَلَوْ جَعَلْتَ لَهُ شَيْئًا فَقَالَ ((نَعَمْ مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ))
قَالَ أَبُو دَاوُدَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الرَّازِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ عَنِ بن عَبَّاسٍ قَالَ لَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَرَّ الظَّهْرَانِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي خَبَرِ إِسْلَامِ أَبِي سُفْيَانَ وَمَجِيءِ الْعَبَّاسِ بِهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلَى نَحْوِ مَا فِي السِّيَرِ
وَفِي آخِرِ الْحَدِيثِ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ يُحِبُّ الْفَخْرَ فَاجْعَلْ لَهُ شَيْئًا قَالَ ((نَعَمْ مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ دَارَهُ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ))
قَالَ فَتَفَرَّقَ النَّاسُ إِلَى دُورِهِمْ وَإِلَى الْمَسْجِدِ
قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَحَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا سَلَامُ بْنُ مِسْكِينٍ قَالَ حَدَّثَنَا ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِي هريرة أن رسول الله لَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ سَرَّحَ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ وَأَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ وَخَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ عَلَى الْخَيْلِ ثُمَّ قَالَ ((يَا أَبَا هُرَيْرَةَ اهْتِفْ بِالْأَنْصَارِ)) قَالَ ((اسْلُكُوا هَذَا الطَّرِيقَ فَلَا يُشْرِفَنَّ لَكُمْ أَحَدٌ
стр. 2032
إِلَّا أَمَّنْتُمُوهُ)) فَنَادَى مُنَادٍ لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((مَنْ دَخَلَ دَارَهُ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ)) فَعَمَدَ صَنَادِيدُ قُرَيْشٍ فَدَخَلُوا الْكَعْبَةَ فَغَصَّ بِهِمْ وَطَافَ النَّبِيُّ ﷺ وصلى خَلْفَ الْمَقَامِ ثُمَّ أَخَذَ بِجَنْبَتَيِّ الْبَابِ فَخَرَجُوا فَبَايَعُوا النَّبِيَّ ﵇ عَلَى الْإِسْلَامِ
قَالَ أَبُو دَاوُدَ سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ سَأَلَهُ رَجُلٌ قَالَ مَكَّةُ عَنْوَةٌ هِيَ قَالَ إِيشِ يَضُرُّكَ مَا كَانَتْ! قَالَ فَصُلْحٌ قَالَ لَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ شَرَعَ الطَّائِفَتَانِ مَنْ قَالَ إِنَّ مَكَّةَ دُخِلَتْ عَنْوَةً لِأَمْرِهِ الزُّبَيْرَ وَأَبَا عُبَيْدَةَ وَخَالِدًا بِقَتْلِ قُرَيْشٍ بَعْدَ دُخُولِ مَكَّةَ وَمَنْ شَرَعَ مَنْ قَالَ لَمْ يَدْخُلْ عَنْوَةً لِأَنَّ فِيهِ النِّدَاءَ بِالْأَمَانِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ
وَلَمْ تَخْتَلِفِ الْآثَارُ وَلَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَّنَ أَهْلَ مَكَّةَ كُلَّ مَنْ دَخَلَ دَارَهُ أَوِ الْمَسْجِدَ أَوْ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ أَوْ أَلْقَى السِّلَاحَ
وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْآثَارُ فِي وَقْتِ الْأَمَانِ
فَمَنْ قَالَ إِنَّ ذَلِكَ كَانَ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ كَانَ أَصَحَّ وَأَوْلَى مِمَّنْ قَالَ إِنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ دُخُولِهِ مَكَّةَ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ شَهِدَ ما في حديث بن عَبَّاسٍ مِنْ تَأْمِينِ أَهْلِ مَكَّةَ فِي حِينِ إِسْلَامِ أَبِي سُفْيَانَ فَقَدْ شَهِدَ بِزِيَادَةٍ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ لِأَنَّ مَنْ تَقَدَّمَ أَمَانُهُ لَا يُنْكَرُ أَنْ يُعَادَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ بِذَلِكَ عِنْدَ دُخُولِهِ مَكَّةَ
وَمَعْنَى إِرْسَالِهِ الزُّبَيْرَ وَأَبَا عُبَيْدَةَ وَخَالِدًا قَدْ ظَهَرَ فِي الحديث الآخر لأنه أمر أمراءه أن لا يُقَاتِلُوا إِلَّا مَنْ قَاتَلَهُمْ إِلَّا مَنِ اسْتَثْنَى لَهُمْ فَهَذَا تَهْذِيبُ الْأَمَانِ فِي ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَعَلَى هَذَا تَتَّفِقُ مَعَانِيهَا فِي أَنَّ مَكَّةَ بَلْدَةٌ مُؤْمِنَةٌ وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ أَقْوَامٍ لَهُ لِعِشْرَةٍ وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الصُّلْحِ إِلَّا أَنْ يَحْصُلَ أَمْرُهَا كَانَ لِأَنَّهَا صَالَحَتْ لِمِلْكِ أَهْلِهَا أَنْفُسَهُمْ وَذَرَّارِيهِمْ وأموالهم
وهذا أشبه بحكم الصلح منه بحكم الْعَنْوَةِ
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَقِيلِ بْنِ مَعْقِلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ سَأَلْتُ جَابِرًا هَلْ غَنِمُوا يَوْمَ الْفَتْحِ شَيْئًا قَالَ لَا
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْحَرْبِيِّ الْمُسْتَأْمَنِ يُسْلِمُ وَلَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ مَالٌ وعقار
стр. 2033
فَقَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمْ إِذَا أَتَى الْحَرْبِيُّ طَالِبًا لِلْأَمَانِ فَأَعْطَاهُ ذَلِكَ الْإِمَامُ وَلَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَمْوَالٌ وَدُورٌ وَامْرَأَةٌ حَامِلٌ وَأَوْلَادٌ صِغَارٌ وَكِبَارٌ فَأَسْلَمَ ثُمَّ ظَفِرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تِلْكَ الدَّارِ إِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ إِذَا أَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ فِي بَلَدِهِ ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْنَا مُسْلِمًا فَإِنَّ أَوْلَادَهُ الصِّغَارَ أَحْرَارٌ وَمُسْلِمُونَ وَمَا أَوْدَعَهُ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا فَهُوَ لَهُ وَمَا أَوْدَعَهُ حَرْبِيٌّ وَسَائِرُ مَالِهِ هُنَاكَ فَيْءٌ فَرَّقُوا بَيْنَ إِسْلَامِهِ قَبْلَ خُرُوجِهِ وَبَيْنَ إِسْلَامِهِ بَعْدَ خُرُوجِهِ لِاخْتِلَافِ حُكْمِ الدَّارِ عِنْدَهُ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ مَنْ خَرَجَ إِلَيْنَا مِنْهُمْ مُسْلِمًا أَحْرَزَ مَالَهُ حَيْثُ كَانَ وَصِغَارَ وَلَدِهِ
وَهُوَ قَوْلُ الطَّبَرِيِّ
وَلَمْ يُفَرِّقْ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ بَيْنَ إِسْلَامِهِ فِي دَارِ الْكُفْرِ أَوْ دَارِ الْإِسْلَامِ
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ يُرَدُّ إِلَيْهِ أَهْلُهُ وَعِيَالُهُ وَذَلِكَ فَيْءٌ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مِلْكٍ فِي الدَّارَيْنِ
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي بَيْعِ أَرْضِ مَكَّةَ وَكِرَائِهَا وَدُورِهَا
فَكَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ بُيُوتَ مَكَّةَ وَقَالَ كَانَ عُمَرُ يَنْزِعُ أَبْوَابَ مَكَّةَ
وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَرَى بَأْسًا بِبَيْعِ بِنَاءِ بُيُوتِ مَكَّةَ وَكَرِهَ بَيْعَ أَرْضِهَا وَكَرِهَ كِرَاءَ بُيُوتِهَا فِي الْمَوْسِمِ وَمِنَ الرَّجُلِ يَعْتَمِرُ ثُمَّ يَرْجِعُ
فَأَمَّا الْمُعْتَمِرُ فَلَا يَرَى بِأَخْذِ الْكِرَاءِ مِنْهُ بَأْسًا
قَالَ مُحَمَّدٌ وَبِهِ نَأْخُذُ
قَالَ الشَّافِعِيُّ أَرْضُ مَكَّةَ وَبُيُوتُهَا وَدِيَارُهَا لِأَرْبَابِهَا مَا بَيْنَ بَيْعِهَا وكرائها
وهو قول طاوس وعمل بن الزُّبَيْرِ
وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِحَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْزِلُ دَارَكَ بِمَكَّةَ فَقَالَ ((وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ وَكَانَ قَدْ بَاعَهَا فَأَضَافَ الْمِلْكَ إِلَيْهِ وَإِلَى مَنِ ابْتَاعَهَا مِنْهُ وَقَدْ أَضَافَ اللَّهُ الدِّيَارَ إِلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ (الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ) الْحَشْرِ ٨
وَقَالَ (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ) الْحَجِّ ٤٠
وَكَرِهَ عَطَاءٌ كِرَاءَ بُيُوتِ مَكَّةَ
وَقَالَ إِسْحَاقُ بَيْعُ دُورِ مَكَّةَ وَشِرَاؤُهَا وَإِجَارَتُهَا مَكْرُوهَةٌ ثُمَّ قَالَ شِرَاؤُهَا وَاسْتِئْجَارُهَا أَهْوَنُ مِنْ بَيْعِهَا وَإِجَارَتِهَا
стр. 2034
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا ضَعِيفٌ مِنَ الْقَوْلِ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ وَالْبَائِعَ مُتَبَايِعَانِ فَمَا كَرِهَ الْبَائِعُ يَنْبَغِي أَنْ يَكْرَهَ الْمُشْتَرِي وَهَذَا نَحْوُ مَنْ كَرِهَ بَيْعَ الْمُصْحَفِ وَأَجَازَ شِرَاءَهُ
وَقَدْ كُرِهَ في هذا الباب حديث من حديث بن عُمَرَ لَا يَصِحُّ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قال ((لا يحل بيع بيوت مكة وَلَا إِجَارَتُهَا))
وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يُعْجِبُهُ أَنْ يَتَوَقَّى الْكِرَاءَ فِي الْمَوْسِمِ وَلَا يَرَى بِالشِّرَاءِ بَأْسًا
قَالَ وَقَدِ اشْتَرَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ دَارَ السِّجْنِ بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ تَبَايُعُ أَهْلِ مَكَّةَ لِدِيَارِهِمْ قَدِيمًا وَحَدِيثًا أَشْهَرُ وَأَظْهَرُ مِنْ أَنْ يُحْتَاجَ فِيهِ إِلَى ذِكْرٍ
وَقَدْ ذَكَرَ كَثِيرًا مِنْ ذَلِكَ الْهُجَيْنِيُّ وَالْخُزَاعِيُّ وَغَيْرُهُمَا فِي ((أَخْبَارِ مَكَّةَ)) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
(٢١ - بَابُ الدَّفْنِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ مِنْ ضَرُورَةٍ وَإِنْفَاذِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ عِدَةُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ وَفَاتِهِ)
٩٧٤ - ذَكَرَ فِيهِ مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَمْرَو بن الجموح وعبد الله بن عمرو الأنصاريين ثُمَّ السَّلَمِيَّيْنِ كَانَا قَدْ حَفَرَ السَّيْلُ قَبْرَهُمَا وَكَانَ قَبْرُهُمَا مِمَّا يَلِي السَّيْلَ وَكَانَا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ وَهَمَّا مِمَّنِ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ فَحُفِرَ عَنْهُمَا لِيُغَيَّرَا مِنْ مَكَانِهِمَا فَوُجِدَا لَمْ يَتَغَيَّرَا كَأَنَّهُمَا مَاتَا بِالْأَمْسِ وَكَانَ أَحَدُهُمَا قَدْ جُرِحَ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى جُرْحِهِ فَدُفِنَ وَهُوَ كَذَلِكَ فَأُمِيطَتْ يَدُهُ عَنْ جُرْحِهِ ثُمَّ أُرْسِلَتْ فَرَجَعَتْ كَمَا كَانَتْ وَكَانَ بَيْنَ أُحُدٍ وَبَيْنَ يَوْمِ حُفِرَ عَنْهُمَا سِتٌّ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً
قَالَ مَالِكٌ لَا بَأْسَ أَنْ يُدْفَنَ الرَّجُلَانِ وَالثَّلَاثَةُ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ مِنْ ضَرُورَةٍ وَيُجْعَلُ الْأَكْبَرُ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَكَذَا هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْمُوَطَّأِ لَمْ يَخْتَلِفِ الرُّوَاةُ فِيهِ وَهُوَ مُتَّصِلٌ مَعْنَاهُ مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ
стр. 2035
وَأَمَّا عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ فَهُوَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامٍ
وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو فَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ وَكِلَاهُمَا مِنْ بَنِي سَلَمَةَ من الأنصار وقد ذكرت نسبها فِي كِتَابِ ((الصَّحَابَةِ)) فَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ السِّيَرِ وَالْآثَارِ وَالْعِلْمِ بِالْخَبَرِ أَنَّهُمَا قُتِلَا يَوْمَ أُحُدٍ وَأَنَّهُمَا دُفِنَا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ وَكَانَا صِهْرَيْنِ
وَكَانَتِ السِّيرَةُ بِاتِّفَاقٍ مِنَ الْآثَارِ وَالْعُلَمَاءِ بالسير وَالْأَخْبَارِ فِي قَتْلَى أُحُدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْحَفْرُ كَكُلِّ إِنْسَانٍ وَكَانُوا قَدْ مَسَّهُمِ الْقَرْحُ قَالَ لَهُمْ ((احْفُرُوا وَأَعْمِقُوا وَوَسِّعُوا وَادْفِنُوا وَادْفِنُوا الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ وَقَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا))
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْآثَارَ بِذَلِكَ فِي ((التَّمْهِيدِ))
وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ دَفْنَ الرَّجُلَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي قَبْرٍ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ كَمَا قَالَ مَالِكٌ وَإِلَّا فَالسُّنَّةُ الْمَنْقُولَةُ بِنَقْلِ الْكَافَّةِ أَنْ يُدْفَنَ كُلُّ وَاحِدٍ فِي قَبْرٍ فَإِنْ كَانَتْ ضَرُورَةٌ كَانَتْ فِي أَهْلِ أُحُدٍ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فَإِنْ قُدِّمَ فِي الْقَبْرِ إِلَى الْقِبْلَةِ الْأَكْبَرُ فَلَا حَرَجَ وَإِنَّ قُدِّمَ الْأَكْثَرُ قُرْآنًا فَحَسَنٌ وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ مِنْ إِمَامَتِهِ فِي الصَّلَاةِ وَقَدْ أَوْضَحْنَا ذَلِكَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ
وَفِيهِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى تَعْلِيمِ السِّيَرِ وَالْخَبَرِ وَالْوُقُوفِ عَلَى آثَارِ مَنْ مَضَى
وَفِيهِ لَا بَأْسَ بِاسْتِخْرَاجِ الْمَوْتَى مِنْ قُبُورِهِمْ إِنْ وُجِدَ إِلَى ذَلِكَ ضَرُورَةٌ فَأُرِيدَ بِهِ الْخَيْرُ وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ فِي بَابِ شَيْءٍ مِنْ نَبْشٍ
وَفِيهِ أَنَّ الشُّهَدَاءَ لَا تَأْكُلُ الْأَرْضُ لُحُومَهُمْ وَمُمْكِنٌ أَنْ يَكُونَ فِي قَتْلَى أُحُدٍ خَاصَّةً إِلَّا أَنَّهُ قَدْ وَرَدَتْ آثَارٌ تُوجِبُ دُخُولَ غَيْرِهِمْ مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ وَقَدْ تُدَّعَى الْمُشَاهَدَةُ فِي مِثْلِ هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الْمُتَّصِلَةُ فِي هَذَا الْبَابِ فَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ سَهْلٍ قَالَ حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنَا حَسَّانُ بن غالب قال حدثنا بن لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ اسْتَصْرَخَ
стр. 2036
بِنَا إِلَى قَتْلَانَا يَوْمَ أُحُدٍ وَأَجْرَى مُعَاوِيَةُ الْعَيْنَ فَاسْتَخْرَجْنَاهُمْ بَعْدَ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً لَيِّنَةً أَجْسَادُهُمْ تَتَثَنَّى أَطْرَافُهُمْ
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَيْلِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ لَمَّا أَرَادَ مُعَاوِيَةُ أَنْ يُجْرِيَ الْعَيْنَ بِأُحُدٍ نُودِيَ بِالْمَدِينَةِ مَنْ كَانَ لَهُ قَتِيلٌ فَلْيَأْتِ قَتِيلَهُ
قَالَ جَابِرٌ فَأَتَيْنَاهُمْ فَأَخْرَجْنَاهُمْ رِطَابًا يَتَثَنُّونَ فَأَصَابَتِ الْمِسْحَاةُ أُصْبُعَ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَانْفَطَرَتْ دَمًا
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ لَا نُنْكِرُ بَعْدَ هَذَا مُنْكَرًا أَبَدًا
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَا أَدْرِي مَنِ الْقَائِلُ
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ أَجَابِرٌ قَالَهُ أَمْ أَبُو الزُّبَيْرِ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ لِأَبِي سَعِيدٍ فِي الْإِسْنَادِ ذِكْرًا
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الَّذِي أُصِبَّتْ أُصْبُعَهُ دَمًا كَانَ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵁
حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَعْمَرٍ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ قَالَ حدثنا يحيى بْنُ سُلَيْمَانَ وَحَامِدُ بْنُ يَحْيَى قَالَا حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ لَمَّا أَرَادَ مُعَاوِيَةُ أَنْ يُجْرِيَ الْعَيْنَ الَّتِي إِلَى أُحُدٍ أَمَرَ مُنَادِيًا نَادَى بِالْمَدِينَةِ مَنْ كان له قتيل فليخرج إليه وَلِيُبَاشِرْ تَحَوُّلَهُ
قَالَ جَابِرٌ فَأَتَيْنَاهُمْ فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ قُبُورِهِمْ رِطَابًا يَتَثَنُّونَ يَعْنِي شُهَدَاءَ أُحُدٍ
قَالَ فَأَصَابَتِ الْمِسْحَاةُ أُصْبُعَ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَانْفَطَرَتْ دَمًا
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ لَا أُنْكِرُ بَعْدَ هَذَا منكر
قَالَ يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ لَنَا سُفْيَانُ بَلَغَنِي أَنَّهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّهُ أَخْرَجَ أَبَاهُ مِنْ قَبْرِهِ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ سَبْعَةٍ
وَهَذَا لَا مَحَالَةَ وَقْتٌ غَيْرُ ذَلِكَ الْوَقْتِ وَمُدَّةٌ غَيْرُ هَذِهِ الْمُدَّةِ وَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ جَابِرٌ إِلَّا إِرَادَةَ أَنْ يَكُونَ فِي قَبْرِهِ وَاحِدًا وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي الْحَدِيثِ
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا
стр. 2037
أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ حِرَاشٍ قَالَ حَدَّثَنَا غَسَّانُ بْنُ مُضَرَ قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ أَبُو مَسْلَمَةَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ دَعَانِي أَبِي وَقَدْ حَضَرَ أُحُدًا فَقَالَ لِي يَا جَابِرُ! إِنِّي لَا أَرَانِي إِلَّا أَوَّلَ مَقْتُولٍ يُقْتَلُ غَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِنِّي لَنْ أَدَعَ أَحَدًا أَعَزَّ مِنْكَ غَيْرَ نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِنَّ لَكَ أخوات فاستوص لهن خيرا وإني علي دينا فَاقْضِهِ عَنِّي
قَالَ فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
قَالَ فَدَفَنَّاهُ هُوَ وَآخَرَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ وَكَانَ فِي نَفْسِي مِنْهُ شَيْءٌ فَاسْتَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ كَيَوْمِ دَفَنْتُهُ
وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ شُعْبَةُ عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ جَابِرٍ مِثْلَهُ سَوَاءً بِمَعْنَاهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ سَبْعَةٍ
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ أَبِي مسلمة عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ دُفِنَ مَعَ أَبِي رَجُلٌ وَكَانَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ حَاجَةٌ فَأَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَمَا أَنْكَرْتُ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا شُعَيْرَاتٍ كُنَّ فِي لِحْيَتِهِ مِمَّا يَلِي الْأَرْضَ
وَفِي هَذَا الْبَابِ
٩٧٥ - مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ قَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ مَالٌ مِنَ الْبَحْرَيْنِ فَقَالَ مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأْيٌ أَوْ عِدَةٌ فَلْيَأْتِنِي فَجَاءَهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَحَفَنَ لَهُ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يُخْتَلَفْ عَنْ مَالِكٍ فِي انْقِطَاعِهِ وَهُوَ حَدِيثٌ مُتَّصِلٌ مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ عَنْ جَابِرٍ
رَوَاهُ عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وَمُحَمَّدُ بن الْمُنْكَدِرِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ وَأَبُو الزُّبَيْرِ وَالشَّعْبِيُّ
وَقَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِنْ طُرُقِهِ فِي ((التَّمْهِيدِ
стр. 2038
مِنْ أَحْسَنِهَا مَا حَدَّثَنَاهُ خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ الحافظ قال حدثنا أحمد أبو الحسين بن جعفر الزيات قال حدثنا يوسف بن يزيد الْقَرَاطِيسِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حدثنا سفيان بن عيينة عن بن الْمُنْكَدِرِ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ
قَالَ سُفْيَانُ وَحَدَّثَنَا عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ - قَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((لَوْ قَدْ جَاءَنَا مَالُ الْبَحْرَيْنِ لَقَدْ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا)) وَقَالَ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا فَمَا قَدِمَ مَالٌ مِنَ الْبَحْرَيْنِ حَتَّى قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمَّا قَدِمَ مَالٌ مِنَ الْبَحْرَيْنِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دَيْنٌ أَوْ عِدَةٌ فَلْيَأْتِنَا
قَالَ جَابِرٌ فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ فَقُلْتُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَعَدَنِي إِذَا قَدِمَ مَالٌ مِنَ الْبَحْرَيْنِ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا قَالَ فَحَثَى لِي أَبُو بَكْرٍ حَثْيَةً ثُمَّ قَالَ لِي عُدَّهَا فَإِذَا هِيَ خَمْسُ مِائَةٍ قال خذ مثلها مرتين
وزاد فيه بن الْمُنْكَدِرِ ثُمَّ أَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ بَعْدَ ذَلِكَ فَرَدَّنِي فَسَأَلْتُهُ فَرَدَّنِي فَقُلْتُ فِي الثَّالِثَةِ سَأَلْتُكَ مَرَّتَيْنِ فَلَمْ تُعْطِنِي فَقَالَ إِنَّكَ لَمْ تَأْتِنِي مَرَّةً إِلَّا وَأَنَا أُرِيدُ أُعْطِيكَ وَأَيُّ دَاءٍ أدوى مِنَ الْبُخْلِ
وَفِي هَذَا مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ الْعِدَةَ وَاجِبٌ الْوَفَاءُ بِهَا وُجُوبَ سُنَّةٍ وَذَلِكَ مِنْ أَخْلَاقِ أَهْلِ الْإِيمَانِ
وَقَدْ جَاءَ فِي الْأَثَرِ أَيُّ الْمُؤْمِنِ وَاجِبٌ أَيْ وَاجِبٌ فِي أَخْلَاقٍ الْمُؤْمِنِينَ
وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فَرْضًا لِإِجْمَاعِ الْجَمِيعِ مِنَ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ مَنْ وَعَدَ بِمَالٍ مَا كَانَ لَمْ يَضْرِبْ بِهِ مَعَ الْغُرَمَاءِ كَذَلِكَ قُلْنَا إِيجَابُ الْوَفَاءِ بِهِ حَسَنٌ فِي الْمُرُوءَةِ وَلَا يُقْضَى بِهِ
وَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّ ذَلِكَ مُسْتَحْسَنٌ يَسْتَحِقُّ صَاحِبُهُ الْحَمْدَ وَالشُّكْرَ وَالْمَدْحَ عَلَى الْوَفَاءِ بِهِ وَيَسْتَحِقُّ عَلَى الْخُلْفِ فِي ذَلِكَ الذَّمَّ
وَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ عَلَى مَنْ صَدَقَ وَعْدَهُ وَوَفَى بِنَذْرِهِ وَكَفَى بِهَذَا مَدْحًا وَبِمَا خَالَفَهُ ذَمًّا
وَالْوَأْيُ الْعِدَةُ
وَلَمَّا كَانَ هَذَا مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوْلَى النَّاسِ بِهَا وَأَنْذَرَهُمْ إِلَيْهَا وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ خَلِيفَتَهُ أَدَّى ذَلِكَ عَنْهُ وَقَامَ مَقَامَهُ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي كان
стр. 2039
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقِيمُهَا مِنْهُ وَلِذَلِكَ لَمْ يَسْأَلْ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا ادَّعَاهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْعِدَةِ لِأَنَّ تلك العدة لم تكن شيئا أداه جابر في ذمة رسول الله وَإِنَّمَا ادَّعَى شَيْئًا فِي بَيْتِ الْمَالِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ مَوْكُولٌ إِلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَا يَلْزَمُ مِنَ الْعِدَةِ وَمَا لَا يَلْزَمُ مِنْهَا
وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي تَأْخِيرِ الدَّيْنِ الْحَالِّ هَلْ يَلْزَمُ أَمْ لَا يَلْزَمُ وَهُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ
فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ مَنْ أَقْرَضَ رَجُلًا مَالًا دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ شَيْئًا مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ إِلَى أَجَلٍ ثُمَّ طَاعَ لَهُ فَأَخْرَجَهُ إِلَى الْأَجَلِ ثُمَّ أَرَادَ الِانْصِرَافَ فِي ذَلِكَ وَأَرَادَهُ قَبْلَ الْأَجَلِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مِنْ بَابِ الْحِسْبَةِ وَالصَّدَقَةِ الَّتِي لَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ مِنَ الْحُجَّةِ لِمَالِكٍ ﵀ عُمُومُ قوله تعالى و (أوفوا بالعقود) الْمَائِدَةِ ١ وَقَوْلُهُ ﵇ ((كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ))
وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يُتَصَرَّفُ فِي الصَّدَقَاتِ فَكَذَلِكَ سَائِرُ الْهِبَاتِ
قَالَ مَالِكٌ وَأَمَّا الْعِدَةُ مِثْلُ أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ أَنْ يَهَبَ لَهُ الْهِبَةَ فَيَقُولُ لَهُ نَعَمْ ثُمَّ يَبْدُو لَهُ أن لا يَفْعَلَ فَمَا أَرَى ذَلِكَ يُلْزِمُهُ
قَالَ مَالِكٌ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي قَضَاءِ دَيْنٍ فَسَأَلَهُ أَنْ يَقْضِيَهُ عَنْهُ قَالَ نَعَمْ وَثَمَّ رِجَالٌ يَشْهَدُونَ عَلَيْهِ فَمَا أَحْرَاهُ أَنْ يَلْزَمَهُ إِذَا شَهِدَ عَلَيْهِ اثْنَانِ
وَفِي سَمَاعِ عِيسَى قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ إِنْ بَاعَ رَجُلٌ سِلْعَةً مِنْ رَجُلٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ قَبْلَ الْبَيْعِ بِعْ وَلَا نُقْصَانَ عَلَيْكَ قَالَ إِذًا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ إِنْ بَاعَ بِنُقْصَانٍ
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ
قَالَ عِيسَى قُلْتُ لَهُ رَجُلٌ اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ سِلْعَةً وَنَقَدَهُ الثَّمَنَ ثُمَّ جَاءَهُ يَسْتَوْضِعُهُ فَقَالَ لَهُ اذْهَبْ بِعْ وَلَا نُقْصَانَ عَلَيْكَ قَالَ لَا بَأْسَ بِهَذَا نَقْدَهُ أَوْ لَمْ يَنْقُدْهُ إِلَّا أَنْ يَقُولَ لَهُ انْقُدْنِي وَبِعْ وَلَا نُقْصَانَ عَلَيْكَ فَهُوَ الْأَخْيَرُ فِيهِ
قَالَ قُلْتُ لِمَ ذَلِكَ قَالَ لِأَنَّهُ يَكُونُ فِيهِ عُيُوبٌ وخصوم حر
وقال بن الْقَاسِمِ إِذَا وَعَدَ الْغُرَمَاءَ فَقَالَ أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ وَهَبْتُ لِهَذَا مِنْ أَيْنَ يُؤَدَّى إِلَيْكُمْ فَإِنَّ هَذَا يَلْزَمُهُ وَإِمَّا أَنْ يَقُولَ نَعَمْ أَنَا أَقْبَلُ ثُمَّ يَبْدُو لَهُ فَلَا أَرَى ذلك عليه
قال أبو بكر بن اللباد أخبرنا يحيى بن عمر عن أبي إِسْحَاقَ الْبَرْقِيِّ قَالَ
стр. 2040
سَمِعْتُ أَشْهَبَ يَقُولُ فِي رَجُلٍ لَهُ ابْنَةٌ بِكْرٌ فَقَالَ لِرَجُلٍ إِنْ طَلَّقْتَ زَوْجَتَكَ ثَلَاثًا فَأَنَا أُزَوِّجُكَ ابْنَتِي فَقَالَ الرَّجُلُ اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ طَلَّقْتُ زَوْجَتِي ثَلَاثًا فَبَدَا لِأَبِي الْجَارِيَةِ أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْهُ فَقَالَ أَشْهَبُ فَوَعَدَهُ مَا خَلَفَهُ وَلَا يَلْزَمُهُ إِنْ يُزَوِّجَهُ
قَالَ أَشْهَبُ وَلَكِنْ لَوْ قَالَ أَبُو الْجَارِيَةِ إِنْ طَلَّقْتَ امْرَأَتَكَ ثَلَاثًا فَقَدْ زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي فَقَالَ الرَّجُلُ اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ طَلَّقْتُ امْرَأَتِي ثَلَاثًا فَبَدَا لأبي الجارية أن يزوجه أَنَّ النِّكَاحَ لَازِمٌ لَهُ
وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ قَدْ قَيَّدَ أُوجِبُ لَكَ النِّكَاحَ إِنْ أَنْتَ فَرَضْتَ لَهَا صَدَاقَ مِثْلِهَا فَفَرَّقَ أَشْهَبُ بَيْنَ قَوْلِ الْأَبِ أَنَا أُزَوِّجُكَ وَقَدْ زَوَّجْتُكَ وَجَعَلَ قَوْلَهُ أَنَا أُزَوِّجُكَ عِدَةً مِنْهُ إِنْ شَاءَ فَعَلَ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَفْعَلْ وَجَعَلَ قَوْلَهُ قَدْ زَوَّجْتُكَ وَاجِبًا لَيْسَ لَهُ فِيهِ رُجُوعٌ وَإِذَا فَرَضَ لِلْجَارِيَةِ صَدَاقَ مِثْلِهَا
وَقَالَ سَحْنُونٌ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي رُجُوعِ الْعِدَةِ وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُهُمْ وَهُوَ الَّذِي يَلْزَمُهُ مِنَ الْعِدَةِ فِي السَّلَفِ وَالْعَارِيَّةِ أَنْ يَقُولَ لِلرَّجُلِ اهْدِمْ دَارَكَ وَأَنَا أُسَلِّفُكَ مَا تَبْنِيهَا بِهِ أَوِ اخْرُجْ إِلَى الْحَجِّ وَأَنَا أُسَلِّفُكَ مَا يُبَلِّغُكَ أَوِ اشْتَرِ سِلْعَةَ كَذَا أَوْ تَزَوُّجْ وَأَنَا أُسَلِّفُكَ ثَمَنَ السِّلْعَةِ وَصَدَاقَ الْمَرْأَةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يُدْخِلُهُ فِيهِ وَيُنْشِبُهُ بِهِ فَهَذَا كُلُّهُ يَلْزَمُهُ
قَالَ وَإِمَّا أَنْ يَقُولَ أَنَا أُسَلِّفُكَ وَأَنَا أُعْطِيكَ بِغَيْرِ شَيْءٍ يَلْزَمُ الْمَأْمُورَ نَفْسَهُ فَإِنَّ هَذَا لَا يَلْزَمُهُ مِنْهُ شَيْءٌ
قَالَ أَصْبَغُ الْعِدَةُ إِذَا لَمْ تَكُنْ فِي نَفْسِ البيع وكانت بعد فهي موضعة عَيْنِ الْمُشْتَرِي وَتَلْزَمُ الْبَائِعَ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ وَسَائِرُ الْفُقَهَاءِ أَمَّا الْعِدَةُ فَلَا يَلْزَمُهُ مِنْهَا شَيْءٌ لِأَنَّهَا مَنَافِعُ لَمْ يَقْبِضْهَا فِي الْعَارِيَّةِ لِأَنَّهَا طَارِئَةٌ وَهِيَ بِغَيْرِ الْعَارِيَّةِ هِيَ أَشْخَاصٌ وَأَعْيَانٌ مَوْهُوبَةٌ لَمْ تُقْبَضْ فَلِصَاحِبِهَا الرُّجُوعُ فِيهَا
وَأَمَّا الْقَرْضُ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَسَوَاءٌ كَانَ الْقَرْضُ إِلَى أَجَلٍ أَوْ إِلَى غَيْرِ أَجَلٍ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مَتَى أَحَبَّ وَكَذَلِكَ الْعَارِيَّةُ وَمَا كَانَ مِثْلَ ذَلِكَ كُلِّهِ وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْقَرْضِ الْبَتَّةَ بِحَالٍ وَيَجُوزُ عِنْدَهُمْ تَأْخِيرُ الْمَغْصُوبِ وَقِيَمِ الْمُسْتَهْلَكَاتِ إِلَّا زُفَرَ فَإِنَّهُ قَالَ لَا يَجُوزُ التَّأْجِيلُ فِي الْقَرْضِ وَلَا في الغصب واضطرب قول أبي يُوسُفَ فِي هَذَا الْبَابِ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إِذَا أَخَّرَهُ بِدَيْنٍ حَالٍّ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ مَتَى شَاءَ سَوَاءً كَانَ مِنْ
стр. 2041
قَرْضٍ أَوْ غَيْرِ قَرْضٍ أَوْ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ كَانَ فَكَذَلِكَ الْعَارِيَّةُ وَغَيْرُهَا لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْعِدَةِ وَالْهِبَةِ غَيْرِ الْمَقْبُوضَةِ وَهِبَةِ مَا لَمْ يَخْلَقْ
قَالَ أَبُو عُمَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنْ يَقْضِيَ الْإِنْسَانُ عَنْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَيَبْرَأُ وَأَنَّ الْمَيِّتَ يَسْقُطُ مَا كَانَ عَلَيْهِ بِقَضَاءِ مَنْ قَضَى عَنْهُ
وَذَكَرَ أَهْلُ السِّيَرِ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ كَانَ قَدْ وَعَدَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ عَلَى صَدَقَةِ سَعْدِ هَدِيمٍ فَلَمَّا قَدِمَ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اسْتَعْمَلَهُ عَلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ إِنْفَاذًا لِرَأْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ الْأَشْعَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْمَكِّيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ التِّرْمِذِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا محمد بن عيسى بن سورة أبو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الْكِنْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ أَمَرَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِثَلَاثَةَ عَشَرَ قَلُوصًا فَذَهَبْنَا نَقْبِضُهَا فَأَتَانَا مَوْتُهُ فَلَمْ يُعْطُونَا شَيْئًا فَلَمَّا قَامَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ مَنْ كَانَتْ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِدَةٌ فَلْيَجِئْ فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَأَخْبَرْتُهُ فَأَمَرَ لَنَا بِهَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ هُوَ غَرِيبٌ لَيْسَ له غير هذا الإسناد
تم كتاب الجهاد والحمد لله رب العالمين
стр. 2042
(٢٢ كِتَابُ النُّذُورِ وَالْأَيْمَانِ)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ
(١ - بَابُ مَا يجب من النذور في المشي)
٩٧٦ - مالك عن بن شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ اسْتَفْتَى رسول الله ﷺ فقال إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا نَذْرٌ وَلَمْ تَقْضِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((اقْضِهِ عَنْهَا))
كَذَا هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْمُوَطَّأِ عِنْدَ جَمِيعِ رُوَاتِهِ فِيمَا عَلِمْتُ
وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الله عن بن عَبَّاسٍ أَنَّ سَعْدًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيَنْفَعُ أُمِّي أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهَا وَقَدْ مَاتَتْ قَالَ ((نَعَمْ)) قَالَ فَمَا تَأْمُرُنِي قَالَ ((أَسْقِ الْمَاءَ))
ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ محمد بن الْوَاثِقِ بِاللَّهِ عَنِ الْبَغَوِيِّ
الصَّحِيحُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ذِكْرُ النَّذْرِ
стр. 2043
وَحَمَّادُ بْنُ خَالِدٍ ثِقَةٌ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ أُمِّيًّا
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ هَكَذَا عَنْ حَمَّادِ بْنِ خَالِدٍ إِلَّا شُجَاعُ بْنُ مَخْلَدٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ ذَكَرْنَا فِي ((التَّمْهِيدِ)) كَثِيرًا مِنْ أَسَانِيدِ هَذَا الْحَدِيثِ
وَمِنْ هَذَا الباب مع ترجمته مع حديث بن عَبَّاسٍ هَذَا يُخْرِجُ الْحَيُّ عَنِ الْمَيِّتِ مُتَطَوِّعًا عَنْهُ أَوْ مُسْتَأْجَرًا عَلَيْهِ
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي النَّذْرِ الَّذِي كَانَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ
فَقَالَ قَوْمٌ كَانَ صِيَامًا
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِحَدِيثِ الْأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عن بن عَبَّاسٍ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ يَوْمٍ أَفَأَصُومُ عَنْهَا قَالَ نَعَمْ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَا يَصِحُّ أَنْ يُجْعَلَ حَدِيثُ الْأَعْمَشِ هَذَا مُفَسِّرًا لِحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ لِأَنَّهُ قَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَنِ الْأَعْمَشِ فَقَالَ فِيهِ عَنْهُ قَوْمٌ بِإِسْنَادِهِ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى رسول الله فَقَالَتْ ((إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صِيَامٌ)) وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ السَّائِلُ عَنْ ذَلِكَ سعد بن عبادة
وقد كان بن عَبَّاسٍ يُفْتِي بِأَنْ لَا يَصُومَ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ
ذَكَرَهُ السُّدِّيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ عَنْ حَجَّاجٍ الْأَحْوَلِ عَنْ أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رباح عن بن عَبَّاسٍ
وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الْفُقَهَاءِ فِيمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ هَلْ يَصُومُ عَنْهُ وَلِيُّهُ فِي بَابِ الصِّيَامِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَذَكَرْنَا الِاخْتِلَافَ عَنِ بن عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُنَاكَ
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِنَّ النَّذْرَ الَّذِي كَانَ عَلَى أُمِّ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ كَانَ عِتْقًا
وَكُلُّ مَا كَانَ فِي مَالِ الْإِنْسَانِ وَاجِبًا فَجَائِزٌ أَنْ يُؤَدِّيَهُ عَنْهُ غَيْرُهُ إِنْ شَاءَ
стр. 2044
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِحَدِيثِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ فَهَلْ يَنْفَعُهَا أَنْ أُعْتِقَ عَنْهَا قَالَ ((نَعَمْ)) قَالُوا وَهَذَا يُفَسِّرُ النذر المجمل الذي ذكره بن عباس في حديث بن شِهَابٍ أَنَّ أُمَّ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ نَذَرَتْهُ
وَقَالَ آخَرُونَ كَانَ النَّذْرُ عَلَى أُمِّ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ صَدَقَةً
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِحَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ خَرَجَ فِي بَعْضِ الْمَغَازِي فَحَضَرَتْ أُمَّهُ الْوَفَاةُ فَقِيلَ لَهَا أَوْصِي قَالَتْ فِيمَ أُوصِي وَإِنَّمَا الْمَالُ مَالُ سَعْدٍ وَتُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ يَقَدَمَ سَعْدٌ فَلَمَا قَدِمَ ذُكِرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ سَعْدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ يَنْفَعُهَا أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((نَعَمْ)) فَقَالَ سَعْدٌ حَائِطُ كَذَا صَدَقَةٌ عَنْهَا لِحَائِطٍ سَمَّاهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَيْسَ فِي هَذَا دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلَى أَنَّ النَّذْرَ الْمَذْكُورَ في حديث بن عَبَّاسٍ هُوَ هَذَا بَلِ الظَّاهِرُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ وَصِيَّةٌ وَالْوَصِيَّةُ غَيْرُ النَّذْرِ فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ
وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي جَوَازِ صَدَقَةِ الْحَيِّ عَنِ الْمَيِّتِ نَذْرًا أَوْ غَيْرَ نَذْرٍ
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي ((التَّمْهِيدِ)) حَدِيثَ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أُمَّ سَعْدٍ مَاتَتْ تَحْتَ الصَّدَقَةِ أَفَيَنْفَعُهَا أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهَا قَالَ نَعَمْ وَعَلَيْهَا بِالْمَاءِ
وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثُ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَقَالَ آخَرُونَ في حديث بن عَبَّاسٍ إِنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ! إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا نَذْرٌ لَمْ تَقْضِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((اقْضِهِ عَنْهَا))
قَالُوا بَلْ كَانَ ذَلِكَ نَذْرًا مُطْلَقًا لَا ذِكْرَ فِيهِ لِصِيَامٍ وَلَا عِتْقٍ وَلَا صَدَقَةٍ
قَالُوا وَمَنْ جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ نَذْرًا فكفارته كفارة يمين عند أكثر العلماء
روي ذلك عن عائشة وبن عَبَّاسٍ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ
وَرَوَى الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ عَنْ سعيد بن جبير عن بن عُمَرَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ النَذْرِ فَقَالَ أَغْلَظُ الْأَيْمَانِ فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَالَّتِي تَلِيهَا فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَالَّتِي تَلِيهَا فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَعَدْلُ الرَّقَبَةِ ثُمَّ الْكُسْوَةُ ثُمَّ الْإِطْعَامُ
стр. 2045
وقد روي هذا عن بن عباس ذكره بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ بن عَبَّاسٍ فِي الرَّجُلِ يَحْلِفُ بِالنَّذْرِ أَوِ الْحَرَامِ فَقَالَ لَمْ يَأْلُ أَنْ يُغَلِّظَ عَلَى نَفْسِهِ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ أَوْ بِصَوْمِ شَهْرَيْنِ أَوْ بِإِطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا
وَذُكِرَ عَنْ عَبْدَةَ بْنِ سَلَيْمَانَ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عن بن عباس مثله
وعن بن عُيَيْنَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جبير عن بن عباس مثله
وعن بن عُيَيْنَةَ قَالَ النَّذْرُ إِذَا لَمْ يُسَمِّهِ صَاحِبُهُ فَهِيَ أَغْلَظُ الْأَيْمَانِ وَلَهَا أَغْلَظُ الْكَفَّارَاتِ
وَهُوَ قول بن مَسْعُودٍ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ
وَقَالَ مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ الْيَمِينُ الْمُغَلَّظَةُ عِتْقُ رَقَبَةٍ أَوْ صِيَامِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ أَوْ إِطْعَامِ ستين مسكينا
وذكر بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جبير عن بن عُمَرَ مِثْلَهُ
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ إِنِّي لِأَعْجَبُ مِمَّنْ يَقُولُ النَّذْرُ يَمِينٌ مُغَلَّظَةٌ
ثُمَّ قَالَ عَلَيْهِ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ
وَقَالَهُ الْحَسَنُ وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ وَمُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَجَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ أَهِلِ الْفُتْيَا بِالْأَمْصَارِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا أَقَلُّ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ الذِّمَّةَ أَصْلُهَا الْبَرَاءَةُ إِلَّا بِيَقِينٍ
وَقَدْ قِيلَ إِنَّ الْأَوَّلَ فِي مِثْلِ هَذَا كَالْإِجْمَاعِ
وَقَدْ رُوِيَ فِي النَّذْرِ الْمُبْهَمِ كَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ حَدِيثٌ مُسْنَدٌ وَهُوَ أَعْلَى ما روي في ذلك وأجل
حدثنا سعيد قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَافِعٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((مَنْ نَذَرَ نَذْرًا فَلَمْ يُسَمِّهِ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يمين
стр. 2046
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ خَالِدِ بْنِ زَيْدٍ فِيمَنْ قال علي نذر إِنْ سَمَّى مَشْيًا فَهُوَ مَا سَمَّى وَإِنْ نَوَى فَهُوَ مَا نَوَى وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَامَ يَوْمًا أَوْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ
وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ قَضَاءِ النَّذْرِ عَنِ الْمَيِّتِ عَلَى وَارِثِهِ
فَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ يَقْضِيهِ عَنْهُ وَلَيُّهُ الْوَارِثُ هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ صَوْمًا أَوْ مَالًا
وَقَالَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ لَيْسَ ذَلِكَ عَلَى الْوَارِثِ بِوَاجِبٍ وَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ إِنْ كَانَ صَدَقَةً عِتْقًا
وَاخْتَلَفُوا فِي الصَّوْمِ عَلَى مَا مَضَى فِي كِتَابِ الصِّيَامِ
وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا إِذَا أَوْصَى بِهِ
فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ هُوَ فِي ثُلُثِهِ
وَقَالَ آخَرُونَ كُلُّ وَاجِبٍ عَلَيْهِ فِي ثُلُثِهِ
وَقَالَ آخَرُونَ كُلُّ وَاجِبٍ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ أَوْصَى بِهِ فَهُوَ رَأْسٌ
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْقَائِلِينَ بِذَلِكَ كُلِّهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ
٩٧٧ - وَأَمَّا حَدِيثُ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَمَّتِهِ أَنَّهَا حَدَّثَتْهُ عَنْ جَدَّتِهِ أَنَّهَا كَانَتْ جَعَلَتْ عَلَى نَفْسِهَا مَشْيًا إِلَى مَسْجِدِ قُبَاءٍ
فَمَاتَتْ وَلَمْ تَقْضِهِ
فَأَفْتَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ابْنَتَهَا أَنْ تَمْشِيَ عَنْهَا
قَالَ يَحْيَى وَسَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ لَا يَمْشِي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَا خِلَافَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَمْشِي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ وَلَا يَصُومُ عَنْهُ وَأَعْمَالُ النَّذْرِ كُلُّهَا عِنْدَهُ كَذَلِكَ قياسا على الصلاة والمجتمع عليها
وقال بن الْقَاسِمِ أَنْكَرَ مَالِكٌ الْأَحَادِيثَ فِي الْمَشْيِ إِلَى قُبَاءٍ وَلَمْ يَعْرِفِ الْمَشْيَ إِلَّا إِلَى مَكَّةَ خَاصَّةً
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَا يَعْرِفُ مَالِكٌ الْمَشْيَ إِلَّا إِلَى مَكَّةَ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ إِيجَابَ الْمَشْيِ وَإِنَّمَا هَذَا فِي الْحَالِفِ وَالنَّاذِرِ عِنْدَهُ
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْمُتَطَوِّعِ فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ عِنْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ رَاكِبًا وَمَاشِيًا
وَذَكَرْنَا هُنَاكَ آثَارًا تَدُلُّ عَلَى إِتْيَانِ مَسْجِدِ قُبَاءٍ تَرْغِيبًا فِيهِ وَأَنَّ صَلَاةً وَاحِدَةً فيه
стр. 2047
كَعُمْرَةٍ
وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ قَالَ عَلَيَّ الْمَشْيُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَوْ إِلَى مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ وَلَمْ يَنْوِ الصَّلَاةَ فِي وَاحِدٍ مِنَ الْمَسْجِدَيْنِ وَإِنَّمَا أَرَادَ قَصْدَهُمَا لِغَيْرِ الصَّلَاةِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الذَّهَابُ إِلَيْهِمَا
فَنَذْرُ الْمَشْيِ إِلَى قُبَاءٍ بِذَلِكَ أَوْلَى لِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَوْ مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﵇ أَوْ مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ بِقُبَاءٍ بِإِجْمَاعٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ
وَاخْتَلَفُوا إِذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ فِيهِمَا أَوْ فِي أَحَدِهِمَا أَوْ ذَكَرَ الْمَسْجِدَ مِنْهُمَا
فَقَالَ مَالِكٌ إِذَا قَالَ لِلَّهِ الْمَشْيُ عَلَيَّ إِلَى الْمَدِينَةِ أَوْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ أَنْ يُصَلِّيَ هُنَاكَ بَلْ يَلْزَمُهُ الذَّهَابُ إِلَيْهِمَا رَاكِبًا إِنْ شَاءَ وَلَا يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ إِلَيْهِمَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَمْشِيَ إِلَى الْمَدِينَةِ أَوْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِهِمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَائِلًا لَوْ قَالَ عَلَيَّ الْمَشْيُ إِلَى قُبَاءٍ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يَقُولَ مَسْجِدُ قُبَاءٍ أَوْ يَنْوِيَ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ
فَإِذَا قَالَ مَسْجِدُ قُبَاءٍ أَوْ نَوَى الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ
فَإِذَا قَالَ مَسْجِدُ قُبَاءٍ عُلِمَ أَنَّهُ لِلصَّلَاةِ وَكَذَلِكَ إِذَا نَوَى ذَلِكَ
فَمَنْ جَعَلَ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ لَهَا فَضْلُ الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِهَا أَحَبَّ لَنَا بَلْ أَوْفَى بِمَا فَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ
وَمَنْ لَمْ يَرَ أَعْمَالَ الْمُصَلِّي وَلَا الْمَشْيَ إِلَّا إِلَى الثَّلَاثَةِ الْمَسَاجِدِ أَمَرَ مَنْ نَذَرَ الصَّلَاةَ بِهِمَا أَنْ يُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِهِ أَوْ حَيْثُ شَاءَ
وَمَنْ قَالَ لَا مَشْيَ إِلَّا إِلَى مَكَّةَ لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمَشْيِ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ مَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إِلَى مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﵇ أَوْ مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ
стр. 2048
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَلْيَرْكَبْ إِنْ شَاءَ وَإِنْ كَانَتِ امْرَأَةً فَإِنْ شَاءَتْ رَكِبَتْ وَإِنْ شَاءَتْ تَصَدَّقَتْ بِشَيْءٍ
وَقَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَمْضِي رَاكِبًا إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَيُصَلِّي فِيهِ
وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ أَوْ يُصَلِّيَ فِي مَوْضِعٍ يَتَقَرَّبُ بِإِتْيَانِهِ إِلَى اللَّهِ كَالثُّغُورِ وَنَحْوِهَا
فَقَالَ مَالِكٌ مَنْ نَذَرَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَقْصِدُ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ فَيَصُومُ فِيهِ أَوْ يُصَلِّي
وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَوِ الْمَدِينَةِ يَعْنِي وَلَا يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ
قَالَ وَلَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ فَاعْتَكَفَ فِي مَسْجِدِ القسطاط لَمْ يُجْزِهِ ذَلِكَ
فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ إِذَا جَعَلَ عَلَيْهِ صِيَامَ شَهْرٍ بِمَكَّةَ لَمْ يُجْزِهِ فِي غَيْرِهَا وَإِذَا نَذَرَ صَلَاةً فِي مَكَّةَ لَمْ يُجْزِهِ فِي غَيْرِهَا
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ بِمَكَّةَ فَصَامَ بِالْكُوفَةِ أَجْزَأَهُ
وَقَالَ زُفَرُ لَا يُجْزِئُهُ إِلَّا أَنْ يَصُومَ بِمَكَّةَ
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ مَنْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَصَلَّى فِي غَيْرِهِ لَمْ يُجْزِهِ وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ فَصَلَى فِي الْمَسْجِدِ الَحَرَامِ أَجْزَأَهُ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ مَنْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ بِمَكَّةَ لَمْ يُجْزِهِ أَنْ يُصَلِّيَ بِالْمَدِينَةِ وَلَا بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ
وَإِنْ نَذَرَ الصَّلَاةَ بِالْمَدِينَةِ أَوْ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ جَازَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِمَكَّةَ وَلَمْ يُجْزِهِ أَنْ يُصَلِّيَ فِي غَيْرِهَا مِنَ الْبُلْدَانِ إِلَّا الْفَاضِلِ مِنَ الْمَدِينَةِ أَوْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَالَ وَإِنَّ نَذَرَ سِوَى هَذِهِ الْبِلَادِ صَلَّى حَيْثُ شَاءَ
قَالَ وَإِنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَنْحَرَ بِمَكَّةَ لَمْ يُجْزِهِ فِي غَيْرِهَا
وَكَذَلِكَ إِنْ نَذَرَ أَنْ يَنْحَرَ بِغَيْرِهَا لَمْ يُجْزِهِ إِلَّا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي نَذَرَ لِأَنَّهُ شَيْءٌ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ لِمَسَاكِينِ ذَلِكَ الْبَلَدِ
وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ مَنْ نَذَرَ صِيَامًا فِي مَوْضِعٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَمَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إِلَى مَسْجِدٍ مِنَ الْمَسَاجِدِ مَشَى إِلَى ذَلِكَ الْمَسْجِدِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ لَمْ يُوَافِقِ اللَّيْثَ عَلَى إِيِجَابِ الْمَشْيِّ إِلَى سَائِرِ الْمَسَاجِدِ أَحَدٌ من الفقهاء
стр. 2049
وأما فتيا بن عَبَّاسٍ الْمَرْأَةَ الَّتِي جَعَلَتْ عَلَى نَفْسِهَا مَشْيًا إِلَى قُبَاءٍ وَمَاتَتْ أَنْ تَمْشِيَ ابْنَتُهَا عَنْهَا فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ الِاخْتِلَافُ عَنِ بن عَبَّاسٍ فِي قَضَاءِ الْوَلِيِّ عَنْ وَلِيِّهِ الْمَيِّتِ مَا كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ مِنْ صَوْمٍ أَوْ صَدَقَةٍ وَمَا لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ مَا غَنَى عن إعادته ها هنا
وَأَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْمَوْضِعِ الْفَاضِلِ تُجْزِئُ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الْمَوْضِعِ الْمَقْصُودِ إِلَيْهِ بِالصَّلَاةِ فَحَدِيثُ جَابِرٍ
حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ قَالَ أَخْبَرَنَا حَبِيبٍ الْمُعَلِّمِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي نَذَرْتُ لِلَّهِ إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ مَكَّةَ أَنْ أُصَلِّيَ في بيت المقدس قال ((صل ها هنا)) فأعاد عليه مرتين كل ذلك يقول ((صل ها هنا)) وَأَعَادَ عَلَيْهِ الثَّانِيَةَ فَقَالَ ((شَأْنُكَ إِذًا))
قَالَ أَبُو عُمَرَ كُلُّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ أَفْضَلُ مِنْ مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﵇ فَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ جَوَابُهُ بِدَلِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ
وَكَذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ وَمَنْ تَبِعَهُ فِي تَفْضِيلِ مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﵇ عَلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ يَجِيءُ أَيْضًا عَلَى مِثْلِ هَذَا أَنْ يُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﵇ وَلَا يَذْهَبَ إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ
وَهَذَا لَا نَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا قَالَهَ فِيمَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إِلَى مَكَّةَ لِيُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِهَا أَنَّهُ يُجْزِئُهُ الصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﵇ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى فَضْلُ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَلَى غَيْرِهِ
وَكَذَلِكَ لَمْ يُوجِبْ أَحَدٌ الْمَشْيَ إِلَى الْمَدِينَةِ عَلَى الْأَقْدَامِ وَأَوْجَبُوهُ إِلَى مَكَّةَ وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي فَضْلِ مَشْيِهِ إِلَى مَكَّةَ عَلَى غَيْرِهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
إِلَّا أَنَّ الرُّوَايَةَ عَنْ مَالِكٍ فِي كِلِّ مَوْضِعٍ يُتَقَرَّبُ فِيهِ إِلَى اللَّهِ بِالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ أَلَّا يَتَعَدَّى إِلَى غَيْرِهِ وَإِنْ فَاتَ أَفْضَلُ بِدَلِيلِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ
وَمِنْ هَذَا الْأَصْلِ جَوَابُهُ فِيمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﵇ فَاعْتَكَفَ فِي الْفُسْطَاطِ أَنْ لَا يجزئه
стр. 2050
وَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ لِلْكُوفِيِّينَ عَلَى زُفَرَ بِأَنْ قَالَ القزبة فِي الصَّلَاةِ دُونَ الْمَوْضِعِ فَلَا مَعْنَى لِاعْتِبَارِ الْمَوْضِعِ
وَرَدَّ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي فَضْلِ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَلَى مَا سِوَاهُمَا مِنَ الْمَسَاجِدِ عَلَى مَنْ قَالَ ذَلِكَ بِصَلَاةِ الْفَرِيضَةِ لَا فِي النَّافِلَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﷺ ((صَلَاةُ أَحَدِكُمْ فِي بَيْتِهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِ فِي مَسْجِدِي هَذَا إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ))
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ هَذَا لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنْ مَنْ قَصَدَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ أَوِ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ أَوْ مَسْجِدَ النَّبِيِّ ﵇ لَا تَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ الْمَكْتُوبَةُ فِيهِ بَلِ الْقَصْدُ إِلَيْهِمَا إِلَى الْمَكْتُوبَاتِ وَهُوَ الْغَرَضُ فِي قَصْدِ الْقَاصِدِ وَنَذْرِ النَّاذِرِ
وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ إِنَّ فَضْلَ النَّافِلَةِ تَبَعٌ لِفَضْلِ الْفَرِيضَةِ وَجَعَلَ قَوْلَهُ ﷺ ((صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَفْضَلِ صَلَاةٍ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ)) عُمُومًا فِي النَّافِلَةِ وَالْفَرِيضَةِ كَانَ مَذْهَبًا
إِلَّا أَنَّ فِيهِ نَسْخُ قَوْلِهِ ((صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِ فِي مَسْجِدِي هَذَا إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ)) لِأَنَّ فَضَائِلَهُ كَانَتْ تَزِيدُ فِي كُلِّ يَوْمٍ لَا تَنْقُصُ وَهَذَا مِنْ فَضَائِلِهِ ﷺ إِلَّا أَنَّهُ خَبَرٌ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ النَّسْخُ فَقَدْ بَيَّنَا هَذَا فِي مَوْضِعِهِ وَذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي تَفْضِيلِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَلَى مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ فِي ((كِتَابِ الصَّلَاةِ)) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
٩٧٨ - وَأَمَّا حَدِيثُ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَبِيبَةَ قَالَ قُلْتُ لِرَجُلٍ وَأَنَا حَدِيثُ السِّنِّ مَا عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ عَلَيَّ مَشْيٌ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ وَلَمْ يَقُلْ عَلَيَّ نَذْرُ مَشْيٍ فَقَالَ لِي رَجُلٌ هَلْ لَكَ أَنْ أُعْطِيَكَ هَذَا الْجِرْوَ لِجِرْوِ قِثَّاءٍ فِي يَدِهِ وَتَقُولُ عَلَيَّ مَشْيٌ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ قَالَ فَقُلْتُ نَعَمْ فَقُلْتُهُ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ ثُمَّ مَكَثْتُ حَتَّى عَقَلْتُ فَقِيلَ لِي إِنَّ عَلَيْكَ مَشْيًا فَجِئْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ فَسَأَلَتْهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لِي عَلَيْكَ مَشْيٌّ فَمَشَيْتُ
قَالَ مَالِكٌ وَهَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا
стр. 2051
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَوْلُ مَالِكٍ ((وَهَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا)) خَرَجَ عَلَى أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ عَلَيَّ مَشْيٌ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ أَوْ عَلَيَّ نَذْرُ مَشْيٍ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ (نَوَى)
وَهُوَ مَذْهَبُ بن عمر وطائفة من العلماء
وذكر بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عن بن عُمَرَ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ عَلَيَّ الْمَشْيُ إِلَى الْكَعْبَةِ قَالَ هَذَا نَذْرٌ فَلْيَمْشِ
قَالَ أَبُو عمر جعل بن عُمَرَ قَوْلَهُ عَلَيَّ الْمَشْيُّ كَقَوْلِهِ عَلَيَّ نَذْرُ مشي إلى الكعبة
قال وحدثنا بن يَزِيدَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ جَعَلَ رَجُلٌ عَلَى نَفْسِهِ الْمَشْيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ فِي شَيْءٍ فَسَأَلَ الْقَاسِمَ فَقَالَ يَمْشِي إِلَى الْبَيْتِ
قَالَ وَحَدَّثَنِي مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ لَيْثٍ عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ قَالَ إِذَا قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ حَجَّةٌ أَوْ قَالَ عَلَيَّ حَجَّةٌ أَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ أَوْ قَالَ عَلَيَّ نَذْرٌ فَذَلِكَ كُلُّهُ سَوَاءٌ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَّا أَنَّ الْمَعْرُوفَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ غَيْرُ مَا ذكره عنه عبد الله بن أبي حبيبة
ذكر بن أبي شيبة قال حدثنا حماد بن أبي خَالِدٍ الْخَيَّاطُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هِلَالٍ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ مَنْ قَالَ عَلَيَّ الْمَشْيُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ إِلَّا أَنْ يَقُولَ عَلَيَّ نَذْرُ مَشْيٍ إِلَى الْكَعْبَةِ
وَرَوَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المسيب مثله
وعن بن الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ الْمَشْيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ فَقَالَ الْقَاسِمُ أَنَذْرٌ قَالَ لَا قَالَ فَلْيُكَفِّرْ يَمِينًا
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَظُنُّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ جَعَلَ قَوْلَ الْقَائِلِ ((عَلَيَّ الْمَشْيُ)) مِنْ بَابِ الْإِخْبَارِ بِالْبَاطِلِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ مَشْيًا فِي كِتَابِهِ وَلَا عَلَى رَسُولِهِ ﷺ فَإِذَا قَالَ ((نَذْرُ مَشْيٍ)) كَانَ قَدْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ الْمَشْيَ فَإِنْ كَانَ فِي طَاعَةٍ لَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِهِ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ((مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فليطعه
стр. 2052
فَهُمْ لَا يَرَوْنَ فِي قَوْلِ الرَّجُلِ ((عَلَيَّ الْمَشْيُ)) شَيْئًا حَتَّى يَقُولَ ((نَذَرْتُ)) أَوْ ((عَلَيَّ نَذْرُ مَشْيٍ)) أَوْ ((عَلَيَّ لِلَّهِ الْمَشْيُ)) وَذَا عَلَى وَجْهِ الشُّكْرِ لِلَّهِ وَطَلَبِ الْبِرِّ وَالْحَمْدِ فِيمَا يَرْجُو مِنَ اللَّهِ
فَالنَّذْرُ الْوَاجِبُ فِي الشَّرِيعَةِ إِيجَابُ الْمَرْءِ فِعْلَ الْبِرِّ عَلَى نَفْسِهِ هَذَا حَقِيقَةُ اللَّفْظِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ فِي مَسْأَلَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حبيبة ما ينكزه وَيُخَالِفُ مَا فِيهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ
وَذَلِكَ أَنَّهُ نَذَرَ عَلَى مُخَاطَرَةٍ وَالْعِبَادَاتُ إِنَّمَا تَصِحُّ بِالنِّيَّاتِ لَا بِالْمُخَاطَرَاتِ
وَهَذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ وَلَا إِرَادَةٌ فِيمَا جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ فَيَلْزَمُ فَكَيْفَ يَلْزَمُهُ مَا لَا يَقْصِدُ عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِ
وَفِي حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ خِلَافُ مَا رَوَى عَنْهُ غَيْرُهُ مِنَ الثِّقَاتِ
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ فِيمَنْ جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ الْمَشْيَ إِلَى مَكَّةَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ الْحَجَّ عَلَى نَفْسِهِ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً
قَالَ أَبُو عُمَرَ إنما أدخل مالك حديث بن أبي حَبِيبَةَ هَذَا لِأَنَّ فِيهِ إِيُجَابُ الْمَشْيِ دُونَ ذِكْرِ النَّظَرِ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ بن أَبِي حَبِيبَةَ كَانَ يَوْمَئِذٍ قَدِ احْتَلَمَ وَقَوْلُهُ ((ثُمَّ مَكَثْتُ حَتَّى عَقَلْتُ)) يُرِيدُ حَتَّى عَلِمْتُ مَا يَجِبُ عَلِيَّ لَا أَنَّهُ كَانَ صَغِيرًا لَا تَلْزَمُهُ الْعِبَادَاتُ وَعَلَى هَذَا يَجْرِي قَوْلُ مَالِكٍ الصَّغِيرُ لَا يَلْزَمُهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى فِي بَدَنِهِ
(٢ - بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ)
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَكَذَا تَرْجَمَةُ هَذَا الْبَابِ فِي الْمُوَطَّأِ وَفِي مَعْنَاهُ فِيمَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ فَمَشَى ثُمَّ عَجَزَ
٩٧٩ - ذَكَرَ فِيهِ مَالِكٌ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ أُذَيْنَةَ اللَّيْثِيِّ أَنَّهُ قَالَ خَرَجْتُ مَعَ جِدَّةٍ لِي عَلَيْهَا مَشْيٌّ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ عَجَزَتْ فَأَرْسَلَتْ مَوْلًى لَهَا يَسْأَلُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَخَرَجْتُ مَعَهُ فَسَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مُرْهَا فَلْتَرْكَبْ ثُمَّ لِتَمْشِ مِنْ حَيْثُ عَجَزَتْ
стр. 2053
قَالَ مَالِكٌ وَنَرَى عَلَيْهَا مَعَ ذَلِكَ الْهَدْيَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَيْسَ لِعُرْوَةَ بْنِ أُذَيْنَةَ فِي الْمُوَطَّأِ سِوَى هَذَا الْخَبَرِ وَهُوَ عُرْوَةُ بْنُ أُذَيْنَةَ وَأُذَيْنَةُ لَقَبٌ وَاسْمُهُ يَحْيَى بْنُ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عُمَرَ اللَّيْثِيُّ مِنْ بَنِي لَيْثِ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ كِنَانَةَ
قَالَ كَانَ شَاعِرًا رَقِيقَ الشِّعْرِ غَزِلًا وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ صَاحِبَ فِقْهٍ خَيِّرًا عِنْدَهُمْ
وَرَوَى عَنْهُ مَالِكٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ
وَلِجَدِّهِ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ رِوَايَةٌ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ
وَيُرْوَى عُرْوَةُ بْنُ أَبِي عَامِرٍ
مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ وَأَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَانَا يَقُولَانِ مِثْلَ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ رَوَى عَطَاءٌ عَنِ بن عُمَرَ خِلَافَ رِوَايَةِ مَالِكٍ عَنْهُ فِي حَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ أُذَيْنَةَ وَرِوَايَةُ عَطَاءٍ أَصَحُّ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ
ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أخبرنا بن جريج عن عطاء أن امرأة جاءت بن عُمَرَ فَقَالَتْ لَهُ نَذَرْتُ إِلَى اللَّهِ أَنْ أَمْشِيَ إِلَى مَكَّةَ فَلَمْ أَسْتَطِعْ فَقَالَ فَامْشِي مَا اسْتَطَعْتِ وَارْكَبِي ثُمَّ اذْبَحِي وَتَصَدَّقِي إِذَا وَصَلْتِ مَكَّةَ
فَأَمَرَهَا بِالْهَدْيِ وَلَمْ يَأْمُرْهَا بِأَنْ تَمْشِيَ مَا رَكِبَتْ
٩٨٠ - وَذَكَرَ مَالِكٌ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ كَانَ عَلَيَّ مَشْيٌ فَأَصَابَتْنِي خَاصِرَةٌ فَرَكِبْتُ حَتَّى أَتَيْتُ مَكَّةَ فَسَأَلْتُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ وَغَيْرَهُ فَقَالُوا عَلَيْكَ هَدْيٌ فَلَمَّا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ سَأَلْتُ عُلَمَاءَهَا فَأَمَرُونِي أَنْ أَمْشِيَ مَرَّةً أُخْرَى مِنْ حَيْثُ عَجَزْتُ فَمَشَيْتُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ فِيمَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ مَا يُوَضِّحُ لَكَ أَنَّ فَتْوَى أَهْلِ مَكَّةَ بِالْهَدْيِ بَدَلًا مِنَ الْمَشْيِ وَفَتْوَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِالْمَشْيِ مِنْ حَيْثُ عَجَزَ مِنْ غَيْرِ هَدْيٍ
وَأَجْمَعَ مَالِكٌ عَلَيْهِ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا احْتِيَاطًا لِمَوْضِعِ تَعَدِّيهِ الْمَشْيَ الَّذِي كَانَ يَلْزَمُهُ فِي سَفَرٍ وَاحِدٍ وَجَعَلَهُ فِي سَفَرَيْنِ قِيَاسًا عَلَى الْمُتَمَتِّعِ وَالْقَارِنِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - فَخَالَفَ بِذَلِكَ الطَّائِفَتَيْنِ مَعًا إِلَّا أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ السَّلَفِ
стр. 2054
ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنِ الشعبي عن بن عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلًا نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى مكة فإذا أَعْيَا رَكِبَ فَإِذَا كَانَ عَامَ قَابِلٍ مَشَى مَا رَكِبَ وَرَكِبَ مَا مَشَى وَأَهْدَى بَدَنَةً
قَالَ أَبُو عُمَرَ كَانَ نَذْرُهُ حَجًّا فَلِذَلِكَ قَالَ لَهُ فَإِذَا كَانَ عَامُ قَابِلٍ وَلَوْ كَانَ فِي عُمْرَةٍ لَمْ يُؤَخِّرْهُ إِلَى قَابِلٍ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ تُقْضَى فِي كُلِّ السَّنَةِ إِلَّا في أيام عمل الحج
ذكر بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنِ الشَعْبِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ يَمْشِي إِلَى الْكَعْبَةِ فَمَشَى نِصْفَ الطَرِيقِ وَرَكِبَ نِصْفًا فقال عامر قال بن عَبَّاسٍ يَرْكَبُ مَا مَشَى وَيَمْشِي مَا رَكِبَ مِنْ قَابِلٍ وَيُهْدِي بَدَنَةً
وَخَالَفَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ فَلَمْ يُوجِبِ الْهَدْيَ كَقَوْلِ سَلَفِ أهل المدينة
ذكر بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ عَنِ الْأَجْلَحِ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ الْبَجَلِيِّ قال كنت تحت ممشى بن الزُّبَيْرِ وَهُوَ عَلَيْهِ فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَحُجَّ مَاشِيًا فَمَشَيْتُ حَتَى إِذَا كَانَ مَوْضِعُ كَذَا خَشِيتُ أن يفوتني الحج فركبت فقال بن الزُّبَيْرِ ارْجِعْ عَامَ قَابِلٍ فَارْكَبْ مَا مَشَيْتَ وَامْشِ مَا رَكِبْتَ
وَرُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رِوَايَتَانِ إحداهما مثل قول بن عباس والأخرى مثل قول بن عمر وبن الزُّبَيْرِ
وَعَنِ الْحَسَنِ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ كَقَوْلِ عَطَاءٍ ذكرها بن أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ هِشَامِ عَنِ الْحَسَنِ فِي رَجُلٍ نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًا قَالَ يَمْشِي فَإِذَا انْقَطَعَ رَكِبَ وَأَهْدَى
فَالثَّلَاثَةُ الْأَقْوَالُ مَشْهُورَةٌ عَنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ مَحْفُوظَةٌ
أَحَدُهَا يَعُودُ وَيَمْشِي مِنْ حَيْثُ رَكِبَ وَلَا هَدْيَ
وَالثَّانِي يُهْدِي وَلَا يَعُودُ إِلَى الْمَشْيِ
وَالثَّالِثُ أَنْ يَعُودَ فَيَمْشِي ثُمَّ يُهْدِي
رُوِيَ هذا عن بن عَبَّاسٍ مِنْ طَرِيقٍ ثَابِتٍ
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ فِيهِ ضَعْفٌ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ قَوْلٌ رَابِعٌ فِيمَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إِلَى الْكَعْبَةِ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَنَّهُ يُخَيَّرُ إِنْ شَاءَ مَشَى وَإِنْ شَاءَ رَكِبَ وأهدى
стр. 2055
رَوَاهُ قَتَادَةُ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ عَلِيٍّ وَالْحَكَمِ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلِيٍّ
وَرَوَى مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ قُسَيْطٍ مِثْلَهُ
قَالَ الشَّافِعِيُّ مَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ لَزِمَهُ إِنْ قَدِرَ عَلَى الْمَشْيِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ رَكِبَ وَأَهْرَاقَ دَمًا احْتِيَاطًا مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُطِقْ شَيْئًا سَقَطَ عَنْهُ
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْهَدْيِ الْوَاجِبِ عِنْدَهُ فِي هَذَا الْبَابِ بَدَنَةً أَوْ بَقَرَةً فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَهْدَى شَاةً
هَذَا قَوْلُهُ فِي ((الْمُوَطَّأِ)) وَغَيْرِهِ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ مَنْ حَلَفَ بِالْمَشْيِ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ أَوْ إِلَى مِكَّةَ ثُمَّ حَنِثَ أَنَّهُ يَمْشِي وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أَوْ عُمْرَةٌ فَإِنَّ رَكِبَ فِي ذَلِكَ أَجْزَأَهُ وَعَلَيْهِ دَمٌ
وَأَجَازُوا لَهُ الرُّكُوبَ وَإِنْ لَمْ يَعْجَزْ عَنِ الْمَشْيِ مَعَ الدَّمِ
وَفِي هَذَا الْبَابِ
سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَقُولُ لِلرَّجُلِ أَنَا أَحْمِلُكَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ فَقَالَ مَالِكٌ إِنْ نَوَى أَنْ يَحْمِلَهُ عَلَى رَقَبَتِهِ يُرِيدُ بِذَلِكَ الْمَشَقَّةَ وَتَعَبَ نَفْسِهِ فَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَلْيَمْشِ عَلَى رِجْلَيْهِ وَلْيُهْدِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَوَى شَيْئًا فَلْيَحْجُجْ وَلْيَرْكَبْ وَلْيَحْجُجْ بِذَلِكَ الرَّجُلِ مَعَهُ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ أَنَا أَحْمِلُكَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ فَإِنَّ أَبَى أَنْ يَحُجَّ مَعَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ السُّنَّةُ الثَّابِتَةُ فِي هَذَا الْبَابِ دَالَّةٌ عَلَى طَرْحِ الْمَشَقَّةِ فِيهِ عَنْ كِلِّ مُتَقَرِّبٍ إِلَى اللَّهِ بِشَيْءٍ مِنْهُ
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ حَدَّثَنَا عبد الرزاق قال أخبرنا بن جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا الْخَيْرِ حَدَّثَهُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ فَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَفْتَيْتُ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قال ((لِتَمْشِ)) - يَعْنِي مَا قَدِرَتْ - ((وَلْتَرْكَبْ)) وَلَا شَيْءَ عليها
стр. 2056
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَمْ يَأْمُرْهَا ﷺ بِهَدْيٍ وَلَمْ يُلْزِمْهَا مَا عَجَزَتْ عَنْهُ وَلَمْ تَقْدِرْ عَلَيْهِ
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا هشام عن قتادة عن عكرمة عن بن عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ أُخْتَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ مَاشِيَةً قَالَ ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَغَنِيٌ عَنْ نَذْرِهَا مُرْهَا أَنْ تَرْكَبَ))
قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَهَكَذَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ وَخَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ عِكْرِمَةَ
وَرَوَاهُ همام عَنْ قَتَادَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ فَلْتَرْكَبْ وَلْتُهْدِ
وَلَيْسَ هَمَّامٌ بِحُجَّةٍ فِيمَا خَالَفَهُ فِيهِ هِشَامٌ عَنْ قَتَادَةَ
وَأَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا شَيْخُهُ قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَعْوَرُ وَمُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الرُّعَيْنِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ حَاجَّةً إِلَى بَيْتِ اللَّهِ غَيْرَ مُخْتَمِرَةٍ فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ ((مُرْ أُخْتَكَ فَلْتَخْتَمِرْ وَلْتَرْكَبْ وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ))
قَالَ أَبُو عُمَرَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَلَفَتْ مَعَ نَذْرِهَا وَعَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَيْرَهَا فَأَمَرَهَا بِالصِّيَامِ فِي كَفَّارَةِ يَمِينِهَا
وَذَلِكَ بِالْمُوَطَّأِ فِي حَدِيثِ بن عَبَّاسٍ
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ قَالَ حَدَّثَنَا شَرِيكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى آلِ طلحة عن كريب عن بن عَبَّاسٍ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقال إن أختي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ مَاشِيَةً فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((إِنَّ اللَّهَ لَا يَصْنَعُ بِشَقَاءِ أُخْتِكَ شَيْئًا فَلْتَحُجَّ رَاكِبَةً وَلْتُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهَا))
وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ
стр. 2057
وَحَدَّثَنَا سَعِيدٌ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ
قَالَا حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا يُهَادَى بَيْنَ ابْنَيْهِ فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ فَقَالَ ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَغَنِيٌ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ)) وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْكَبَ
زَادَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ فَرَكِبَ وَلَمْ يَذْكُرْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا هَدْيًا وَلَا صَوْمًا
وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عِمْرَانُ الْقَطَّانُ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ نَذَرَتِ امْرَأَةٌ أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ فَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَغَنِيٌّ عَنْ مَشْيِهَا مُرْهَا فَلْتَرْكَبْ))
وَلَمْ يَذْكُرْ هَدْيًا وَلَا صَوْمًا
وَالْقَوْلُ قَوْلُ يَحْيَى الْقَطَّانِ وَيَزِيدَ بْنِ هَارُونَ عَنْ حُمَيْدٍ فِي هذا الحديث والله أعلم
وذكر بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِلرَّجُلِ أَنَا أَحْمِلُكَ عَلَى أَشْفَارِ عَيْنَيْهِ قَالَ يَحُجُّ وَيُهْدِي بَدَنَةً
وَهَذَا نَحْوُ قَوْلِ مَالِكٍ
وَإِنَّمَا أَوْجَبَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْبَابِ الْهَدْيَ دُونَ الصَّدَقَةِ وَالصَّوْمِ وَغِيَرِهَا مِنْ أَفْعَالِ الْبِرِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِأَنَّ الْمَشْيَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ
وَالْقُرُبَاتُ بِمَكَّةَ أَفْضَلُهَا إِرَاقَةُ دِمَاءِ الْهَدَايَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِمِنًى وَبِمَكَّةَ إِحْسَانًا إِلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ وَمَنْ حَضَرَ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ
عَنِ الرَّجُلِ يَحْلِفُ بِنُذُورٍ مُسَمَّاةٍ مَشْيًا إِلَى بَيْتِ اللَّهِ أَنْ لَا يُكَلِّمَ أَخَاهُ أَوْ أَبَاهُ بِكَذَا وَكَذَا نَذْرًا لِشَيْءٍ لَا يَقْوَى عَلَيْهِ وَلَوْ تَكَلَّفَ ذَلِكَ كُلَّ عَامٍ لَعَرَفَ أَنَّهُ لَا يَبْلُغُ عُمْرُهُ مَا جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ ذَلِكَ فَقِيلَ لَهُ هَلْ يُجْزِيهِ مِنْ ذَلِكَ نَذْرٌ وَاحِدٌ أَوْ نُذُوُرٌ مُسَمَّاةٌ فَقَالَ مَالِكٌ مَا أَعْلَمُهُ يُجْزِئُهُ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا الْوَفَاءُ بِمَا جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ فَلْيَمْشِ ما قدر
стр. 2058
عَلَيْهِ مِنَ الزَّمَانِ وَلْيَتَقَرَّبْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَا اسْتَطَاعَ مِنَ الْخَيْرِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَمْ يَذْكُرْ هُنَا هَدْيًا لِأَنَّهُ قَدْ سَقَطَ عَنْهُ مَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ وَيَتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ بِمَا اسْتَطَاعَ مِنَ الْخَيْرِ الْهَدْيَ فَهُوَ أَصْلُهُ فِي هَذَا الْبَابِ وَيُحْتَمَلُ سَائِرُ نَوَافِلَ الْخَيْرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
(٣ - بَابُ الْعَمَلِ فِي الْمَشْيِ إِلَى الْكَعْبَةِ)
٩٨١ - ذَكَرَ فِيهِ مَالِكٌ إِنْ أَحْسَنَ مَا سَمِعْتُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الرَّجُلِ يَحْلِفُ بِالْمَشْيِ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ أَوِ الْمَرْأَةِ فَيَحْنَثُ أَوْ تَحْنَثُ أَنَّهُ إِنْ مَشَى الْحَالِفُ مِنْهُمَا فِي عُمْرَةٍ فَإِنَّهُ يَمْشِي حَتَّى يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَإِذَا سَعَى فَقَدْ فَرَغَ وَأَنَّهُ إِنْ جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ مَشْيًا فِي الْحَجِّ فَإِنَّهُ يَمْشِي حَتَّى يَأْتِيَ مَكَّةَ ثُمَّ يَمْشِي حَتَّى يَفْرُغَ مِنَ الْمَنَاسِكِ كُلِّهَا وَلَا يَزَالُ مَاشِيًا حَتَّى يُفِيضَ
قَالَ مَالِكٌ وَلَا يَكُونُ مَشْيٌ إِلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّا قَوْلُهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَهْلَ الْعِلْمِ (فِي الرَّجُلِ يَحْلِفُ بِالْمَشْيِ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ) فَهَذَا مَذْهَبُهُ وَمَذْهَبُ مَنْ سَمِعَ مِنْهُ فِي التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْحَالِفِ بِالْمَشْيِ إِلَى الْكَعْبَةِ وَبَيْنَ النَّاذِرِ
وَفِي قَوْلِهِ ((أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ)) بَيَانٌ أَنَّهُ سَمِعَ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ
وَأَمَّا النَّاذِرُ فَقَدْ مَضَى الْخِلَافُ فِيهِ
وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ النَّذْرَ الطَّاعَةَ يَلْزَمُ صَاحِبَهُ الْوَفَاءُ بِهِ وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ
وَأَمَّا الْحَالِفُ إِلَى مَكَّةَ أَوْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَنَذْكُرُ الْخِلَافَ هُنَا بِعَوْنِ اللَّهِ وَفَضْلِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْحَالِفِ بِالْمَشْيِ وَهُوَ يُرِيدُ الْحَجَّ أَنَّهُ يَمْشِي - يَعْنِي مِنْ مَوْضِعِهِ - حَتَّى يَأْتِيَ مَكَّةَ ثُمَّ يَقْضِي الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا فَعَلَى هَذَا أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي النَّاذِرِ دُونَ الْحَالِفِ
وَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي الْحَالِفِ بِالْمَشْيِ إِلَى الْكَعْبَةِ فِيمَا بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
ويروى عن بن عَبَّاسٍ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّهُمَا قَالَا مَنْ جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ الْمَشْيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ رَكِبَ مِنْ بَلَدِهِ فَإِذَا جَاءَ الْحَرَمَ نَزَلَ إِلَى أَنْ يَطُوفَ طَوَافَ
стр. 2059
- الْإِفَاضَةِ إِنْ كَانَ حَاجًّا وَإِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا حَتَّى يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ يَرْكَبُ حَتَّى يَأْتِيَ الْمِيقَاتَ - يَعْنِي مِيقَاتَ بَلَدِهِ - ثُمَّ يَمْشِي إِلَى أَنْ يُتِمَّ حَجَّهُ أَوْ عُمْرَتَهُ
وَقَالَ الْحَسَنُ يَمْشِيِ مِنَ الْأَرْضِ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا
وَرُوِيَ عَنْ مجاهد مثله
وقاله بن جُرَيْجٍ وَجَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْمَشْيِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَإِنَّ مَكَّةَ لَا تُدْخَلُ إِلَّا بِإِحْرَامٍ وَأَقَلُّ الإحرام عمرة
وقد شذ بن شِهَابٍ فَأَجَازَ دُخُولَهَا بِغَيْرِ إِحْرَامٍ
وَسَنَذْكُرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي مَوْضِعِهَا مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي الْحَالِفِ فِي الْمَشْيِ إِلَى مَكَّةَ وَالَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ
فَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي ذَلِكَ كَالْمَشْهُورِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ مَنْ حَلَفَ بِالْمَشْيِ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ أَوْ إِلَى مَكَّةَ أَوْ إِلَى الْكَعْبَةِ فَإِنَّهُ يَمْشِي وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أَوْ عُمْرَةٌ فَإِنَّ رَكِبَ فِي ذَلِكَ أَجْزَأَهُ وَعَلَيْهِ دَمٌ
قَالَ وَلَوْ حَلَفَ بِالْخُرُوجِ أَوِ الذَّهَابِ إِلَى الْكَعْبَةِ أَوْ حَلَفَ بِالْمَشْيِ إِلَى الْحَرَمِ أَوِ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ حَلَقَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ حَلِفُهُ بِالْمَشْيِ إِلَى الْحَرَمِ كَالْكَعْبَةِ
وَلَا خِلَافَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْحَالِفِ كَذَلِكَ وَالنَّاذِرِ سَوَاءٌ وَأَنَّهُمَا يَلْزَمُهُمَا الْمَشْيُ مِنْ بَلَدِهِمَا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ عَلَى سَنَتِهِمَا
وَعَلَى هَذَا جُمْهُورُ أَصْحَابِهِ إِلَّا رواية جاءت عن بن الْقَاسِمِ أَفْتَى بِهَا ابْنَهُ عَبْدَ الصَّمَدِ رَوَاهَا الثِّقَاتُ الْعُدُولُ
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ
وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قَاسِمٍ وَأَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَا أَخْبَرَنَا قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّ عَبْدَ الصَّمَدِ بَنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمَ أَخْبَرَهُ قَالَ حَلَفَ أَخِي بِالْمَشْيِ إِلَى مَكَّةَ فِي بَيْتِي فَحَنِثَ فَسَأَلْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمَ عَنْ ذَلِكَ وَأَخْبَرْتُهُ بِيَمِينِهِ فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَقَالَ مَا دَعَاهُ أَنْ يَحْلِفَ بِهَذَا قُلْتُ قَدْ فَعَلَ! قَالَ مُرْهُ أَنْ يُكَفِّرَ فَيَمِينُهُ خَبِيثَةٌ وَلَا يَعُودَ
стр. 2060
قَالَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ لِي أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ فَذَكَرْتُهَا لِابْنِ وضاح فأنكرها وقال لي المعروف عن بن الْقَاسِمِ غَيْرُ ذَلِكَ فَقُلْتُ أَخْبَرَنِي بِهِ ثِقَةٌ فَقَالَ مَنْ هُوَ فَقَالَ قُلْتُ قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ فَسَكَتَ
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْأَصْبَغِ يُعْرَفُ بِابْنِ مَلِيحٍ قَالَ حَدَّثَنَا مِقْدَامُ بْنُ دَاوُدَ عَنْ عَمِّهِ سَعِيدِ بْنِ تَلِيدٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمَ أَفْتَى ابْنَهُ عَبْدَ الصَمَدِ وَكَانَ حَلَفَ بِالْمَشْيِ إِلَى مَكَّةَ فَحَنِثَ بِكَفَّارَةِ يَمِينٍ
قَالَ وَحَلَفَ مَرَّةً أُخْرَى بِصَدَقَةِ مَا يَمْلِكُ وَحَنِثَ فَأَفْتَاهُ بِكَفَّارَةِ يَمِينٍ وَقَالَ لَهُ إِنِّي قَدْ أَفْتَيْتُكَ بِقَوْلِ اللَّيْثِ فَإِنْ عُدْتَ فَلَا أُفْتِكَ إِلَّا بِقَوْلِ مَالِكٍ
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ إِذَا حَلَفَ بِالْمَشْيِ إِلَى مَكَّةَ أَوْ بِثَلَاثِينَ حَجَّةً أَوْ بِصِيَامٍ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْيَمِينِ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَيْمَانِ سِوَى الطَّلَاقِ فَإِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ
فَفِي قَوْلِ أَصْحَابِنَا كُلِّهِمْ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَبِي عُبَيْدٍ
فَإِنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ فَقَدْ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ لَا كَفَّارَةَ لَهُ وَأَنَّهُ إِنْ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ فَالطَّلَاقُ لَازِمٌ لَهُ
وَاخْتَلَفُوا فِي الْعِتْقِ
فَقَالَ أَكْثَرُهُمْ الطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ سَوَاءٌ لَا كَفَّارَةَ فِي الْعَتَاقِ كَمَا لَا كَفَّارَةَ فِي الطَّلَاقِ
وَهُوَ لَازِمٌ لِلْحَالِفِ بِهِ كَلُزُومِ الطَّلَاقِ
وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وأصحابه وأحمد بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَإِسْحَاقُ
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ مَنْ حَلَفَ بِالْعِتْقِ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَلَا عِتْقَ عَلَيْهِ
وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ ﵎ أَوْجَبَ فِي كِتَابِهِ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ عَلَى كُلِّ حَالِفٍ فَقَالَ (ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ) الْمَائِدَةِ ٨٩
يَعْنِي فَحَنِثْتُمْ
فَكُلُّ يَمِينٍ حَلَفَ بِهَا الْإِنْسَانُ فَحَنِثَ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ عَلَى ظَاهِرِ الْكِتَابِ إِلَّا أَنَّ مُجْتَمَعَ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مَا
стр. 2061
وَلَمْ يُجْمِعُوا عَلَى ذَلِكَ إِلَّا فِي الطَّلَاقِ فَأَسْقَطْنَا عَنِ الْحَالِفِ بِالطَّلَاقِ الْكَفَّارَةَ وَأَلْزَمْنَاهُ الطَّلَاقَ لِلْإِجْمَاعِ
وَجَعَلْنَا فِي الْعِتْقِ الْكَفَّارَةَ لِأَنَّ الْأُمَّةَ لَمْ تُجْمِعْ عَلَى أَنْ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ وَطَاوُسٍ مِثْلُ قَوْلِ أَبِي ثَوْرٍ
وَالَّذِي أَذْهَبُ إِلَيْهِ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ كَفَّارَةُ يمين في ما عَدَا الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ((كُلُّ يَمِينٍ لَيْسَ فِيهَا طَلَاقٌ وَلَا عِتْقٌ فَكَفَّارَتُهَا كَفَّارَةُ يَمِينٍ))
قَالَ أَبُو عُمَرَ الْخِلَافُ الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو ثَوْرٍ فِي الْعِتْقِ هُوَ مَا رَوَاهُ مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ عن بكر بن عبد الله المزني عن أَبِي رَافِعٍ أَنَّ مَوْلَاتَهُ حَلَفَتْ بِالْمَشْيِ إِلَى مَكَّةَ وَكُلُّ مَمْلُوكٍ لَهَا حُرٌّ وَهِيَ يَوْمًا يَهُودِيَّةٌ وَيَوْمًا نَصْرَانِيَّةٌ وَكُلُّ شَيْءٍ لَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امرأته فسألت بن عمر وبن عَبَّاسٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ فَكُلُّهُمْ قَالَ لَهَا كَفِّرِي يَمِينَكِ وَخَلِّي بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ فَفَعَلَتْ
رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ وَقَدْ رَوَى يُونُسُ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ إِنِّي جَعَلْتُ كُلَّ مَمْلُوكٍ لِي حُرًّا إِنْ شَارَكْتُ أَخِي قَالَ شَارِكْ أَخَاكَ وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ
وَهُوَ قَوْلُ الْقَاسِمِ وَسَالِمٍ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَطَاوُسٍ وَقَتَادَةَ
وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ
وَذَكَرَ دَاوُدُ فِي الْحَالِفِ بِالْمَشْيِ إِلَى مَكَّةَ وَبِصَدَقَةِ مَالِهِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ كَفَّارَةٍ وَلَا غَيْرِهَا
وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وَالْحَاكِمِ والحارث العقيلي وبن أَبِي لَيْلَى
وَبِهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ لِأَنَّ الْحَالِفَ لَيْسَ بِنَاذِرٍ طَاعَةً فَيَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهَا وَلَا بِحَالِفٍ بِاللَّهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ الْحَالِفِ بِالْيَمِينِ بِاللَّهِ
وَلَا يُخْرِجُ مَالَهُ عَنْ نَفْسِهِ مَخْرَجَ الْقُرْبَةِ وَإِنَّمَا أَخْرَجَهُ مَخْرَجَ الْحِنْثِ فِي يَمِينِهِ إِنَّ حَنِثَ وَإِنْ لَمْ يَحْنَثْ لَمْ يُخْرِجْهُ
وَهَذَا لَا يُشْبِهُ النَّذْرَ الَّذِي يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ وَشُكْرِهِ وَإِنْفَاذِ طَاعَتِهِ وَلَا هُوَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى
стр. 2062
قَالُوا وَالْحَالِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ لَيْسَ بِحَالِفٍ عِنْدَنَا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ نَهَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِ ﷺ أَنْ يَحْلِفَ بِالْآبَاءِ وَأَنْ يَحْلِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
(٤ - بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ النُّذُورِ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى -)
٩٨٢ - ذَكَرَ فِيهِ مَالِكٌ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ وَثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَحَدُهُمَا يَزِيدُ فِي الْحَدِيثِ عَلَى صَاحِبِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا قَائِمًا فِي الشَّمْسِ فَقَالَ ((مَا بَالُ هَذَا)) فَقَالُوا نَذَرَ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ وَلَا يَسْتَظِلَّ مِنَ الشَّمْسِ وَلَا يَجْلِسَ وَيَصُومَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((مُرُوهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَجْلِسْ وَلْيُتِمَّ صِيَامَهُ))
قَالَ مَالِكٌ وَلَمْ أَسْمَعْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَهُ بِكَفَّارَةٍ وَقَدْ أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُتِمَّ مَا كَانَ لِلَّهِ طَاعَةً وَيَتْرُكَ مَا كَانَ لِلَّهِ مَعْصِيَةً
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا الْحَدِيثُ يَتَّصِلُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ وُجُوهٍ مِنْ حديث جابر ومن حديث بن عَبَّاسٍ وَمِنْ حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَمِنْ حَدِيثِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِي إِسْرَائِيلَ - رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ
وَأَظُنُّ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ حَدِيثَ جَابِرٍ هُوَ هَذَا لِأَنَّ مُجَاهِدًا رَوَاهُ عَنْ جَابِرٍ وَحُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ صَاحِبِ مُجَاهِدٍ
قَالَ حَدَّثَنَاهُ أَبُو عُمَرَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ
قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل عَنْ مُحَمْدِ بْنِ إِسْحَاقَ
стр. 2063
عَنْ أَبَانِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ كَانَ أَبُو إِسْرَائِيلَ رَجُلًا مِنْ بَنِي فِهْرٍ فَنَذَرَ لَيَقُومَنَّ فِي الشَّمْسِ حَتَّى يُصَلِّيَ النَّبِيُّ ﷺ الْجُمُعَةَ وَلَيَصُومَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ فَرَآهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ ((مَا شَأْنُهُ)) فَأَخْبَرُوهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يَجْلِسَ وَيَتَكَلَّمَ وَيَصُومَ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِكَفَّارَةٍ
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السُّكُوتَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ لَيْسَ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ
وَكَذَلِكَ الْجُلُوسُ لِلشَّمْسِ وَفِي مَعْنَاهُ كُلُّ مَا يَتَأَذَّى بِهِ الْإِنْسَانُ مِمَّا لَا طَاعَةَ فِيهِ بِنَصِّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ
وَكَذَلِكَ الْحَفَاءُ وَغَيْرُهُ مِمَّا لَمْ تَرِدِ الشَّرِيعَةُ بِصُنْعِهِ إِذْ لَا طَاعَةَ لِلَّهِ فِيهِ وَلَا قُرْبَةَ
وَإِنَّمَا الطَّاعَةُ مَا أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ يَتَقَرَّبُ بِعَمَلِهِ إِلَى اللَّهِ
وَيَدُلُّ أَيْضًا أَنَّ كُلَّ مَا لَيْسَ لَهُ بِطَاعَةٍ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَعْصِيَةِ فِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ وَلَا الْكَفَّارَةُ عَنْهُ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ
٩٨٣ - مَالِكٌ عَنْ طِلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأَيْلِيٌ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّدِّيقِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ((مَنْ نَذَرَ أَنْ يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه يحيى))
قَالَ يَحْيَى وَسَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ مَعْنَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ أَنْ يَنْذِرَ الرَّجُلُ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى الشَّامِ أَوْ إِلَى مِصْرَ أَوْ إِلَى الرَّبَذَةِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ لِلَّهِ بِطَاعَةٍ إِنْ كَلَّمَ فُلَانًا أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ إِنْ هُوَ كَلَّمَهُ أَوْ حَنِثَ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ طَاعَةٌ وَإِنَّمَا يُوفِّي لِلَّهِ بِمَا لَهُ فِيهِ طَاعَةٌ
وهو قول من قال إن مَنْ نَذَرَ مَعْصِيَةً كَانَ عَلَيْهِ مَعَ تَرْكِهَا كَفَّارَةُ يَمِينٍ
وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَسُفْيَانُ وَالْكُوفِيُّونَ
وَإِنِ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَحَدِيثِ عَائِشَةَ جَمِيعًا عَنِ النَّبِيِّ
стр. 2064
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ (لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ)) قِيلَ لَهُ هَذَانَ حَدِيثَانِ مُضْطَرِبَانِ لَا أَصْلَ لَهُمَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ لِأَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ إِنَّمَا يَدُورُ عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ أَرْقَمَ وهو متروك الحديث وعنه رواه بن شِهَابٍ لَا يَصِحُّ عَنْهُ غَيْرُ ذَلِكَ وَقَدْ أَوْضَحْنَا ذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ وَحَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ يَدُورُ عَلَى زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ وَأَبُوهُ مَجْهُولٌ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ ابْنِهِ زُهَيْرٍ وَزُهَيْرٌ أَيْضًا عِنْدَهُ مَنَاكِيرُ
وَيَدُلُّ هَذَا الْحَدِيثُ أَيْضًا عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَنْحَرَ ابْنَهُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلِيهِ مِنْ كَفَّارَةٍ وَلَا غَيْرِهَا لِأَنَّهُ لَا مَعْصِيَةَ أَعْظَمُ مِنْ إِرَاقَةِ دَمِ مُسْلِمٍ
وَلَا مَعْنَى لِلِاعْتِبَارِ فِي ذَلِكَ بِكَفَّارَةِ الظِّهَارِ فِي قَوْلِ الْمُنْكَرِ وَالزُّورِ لِأَنَّ الظِّهَارَ لَيْسَ بِنَذْرٍ
وَالنَّذْرُ فِي الْمَعْصِيَةِ قَدْ جَاءَ فِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَوْلًا وَعَمَلًا
وَأَمَّا الْعَمَلُ فَهُوَ مَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ هَذَا
وَأَمَّا الْقَوْلُ فَحَدِيثُ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ((أَنَّهُ مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يَعْصِهِ))
رَوَاهُ جُمْهُورِ رُوَاةِ مَالِكٍ عَنْ مَالِكٍ عن طلحة بن عبد الملك الأيلي عن الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يَرْوِهِ يَحْيَى بَنُ يَحْيَى صَاحِبُنَا
حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ طِلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ((مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعَصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ))
وَقَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِنْ طُرُقِهِ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ فِي التَّمْهِيدِ
٩٨٤ - وَذَكَرَ مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ محمد أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ أَتَتِ امْرَأَةٌ إِلَى عَبْدِ الله بن عباس فقالت إني نذرت أن أنحر ابني فقال
стр. 2065
بن عَبَّاسٍ لَا تَنْحَرِي ابْنَكِ وَكَفِّرِي عَنْ يَمِينِكِ فقال شيخ عند بن عَبَّاسٍ وَكَيْفَ يَكُونُ فِي هَذَا كَفَّارَةٌ فَقَالَ بن عَبَّاسٍ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ) الْمُجَادَلَةُ ٢ ثُمَّ جَعَلَ فِيهِ مِنَ الْكَفَّارَةِ مَا قَدْ رَأَيْتَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ رُوِيَ هَذَا الْخَبَرُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ جُرَيْجٍ كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ سَوَاءً بِمَعْنًى وَاحِدٍ
وَاخْتَلَفَتِ الروايات عن بن عباس في هذه المسألة
ففي رواية بن الْقَاسِمِ مُحَمَّدٍ عِنْدَنَا قَالَ ذَكَرَ مَالِكٌ فِي حَدِيثِهِ هَذَا كَفَّارَةُ يَمِينٍ تُجْزِئُهُ
وَرَوَى عَنْهُ الشَّعْبِيُّ فِي رَجُلٍ نَذَرَ أَنْ يَنْحَرَ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ كَمَا فَدَى بِهَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ ابْنَهُ قَالَ وَقَالَ مَرَّةً يُجْزِئُ كَبْشٌ كَمَا فَدَى بِهِ إِبْرَاهِيمُ ابْنَهُ
قَالَ الشَّعْبِيُّ فَسَأَلْتُ مَسْرُوقًا فَقَالَ هَذَا مِنْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ
وَرَوَى عَنْهُ عِكْرِمَةُ مَوَلَاهُ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ هُوَ يَنْحَرُ ابْنَهُ قَالَ كَبْشٌ كَمَا فَدَى بِهِ إِبْرَاهِيمُ إِسْحَاقَ
وَرَوَى عَنْهُ الْحَكَمُ قَالَ يُهْدِي دِيَتَهُ أَوْ قَالَ يُهْدِي كَبْشًا ثُمَّ تَلَا (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) الصَّافَّاتِ ١٠٧
وَرَوَى عَنْهُ طَاوُسٌ فِي رَجُلٍ نَذَرَ أَنْ يَنْحَرَ نَفْسَهُ قَالَ مِائَةُ بَدَنَةٍ
وَقَدْ رَوَى عكرمة عن بن عَبَّاسٍ مِثْلَهُ فِي الَّذِي يَنْذِرُ أَنْ يَنْحَرَ ابْنَهُ مِائَةُ نَاقَةٍ
وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمَرْأَةِ الَّتِي نَذَرَتْ أَنْ تَنْحَرَ ابْنَهَا قَالَ إِنْ نَوَتْ وَجْهَ مَا يُنْحَرُ مِنَ الْهَدْيِ فَعَلَيْهَا الْهَدْيُ وَإِنْ لَمْ تَنْوِ شَيْئًا فَلَا شَيْءَ عليها
وذكر بن عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ قَالَ مَالِكٌ مَنْ قَالَ أَنَا أَنْحَرُ وَلَدِي عِنْدَ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ فِي يَمِينٍ ثُمَّ حَنِثَ فَعَلَيْهِ هَدْيٌ
قَالَ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَنْحَرَ ابْنَهُ وَلَمْ يَقُلْ عِنْدَ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ وَلَا أَرَادَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ
قَالَ وَمَنْ جَعَلَ ابْنَهُ هَدْيًا أَهْدَى عَنْهُ
قَالَ اللَّيْثُ فِي الرَّجُلِ أَوِ الْمَرْأَةِ يَقُولُ هُوَ يَنْحَرُ ابْنَهُ عِنْدَ الْبَيْتِ قَالَ يَحُجُّ بِابْنِهِ وَيَنْحَرُ هَدْيًا
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ مثل ذلك وغيره في مثله ذلك
стр. 2066
وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فِي رَجُلٍ نَذَرَ أَنْ يَنْحَرَ ابْنَهُ فَقَالَ يُهْدِي دِيَتَهُ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ يُهْدِي شَاةً
وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ عَطَاءٍ فَرُوِيَ عَنْهُ كَبْشٌ وَرُوِيَ عَنْهُ بَدَنَةٌ
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ فِيمَنْ نَذَرَ أَنْ يَنْحَرَ ابْنَهُ قَالَ يُحِجُّهُ
وَعَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ يَذْبَحُ كَبْشًا وَيَتَصَدَّقُ بِلَحْمِهِ
وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ يُحِجُّهُ وَيُهْدِي بَدَنَةَ
وَعَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ يُهْدِي كَبْشًا
وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ أَيْضًا أَنَّهُ يُحِجُّهُ فَقَطْ رَوَاهُ عَنْهُ حَمَّادٌ وَمَنْصُورٌ
وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ كِتَابِ عَبْدِ الرزاق وكتاب بن أبي شيبة
وذكر بْنِ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ عُثْمَانَ وبن عباس وبن عُمَرَ قَالُوا يُهْدِي جَزُورًا
قَالَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ يُهْدِي كَبْشًا
قَالَ أَبُو عُمَرَ الرِّوَايَةُ الْأُولَى عَنْ مَسْرُوقٍ ذَكَرَهَا أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ هَذَا مِنْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ
قَالَ أَبُو عُتْبَةَ وَمَنْ حلف بنحر ولده أو وَلَدِهِ مِنْ بَنِي آدَمَ ثُمَّ حَنِثَ فَعَلَيْهِ فِي ذَلِكَ - بِنَحْرِ وَلَدِهِ - شَاةٌ وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ حَلِفِهِ بِنَحْرِ غَيْرِ وَلَدِهِ شَيْءٌ
وَقَالَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ فِي الْحَلِفِ بِنَحْرِهِ غَيْرَهُ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِ فِي الْحَلِفِ بِنَحْرِهِ وَلَدَهُ إِذَا حَنِثَ
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَسَاقَهُ الطَّحَاوِيُّ
وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ الثَّوْرِيِّ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ للرجل أنا أهديك فيحنث
قال أخبرني معمرة عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَفِرَاسٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُمَا قَالَا يُحِجُّهُ
وَقَالَ مَالِكٌ إِنْ لَمْ يُرِدِ الرَّجُلُ أَنْ يُحِجَّهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ الصَّحِيحُ عِنْدِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا قَالَهُ مَسْرُوقٌ وَغَيْرُهُ وَذَلِكَ سُقُوطُ الْكَفَّارَةِ عَنْ مَنْ نَذَرَ نَحْرَ ابْنِهِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ مِنَ الْأَشْيَاءِ لَمَّا تَرَكَ نَحْرَهُ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ
وَنَحْرُ الْمُسْلِمِ مَعْصِيَةٌ لَا شَكَّ فِيهِ وَمَنْ جَعَلَ فِيهِ كَفَّارَةَ يَمِينٍ فَلِلْحَدِيثِ لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَهُوَ حَدِيثٌ مَعْلُولٌ وَحَدِيثُ عِائِشَةَ أَصَحُّ مِنْهُ وَأَثْبَتُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ وَاقَدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَزَا فَنَذَرَتِ امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ إِنْ رَدَّهُ اللَّهُ سَالِمًا أَنْ تَضْرِبَ عِنْدَهُ بِالدُّفِّ فَرَجَعَ وَقَدْ غَنِمَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي نَذَرْتُ إِنْ رَدَّكَ اللَّهُ سَالِمًا أَنْ أَضْرِبَ عِنْدَكَ بِالدُّفِّ فَقَالَ إِنْ كُنْتِ فَعَلْتِ فَافْعَلِي وَإِلَّا فَلَا قَالَتْ فَإِنِّي قَدْ فَعَلْتُ قَالَ فَضَرَبَتْ
(٥ - بَابُ اللَّغْوِ فِي الْيَمِينِ)
٩٨٥ - ذَكَرَ فِيهِ مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ لَغْوُ الْيَمِينِ قَوْلُ الْإِنْسَانِ (لَا وَاللَّهِ) وَ (بَلَى وَاللَّهِ)
هَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى عن مالك وتابعه القعنبي وطائفة
ورواه بن بكير وجماعة عن مالك بإسناده فقالوا فيه لا وَاللَّهِ وَبَلَى وَاللَّهِ
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ جُمْهُورُ الرُّوَاةِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ
وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ عَائِشَةَ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ بِمَعْنَى حَدِيثِ هِشَامٍ عَنْ أَبَيْهٍ سَوَاءً
وَأَخْطَأَ فِيهِ عُمَرُ بْنُ قَيْسٍ فَرَوَاهُ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عَائِشَةَ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَذَكَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ عِنْدَ ذِكْرِ قَوْلِ مَالِكٍ
وَرَوَاهُ عَنْ هِشَامٍ جَمَاعَةٌ أَيْضًا مِنْهُمُ الثَوْرِيُّ وشعبة وبن جريج
ورواه عن عروة بن شهاب كما رواه ابنه هشام
стр. 2067
كَمَا رَوَاهُ ابْنُهُ هِشَامٌ
стр. 2068
قال أبو عمر روى بن الْمُبَارَكِ وَعَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ وَعَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَغَيْرُهُمْ بِمَعْنًى وَاحِدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ اللَّغْوُ الَّذِي ذَكَرَهُ لَا وَاللَّهِ وَبَلَى وَاللَّهِ
وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ قَالَ أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ) الْبَقَرَةِ ٢٢٥ نَزَلَتْ فِي قَوْلِ الرَّجُلِ لَا وَاللَّهِ وَبَلَى وَاللَّهِ
فَذَكَرَ الْقَطَّانُ السَّبَبَ فِي نُزُولِ الْآيَةِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ وَلَا غَيْرُهُ
فَمَنْ قَالَ لَغْوُ الْيَمِينِ لَا وَاللَّهِ وَبَلَى وَاللَّهِ وَمَا لَا يَعْتَقِدُهُ قَلْبُ الْحَالِفِ وَلَا يَقْصِدُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عمر وبن عباس في رواية عنه
روى بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ أَنَّ بن عُمَرَ كَانَ يَسْمَعُ بَعْضَ وَلَدِهِ يَحْلِفُ عَشَرَةَ أَيْمَانٍ لَا وَاللَّهِ وَبَلَى وَاللَّهِ لَا يَأْمُرُهُ بشيء
وهو قول الشعبي في رواية بن عَوْنٍ عَنْهُ وَقَوْلُ الْحَاكِمِ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رباح وأبي صالح وأبي قلابة وإبراهيم فِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ عَنْهُ قَالَ لَغْوُ الْيَمِينِ مَا يَصِلُ بِهِ الرَّجُلَ كَلَامَهُ وَاللَّهُ لَآكُلَنَّ والله لأشربن
وهو قول عكرمة وبن شَهَابٍ
وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ) البقرة ٢٢٥
قالت هم القوم يتدارؤون بِقَوْلِ أَحَدِهِمْ لَا وَاللَّهِ وَبَلَى وَاللَّهِ وَكَلَّا والله لا تعقد عليه قلوبهم
وروى بن وهب عن يونس عن بن شِهَابٍ أَنَّ عُرْوَةً حَدَّثَهُ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ أَيْمَانُ اللَّغْوِ مَا كَانَ فِي الْمِرَاءِ وَالْهَزْلِ وَالْمُزَاحَاتِ وَالْحَدِيثِ الَّذِي لَا يُعْقَدُ عَلَيْهِ الْقَلْبُ
وَرَوَى حَمَّادُ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ بَلَى وَاللَّهِ وَلَا وَاللَّهِ لُغَةٌ مِنْ لُغَاتِ الْعَرَبِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ بَلَى وَاللَّهِ وَلَا وَاللَّهِ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ اللَّغْوَ لَا وَاللَّهِ وَبَلَى وَاللَّهِ فِيمَا أَظَنَّ أَنَّهُ فِيهِ صَادِقٌ عَلَى الْمَاضِي
стр. 2069
وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ قَوْلَ عَائِشَةَ فِي اللَّغْوِ أَنَّهُ لَا وَاللَّهِ وَبَلَى وَاللَّهِ وَقَالَ اللَّغْوُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ الْكَلَامُ غَيْرُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَهُوَ مَعْنَى مَا قَالَتْ عَائِشَةُ
قَالَ مَالِكٌ أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي هَذَا أَنَّ اللَّغْوَ حَلِفُ الإنسان على الشيء يَسْتَيْقِنُ أَنَّهُ كَذَلِكَ ثُمَّ يُوجَدُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ اللَّغْوُ وَلَيْسَ فِيهِ كَفَّارَةٌ
وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ رُوِيَ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ عَنْ عائشة من طريق لا يثبت
ذكره بن وَهْبٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ قَيْسٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عَائِشَةَ
وَعُمَرُ بْنُ قَيْسٍ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ وَلَمْ يُتَابَعْ أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ
وَقَدْ خَالَفَهُ بن جُرَيْجٍ وَغَيْرُهُ عَنْ عَطَاءٍ فَرَوَاهُ عَلَى حَسَبِ مَا رَوَاهُ أَنَّهُ قَوْلُ الرَّجُلِ لَا وَاللَّهِ وَبَلَى وَاللَّهِ
وَيَقُولُونَ إِنَّ عَطَاءً لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَائِشَةَ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ فِي حِينِ مَسِيرِهِ إِلَيْهَا مَعَ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ
وَذَكَرَ بن وهب أيضا عن الثقة عنده عن بن شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَ رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ قَيْسٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عَائِشَةَ
وهذا لا يصح لأن رواية بن وَهْبٍ هَذِهِ عَنِ الثِّقَةِ عِنْدَهُ تُعَارِضُهَا رِوَايَةُ بن وهب عن يونس عن بن شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ أَيْمَانُ اللَّغْوِ مَا كَانَ فِي الْمِرَاءِ وَالْهَزْلِ وَالْحَدِيثِ الَّذِي لَا يُعْقَدُ عَلَيْهِ الْقَوْلُ
وَهَذَا بِمَعْنَى رِوَايَةِ مَالِكٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عائشة دون ما ذهب إليه في معنى لَغْوِ الْيَمِينِ
وَيُرْوَى مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ أَيْضًا فِي اللَّغْوِ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَقَتَادَةَ وَزُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى وَمُجَاهِدٍ وَرِوَايَةٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ رَوَاهَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَرِوَايَةٌ أَيْضًا عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ رَوَاهَا عَنْهُ مُغِيرَةُ وَمَنْصُورٌ
وَفِي اللَّغْوِ قَوْلُ ثَالِثٌ وَهُوَ أَنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ وَهُوَ غضبان
رواه طاوس عن بن عَبَّاسٍ
وَقَوْلٌ رَابِعٌ قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ هُوَ الْحَلِفُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ بِتَرْكِهَا وَلَا كفارة عليه رواه عنه أبوبشر
وعن بن عَبَّاسٍ قَوْلٌ خَامِسٌ قَالَ هُوَ الرَّجُلُ يَحْلِفُ فَيَقُولُ هَذَا الطَّعَامُ عَلَيَّ حَرَامٌ فَيَأْكُلُهُ وَلَا كفارة عليه
стр. 2070
وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ هُوَ أَنْ يُحَرِّمَ الْحَلَالَ رَوَاهُ عَنْهُ دَاوُدُ بْنُ أَبِي بِشْرٍ أَيْضًا
مَسْأَلَةٌ أَيْضًا قَالَ مالك فأما الذي يحلف عَلَى الشَّيْءِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ آثِمٌ وَيَحْلِفُ عَلَى الْكَذِبِ وَهُوَ يَعْلَمُ لِيُرْضِيَ بِهِ أَحَدًا أَوْ لِيَعْتَذِرَ بِهِ إِلَى مُعْتَذِرٍ إِلَيْهِ أَوْ لِيَقْطَعَ بِهِ مَالًا فَهَذَا أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تكون فيه كفارة
قال أبوعمر هَذِهِ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ وَهِيَ لَا تَصِحُّ إِلَّا فِي الْمَاضِي أَيْضًا
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي كَفَّارَتِهَا
فَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يَرَوْنَ فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ كَفَّارَةً
وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ مَالِكٌ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ
قَالُوا هُوَ أَعْظَمُ مَنْ أَنْ يَكُونَ فِيهِ كَفَّارَةٌ
وَحُجَّتُهُمْ قَوْلُهُ ﷺ ((مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي إِنَّمَا يَتَبَوَّأُ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ))
وَقَوْلُهُ ﷺ ((مَنِ اقْتَطَعَ مَالَ امْرِئٍ بِيَمِينِهِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَأَوْجَبَ لَهُ النار))
وفي حديث بن مَسْعُودٍ ((لَقِيَ اللَّهُ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ))
فَذَكَرَ الْمَأْثَمَ ﷺ فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ وَلَمْ يَذْكُرْ كَفَّارَةً وَلَوْ كَانَ فِيهَا كَفْارَةٌ لَذَكَرَهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالْمُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ وَطَائِفَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِيمَا ذَكَرَ الْمَرْوَزِيُّ مَنْ تَعَمَّدَ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ فَإِنِ اقْتَطَعَ بِهَا حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ فَلَا كَفَّارَةَ فِي ذَلِكَ إِلَّا رَدُّ مَا اقْتَطَعَ وَالْخُرُوجُ مِمَّا أَخَذَهُ ظُلْمًا لِغَيْرِهِ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَهِيَ تَوْبَةٌ وَيُكَفِّرُ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ يَمِينِهِ
следующие страницы →