← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1722

الاستذكار

ابن عبد البر

Полный текст (4 158 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((أَلَمْ أَرَ بُرْمَةً فِيهَا لَحْمٌ)) فَقَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَكِنَّ ذَلِكَ لَحْمٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ وَأَنْتَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَهُوَ لَنَا هَدِيَّةٌ)) قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى مَا فِي حَدِيثِ بَرِيرَةَ فِي بَابِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مِنَ ((التَّمْهِيدِ)) وَأَتَيْنَا مِنْ تَخْرِيجِ وُجُوهِهِ وَتَبْيِينِ مُعَانِيهِ بِمَا فِيهِ الشِّفَاءُ لِمَنْ نَظَرَ فِيهِ وَنَذْكُرُ ذَلِكَ كُلَّهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي بَابِ الْعِتْقِ فِي هَذَا الْكِتَابِ فَهُنَاكَ يَأْتِي حَدِيثُ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ وَغَيْرِهِ فِي بَابِ مصير الولاء لمن أعتق ونذكر ها هنا مَسَائِلَ خِيَارِ الْأَمَةِ وَغَيْرَهَا مِنْ مَعَانِي الْخِيَارِ الَّذِي لَهُ قَصَدَ مَالِكٌ بِتَرْجَمَةِ الْبَابِ وَإِدْخَالِهِ إياه في هذا الكتاب وكذلك نذكر ها هنا أَيْضًا خِيَارَ الْأَمَةِ وَغَيْرَهَا مِنْ مَعَانِي الْخِيَارِ وَلَحْمَ بَرِيرَةَ وَالصَّدَقَةَ بِهِ وَالْهَدِيَّةَ وَنُبَيِّنُ ذَلِكَ بِمَبْلَغِ وُسْعِنَا وَبِاللَّهِ عَوْنُنَا وَتَوْفِيقُنَا لَا بِسِوَاهُ فَأَمَّا قَوْلُ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ بَرِيرَةَ أُعْتِقَتْ فَخُيِّرَتْ فِي زَوْجِهَا فَكَانَتْ سُنَّةً فَإِنَّ مِنْ ذَلِكَ سُنَّةً مُجْتَمَعًا عَلَيْهَا وَمِنْهَا مَا اخْتُلِفَ فِيهِ فَأَمَّا الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ الَّذِي لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِيهِ أَنَّ الْأَمَةَ إِذَا أُعْتِقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ قَدْ كَانَتْ زُوِّجَتْ مِنْهُ فَإِنَّ لَهَا الْخِيَارَ فِي الْبَقَاءِ مَعَهُ أَوْ مُفَارَقَتِهِ فَإِنِ اخْتَارَتِ الْبَقَاءَ مَعَهُ فِي عِصْمَتِهِ لَزِمَهَا ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا فِرَاقُهُ بَعْدُ وَإِنِ اخْتَارَتْ مُفَارَقَتَهُ فَذَلِكَ لَهَا هَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَاخْتَلَفُوا فِي وَقْتِ خِيَارِ الْأَمَةِ إِذَا أُعْتِقَتْ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا وَالْأَوْزَاعِيُّ لَهَا الْخِيَارُ مَا لَمْ يَمَسَّهَا زَوْجُهَا قَالَ الشَّافِعِيُّ مَا أَعْلَمُ فِي ذَلِكَ وَقْتًا إِلَّا مَا قَالَتْ حَفْصَةُ ﵂ قَالَ أَبُو عُمَرَ رُوِيَ عَنْ حَفْصَةَ وَأَخِيهَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ لِلْأَمَةِ الْخِيَارَ إِذَا أُعْتِقَتْ مَا لَمْ يَمَسَّهَا زَوْجُهَا ١١٤٤ - رَوَى مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الْأَمَةِ تَكُونُ تَحْتَ الْعَبْدِ فتعتق أن الأمة لها الخيار مَا لَمْ يَمَسَّهَا

стр. 2487

قَالَ مَالِكٌ وَإِنْ مَسَّهَا زَوْجُهَا فَزَعَمَتْ أَنَّهَا جَهِلَتْ أَنَّ لَهَا الْخِيَارَ فَإِنَّهَا تُتَّهَمُ وَلَا تُصَدَّقُ بِمَا ادَّعَتْ مِنَ الْجَهَالَةِ وَلَا خِيَارَ لها بعد أن يمسها ١١٤٥ - مالك عن بن شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنْ مُوَلَّاةً لِبَنِي عَدِيٍّ يُقَالُ لَهَا زَبْرَاءُ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ عَبْدٍ وَهِيَ أَمَةٌ يَوْمَئِذٍ فَعَتَقَتْ قَالَتْ فَأَرْسَلَتْ إِلَى حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ فَدَعَتْنِي فَقَالَتْ إِنِّي مُخْبِرَتُكِ خَبَرًا وَلَا أُحِبُّ أَنْ تَصْنَعِي شَيْئًا إِنَّ أَمْرَكِ بِيَدِكِ مَا لَمْ يَمْسَسْكِ زَوْجُكِ فَإِنْ مَسَّكِ فَلَيْسَ لَكِ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ قَالَتْ فَقُلْتُ هُوَ الطَّلَاقُ ثُمَّ الطَّلَاقُ ثُمَّ الطَّلَاقُ فَفَارَقَتْهُ ثَلَاثًا قَالَ أَبُو عُمَرَ لَا أَعْلَمُ مُخَالِفًا لِعَبْدِ اللَّهِ وَحَفْصَةَ ابْنَيْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵄ فِي أَنَّ الْخِيَارَ لَهَا مَا لَمْ يَمَسَّهَا زَوْجُهَا وَفِي حَدِيثِ بن عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ مَا يَشْهَدُ بِصِحَّةِ قَوْلِهِمَا وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ مِثْلُ ذَلِكَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْحَرَّانِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنِ أَبِي جَعْفَرٍ وَعَنْ أَبَانِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ بَرِيرَةَ أُعْتِقَتْ وَهِيَ عِنْدَ مُغِيثٍ عَبْدٍ لِآلِ أَبِي أَحْمَدَ وَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ لَهَا ((إِنْ قَرُبَكِ فَلَا خِيَارَ لَكِ)) وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إِذَا عَلِمَتْ بِالْعِتْقِ وَبِأَنَّ لَهَا الْخِيَارَ فَخِيَارُهَا عَلَى الْمَجْلِسِ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ إِذَا لَمْ تَعْلَمْ بِأَنَّ لَهَا الْخِيَارَ حَتَّى غَشِيَهَا زَوْجُهَا فَلَهَا الْخِيَارُ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدَةُ بْنُ سليمان

стр. 2488

عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَيُّوبَ وَقَتَادَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ عن بن عَبَّاسٍ أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا أَسْوَدَ يَوْمَ أُعْتِقَتْ فَكَأَنِّي - وَاللَّهِ - أَنْظُرُ لَهُ فِي طرق المدينة يوجهها وأن دموعه لتنحدر على لحيته يتبعها يتراضيها لِتَخْتَارَهُ فَلَمْ تَفْعَلْ قَالَ أَبُو عُمَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يُبْطِلُ أَنْ يَكُونَ خِيَارُهَا عَلَى الْمَجْلِسِ لِأَنَّ مَشْيَهَا فِي الْمَدِينَةِ لَمْ يُبْطِلْ خِيَارَهَا وَفِيهِ أَيْضًا حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ لَا خِيَارَ لَهَا تَحْتَ الْحُرِّ لِأَنَّ خِيَارَهَا إِنَّمَا وَقَعَ مِنْ أَجْلِ كَوْنِهَا زَوْجَهَا عَبْدًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَفِيهِ مَا يُعَضِّدُ قَوْلَ مَنْ قَالَ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِنَّ زَوْجَهَا كَانَ عَبْدًا وَهُمْ عُرْوَةُ وَالْقَاسِمُ وَجُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ وَالْمَغْرِبِ وَالشَّامِ وَرَوَاهُ عُرْوَةُ وَالْقَاسِمُ عَنْ عَائِشَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنِي جَرِيرٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ قَالَ وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا وَلَوْ كَانَ حُرًّا مَا خَيَّرَهَا قَالَ حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنِي حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ وَالْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ بَرِيرَةَ خَيَّرَهَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي الْأَمَةِ تُعْتَقُ تَحْتَ الْحُرِّ فَقَالَ مَالِكٌ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ وَأَصْحَابُهُمْ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ إِذَا أُعْتِقَتِ الْأَمَةُ تَحْتَ الْحُرِّ فَلَا خِيَارَ لَهَا وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وإسحاق وهو قول بن أَبِي لَيْلَى وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَنَّهَا لَمْ يَحْدُثْ لَهَا حَالٌ تَرْتَفِعُ بِهَا عَنِ الْحُرِّ فَكَأَنَّهُمَا لَمْ يَزَالَا حُرَّيْنِ وَلَمَّا لَمْ يَنْقُصْ حَالُ الزَّوْجِ عَنْ حَالِهَا وَلَمْ يَحْدُثْ بِهِ عَيْبٌ لَمْ يَكُنْ لَهَا خِيَارٌ

стр. 2489

وَقَدْ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ أَنْ لَا خِيَارَ لِزَوْجَةِ الْعِنِّينِ إِذَا ذَهَبَتِ الْعُنَّةُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى لَهَا بِفِرَاقِهِ وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْعُيُوبِ زَوَالُهَا يَنْفِي الْخِيَارَ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ لَهَا الْخِيَارُ حُرًّا كَانَ زَوْجُهَا أَوْ عَبْدًا وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَنَّ الْأَمَةَ لَمْ يَكُنْ لَهَا فِي إِنْكَاحِ مَوْلَاهَا إِيَّاهَا رَأْيٌ مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا كَانَتْ أَمَةً فَلَمَّا عُتِقَتْ كَانَ لَهَا الْخِيَارُ أَلَا تَرَى إِلَى إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ الْأَمَةَ يُزَوِّجُهَا سَيِّدُهَا بِغَيْرِ إِذْنِهَا فَإِذَا كَانَتْ حُرَّةً كَانَ لَهَا الْخِيَارُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لَهَا فِي حَالِ أُمُوَّتِهَا قَالُوا وَقَدْ وَرَدَ تَخْيِيرُ بَرِيرَةَ وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهَا إِنَّمَا وَجَبَ لَكِ الْخِيَارُ مِنْ أَجْلِ كَوْنِ زَوْجِكِ عَبْدًا فَالْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ لَهَا الْخِيَارُ عَلَى كُلِّ حَالٍ قَالُوا وَقَدْ رُوِيَ فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهَا ((قَدْ مَلَكْتِ نَفْسَكِ فَاخْتَارِي)) قَالُوا فَكُلُّ مَنْ مَلَكَتْ نَفْسَهَا اخْتَارَتْ تَحْتَ حُرٍّ كَانَتْ أَوْ عَبْدٍ وَرَوَوْا عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ حُرًّا ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي حَفْصٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا اشْتَرَتْ بَرِيرَةَ فَعَتَقَتْهَا فَخَيَّرَهَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ لَهَا زَوْجٌ حُرٌّ وَرَوَوْا عَنْ سَعِيدِ بن المسيب مثله وهو قول مجاهد وبن سِيرِينَ وَالشَّعْبِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ كُلُّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ تُخَيَّرُ تَحْتَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَقَالُوا مَنْ قَالَ إِنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ حُرًّا فَقَوْلُهُ أَوْلَى لِأَنَّ الرِّقَّ ظَاهِرٌ وَالْحُرِّيَّةَ طَارِئَةٌ وَمَنْ أَنْبَأَ عَنِ الْبَاطِنِ كَانَ الشَّاهِدُ دُونَ غَيْرِهِ قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَبَرِيرَةَ ((قَدْ مَلَكْتِ نَفْسَكِ فاختاري)) فإنه خطاب ورد في من كَانَتْ تَحْتَ عَبْدٍ فَأَمَّا مَنْ أُعْتِقَتْ تَحْتَ حُرٍّ فَلَمْ تَمْلِكْ بِذَلِكَ نَفْسَهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي حُرِّيَّتِهَا شَيْءٌ يُوجِبُ مِلْكَهَا لِنَفْسِهَا وَأَمَّا رِوَايَةُ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ حُرًّا فَقَدْ عَارَضَهُ عَنْ عَائِشَةَ مَنْ هُوَ مِثْلُهُ أَوْ فَوْقَهُ بَلْ هُوَ أَلْصَقُ بِعَائِشَةَ وَأَعْلَمُ بِهَا مِنْهُ وَذَلِكَ

стр. 2490

الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخِيهَا وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ بن أُخْتِهَا رَوَيَا عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ وَفِي حَدِيثِ عُرْوَةَ فِي قِصَّةِ زَبْرَاءَ أَنَّ الزَّوْجَ كَانَ عَبْدًا وَيَشْهَدُ بِصِحَّةِ رِوَايَتِهَا عَنْ عائشة الحديث عن بن عَبَّاسٍ أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا أَسْوَدَ يُسَمَّى مُغِيثًا لِبَعْضِ بَنِي مَخْزُومٍ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنِي عُثْمَانُ قَالَ حَدَّثَنِي هَمَّامٌ قَالَ حَدَّثَنِي قَتَادَةُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ بن عَبَّاسٍ أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا أَسْوَدَ يُسَمَّى مُغِيثًا فَقَضَى فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَرْبَعِ قَضِيَّاتٍ أَنَّ مَوَالِيَهَا اشْتَرَطُوا الْوَلَاءَ فَقَضَى أَنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْطَى الثَّمَنَ وَخَيَّرَهَا وَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ وَتَصَدَّقَ عَلَيْهَا بِصَدَقَةٍ فَأَهْدَتْ مِنْهَا إِلَى عَائِشَةَ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ ((هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ)) وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي فُرْقَةِ الْمُعَتَقَةِ إِذَا اخْتَارَتْ فِرَاقَ زَوْجِهَا فَقَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ هُوَ طَلَاقٌ بَائِنٌ وَمِمَّنْ قَالَ إِنَّ اخْتِيَارَهَا لِنَفْسِهَا وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ قَتَادَةُ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ مَالِكٌ هُوَ طَلَاقٌ بَائِنٌ إِلَّا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا ثَلَاثًا فَإِنْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا فَذَلِكَ لَهَا وَلَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا مَا شَاءَتْ مِنَ الطَّلَاقِ فَإِنْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا وَاحِدَةً فَهِيَ بَائِنَةٌ وَفِي ((الْمُوَطَّإِ)) فِي هَذَا الْبَابِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْأَمَةِ تَكُونُ تَحْتَ الْعَبْدِ ثُمَّ تُعْتَقُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا أَوْ يَمَسَّهَا إِنَّهَا إِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَلَا صَدَاقَ لَهَا وَهِيَ تَطْلِيقَةٌ وَذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا

стр. 2491

قَالَ أَبُو عُمَرَ لَا مَعْنَى لِلثَّلَاثِ فِي طَلَاقِ الزَّوْجَةِ وَلَا فِي طَلَاقِ الْعَبْدِ عِنْدَ مَنْ جَعَلَ الطَّلَاقَ بِالرِّجَالِ لِأَنَّ طَلَاقَ الْأَمَةِ تَحْتَ الْعَبْدِ تَطْلِيقَتَانِ وَطَلَاقَ الْعَبْدِ تَطْلِيقَتَانِ وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو الْفَرَجِ أَنَّ مَالِكًا لَا يُجِيزُ لَهَا أَنْ تُوقِعَ إِلَّا وَاحِدَةً فَتَكُونُ بَائِنَةً أَوْ تَطْلِيقَتَيْنِ فَلَا تَحِلُّ لَهُ إِلَّا بَعْدَ زوج وهو أصل مذهب مالك وروى بن نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ لِلْعَبْدِ الرَّجْعَةَ إِنْ عتق قال بن نَافِعٍ وَلَا أَرَى ذَلِكَ وَلَا رَجْعَةَ لَهُ وَإِنْ عَتَقَهَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَلَوْ أُعْتِقَ زَوْجُهَا فِي عِدَّتِهَا فَإِنَّ بَعْضَ شُيُوخِنَا يَقُولُ هُوَ أَمْلَكُ بِهَا وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ هِيَ بَائِنَةٌ قَالَ أَبُو عُمَرَ لَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ قَالَ إِنَّهَا طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ لِأَنَّ زَوْجَهَا لَوْ مَلَكَ رَجْعَتَهَا لَمْ يَكُنْ لِاخْتِيَارِهَا نَفْسَهَا مَعْنًى وَأَيُّ شَيْءٍ كَانَ يُفِيدُهَا اخْتِيَارُهَا إِذَا مَلَكَ زَوْجُهَا رجعتها وروي عن بن الْقَاسِمِ أَنَّ زَوْجَهَا إِنْ أُعْتِقَ قَبْلَ أَنْ تَخْتَارَ نَفْسَهَا كَانَ لَهَا الْخِيَارُ وَهَذَا أَيْضًا لَا حُجَّةَ لَهُ عَلَى مَذْهَبِ الْحِجَازِيِّينَ لِأَنَّ الْعِلَّةَ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا كَانَ لَهَا الْخِيَارُ قَدِ ارْتَفَعَتْ كَالْعِنِّينِ تَزُولُ عُنَّتُهُ قَبْلَ فِرَاقِ امْرَأَتِهِ لَهُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ إِنِ اخْتَارَتِ الْمُعْتِقَةُ نَفْسَهَا فَفُرْقَتُهَا فَسْخٌ بِغَيْرِ طَلَاقٍ وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَفِي تَخْيِيرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَرِيرَةَ بَعْدَ أَنْ بِيعَتْ مِنْ عَائِشَةَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَيْعَ الْأَمَةِ لَيْسَ بِطَلَاقٍ لَهَا وَسَتَأْتِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَمَا لِلْعُلَمَاءِ فِيهَا فِي صَدْرِ كِتَابِ الْبُيُوعِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ أَلَمْ أَرَ بُرْمَةً فِيهَا لَحْمٌ إِلَى آخِرِ هذا الحديث ففيه إباحة أكل لحم وَأَنَّهُ مِنْ آدَامِ الْفُضَلَاءِ الصَّالِحِينَ وَذَلِكَ رَدٌّ عَلَى مَنْ كَرِهَهُ مِنَ الصُّوفِيَّةِ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ عَمَرَ إِيَّاكُمْ وَأَكْلَ اللَّحْمِ فَإِنَّ لَهُ ضَرَاوَةً كَضَرَاوَةِ الْخَمْرِ وَهَذَا مِنْ عُمَرَ قَوْلٌ خَرَجَ عَلَى مَنْ خَشِيَ مِنْهُ إِيثَارَ التَّنَعُّمِ فِي الدُّنْيَا وَالْمُدَاوَمَةَ عَلَى الشَّهَوَاتِ وَشِفَاءَ النُّفُوسِ مِنَ اللَّذَّاتِ وَنِسْيَانَ الْآخِرَةِ وَالْإِقْبَالَ عَلَى الدُّنْيَا وَالرَّغْبَةَ فيها

стр. 2492

وَكَذَلِكَ كَانَ يَكْتُبُ إِلَى عُمَّالِهِ إِيَّاكُمْ وَالتَّنَعُّمَ وَزِيَّ الْعَجَمِ وَاخْشَوْشِنُوا وَلَمْ يُرِدْ ﵁ تَحْرِيمَ شَيْءٍ أَحَلَّهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا يَحْظُرُ مَا أَبَاحَهُ اللَّهُ وَقَوْلُ اللَّهِ أَوْلَى مَا امْتَثَلَ وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِ قَالَ اللَّهُ (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) الْأَعْرَافِ ٣٢ يَعْنِي الْحَلَالَ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((سَيِّدُ آدَامِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ اللَّحْمُ)) وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا بَيَانُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ لَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ وَكَانَ يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ لِمَا فِي الْهَدِيَّةِ مِنْ تَآلُفِ الْقُلُوبِ وَالدُّعَاءِ إِلَى الْمَحَبَّةِ وَالْأُلْفَةِ وَجَائِزٌ عَلَيْهَا الثَّوَابُ فَتَرْتَفِعُ الْمِنَّةُ وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الصَّدَقَةِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا خَيْرًا مِنْهَا فَتَرْتَفِعُ الْمِنَّةُ وَالْآثَارُ بِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ كَثِيرَةٌ جِدًّا قَدْ ذَكَرْنَا مِنْهَا مَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنَ ((التَّمْهِيدِ)) مَا فِيهِ كِفَايَةٌ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلَّا لِخَمْسَةٍ لِغَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا أَوْ لِغَارِمٍ أَوْ لِرَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ أَوْ لِرَجُلٍ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ فَتُصُدِّقَ عَلَى الْمِسْكِينِ فَأَهْدَى الْمِسْكِينُ لِلْغَنِيِّ)) وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَمَّا كَانَتِ الصَّدَقَةُ يَجُوزُ فِيهَا التَّصَرُّفُ لِلْفَقِيرِ لِلْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالْهَدِيَّةِ وَالْعِوَضِ وَغَيْرِ الْعِوَضِ بِصِحَّةِ مِلْكِهِ لَهَا وَأَهْدَتْهَا بَرِيرَةُ إِلَى بَيْتِ مَوْلَاتِهَا عَائِشَةَ حَلَّتْ لَهَا وَلِلنَّبِيِّ ﷺ لِأَنَّهُ قَصَدَ بِالْهَدِيَّةِ إِلَيْهِ وَتَحَوَّلَتْ عَنْ مَعْنَى الصَّدَقَةِ بِمِلْكِ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ بِهَا إِلَى مَعْنَى الْهَدِيَّةِ الْحَلَالِ لِلنَّبِيِّ ﵇ وَكَذَلِكَ قَالَ ﷺ ((هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ)) يَعْنِي مِمَّنْ تَصَدَّقُ بِهَا عَلَيْهَا وَهِيَ لَنَا مِنْ قِبَلِهَا هَدِيَّةٌ جَائِزٌ أَنْ يُثِيبَهَا عَلَيْهَا بِمِثْلِهَا وَبِأَضْعَافِهَا عَلَى الْمَعْهُودِ مِنْهُ ﷺ وَلَيْسَ ذَلِكَ شَأْنُ الصَّدَقَةِ

стр. 2493

١١٤٦ - مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ أَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَبِهِ جُنُونٌ أَوْ ضَرَرٌ فَإِنَّهَا تُخَيَّرُ فَإِنْ شَاءَتْ قَرَّتْ وَإِنْ شَاءَتْ فَارَقَتْ قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي رَدِّ الْمَرْأَةِ بِالْعُيُوبِ الْأَرْبَعَةِ وَمَا لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ مِنَ الْمُنَازَعَةِ وَالْقَوْلُ فِي تَخْيِيرِ الْمَرْأَةِ إِذَا كَانَتْ تِلْكَ الْعُيُوبُ بِالزَّوْجِ عَلَى نَحْوِ ذَلِكَ رَوَى مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ امْرَأَةً وَفِي الرَّجُلِ عَيْبٌ لَمْ تَعْلَمْ بِهِ جُنُونٌ أَوْ جُذَامٌ أَوْ بَرَصٌ خُيِّرَتْ وَقَالَ قَتَادَةُ تُخَيَّرُ فِي كُلِّ دَاءٍ عُضَالٍ وَقَالَ الْحَكَمُ لَا خِيَارَ لَهَا فِي الْبَرَصِ وَتُخَيَّرُ فِي الْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَقَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَاللَّيْثِ وَالشَّافِعِيِّ وَالْكُوفِيِّينَ قَالَ مَالِكٌ وَلِلْمَرْأَةِ مِثْلُ مَا لِلرَّجُلِ إِذَا تَزَوَّجَهَا وَبِهِ جُنُونٌ أَوْ جُذَامٌ أَوْ بِرَصٌ أَوْ عُنَّةٌ فَلَهَا الْخِيَارُ إِنْ شَاءَتْ بَقَّتْ مَعَهُ وَإِنْ شَاءَتْ فَارَقَتْهُ إِلَّا أَنْ يَمَسَّهَا الْعِنِّينُ قَالَ أَبُو عُمَرَ لِلْعِنِّينِ بَابٌ يَأْتِي فِيهِ أَحْكَامٌ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ إِذَا وَجَدَتِ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا عَلَى حَالٍ لَا تُطِيقُ الْمَقَامَ مَعَهُ مِنْ جُذَامٍ أَوْ نَحْوِهِ فَلَهَا الْخِيَارُ فِي الْفَسْخِ كَالْعِنِّينِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ بَعْدَ ذِكْرِهِ رَدَّ الْمَرْأَةِ بِالْعُيُوبِ الْأَرْبَعَةِ وَكَذَلِكَ هِيَ فِيهِ إِنِ اخْتَارَتْ فِرَاقَهُ قَبْلَ الْمَسِيسِ فَلَا مَهْرَ لَهَا وَلَا مُتْعَةَ وَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ حَتَّى أَصَابَهَا فَاخْتَارَتْ فِرَاقَهُ فَلَهَا الْمَهْرُ مَعَ الْفِرَاقِ وَالَّذِي يَكُونُ بِهِ مِثْلُ الرَّتَقِ بِهَا أَنْ يَكُونَ مَجْبُوبًا فَأُخَيِّرُهَا مكانها وأيهما تركته أو وطىء فَلَا خِيَارَ وَقَالَ فِي ((الْقَدِيمِ)) إِنْ حَدَثَ فَلَهَا الْفَسْخُ وَلَيْسَ لَهُ وَقَالَ الْمُزَنِيُّ أَوْلَى بِقَوْلِهِ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِيمَا يَحْدُثُ كَمَا كَانَا سَوَاءً فِيهِ قَبْلَ الْحَدَثِ مَسْأَلَةُ التَّخْيِيرِ ١١٤٧ - مَالِكٌ عن بن شِهَابٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ إِذَا خَيَّرَ الرَّجُلُ امرأته

стр. 2494

فَاخْتَارَتْهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِطَلَاقٍ قَالَ مَالِكٌ وَذَلِكَ أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ قَالَ أَبُو عُمَرَ عَلَى هَذَا جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَهُوَ الْمَأْثُورُ الصَّحِيحُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ خَيَّرَ نِسَاءَهُ فَاخْتَرْنَهُ فَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ طَلَاقٌ وَالْخِلَافُ فِي هَذَا شُذُوذٌ وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهَا إِذَا اخْتَارَتْ زَوْجَهَا فَوَاحِدَةٌ وَإِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَثَلَاثٌ وَالَّذِي عَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ وَعَامَّةُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهَا إِذَا اخْتَارَتْ زَوْجَهَا فَلَا شَيْءَ وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَزَيْدٍ أَيْضًا أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي عبد الله قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنِي مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو عَوَانَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ خَيَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاخْتَرْنَاهُ فَلَمْ يَعُدَّ ذَلِكَ شَيْئًا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ حَدَّثَنِي سَحْنُونُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ حَدَّثَنِي موسى بن علي ويونس بن يزيد عن بن شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ عَائِشَةَ - زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ لَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ بِتَخْيِيرِ أَزْوَاجِهِ بَدَأَ بِي فَقَالَ إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا فَلَا عَلَيْكِ أَلَّا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ)) قَالَتْ وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ أَبَوَايَ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ قَالَتْ ثم تلا هذه الآية (يأيها النبي قل لأزوجك إن كنتن تردن الحيوة الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا) الْأَحْزَابِ ٢٨ قَالَ فَقَالَتْ أَفِي هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ قَالَتْ عَائِشَةُ ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ مَا فَعَلْتُ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حِينَ قَالَهُ لَهُنَّ ﷺ وَاخْتَرْنَهُ طَلَاقًا مِنْ أَجْلِ أَنَّهُنَّ اخْتَرْنَهُ قال بن وهب وحدثني مالك عن بن شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ لَقَدْ خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَمَرَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ فَاخْتَرْنَهُ بِذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ تَخْيِيرُهُنَّ طَلَاقًا

стр. 2495

قال بن وَهْبٍ وَحَدَّثَنِي رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ عَائِشَةَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَرَبِيعَةَ بْنَ أَبِي عَبْدِ الرحمن وبن شِهَابٍ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ كُلُّهُمْ يَقُولُ إِنِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا فَلَيْسَ بِشَيْءٍ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُخَيَّرَةِ إِذَا خَيَّرَهَا زَوْجُهَا فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَقَدْ طُلِّقَتْ ثَلَاثًا وَإِنْ قَالَ زَوْجُهَا لَمْ أُخَيِّرْكِ إِلَّا وَاحِدَةً فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَذَلِكَ أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُهُ قَالَ مَالِكٌ وَإِنْ خَيَّرَهَا فَقَالَتْ قَدْ قَبِلْتُ وَاحِدَةً وَقَالَ لَمْ أُرِدْ هَذَا وَإِنَّمَا خَيَّرْتُكِ فِي الثَّلَاثِ جَمِيعًا أَنَّهَا إِنْ لَمْ تَقْبَلْ إِلَّا وَاحِدَةً أَقَامَتْ عِنْدَهُ عَلَى نِكَاحِهَا وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِرَاقًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ أَبُو عُمَرَ فَرَّقَ مَالِكٌ بَيْنَ التَّمْلِيكِ وَالْخِيَارِ فَقَالَ فِي التَّمْلِيكِ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ عَنْهُ فِي أَبْوَابِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ أَنَّ لَهُ أَنْ يُنَاكِرَهَا وَيَحْلِفَ عَلَى مَا أَرَادَ مِنْ عَدَدِ الطَّلَاقِ وَقَالَ فِي الْخِيَارِ إِذَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَهُوَ الطَّلَاقُ كله فإن أنكر ذلك زَوْجُهَا فَلَا تُكْرَهُ لَهُ وَلَا يَنْفَعُهُ قَالَ وَإِنِ اخْتَارَتْ وَاحِدَةً فَلَيْسَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ قَالَ وَإِنَّمَا الْخِيَارُ الْبَتَّةُ إِمَّا أَخَذَتْهُ وَإِمَّا تَرَكَتْهُ وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي الْخِيَارِ وَالتَّمْلِيكِ هَلْ هُمَا عَلَى الْمَجْلِسِ أَمْ ذَلِكَ بِيَدِهَا حَتَّى تَقْضِيَ فِيهِ فَقَالَ مَرَّةً وَهُوَ الْمَشْهُورُ الْمَعْمُولُ بِهِ مِنْ قَوْلِهِ إِنَّ الْخِيَارَ عَلَى الْمَجْلِسِ وَأَنَّهُمَا إِنِ افْتَرَقَا مِنْ مَجْلِسِهِمَا قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ فِي الْخِيَارِ فَلَا خِيَارَ لَهَا وَمَرَّةً قَالَ إِذَا خَيَّرَ امْرَأَتَهُ فَالْأَمْرُ بِيَدِهَا تَخْتَارُ فِيهِ فِرَاقَهُ إِنْ شَاءَتْ وَإِنْ قَامَا مِنَ الْمَجْلِسِ وَلَهَا الْخِيَارُ حَتَّى تُوقَفَ أَوْ يُجَامِعَهَا وَقَدْ بينا هذا في ((التمهيد)) فاختار بن الْقَاسِمِ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ وَقَالَ اللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالْأَوْزَاعِيُّ الْخِيَارُ عَلَى الْمَجْلِسِ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ التَّابِعِينَ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ كُلُّهُمْ يَقُولُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ الْخِيَارُ لَهَا مَا لَمْ يَقُومَا مِنْ مَجْلِسِهِمَا

стр. 2496

وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ الْمُخَيَّرَةُ وَالْمُمَلَّكَةُ أَمْرُهَا بِيَدِهَا حَتَّى تَقْضِيَ فِيهِ وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ وَبِهِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَاخْتَارَهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ وَقَدْ ذَكَرْنَا الْحُجَّةَ عَلَى مَنْ تَأَوَّلَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ الْخِيَارَ لَيْسَ عَلَى الْمَجْلِسِ فِي بَابِ التَّمْلِيكِ وَأَمَّا بَسْطُ أَقْوَالِهِمْ وَحِكَايَةُ أَلْفَاظِهِمْ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا أَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّهَا لَوْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا مِنَ الْمَجْلِسِ أَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ عَلَيْهَا قَالَ وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِهَذَا إِجْمَاعٌ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إِذَا خَيَّرَهَا فَلَهَا الْخِيَارُ مَا لَمْ تَأْخُذْ فِي غَيْرِ مَا خَاطَبَهَا بِهِ أَوْ تَقُمْ مِنْ مَجْلِسِهِ أَوْ تُمَازِحْهُ قَالَ مَالِكٌ إِنْ مَضَتْ سَاعَةٌ قَدْرُ مَا يُقْضَى فِيهِ مَا جَعَلَ لَهَا لَا يَتَكَلَّمُ ثُمَّ تَكَلَّمَتْ فَذَلِكَ لَهَا وَإِنْ لَمْ تَقُلْ شَيْئًا حَتَّى تَقُولَ سَقَطَ الْخِيَارُ وَهُوَ لَهَا مَا دَامَتْ فِي الْمَجْلِسِ فَإِنْ عَجَّلَ الزَّوْجُ وَقَامَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَ كَلَامَهَا فَذَلِكَ لَيْسَ بِشَرْطٍ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَ أَوْ يَتَفَرَّقَا قَالَ وَلَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُمَلِّكَ امْرَأَتَهُ أَمْرَهَا وَيَجْعَلَ لَهَا الْخِيَارَ إِلَى أَجَلٍ مُعَيَّنٍ وَلَا بَأْسَ بِالْيَوْمِ وَمَا أَشْبَهَهُ فِي خِيَارِهَا وَتُوقَفُ حَتَّى تَخْتَارَ أَوْ تَرُدَّ ذَلِكَ إِلَيْهِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ وَالثَّوْرِيُّ الْخِيَارُ لَهَا مَا دَامَتْ فِي مَجْلِسِهَا وَإِنْ مَكَثَتْ يَوْمًا مَا لَمْ تَقُمْ أَوْ تَأْخُذْ فِي عَمَلٍ فَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةً فَجَلَسَتْ فَهِيَ عَلَى خِيَارِهَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَلَا أَلْتَفِتُ إِلَى قِيَامِ الزَّوْجِ وَخُرُوجِهِ عَنْهَا قَالَ وَإِنْ قَالَ أَمْرُكِ بِيَدِكِ الْيَوْمَ فَهُوَ بِيَدِهَا حَتَّى يَنْقَضِيَ الْيَوْمُ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ إِذَا خَيَّرَ امْرَأَتَهُ ثُمَّ افْتَرَقَا قَبْلَ أَنْ يَقُولَ شَيْئًا فَلَا شَيْءَ لَهَا وقال عثمان البتي لو وقع عليها بعد ما مَلَّكَهَا أَوْ خَيَّرَهَا فَهِيَ عَلَى خِيَارِهَا وَاللَّهُ أعلم

стр. 2497

لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَهُ غَيْرَهُ وَقَالَ مُغِيرَةُ الضَّبِّيُّ إِذَا خَيَّرَهَا فَسَكَتَتْ فَهُوَ رِضًا بِالزَّوْجِ وَإِنْ كَانَتْ فِي مَجْلِسِهَا وَقَالَ رَبِيعَةُ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ إِذَا خَيَّرَهَا فَتَفَرَّقَا قَبْلَ أَنْ تُحْدِثَ شَيْئًا سَقَطَ الْخِيَارُ وَقَالَ رَبِيعَةُ فَإِنْ خَيَّرَهَا إِلَى أَجَلٍ فَلَيْسَ لَهَا فِي نَفْسِهَا خِيَارٌ إِلَّا إِلَى الْأَجَلِ فَإِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا عِنْدَ الْأَجَلِ فَهِيَ الْبَتَّةَ وَقَالَ مَالِكٌ ذَلِكَ لَهَا وَإِنْ خُيِّرَتْ ذَلِكَ بَعْدَ الْأَجَلِ لِتَنْظُرَ فِيهِ وَقَالَ اللَّيْثُ إِذَا انْقَضَى الْأَجَلُ وَلَمْ تَقْضِ شَيْئًا رُدَّ الْأَمْرُ إِلَى الزَّوْجِ وَقَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ فِي الْخِيَارِ إِلَى الْأَجَلِ لَهَا الْخِيَارُ مَا لَمْ يَغْشِهَا وَيَرْجِعُ فِي الْخِيَارِ إِذَا شَاءَ فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْخِيَارُ إِلَى أَجَلٍ فَهُوَ لَهَا حَتَّى تَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهَا أَوْ تَأْخُذَ مِنْ غَيْرِ الْمَعْنَى الَّذِي كَانَا فيه وقال عبيد الله بن الحسن إن جُعِلَ لَهَا الْخِيَارُ فِي الْمَجْلِسِ فَهُوَ عَلَى الْمَجْلِسِ وَإِنْ جَعْلَهُ مُرْسَلًا لَمْ أَرْجِعْ لِذَلِكَ غَايَةً وَإِنْ طَاوَعَتْهُ لَهُ الرُّجُوعُ إِلَى الْقَضَاءِ ذَلِكَ الْوَقْتَ وَالْأَجْلَ كَذَلِكَ لَوْ جَعَلَهُ بِيَدِهَا قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ مَضَى قَوْلُ مَالِكٍ وَمَذْهَبُهُ فِي الْخِيَارِ وَمَا يَلْزَمُ فِيهِ مِنَ الطَّلَاقِ إِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَيْسَ فِي الطَّلَاقِ خِيَارٌ إِلَّا أَنْ يُرِيدَهُ الزَّوْجُ بِقَوْلِهِ اخْتَارِي وَتُطَلِّقُ نَفْسَهَا فَإِنْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا بِقَوْلِهِ ذَلِكَ فَكَذَلِكَ إِلَيْهِ لَا إِلَيْهَا مَا نوى من الطَّلَاقَ وَأَرَادَهُ لَزِمَهُ وَإِنْ لَمْ يُرِدْ طَلَاقًا فَلَيْسَ بِطَلَاقٍ وَإِنْ أَرَادَ وَاحِدَةً فَهِيَ رَجْعِيَّةٌ وَالتَّخْيِيرُ وَالتَّمْلِيكُ عِنْدَهُ سَوَاءٌ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ مَنْ خَيَّرَ امْرَأَتَهُ وَهُوَ يَنْوِي ثَلَاثًا فَهِيَ له ثلاثا إِنْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا وَإِنْ قَالَتْ قَدِ اخْتَرْتُ نَفْسِي وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَلَا يَقَعُ عَلَيْهَا إِلَّا تَطْلِيقَةٌ وَاحِدَةٌ وَسَوَاءٌ قَالَتْ قَدْ طَلَّقْتُ نَفْسِي أَوْ قَالَتْ قَدِ اخْتَرْتُ نَفْسِي وَقَالَ الثَّوْرِيُّ إِذَا خَيَّرَهَا فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ وَالتَّخْيِيرُ وَالتَّمْلِيكُ عِنْدَهُ سَوَاءٌ وَكَذَلِكَ هُوَ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ وَقَوْلُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ فِي الْخِيَارِ كَقَوْلِ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ في أنها

стр. 2498

وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ وَقَوْلُهُ فِي التَّمْلِيكِ نَحْوُ قَوْلِ مالك وقد مضى ذلك وقال بن أَبِي لَيْلَى إِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَوَاحِدَةٌ تَمْلِكُ الرجعة قال أَبُو عُمَرَ انْظُرْ فِيهِ فَهُوَ خِلَافٌ بَيِّنٌ لقوله في التمليك وفيه نَظَرٌ (١١ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْخُلْعِ) ١١٤٨ - مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ عَنْ حَبِيبَةَ بِنْتِ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ إِلَى الصُّبْحِ فَوَجَدَ حَبِيبَةَ بِنْتَ سَهْلٍ عِنْدَ بَابِهِ فِي الْغَلَسِ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((مَنْ هَذِهِ)) فَقَالَتْ أَنَا حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ ((مَا شَأْنُكِ)) قَالَتْ لَا أَنَا وَلَا ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ لِزَوْجِهَا فَلَمَّا جَاءَ زَوْجُهَا ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((هَذِهِ حُبَيْبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ قَدْ ذَكَرَتْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَذْكُرَ)) فَقَالَتْ حَبِيبَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كُلُّ مَا أَعْطَانِي عِنْدِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ ((خُذْ مِنْهَا)) فَأَخَذَ مِنْهَا وَجَلَسَتْ فِي بَيْتِ أَهْلِهَا ١١٤٩ - مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ مَوْلَاةٍ لِصَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّهَا اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا بِكُلِّ شَيْءٍ لَهَا فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي الْخُلْعِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ وَأَجْمَعَ الْجُمْهُورُ مِنْهُمْ أَنَّ الْخُلْعَ وَالْفِدْيَةَ وَالصُّلْحَ أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ جَائِزٌ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فِي قَطْعِ الْعِصْمَةِ بَيْنَهُمَا وَأَنَّ كُلَّ مَا أَعْطَتْهُ عَلَى ذَلِكَ حَلَالٌ لَهُ إِذَا كَانَ مِقْدَارَ الصَّدَاقِ فَمَا دُونَهُ وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ إِضْرَارٍ مِنْهُ بِهَا وَلَا إِسَاءَةٍ إِلَيْهَا إِلَّا بَكْرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيَّ فَإِنَّهُ شَذَّ فَقَالَ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا شَيْئًا عَلَى حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ وَزَعَمَ أَنَّ قَوْلَهُ (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) الْبَقَرَةِ ٢٢٩ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زوج وءاتيتم إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا

стр. 2499

تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا) النِّسَاءِ ٢٠ إِلَى قَوْلِهِ (مِيثَاقًا غَلِيظًا) النِّسَاءِ ٢١ وَهَذَا خِلَافُ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ فِي أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ زَوْجَتِهِ مَا أَعْطَاهَا وَيُخَلِّيَ سَبِيلَهَا وَلَا يَنْبَغِي لِعَالِمٍ أَنْ يَجْعَلَ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ مَنْسُوخًا إِلَّا بِتَدَافُعٍ يَمْنَعُ مِنَ اسْتِعْمَالِهِ وَتَخْصِيصِهِ وَإِذَا جَهِلَ قَوْلَهُ (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) الْبَقَرَةِ ٢٢٩ أَنْ يَرْضَى مِنْهُمَا وَجَعَلَ قَوْلَهُ (فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا) عَلَى أَنَّهُ بِغَيْرِ رِضَاهَا وَعَلَى كُرْهٍ مِنْهَا وَإِضْرَارٍ بِهَا صَحَّ اسْتِعْمَالُ الْآيَتَيْنِ وَقَدْ بَيَّنَتِ السُّنَّةُ فِي ذَلِكَ قِصَّةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ وَامْرَأَتِهِ وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ إِلَّا مَنْ شَذَّ عَنْهُمْ مِمَّنْ هُوَ مَحْجُوجٌ بِهِمْ وَهُمْ حُجَّةٌ عَلَيْهِ لِأَنَّهُمْ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الْإِطْبَاقُ وَالِاجْتِمَاعُ عَلَى تَحْرِيفِ الْكِتَابِ وَجَهْلِ تَأْوِيلِهِ وَيَنْفَرِدُ بِغَيْرِ ذَلِكَ وَاحِدٌ غَيْرُهُمْ وَاخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ مَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ امْرَأَتِهِ لِاخْتِلَاعِهَا مِنْهُ فَقَالَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا عَلَى ظَاهِرِ حَدِيثِ ثَابِتٍ وَقَوْلِ امْرَأَتِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ كُلُّ مَا أَعْطَانِي عِنْدِي فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أن يَأْخُذَهُ مِنْهَا وَيُخَلِّيَ سَبِيلَهَا وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ طَاوُسٍ وَعَطَاءٍ وَالزُّهْرِيِّ وَعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا شَيْئًا مِنَ الْفِدْيَةِ حَتَّى يَكُونَ النُّشُوزُ مِنْ قِبَلِهَا بِأَنْ يُظْهِرَ لَهَا الْبَغْضَاءَ وَتُسِيءَ عِشْرَتَهُ وَتُظْهِرَ لَهُ الْكَرَاهَةَ وَتَعْصِيَ أَمْرَهُ فَإِذَا فَعَلَتْ ذَلِكَ حَلَّ لَهُ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهَا مَا أَعْطَاهَا لا يَحِلُّ لَهُ أَكْثَرُ مِمَّا أَعْطَاهَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إِذَا كَانَ النُّشُوزُ مِنْ قِبَلِهَا حَلَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا مَا أَعْطَاهَا وَلَا يَزْدَادَ قَالُوا وَالزِّيَادَةُ فِي الْقَضَاءِ جَائِزَةٌ وَإِذَا كَانَ النُّشُوزُ مِنْ قِبَلِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا شَيْئًا فَإِنْ فَعَلَ جَازَ فِي الْقَضَاءِ قَالَ أَبُو عُمَرَ قَوْلُهُمْ لَا يَجُوزُ وَيَجُوزُ فِي الْقَضَاءِ قَوْلُ الْمُحَالِ وَالْخَطَإِ وَكَرِهَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ وَالْحَكَمُ وَحَمَّادٌ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا أعطاها

стр. 2500

وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ كَانَ الْقُضَاةُ لَا يُجِيزُونَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا سَاقَ إِلَيْهَا وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ مَا أَرَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا كُلَّ مَا أَعْطَاهَا وَلَكِنْ لِيَدَعْ لَهَا شَيْئًا وَقَالَ آخَرُونَ جَائِزٌ لَهُ أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها إذا كَانَ النُّشُوزُ وَالْإِضْرَارُ مِنْ قِبَلِهَا وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ عِكْرِمَةُ وَمُجَاهِدٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَقَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ وَهُوَ مَذْهَبُ عُثْمَانَ ﵁ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُفْتَدِيَةِ الَّتِي تَفْتَدِي مِنْ زَوْجِهَا أنه إِذَا عُلِمَ أَنَّ زَوْجَهَا أَضَرَّ بِهَا وَضَيَّقَ عَلَيْهَا وَعُلِمَ أَنَّهُ ظَالِمٌ لَهَا مَضَى الطَّلَاقُ وَرَدَّ عَلَيْهَا مَالَهَا قَالَ فَهَذَا الَّذِي كُنْتُ أَسْمَعُ وَالَّذِي عَلَيْهِ أَمْرُ النَّاسِ عِنْدَنَا قَالَ مَالِكٌ لَا بَأْسَ بِأَنْ تَفْتَدِيَ الْمَرْأَةُ مِنْ زَوْجِهَا بِأَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا هَذَا كُلُّهُ قَوْلُهُ في ((الموطأ)) وروى بن الْقَاسِمِ عَنْهُ مَثَلَهُ وَزَادَ قَالَ إِنْ كَانَ النُّشُوزُ مِنْ قِبَلِهِ حَلَّ لَهُ مَا أَعْطَتْهُ عَلَى الْخُلْعِ إِذَا رَضِيَتْ بِذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ مِنْهُ بِهَا وَقَالَ اللَّيْثُ إِذَا اخْتَلَفَا فِي الْعِشْرَةِ جَازَ الْخُلْعُ بِالنُّقْصَانِ مِنَ الْمَهْرِ وَالزِّيَادَةِ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ إِذَا جَاءَ الْخُلْعُ مِنْ قِبَلِهَا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا وَلَمْ يَقُلْ أَكْثَرَ مِنَ الْمَهْرِ وَلَا أَقَلَّ قَالَ وَإِنْ جَاءَ مِنْ قِبَلِهِ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا شَيْئًا وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ إِذَا كَانَتْ نَاشِزًا جَازَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا مَا أَعْطَاهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ نَاشِزًا رَدَّ عَلَيْهَا مَا أَخَذَ مِنْهَا وَكَانَ لَهُ عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ قَالَ وَلَوِ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ وَهِيَ مَرِيضَةٌ كَانَ ذَلِكَ مِنْ ثُلُثِهَا وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ إِذَا كَانَتِ الْإِسَاءَةُ مِنْ قِبَلِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْلَعَهَا بِقَلِيلٍ وَلَا كثير وَإِنْ كَانَتِ الْإِسَاءَةُ مِنْ قِبَلِهَا وَالتَّعْطِيلُ لَحِقَهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَخْلَعَهَا عَلَى مَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ إِنْ أَبْغَضَتْهُ

стр. 2501

وَكَذَلِكَ قَوْلُ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ الْمَانِعَةَ مَا يَجِبُ عَلَيْهَا لِزَوْجِهَا حلت الفدية للزوج قال وإذا أحل لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مَا طَابَتْ بِهِ نَفْسًا عَلَى غَيْرِ فِرَاقٍ حَلَّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مَا طَابَتْ نَفْسًا وَيَأْخُذَ عِوَضًا بِالْفِرَاقِ قَالَ أَبُو عُمَرَ أَصْلُ هَذَا الْبَابِ قَوْلُ اللَّهِ (وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا ءاتيتموهن إلا أن يأتين بفحشة مُبَيِّنَةٍ) النِّسَاءِ ١٩ وَلِهَذَا قَالَ أَبُو قِلَابَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ لَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ الْخُلْعُ حَتَّى يَجِدَ عَلَى بَطْنِهَا رَجُلًا وَهَذَا عِنْدِي لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ الْفَاحِشَةَ قَدْ تَكُونُ فِي الْبِذَاءِ وَالْجَفَاءِ وَمِنْهُ قِيلَ لِلْبَذِيءِ فَاحِشٌ وَمُتَفَاحِشٌ وَعَلَى أَنَّهُ لَوِ اطَّلَعَ مِنْهَا عَلَى الْفَاحِشَةِ كَانَ لَهُ لِعَانُهَا وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَهَا وَأَمَّا أَنْ يُضَارَّ بِهَا حَتَّى تَفْتَدِيَ مِنْهُ بِمَالِهَا فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ لَهُ أَنْ يُضَارَّهَا وَيُسِيءَ إِلَيْهَا حَتَّى تَخْتَلِعَ مِنْهُ إِذَا وَجَدَهَا تَزْنِي غَيْرَ أَبِي قِلَابَةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَقَالَ اللَّهُ (إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ) الْبَقَرَةِ ٢٢٩ يَعْنِي فِي حُسْنِ الْعِشْرَةِ وَالْقِيَامِ بِحَقِّ الزَّوْجِ وَقِيَامِهِ بِحَقِّهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ وَقَوْلُهُ (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا) النِّسَاءِ ٤ فهذه الآيات أصل هذا الباب ومنها قامت مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ وَالْخُلْعُ وَالصُّلْحُ وَالْفِدْيَةُ كُلُّ ذَلِكَ سَوَاءٌ الْعِصْمَةُ مِنَ الزَّوْجِ لِمَا يَأْخُذُهُ مِنْهَا صُلْحًا عَلَى ذَلِكَ وَافْتِدَاءً وَاخْتِلَاعًا مِنْهُ وَهِيَ أَسْمَاءٌ مُخْتَلِفَةٌ وَمَعَانٍ مُتَّفَقَةٌ إِلَّا أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يُوقِعُ الْخُلْعَ عَلَى أَخْذِ الْكُلِّ وَالصُّلْحَ عَلَى الْبَعْضِ وَالْفِدْيَةَ عَلَى الْأَكْثَرِ وَالْأَقَلِّ وَقَدْ ذَكَرْنَا أُصُولَ مَذَاهِبِهِمْ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَعَالَى وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ (١٢ - بَابُ طَلَاقِ الْمُخْتَلِعَةِ) ١١٥٠ - مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ رُبَيِّعَ بِنْتَ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ جَاءَتْ هِيَ وَعَمُّهَا إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا فِي زَمَانِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ

стр. 2502

فَبَلَغَ ذَلِكَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَلَمْ يُنْكِرْهُ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عِدَّتُهَا عِدَّةُ الْمُطَلَّقَةِ قَالَ أَبُو عُمَرَ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ نَافِعٍ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَأَيُّوبُ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ فَذَكَرُوا فِيهِ أَحْكَامًا لَمْ يَذْكُرْهَا مَالِكٌ ﵀ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لِلْمُخْتَلِعَةِ وَهَذَا صَحِيحٌ لِأَنَّهُ لَا نَفَقَةَ إِلَّا لِمَنْ لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ وَرَوَاهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ سَمِعَ الرُّبَيِّعَ بِنْتَ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ تُخْبِرُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَنَّهَا اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا فِي زَمَنِ عُثْمَانَ فَجَاءَ مَعَهَا عَمُّهَا مُعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ إِلَى عُثْمَانَ فَقَالَ إِنَّ ابْنَةَ مُعَوِّذٍ اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا أَفَتَنْتَقِلُ فَقَالَ عُثْمَانُ تَنْتَقِلُ وَلَا مِيرَاثَ بَيْنَهُمَا وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا وَلَكِنْ لَا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ بِهَا حَمْلٌ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عُثْمَانُ أَخْبَرُنَا وَأَعْلَمُنَا قَالَ أَبُو عُمَرَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الخلع طلاق وخالف بن عَبَّاسٍ فَقَالَ الْخُلْعُ فَسْخٌ وَلَيْسَ بِطَلَاقٍ وَرَوَى بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طاوس عن بن عَبَّاسٍ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ سَأَلَهُ فَقَالَ رَجُلٌ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَتَيْنِ ثُمَّ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ أَيَتَزَوَّجُهَا قَالَ نَعَمْ لِيَنْكِحَهَا لَيْسَ الْخُلْعُ بِطَلَاقٍ وَذَكَرَ اللَّهُ الطَّلَاقَ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ وَآخِرِهَا وَالْخُلْعُ فِيهِ مَا بَيْنَ ذلك فليس الخلع بشيء ثم قرأ (الطلق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسن) الْبَقَرَةِ ٢٢٩ وَقَرَأَ (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) الْبَقَرَةِ ٢٣٠ قَالَ أَبُو عُمَرَ خَالَفَهُ عُثْمَانُ وَجَمَاعَةُ الصَّحَابَةِ فَقَالُوا الْخُلْعُ تَطْلِيقَةٌ وَاحِدَةٌ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَكْثَرَ فَيَكُونُ مَا أَرَادَ بِهِ وَسَمَّى وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جُمْهَانَ - مَوْلَى الْأَسْلَمِيِّينَ عَنْ أُمِّ بَكْرَةَ الْأَسْلَمِيَّةِ أَنَّهَا اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسِيدٍ فَأَتَيَا عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ هِيَ تَطْلِيقَةٌ إِلَّا أَنْ تَكُونَ سَمَّيَتْ شَيْئًا فَهُوَ مَا سَمَّيَتْ قَالَ أَبُو عُمَرَ لَيْسَ خَبَرُ جُمْهَانَ هَذَا عِنْدَ يحيى في ((الموطأ)) وَهُوَ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنْ رُوَاةِ ((الْمُوَطَّإِ)) قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُخْتَلِعَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَمْ يُسَمِّ طَلَاقًا وَلَا نَوَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَلَوْ سَمَّاهُ أَوْ نَوَاهُ مَا احْتَاجَ أَنْ يُقَالَ لَهُ الْخُلْعُ تَطْلِيقَةٌ

стр. 2503

وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْخُلْعِ هَلْ هُوَ طَلَاقٌ إِذَا لَمْ يُسَمَّ طَلَاقًا أَمْ لَا فَقَالَ مَالِكٌ هُوَ طَلَاقٌ بَائِنٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَكْثَرَ فَيَكُونُ عَلَى مَا أَرَادَ وَرُوِيَ ذلك عن عمر وعلي وبن مَسْعُودٍ وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ عُثْمَانَ وَالْأَصَحُّ عَنْهُ أَنَّ الْخُلْعَ طَلَاقٌ وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ وَعُثْمَانُ الْبَتِّيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ الْخُلْعَ لَا يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ أَوْ يُسَمِّيَهُ وَقَالَ الْمُزَنِيُّ قَدْ قُطِعَ فِي بَابِ الْكَلَامِ الَّذِي يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ أَنَّ الْخُلْعَ طَلَاقٌ بَائِنٌ فَلَا يَقَعُ بِهِ إِلَّا بِمَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ مِنْ إرادة الطلاق فإنه سَمَّى عَدَدًا أَوْ نَوَى عَدَدًا فَهُوَ عَدَدُ مَا سَمَّى أَوْ نَوَى قَالَ الشَّافِعِيُّ فَإِنْ قِيلَ فَإِذَا جَعَلْتَهُ طَلَاقًا فَاجْعَلْ لَهُ فِيهِ الرَّجْعَةَ قِيلَ لَمَّا أَخَذَ مِنَ الْمُطَلَّقَةِ عِوَضًا وَكَانَ مَنْ مَلَكَ عِوَضَ شَيْءٍ خَرَجَ مِنْ مِلْكِهِ لَمْ تَكُنْ لَهُ رَجْعَةٌ فِيمَا مَلَكَ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ الْمُخْتَلِعَةُ وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ خُلْعُ الزَّوْجَةِ مِنْ زَوْجِهَا تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ فَإِنْ نَوَى الطَّلَاقَ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فِي عَدَدٍ مِنْهُ فَكَذَلِكَ أَيْضًا هِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ وَإِنْ نَوَى ثَلَاثًا فَهِيَ ثَلَاثٌ وَإِنْ نَوَى اثْنَتَيْنِ فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ لِأَنَّهَا كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَا تَكُونُ اثْنَتَيْنِ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ الْخُلْعُ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ وَلَا مِيرَاثَ بَيْنَهُمَا فَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّ الْخُلْعَ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ وَقَالَ بِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ مَنْ قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ سِوَى بن عَبَّاسٍ وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنِ وَعَطَاءٍ وَشُرَيْحٍ وَالشَّعْبِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ وَمُجَاهِدٍ وأبي سلمة ومكحول والزهري وأما قول بن عَبَّاسٍ بِأَنَّ الْخُلْعَ فَسْخٌ وَلَيْسَ بِطَلَاقٍ فَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ مِثْلُهُ وَهُوَ قَوْلُ طَاوُسٍ وَعِكْرِمَةَ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ قَالَ الْخُلْعُ مَعَ تَطْلِيقَةٍ تَطْلِيقَتَانِ

стр. 2504

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُخْتَلِعَةِ هَلْ يَلْحَقُهَا طَلَاقٌ أَمْ لَا مَا دَامَتْ فِي عِدَّتِهَا فَقَالَ مَالِكٌ إِنْ طَلَّقَهَا عَقِيبَ الْخُلْعِ مِنْ غَيْرِ سُكُوتٍ طُلِّقَتْ وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا سُكُوتٌ لَمْ تُطَلَّقْ وَهَذَا يُشْبِهُ مَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ ﵁ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يلحقها طلاق وإن كانت في العدة وهو قول بن عباس وبن الزُّبَيْرِ وَبِهِ قَالَ عِكْرِمَةُ وَالْحَسَنُ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَقَالَ أَبُو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي يَلْحَقُهَا الطَّلَاقُ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَشُرَيْحٍ وَطَاوُسٍ وَإِبْرَاهِيمَ والزهري والحكم وحماد وروي ذلك عن بن مَسْعُودٍ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ مِنْ طَرِيقَيْنِ مُنْقَطِعَيْنِ لَيْسَا بِثَابِتَيْنِ قَالَ أَبُو عُمَرَ لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ الْخُلْعَ طَلَاقٌ بَائِنٌ لَا مِيرَاثَ بَيْنَهُمَا فِيهِ وَمَعْنَى الْبَيْنُونَةِ انْقِطَاعُ الْعِصْمَةِ إِلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ فَكَأَنَّهَا رَجْعِيَّةٌ بَانَتْ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا وَقَدْ ذَكَرْنَا قول بن عَبَّاسٍ بِأَنَّهُ فَسْخٌ لَا طَلَاقٌ وَاخْتَلَفُوا فِي مُرَاجَعَةِ الْمُخْتَلِعَةِ فِي الْعِدَّةِ فَقَالَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا سَبِيلَ لَهُ إِلَيْهَا إِلَّا بِرِضًى مِنْهَا وَنِكَاحٍ جَدِيدٍ وَصَدَاقٍ مَعْلُومٍ وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ التَّابِعِينَ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمْ والثوري والأوزاعي وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وبن شِهَابٍ أَنَّهُمَا قَالَا إِنْ رَدَّ إِلَيْهَا مَا أَخَذَ مِنْهَا فِي الْعِدَّةِ أَشْهَدَ عَلَى رَجَعَتِهَا وصحت له الرجعة روى بن أبي ذئب عن بن شِهَابٍ قَالَ لَا يَتَزَوَّجُهَا بِأَقَلَّ مِمَّا أَخَذَ مِنْهَا وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ إِنْ كَانَ لَمْ يُسَمِّ فِي الْخُلْعِ طَلَاقًا فَالْخُلْعُ طَلْقَةٌ لَا يَمْلِكُ فِيهَا رَجْعَةً

стр. 2505

وَإِنْ سَمَّى طَلَاقًا فَهُوَ أَمَلَكُ بِرَجْعَتِهَا مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ وَبِهِ قَالَ دَاوُدُ وَرُوِيَ مِثْلُ قَوْلِ أَبِي ثَوْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى وَمَاهَانَ الْحَنَفِيِّ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ لِلْمُخْتَلِعِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فِي عِدَّتِهَا وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ لَا يَتَزَوَّجُهَا هُوَ وَلَا غَيْرَهَا فِي الْعِدَّةِ فَشَذُّوا عَنِ الْجَمَاعَةِ وَالْجُمْهُورِ وَأَمَّا رِوَايَةُ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ بن عُمَرَ أَنَّ الْمُخْتَلِعَةَ عِدَّتُهَا عِدَّةُ الْمُطَلَّقَةِ ١١٥١ - وَمَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ وَسُلَيْمَانَ بن يسار وبن شِهَابٍ كَانُوا يَقُولُونَ عِدَّةُ الْمُخْتَلِعَةِ مِثْلُ عِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ فَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ في ذلك فروي عن عثمان وبن عَبَّاسٍ قَالَا عِدَّةُ الْمُخْتَلِعَةِ حَيْضَةٌ رُوِيَ ذَلِكَ عن بن عُمَرَ أَيْضًا خِلَافُ رِوَايَةِ مَالِكٍ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ بِأَنَّهَا تَسْتَبْرِئُ رَحِمَهَا بِحَيْضَةٍ مَخَافَةَ الْحَمْلِ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِاخْتِلَافٍ عَنْهُ وَبِهِ قَالَ عِكْرِمَةُ وَأَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ إِسْحَاقُ وحُجَّتُهُمْ مَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عُرُوبَةَ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ حَمَلٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ عِدَّةُ الْمُخْتَلِعَةِ حَيْضَةٌ قَضَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي جَمِيلَةَ بِنْتِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولَ قَالَ أَبُو عُمَرَ رُوِيَ مِنْ وُجُوهٍ أَنَّ جَمِيلَةَ ابْنَةَ أُبَيِّ بْنِ سَلُولَ كَانَتْ تَحْتَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ فَاخْتَلَعَتْ مِنْهُ كَمَا رُوِيَ ذَلِكَ فِي حَبِيبَةَ بِنْتِ سَهْلٍ وَرَوَى هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَمْرِو بن مسلم عن عكرمة عن بن عَبَّاسٍ أَنَّ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ امْرَأَتُهُ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عدتها حيضة

стр. 2506

ورواه عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مسلم عن عكرمة مرسلا ورواه بن لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ عَنْ رُبَيِّعٍ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ حِينَ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ أَنْ تَعْتَدَّ حَيْضَةً وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْآثَارُ بِالْقَوِيَّةِ وَقَدْ ذَكَرْتُ أَسَانِيدَهَا فِي ((التَّمْهِيدِ)) وَأَمَّا الْحَدِيثُ بِذَلِكَ عَنِ بن عباس وبن عُمَرَ فَذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ الرُّبَيِّعَ اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا فَأَتَى عَمُّهَا عُثْمَانَ فَقَالَ تعتد بحيضة وكان بن عُمَرَ يَقُولُ تَعْتَدُّ ثَلَاثَ حِيَضٍ حَتَّى قَالَ هذا عثمان فكان بن عُمَرَ يُفْتِي بِهِ وَيَقُولُ عُثْمَانُ خَيْرُنَا وَأَعْلَمُنَا قال وحدثني عَبْدَةُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عن بن عُمَرَ قَالَ عِدَّةُ الْمُخْتَلِعَةِ حَيْضَةٌ قَالَ وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ عَنْ لَيْثٍ عن طاوس عن بن عَبَّاسٍ قَالَ عِدَّتُهَا حَيْضَةٌ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمْ عِدَّةُ الْمُخْتَلِعَةِ كَعِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ إِنْ كَانَتْ مِمَّنْ تَحِيضُ بِثَلَاثَةٍ وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا تَحِيضُ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ وَرُوِيَ مِثْلُ ذلك عن عمر وعلي وعن بن عُمَرَ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ وَالْحَدِيثُ عَنْ عُمَرَ وَعَلَيٍّ مِنْ قَوْلِهِمْ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ وَلَكِنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ عِدَّةَ الْمُخْتَلِعَةِ عِدَّةُ الْمُطَلَّقَةِ وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَعُمَرُ بْنُ عبد العزيز وبن شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَعَامِرٌ الشَّعْبِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيَاضٍ وَخِلَاسُ بْنُ عُمَرَ وَقَتَادَةُ وَبِهِ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعِدٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَرِوَايَةٌ عَنْ إِسْحَاقَ قَالَ أَبُو عُمَرَ فِي حَدِيثِ عُثْمَانَ إِنَّمَا أَمَرَ الرُّبَيِّعَ بِنْتَ مُعَوِّذٍ حِينَ اخْتَلَعَتْ مَنْ زَوْجِهَا يَنْتَقِلُ مَنْ بَيْتِهَا

стр. 2507

وَهَذَا لَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ كَانَتْ تَدُورُ عَلَيْهِمْ بِالْأَمْصَارِ الْفَتْوَى وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمْ وَلَوِ اشْتَرَطَ عَلَيْهَا زَوْجُهَا فِي حِينِ الْخُلْعِ أَلَّا سُكْنَى لَهَا كَانَ الشرط لاغ وَلَهَا السُّكْنَى كَالْعِدَّةِ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهَا الشَّرْطُ وَكَأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَدَاوُدُ لَا سُكْنَى لَهَا وَلَا نَفَقَةَ وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ فِي الْمُطَلَّقَةِ الْمَبْتُوتَةِ وَهِيَ أَصْلُ هذه المسألة وسيأتي أَقْوَالُهُمْ فِيهَا فِي مَوْضِعِهَا - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَجْمَعَ الْجُمْهُورُ أَنَّ الْخُلْعَ جَائِزٌ عِنْدَ غير السلطان إلا الحسن وبن سِيرِينَ فَإِنَّهُمَا يَقُولَانِ لَا يَكُونُ الْخُلْعُ إِلَّا عِنْدَ السُّلْطَانِ وَقَالَ قَتَادَةُ إِنَّمَا أَخَذَهُ الْحَسَنُ عَنْ زِيَادٍ قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ النِّكَاحَ وَالطَّلَاقَ يَجُوزُ دُونَ السُّلْطَانِ فَكَذَلِكَ الْخُلْعُ وَلَيْسَ كَاللِّعَانِ الَّذِي لَا يَجُوزُ عِنْدَ السُّلْطَانِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُفْتَدِيَةِ إِنَّهَا لَا تَرْجِعُ إِلَى زَوْجِهَا إِلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ فَإِنْ هُوَ نَكَحَهَا فَفَارَقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهَا عِدَّةٌ مِنَ الطَّلَاقِ الْآخَرِ وَتَبْنِي عَلَى عِدَّتِهَا الْأُولَى قَالَ مَالِكٌ وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي ذلك قال أبو عُمَرَ إِنَّهَا لَا تَرْجِعُ إِلَيْهِ إِلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمَا لِلْعُلَمَاءِ فِيهَا وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فَإِنْ هُوَ نَكَحَهَا إِلَى آخِرِ قَوْلِهِ وَأَنَّهُ أَحْسَنُ مَا سَمِعَ فِي ذَلِكَ فَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ لِأَنَّهَا مُطَلَّقَةٌ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا وَتُتِمُّ بَقِيَّةَ عِدَّتِهَا وَهَذَا أَصْلُ مَالِكٍ فِي الْأَمَةِ تُعْتَقُ فِي عِدَّتِهَا مِنْ وَفَاةٍ أَوْ طَلَاقٍ أَنَّهَا لَا تَتَغَيَّرُ عِدَّتُهَا وَلَا تَنْتَقِلُ إِلَّا فِي الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ وَلَا فِي الْبَائِنِ كَالْحَدِّ يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ وَلَا يَتَغَيَّرُ بِالْعِتْقِ وَسَتَأْتِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي بَابِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَرُوِيَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْهُمُ الشَّعْبِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ فِي الْمُخْتَلِعَةِ يَتَزَوَّجُهَا زَوْجُهَا فِي عِدَّتِهَا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ ثُمَّ يُطَلِّقُهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا أَنَّ عَلَيْهَا عِدَّةً كَامِلَةً كَأَنَّهَا عندهم في حكم المدخول بها أنها تَعْتَدُّ مِنَ الْعِدَّةِ

стр. 2508

وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ بِظَاهِرِ قَوْلِ اللَّهِ (إذا نكحتم المؤمنت ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا) الْأَحْزَابِ ٤٩ قَالَ أَبُو عُمَرَ لَيْسَ لَهَا إِلَّا نِصْفُ الصَّدَاقِ عِنْدَهُمْ وَمَنْ قَالَ بِقَولِ الشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ أَوْجَبَ لَهَا الصَّدَاقَ كَامِلًا قَالَ مَالِكٌ إِذَا افْتَدَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ زَوْجِهَا بِشَيْءٍ عَلَى أَنْ يُطَلِّقَهَا فَطَلَّقَهَا طَلَاقًا مُتَتَابِعًا نَسَقًا فَذَلِكَ ثَابِتٌ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ بَيْنَ ذَلِكَ صُمَاتٌ فَمَا أَتْبَعَهُ بَعْدَ الصُّمَاتِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَدْ تَقَدَّمَتْ فِي هَذَا الْبَابِ وَمَضَى فِيهَا الْقَوْلُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَهُوَ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ وَحَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٣ - بَابُ مَا جَاءَ فِي اللِّعَانِ) ١١٥٢ - مَالِكٌ عن بن شِهَابٍ أَنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُوَيْمِرًا الْعَجْلَانِيَّ جَاءَ إِلَى عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ فَقَالَ لَهُ يَا عَاصِمُ أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ سَلْ لِي يَا عَاصِمُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَ عَاصِمٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَسَائِلَ وَعَابَهَا حَتَّى كَبُرَ عَلَى عَاصِمٍ مَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا رَجَعَ عَاصِمٌ إِلَى أَهْلِهِ جَاءَهُ عُوَيْمِرٌ فَقَالَ يَا عَاصِمُ مَاذَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ عَاصِمٌ لِعُوَيْمِرٍ لَمْ تَأْتِنِي بِخَيْرٍ قَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي سَأَلْتُهُ عَنْهَا فَقَالَ عُوَيْمِرٌ وَاللَّهِ لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَهُ عَنْهَا فَأَقْبَلَ عُوَيْمِرٌ حَتَّى آتِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَسْطَ النَّاسِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((قَدْ أُنْزِلَ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا)) قَالَ سَهْلٌ فَتَلَاعَنَا وَأَنَا مَعَ

стр. 2509

النَّاسِ عِنْدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ تَلَاعُنِهِمَا قَالَ عُوَيْمِرٌ كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَالِكٌ قَالَ بن شِهَابٍ فَكَانَتْ تِلْكَ بَعْدُ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ ذَكَرْنَا فِي ((التَّمْهِيدِ)) مِنْ تَوْجِيهِ أَلْفَاظِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْآدَابِ وَغَيْرِهَا مِنْ وُجُوهِ الْعِلْمِ فِي أَحْكَامِ اللِّعَانِ مَا ظهر لنا ونذكر ها هنا مَا فِيهِ مِنَ الْفِقْهِ وَأَحْكَامِ اللِّعَانِ أَيْضًا بِحَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى زَعَمَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْحَدَّ لَا يَجِبُ بِالتَّعْرِيضِ فِي الْقَذْفِ لِقَوْلِ عُوَيْمِرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ وَهَذَا عِنْدِي لَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّ الْمُعَرَّضَ بِهِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ وَلَا جَاءَ طَالِبًا وَإِنَّمَا جَاءَ الْحَدُّ عَلَى مَنْ عَرَّضَ بِقَذْفِ رَجُلٍ يُشِيرُ إِلَيْهِ أَوْ يُسَمِّيهِ فِي مُشَاتَمَةٍ أَوْ مُنَازَعَةٍ وَيَطْلُبُ الْمُعَرَّضُ لَهُ مَا يَجِبُ لَهُ مِنَ الْحَدِّ إِذَا كَانَ يَعْلَمُ مِنَ الْمُعَرِّضِ أَنَّهُ قَصَدَ الْقَذْفَ لِلْمُعَرَّضِ بِهِ وَزَوْجَةُ عُوَيْمِرٍ لَمْ يَمَسَّهَا وَلَا أَشَارَ إِلَيْهَا وَلَا جَاءَتْ طَالِبَةً وَسَتَأْتِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ بِمَا لِلْعُلَمَاءِ فِيهَا وَوُجُوهُ مَعَانِي أَقْوَالِهِمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَفِي قَوْلِ عُوَيْمِرٍ أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ وَسُكُوتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَقُلْ لَا نَقْتُلُهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ قَتَلَ رَجُلًا وَجَدَهُ مَعَ امْرَأَتِهِ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ لَهُ بِزِنَاهُ بِهَا وَسَتَأْتِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُجَوَّدَةً فِي كِتَابِ الْحُدُودِ فِي حَدِيثُ مَالِكٍ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَفِيهِ أَنَّ الْمُلَاعَنَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا عِنْدَ السُّلْطَانِ وَأَنَّهَا لَيْسَتْ كَالطَّلَاقِ الَّذِي لَيْسَ لِلرَّجُلِ أَنْ يُوقِعَهُ حَيْثُ شَاءَ وَهَذَا إِجْمَاعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ اللِّعَانَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَاعَنَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ في مسجده وذلك محفوظ في حديث بن مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي ((التَّمْهِيدِ

стр. 2510

وَيَسْتَحِبُّ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يَكُونَ اللِّعَانُ فِي الْجَامِعِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَفِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ أَجْزَأَ عِنْدَهُمْ وَلَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّ مَنِ اسْتَخْلَفَهُ الْإِمَامُ عَلَى الْأَحْكَامِ مِنْ قَاضٍ وَسَائِرِ الْحُكَّامِ أَنَّهُ يَقُومُ فِي اللِّعَانِ إِذَا تَحَاكَمُوا إِلَيْهِ فِيهِ مَقَامَ الْإِمَامِ وَفِي قَوْلِ عُوَيْمِرٍ أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُلَاعَنَةَ تَجِبُ بَيْنَ كُلِّ زَوْجَيْنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِأَنَّهُ لَمْ يَخُصَّ رَجُلًا مِنْ رَجُلٍ وَلَا امْرَأَةً مِنَ امْرَأَةٍ وَنَزَلَتْ آيَةُ اللِّعَانِ عَلَى هَذَا السؤال فقال تعالى (والذين يرمون أزوجهم) النور ٦ ولم يخص زوجا من زَوْجٍ وَهَذَا مَوْضِعٌ اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ سَنَذْكُرُهَا حَيْثُ ذَكَرَهُ مَالِكٌ مِنْ هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَفِيهِ أَنَّ الحكم يحضر مع نفسه للمتلاعن قَوْمًا يَشْهَدُونَ ذَلِكَ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ سَهْلِ بْنِ سَعِيدٍ فَتَلَاعَنَا وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِي شُهُودِ سَهْلٍ لِذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ شُهُودِ الشَّبَابِ مَعَ الشُّيُوخِ عِنْدَ الْحُكَّامِ لِأَنَّ سهلا كان يومئذ بن خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنِي قَاسِمٌ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ قُلْتُ لِسَهْلِ بن سعد بن كَمْ كُنْتَ يَوْمَئِذٍ يَعْنِي يَوْمَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ قَالَ بن خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الخطاب يشاور بن عباس وشبابا غيره مع الشيوخ وقد أَفْرَدْنَا لِذَلِكَ بَابًا فِي كِتَابِ الْعِلْمِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَفِي قَوْلِهِ أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَصْرِيحٌ

стр. 2511

بِالرُّؤْيَةِ فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَ التَّصْرِيحُ فِي ذَلِكَ في حديث بن عباس وغيره في قِصَّةِ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ وَفِي قِصَّةِ الْعَجْلَانِيِّ أَيْضًا مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ مَالِكٍ وَنُزُولِ آيَةِ اللِّعَانِ فِي ذَلِكَ وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ((قَدْ أُنْزِلَ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ)) يَعْنِي آيَاتِ اللِّعَانِ دَلِيلٌ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ اللِّعَانَ لَا يَجِبُ حَتَّى يَقُولَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ رَأَيْتُكِ تَزْنِينَ أَوْ يَنْفِي حَمْلًا بِهَا أَوْ وَلَدًا مِنْهَا إِلَّا أَنَّ الْأَعْمَى عِنْدَهُ يُلَاعِنُ إذا قَذَفَ امْرَأَتَهُ لَمْ يُخْتَلَفْ عَنْهُ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ شَيْءٌ يُدْرِكُهُ بِالْحِسِّ وَاللَّمْسِ وَقَوْلُ أَبِي الزِّنَادِ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَعُثْمَانَ الْبَتِّيِّ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ فِي ذَلِكَ كَقَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ اللِّعَانَ لَا يَجِبُ بِالْقَذْفِ الْمُجَرَّدِ وَإِنَّمَا يَجِبُ بادعاء رؤية الزنى وَنَفْيِ الْحَمْلِ مَعَ دَعْوَى الِاسْتِبْرَاءِ وَعِنْدَهُمْ أَنَّهُ إِذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ يَا زَانِيَةُ جُلِدَ الْحَدَّ لقول الله (والذين يرمون المحصنت) وَسَتَأْتِي أَحْكَامُ نَفْيِ الْحَمْلِ وَمَا لِمَالِكٍ ﵀ وَغَيْرِهِ فِي ذَلِكَ بَعْدَ هَذَا فِي معنى حديث بن عُمَرَ فِي هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَالْحُجَّةُ لِمَذْهَبِ مَالِكٍ وَمَنْ تَابَعَهُ فِيمَا يُوجِبُ اللِّعَانُ وَعِنْدَهُ قَائِمَةٌ مِنَ الْآثَارِ الْمُسْنَدَةِ وَقَدْ ذَكَرْتُهَا فِي ((التَّمْهِيدِ)) مِنْهَا حَدِيثُهُ عَنِ بن شِهَابٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ وَمِثْلُهُ حَدِيثُ بن عَبَّاسٍ مِنْ رِوَايَةِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْهُ رَوَاهُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ عَنِ الْقَاسِمِ عَنِ بن عَبَّاسٍ أَنَّهُ ذُكِرَ الْمُتَلَاعِنَانِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ فِي ذَلِكَ قَوْلًا ثُمَّ انْصَرَفَ فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ يَشْكُو إِلَيْهِ أَنَّهُ وَجَدَ مَعَ أَهْلِهِ رَجُلًا فَقَالَ عَاصِمٌ مَا ابْتُلِيتَ بِهَذَا إِلَّا لِقَوْلِي فَذَهَبَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي وَجَدَ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ وَكَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مُصْفَرًّا قَلِيلَ اللَّحْمِ سَبِطَ الشَّعْرِ وَكَانَ الَّذِي ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ وَجَدَ عِنْدَ أَهْلِهِ خَدْلًا آدَمَ كَثِيرَ اللَّحْمِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((اللَّهُمَّ! بَيِّنْ)) فَوَضَعَتْ شَبِيهًا بِالرَّجُلِ الَّذِي ذَكَرَ زَوْجُهَا أَنَّهُ وَجَدَهُ عِنْدَهَا فَلَاعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمَا فَقَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمَجْلِسِ أَهِيَ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((لَوْ رَجَمْتُ أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ

стр. 2512

رجمت هذه)) فقال بن عَبَّاسٍ لَا تِلْكَ امْرَأَةٌ كَانَتْ تُظْهِرُ فِي الْإِسْلَامِ السُّوءَ وَحَدِيثُ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ عكرمة عن بن عَبَّاسٍ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ قَالَ أَرَأَيْتَ لَوْ وَجَدْتُ لَكَاعًا يَتَفَخَّذُهَا لَمْ أَهْجُهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فقال وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَقَدْ رَأَيْتُ بِعَيْنِي وَسَمِعْتُ بِأُذُنِي فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا جَاءَ بِهِ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ فنزلت (والذين يرمون أزوجهم) الْآيَةَ وَأَسَانِيدُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ كُلُّهَا فِي ((التَّمْهِيدِ)) قَالُوا فَهَذِهِ الْآثَارُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللِّعَانَ إِنَّمَا نَزَلَ فِيهِ الْقُرْآنُ وَقَضَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فِي رُؤْيَةِ الزنى فَلَا يَجِبُ أَنْ تَتَعَدَّى ذَلِكَ وَلِأَنَّ الْمَعْنَى فِيهِ حِفْظُ النَّسَبِ وَلَا يَصِحُّ فَسَادُ النَّسَبِ إِلَّا بِالرُّؤْيَةِ وَبِهَا يَصِحُّ نَفْيُ الْوَلَدِ بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ لَا بِنَفْسِ الْقَذْفِ الْمُجَرَّدِ وَقِيَاسًا عَلَى الشهادة التي لا تصح في الزنى إِلَّا بِرُؤْيَةٍ وَقَالَ الشَّافِعِيُّونَ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمَا وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ يَا زَانِيَةُ وَجَبَ اللِّعَانُ إِنْ لَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ وَسَوَاءٌ عِنْدَهُمْ قَالَ لَهُمَا يَا زَانِيَةُ أَوْ رَأَيْتُكِ تَزِنِينَ أَوْ زَنَيْتِ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَالَ (والذين يرمون أزوجهم) النور ٦ كما قال تعالى (والذين يرمون المحصنت) النُّورِ ٤ فَأَوْجَبَ بِمُجَرَّدِ الْقَذْفِ الْحَدَّ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ إِنْ لَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ وَأَوْجَبَ اللِّعَانَ عَلَى الزَّوْجِ إِنْ لَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَسَوَّى بَيْنَ الذِّمِّيِّينَ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ الْأَعْمَى يُلَاعِنُ إِذَا قَذَفَ زَوْجَتَهُ وَلَا تَصِحُّ مِنْهُ الرُّؤْيَةُ وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَخْرَسِ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ يُلَاعِنُ الْأَخْرَسُ إِذَا فُهِمَ عَنْهُ

стр. 2513

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُلَاعِنُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ وَلِأَنَّهُ قَدْ يَنْطَلِقُ لِسَانُهُ فَيُنْكِرُ الْقَذْفَ وَاللِّعَانَ فَلَا يُمْكِنُنَا إِقَامَةُ الْحَدِّ عليه واختلفوا في الزوج إذا أبى من اللعان بعد ما ادعاه من رؤية الزنى أَوْ بَعْدَ قَذْفِهِ لَهَا فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِنْ لَمْ يَلْتَعِنْ حُدَّ وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ اللِّعَانَ لِلزَّوْجِ بَرَاءَةٌ كَالشَّهَادَةِ لِلْأَجْنَبِيِّ بَرَاءَةٌ فَإِنْ لَمْ يَأْتِ الْأَجْنَبِيُّ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ حُدَّ فَكَذَلِكَ الزَّوْجُ إِنْ لَمْ يَلْتَعِنْ حُدَّ وَفِي حديث بن عُمَرَ وَغَيْرِهِ فِي قِصَّةِ الْعَجْلَانِيِّ لَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ لِقَوْلِهِ إِنْ قَتَلْتُ قُتِلْتُ وَإِنْ نَطَقْتُ جُلِدْتُ وَإِنْ سَكَتُّ سَكَتُّ عَلَى غَيْظٍ وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَهُ ولامرأته ((عَذَابُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ)) وَسَنَذْكُرُ هَذِهِ الْآثَارَ فِيمَا بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَاخْتَلَفُوا هَلْ عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يُلَاعِنَ إذا أقام شهوده بالزنى فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ يُلَاعِنُ كَانَ لَهُ شُهُودٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ لِأَنَّ الشُّهُودَ لَا عَمَلَ لَهُمْ إِلَّا دَرْءُ الْحَدِّ وَأَمَّا رَفْعُ الْفِرَاشِ ونفي الولد فلا بد مِنَ اللِّعَانِ لِذَلِكَ وَإِنَّمَا تَعْمِلُ شَهَادَتُهُمْ فِي دَرْءِ حَدِّ الْقَذْفِ عَنِ الزَّوْجِ وَإِيجَابِهِ عَلَيْهَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إِنَّمَا جُعِلَ اللِّعَانُ عَلَى الزَّوْجِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ شُهَدَاءُ غَيْرَ نَفْسِهِ وَهُوَ قَوْلُ دَاوُدَ وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَرْأَةِ إِذَا أَبَتْ مِنَ اللِّعَانِ بَعْدَ الْتِعَانِ الزَّوْجِ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَكْثَرُ السُّلَفِ إِنْ أَبَتْ أَنْ تَلْتَعِنَ حُدَّتْ وَحَدُّهَا الرَّجْمُ إِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا أَوِ الْجَلْدُ إِنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَحُجَّتُهُمْ قول الله (ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهدت بِاللَّهِ) الْآيَةَ النُّورِ ٨ وَرَوَى يَزِيدُ النَّحْوِيُّ عَنْ عكرمة عن بن عَبَّاسٍ قَالَ إِذَا لَمْ يَحْلِفِ الْمُتَلَاعِنَانِ أُقِيمَ الْجَلْدُ أَوِ الرَّجْمُ وَقَالَ الضَّحَّاكُ فِي قَوْلِهِ (ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهدت بالله الآية قَالَ إِنْ أَبَتْ أَنْ تُلَاعِنَ رُجِمَتْ إِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا وَجُلِدَتْ إِنْ كَانَتْ بِكْرًا

стр. 2514

وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ - وهو قول عطاء والحارث العكلي وبن شُبْرُمَةَ أَرَيْتَ إِنْ لَمْ تَلْعَنْ قَالَ إِنْ أَبَتْ أَنْ تَلْتَعِنَ حُبِسَتْ أَبَدًا حَتَّى تَلْتَعِنَ قَالَ أَبُو عُمَرَ أَظُنُّ أَبَا حَنِيفَةَ وَأَصْحَابَهُ جَنَبُوا عَنْ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهَا بِدَعْوَى زَوْجِهَا وَيَمِينِهِ دُونَ إِقْرَارٍ مِنْهَا وَلَا بَيِّنَةٍ قَامَتْ عَلَيْهَا وَجَعَلُوا ذَلِكَ شُبْهَةً دَرَأُوا بِهَا الْحَدَّ عَنْهَا وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ((لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ)) وَلَيْسَ مِنْهَا الْمُلَاعَنَةُ إِذَا أَبَتْ مِنَ اللِّعَانِ وَقَدْ نَقَضَ أَبُو حنيفة ها هنا أَصْلَهُ فِي الْقَضَاءِ بِالنُّكُولِ عَنِ الْيَمِينِ فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ وَلَكِنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّ الْحُدُودَ لَا تُؤْخَذُ قِيَاسًا وَأَمَّا اخْتِلَافُهُ فِي كَيْفِيَّةِ اللِّعَانِ فاختلاف متقارب قال بن الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ يَحْلِفُ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ يَقُولُ أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَرَأَيْتُهَا تَزْنِي وَيَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيَّ إِنْ كُنْتُ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَتَحْلِفُ هِيَ بِمِثْلِ ذَلِكَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ تقول فِي كُلِّ مَرَّةٍ أَشْهَدُ بِاللَّهِ مَا رَآنِي أَزْنِي وَالْخَامِسَةُ غَضَبُ اللَّهِ عَلَيَّ إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ وَقَالَ اللَّيْثُ يَشْهَدُ الرَّجُلُ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ أَنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَاهَا به من الزنى وَالْخَامِسَةَ أَنَّ لَعْنَةً عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَتَشَهُّدُ الْمَرْأَةُ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ وَنَحْوُهُ عَنِ الثَّوْرِيِّ

стр. 2515

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ أَشْهَدُ بِاللَّهِ أَنِّي لَمِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُ زَوْجَتِي فُلَانَةَ بِنْتَ فُلَانٍ من الزنى ويشير إليها إن كانت حاضرة يقول ذَلِكَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ثُمَّ يُقْعِدُهُ الْإِمَامُ وَيُذَكِّرُهُ اللَّهَ وَيَقُولُ لَهُ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ إِنْ لَمْ تَكُنْ صَادِقًا فَإِنْ رَآهُ يُرِيدُ الْمُضِيَّ أَمَرَ مَنْ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى فِيهِ وَيَقُولُ إِنَّ قَوْلَكَ وَعَلَيَّ لَعْنَةُ اللَّهِ إِنْ كُنْتُ مِنَ الْكَاذِبِينَ مُوجِبَةٌ إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَإِنْ أَبَى إِلَّا اللِّعَانَ تَرَكَهُ الْإِمَامُ فَيَقُولُ وَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيَّ إِنْ كُنْتُ مِنَ الْكَاذِبِينَ فِيمَا ثبت من فلانة بنت فلان من الزنى وَفِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ فَإِنْ رَمَاهَا بِرَجُلٍ بعينه قال من الزنى مَعَ فُلَانٍ وَإِنْ نَفَى وَلَدَهَا قَالَ مَعَ كُلِّ شَهَادَةٍ أَشْهَدُ بِاللَّهِ أَنِّي لَمِنَ الصَّادِقِينَ فيما رميتها به من الزنى وإن هذا الولد لولد مَا هُوَ مِنِّي فَإِنْ كَانَ حَمْلًا قَالَ وَإِنَّ الْحَمْلَ - إِنْ كَانَ بِهَا حَمْلٌ مِنَ زِنًا - مَا هُوَ مِنِّي فَإِذَا فَرَغَ مِنْ هَذَا فَقَدْ فَرَغَ مِنَ الِالْتِعَانِ ثُمَّ تَشْهَدُ الْمَرْأَةُ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ أَنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رماني به من الزنى فإن نفى الحمل قالت وإن هَذَا الْحَمْلَ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ وَلَدًا قَالَتْ وَإِنَّ هَذَا لِوَلَدِهِ وَعَلَيَّ غَضَبُ اللَّهِ إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ فِي شَيْءٍ مِمَّا رَمَانِي بِهِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ إِذَا لَمْ يَكُنْ وَلَدٌ شَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ أَنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَاهَا بِهِ من الزنى وَالْخَامِسَةَ اللَّعْنُ وَتَشْهَدُ هِيَ أَرْبَعًا وَالْخَامِسَةَ الْغَضَبُ فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ وَلَدٌ نَفَاهُ شَهِدَ أَرْبَعًا أنه لصادق فيما رماها من الزنى وَنَفْيِ الْوَلَدِ يَذْكُرُ الْوَلَدَ فِي اللِّعَانِ أَنَّهُ نَفَاهُ حَتَّى يَلْزَمَ أُمَّهُ وَقَالَ زُفَرُ مِثْلَ ذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ يُخَاطِبُهَا وَتُخَاطِبُهُ فَيَقُولُ أَشْهَدُ بِاللَّهِ أَنِّي لَمِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُكِ بِهِ من الزنى وَتَقُولُ هِيَ أَشْهَدُ بِاللَّهِ أَنَّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ فيما رميتني به من الزنى وَرَوَى مِثْلَ ذَلِكَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَكَانَ زُفَرُ يَقُولُ فِي نَفْيِ الْوَلَدِ أَشْهَدُ بِاللَّهِ أَنِّي لَمِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُهَا بِهِ مِنْ نَفْيِ وَلَدِهَا هَذَا وَيَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ وَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيَّ إِنْ كُنْتُ مِنَ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَيْتُهَا بِهِ مِنْ نَفْيِ ولدها

стр. 2516

ثُمَّ تَقُولُ الْمَرْأَةُ أَشْهَدُ بِاللَّهِ أَنَّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَيْتَنِي بِهِ مِنْ نَفْيِ وَلَدِكَ وَالْخَامِسَةُ عَلَيَّ غَضَبُ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتَنِي بِهِ مِنْ نَفْيِ وَلَدِي هَذَا ١١٥٣ - مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَانْتَفَلَ مِنْ وَلَدِهَا فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمَا وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ قَالَ أَبُو عُمَرَ هَكَذَا قَالَ يَحْيَى انْتَفَلَ مِنْ وَلَدِهَا وَقَالَ سَائِرُ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا وَالْمَعْنَى قَرِيبٌ مِنَ السَّوَاءِ قَالَ أَبُو عُمَرَ وَأَمَّا قَوْلُهُ فَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ حَيًّا ظَاهِرًا فِي حِينِ اللِّعَانِ فَانْتَفَى مِنْهُ إِمَّا لِغَيْبَةٍ غَابَهَا أَوْ لِاسْتِبْرَاءٍ ادَّعَاهُ لَمْ يَعْلَمْ بِحَمْلِهَا حَتَّى وَضَعَتْهُ أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا مِمَّا يَنْفِي عَنْهُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِهِ وَقْتًا مَا ثُمَّ جَحَدَهُ وَنَفَاهُ بَعْدُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ انتفى من ولدها وهو حَمْلٌ ظَاهِرٌ بِهَا وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وَقْتِ نَفْيِ الْوَلَدِ بِاللِّعَانِ فَقَالَ مَالِكٌ إِذَا رَأَى الْحَمْلَ فَلَمْ يَنْفِهِ حَتَّى وَضَعَتْهُ لَمْ يَنْتَفِ عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِنْ نَفَاهُ حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً فَإِنِ انْتَفَى مِنْهُ حِينَ وَلَدَتْهُ وَقَدْ رَآهَا حَامِلًا فَلَمْ يَنْتِفِ مِنْهُ فَإِنَّهُ يُجْلَدُ الْحَدَّ إِذَا كَانَتْ حُرَّةً مُسْلِمَةً لِأَنَّهُ صَارَ قَاذِفًا لَهَا فَإِنْ كَانَ غَائِبًا عَنِ الْحَمْلِ فَقَدِمَ وَقَدْ وَلَدَتْهُ فَلَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ وَقَالَ اللَّيْثُ فِيمَنْ أَقَرَّ بِحَمْلِ امْرَأَتِهِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ رَأَيْتُهَا تَزْنِي لَاعَنَ فِي الرُّؤْيَةِ وَلَزِمَهُ الْحَمْلُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إِذَا عَلِمَ الزَّوْجُ بِالْحَمْلِ فَأَمْكَنَهُ الْحَاكِمُ إِمْكَانًا بَيِّنًا فَتَرَكَ اللِّعَانَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ كَالشُّفْعَةِ هَذَا قَوْلُهُ فِي الْجَدِيدِ وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ إِنْ لَمْ يَنْفِهِ فِي يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ

стр. 2517

وَقَالَ بِمِصْرَ لَوْ قَالَ قَائِلٌ لَهُ نَفْيُهُ مُدَّةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ وَقْتِ عَلِمَ بِهِ يَأْتِي فِيهَا الْحَاكِمَ أَوْ يَشْهَدُ كَانَ مَذْهَبًا قَالَ وَأَيُّ مُدَّةٍ إِنْ قَلَّتْ لَهُ نَفْيُهُ فِيهَا فَأَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ وَهُوَ مَشْغُولٌ بِمَا يَخَافُ فَوْتَهُ بِمَرَضٍ أَوْ كَانَ مُسَافِرًا فَأَشْهَدَ وَلَمْ يُسِرَّ فَهُوَ عَلَى نَفْيِهِ وَكَذَلِكَ الْغَائِبُ إِذَا قَالَ لَمْ أُصَدِّقْ حَمْلَهَا أَوِ الْحَاضِرُ إن قال لا أعلم قال ولو رَآهَا حُبْلَى فَلَمَّا وَلَدَتْ نَفَاهُ وَقَالَ لَمْ أَدْرِ أَنَّهُ حَمْلٌ كَانَ لَهُ نَفْيُهُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إِذَا وَلَدَتْ فَنَفَى وَلَدَهَا مِنْ يَوْمِ يُولَدُ أَوْ بَعْدَهُ بِيَوْمٍ أَوْ بِيَوْمَيْنِ لَاعَنَ وَانْتَفَى الْوَلَدَ فَإِنْ لَمْ يَنْفِهِ حَتَّى مَضَتْ سَنَةٌ أَوْ سَنَتَانِ ثُمَّ نَفَاهُ لَاعَنَ وَلَزِمَهُ الْوَلَدُ وَلَمْ يُؤَقِّتْ أَبُو حَنِيفَةَ لِذَلِكَ وَقْتًا وَوَقَّتَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ مِقْدَارَ النِّفَاسِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً قَالَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ إِنْ كَانَ غَائِبًا فَقَدِمَ فَلَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مِقْدَارِ النِّفَاسِ مُنْذُ يَوْمِ قَدِمَ مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ فَإِنْ قَدِمَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ لَمْ يَنْتِفِ عَنْهُ أَبَدًا قَالَ أَبُو عُمَرَ جُمْلَةُ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ الْحَمْلَ لَا يَنْفِيهُ الزَّوْجُ بِمَا يَدَّعِيهِ مِنْ رُؤْيَةِ الزنى وَلَا يَنْتَفِي الْحَمْلُ إِلَّا بِدَعْوَى الِاسْتِبْرَاءِ وَأَنَّهُ لَمْ يَطَأْ بَعْدَ أَنِ اسْتَبْرَأَ وَالِاسْتِبْرَاءُ عِنْدَ مالك وبن الْقَاسِمِ حَيْضَةٌ وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَا تُسْتَبْرَأُ الْحُرَّةُ فِي ذَلِكَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِ حِيَضٍ وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ وَقَالَ بن الْقَاسِمِ إِنْ لَمْ يَكُنِ الْحَمْلُ ظَاهِرًا بِإِقْرَارِهِ أَوْ بَيِّنَةٍ يَشْهَدُ لَهُ بِهِ لَمْ يَنْفِهِ لعانه ولحق به وقال بن الْقَاسِمِ لَوْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ فِي الِاسْتِبْرَاءِ وَادَّعَى الْوَلَدَ لَحِقَ بِهِ وَهُوَ أَدْنَى اللِّعَانِ نَفَيْنَاهُ عَنْهُ وَصَارَ قَاذِفًا لَهَا بِنَفْيِهِ وَلَدَهَا وَقَالَ الْمُغِيرَةُ الْمَخْزُومِيُّ إِنْ أَقَرَّ بِالْحَمْلِ وَادَّعَى رُؤْيَتَهُ لَاعَنَ فَإِنْ وَضَعَتْهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ الرُّؤْيَةِ فَهُوَ لَهُ فَإِنْ كَانَ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ فَهُوَ اللِّعَانُ فَإِنِ ادَّعَاهُ لَحِقَ بِهِ وَحْدَهُ قَالَ الْمُغِيرَةُ وَيُلَاعِنُ فِي الرُّؤْيَةِ مَنْ يَدَّعِي الِاسْتِبْرَاءَ وَجُمْلَةُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ كُلَّ مَنْ نَفَى الْحَمْلَ وَقَالَ ليس مني

стр. 2518

لاعن وانتفى عنه الولد إلا أَنْ يَكُونَ عَلِمَ فَسَكَتَ عَلَى مَا مَضَى مِنْ قَوْلِهِ فِي تَوْقِيتِ الْمُدَّةِ فِي ذَلِكَ وَقَالَ أَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ نَحْوَ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَلَا مَعْنَى عِنْدَ الشَّافِعِيِّ لِلِاسْتِبْرَاءِ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ قَدْ تَحْمِلُ مَعَ رُؤْيَةِ الدَّمِ وَتَلِدُ مَعَ الِاسْتِبْرَاءِ وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ فَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُمُ اللِّعَانُ عَلَى الْحَمْلِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إِذَا قَالَ لَيْسَ هَذَا الْحَمْلُ مِنِّي لَمْ يَكُنْ قَاذِفًا لَهَا فَإِنْ وَلَدَتْ وَلَوْ بَعْدَ يَوْمٍ لَمْ يُلَاعَنْ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ حَتَّى يَنْفِيَهُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَقَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إِنْ جَاءَتْ بِهِ بَعْدَ هَذَا الْقَوْلِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ لَاعَنَ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أنه يلاعنها قبل الولادة وهو قول بن أَبِي لَيْلَى وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَبِي عُبَيْدٍ كُلُّهُمْ يَقُولُ يُلَاعِنُ عَلَى الْحَمْلِ الظَّاهِرِ وَقَدْ رَوَى الرَّبِيعُ عَنِ الشَّافِعِيِّ لَا يُلَاعِنُهَا حَتَّى تَلِدَ وَكَذَلِكَ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَالَ وَلَوْ نَفَى الْحَمْلَ فِي الْتِعَانِهِ عَنْ قَذْفِهَا لَمْ يَنْتِفِ وَلَدُهَا عَنْهُ حَتَّى يَنْفِيَهُ بَعْدَ وَضْعِهَا وَيُلَاعِنَ وهو قول بن الْمَاجِشُونِ فِي الْمُلَاعَنَةِ عَلَى الْحَمْلِ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ لَا يُلَاعَنُ عَلَى الْحَمْلِ لِأَنَّهُ قَدْ يَنْفَشُ فَيَكُونُ قَوْلًا عَلَى رِيحٍ وَمَنْ نَفَى حَمْلَ امْرَأَتِهِ عِنْدَ مَالِكٍ وَعُبَيْدِ الله بن الحسن وبن أَبِي لَيْلَى وَقَالَ لَيْسَ مِنِّي لَاعَنَهَا لِأَنَّهُ قَاذِفٌ لَهَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يُلَاعِنُهَا إِلَّا أَنْ يَقْذِفَهَا لِأَنَّهُ لَا يَقُولُ لَمْ يَصِحَّ عِنْدِي حَمْلُهَا فَيَنْتَفِي قَذْفُهَا عَنْهُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إِنْكَارُ الْحَمْلِ مِنْ أَشَدِّ الْقَذْفِ قَالَ أَبُو عُمَرَ لَا يَصِحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ الْقَذْفُ إِلَّا بِالتَّصْرِيحِ الْبَيِّنِ قَالَ أَبُو عُمَرَ وَمَنْ لَمْ يَرَ اللِّعَانَ عَلَى الْحَمْلِ حَتَّى تَلِدَ زَعَمَ أَنَّ الْحَمْلَ لَا يَقْطَعُ عَلَى صِحَّتِهِ لِأَنَّهُ قَدْ يَنْفَشُ وَيَضْمَحِلُّ

стр. 2519

قَالَ فَلَا وَجْهَ لِلِعَانٍ بِغَيْرِ اسْتِيقَانٍ وَمَنْ رَأَى اللِّعَانَ عَلَى الْحَمْلِ إِذَا نَفَاهُ فَحُجَّتُهُ الآثار المتواترة من حديث بن عباس وحديث بن مَسْعُودٍ وَحَدِيثِ أَنَسٍ وَحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَاعَنَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ وَقَالَ إِنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَى صِفَةِ كَذَا فَهُوَ لِزَوْجِهَا وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَى صِفَةِ هَذَا فَمَا أَرَاهُ إِلَّا قَدْ صَدَقَ عَلَيْهَا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ حَامِلًا وَقَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فِي ((التَّمْهِيدِ)) وَهِيَ مُتَكَرِّرَةٌ فِي الْمُصَنَّفَاتِ وَالْمَسَانِيدِ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ مَنْ أَقَرَّ بِالْحَمْلِ وَبَانَ لَهُ وَلَمْ يُنْكِرْهُ وَلَمْ يَنْفِهِ ثُمَّ نَفَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ وَلَحِقَ بِهِ الْوَلَدُ وَيُجْلَدُ الْحَدَّ إِلَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَالثَّوْرِيِّ فَإِنَّهُ يُلَاعَنُ وَلَا يُجْلَدُ عَلَى أصلهم وأما قول بن عُمَرَ فَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمَا - يَعْنِي بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ - فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ وُقُوعِ الْفُرْقَةِ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ فَقَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ إِذَا فَرَغَا جَمِيعًا مِنَ اللِّعَانِ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ وَإِنْ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا الْحَاكِمُ وَبِهِ قَالَ زُفَرُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو ثَوْرٍ وَهُوَ عِنْدِي مَعْنَى قَوْلِ الْأَوْزَاعِيِّ لِأَنَّهُ قَالَ لَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ بِلِعَانِ الزَّوْجِ وَحْدَهُ قَالَ وَلَوِ الْتَعَنَ الزَّوْجُ ثُمَّ مَاتَ فَلَا لعان ولاحد وَيَتَوَارَثَانِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إِذَا قَالَ الزَّوْجُ الشَّهَادَةَ الْخَامِسَةَ وَالِالْتِعَانَ فَقَدْ زَالَ فِرَاشُ امْرَأَتِهِ وَوَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا قَالَ وَلَوْ لَمْ يُكْمِلِ الْخَامِسَةَ وَمَاتَ وَرِثَهُ ابْنُهُ وَزَوْجَتُهُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ لَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ بَعْدَ فَرَاغِهِمَا مِنَ اللِّعَانِ حَتَّى يُفَرِّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا وَبِهِ قَالَ الثوري وأحمد قال الثَّوْرِيُّ إِذَا تَلَاعَنَا وَفَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا لَمْ يَجْتَمِعَا أَبَدًا وَكَذَلِكَ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ أخذو ذَلِكَ عَنْهُ إِذَا تَلَاعَنَا فَلَا أَرَى اللِّعَانَ يَنْقُصُ شَيْئًا يَعْنِي مِنَ الْعِصْمَةِ

стр. 2520

قَالَ وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُطَلِّقَ وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ اللِّعَانُ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ وَحُجَّةُ مَالِكٍ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ أَنَّ اللِّعَانَ أَوْجَبَ الْفُرْقَةَ الَّتِي قَضَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ فَرَاغِهِمَا مِنْ لِعَانِهِمَا وَقَالَ لَهُ ((لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا)) إِعْلَامًا مِنْهُ بِأَنَّ اللِّعَانَ رَفَعَ سَبِيلَهُ عَنْهَا حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ يُونُسَ وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنِي قَاسِمٌ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ شَاذَانَ قَالَ حَدَّثَنِي مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي زَائِدَةَ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ سُئِلْتُ عَنِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ زَمَنَ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا قَالَ فَمَا دَرَيْتُ مَا أقول فمضيت إلى منزل بن عُمَرَ بِمَكَّةَ فَقُلْتُ لِلْغُلَامِ اسْتَأْذِنْ لِي قَالَ إنه قائل فسمع صوتي قال بن جبير قلت نعم قال ادْخُلْ فَوَاللَّهِ! مَا جَاءَ بِكَ هَذِهِ السَّاعَةَ إِلَّا حَاجَةٌ فَدَخَلْتُ فَإِذَا هُوَ مُفْتَرِشٌ بَرْذَعَةً مُتَوَسِّدٌ وِسَادَةً حَشْوُهَا لِيفٌ قُلْتُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! الْمُتَلَاعِنَانِ أَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ! نَعَمْ إِنَّ أَوَّلَ مَنْ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ فَلَانُ بْنُ فُلَانٍ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ أَنْ لَوْ وَجَدَ أَحَدُنَا امْرَأَتَهُ عَلَى فَاحِشَةٍ كَيْفَ يَصْنَعُ إِنْ تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ قَالَ فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يُجِبْهُ فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَتَاهُ فَقَالَ إِنَّ الَّذِي سَأَلْتُكَ عَنْهُ قَدِ ابْتُلِيتُ بِهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ في سورة النور (والذين يرمون أزوجهم) النُّورِ ٦ فَتَلَاهُنَّ عَلَيْهِ وَوَعَظَهُ وَذَكَّرَهُ وَأَخْبَرَهُ أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ قَالَ لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ! مَا كَذَبْتُ عَلَيْهَا ثُمَّ دَعَاهَا فَوَعَظَهَا وَذَكَّرَهَا وَأَخْبَرَهَا أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ قَالَتْ لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ! إِنَّهُ لِكَاذِبٌ فَبَدَأَ بِالرَّجُلِ فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ وَالْخَامِسَةَ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ثُمَّ ثَنَّى بِالْمَرْأَةِ فَشَهِدَتْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ قَالَا حَدَّثَنِي قَاسِمٌ قَالَ حَدَّثَنِي

стр. 2521

مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنِي الْحُمَيْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ سَعِيدِ بْنِ جبير عن بن عُمَرَ قَالَ فَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ المتلاعنين وقال ((حسابكما عَلَى اللَّهِ أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا)) قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا لِي قَالَ ((مَا لَكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ فَهُوَ أَبْعَدُ لَكَ)) قَالَ الشَّافِعِيُّ تَفْرِيقُ النَّبِيِّ ﷺ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ تَفْرِيقُ حُكْمٍ لَيْسَ لِطَلَاقِ الزَّوْجِ فِيهِ مَدْخَلٌ وَإِنَّمَا هو تفريق أوجبه اللعان فأخبر بِهِ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ ((لا سبيل لك عليها)) قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا كُلُّهُ مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ وَمَذْهَبِهِ وَفِي قَوْلِهِ ﵇ ((لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا)) دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ أَنَّ اللِّعَانَ هُوَ الْمُوجِبُ لِلْفُرْقَةِ بَيْنَهُمَا وَأَنَّ الْحَاكِمَ إِنَّمَا يَنْفُذُ فِي ذَلِكَ الْوَاجِبِ مِنْ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَمْ يَكُنْ تَفْرِيقُ النَّبِيِّ ﵇ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ اسْتِئْنَافًا مِنْ حُكْمٍ وَإِنَّمَا كَانَ تَنْفِيذًا لِمَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْمُبَاعَدَةِ بَيْنَهُمَا وَهُوَ مَعْنَى اللِّعَانِ فِي اللُّغَةِ فَعَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يُعْلِمَهَا بِأَنَّ اللِّعَانَ فِرَاقٌ بَيْنَهُمَا وَإِنْ قَصَرَ عَنْ ذَلِكَ وَلَمْ يَقُلْ فَرَّقْتُ بَيْنَهُمَا فَالْفُرْقَةُ وَاقِعَةٌ بِتَمَامِ اللِّعَانِ لِقَوْلِهِ ﷺ ((لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا)) وَحُجَّةُ الشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ إِذَا أَكْمَلَ الزَّوْجُ الْتِعَانَهُ عَلَيْهَا إِلَى آخِرِ الْخَامِسَةِ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ وَزَالَ فِرَاشُهُ الْتَعَنَتِ الْمَرْأَةُ أَوْ لَمْ تَلْتَعِنْ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْتِعَانُ الزَّوْجِ يُسْقِطُ الْحَدَّ عَنْهُ وَيَنْفِي الْوَلَدَ عَنْ فِرَاشِهِ إِنْ نَفَاهُ فِي الْتِعَانِهِ كَانَ كَذَلِكَ قَطْعُ الْعِصْمَةِ وَرَفْعُ الْفِرَاشِ وَوُجُوبُ الْفُرْقَةِ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي الْفِرَاقِ وَقَطْعِ الْعِصْمَةِ وَرَفْعِ الْفِرَاشِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِيَدِ الزَّوْجِ وَلَا مَعْنَى لِالْتِعَانِ الْمَرْأَةِ إِلَّا فِي دَرْءِ الحد عنها قال الله تعالى (ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهدات بالله إنه لمن الكذابين والخمسة) الْآيَةَ النُّورِ ٨ وَلَمَّا اتَّفَقُوا أَنَّ الزَّوْجَ بِالْتِعَانِهِ يَنْتَفِي عَنْهُ الْوَلَدُ إِنْ نَفَاهُ كَانَ كَذَلِكَ بِرَفْعِ عِصْمَةِ النِّكَاحِ أَلَا تَرَى أَنَّ مَعْنَى الْتِعَانِ الزَّوْجِ وَالْتِعَانِ الْمَرْأَةِ مُتَضَادَّانِ لِأَنَّ الزَّوْجَ يَدَّعِي مَا يُوجِبُ الْفُرْقَةَ وَيَحْلِفُ عَلَيْهِ وَالْمَرْأَةَ تَنْفِي الْمَعْنَى الْمُوجِبَ لِوُقُوعِ الْفِرَاقِ فَكَيْفَ

стр. 2522

يُعْتَبَرُ فِي رَفْعِ الْعِصْمَةِ الْتِعَانُهَا وَهِيَ مُكَذِّبَةٌ لزوجها وفي وُقُوعِ النَّسَبِ الْمُوجِبِ لِلْفِرَاقِ أَمْ كَيْفَ يَرْتَفِعُ النَّسَبُ وَيَنْفَى النِّكَاحُ وَحُجَّةُ الْكُوفِيِّينَ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ فِي أَنَّ الْفُرْقَةَ لَا تَقَعُ بِتَمَامِ اللعان حتى يفرق الحاكم بينهما حديث بن عُمَرَ وَحَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ فَأَضَافَ الْفُرْقَةَ إِلَيْهِ لَا إِلَى اللِّعَانِ فَلَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ حَتَّى يَقُولَ الْحَاكِمُ قَدْ فَرَّقْتُ بَيْنَهُمَا وَيُعْلِمَ مَنْ حَضَرَهُ بِذَلِكَ وَيُشْهِدَهُمْ قَالُوا وَلَمَّا كَانَ اللِّعَانُ مُفْتَقِرًا إِلَى حُضُورِ الْحَاكِمِ كَانَ مُفْتَقِرًا إِلَى تَفْرِيقِهِ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ وَقِيَاسًا عَلَى الْعِنِّينِ لِأَنَّهُ لَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ إِلَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ بِذَلِكَ وَاتَّفَقَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمْ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ وَالْكُوفَةِ وَالشَّامِ وَمِصْرَ أَنَّ اللِّعَانَ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى طَلَاقٍ وَأَنَّ حُكْمَهُ وَسُنَّتَهُ الْفُرْقَةُ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ إِمَّا بِاللِّعَانِ وَإِمَّا بِتَفْرِيقِ الْحَاكِمِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ مَذَاهِبِهِمْ وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ لَا يُنْقِصُ اللِّعَانُ شَيْئًا مِنَ الْعِصْمَةِ حَتَّى يُطَلِّقَ الزَّوْجُ وَهَذَا قَوْلٌ لَمْ يَتَقَدَّمِ الْبَتِّيَّ إِلَيْهِ أَحَدٌ فِيمَا عَلِمْتُ وَلَا لَهُ مِنَ الْآثَارِ الْوَارِدَةِ بِالسُّنَنِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ لِأَنَّ طَلَاقَ عُوَيْمِرٍ الْعَجْلَانِيِّ بَعْدَ تَمَامِ الْتِعَانِهَا لَمْ يَكُنْ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﵇ وَلَا قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﵇ أَحْسَنْتَ وَلَا فَعَلْتَ مَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْكَ وَلَوْ كَانَ الطَّلَاقُ وَاجِبًا وَمُحْتَاجًا إِلَيْهِ لِبَيَّنَهُ ﷺ لِأَنَّهُ بُعِثَ إِلَى النَّاسِ مُعَلِّمًا وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَقَدْ قَالَ لَهُ أَوْ أَخْبَرَهُ ((لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا)) عِنْدَ تَمَامِ اللِّعَانِ بَيْنَهُمَا فَبَانَ بِذَلِكَ أَنَّ طَلَاقَ الْعَجْلَانِيِّ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَعْنًى إِلَّا قَوْلَهُ كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا فَطَلَّقَهَا لِيَدُلَّ بِذَلِكَ عِنْدَ نَفْسِهِ عَلَى صِدْقِهِ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ يَدْخُلُ دَاخِلُهُ فِي حُكْمِهِ فَلَمْ يَقُلْ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ شَيْئًا وَلَا نَهَاهُ وَلَا أَمَرَهُ لِأَنَّ طَلَاقَهُ كَانَ لَا مَعْنَى لَهُ وقد بان في حديث بن وَهْبٍ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْفِهْرِيِّ عن بن شِهَابٍ أَنَّ قَوْلَهُ فِي آخِرِ حَدِيثِ مَالِكٍ بِإِثْرِ ذِكْرِ الطَّلَاقِ فَكَانَ ذَلِكَ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ إِنَّمَا أَرَادَ الْفُرْقَةَ وَأَلَّا يَجْتَمِعَا أَبَدًا كَذَلِكَ ذكره بن وهب عن عياض عن بن شِهَابٍ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ فِي اللِّعَانِ وَسَاقَهُ كَنَحْوِ سِيَاقَةِ مَالِكٍ لَهُ وَقَالَ فِي آخِرِهِ ومضت سنة المتلاعنين أن يفرق بينهما ولا يجتمعان أبدا

стр. 2523

ذكره بن وَهْبٍ فِي ((مُوَطَّئِهِ)) عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ الله الفهري عن بن شِهَابٍ فِي حَدِيثِهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي اللِّعَانِ وَعِيَاضٌ هَذَا قَدْ رَوَى عَنْهُ اللَّيْثُ وَغَيْرُهُ وَهُوَ مِنْ شُيُوخِ أَهْلِ مِصْرَ وَقَدِ احْتَجَّ مَنْ قَالَ إِنَّ طَلَاقَ الثَّلَاثِ الْمُجْتَمِعَاتِ تَقَعُ السُّنَّةُ بِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي طَلَاقِ عُوَيْمِرٍ الْعَجْلَانِيِّ زَوْجَتَهُ ثَلَاثًا وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا لَوْ كَانَ وُقُوعُ طَلَاقِ الثلاث المجتمعات لا يجوز لنبيه ﷺ وَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ كَيْفَ تُطَلِّقُ ثَلَاثًا فِي مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ فِي دِينِنَا وَشَرِيعَتِنَا وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَمَّا لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى جَوَازِهِ وَأَمَّا مَنْ قَالَ لَا تَقَعُ السُّنَّةُ وَإِنَّمَا هِيَ بِدْعَةٌ لَازِمَةٌ لِمَوْقِعِهَا فَإِنَّهُ قَالَ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مَوْضِعُ طَلَاقٍ لِأَنَّ فُرْقَةَ اللِّعَانِ أَقْوَى مِنْ فُرْقَةِ الطَّلَاقِ لَمْ يَحْتَجْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى إِنْكَارِ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ فَعَلَ فِعْلًا لَا مَعْنَى لَهُ وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَاجْتَلَبْنَا أَقْوَالَ الْقَائِلِينَ فِيهَا فِي أول كتاب الطلاق وأما قول بن عُمَرَ فِي حَدِيثِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِيهِ وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِأُمِّهِ فَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأُمَّ لَا يَنْتَفِي عَنْهَا وَلَدُهَا أَبَدًا وَأَنَّهُ لَاحِقٌ بِهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ لِوِلَادَتِهَا لَهُ لَكِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا قَضَى بِانْتِفَاءِ الْوَلَدِ عَنْ أَبِيهِ بِلِعَانِهِ أَلْحَقَهُ بِأُمِّهِ خَاصَّةً كَأَنَّهُ لَا أَبَ لَهُ فَلَا يَرِثُ أَبَاهُ وَلَا يَرِثُهُ أَبُوهُ وَلَا أَحَدٌ بِسَبَبِهِ وَقِيلَ بَلْ أَلْحَقَهُ بِأُمِّهِ فَجَعَلَ أُمَّهُ لَهُ كَأَبِيهِ وَأُمِّهِ وَلِهَذَا الْحَدِيثِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - فِي مِيرَاثِ وَلَدِ الْمُلَاعِنَةِ وَسَنُورِدُ هَذَا فِي بَابِهِ بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ مَالِكٌ السُّنَّةُ عِنْدَنَا أَنَّ الْمُتَلَاعِنَيْنِ لَا يَتَنَاكَحَانِ أَبَدًا وَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ جُلِدَ الْحَدَّ وَأُلْحِقَ بِهِ الْوَلَدُ وَلَمْ تَرْجِعْ إِلَيْهِ أَبَدًا وقال مالك وعلى هذا السنة عِنْدَنَا الَّتِي لَا شَكَّ فِيهَا وَلَا اخْتِلَافَ قَالَ أَبُو عُمَرَ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ الشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ وَاللَّيْثُ وَبِهِ قَالَ زُفَرُ بْنُ الْهُذَيْلِ وَأَبُو يُوسُفَ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَدَاوُدُ كُلُّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ إِنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا سَوَاءٌ كَذَّبَ

стр. 2524

نَفْسَهُ أَوْ لَمْ يُكَذِّبْهَا وَمَتَى أَكْذَبَ نَفْسَهُ جُلِدَ الْحَدَّ وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ وَلَدٌ لَحِقَ بِهِ وَلَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عمر وعلي وبن مَسْعُودٍ قَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال لَهُ ((لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا وَلَمْ يُقَلْ لَهُ إِلَّا أَنْ تُكَذِّبَ نَفْسَكَ فَصَارَ كَالتَّحْرِيمِ الْمُؤَبَّدِ فِي الْأُمَّهَاتِ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُنَّ وَهَذَا شأن تَحْرِيمٍ مُطْلَقِ التَّأْبِيدِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُطَلِّقَ ثَلَاثًا لَمَّا لَمْ تَكُنْ بَائِنَةً أَوْقَعَ فِيهِ الشَّرْطَ بِنِكَاحِ زَوْجِ غَيْرِهِ وَلَوْ قَالَ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ لَكَانَ نَهْيًا مُطْلَقًا لَا تَحِلُّ لَهُ أَبَدًا وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَطْلَقَ التَّحْرِيمَ فِي الْمُلَاعَنَةِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِوَقْتٍ فَهُوَ مُؤَبَّدٌ فَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ لَحِقَ بِهِ الْوَلَدُ لِأَنَّهُ حَقٌّ جَحَدَهُ ثُمَّ أَقَرَّ بِهِ فَلَزِمَهُ وَلَيْسَ النِّكَاحُ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ حَقٌّ ثَبَتَ عَلَيْهِ فَلَيْسَ يَتَهَيَّأُ لَهُ إِبْطَالُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ إِذَا أَكْذَبَ الْمَلَاعِنُ نَفْسَهُ ضُرِبَ الْحَدَّ وَلَحِقَ بِهِ الْوَلَدُ وَكَانَ خَاطِبًا مِنَ الْخُطَّابِ إِنْ شَاءَ وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ واختلف في ذلك عن إبراهيم النخعي وبن شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ فَرُوِيَ عَنْهُمَا الْقَوْلَانِ جَمِيعًا وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَالضَّحَّاكُ إِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ جُلِدَ الْحَدَّ وردت عليه امرأته وروي عن بن شِهَابٍ مِثْلُهُ وَهُوَ عِنْدِي قَوْلٌ تَالِفٌ خِلَافَ مَنْ قَالَ يَكُونُ خَاطِبًا مِنَ الْخُطَّابِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَقَدْ يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا أَيْضًا وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ إِذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ عَادَ إِلَى نِكَاحِهِ أَوْ حَلَّ لَهُ نِكَاحُهَا إِجْمَاعُهُمْ عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ جُلِدَ الْحَدَّ وَلَحِقَ بِهِ الْوَلَدُ قَالُوا فَيَعُودُ النِّكَاحُ حَلَالًا كَمَا عَادَ الْوَلَدُ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَالْحُجَجُ لِهَذِهِ الْأَقْوَالِ مِنْ جِهَةِ الْمُقَايَسَاتِ وَالنَّظَرِ فِيهَا تَشْعِيبٌ وَلَيْسَ فِي الْمَسْأَلَةِ أَثَرٌ مُسْنَدٌ قَالَ مَالِكٌ وَإِذَا فَارَقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فِرَاقًا بَاتًّا لَيْسَ لَهُ عَلَيْهَا فِيهِ رَجْعَةٌ ثُمَّ أَنْكَرَ حَمْلَهَا لَاعَنُهَا إِذَا كَانَتْ حَامِلًا وَكَانَ حَمْلُهَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ إِذَا ادَّعَتْهُ مَا لَمْ يَأْتِ

стр. 2525

دُونَ ذَلِكَ مِنَ الزَّمَانِ الَّذِي يَشُكُّ فِيهِ فَلَا يُعْرَفُ أَنَّهُ مِنْهُ قَالَ فَهَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا وَالَّذِي سَمِعْتُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ مَالِكٌ وَإِذَا قَذَفَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ بَعْدَ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا وَهِيَ حَامِلٌ يُقِرُّ بِحَمْلِهَا ثُمَّ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَآهَا تَزْنِي قَبْلَ أَنْ يُفَارِقَهَا جُلِدَ الْحَدَّ وَلَمْ يُلَاعِنْهَا وَإِنْ أَنْكَرْ حَمْلَهَا بَعْدَ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا لَاعَنَهَا قَالَ وَهَذَا الَّذِي سَمِعْتُ قَالَ أَبُو عُمَرَ إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ لِأَنَّهُ إِذَا قَذَفَهَا بَعْدَ أَنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَقَدْ قَذَفَ أَجْنَبِيَّةً وَلَا لِعَانَ بَيْنَ أَجْنَبِيَّيْنِ وَيَلْزَمُهُ حَدُّ الْقَذْفِ وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ يَشْهَدُونَ لَهُ بِمَا رَمَاهَا بِهِ كَمَا يَلْزَمُ الْأَجْنَبِيَّ وَأَمَّا إِذَا أَنْكَرَ حَمْلَهَا بَعْدَ أَنْ بَتَّ طَلَاقَهَا وَكَانَ إِنْكَارُهُ لِحَمْلِهَا فِي عِدَّتِهَا أَوْ فِي مُدَّةٍ بَعْدَ الْعِدَّةِ يَلْحَقُ فِيهَا الْوَلَدُ بِصَاحِبِ الْفِرَاشِ فَإِنَّهُ يُلَاعِنُهَا لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الزَّوْجَةِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي يَلْحَقُ بِهِ فِيهَا وَلَدُهَا وَذَلِكَ خَمْسُ سِنِينَ عِنْدَهُمْ عَلَى اخْتِلَافٍ فِي ذَلِكَ سَنَذْكُرُهُ عَنْهُمْ وَعَنْ سَائِرِ الْعُلَمَاءِ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وقد روي يحيى عن بن الْقَاسِمِ فِي الَّذِي يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ يَقْذِفُهَا فِي عِدَّتِهَا وَيَقُولُ رَأَيْتُهَا تَزْنِي فِي عِدَّتِهَا أَنَّهُ لَا يُلَاعَنُ وَهَذَا خِلَافُ مَالِكٍ فِي ((الْمُوَطَّإِ)) وَقَالَ سَحْنُونٌ إِنْ رَمَاهَا فِي وَقْتٍ إِنْ قَدْ بَقِيَ مِنَ الْعِدَّةِ مَا لو أبت فيه يولد مِنْ يَوْمِ رَمَاهَا لَزِمَهُ الْوَلَدُ فَإِنَّهُ يُلَاعَنُ وَإِنْ كَانَ وَقْتًا لَوْ أَتَتْ فِيهِ بِوَلَدٍ لَمْ يَلْحَقْهُ فَإِنَّهُ يُحَدُّ وَلَا يُلَاعَنُ وَقَالَ يحيى قال بن الْقَاسِمِ إِنْ أَتَتِ الْمَرْأَةُ بِوَلَدٍ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ إِلَى أَقْصَى مَا تَلِدُ لَهُ النِّسَاءُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ الزَّوْجَ إِلَّا أَنْ يَنْفِيَهُ بِلِعَانٍ قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا لَا شَكَّ وَلَا خِلَافَ عِنْدَهُمْ فِيهِ - أَعْنِي مَالِكًا وَأَصْحَابَهُ وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي الْمَبْتُوتَةِ تَنْقَضِي عِدَّتُهَا ثُمَّ يَقْذِفُهَا الزَّوْجُ الْمُطَلِّقُ لَهَا وَيَقُولُ رَأَيْتُهَا تَزْنِي أَنَّهَا تُحَدُّ وَلَا يُلَاعَنُ وَأَمَّا قَوْلُ سَائِرِ الْفُقَهَاءِ في هذا الباب فقال بن شُبْرُمَةَ إِذَا ادَّعَتِ الْمَرْأَةُ حَمْلًا فِي عِدَّتِهَا فَأَنْكَرَ ذَلِكَ الَّذِي تَعْتَدُّ مِنْهُ لَاعَنَهَا وَإِنْ كَانَتْ فِي غَيْرِ عِدَّةٍ جُلِدَ الْحَدَّ وَلَحِقَ بِهِ الْوَلَدُ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَنْهُ وَعَنْ أَصْحَابِهِ فِي رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَةً يملك
следующие страницы →