Полный текст (4 158 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.
стр. 2101
أَمَرَ بِكَبْشٍ أَقْرَنَ يَنْظُرُ فِي سَوَادٍ وَيَطَأُ فِي سَوَادٍ وَيَبْرُكُ فِي سَوَادٍ فَضَحَّى بِهِ فَقَالَ يَا عَائِشَةُ هَلُمَّ الْمُدْيَةَ ثُمَّ قَالَ اشْحَذِيهَا بِحَجَرٍ فَفَعَلْتُ فَأَخَذَهَا وَأَخَذَ الْكَبْشَ فَأَضْجَعَهُ وَذَبَحَهُ وَقَالَ بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ثُمَّ ضحى به
وأما حلق بن عُمَرَ لِرَأْسِهِ فَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ مِنْ سُنَّةِ الْأَضْحَى وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فَعَلَهُ لِمَرَضِهِ الَّذِي كَانَ يَشْكُو أَوْ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى النَّاسِ وَلَا هُوَ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ (أَهْلِ الْعِلْمِ) مِنْ سُنَّةِ الْأَضْحَى فِيمَا عَلِمْتُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(٣ - بَابُ النَّهْيِ عَنْ ذَبْحِ الضَّحِيَّةِ قَبْلَ انْصِرَافِ الْإِمَامِ)
٩٩٧ - مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ أَبَا بُرْدَةَ بْنَ نِيَارٍ ذَبَحَ ضَحِيَّتَهُ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْأَضْحَى فَزَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يَعُودَ بِضَحِيَّةٍ أُخْرَى
قَالَ أَبُو بُرْدَةَ لَا أَجِدُ إِلَّا جَذَعًا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ ((وَإِنْ لم تجد إلا جذعا فذبح))
٩٩٨ - مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ أَنْ عُوَيْمِرَ بْنَ أَشْقَرَ ذَبَحَ ضَحِيَّتَهُ قَبْلَ أَنْ يَغْدُوَ يَوْمَ الْأَضْحَى وَأَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَهُ أَنْ يَعُودَ بِضَحِيَّةٍ أُخْرَى
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّا حَدِيثُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هَذَا عَنْ عِبَادِ بْنِ تَمِيمٍ فَظَاهِرُهُ - فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ - الِانْقِطَاعُ
وَكَذَلِكَ قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ هُوَ مُرْسَلٌ
стр. 2102
ذَكَرَ ذَلِكَ عَنْهُ أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ وَلَيْسَ هُوَ عِنْدِي كَذَلِكَ لِأَنَّ حَمَّادَ بْنَ سَلَمَةَ رَوَى عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ أَنْ عُوَيْمِرَ بْنَ أَشْقَرَ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُعِيدَ
وَرَوَاهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ يحيى بن سعيد عن عباد بن تميم أَنَّ عُوَيْمِرَ بْنَ أَشْقَرَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ أُضْحِيَّتَهُ فَرَفَعَ الدَّرَاوَرْدِيُّ الْإِشْكَالَ فِي ذَلِكَ وَبَيَّنَ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّ الْحَدِيثَ مُتَّصِلٌ مُسْنَدٌ
وَأَمَّا لَفْظُ حَدِيثِ مَالِكٍ ذَبَحَ أُضْحِيَّتَهُ قَبْلَ أَنْ يَغْدُوَ إِلَى الْمُصَلَّى فَلَا خِلَافَ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ مَنْ ذَبَحَ ضَحِيَّتَهُ قَبْلُ أَنْ يَغْدُوَ إِلَى المصلى بعد الصَّلَاةِ فَقَدَ فَعَلَ مَا لَا يَجِبُ وَأَنَّهُ لَا ضَحِيَّةَ لَهُ وَأَنَّ عَلَيْهِ إِعَادَةَ مَا أَفْسَدَ مِنْ ضَحِيَّتِهِ تِلْكَ إِذَا ذَبَحَهَا قَبْلَ وَقْتِهَا
وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِيمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَقَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ الْإِمَامُ عَلَى مَا تَرَاهُ فِيمَا بَعْدُ مِنْ هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَأَمَّا حَدِيثُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ وَرَوَاهُ رُوَاةُ الْمُوَطَّأِ وَوَرَدَ كَمَا رَوَاهُ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ أَبَا بُرْدَةَ ذَبَحَ ضَحِيَّتَهُ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحَدِيثَ
كَذَلِكَ رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِيَ بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ أَنَّهُ ذَبَحَ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ
وَقِصَّةُ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ فِي ذَلِكَ مَحْفُوظَةٌ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَوَاهَا الشَّعْبِيُّ عَنِ الْبَرَاءِ وَرَوَاهَا عَنِ الشَّعْبِيِّ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ وَدَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ وَمُطَرِّفُ بْنُ طَرِيفٍ وَزُبَيْدٌ الْيَامِيُّ وَعَاصِمٌ الْأَحْوَلُ وسيار كلهم يرونه عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ الْبَرَاءِ
وَمَنْ رَوَاهُ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَابِرٍ فَقَدْ أَخْطَأَ
وَفِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِأَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ تِلْكَ شَاةُ لَحْمٍ قَالَ فَإِنَّ عِنْدِي عَنَاقًا جَذَعَةً خير مِنْ شَاةِ لَحْمٍ فَهَلْ تُجْزِئُ عَنِّي قَالَ نَعَمْ وَلَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ
وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْحَدِيثَ بِإِسْنَادِهِ وَطُرُقِهِ فِي ((التَّمْهِيدِ))
وَفِي حَدِيثِ مَالِكٍ فِي الْفِقْهِ أَنَّ الذَّبْحَ لَا يَجُوزُ قَبْلَ ذَبْحِ الْإِمَامِ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ الَّذِي ذَبَحَ قَبْلَهُ بِالْإِعَادَةِ وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ عِبَادَهُ بِالتَّأَسِّي بِنَبِيِّهِ ﷺ وحذرهم من مخالفته
стр. 2103
وَقَدْ أَجَمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْأَضْحَى مُؤَقَّتٌ بِوَقْتٍ إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي تَعْيِينِ ذَلِكَ الْوَقْتِ عَلَى مَا نُورِدُهُ عَنْهُمْ فِي بَابِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الذَّبْحَ لِأَهْلِ الْحَضَرِ لَا يَجُوزُ قَبْلَ الصَّلَاةِ لِقَوْلِهِ ﷺ ((وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا هِيَ شَاةُ لَحْمٍ))
وَأَمَّا الذَّبْحُ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَقَبْلَ ذَبْحِ الْإِمَامِ فَمَوْضِعٌ اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ وَاخْتَلَفَتْ فِيهِ الآثار أيضا
فذهب مالك والشافعي وأصحابهما وَالْأَوْزَاعِيُّ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يذبح أضحيته قبل ذبح الْإِمَامُ
وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ مَالِكٌ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ أَبَا بُرْدَةَ بْنَ نِيَارٍ أَنْ يَعُودَ بِضَحِيَّةٍ أُخْرَى وَكَانَ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
وَرَوَى بن جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ صَلَّى يَوْمَ النَّحْرِ بِالْمَدِينَةِ فَتَقَدَّمَ رِجَالٌ فَنَحَرُوا وَظَنُّوا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ نَحَرَ فَأَمَرَ مَنْ كَانَ نَحَرَ قَبْلَهُ أَنْ يُعِيدَ بِذَبْحٍ آخَرَ وَلَا يَنْحَرَ حَتَّى يَنْحَرَ النَّبِيُّ ﵇
وَقَالَ مَعْمَرٌ عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمِنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ الله ورسوله) الحجرات ١ نزلت فِي قَوْمٍ ذَبَحُوا قَبْلَ أَنْ يَنْحَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَوْ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُعِيدُوا
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ لَا يَجُوزُ ذَبْحُ الْأُضْحِيَّةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَيَجُوزُ بَعْدَهَا قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ الْإِمَامُ لِأَنَّ الْإِمَامَ وَغَيْرَهُ فِيمَا يَحِلُّ مِنَ الذَّبْحِ وَيَحْرِمُ سَوَاءٌ فَإِذَا أَحَلَّ الْإِمَامُ الذِّبْحَ حَلَّ لِغَيْرِهِ وَلَا مَعْنَى لِانْتِظَارِهِ
وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ الشَّعْبِيِّ عَنِ الْبَرَاءِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ((مَنْ نَسَكَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا هِيَ شَاةُ لَحْمٍ))
وَقَالَ دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ وَعَاصِمٌ عَنِ الشَّعْبِيُّ عَنِ الْبَرَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ ((مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فليعد
стр. 2104
وَمِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَجُنْدُبٍ الْبَجَلِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ مثله
وذكر الطحاوي حديث بن جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَمَرَ مَنْ نَحَرَ قَبْلَهُ أَنْ يُعِيدَ ضَحِيَّتَهُ وَقَالَ لَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ قَدْ خَالَفَهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ فَرَوَاهُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنْ رَجُلًا ذَبَحَ أُضْحِيَّتَهُ قَبِلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَذْبَحَ أَحَدٌ قَبْلَ الصَّلَاةِ
قَالَ أبو عمر معروف عند العلماء أن بن جريج أثبت في أبي الزبير مِنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَأَعْلَمُ بِهِ وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَلَا فِي الْأَحَادِيثِ عَنِ الْبَرَاءِ وَلَا عَنْ أَنَسٍ وَلَا عَنْ جُنْدُبٍ إِلَّا النَّهْيُ عَنِ الذَّبْحِ قَبْلَ الصَّلَاةِ
وَهَذَا مَوْضِعٌ لَا خِلَافَ فِيهِ وَلَا حُجَّةَ لِمَنْ نَزَعَ بِهِ فِي أَنَّ الذَّبْحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَقَبْلَ ذَبْحِ الْإِمَامِ جَائِزٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي نَهْيِهِ ﵇ عَنِ الذَّبْحِ قَبْلَ الصَّلَاةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الذَّبْحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْإِمَامِ جَائِزٌ هَذَا لَوْ لَمْ يَكُنْ نَصٌّ فَكَيْفَ وَهَذَا النَّصُّ الثَّابِتُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَمُرْسَلُ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أمر مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ بِالْإِعَادَةِ
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنِي الْمَيْمُونُ بْنُ حَمْزَةَ قَالَ حَدَّثَنِي الطَّحَاوِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي الْمُزَنِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ يَوْمَ النَّحْرِ خَطِيبًا فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قال لا يذبحن أحد حتى نُصَلِّيَ
قَالَ فَقَامَ خَالِي فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَذَا يَوْمٌ اللَّحْمُ فِيهِ مَعْدُومٌ وَإِنِّي ذَبَحْتُ نَسِيكَتِي وَأَطْعَمْتُ أَهْلِي وَجِيرَانِي فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ ((مَتَى فَعَلْتَ قَالَ قَبْلَ الصَّلَاةِ)) قَالَ ((فَأَعِدْ ذَبْحًا آخَرَ)) فَقَالَ عِنْدِي عَنَاقُ لَبَنٍ هِيَ خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ فَقَالَ هِيَ خَيْرٌ مِنْ نَسِيكَتَيْكَ وَلَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ
قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ أَظُنُّ أَنَّهَا مَاعِزٌ
قَالَ الشَّافِعِيُّ هِيَ مَا نَحَرُوا إِنَّمَا يُقَالُ لِلضَّأْنِيَّةِ رَخِلٌ
стр. 2105
قَالَ الشَّافِعِيُّ وَإِنَّمَا قَالَ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذَا الْحِدِّيثِ خَيْرُ نَسِيكَتَيْكَ وَإِنْ كَانَتِ الْوَاحِدَةُ هِيَ النُّسُكُ وَالْأَوَّلُ شَاةُ لَحْمٍ لِأَنَّهُ ذَبَحَهَا يَتَوَلَّى بِهَا النُّسُكَ فَلَمْ تَجُزْ عَنْهُ الْأَوْلَى وَإِنْ كَانَتْ أَرَادَ بِهَا النسك وجزت عنه الْآخِرَةُ لِأَنَّهُ ذَبَحَهَا فِي وَقْتِ النُّسُكِ فَكَانَتْ خَيْرَهَا لِأَنَّهَا جَزَتْ
قَالَ وَقَوْلُهُ وَلَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ - يَعْنِي الْعَنَاقَ - وَكَانَتْ لَهُ خَاصَّةً وَلَا تُجْزِئُ الْجَذَعُ لِغَيْرِهِ إِلَّا مِنَ الضَّأْنِ خَاصَّةً دُونَ سَائِرِ الْأَنْعَامِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَا خِلَافَ عَلِمْتُهُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْجَذَعَ مِنَ الْمَعْزِ لَا يُجْزِئُ هَدْيَةً وَلَا ضَحِيَّةً وَالَّذِي يُجْزِئُ فِي الضَّحِيَّةِ وَالْهَدْيِ الْجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ فَمَا فَوْقَهُ وَالثَّنِيُّ مِمَّا سِوَاهُ فَمَا فَوْقَهُ مِنَ الْأَزْوَاجِ الثَّمَانِيَةِ
وَالْجَذَعُ مِنَ الضأن بن سَبْعَةِ أَشْهُرٍ قِيلَ إِذَا دَخَلَ فِيهَا وَقِيلَ إِذَا أَكْمَلَهَا
وَعَلَامَتُهُ أَنْ يَرْقُدَ صُوفُ ظَهْرِهِ قَبْلَ قِيَامِهِ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ قَالَتِ الْأَعْرَابُ فَذَا جَذَعٌ
وَثَنِيُّ الْمَعْزِ إِذَا تَمَّتْ لَهُ سَنَةٌ وَدَخَلَ فِي الثَّانِيَةِ
وَثَنِيُّ الْبَقَرِ إِذَا أَكَمَلَ لَهُ سَنَتَانِ وَدَخَلَ فِي الثَّالِثَةِ
وَالثَّنِيُّ مِنَ الْإِبِلِ إِنَّمَا كَمُلَ لَهُ خَمْسُ سِنِينَ وَدَخَلَ فِي السَّادِسَةِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَجْمَعُوا أَنَّ مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَكَانَ سِاكِنًا بِمِصْرٍ مِنَ الْأَمْصَارِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ ذَبْحُهُ كَذَلِكَ
وَاخْتَلَفُوا فِي وَقْتِ ذَبْحِ أَهْلِ الْبَادِيَةِ لِلضَّحِيَّةِ
فَقَالَ مَالِكٌ يَذْبَحُ أَهْلُ (الْبَادِيَةِ) إِذَا نَحَرَ أَقْرَبُ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْقُرَى إِلَيْهِمْ فَيَنْحَرُونَ بعده فإن لم يفعلوا وأخطؤوا ونحروا قبله أَجْزَأَهُمْ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَقْتُ الذَّبْحِ وَقْتُ صَلَاةِ النَّبِيِّ ﵇ مِنْ حِينِ حَلَّتِ الصَّلَاةُ وَقَدْرُ خُطَّتَيْنِ
وَأَمَّا صَلَاةُ مَنْ بَعْدَهُ فَلَيْسَ فِيهَا وَقْتٌ
وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالطَّبَرِيُّ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ مَنْ ذَبَحَ مِنْ أَهْلِ السَّوَادِ قَبِلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَجْزَأَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِمْ صَلَاةُ الْعِيدِ
وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ
وَقَالَ عَطَاءٌ يَذْبَحُ أَهْلُ الْقُرَى بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ
стр. 2106
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَعُودَ بِضَحِيَّةٍ أُخْرَى فَقَدِ احْتَجَّ بِهِ مَنْ رَأَى أَنَّ الضَّحِيَّةَ وَاجِبَةٌ فَرْضًا
قَالُوا لِأَنَّ مَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِإِعَادَةٍ
وَهَذَا مَوْضِعٌ اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا
فَقَالَ مَالِكٌ عَلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ ضَحِيَّةٌ الْمُسَافِرِ وَالْمُقِيمِ إِذَا قَدَرَ عَلَيْهَا وَمَنْ تَرَكَهَا مِنْ غير عذر فبئس ما صنع
وقال أبو عمر تحصل مَذْهَبِهِ أَنَّهَا مِنَ السُّنَنِ الَّتِي يُؤْمَرُ النَّاسُ بِهَا وَيُنْدَبُونَ إِلَيْهَا وَلَا يُرَخَّصُ فِي تَرْكِهَا إِلَّا لِلْحَاجِّ بِمِنًى وَيُضَحَّى عِنْدَهُ عَنِ الْيَتِيمِ وَالْمَوْلُودِ وَكُلِّ وَاحِدٍ لَهَا
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ هِيَ سُنَّةٌ وَتَطَوُّعٌ وَلَا تَجِبُ لِأَحَدٍ قَوِيَ عَلَيْهَا تَرَكَهَا وَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ فَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ)) الحديث
قال الشَّافِعِيُّ هِيَ سُنَّةٌ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَعَلَى الْحَاجِّ بِمِنًى وَغَيْرِهِمْ
وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ لَيْسَتِ الضَّحِيَّةُ بِوَاجِبَةٍ وَكَانَ رَبِيعَةُ وَاللَّيْثُ (بْنُ سَعْدٍ) يَقُولَانِ لَا نَرَى أَنْ يترك المسلم الموسر المالك لأمره الضحية
وروي عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءٍ وَعَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُوجِبُونَهَا
وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ
وَرُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ الصَّدَقَةُ أَفْضَلُ مِنَ الْأُضْحِيَّةِ
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ
стр. 2107
وَهَذَا تَحْصِيلُ مَذْهَبِهِ
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ الضَّحِيَّةُ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ لِأَنَّ الضَّحِيَّةَ سُنَّةٌ وَكِيدَةٌ لِصَلَاةِ الْعِيدِ
وَمَعْلُومٌ أَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ أَفْضَلُ مِنَ النَّوَافِلِ
وَكَذَلِكَ صَلَوَاتُ السُّنَنِ أَفْضَلُ مِنَ التَّطَوُّعِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ فِي فَضْلِ الضَّحِيَّةِ آثَارٌ وَقَدْ ذَكَرْتُهَا فِي ((التَّمْهِيدِ))
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الضَّحِيَّةُ وَاجِبَةٌ
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْأَضْحَى وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُقِيمٍ فِي الْأَمْصَارِ إِذَا كَانَ مُوسِرًا
هَكَذَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ عَنْهُمْ فِي كِتَابِ ((الْخِلَافِ))
وَذَكَرَ عَنْهُمْ فِي ((مُخْتَصَرِهِ)) قَالَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْأُضْحِيَّةُ وَاجِبَةٌ عَلَى الْمُقِيمِينَ الْوَاجِدِينَ مِنْ أَهْلِ الْأَمْصَارِ وَغَيْرِهِمْ وَلَا تَجِبُ عَلَى الْمُسَافِرِينَ
وَقَالَ يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ مِنَ الْأُضْحِيَّةِ عَنْ وَلَدِهِ الصغِيرِ مِثْلَ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ عَنْ نَفْسِهِ
قَالَ وَخَالَفَهُ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ فَقَالَا لَيْسَتِ الْأُضْحِيَّةُ بِوَاجِبَةٍ وَلَكِنَّهَا سُنَّةً غَيْرُ مُرَخَّصٍ فِيهَا لِمَنْ وَجَدَ السَّبِيلَ إِلَيْهَا
قَالَ وَبِهِ نَأْخُذُ
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ الْأَضْحَى وَاجِبٌ عَلَى أَهْلِ الْأَمْصَارِ مَا خَلَا الْحَاجُّ
قَالَ أَبُو عُمَرَ حُجَّةُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى إِيجَابِهَا أمر رسول الله ﷺ أَبَا بُرْدَةَ بْنَ نِيَارٍ بِأَنْ يُعِيدَ ضَحِيَّتَهُ إِذْ ذَبَحَهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ
وَقَوْلُهُ فِي الْعَنَاقِ لَا يُجْزِئُ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ وَمِثْلُ هَذَا إِنَّمَا يُقَالُ فِي الْفَرَائِضِ الْوَاجِبَةِ لَا فِي التَّطَوُّعِ
وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ فَإِنْ قِيلَ فَإِنَّهُ أَوْجَبَهَا ثُمَّ أَتْلَفَهَا فَمِنْ هُنَاكَ أَوْجَبَ عَلَيْهِ إِعَادَتَهَا لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ فِي الْأَصْلِ
قِيلَ لَهُ لَوْ أَرَادَ هَذَا ﷺ لَتَعَرَّفَ قِيمَةَ الْمُتْلَفَةِ لِيَأْمُرَهُ بِمِثْلِهَا فَلَمَّا لَمْ يَعْتَبِرْ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ إِلَى مَا ذَكَرْتَ وَبِمَا احْتَجَّ وَمِمَّا لَمْ يَأْمُرْهُ بِمِثْلِهَا فَلَمَّا لَمْ يُغَيِّرْ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ عَلَى مَا ذَكَرْتَ
стр. 2108
وَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ أَيْضًا مَنْ أَوْجَبَهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُ مِنْ قَوْلِ أَبِيَ هُرَيْرَةَ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي كِتَابِ ((التَّمْهِيدِ))
قَالَ مَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ وَلَمْ يُضَحِّ فَلَا يَشْهَدْ مُصَلَّانَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَيْسَ فِي اللَّفْظِ تَصْرِيحٌ (بِإِيجَابِهَا) لَوْ كَانَ مَرْفُوعًا فَكَيْفَ وَالْأَكْثَرُ يَجْعَلُونَهُ مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ
وَقَدْ عَارَضَهُ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ أَنَّهُ قَالَ ((إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَأْخُذْ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ)) وَلَا شَيْءَ يُقَالُ فِي الْوَاجِبِ مَنْ أَرَادَ فِعْلَهُ
حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ قَالَ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ عَمَّارِ بن كيمة اللَّيْثِيُّ قَالَ سَمِعَتْ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ سَمِعْتُ أُمَّ سَلَمَةَ تَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((مَنْ كَانَ لَهُ ذِبْحٌ يَذْبَحُهُ فَإِذَا أَهَلَّ هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شَيْئًا
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ يَقُولُ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ثِقَةٌ
قَالَ وَفِي كِتَابِ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ قَالَ سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو أَعْلَى مِنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ
وَقَدْ كَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ يُفْتِي بِأَنَّهُ لا بأس بالاطلاء بالنورة في عشر ذي الْحِجَّةِ
وَهَذَا مِنْهُ تَرْكٌ لِلْعَمَلِ مِنْ حَدِيثِهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ فِي ذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَفْتَى بِذَلِكَ مَنْ لَمْ يُرِدْ أَنْ يُضَحِّيَ
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا قَاسِمٌ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي مَعْنُ بْنُ عِيسَى قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ عِمَارَةِ بْنِ صَيَّادٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأَسًا بِالْإِطِّلَاءِ فِي الْعَشْرِ
وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمِ بْنِ أُكَيْمَةَ كَمَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَمِّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 2109
وَحَدَّثَ بِهِ شُعْبَةُ ثُمَّ تَرَكَهُ وَأَبَى أَنْ يُحَدِّثَ بِهِ
وَقَدْ زِدْنَا هَذَا الْمَعْنَى بَيَانًا فِي ((التَّمْهِيدِ))
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنْ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ كَانَ يَقُولُ بِحَدِيثِهِ هَذَا عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ مَا ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنِي وَكِيعٌ عَنْ شُعْبَةَ وَهِشَامٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ ضَحَّى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَيْسَ عَلَيْكَ
وَهَذَا أَخَذَ مِنْهُ بِحَدِيثِهِ عَنْ أَمِّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ فَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ الْحَدِيثَ
وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ مَالِكٌ عَنْ عِمَارَةِ بْنِ صَيَّادٍ عَنْ سَعِيدِ بن المسيب لَمْ يُفْتِ بِهِ إِلَّا مَنْ لَمْ يُرِدْ أَنْ يُضَحِّيَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَقَدْ رَوَى الشَّعْبِيُّ عَنْ أَبِي سَرِيحَةَ الْغِفَارِيِّ وَاسْمُهُ حُذَيْفَةُ بْنُ أَسِيدٍ قَالَ رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَمَا يضحيان
وقال عكرمة بعثني بن عَبَّاسٍ بِدِرْهَمَيْنِ أَشْتَرِي لَهُ بِهِمَا لَحْمًا وَقَالَ من لقيت فقل هذه أضحية بن عَبَّاسٍ
وَهَذَا نَحْوُ فِعْلِ بِلَالٍ فِيمَا نُقِلَ عنه أنه ضحى بديك
ومعلوم أن بن عَبَّاسٍ إِنَّمَا قَصَدَ بِقَوْلِهِ أَنَّ الضَّحِيَّةَ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ وَأَنَّ اللَّحْمَ الَّذِي ابْتَاعَهُ بِدِرْهَمَيْنِ أَغْنَاهُ عَنِ الْأَضْحَى إِعْلَامًا مِنْهُ بِأَنَّ الضَّحِيَّةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ وَلَا لَازِمَةٍ
وَكَذَلِكَ مَعْنَى الْخَبَرِ عَنْ بِلَالٍ لَوْ صَحَّ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
وَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ إِنِّي لَأَدَعُ الْأَضْحَى وَأَنَا مُوسِرٌ مَخَافَةَ أَنْ يَرَى جِيرَانِي أَنَّهَا حَتْمٌ عَلَيَّ
قَالَ أَبُو عُمَرَ ضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طُولَ عُمْرِهِ وَلَمْ يَأْتِ عَنْهُ أَنَّهُ تَرَكَ الْأَضْحَى وَنَدَبَ إِلَيْهَا فَلَا يَنْبَغِي لِمُؤْمِنٍ مُوسِرٍ تَرْكُهَا وَبِاللَّهِ التَوْفِيقُ
حَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي التَّمَّامِ قَالَ حَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ مَعْمَرٍ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دَاوُدَ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ حدثني سعيد بن داود بن أبي زنبر قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ بن عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((مَا مِنْ نَفَقَةٍ بَعْدَ صِلَةِ الرَّحِمِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ إِهْرَاقِ الدِّمَاءِ
стр. 2110
وروي نحو ذلك بمعناه عن بن عُمَرَ مَرْفُوعًا عَنْ طَاوُسٍ قَالَ مَا أَنْفَقَ النَّاسُ مِنْ نَفَقَةٍ أَعْظَمَ أَجْرًا مِنْ دَمٍ مُهْرَاقٍ يَوْمَ النَحْرِ
وَرُوِيَ أَنَّ لِلْمُضَحِّي بِكُلِّ شَعْرَةٍ مِنْ صُوفِهَا حَسَنَةٌ
وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ فَضِيلَةٌ قَدْ ذَكَرْتُهَا فِي ((التَّمْهِيدِ))
(٤ - بَابُ ادِّخَارِ (لُحُومِ الْأَضَاحِي))
٩٩٩ - مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ثُمَّ قَالَ (بَعْدُ) كُلُوا وَتَصَدَّقُوا ((وَتَزَوَّدُوا وَادَّخِرُوا))
١٠٠٠ - مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَاقِدٍ أَنَّهُ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَتَ صَدَقَ سَمِعْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ تَقُولُ دَفَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ حَضْرَةَ الْأَضْحَى فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((ادَّخِرُوا لِثَلَاثٍ وَتَصَدَّقُوا بِمَا بَقِيَ)) قَالَتْ فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَقَدْ كَانَ النَّاسُ يَنْتَفِعُونَ بِضَحَايَاهُمْ وَيَجْمُلُونَ مِنْهَا الْوَدَكَ وَيَتَّخِذُونَ مِنْهَا الْأَسْقِيَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((وَمَا ذَلِكَ)) أَوْ كَمَا قَالَ قَالُوا نَهَيْتَ عَنْ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ عَلَيْكُمْ فَكُلُوا وتصدقوا وادخروا
стр. 2111
يَعْنِي بِالدَّافَّةِ قَوْمًا مَسَاكِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ
١٠٠١ - مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَقَدَّمَ إِلَيْهِ أَهْلُهُ لَحْمًا فَقَالَ انْظُرُوا أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ لُحُومِ الْأَضْحَى فَقَالُوا هُوَ مِنْهَا فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ أَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَهَى عنها فَقَالُوا إِنَّهُ قَدْ كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَكَ أَمْرٌ فَخَرَجَ أَبُو سَعِيدٍ فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ فَأُخْبِرَ أَنَّ رسول الله ﷺ قال ((نَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضْحَى بَعْدَ ثَلَاثٍ فَكُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَادَّخِرُوا وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ الِانْتِبَاذِ فَانْتَبِذُوا وَكُلُّ مسكر حرام ونهيتكم عن زيارة القبور فزورها ولا تقولوا هجرا))
يعني لا تقولوا سواء
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّا حَدِيثُ أَبِي الزُّبَيْرِ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ فَلَيْسَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ بَيَانِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ فِي حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ أَمْرٌ لَا خِلَافَ بَيْنِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ
وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى أَهْلِ الزَّيْغِ وَالْإِلْحَادِ الْمُنْكِرِينَ لِذَلِكَ فِي ((التَّمْهِيدِ))
وَأَمَّا حَدِيثُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ فَفِيهِ بيان أَنَّ النَّهْيَ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ لَمْ يَكُنْ عِبَادَةً فَنُسِخَتْ وَإِنَّمَا كَانَ لِعِلَّةٍ الدَّافَّةِ
وَمَعْنَى الدَّافَّةِ قَوْمٌ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مَسَاكِينَ أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُحْسِنَ إِلَيْهِمْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَأَنْ يَتَصَدَّقُوا عَلَيْهِمْ
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْآثَارَ وَالشَّوَاهِدَ (بِهَذَا الْمَعْنَى) فِي ((التَّمْهِيدِ))
وَفِي حَدِيثِ ((الْمُوَطَّأِ)) كِفَايَةٌ فِيمَا وَصَفْنَا
قَالَ الْخَلِيلُ الدَّافَّةُ قَوْمٌ يَدِّفُّونَ أَيْ يَسِيرُونَ سَيْرًا لَيِّنًا
وَأَمَّا قَوْلُهُ وَيَجْمِلُونَ مِنْهَا الْوَدَكَ فَمَعْنَاهُ يُذِيبُونَ مِنْهَا الشَّحْمَ وَهُوَ الْوَدَكُ يُقَالُ مِنْهُ جَمُلْتُ الشَّحْمَ وَأَجْمَلْتُهُ وَاجْتَمَلْتُهُ إِذَا أَذَبْتُهُ
وَالِاجْتِمَالُ أَيْضًا الِادِّهَانُ بِالْجَمِيلِ وَهِيَ الْإِهَالَةُ
وَأَمَّا حَدِيثُ رَبِيعَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مُنْقَطِعٌ لِأَنَّ رَبِيعَةَ لَمْ يَلْقَ أَبَا
стр. 2112
سَعِيدٍ وَهُوَ يَسْتَنِدُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ طُرُقٍ قَدْ ذَكَرْنَا مِنْهَا كَثِيرًا فِي ((التَّمْهِيدِ))
وَقَدْ رَوَاهُ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ
وَمَعْلُومٌ أَنَّ مُلَازَمَةَ رَبِيعَةَ الْقَاسِمَ حَتَّى كَانَ يَغْلِبُ عَلَى مَجْلِسِهِ
وَحَدِيثُ الْقَاسِمِ رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ عَنِ الْقَاسِمِ
حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنِي قَاسِمٌ قَالَ حَدَّثَنِي الْخُشَنِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي بْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنِي سُفْيَانُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ محمد أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ وَوَجْدَ عِنْدَ أَهْلِهِ شَيْئًا مِنْ لَحْمِ الْأُضْحِيَّةِ فَقَالَ مَا هَذَا فَقَالُوا لَهُ إِنَّهُ حَدَثَ بَعْدَكَ فِيهِ أَمْرٌ فَخَرَجَ فَلَقِيَ أَخًا لَهُ مِنْ أُمِّهِ يُقَالُ لَهُ قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ قَدْ شَمَّرَ بِرِدَاءٍ فَقَالَ لَهُ إِنَّهُ قَدْ حَدَثَ بَعْدَكَ أَمْرٌ يَقُولُ إِنَّهُ قَدْ أَذِنَ فِي أَكْلِ لُحُومِ الْأَضَاحِي بَعْدَ ثَلَاثٍ
وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ مَنْ رَوَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ
وَالصَّحِيحُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ رَوَى النَّسْخَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ أَخِيهِ لِأُمِّهِ قَتَادَةَ بْنِ نُعْمَانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
وَقَدْ رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ عَلَيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَبُرَيْدَةُ الْأَسْلَمِيُّ وَجَابِرٌ وَأَنَسٌ وَغَيْرُهُمْ
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَحَادِيثَهُمْ فِي ((التَّمْهِيدِ))
وَفِيهِ مِنَ الْفِقْهِ إِشْفَاقُ الْعَالِمِ عَلَى دِينِهِ وَتَعْلِيمُهُ أَهْلَهُ مَا يَظُنُّ أَنَّهُ يَحْمِلُونَهُ مِنْهُ وَتَرْكُ الْإِقْدَامِ عَلَى مَا حَاكَ فِي صَدْرِهِ
وَفِيهِ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ مَنْسُوخٍ بِإِبَاحَةِ ذَلِكَ
وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ
وَأَمَّا قَوْلُهُ فَكُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَادَّخِرُوا فَكَلَامٌ خَرَجَ بِلَفْظِ الْأَمْرِ وَمَعَنَاهُ الْإِبَاحَةُ لِأَنَّهُ أَمْرٌ وَرَدَ بَعْدَ نَهْيٍ
وَهَكَذَا شَأْنُ كُلِ أَمْرٍ يَرِدُ بَعْدَ حَصْرٍ أَنَّهُ إِبَاحَةٌ لَا إِيجَابٌ
مِثْلُ قَوْلِهِ (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا) الْمَائِدَةِ ٢
(فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ) الْجُمُعَةِ ١٠
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَسْتَحِبُّ أَنْ يَأْكُلَ الإنسان من ضحيته ثلثها ويتصدق
стр. 2113
بِثُلُثِهَا وَيَدَّخِرَ ثُلُثَهَا لِقَوْلِهِ ﷺ ((كَلُّوا وَتَصَدَّقُوا وَادَّخِرُوا))
وَكَانَ مِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الِاسْتِحْبَابِ الشَّافِعِيُّ ﵀
وَكَانَ غَيْرُهُ يَسْتَحِبُّ أَنْ يَأْكُلَ نِصْفًا وَيُطْعِمَ نِصْفًا لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْهَدَايَا (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ) الْحَجِّ ٣٦
وَكَانَ مَالِكٌ ﵀ لَا يَجِدُ فِي ذَلِكَ شَيْئًا وَيَقُولُ يَأْكُلُ وَيَتَصَدَّقُ
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ هَذَا اسْتِحْبَابٌ لَا إِيجَابٌ حَدِيثُ ثَوْبَانَ قَالَ ذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضَحِيَّتَهُ ثُمَّ قَالَ يَا ثَوْبَانَ! أَصْلِحْ لَحْمَ هَذِهِ الْأُضْحِيَّةِ قَالَ فَلَمْ أَزَلْ أُطْعِمُهُ مِنْهَا حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ
وَفِي حَدِيثِ ثَوْبَانَ هَذَا ادِّخَارُ لَحْمِ الضَّحِيَّةِ وَأَكْلُهُ
وَفِيهِ الضَّحِيَّةُ فِي السَّفَرِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ فِي ((التَّمْهِيدِ))
وَأَمَّا قَوْلُهُ وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ الِانْتِبَاذِ فَانْتَبِذُوا وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ فَإِنَّهُ أَرَادَ الِانْتِبَاذَ فِي الْأَوْعِيَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا وَهِيَ النَّقِيرُ وَالْمُزَفَّتُ وَالدُّبَّاءُ وَالْحَنْتَمُ وَالْجَرُّ وَهُوَ كُلُّ شَيْءٍ يُصْنَعُ مِنْ طِينٍ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَوْعِيَةَ إَذَا تَكَرَّرَ فِيهَا الِانْتِبَاذُ أَسْرَعَتْ إِلَى مَا يُنْبَذُ فِيهِ الشِّدَّةُ
وَقَدْ تَوَاتَرَتِ الْآثَارُ بِالنَّهْيِ عَنِ الِانْتِبَاذِ فِي هَذِهِ الْأَوْعِيَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ مِنْ طُرُقٍ صِحَاحٍ وَإِنَّمَا كَانَ النَّبِيُّ ﵇ وَأَصْحَابُهُ وَسَائِرُ السَّلَفِ الصَّالِحِ يَنْتَبِذُونَ فِي أَسْقِيَةِ الْأُدُمِ خَاصَّةً لِأَنَّهَا لَا تُسْرِعُ الشِّدَّةُ إِلَى مَا يُنْتَبَذُ فِيهَا
وَقَدْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لَا يُجَوِّزَانِ الِانْتِبَاذَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَوْعِيَةِ غَيْرَ الْأَسْقِيَةِ وَذَلِكَ أَنَّهُمَا رَوَيَا النَّهْيَ عَنْهَا وَلَمْ يَرْوِيَا النَّسْخَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - فِيهِمَا عَلَى مَا عَلِمَا
وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ سفيان الثوري فلم يجز الانتباذ في الدبا وَالْحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ وَالْمُزَفَّتِ
وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَكْرَهُ الِانْتِبَاذَ فِي هَذِهِ الْأَوْعِيَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْأَحَادِيثِ الْمَأْثُورَةِ
وقال بن القاسم كره مالك الانتباذ في الدبا وَالْمُزَفَّتِ وَلَمْ يَكْرَهْ غَيْرَ ذَلِكَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَظُنُّ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةَ إِنَّمَا كَرِهُوا الِانْتِبَاذَ فِي الْأَوْعِيَةِ الْمُسَمَّاةِ فِي
стр. 2114
الْأَحَادِيثِ لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ النَّهْيَ عَنْهَا لِعِلَّةِ مَا تُوَلِّدُهُ مِنْ إِسْرَاعِ الشِّدَّةِ فِي الْأَنْبِذَةِ مَعَ عِلْمِهِمْ أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرَامٍ فَخَافُوا مُوَاقَعَةَ الْحَرَامِ عَلَى الْأُمَّةِ وَعَلِمُوا أَنَّ النَّسْخَ إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ يَحْفَظُ فَاحْتَاطُوا وَبَنَوْا عَلَى أَصْلِ النَّهْيِ وَلَمْ يَقْبَلُوا رُخْصَةَ النَّسْخِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنِي عُمَرُ قَالَ حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَتَّابٍ قَالَ حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْقَطَّانُ قَالَ حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ حَمَّادُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطَّيَالِسِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي حَمَّادُ بْنُ خُوَارٍ الضَّبِّيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ الشَّجَرَةِ تُصِيبُ أَغْصَانُهَا وَجْهَهُ وَقَالَ ((أَلَّا إِنَّا كُنَّا نَهَيْنَاكُمْ عَنْ ثَلَاثٍ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا عِبْرَةٌ وَنَهَيْنَاكُمْ عَنْ لُحْمَانِ الْأَضَاحِي أَنْ تَأَكُلُوهَا بَعْدَ ثَلَاثٍ فَأَصْلِحُوهَا وَكُلُوهَا وَنَهَيْنَاكُمْ عَنِ الْأَنْبِذَةِ إِلَّا فِي أَسْقِيةِ الْأُدُمِ الَّتِي يُؤْكَلُ عَلَيْهَا فَانْتَبِذُوا فِيمَا شِئْتُمْ وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٍ))
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ فَقَالُوا لَا بَأْسَ بِالِانْتِبَاذِ فِي جَمِيعِ الْأَوْعِيَةِ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ النَّهْيِ ((كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ فَانْتَبِذُوا فِيمَا شِئْتُمْ أَوْ فِيمَا بَدَا لَكُمْ))
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْآثَارَ بِالنَّسْخِ مِنْ طُرُقٍ مُتَوَاتِرَةٍ فِي ((التَّمْهِيدِ))
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ وَكُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ
فَقَالَ بَعْضُهُمْ كَانَ النَّهْيُ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ عَامًّا لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ثُمَّ وَرَدَ النَّسْخُ كَذَلِكَ بِالْإِبَاحَةِ عَامًّا أَيْضًا فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ عَائِشَةَ زَارَتْ قَبْرَ أَخِيهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَكَانَتْ فَاطِمَةُ تَزُورُ قَبْرَ حمزة
стр. 2115
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْآثَارَ عَنْهُمَا بِذَلِكَ فِي ((التَّمْهِيدِ))
وَقَالَ آخَرُونَ إِنَّمَا وَرَدَ النَّسْخُ فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ لِلنِّسَاءِ لَا لِلرِّجَالِ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَعَنَ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ وَنَحْنُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ تَحْرِيمِ زِيَارَةِ النِّسَاءِ لِلْقُبُورِ بِذَلِكَ وَلَسْنَا عَلَى يَقِينٍ مِنَ الْإِبَاحَةِ لَهُنَّ لِأَنَّهُ مُمْكِنٌ أَنْ تَكُونَ الزِّيَارَةُ أُبِيحَتْ لِلرِّجَالِ دُونَهُنَّ لِلْقَصْدِ فِي ذَلِكَ بِاللَّعْنِ إِلَيْهِنَّ
وَذَكَرُوا مِنَ الْحُجَّةِ عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ حَدِيثَ شُعْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جحادة عن أبي صالح عن بن عَبَّاسٍ قَالَ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَبُو صَالِحٍ هَذَا هُوَ بَاذَامُ وَيُقَالُ بَاذَانُ بِالنُّونِ وَهُوَ مَوْلَى أَمِّ هَانِئٍ
وَحَدِيثُ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هريرة قَالَ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَسَانِيدَهَا فِي ((التَّمْهِيدِ))
(٥ - الشَّرِكَةُ فِي الضَّحَايَا وَعَنْ كَمْ تُذْبَحُ الْبَقَرَةُ وَالْبَدَنَةُ)
١٠٠٢ - مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ وَالْبَقَرَةَ عَنْ سبعة يحيى
١٠٠٣ - مَالِكٌ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ أَخْبَرَهُ قَالَ كُنَّا نُضَحِّي بِالشَّاةِ الْوَاحِدَةِ يَذْبَحُهَا الرَّجُلُ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ثُمَّ تَبَاهَى النَّاسُ بَعْدُ فَصَارَتْ مُبَاهَاةً
قَالَ مَالِكٌ أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي الْبَدَنَةِ وَالْبَقَرَةِ وَالشَّاةِ (الْوَاحِدَةِ) أَنَّ الرَّجُلَ يَنْحَرُ
стр. 2116
عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ الْبَدَنَةَ وَيَذْبَحُ الْبَقَرَةَ والشاة الواحدة هو يَمْلِكُهَا وَيَذْبَحُهَا عَنْهُمْ وَيُشْرِكُهُمْ فِيهَا فَأَمَّا أَنْ يَشْتَرِيَ (النَّفَرُ الْبَدَنَةَ أَوِ) الْبَقَرَةَ أَوِ الشَّاةَ ويشتركون فِيهَا فِي النُّسُكِ وَالضَّحَايَا
فَيُخْرِجُ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ حِصَّةً مِنْ ثَمَنِهَا وَيَكُونُ لَهُ حِصَّةٌ مِنْ لَحْمِهَا فَإِنَّ ذَلِكَ يُكْرَهُ وَإِنَّمَا سَمِعْنَا الْحَدِيثَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَكُ فِي النُّسُكِ وَإِنَّمَا يَكُونُ عَنْ أَهْلِ الْبَيْتِ الْوَاحِدِ
١٠٠٤ - مَالِكٌ عَنِ بن شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ مَا نَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ إِلَّا بَدَنَةً وَاحِدَةً أَوْ بَقَرَةً وَاحِدَةً
قال مالك لا أدري أيتهما قال بن شِهَابٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّا حَدِيثُ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ فِي عَامِ الْحُدَيْبِيَةِ أَنَّهُمْ نَحَرُوا الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ وَالْبَقَرَةَ عن سبعة وهم مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
وَمَعْلُومٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ يَوْمَئِذٍ عَنِ الْبَيْتِ حِينَ صَالَحُوهُ فَلَمَّا تَمَّ الصُّلْحُ نَحَرَ مَنْ كَانَ معه هدي وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ سَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ وَهَدْيُ الْمُحْصَرِ بَعْدُ
وَعِنْدَ مَالِكٍ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَإِنَّمَا هُوَ تَطَوُّعٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْمُحْصَرِ بَعْدُ وَغَيْرِهِ هَدْيٌ
وَأَوْجَبَهُ أَشْهَبُ
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِمَا
وَلَمَّا لَمْ يَكُنِ الْهَدْيُ وَاجِبًا عِنْدِ مَالِكٍ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ إِذْ نَحَرُوا الْبَدَنَةَ وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ لَمْ يَرَ الِاشْتِرَاكَ فِي الْهَدْيِ الْوَاجِبِ وَلَا فِي الضَّحِيَّةِ
وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي الِاشْتِرَاكِ فِي هَدْيِ التَّطَوُّعِ
وَقَالَ مَالِكٌ تَفْسِيرُ حَدِيثِ جَابِرٍ فِي التَّطَوُّعِ وَلَا يَشْتَرِكُ فِي الْهَدْيِ الْوَاجِبِ
قَالَ وَأَمَّا فِي الْعُمْرَةِ مُتَطَوِّعًا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ - يَعْنِي لَا بَأْسَ بِالِاشْتِرَاكِ في هديها
ذكر ذلك بن عبد الحكم
стр. 2117
وكذلك ذكر بن المواز
وقال بن الْمَوَّازِ لَا يُشْتَرَكُ فِي هَدْيٍ وَاجِبٍ وَلَا تَطَوُّعٍ ثُمَّ قَالَ وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا في التطوع
وروى بن الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَشْتَرِكُ فِي هَدْيٍ وَاجِبٍ وَلَا فِي هَدْيِ تَطَوُّعٍ وَلَا فِي نَذْرٍ وَلَا فِي جَزَاءِ صَيْدٍ وَلَا فدية
وهو قول بن القاسم
قال وقال مالك جائز أَنْ يَذْبَحَ الرَّجُلُ الْبَدَنَةَ أَوِ الْبَقَرَةَ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ سَبْعَةٍ يُشْرِكُهُمْ فِيهَا وَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُ أَنْ يَشْتَرُوهَا بَيْنَهُمْ بِالشَّرِكَةِ فَيَذْبَحُوهَا إِنَّمَا تُجْزِئُ إِذَا تَطَوَّعَ بِهَا عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَلَا تُجْزِئُ عَنِ الْأَجْنَبِيَّيْنِ
وَقَوْلُ اللَّيْثِ فِي ذَلِكَ نَحْوُ قَوْلِ مَالِكٍ
قَالَ لَا تُذْبَحُ الْبَدَنَةُ وَلَا الْبَقَرَةُ إِلَّا عَنْ وَاحِدٍ إِلَّا أَنْ يَذْبَحَهَا الرَّجُلُ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ حُجَّةُ مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ مَالِكٍ والليث في هذا حديث مالك عن بن شِهَابٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَذْبَحْ عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ أَلَّا بَقَرَةً وَاحِدَةً
وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُ مَالِكٍ عَنِ بن شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ وَعَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نحر عَنْ نِسَائِهِ بَقَرَةً وَاحِدَةً وَلَا يَصِحُّ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ
وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عن أبي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ
ذَكَرَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سلمة عن أبي هريرة قال ذبح رسو ل الله ﷺ عن من اعْتَمَرَ مِنْ نِسَائِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بَقَرَةً بَيْنَهُنَّ
قَالَ أَبُو عِيسَى سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ إِنَّ الْوَلِيدَ بْنَ مُسْلِمٍ لَمْ يَقُلْ فِيهِ حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ وَأَرَادَ أَخْذَهُ عَنْ يُوسُفَ بْنِ السَّفَرِ وَيُوسُفُ بْنُ السَّفَرِ ذَاهِبُ الْحَدِيثِ وَضَعَّفَ مُحَمَّدٌ هَذَا الْحَدِيثَ
وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ مَالِكٍ أَيْضًا فِي ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ كُنَّا نُضَحِّي بِالشَّاةِ الْوَاحِدَةِ
стр. 2118
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَشْرَكَ عَلِيًّا عَامَ حِجَّةِ الْوَدَاعِ فِي هَدْيِهِ وَكَانَ مُفْرِدًا عِنْدَهُمْ فَكَانَ هَدْيُهُ تطوعا
واحتج بن خُوَازِ بِنْدَاذَ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِكَ فِي الْكَبْشِ الْوَاحِدِ النَّفَرُ
قَالَ فَكَذَلِكَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ مَا زَادَ عَلَى أَنْ جَمَعَ بَيْنَ مَا فَرَّقَتِ السُّنَّةُ
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ تُجْزِئُ الْبَدَنَةُ عَنْ سَبْعَةٍ وَالْبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ مُضَحِّينَ وَمُهْدِينَ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِمُ الدَّمُ مِنْ مُتْعَةٍ أَوْ فِرَاقٍ أَوْ حَصْرٍ بِمَرَضٍ أَوْ عَدُوٍّ وَلَا تُجْزِئُ الْبَدَنَةُ وَالْبَقَرَةُ عَنْ أَكْثَرِ مِنْ سَبْعَةٍ وَلَا تُجْزِئُ الشَّاةُ إِلَّا عَنْ وَاحِدٍ وَهِيَ أَقَلُّ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ
وَبِهَذَا كُلِّهِ قَالَ أَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَإِسْحَاقُ وَدَاوُدُ وَالطَّبَرِيُّ
وَقَالَ زُفَرُ لَا تُجِزِئُ حَتَّى تَكُونَ الْجِهَةُ الْمُوجِبَةُ لِلدَّمِ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ
أَمَّا جَزَاءُ صَيْدٍ لِلَّهِ أَوْ تَطَوُّعٍ لِلَّهِ فإن اختلف لم تُجْزِئُ
وَقَالَ الْأَثْرَمُ قُلْتُ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ثَمَانِيَةُ نَفَرٍ ضَحُّوا أَوْ أَهْدَوْا بَدَنَةً أَوْ بَقَرَةً قَالَ لَا يُجْزِئُهُمْ وَلَا يُجْزِئُ عَنْ أَكْثَرِ مِنْ سَبْعَةٍ
قَالَ جَابِرٌ إِنْ يَشْتَرِكِ النَّفَرُ السَّبْعَةُ فِي الْهَدْيِ وَالضَّحِيَّةِ يَشْتَرُونَهَا فَيَذْبَحُونَهَا عَنْهُمْ إِذَا كَانَتْ بَقَرَةً أَوْ بَدَنَةً
قَالَ أَبُو عُمَرَ حُجَّةُ هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ حَدِيثُ جَابِرٍ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَجَازَ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ
وَضَعَّفُوا حَدِيثَ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ الَّذِي فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَدَنَةَ نُحِرَتْ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ عَنْ عَشْرَةٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعَةِ وَقَالُوا هُوَ مُرْسَلٌ خَالَفَهُ ما هو أثبت وأصح منه
والمسور لن يَشْهَدِ الْحُدَيْبِيَةَ وَمَرْوَانُ لَمْ يَرَ النَّبِيَّ ﵇
وَقَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ الله عنهم
وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَرَوَاهُ عَنْهُمْ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أَبُو الزُّبَيْرِ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَالشَّعْبِيُّ رواه بن جُرَيْجٍ وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ كُلُّهُمْ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَحْرَ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ - يَعْنِي يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ
стр. 2119
وَحَدَّثَنِي سَعِيدٌ وَعَبْدُ الْوَارِثِ قَالَا حَدَّثَنِي قَاسِمٌ قَالَ حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنِي مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ حَدَّثَنِي مُجَالِدٌ قَالَ حَدَّثَنِي الشَّعْبِيُّ عَنْ جَابِرٍ قَالَ سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْجَزُورَ عَنْ سَبْعَةٍ وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ
وَرَوَى يحيى القطان عن بن جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ اشْتَرَكْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْحَجِّ كُلُّ سَبْعَةٍ فِي بَدَنَةٍ
حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنِي قَاسِمٌ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي الْمُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُجَالِدُ بْنُ سعيد قال حدثني الشعبي قال سألت بن عُمَرَ قُلْتُ الْجَزُورُ وَالْبَقَرَةُ تُجْزِئُ عَنْ سَبْعَةٍ فَقَالَ يَا شَعْبِيُّ! أَوَلَهَا سَبْعَةُ أَنْفُسٍ فَقَالَ قُلْتُ إِنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ يَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سن الحزور والبقرة عن سبعة فقال بن عمر لرجل أكذلك يَا فُلَانُ قَالَ نَعَمْ قَالَ مَا سَمِعْتَ فَهَذَا
وَذَكَرْنَا فِي ((التَّمْهِيدِ)) مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ فِي حَدِيثِ الْحُدَيْبِيَةِ وَنَحْرِ الْهَدْيِ
قَالَ قَتَادَةُ كَانَتْ مَعَهُمْ - يَوْمَئِذٍ - سَبْعُونَ بَدَنَةً بَيْنَ كُلِّ سَبْعَةٍ بَدَنَةٌ
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أنهم كانوا أربعمائة وَتِسْعِينَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الْبَدَنَةُ عَنْ عَشَرَةٍ وَمِنْ حديث بن عَبَّاسٍ وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ
وَرَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ مَرْوَانَ وَالْمِسْوَرِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ بِضْعَ عَشَرَةَ مِائَةً
وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إسحاق أنهم كانوا سبعمائة فَنَحَرَ عَنْهُمْ سَبْعِينَ بَدَنَةً
وَرُوِيَ عَنْ جَابِرٍ أنهم كانوا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة
وَكَذَلِكَ قَالَ مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بن أبي أوفى وكانا ممن شهدا الْحُدَيْبِيَةَ
وَقَدْ رَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ جابر أنهم كانوا ألفا وخمسمائة
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ عَنْهُمْ فِي صَدْرِ كِتَابِ الصَّحَابَةِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ وَهَذِهِ الْأَعْدَادُ مُجْمَلَةٌ مُحْتَمِلَةٌ لِلتَّأْوِيلِ لِأَنَّهُ مُمْكِنٌ أَنْ تَكُونَ فِيهِمْ جَمَاعَةٌ سَاقُوا عَنْ أَنْفُسِهِمُ الْهَدْيَ فَلَمْ يَدْخُلُوا فِيمَنْ أُرِيدَ بِالنَّحْرِ فِي الْحُدَيْبِيَةِ
стр. 2120
لِأَنَّ الْحَدِيثَ إِنَّمَا قُصِدَ فِيهِ إِلَى مَنْ أُشْرِكَ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَدَنَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ
وَحَدِيثُ نَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةَ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ وَاضِحٌ لَا مَدْخَلَ فِيهِ لِلتَّأْوِيلِ وَحَسْبُكَ بِقَوْلِ جَابِرٍ سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ أَجْمَعْتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الْبَدَنَةَ وَالْبَقَرَةَ لَا تُجْزِئُ عَنْ أَكْثَرِ مِنْ سَبْعَةٍ
قَالَ وفي ذلك دليل على أن حديث بن عَبَّاسٍ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ خَطَأٌ وَوَهْمٌ أَوْ مَنْسُوخٌ
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ قَدِ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِهَا عَنْ سَبْعَةٍ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا زَادَ فَلَا تَثْبُتُ الزِّيَادَةُ إِلَّا بِتَوْقِيفٍ لَا مَعَارِضَ لَهُ أَوِ اتِّفَاقٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَيُّ اتِّفَاقٍ يَكُونُ عَلَى جَوَازِهَا عَنْ سَبْعَةِ! ! وَمَالِكٌ وَاللَّيْثُ يَقُولَانِ لَا تُجْزِئُ الْبَدَنَةُ إِلَّا عَنْ سَبْعَةٍ إِلَّا أَنْ يَذْبَحَهَا الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ فَتَجُوزُ عَنْ سَبْعَةٍ حِينَئِذٍ وَعَنْ أَقَلَّ وَعَنْ أَكْثَرَ وَسَلَفُهُمَا فِي ذَلِكَ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَغَيْرُهُمَا
فَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ فَفِي ((الْمُوَطَّأِ))
وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قَالَ لَا بَأْسَ أَنْ يُضَحِّيَ الرَّجُلُ بِالشَّاةِ عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ
قَالَ وَأَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ عَنْ خَالِدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَذْبَحُ الشَّاةَ فَيَقُولُ أَهْلُهُ وَعَنَّا فَيَقُولُ وَعَنْكُمْ
قَالَ وَأَخْبَرَنَا الْأَسْلَمِيُّ عَنْ أَبِي جابر البياض عن بن الْمُسَيِّبِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ قَسَمَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَنَمًا فَصَارَ لِي مِنْهَا جَذَعٌ فَضَحَّيْتُ بِهِ عَنِّي وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِي ثُمَّ سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﵇ فَقَالَ ((قَدْ جَزَى عَنْكُمْ
стр. 2121
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَبُو جَابِرٍ الْبَيَاضِيُّ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ
قَالَ وَأَخْبَرَنَا الْأَسْلَمِيُّ عَنْ يُونُسَ بْنِ سيف عن بن الْمُسَيِّبِ قَالَ مَا كُنَّا نَعْرِفُ إِلَّا ذَاكَ حَتَّى خَالَطَنَا أَهْلُ الْعِرَاقِ فَضَحَّوْا عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ بِشَاةٍ وَكَانَ أَهْلُ الْبَيْتِ يُضَحُّونَ بِالشَّاةِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ تَطَوُّعُ الرَّجُلِ عَنْ أَهْلِ بيته كتطوع النبي ﵇ إذ قَالَ فِي ضَحِيَّتِهِ هَذَا عَنِّي وَعَنْ مَنْ لَمْ يُضَحِّ مِنْ أُمَّتِي)) وَكَأَنَّهُمْ أَهْلُ بَيْتٍ لَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَهَذَا يَصِحُّ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ لَمْ يُوجِبِ الْأُضْحِيَّةَ وَهُمْ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَيَدْخُلُ - حِينَئِذٍ - مَنْ لَمْ يُضَحِّ ذَلِكَ الْعَامَ مِنْ أُمَّتِهِ فِي ثَوَابٍ تِلْكَ الضَّحِيَّةِ
وَكَذَلِكَ سَائِرُ أَهْلِ بَيْتِ الرَّجُلِ يُشْرِكُهُمْ فِي ثَوَابِهَا وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا يَمْلِكُونَ شَيْئًا مِنْهَا
قَالَ أَنَسٌ ضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِكَبْشَيْنِ ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ فَقَالَ بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُمَّ عَنْ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ
قَالَ وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنِي قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْإِسْكَنْدَرَانِيُّ عَنْ عَمْرٍو عَنِ الْمُطَّلِبِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْأَضْحَى بِالْمُصَلَّى فَلَمَّا قَضَى خُطْبَتَهُ نَزَلَ عَنْ مِنْبَرِهِ وَأُتِيَ بِكَبْشٍ فَذَبَحَهُ بِيَدِهِ وَقَالَ ((بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ هَذَا عَنِّي وَعَنْ مَنْ لَمْ يُضَحِّ مِنْ أُمَّتِي))
وَقَدِ احْتَجَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ بن عَوْنٍ عَنْ أَبِي رَمْلَةَ عَنْ مِخْنَفِ بْنِ سُلَيْمٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ ((عَلَى كُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ فِي كُلِّ عَامٍ أَضْحَاةٌ وَعَتِيرَةٌ أَتَدْرُونَ مَا الْعَتِيرَةُ هِيَ الَّتِي يَقُولُ النَّاسُ إِنَّهَا الرَّجَبِيَّةُ))
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَضْحَاةٌ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِنْ وَجَدَ سَعَةً وَالْعَتِيرَةُ مَنْسُوخَةٌ بِالْأَضْحَى عِنْدَ الْجَمِيعِ وَهُوَ ذَبْحٌ كَانُوا يَذْبَحُونَهُ فِي رَجَبٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُسِخَ
стр. 2122
وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ عَلَى أَهْلِ كُلِّ بَيْتٍ أَضْحَى إن شاؤوا فَيَكُونُ نَدْبًا بِدَلِيلِ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي هَذَا الْمَعْنَى
وَحَدِيثُ أَبِي رَمْلَةَ عَنْ مِخْنَفِ بْنِ سُلَيْمٍ لَيْسَ بِالْبَيِّنِ أَيْضًا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
(٦ - بَابُ الضَّحِيَّةِ عَمَّا فِي بَطْنِ الْمَرْأَةِ وَذِكْرِ أَيَّامِ الْأَضْحَى)
١٠٠٥ - مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ الْأَضْحَى يَوْمَانِ بَعْدَ يَوْمِ الْأَضْحَى
مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِثْلُ ذَلِكَ
قَالَ أبو عمر قول بن عُمَرَ يَوْمَانِ بَعْدَ يَوْمِ الْأَضْحَى يُرِيدُ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ وَهُوَ الْعَاشِرُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ
وَالْأَضْحَى عِنْدَهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ يَوْمُ النَّحْرِ وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ وَهِيَ الْأَيَّامُ الْمَعْلُومَاتُ عِنْدَهُ
وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ ﵁
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَأَبُو يُوسُفَ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْقَاضِي
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِي عَدَدِ أَيَّامِ الْأَضْحَى وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَيَّامِ الْمَعْلُومَاتِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ فِي هَذَا الْبَابِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَأَمَّا الْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ فَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي أَنَّهَا أَيَّامُ التَّشْرِيقِ وَأَيَّامُ مِنًى ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ وَلَيْسَ النَّحْرُ مِنْهَا
وَمَا أَعْلَمُ خِلَافًا عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفَ فِي ذَلِكَ إِلَّا رِوَايَةً شَاذَّةً جَاءَتْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ الْأَيَّامُ الْمَعْلُومَاتُ وَالْمَعْدُودَاتُ هِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ
وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ عَلِمْنَاهُ أَنَّ يَوْمَ النَّحْرِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ غَيْرُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَهِيَ رِوَايَةٌ وَاهِيَةٌ لَا أَصْلَ لَهَا وَأَظُنُّهَا وَهْمًا سَقَطَ مِنْهَا أَيَّامُ الْعَشْرِ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ عَنْهُ أَنَّ الْمَعْلُومَاتِ أَيَّامُ الْعَشَرِ وَالْمَعْدُودَاتِ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ
وَالَّذِي عَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ هِيَ الثَّلَاثَةُ الْأَيَّامُ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ لَيْسَ يَوْمُ النَّحْرِ مِنْهَا وَهِيَ الْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ وَهِيَ أَيَّامُ مِنًى عِنْدَ الجميع
стр. 2123
وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَيَّامِ الْمَعْلُومَاتِ عَلَى قَوْلَيْنِ
أَحَدُهُمَا أَنَّهَا أَيَّامُ الْعَشْرِ آخِرُهَا يَوْمُ النَّحْرِ
وَهُوَ قول بن عَبَّاسٍ
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (وَالشَّافِعِيُّ) وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ
وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ وَطَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ
حَدَّثَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ ثَابِتٍ الصَّيْدَلَانِيُّ بِبَغْدَادَ قَالَ حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عن بن عَبَّاسٍ قَالَ الْأَيَّامُ الْمَعْلُومَاتُ أَيَّامُ النَّحْرِ الْعَشْرِ والمعدودات أَيَّامُ التَّشْرِيقِ
قَالَ عَلِيٌّ هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ هُشَيْمٍ وَلَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ أَبِي بِشْرٍ
وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّ الْأَيَّامَ الْمَعْلُومَاتِ يَوْمُ النحر ويومان بعده
روي ذلك عن بن عُمَرَ مِنْ وُجُوهٍ
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَأَبُو يُوسُفَ الْقَاضِي
وَرُوِّينَا عَنْ مَالِكٍ وَعَنْ أَبِي يُوسِفَ أَيْضًا أَنَّهُمَا قَالَا الَّذِي نَذْهَبُ إِلَيْهِ فِي الْأَيَّامِ الْمَعْلُومَاتِ أَنَّهَا أَيَّامُ النَّحْرِ يَوْمُ النَّحْرِ وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قال (ويذكروا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) الْحَجِّ ٢٨
فَعَلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَمَنْ تَابَعَهُ يَوْمُ النَّحْرِ مَعْلُومٌ أَيْ مِنَ الْمَعْلُومَاتِ لَيْسَ بِمَعْدُودٍ أَيْ لَيْسَ مِنَ الْمَعْدُودَاتِ وَالْيَوْمَانِ بَعْدَهُ مَعْدُودَاتٌ مَعْلُومَاتٌ عَلَى مَا وصفنا
وأما اختلاف الفقهاء في أيام الأضحى فاختلاف متباين جدا
وروي عن بن سِيرِينَ أَنَّهُ قَالَ الْأَضْحَى يَوْمٌ وَاحِدٌ يَوْمُ النَّحْرِ وَهُوَ الْيَوْمُ الْعَاشِرُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُمَا قَالَا النَّحْرُ فِي الْأَمْصَارِ يَوْمٌ وَاحِدٌ فِي مِنًى ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ
وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا الْأَضْحَى ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ يَوْمُ النَّحْرِ وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ
стр. 2124
وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ
قَالَ أَحْمَدُ الْأَضْحَى ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ يَوْمُ النَّحْرِ وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ
قَالَ أَبُو عُمَرَ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بن عباس وبن عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ إِلَّا أنه اختلف في ذلك عن علي وبن عباس وبن عُمَرَ فَرُوِيَ عَنْهُمْ مَا ذَكَرَ أَحْمَدُ وَرُوِيَ عَنْهُمْ الْأَضْحَى أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ يَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ كُلُّهَا
وَلَمْ يُخْتَلَفْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَسٍ فِي أَنَّ الْأَضْحَى ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ الْأَضْحَى أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ يَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ كُلُّهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَ يوم النحر
وهو قول بن شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ وَعَطَاءٍ وَالْحَسَنِ
وَرُوِيَ ذَلِكَ أَيْضًا عن علي وبن عمر وبن عباس
والأصح عن بن عُمَرَ الْأَضْحَى ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ يَوْمُ النَّحْرِ وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ
وَاخْتُلِفَ عَنْ عَطَاءٍ عَلَى هَذَيْنَ الْقَوْلَيْنِ
وَأَمَّا الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فَرُوِيَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ
أَحَدُهُمَا كَمَا قَالَ مَالِكٌ يَوْمُ النَّحْرِ وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ
وَالثَّانِي كَمَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ يَوْمُ النَّحْرِ وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَهُ
وَرُوِيَ عَنْهُ الْأَضْحَى إِلَى آخِرِ يَوْمٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ فَإِذَا أَهَلَّ هِلَالُ الْمُحَرَّمِ فَلَا أَضْحَى
وَالْأَشْهَرُ عَنْ عَطَاءٍ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْأَضْحَى أَنَّهُ يَوْمُ النَّحْرِ وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَهُ
وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ
وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَدَنِيِّينَ
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ
قَالَ حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ قَالَ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ ذُرَيْعٍ عَنْ حَبِيبٍ الْمُعَلِّمِ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ أَيَّامُ النَّحْرِ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ يَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ كُلُّهَا
стр. 2125
قَالَ وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنِي هُشَيْمٌ عَنْ يُونُسَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ أَيَّامُ النَّحْرِ ثَلَاثَةٌ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ
وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ يَوْمُ النَّحْرِ وَسِتَّةُ أَيَّامٍ بَعْدَهُ
وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ وبن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ الذَّبْحُ أَيَّامُ مِنًى كُلُّهَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ الْحُجَّةُ لِمَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ حَدِيثُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ ((كُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ مَنْحَرٌ وَكُلُّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذبح))
ورواه سليمان بن موسى عن بن أَبِي حُسَيْنٍ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ فَرُوِيَ عَنْهُ مُنْقَطِعًا وَمُتَّصِلًا
واضطرب عليه أيضا في بن أَبِي حُسَيْنٍ وَسُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى وَإِنْ كَانَ أَحَدُ أَئِمَّةِ أَهْلِ الشَّامِ فِي الْعِلْمِ فَهُوَ عِنْدَهُمْ سَيِّئُ الْحِفْظِ
وَلِهَذَا قِيلَ عَنْهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حُسَيْنٍ وَقِيلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حُسَيْنٍ وَرُبَّمَا لَمْ يُذْكَرْ نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ
وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ يَوْمَ النَّحْرِ يَوْمُ الْأَضْحَى وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْأَضْحَى بَعْدَ انْسِلَاخِ ذِي الْحِجَّةِ
وَلَا يَصِحُّ عِنْدِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِلَّا قَوْلَانِ
أَحَدُهُمَا قَوْلُ مَالِكٍ وَالْكُوفِيِّينَ الْأَضْحَى يَوْمُ النَّحْرِ وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ
وَالْآخَرُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَالشَّامِيِّينَ يَوْمُ النَّحْرِ وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَهُ
وَهَذَانَ الْقَوْلَانِ قَدْ رُوِيَا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَاخْتُلِفَ عَنْهُمْ فِيهِمَا
وَلَيْسَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ خِلَافُ هَذَيْنَ الْقَوْلَيْنِ فَلَا مَعْنَى لِلِاشْتِغَالِ بِمَا خَالَفَهُمَا لِأَنَّ مَا خَالَفَهُمَا لَا أَصْلَ لَهُ فِي السُّنَّةِ وَلَا فِي قَوْلِ الصَّحَابَةِ وَمَا خَرَجَ عَنْ هَذَيْنِ فَمَتْرُوكٌ لَهُمَا
وَكَانَ مَالِكٌ لَا يَرَى أَنْ يُضَحِّيَ بِلَيْلٍ
قَالَ لَا يُضَحِّي أَحَدٌ بِلَيْلٍ لِأَنَّ اللَّهَ قال (ويذكروا اسْمَ اللَّهِ فِي
стр. 2126
أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) الْحَجِّ ٢٨
فَذَكَرَ الْأَيَّامَ دُونَ اللَّيَالِي
وَكَرِهَ ذَلِكَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمَا لَا بَأْسَ بِالضَّحِيَّةِ تُذْبَحُ لَيْلًا فِي أَيَّامِ النَّحْرِ وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لَيْلَةَ يَوْمِ النَّحْرِ لِأَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ الْأَيَّامَ وَاللَّيَالِيَ تَبَعٌ لَهَا
وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ
١٠٠٦ - مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ يُضَحِّي عَمَّا فِي بَطْنِ الْمَرْأَةِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ الِاخْتِلَافُ فِي الضَّحِيَّةِ عَنْ مَا فِي بَطْنِ الْمَرْأَةِ شُذُوذٌ
وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنِ بن عُمَرَ فِي ذَلِكَ
ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ بن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ لَا يُضَحِّي عَنْ حَبَلٍ وكان يضحي عن ولده الصغار والكبار ويعق عن ولده كلهم
стр. 2127
(٢٤ كتاب الذبائح)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ
(١ - بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّسْمِيَةِ عَلَى الذَّبِيحَةِ)
١٠٠٧ - مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ يَأْتُونَنَا بِلُحْمَانٍ وَلَا نَدْرِي هَلْ سَمَّوُا اللَّهَ عَلَيْهَا أَمْ لَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((سَمُّوا اللَّهَ عَلَيْهَا ثم كلوها))
قال مالك وذلك فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَمْ يُخْتَلَفْ عَنْ مَالِكٍ فِي إِرْسَالِ هَذَا الْحَدِيثِ وَقَدْ أَسْنَدَهُ جَمَاعَةٌ ثِقَاتٌ رَوَوْهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ وَخَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ مُسْنَدًا
وَقَدْ ذَكَرْنَا الطُّرُقَ عَنْهُمْ بِذَلِكَ فِي ((التَّمْهِيدِ))
وَرَوَاهُ مُرْسَلًا كَمَا رَوَاهُ مالك بن عُيَيْنَةَ وَيَحْيَى الْقِطَّانُ وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ لَمْ يَتَجَاوَزُوهُ
وَفِيهِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ التَّسْمِيَةَ عَلَى الذَّبِيحَةِ مِنْ سُنَنِ الْإِسْلَامِ
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَمْ يَكُنْ إِلَّا بَعَدَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى (وَلَا
стр. 2128
تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) الْأَنْعَامِ ١٢١ لِقَوْلِهِ فِيهِ لَا نَدْرِي هَلْ سَمَّوُا اللَّهَ عَلَيْهِ أَمْ لَا
وَهَذَا الْحَدِيثُ كَانَ بِالْمَدِينَةِ وَأَهْلُ بَادِيَتِهَا كَانُوا الَّذِينَ يَأْتُونَ إِلَيْهِمْ بِاللُّحْمَانِ
وَالْأَمْرُ بِالتَّسْمِيَةِ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ
وَقَدْ بَيَّنَّا فِي ((التَّمْهِيدِ)) مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) الْأَنْعَامِ ١٢١ وَمَا لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ وَمَا الْأَصْلُ فِيهِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ سَمُّوا اللَّهَ عَلَيْهَا ثُمَّ كُلُوهَا فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ عَلَى الْأَكْلِ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْبَرَكَةِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ شُرُوطِ الذَّكَاةِ لِأَنَّ الْمَيْتَةَ وَالْأَطْعِمَةَ لَا تَحْتَاجُ إِلَى التَّذْكِيَةِ وَإِنَّمَا قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ لِيُعْلِمَهُمْ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُظَنُّ بِهِ تَرْكُ التَّسْمِيَةِ عَلَى ذَبِيحَتِهِ وَلَا يُظَنُّ بِهِ إِلَّا الْخَيْرُ وَأَمْرُهُ مَحْمُولٌ عَلَى ذَلِكَ مَا خَفِيَ أَمْرُهُ حَتَّى يَسْتَبِينَ فِيهِ غَيْرُهُ
وَفِيمَا وَصَفْنَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ عَلَى الذَّبِيحَةِ سُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ لَا فَرِيضَةٌ وَلَوْ كَانَتْ فَرْضًا مَا سَقَطَتْ بِالنِّسْيَانِ لِأَنَّ النِّسْيَانَ لَا يُسْقِطُ مَا وَجَبَ عَمَلُهُ مِنَ الْفَرَائِضِ إِلَّا أَنَّهَا عِنْدِي مِنْ مُؤَكَّدَاتِ السُّنَنِ وَهِيَ آكَدُ مِنَ التَّسْمِيَةِ عَلَى الْوُضُوءِ وَعَلَى الْأَكْلِ
وَقَدْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ فَقَالَ سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ
١٠٠٨ - مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيَّ أَمَرَ غُلَامًا لَهُ أَنْ يَذْبَحَ ذَبِيحَةً فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَذْبَحَهَا قَالَ لَهُ سَمِّ اللَّهَ فَقَالَ لَهُ الْغُلَامُ قَدْ سَمَّيْتُ فَقَالَ لَهُ سَمِّ اللَّهَ وَيْحَكَ قَالَ لَهُ قَدْ سَمَّيْتُ اللَّهَ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشٍ وَاللَّهِ لَا أَطْعَمُهَا أَبَدًا
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا حَدِيثٌ وَاضِحٌ فِي أَنَّ مَنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَلَى الذَّبِيحَةِ عَمْدًا لَمْ تُؤْكَلْ ذَبِيحَتُهُ تِلْكَ
أَلَا تَرَى أَنَّ فِي خَبَرِهِ هَذَا أَرَادَ أَنْ يَذْبَحَهَا فَقَالَ لَهُ سَمِّ اللَّهَ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَذْبَحَهَا وَرَاجَعَهُ بِمَا لَمْ يُصَدِّقُهُ لِأَنَّهُ كَانَ بِمَوْضِعٍ لَا يَخْفَى عَنْهُ ذَلِكَ لقربه
стр. 2129
وَعِلْمَ مُعَانَدَتَهُ لِأَنَّهُ كَانَ يُجِيبُهُ بِقَوْلِهِ قَدْ سَمَّيْتُ وَلَا يُسَمِّي وَلَوْ قَالَ فِي مَوْضِعِ قَوْلِهِ قَدْ سَمَّيْتُ بِاسْمِ اللَّهِ اكْتَفَى بِذَلِكَ مِنْهُ فَاعْتَقَدَ أَنَّهُ عَمْدًا تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَلَيْهَا فلم يستحل أكلها
وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيمَنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَلَى الصَّيْدِ أَوِ الذَّبِيحَةِ عَامِدًا
وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِيمَنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَلَى الذَّبِيحَةِ أَوْ عَلَى الْإِرْسَالِ عَلَى الصَّيْدِ عامدا أو ناسيا
فقال مالك والثوري وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ إِنَّ تَرَكَهَا عَمْدًا لَمْ تُؤْكَلِ الذَّبِيحَةُ وَلَا الصَّيْدُ وَإِنْ نَسِيَ التَّسْمِيَةَ فِي ذَلِكَ أُكِلَتْ
وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ
وَقَالَ بَعْضُ هَؤُلَاءِ مَنْ تَعَمَّدَ تَرْكَ التَّسْمِيَةِ مَعَ عِلْمِهِ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ فِيهَا فَقَدِ اسْتَبَاحَ بِغَيْرِ مَا أَذِنَ اللَّهُ لَهُ فِيهِ فَصَارَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ فَلَمْ تُؤْكَلْ ذَبِيحَتُهُ
وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ هَذَا إِنَّمَا قِيلَ فِي ذَبِيحَةِ مِنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ مِمَّنْ لا يؤمن بالله
وللكلام في ذلك موضع غَيْرُ هَذَا
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ تُؤْكَلُ الذَّبِيحَةُ وَالصَّيْدُ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا تَعَمَّدَ فِي ذَلِكَ أو نسيه
وهو قول بن عباس وأبي هريرة وعطاء وسعيد بن المسيب والحسن وجابر بن زيد وعكرمة وَعَطَاءٍ وَأَبِي رَافِعٍ وَطَاوُسٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى وَقَتَادَةَ
وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا رَوَى عَنْهُ أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ مِمَّنْ نَسِيَ التَّسْمِيَةَ عَلَى الصَّيْدِ أَوِ الذَّبِيحَةِ إِلَّا بن عمر والشعبي وبن سِيرِينَ
وَقَدْ أَجْمَعُوا فِي ذَبِيحَةِ الْكِتَابِيِّ أَنَّهَا تُؤْكَلُ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ اللَّهَ عَلَيْهَا إِذَا لَمْ يُسَمِّ عَلَيْهَا غَيْرَ اللَّهِ
وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْمَجُوسِيَّ وَالْوَثَنِيَّ لَوْ سَمَّى اللَّهَ لَمْ تُؤْكَلْ ذَبِيحَتُهُ
وَفِي ذَلِكَ بَيَانٌ أَنَّ ذَبِيحَةَ الْمُسْلِمِ حَلَالٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ لِأَنَّهُ ذَبَحَ بِدِينِهِ
وروي عن بن عباس وأبى وائل - شقيق بن سلمة - وبن أَبِي لَيْلَى أَنَّهُمْ قَالُوا فِي ذَلِكَ إِذَا ذَبَحْتَ بِدِينِكَ فَلَا يَضُرُّكَ
стр. 2130
وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ بِأَنْ قَالَ لَمَّا كَانَ الْمَجُوسِيُّ لَوْ سَمَّى اللَّهَ تَعَالَى لَمْ تَنْفَعْ تَسْمِيَتُهُ شَيْئًا لَأَنَّ الْمُرَاعَاةَ لِدِينِهِ كَانَ الْمُسْلِمَ إِذَا تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَامِدًا لَا يضره لأن المراعاة لدينه
وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ إِنَّمَا ذَبَحْتَ بِدِينِكَ
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكِ
وَعَلَى هَذَيْنَ الْقَوْلَيْنِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ
قَالَ بن جُرَيْجٍ قُلْتُ لِعَطَاءٍ لَوْ أَنَّ ذَابِحًا ذَبَحَ ذَبِيحَتَهُ لَمْ يَذْكُرْ عَلَيْهَا اسْمَ اللَّهِ أَيَأْكُلُهَا قال نعم سبحان الله أو كل مَنْ ذَبَحَ يَذْكُرُ اسْمَ اللَّهِ
قَالَ عَطَاءٌ كُلُّ مُسْلِمٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ امْرَأَةٍ أَوْ صَبِيَّةٍ ذَبَحَ فَكُلْ مِنْ ذَبِيحَتِهِ وَلَا تَأْكُلْ مِنْ ذَبِيحَةِ مَجُوسِيٍّ
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ مَنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا لَمْ تُؤْكَلْ ذَبِيحَتُهُ وَلَا صَيْدُهُ
وَهَذَا قَوْلٌ لَا نَعْلَمُهُ رَوِيَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ مِمَّنْ يُخْتَلَفُ عَنْهُ فِيهِ إِلَّا مُحَمَّدَ بن سيرين ونافعا مولى بن عُمَرَ
وَهَذَانَ يَلْزَمُهُمَا أَنْ يَتَّبِعَا سَبِيلَ الْحُجَّةِ الْمُجْتَمَعَةِ عَلَى خِلَافِ قَوْلِهِمَا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
(٢ - بَابُ مَا يَجُوزُ مِنَ الذَّكَاةِ فِي حَالِ الضَّرُورَةِ)
١٠٠٩ - مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ كَانَ يَرْعَى لِقْحَةً لَهُ بِأُحُدٍ فَأَصَابَهَا الْمَوْتُ فَذَكَّاهَا بِشِظَاظٍ فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ ((لَيْسَ بِهَا بَأْسٌ فَكُلُوهَا))
١٠١٠ - مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ سَعْدٍ أَوْ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ أَنَّ جَارِيَةً لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ كَانَتْ تَرْعَى غَنَمًا لَهَا بِسَلْعٍ فَأُصِيبَتْ شَاةٌ مِنْهَا
стр. 2131
فَأَدْرَكَتْهَا فَذَكَّتْهَا بِحَجَرٍ فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ ((لَا بَأْسَ بِهَا فَكُلُوهَا))
قَالَ أَبُو عُمَرَ أُمَّا حَدِيثُهُ الْأَوَّلُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فَلَمْ يَخْتَلِفْ عَنْهُ فِي إِرْسَالِهِ عَلَى مَا فِي ((الْمُوَطَّأِ))
وَقَدْ ذَكَرَهُ الْبَزَّارُ مُسْنَدًا فَقَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ قَالَ حَدَّثَنِي حِبَّانُ بْنُ هِلَالٍ قَالَ حَدَّثَنِي جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
وَذَكَرَهُ السَّرَّاجُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنُ خِرَاشٍ قَالَ حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ قَالَ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فَلَقِيتُ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ فَحَدَّثَنِي عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ كَانَتْ لِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ نَاقَةٌ تَرْعَى في قبلي أحد فنحرها يزيد فَقُلْتُ لِزَيْدٍ وَتَدٌ مِنْ حَدِيدٍ أَوْ خَشَبٍ قال يلى مِنْ خَشَبٍ وَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَسَأَلَهُ فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ اللِّقْحَةُ النَّاقَةُ ذَاتُ اللَّبَنِ وَالشِّظَاظُ الْعُودُ الْحَدِيدُ الطَّرَفِ
كَذَا قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ
وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ يَعْقُوبُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ فَقَالَ فِيهِ فَأَخَذَهَا الْمَوْتُ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا يَنْحَرُهَا به فأخذ وتدا فوجا في لبنها حَتَّى أَهْرَاقَ دَمَهَا ثُمَّ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهَا
فَعَلَى هَذَا الْحَدِيثِ وَحَدِيثِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ الشِّظَاظُ الْوَتَدُ
وَتَفْسِيرُ أَهْلِ اللُّغَةِ أَبْيَنُ
وَقَالَ بَعْضُهُمُ الشِّظَاظُ هُوَ الْعُودُ الَّذِي يُجْمَعُ بِهِ بَيْنَ عُرْوَتَيِ الْغِرَارَتَيْنِ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ بِحَالِ الْعُرْوَتَيْنِ مِنَ الشِّظَاظِ
وَقَالَ الْخَلِيلُ الشِّظَاظُ خَشَبَةٌ عَقْفَاءُ مُحَدَّدَةُ الطَّرَفِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ التَّذْكِيَةُ بِالشِّظَاظِ إِنَّمَا تَكُونُ فِيمَا يُنْحَرُ لَا فِيمَا يُذْبَحُ لِأَنَّهُ كَطَرَفِ السِّنَانِ
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ إِبَاحَةُ تَذْكِيَةِ مَا نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ مِنَ الْحَيَوَانِ الْمُبَاحِ أَكْلُهُ كَانَتْ حَيَاتُهُ تُرْجِي أَوْ لَا تُرْجَى إِذَا كَانَتْ فيه حياة معلومة من حِينَ الذَّكَاةِ لِأَنَّ فِي الْحَدِيثِ فَأَصَابَهَا الْمَوْتُ
стр. 2132
وَفِيهِ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَكْلِهَا وَلَمْ يَسْأَلْهُ عَنْ شَيْءٍ
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَكَاةٍ مَا نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ مِنَ الْأَنْعَامِ مِثْلِ الْمُتَرَدِّيَةِ وَالنَّطِيحَةِ وَالْمَوْقُوذَةِ وَأَكِيلَةِ السَّبُعِ وَالْمُنْخَنِقَةِ
فَقَالَ أَبُو قُرَّةَ - مُوسَى بْنُ طَارِقٍ سَأَلْتُ مَالِكًا عَنِ الْمُتَرَدِّيَةِ وَالْمَفْرُوسَةِ تُدْرَكُ ذَكَاتُهَا وَهِيَ تَتَحَرَّكُ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِهَا إِذَا لَمْ يَكُنْ قُطِعَ رَأْسُهَا أَوْ نُثِرَ بَطْنُهَا
قَالَ وَسَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ إِذَا غُيِّرَ مَا بَيْنَ الْمَنْحَرِ إِلَى الْمَذْبَحِ لَمْ تؤكل
وفي ((المستخرجة)) لمالك وبن الْقَاسِمِ أَنَّ مَا فِيهِ الْحَيَاةُ وَإِنْ كَانَ لَا يَعِيشُ وَلَا يُرْجَى لَهُ بِالْعَيْشِ يُذَكَّى وَيُؤْكَلُ فِي ذَلِكَ
وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ إِذَا كَانَتْ حَيَّةً وَأَخْرَجَ السَّبُعُ بَطْنَهَا أَكَلْنَا إلا ما بان منها
وهو قول بن وَهْبٍ وَهُوَ الْأَشْهَرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ
وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ
قَالَ الْمُزَنِيُّ وَأَحْفَظُ لِلشَّافِعِيِّ قَوْلًا آخَرَ أَنَّهَا لَا تُؤْكَلُ إِذَا بَلَغَ مِنْهَا السَّبُعُ أَوِ التَّرَدِّي إِلَى مَا لَا حَيَاةَ مَعَهُ
قَالَ الْمُزَنِيُّ وَهُوَ قَوْلُ الْمَدَنِيِّينَ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي كُلِّ مَا تُدْرِكُهُ ذَكَاتُهُ وَفِيهِ حَيَاةٌ مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ بِأَنَّهُ ذُكَّيَ إِذَا ذُكِّيَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ
وَرَوَى الشَّعْبِيُّ عَنِ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ إِذَا أَدْرَكْتَ ذَكَاةَ الْمَوْقُوذَةِ أَوِ الْمُتَرَدِّيَةِ أَوِ النَّطِيحَةِ وَهِيَ تُحَرِّكُ يَدًا أَوْ رِجْلًا فَكُلْهَا
وَكَانَ الشَّعْبِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَعَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ كُلُّ هَؤُلَاءِ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ) الْمَائِدَةِ ٣ إذا أطرفت بعينيها أو مضغت بِذَنَبِهَا يَعْنِي حَرَّكَتْهُ وَضَرَبَتْ بِهِ أَوْ رَكَضَتْ بِرِجْلِهَا فَذَكَّيْتَهُ فَقَدْ أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ذَلِكَ
وَذَكَرَهُ عَنْ أَصْحَابِهِ
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ وبن عباس وإليه ذهب بن حبيب وذكره عن أصحاب مالك وروى بن عُيَيْنَةَ وَشَرِيكٌ وَجَرِيرٌ عَنِ الرُّكَيْنِ بْنِ الرَّبِيعِ عن أبي طلحة الأسدي قال سألت بن عَبَّاسٍ عَنْ ذِئْبٍ عَدَا عَلَى شَاةٍ فَشَقَّ بَطْنَهَا حَتَّى انْتَثَرَ
стр. 2133
فَسَقَطَ مِنْهُ شَيْءٌ إِلَى الْأَرْضِ فَقَالَ كُلْ وَمَا انْتَثَرَ مِنْ بَطْنِهَا فَلَا تَأْكُلْ
وَسَنَزِيدُ هَذَا الْمَعْنَى بَيَانًا فِي بَابِ مَا يُكْرَهُ فِي الذَّبِيحَةِ مِنَ الذَّكَاةِ بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَقَدْ أَشْبَعْنَا هَذَا الْبَابَ بِالْآثَارِ وَأَقَاوِيلِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ فِي مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ (إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ) الْمَائِدَةِ ٣ فِي ((التَّمْهِيدِ)) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
وَأَمَّا حَدِيثُهُ عَنْ نَافِعٍ فِي هَذَا الْبَابِ فَفِيهِ وَفِي الَّذِي قَبْلَهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَفَرَى الْأَوْدَاجَ وَالْحُلْقُومَ جَازَتْ بِهِ الذَّكَاةُ
حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي قَاسِمٌ حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ عَاصِمٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَيْفِيٍّ قَالَ ذَبَحْتُ أَرْنَبَيْنِ بِمَرْوَةٍ ثُمَّ أَتَيْتُ بِهِمَا النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرَنِي بِأَكْلِهِمَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ الْمَرْوَةُ فَوْقَ الْحَجَرِ
وَفِي حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ فَذَكَّيْتُهُمَا الْحَجَرَ
وَفِي حُكْمِ الْحَجَرِ كُلُّ مَا قَطَعَ وَفَرَى وَأَنْهَرَ الدَّمَ مَا خَلَى السِّنَّ وَالْعَظْمَ
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي ((التَّمْهِيدِ)) حَدِيثَ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ مُسْنَدًا أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ إِنْ أَصَابَ أَحَدُنَا صَيْدًا وَلَيْسَ مَعَهُ سِكِّينٌ أَيَذْبَحُ بِالْمَرْوَةِ وَبِشَقَّةِ الْعَصَا فَقَالَ أَنْزِلِ الدَّمَ بِمَا شِئْتَ وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى
وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ مَا ذُبِحَ بِاللِّيطَةِ وَالشَّطِيرِ وَالظُّرَرِ فَحِلٌّ ذُكِّيَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ الظُّرَرُ حَجَرٌ لَهُ حد والليطة فلقة القصب لها حد والشطيرة فلقة العود الحادة
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 2134
فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا نَلْقَى الْعَدُوَّ غَدًا وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًى أَنُذَكِّي بِاللِّيطِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((ما أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا مَا لَمْ يَكِنُ سِنًّا أَوْ ظُفْرًا وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ أَمَّا السِّنُ فَعَظْمٌ وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ)) وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي ((التَّمْهِيدِ))
فَإِذَا جَازَتِ التَّذْكِيَةُ بِغَيْرِ الْحَدِيدِ جَازَتْ بِكُلِّ شَيْءٍ إِلَّا أَنْ يَجْتَمِعَ عَلَى شَيْءٍ فَيَكُونُ مَخْصُوصًا
وَعَلَى هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ
وَالسِّنُّ وَالظُّفُرُ الْمَنْهِيُّ عَنِ التَّذْكِيَةِ بِهِمَا عِنْدَهُمْ هُمَا غَيْرُ الْمَنْزُوعَيْنِ لِأَنَّ ذَلِكَ يَصِيرُ خَنْقَا
وَكَذَلِكَ قال بن عَبَّاسٍ ﵁ ذَلِكَ الْخَنْقُ
فَأَمَّا السِّنُّ وَالظُّفُرُ الْمَنْزُوعَانِ إِذَا فَرِيَا الْأَوْدَاجَ فَجَائِزٌ الذَّكَاةُ بِهِمَا عِنْدَهُمْ
وَقَدْ كَرِهَ قَوْمٌ السِّنَّ وَالظُّفُرَ وَالْعَظْمَ عَلَى كُلِّ حَالٍ مَنْزُوعَةً وَغَيْرَ منزوعة منهم إبراهيم النخعي وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ
وَرُوِيَ ذَلِكَ أَيْضًا عَنِ الشَّافِعِيِّ
وَحُجَّتُهُمْ ظَاهِرُ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ
وَأَمَّا حَدِيثُهُ عَنْ نَافِعٍ فَقَدْ ذَكَرْنَا الِاخْتِلَافَ فِيهِ فِي ((التَّمْهِيدِ))
وَأَمَّا سَلْعٌ فَيُرْوَى بِتَسْكِينِ اللَّامِ وَتَحْرِيكِهَا
وَأَكْثَرُ الرُّوَاةِ يُحَرِّكُونَهَا بِالْفَتْحِ
وَأَظُنُّ الشَّاعِرَ فِي قَوْلِهِ
(إِنَّ بِالشِّعْبِ الَّذِي دُونَ السلع ... لَقَتِيلًا دَمُهُ مَا يُطَلُّ
стр. 2135
خَفَّفَ الْحَرَكَةَ وَهُوَ جَائِزٌ فِي اللُّغَةِ وَفِيهِ أَيْضًا مِنَ الْفِقْهِ إِجَازَةُ ذَبْحِ الْمَرْأَةِ وَعَلَى إِجَازَةِ ذَلِكَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ إِلَّا عَلَى حَالِ الضَّرُورَةِ
وَأَكْثَرُهُمْ يُجِيزُونَ ذِلَكَ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ضَرُورَةً إِذَا أَحْسَنَتِ الذَّبْحَ
وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ إِذَا أَطَاقَ الذَّبْحَ
وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَهْلِ الْحِجَازِ وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ وَقَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ
وَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ قَدْ ذَكَرْنَاهُمْ فِي ((التَّمْهِيدِ))
وَقَالَ بن عَبَّاسٍ مَنْ ذَبَحَ مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ أَوْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى فَكُلْ
وَأَمَّا التَّذْكِيَةُ بِالْحَجَرِ فَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ
وَاسْتَدَلَّ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ وَهُمْ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ مِنْ جَوَازِ كُلِّ مَا ذُبِحَ بِغَيْرِ إِذْنِ مَالِكِهِ
وَرَدُّوا بِهَذَا الْحَدِيثِ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ عَلَى مَنْ أَبَى مِنْ أَكْلِ ذَبِيحَةِ السَّارِقِ وَالْغَاصِبِ
فَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى تَحْرِيمِ أَكْلِ ذَبِيحَةِ السَّارِقِ وَالْغَاصِبِ وَمَنْ أَشْبَهَهُمَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ وَتَقَدَّمَهُمَا إِلَى ذَلِكَ عِكْرِمَةُ وَهُوَ قَوْلٌ شاذ عنهم
وقد ذكر بن وهب في ((موطإه)) بِإِثْرِ حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ هَذَا قَالَ بن وَهْبٍ وَأَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ اللَّيْثِيُّ عَنِ بن شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْهَا فَلَمْ يَرَ بِهَا بَأْسًا
وَمِمَّا يُؤَيِّدُ هَذَا الْمَذْهَبَ حَدِيثُ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ الْجَرْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الشَّاةِ الَّتِي ذُبِحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ رَبِّهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((أَطْعِمُوهَا الْأُسَارَى)) وَهُمْ مِمَّنْ تَجُوزُ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ مِثْلُهَا وَلَوْ لَمْ تَكُنْ ذَكِيَّةً مَا أَطْعَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 2136
وَالْحَدِيثُ حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَ خَرَجْتُ مَعَ أَبِي وَأَنَا غُلَامٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَلَقَّانَا رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فُلَانَةٌ تَدْعُوكَ وَأَصْحَابَكَ إِلَى طَعَامٍ فَانْطَلَقَ النَّبِيُّ ﵇ وَنَحْنُ مَعَهُ فَقَعَدْتُ مَقَاعِدَ الْغِلْمَانِ مِنْ آبَائِهِمْ فَجِيءَ بِالطَّعَامِ قَالَ فَلَمَّا وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ وَضَعْنَا أَيَدِيَنَا وَضَعُوا أَيْدِيَهُمْ فَنَظَرَ الْقَوْمُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَوَكَ أَكْلَهُ فَكَفُّوا أَيْدِيَهُمْ قَالَ فَلَاكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْأَكْلَةَ ثُمَّ لَفَظَهَا وَرَمَى بِهَا وَقَالَ ((إِنَّهُ لَحْمُ شَاةٍ أُخِذَتْ بِغَيْرِ إِذَنِ أَهْلِهَا فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! كُنْتُ أُرِيدُ أَنْ أَجْمَعَكَ أَنْتَ وَأَصْحَابَكَ عَلَى طَعَامٍ فَبَعَثْتُ إِلَى الْعَقِيقِ الْيَوْمَ قَالَتْ إِلَى الْعَقِيقِ النَّقِيعِ فَلَمْ أَجِدْ شَاةً تُبَاعُ فَبَعَثَ إِلَيَّ أَخِي عَابِدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَقَدِ اشْتَرَى شَاةً أَمْسُ فَقُلْتُ إِنِّي كُنْتُ بِطَالِبَةٍ شَاةً الْيَوْمَ فَلَمْ أَجِدْ فَابْعَثْ لِي بِشَاتِكَ الَّتِي اشْتَرَيْتَ أَمْسُ فَلَمْ يَكُنْ أَخِي ثَمَّ فَدَفَعَ إِلَى أَهْلِهِ الشَّاةَ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((اذْهَبُوا بِهِ فَأَطْعِمُوهُ الْأُسَارَى
١٠١١ - مَالِكٌ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَبَائِحِ نَصَارَى الْعَرَبِ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِهَا وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) (الْمَائِدَةِ ٥١
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا الْحَدِيثُ يَرْوِيهِ ثَوْرُ بْنُ زيد عن عكرمة عن بن عَبَّاسٍ كَذَلِكَ رَوَاهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ وَهُوَ مَحْفُوظٌ عن بن عَبَّاسٍ فِي وُجُوهٍ
مِنْهَا مَا ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ عكرمة عن بن عَبَّاسٍ وَتَلَا (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) المائدة ٥١
قال وأخبرني معمر عن عطاء الخرساني قَالَ لَا بَأْسَ بِذَبَائِحِهِمْ أَلَا تَسْمَعُوا اللَّهَ يَقُولُ (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ) الْبَقَرَةِ ٧٨
قَالَ وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ قَالَ سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ عَنْ ذَبَائِحِ نَصَارَى الْعَرَبِ فَقَالَ مَنِ انْتَحَلَ دِينًا فَهُوَ مِنْ أَهْلِهِ وَلَمْ يَرَ بِذَبَائِحِهِمْ بَأْسًا
وَرَوَى عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ عَنْ عكرمة عن بن عَبَّاسٍ قَالَ كُلُوا مِنْ ذَبَائِحِ
стр. 2137
بَنِي تَغْلِبٍ وَتَزَوَّجُوا نِسَاءَهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) الْمَائِدَةِ ٥١
قَالَ أَبُو عُمَرَ عَلَى هَذَا أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إِلَّا أَنْ يُسَمِّيَ النَّصْرَانِيُّ مِنَ الْعَرَبِ الْمَسِيحَ على ذبيحته فإن قال بسم الْمَسِيحِ أَوْ ذَبَحَ لِآلِهَتِهِ أَوْ لِعِيدِهِ فِإِنَّهُمُ اختلفوا في ذلك اختلافا كثيرا نَذْكُرُهُ فِي هَذَا الْبَابِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَأَمَّا نَصَارَى الْعَرَبِ فَمَذْهَبُ عَلَيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فِي نَصَارَى الْعَرَبِ بَنِي تَغْلِبَ وَغَيْرِهِمْ
وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ خَصَّ بَنِي تَغْلِبَ بِأَنْ لَا تُؤْكَلَ ذَبَائِحُهُمْ
رَوَى معمر عن أيوب عن بن سِيرِينَ عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ كَانَ يَكْرَهُ ذَبَائِحَ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُمْ لَا يَتَمَسَّكُونَ مِنَ النَّصْرَانِيَّةِ إِلَّا بِشُرْبِ الْخَمْرِ
وَقَالَتْ بِهَذَا طَائِفَةٌ مِنْهُمْ عَطَاءٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ
وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِيمَا ذَبَحَ النَّصَارَى لِكَنَائِسِهِمْ وَأَعْيَادِهِمْ أَوْ مَا سَمَّوْا عَلَيْهِ الْمَسِيحَ
فَقَالَ مَالِكٌ مَا ذَبَحُوهُ لِكَنَائِسِهِمْ أَكْرَهُ أَكْلَهُ وَمَا سُمِّيَ عَلَيْهِ بِاسْمِ الْمَسِيحِ لَا يُؤْكَلُ
وَالْعَرَبُ عِنْدَهُ وَالْعَجَمُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ
وَقَالَ الثوري إذا ذبح وأهل به لِغَيْرِ اللَّهِ كَرِهْتُهُ
وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ
قَالَ سُفْيَانُ وَبَلَغَنَا عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ قَدْ أَحَلَّ اللَّهُ مَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ لِأَنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّهُمْ سَيَقُولُونَ هَذَا الْقَوْلَ وَقَدْ أَحَلَّ ذَبَائِحَهُمْ
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَا لَا بَأْسَ بِمَا ذَبَحَ النَّصَارَى لِكَنَائِسِهِمْ وَمَوْتَاهُمْ
قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ طَعَامُهُمْ كُلُّهُ لَنَا حِلٌّ وَطَعَامُنَا لَهُمْ حِلٌّ
وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ فُقَهَاءُ الشَّامِيِّينَ مَكْحُولٌ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُخَيْمِرَةَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَقَالُوا سَوَاءٌ سَمَّى النَّصْرَانِيُّ الْمَسِيحَ عَلَى ذَبِيحَتِهِ أَوْ سَمَّى جِرْجِسَ أَوْ ذَبْحَ لِعِيدِهِ أَوْ لِكَنِيسَتِهِ كُلُّ ذَلِكَ حَلَالٌ لِأَنَّهُ كِتَابِيٌّ ذَبَحَ بِدِينِهِ وَقَدْ أَحَلَّ اللَّهُ ذَبَائِحَهُمْ فِي كِتَابِهِ
стр. 2138
وَقَالَ الْمُزَنِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ لَا تَحِلُّ ذَبِيحَةُ نَصَارَى الْعَرَبِ
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ
وَرَوَى قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ زَاذَانَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ إِذَا سَمِعْتَ النَّصْرَانِيَّ يَقُولُ بِاسْمِ الْمَسِيحِ فَلَا تَأْكُلْ وَإِذَا لَمْ يُسَمِّ فَكُلْ فَقَدْ أَحَلَّ اللَّهُ ذَبَائِحَهُمْ
وَعَنْ عائشة قالت لا تأكل ما ذبح لأعيادهم
وعن بن عُمَرَ مِثْلُهُ
وَعَنِ الْحَسَنِ وَمَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ أَنَّهُمَا كَانَا يَكْرَهَانِ مَا ذَبَحَ النَّصَارَى لِأَعْيَادِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ وَآلِهَتِهِمْ
وَقَدْ قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ كَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُوجِبَ فِيهِ تَحْرِيمًا
وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونَ بْنِ مِهْرَانَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَ يُوكِلُ بِقَوْمٍ مِنَ النَّصَارَى قَوْمًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِذَا ذَبَحُوا أَنْ يُسَمُّوا اللَّهَ وَلَا يَتْرُكُوهُمْ أَنْ يَهُلُّوا لِغَيْرِ اللَّهِ
١٠١٢ - مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ مَا فَرَى الْأَوْدَاجَ فَكُلُوهُ
مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بن المسيب أنه كان يَقُولُ مَا ذُبَحَ بِهِ إِذَا بَضَعَ فَلَا بَأْسَ بِهِ إِذَا اضْطُرِرْتَ إِلَيْهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ إِذَا اضْطُرِرْتَ إِلَيْهِ فَكَلَامٌ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَلَّا يَذْبَحَ بِغَيْرِ الْمُدَى وَالسَّكَاكِينِ وَقَاطِعِ الْحَدِيدِ اخْتِيَارًا
وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي مَعْنَى هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ
فَأَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ كُلَّ مَا خَرَقَ بِرِقَّتِهِ أَوْ قَطَعَ بِحَدِّهِ أُكِلَ مَا ذُكِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ يَعْمَلُ عَمَلَ الْحَدِيدِ
قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِيُذَكِّ لَكُمُ الْأَسَلُ النبل والرماح
стр. 2139
وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِيمَا قَتَلَ الْمِعْرَاضُ فِي بَابِهِ بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَرَوَى الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا نَخَافُ أَنْ نَلْقَى الْعَدُوَّ غَدًا وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًى أَفَنَذْبَحُ بِالْقَصَبِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ وَأُمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ))
وَهَذَا الْحَدِيثُ أَصْلُ هَذَا الْبَابِ مَعَ مَا قَدَّمْنَا فِي الْبَابِ قَبْلَهُ وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا
وَمِمَّنِ اسْتَثْنَى السِّنَّ وَالظُّفُرَ عَلَى كُلِّ حَالٍ الْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ
وَقَالَ مَالِكٌ مَا يَضَعُ مِنْ عَظْمٍ أَوْ غَيْرِهِ ذُكِّيَ بِهِ
وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ الظُّفُرُ وَالسِّنُّ الْمَنْزُوعَانِ لَا بَأْسَ بِالتَّذْكِيَةِ بِهِمَا - إِنْ شَاءَ اللَّهُ
١٠١٣ - مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ شَاةٍ ذُبِحَتْ فَتَحَرَّكَ بَعْضُهَا فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْكُلَهَا ثُمَّ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَقَالَ إِنَّ الْمَيْتَةَ لَتَتَحَرَّكُ وَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ
وَذَكَرَ بن وَهْبٍ هَذَا الْخَبَرَ فِي مُوَطَّئِهِ عَنْ مَالِكٍ بِإِسْنَادِهِ قَالَ فِي آخِرِهِ سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ إِذَا كَانَ شَيْئًا خَفِيفًا فَقَوْلُ زَيْدٍ أَحَبُّ إِلَيَّ وَإِنْ كَانَ جَرَى الرُّوحُ في الجسد فلا بأس بأكلها
قال بن وهب وأخبرني يونس عن بن شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ الذَّكَاةُ فِي الْعَيْنِ تَطْرَفُ وَالذَّنَبِ يَتَحَرَّكُ وَالرِّجْلِ يَرْكُضُ
قَالَ وَأَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنْ رَبِيعَةَ قَالَ مَا أَدْرَكْتَ مِمَّا أَكَلَ السَّبُعُ حَيًّا فَكُلْهُ يُرِيدُ إِذَا أَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ
وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ شَاةٍ تَرَدَّتْ فَتَكَسَّرَتْ فَأَدْرَكَهَا صَاحِبُهَا فَذَبَحَهَا فَسَالَ الدَّمُ مِنْهَا وَلَمْ تَتَحَرَّكْ فَقَالَ مَالِكٌ إِذَا كَانَ ذَبَحَهَا وَنَفَسُهَا يَجْرِي وَهِيَ تَطْرَفُ فَلْيَأْكُلْهَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ هَذَا فِي الْمُوَطَّأِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ
وَهُوَ قَوْلُ علي وأبي هريرة وبن عَبَّاسٍ وَمَنْ ذَكَرْنَا مَعَهُمْ فِي الْبَابِ قَبْلَ هَذَا مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الْفَتْوَى مِنَ الفقهاء
стр. 2140
وَقَدِ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ أَصْحَابُ مَالِكٍ وَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي الْبَابِ قَبْلَ هَذَا كَثِيرًا مِنْ مَعْنَى هَذَا الْبَابِ
وَذَكَرَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ يُوسُفَ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ كَانَتْ لِي عَنَاقٌ كَرِيمَةٌ فَكَرِهْتُ أَنْ أَذْبَحَهَا فَلَمْ أَلْبَثْ أَنْ تَرَدَّتْ فَأَمْرَرْتُ الشَّفْرَةَ عَلَى أَوْدَاجِهَا فَرَكَضَتْ بِرِجْلِهَا فَسَأَلْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَقَالَ إِنَّ الْمَيِّتَ يَتَحَرَّكُ بَعْدَ مَوْتِهِ فَلَا تَأْكُلْهَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ قَالَ بِقَوْلِ زَيْدٍ هذا
وقد قال علي وبن عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَجَمَاعَةُ التَّابِعِينَ أَنَّهُ إِذَا ذُبِحَتْ وَفِيهَا حَيَاةٌ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْهَا فَإِنْ تَطْرَفْ بِعَيْنِهَا أَوْ تُحَرِّكْ ذَنَبَهَا أَوْ تَضْرِبْ بِيَدَيْهَا أَوْ رِجْلِهَا فَهِيَ ذَكِيَّةٌ جَائِزٌ أَكْلُهَا
وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ عَنْهُمْ فِي الْبَابِ قَبْلَ هَذَا
وَذَكَرْنَا عَنْ مَالِكٍ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ فِي ذَلِكَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ إِذَا قَطَعَ السَّبُعُ حُلْقُومَ الشَّاةِ أَوْ قَسَمَ صُلْبَهَا أَوْ شَقَّ بَطْنَهَا فَأَخْرَجَ مِعَاهَا أو قطع عنقها لم تزك وَفِي سَائِرِ ذَلِكَ تُذَكَّى إِذَا كَانَ فِيهَا حياة
وذكر بن حَبِيبٍ عَنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ خِلَافَ ذَلِكَ فِي الذي شق بطنها أنها تُذَكَّى
وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ سَمِعْتُ إِسْحَاقَ بْنَ رَاهَوَيْهِ يَقُولُ فِي الشَّاةِ يَعَدُو عَلَيْهَا الذِّئْبُ فَيَبْقُرُ بَطْنَهَا وَيُخْرِجُ الْمَصَارِينَ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهَا لَا يَعِيشُ مِثْلُهَا
قَالَ السُّنَّةُ فِي ذلك ما وصف بن عَبَّاسٍ لِأَنَّهُ وَإِنْ خَرَجَتْ مَصَارِينُهَا فَإِنَّهَا حَيَّةٌ بَعْدُ وَمَوْضِعُ الذَّكَاةِ مِنْهَا سَالِمٌ
قَالَ وَإِنَّمَا يُنْظَرُ عِنْدَ الذَّبْحِ أَهِيَ حَيَّةٌ أَمْ مَيِّتَةٌ وَلَا يُنْظَرُ هَلْ تَعِيشُ مِثْلُهَا
وَكَذَلِكَ الْمَرِيضَةُ الَّتِي لَا يُشَكُّ فِي أَنَّهُ مَرَضُ مَوْتٍ جَائِزٌ ذَكَاتُهَا إِذَا أُدْرِكَتْ فِيهَا حَيَاةٌ
قَالَ وَمَا دَامَتْ فِيهَا الْحَيَاةُ فَلَهُ أَنْ يُذَكِّيَهَا
قَالَ وَمَنْ قَالَ بِخِلَافِ هَذَا فَقَدْ خَالَفَ السنة من جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ وَعَامَّةِ الْعُلَمَاءِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ فِي أَصْلِ مذهبهم
следующие страницы →