Полный текст (4 158 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.
стр. 3256
وَعَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجَرْمِيِّ عَنْ عُمَارَةَ الْجَرْمِيِّ قَالَ قَدِمَ عَمِّي مِنَ الْبَصْرَةِ يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَنِي مِنْ أُمِّي فَأَرْسَلَتْنِي أُمِّي إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَدْعُوهُ إِلَيْهَا فَدَعَوْتُهُ فَخَيَّرَنِي بَيْنَ أُمِّي وَعَمِّي
قَالَ وَأَبْصَرَ عَلِيٌّ أَخًا لِي أَصْغَرَ مِنِّي مَعَ أُمِّي فَقَالَ وَهَذَا إِذَا بَلَغَ مَبْلَغَ هَذَا خُيِّرَ
وعن سفيان عن ايوب عن بن سِيرِينَ عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ خَيَّرَ غُلَامًا بَيْنَ أَبِيهِ وَأُمِّهِ
قَالَ سُفْيَانُ الْأُمُّ أَحَقُّ بِهِ مَا دَامَ صَغِيرًا فَإِذَا بَلَغَ سِتًّا وَعَقِلَ خُيِّرَ بَيْنَ أَبَوَيْهِ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ شَيْءٌ ظَاهِرُهُ خِلَافُ مَا وَصَفْنَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ مَا ذَكَرْنَا وَبِاللَّهِ توفقنا
ذكر عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ عن بن سِيرِينَ عَنْ شُرَيْحٍ قَالَ الْأَبُ أَحَقُّ وَالْأُمُّ ارفق
رواه هشيم قال اخبرنا يونس وبن عون وهشام واشعث كلهم عن بن سِيرِينَ عَنْ شُرَيْحٍ قَالَ الْأَبُ أَحَقُّ وَالْأُمُّ أَرْفَقُ
وَهَذَا كَلَامٌ مُجْمَلٌ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْأَبُ أَحَقُّ بِهِ إِذَا تَزَوَّجَتِ الْأُمُّ عَلَى مَا عَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ بِحَسَبِ مَا نُورِدُهُ بِحَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى
وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا تاولناه عَلَى شُرَيْحٍ أَنَّهُ قَدْ رَوَى عَنْهُ بِهَذَا الاسناد معمر عن ايوب عن بن سِيرِينَ أَنَّ شُرَيْحًا قَضَى أَنَّ الصَّبِيَّ مَعَ أُمِّهِ إِذَا كَانَتِ الدَّارُ وَاحِدَةً وَيَكُونُ مَعَهُمْ من النفقة ما يصلحهم
وبن عيينة عن ايوب عن بن سِيرِينَ أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ بِالْكُوفَةِ فَأَرَادَتْ أَنْ تَخْرُجَ بِوَلَدِهَا إِلَى الْبَادِيَةِ فَخَاصَمَهَا الْعَصَبَةُ إِلَى شُرَيْحٍ فَقَالَ هُمْ مَعَ أُمِّهِمْ مَا كَانَتِ الدَّارُ وَاحِدَةً فَإِذَا أَرَادَتْ أَنْ تَخْرُجَ بِهِمْ أُخِذُوا مِنْهَا وَقَالَ الْأَبُ أَحَقُّ وَالْأُمُّ أَرْفَقُ
سُفْيَانُ عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ أَنَّ امْرَأَةً أَرَادَتْ أَنْ تَخْرُجَ بِوَلَدِهَا إِلَى الرُّسْتَاقِ فَاخْتَصَمُوا إِلَى الشَّعْبِيِّ فَقَالَ الْعَصَبَةُ أَحَقُّ
قَالَ أَبُو عُمَرَ عَلَى هَذَا جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ عِنْدَ انْتِقَالِ الْأُمِّ عَنْ حَضْرَةِ الْأَبِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
واما مذاهب الفقهاء في الحضانة
فذكر بن وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ قَالَ الْأُمُّ أَحَقُّ بِالْوَلَدِ مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ ثُمَّ لَا حَضَانَةَ
стр. 3257
لَهَا بِذَلِكَ قَضَى أَبُو بَكْرٍ عَلَى عُمَرَ فَإِذَا أَثْغَرُوا فَوْقَ ذَلِكَ فَلَا حَضَانَةَ لَهَا
قال بن وهب وسئل مالك عن المطلقة ولها بن فِي الْكُتَّابِ أَوْ بِنْتٌ قَدْ بَلَغَتِ الْحَيْضَ لِلْأَبِ أَنْ يَأْخُذَهُمَا
فَقَالَ مَالِكٌ لَا أَرَى ذَلِكَ لَهُ أَنْ يُؤَدِّبَ الْغُلَامَ وَيُعَلِّمَهُ وَيَقْلِبَهُ إِلَى أُمِّهِ وَلَا يُفَرِّقْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُمِّهِ وَلَكِنْ يَتَعَاهَدُهُ فِي كُتَّابِهِ وَيَقَرُّ عِنْدَ أُمِّهِ وَيَتَعَاهَدُ الْجَارِيَةَ وَهَى عِنْدَ أُمِّهَا مَا لَمْ تُنْكَحْ
قَالَ مَالِكٌ وَلِلْجَدَّةِ مِنَ الْأُمِّ الْحَضَانَةُ بَعْدَ الْأُمِّ ثُمَّ الْجَدَّةُ مِنَ الْأَبِ
قَالَ وَلَيْسَ لِلْأُمِّ وَلَا لِلْجَدَّةِ أَنْ يَخْرُجَا بِالْوَلَدِ إِلَى بَلَدٍ بَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ
وذكر بن الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ وَلَدَ الْمَرْأَةِ إِذَا كَانَ ذَكَرًا فَهِيَ أَوْلَى بِحَضَانَتِهِ مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ وَيَدْخُلْ بِهَا حَتَّى يَبْلُغَ فَإِذَا بَلَغَ ذهب حيث شاء
خالف بن القاسم رواية بن وهب في اعتبار البلوغ
وقد ذكر بن عبد الحكم الروايتين
قال بن الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَالْأُمُّ أَحَقُّ بِحَضَانَةِ ابْنَتِهَا وَإِنْ بَلَغَتِ الْجَارِيَةُ مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ وَعَلَى الْأَبِ نَفَقَةُ ابْنَتِهِ إِذَا كَانَ يَجِدُ
قَالَ مَالِكٌ وَأَوْلِيَاءُ الْوَلَدِ أَوْلَى بِهِمْ - وَإِنْ كَانُوا صِغَارًا - مِنْ أُمِّهِمْ إِذَا نَكَحَتْ
قَالَ مَالِكٌ فَإِذَا تَزَوَّجَتِ الْأُمُّ فَالْجَدَّةُ مِنَ الْأُمِّ أَوْلَى فَإِنْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا بَعْدَ الدُّخُولِ بِهَا لَمْ يُرَدَّ إِلَيْهَا الْوَلَدُ وَكَذَلِكَ إِنْ سَلَّمَتْهُ الْأُمُّ اسْتِثْقَالًا لِلْوَلَدِ ثُمَّ طَلَبَتْهُ لَمْ يُرَدَّ إِلَيْهَا
قال بن الْقَاسِمِ عَنْهُ فَإِنْ مَاتَتْ جَدَّتُهُ لِأُمِّهِ فَخَالَتُهُ أَوْلَى بِحَضَانَتِهِ ثُمَّ بَعْدَهَا جَدَّتُهُ لِأَبِيهِ ثُمَّ الْأُخْتُ ثُمَّ الْعَمَّةُ وَبِنْتُ الْأَخِ أَوْلَى بِالْوَلَدِ مِنَ الْعَصَبَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ مَالِكٌ تَخْيِيرَ الْوَلَدِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ قَالَ وَيُنْظَرُ لِلْوَلَدِ بِالَّذِي هُوَ أَكْفَأُ وَأَحْوَطُ
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ إِنْ تَزَوَّجَتِ الْأُمُّ فَالْخَالَةُ أَحَقُّ بِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ تَخْيِيرًا
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ الْأُمُّ إِذَا تَزَوَّجَتْ فَالْعَمُّ أَحَقُّ مِنَ الْجَدَّةِ أُمِّ الْأُمِّ وَإِنْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا ثُمَّ أَرَادَتْ أَخْذَ الْوَلَدِ لَمْ يَكُنْ لَهَا ذَلِكَ وَلَمْ يَذْكُرْ تَخْيِيرَ الصَّبِيِّ
وَذُكِرَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ أَيْضًا الْأُمُّ أَحَقُّ بِالْوَلَدِ وَعَلَى الْأَبِ النَّفَقَةُ فَإِنْ تَزَوَّجَتْ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ فَإِنْ سَلَّمَتْهُ إِلَى جَدَّتِهِ فَمَتَى ارْتَجَعَتْهُ مِنْهُ رَدَّ عَلَيْهَا نَفَقَتَهَا وَالْجَدَّةُ أُمُّ الْأَبِ أَوْلَى مِنَ الْعَمَّةِ إِذَا قَوِيَتْ عَلَى النَّفَقَةِ وَلَا تَعُودُ حَضَانَةُ الْأُمِّ بِطَلَاقِهَا
стр. 3258
وَاللَّيْثُ الْأُمُّ أَحَقُّ بِالِابْنِ حَتَّى يَبْلُغَ ثَمَانِيَ سِنِينَ أَوْ تِسْعَ سِنِينَ أَوْ عَشْرًا ثُمَّ الْأَبُ أَوْلَى بِالْجَارِيَةِ حَتَّى تَبْلُغَ فَإِنْ كَانَتِ الْأُمُّ غَيْرَ مَرْضِيَّةٍ فِي نَفْسِهَا وَأَدَبِهَا لِوَلَدِهَا أُخِذَ مِنْهَا إِذَا بَلَغَ
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ إِذَا كَانَتِ الِابْنَةُ كَاعِبًا وَالْغُلَامُ قَدْ أَيْفَعَ وَاسْتَغْنَى عَنْ أُمِّهِ خُيِّرَا بَيْنَ أَبَوَيْهِمَا فَأَيَّهُمَا اخْتَارَا فَهُوَ أَوْلَى فَإِنِ اخْتَارَا بَعْدَ ذَلِكَ الْآخَرَ حُوِّلَ وَمَتَى طُلِّقَتْ بَعْدَ التَّزْوِيجِ رجع حقها فان كَانَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ غَيْرَ مَأْمُونٍ كَانَتْ عِنْدَ الْمَأْمُونِ حَتَّى يَبْلُغَ
وَالْبِكْرُ إِذَا بَلَغَتْ فَأَخْتَارُ لَهَا أَنْ تَكُونَ مَعَ أَحَدِهِمَا فَإِنْ أَبَتْ وَهِيَ مَأْمُونَةٌ فَلَهَا ذَلِكَ
وَالِابْنُ إِذَا بَلَغَ وَأُونِسَ رُشْدُهُ وَلِيَ نَفْسَهُ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إِذَا بَلَغَ الْوَلَدُ سَبْعَ سِنِينَ أَوْ ثَمَانِيَ سِنِينَ خُيِّرَ إِذَا كَانَتْ دَارُهُمَا وَاحِدَةً وَكَانَا مَأْمُونَيْنِ عَلَى الْوَلَدِ يَعْقِلُ عَقْلَ مِثْلِهِ فَإِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا غَيْرَ مَأْمُونٍ فَهُوَ عِنْدَ الْمَأْمُونِ مِنْهُمَا كَانَ الْوَلَدُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى فَإِنْ مُنِعَتِ الْمَرْأَةُ مِنَ الْوَلَدِ بِالزَّوْجِ فَطَلَّقَهَا طَلَاقًا رَجْعِيًّا أَوْ غَيْرَهُ رَجَعَتْ عَلَى حَقِّهَا فِي وَلَدِهَا لِأَنَّهَا مُنِعَتْ لِوَجْهٍ فَإِذَا ذَهَبَ فَهِيَ كَمَا كانت
وهو قول المغيرة وبن أَبِي حَازِمٍ
وَعَلَى الْأَبِ نَفَقَتُهُ وَيُؤَدِّبُهُ بِالْكُتَّابِ وَالصِّنَاعَةِ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا وَيَأْوِي إِلَى أُمِّهِ وَلَا يُمْنَعُ إِنِ اخْتَارَ الْأُمَّ مِنْ إِتْيَانِ الْأَبِ وَلَا الْأُمَّ مِنْ إِتْيَانِ ابْنَتِهَا وَتَمْرِيضِهَا عِنْدَ الْأَبِ
قَالَ وَالْأُمُّ أَحَقُّ بِالْوَلَدِ الصَّغِيرِ مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ ثُمَّ الْجَدَّةُ لِلْأُمِّ وَإِنْ عَلَتْ ثُمَّ الْجَدَّةُ لِلْأَبِ وَإِنْ عَلَتْ ثُمَّ الْأُخْتُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ثُمَّ الْأُخْتُ لِلْأَبِ ثُمَّ الْأُخْتُ لِلْأُمِّ ثُمَّ الْخَالَةُ ثُمَّ الْعَمَّةُ
ولا ولاية لام اب الام لِأَنَّ قَرَابَتَهَا بِأَبٍ لَا بِأُمٍّ
وَقَرَابَةُ الصَّبِيِّ مِنَ النِّسَاءِ أَوْلَى وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ مَخْبُولًا فَهُوَ كَالصَّغِيرِ
قَالَ وَلَا حَقَّ لِأَحَدٍ مَعَ الْأَبِ غَيْرَ الْأُمِّ وَأُمَّهَاتِهَا فَأَمَّا أَخَوَاتُهَا وَغَيْرُهُنَّ فَإِنَّمَا حُقُوقُهُنَّ بِالْأَبِ فَلَا يَكُونُ لَهُنَّ حَقٌّ مَعَهُ وَهُنَّ يُدْلِينَ بِهِ
وَالْجَدُّ أَبُو الْأَبِ يَقُومُ مَقَامَ الْأَبِ إِذَا لَمْ يَكُنْ أَبٌ وَأَقْرَبُ الْعَصَبَةِ يَقُومُ مَقَامَ الْأَبِ إِذَا لَمْ يَكُنْ أَبٌ أَوْ كَانَ غَائِبًا أَوْ غَيْرَ رشيد
стр. 3259
وَأَمَّا قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ فَرَوَى أَبُو يُوسُفَ وَأَبُو حَنِيفَةَ قَالَ الْأُمُّ أَوْلَى بِالْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ الصَّغِيرَيْنِ ثُمَّ الْجَدَّةُ مِنَ الْأُمِّ ثُمَّ الْجَدَّةُ مِنَ الْأَبِ ثُمَّ الْأُخْتُ لِلْأُمِّ وَالْأَبِ ثُمَّ الْأُخْتُ لِلْأُمِّ ثُمَّ الْخَالَةُ فِي أَحَدِ الرِّوَايَتَيْنِ هِيَ أَحَقُّ مِنَ الْأُخْتِ لِأَبٍ وَفِي الْأُخْرَى الْأُخْتُ أَوْلَى ثُمَّ الْعَمَّةُ وَالْأُمُّ وَالْجَدَّتَانِ أَوْلَى بِالْجَارِيَةِ حَتَّى تَبْلُغَ الْمَحِيضَ وَبِالْغُلَامِ حَتَّى يَسْتَغْنِيَ فَيَأْكُلَ وَحْدَهُ وَيَشْرَبَ وَحْدَهُ وَيَلْبَسَ وَحْدَهُ وَمَنْ سِوَاهُمَا أَحَقُّ بِهِمَا حَتَّى يَسْتَغْنِيَا وَلَا يُرَاعَى الْبُلُوغُ
وقال زفر في رواية عمرو بْنِ خَالِدٍ عَنْهُ الْخَالَةُ أَوْلَى مِنَ الْأُخْتِ لِلْأَبِ
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ الْأُخْتُ أَوْلَى
وَرُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ أَيْضًا عَنْ زُفَرَ الْخَالَةُ لِلْأَبِ أَوْلَى مِنَ الْجَدَّةِ لِلْأَبِ
وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْهُ أَنَّ الْجَدَّةَ أُمَّ الْأُمِّ أَوْلَى بِحَضَانَةِ الْوَلَدِ بَعْدَ الْأُمِّ ثُمَّ أُمَّ الْأَبِ ثُمَّ الْأُخْتَ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَالْأُمِّ وَالْأُخْتَ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ يَتَسَاوَيَانِ فِي الْحَضَانَةِ وَلَا تَتَقَدَّمُ إِحْدَاهُمَا فِيهِ الْأُخْرَى ثُمَّ الْأُخْتُ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ ثُمَّ الْخَالَةُ ثُمَّ الْعَمَّةُ فَإِذَا تَزَوَّجَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ لِغَيْرِ ذِي رَحِمٍ كَانَ غَيْرُهَا أَوْلَى إِذَا كَانَ زَوْجُهَا ذا رحم من الولد ومتى عَادَتِ الْأُمُّ أَوْ غَيْرُهَا غَيْرَ ذَاتِ زَوْجٍ عَادَتْ إِلَيْهَا حَضَانَتُهَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ فِي الخالة حديث علي وبن عَبَّاسٍ أَنَّ عَلِيًّا وَجَعْفَرَ وَزَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ تَرَافَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ابْنَةِ حَمْزَةَ فِي حِينِ دُخُولِهِ مَكَّةَ فَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِجَعْفَرٍ مِنْ أَجْلِ أَنَّ خَالَتَهَا عِنْدَهُ وَقَالَ (الْخَالَةُ أُمٌّ أَوْ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ)
حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ جُرَيْجٍ قَالَ حَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ الْوَلِيدِ قَالَ حَدَّثَنِي إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ هَانِئِ بْنِ هَانِئٍ وَهُبَيْرَةَ بْنِ يَرِيمَ عَنْ عَلِيٍّ فَذَكَرَ حَدِيثًا بِمَعْنَى مَا ذَكَرْتُ إِلَّا أَنِّي اخْتَصَرْتُهُ
وَرَوَى حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ حَجَّاجٍ عن الحكم عن مقسم عن بن عَبَّاسٍ مِثْلَهُ بِمَعْنَاهُ
стр. 3260
(٧ - بَابُ الْعَيْبِ فِي السِّلْعَةِ وَضَمَانِهَا)
١٤٦٧ - قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَبْتَاعُ السِّلْعَةَ مِنَ الْحَيَوَانِ أَوِ الثِّيَابِ أَوِ الْعُرُوضِ فَيُوجَدُ ذَلِكَ الْبَيْعُ غَيْرَ جَائِزٍ فَيُرَدُّ وَيُؤْمَرُ الَّذِي قَبَضَ السِّلْعَةَ أَنْ يَرُدَّ إِلَى صَاحِبِهِ سِلْعَتَهُ
قَالَ مَالِكٌ فَلَيْسَ لِصَاحِبِ السِّلْعَةِ إِلَّا قِيمَتُهَا يَوْمَ قُبِضَتْ مِنْهُ وَلَيْسَ يَوْمَ يُرَدُّ ذَلِكَ إِلَيْهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ ضَمِنَهَا مِنْ يَوْمِ قَبَضَهَا فَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ نُقْصَانٍ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ عَلَيْهِ فَبِذَلِكَ كَانَ نَمَاؤُهَا وَزِيَادَتُهَا لَهُ وَإِنَّ الرَّجُلَ يَقْبَضُ السِّلْعَةَ فِي زَمَانٍ هِيَ فِيهِ نَافِقَةٌ مَرْغُوبٌ فِيهَا ثُمَّ يَرُدُّهَا فِي زَمَانٍ هِيَ فِيهِ سَاقِطَةٌ لَا يُرِيدُهَا أَحَدٌ فَيَقْبِضُ الرَّجُلُ السِّلْعَةَ مِنَ الرَّجُلِ فَيَبِيعُهَا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ وَيُمْسِكُهَا وَثَمَنَهَا ذَلِكَ ثُمَّ يَرُدُّهَا وَإِنَّمَا ثَمَنُهَا دِينَارٌ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَذْهَبَ مِنْ مَالِ الرَّجُلِ بِتِسْعَةِ دَنَانِيرَ أَوْ يَقْبِضَهَا مِنْهُ الرَّجُلُ فَيَبِيعُهَا بِدِينَارٍ أَوْ يُمْسِكُهَا وَإِنَّمَا ثَمَنُهَا دِينَارٌ ثُمَّ يَرُدُّهَا وَقِيمَتُهَا يَوْمَ يَرُدُّهَا عَشَرَةَ دَنَانِيرَ فَلَيْسَ عَلَى الَّذِي قَبَضَهَا أَنْ يَغْرَمَ لِصَاحِبِهَا مِنْ مَالِهِ تِسْعَةَ دَنَانِيرَ إِنَّمَا عَلَيْهِ قِيمَةُ مَا قَبَضَ يَوْمَ قَبَضَهُ
قَالَ وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ السَّارِقَ إِذَا سَرَقَ السِّلْعَةَ فَإِنَّمَا يُنْظَرُ إِلَى ثَمَنِهَا يَوْمَ يَسْرِقُهَا فَإِنْ كَانَ يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ كَانَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَإِنِ اسْتَأْخَرَ قَطْعُهُ إِمَّا فِي سِجْنٍ يُحْبَسُ فِيهِ حَتَّى يُنْظَرَ فِي شَأْنِهِ وَإِمَّا أَنْ يَهْرُبَ السَّارِقُ ثُمَّ يُؤْخَذُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَيْسَ اسْتِئْخَارُ قَطْعِهِ بِالَّذِي يَضَعُ عَنْهُ حَدًّا قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ يَوْمَ سَرَقَ وَإِنْ رَخُصَتْ تِلْكَ السِّلْعَةَ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَا بِالَّذِي يُوجِبُ عَلَيْهِ قَطْعًا لَمْ يَكُنْ وَجَبَ عَلَيْهِ يَوْمَ أَخَذَهَا إِنْ غَلَتْ تِلْكَ السِّلْعَةُ بَعْدَ ذَلِكَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ بَنَى مَالِكٌ ﵀ هَذَا الْبَابَ عَلَى مَذْهَبِهِ فِيمَنْ ضَمِنَ شَيْئًا أَنَّهُ يَطِيبُ لَهُ النَّمَاءُ وَالرِّبْحُ فِيهِ وَالنُّقْصَانُ
وَأَمَّا اشْتِرَاطُهُ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ الْحَيَوَانَ وَالْعُرُوضَ وَالثِّيَابَ دُونَ الْعَقَارِ فَإِنَّ مَذْهَبَهُ الْمَشْهُورَ الْمَعْمُولَ بِهِ عِنْدَ أَصْحَابِهِ أَنَّ حَوَالَةَ الْأَسْوَاقِ بِالنَّمَاءِ وَالنُّقْصَانِ فِي الْأَثْمَانِ فَوْتٌ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ كُلِّهِ إِذَا كَانَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْعُرُوضِ أَوِ الثِّيَابِ أَوِ
стр. 3261
الْحَيَوَانِ وَكَانَ الْمُشْتَرِي قَدْ قَبَضَهُ وَتَغَيَّرَ أَوْ حَالَتْ أَسْوَاقُهُ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ لَزِمَتْهُ فِيهِ الْقِيمَةُ وَلَمْ يَرُدَّهُ
وَأَمَّا الْعَقَارُ فَلَيْسَ حَوَالَةُ الْأَسْوَاقِ فِيهِ فَوْتًا عِنْدَهُمْ وَلَا يَفُوتُ الْعَقَارَ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ إِلَّا بِخُرُوجِهِ عَنْ يَدِ الْمُشْتَرِي أَوْ بِبُنْيَانٍ أَوْ هَدْمٍ أَوْ غَرْسٍ
وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي الْعُرُوضِ كُلِّهَا مِنَ الْحَيَوَانِ أَوِ الثِّيَابِ أَوْ غَيْرِهَا أَنَّ خُرُوجَهَا مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي فَوْتٌ أَيْضًا وَأَنَّ عَلَيْهِ قِيمَتَهَا يَوْمَ قَبَضَهَا إِلَّا أَنْ تَكُونَ فَاتَتْ مِنْ يَدِهِ بِبَيْعٍ ثُمَّ رُدَّتْ إِلَيْهِ وَرَجَعَتْ إِلَى مِلْكِهِ قَبْلَ أَنْ تَتَغَيَّرَ وَتُحَوَّلَ أَسْوَاقُهَا فَإِنَّ هَذَا مَوْضِعٌ اخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلٌ مَالِكٍ فَقَالَ مَرَّةً عَلَى أَيِّ وَجْهٍ رَجَعَتْ إِلَيْهِ وَلَمْ تَتَغَيَّرْ سُوقُهَا فَإِنَّهُ يَرُدُّهَا
وَقَالَ مَرَّةً لَا يَرُدُّهَا إِذْ قَدْ لَزِمَتْهُ الْقِيمَةُ يَعْنِي بِفَوْتِهَا بِالْبَيْعِ وَلَوْ كَانَتِ السِّلْعَةُ عَبْدًا أَوْ أَمَةً اشْتَرَاهَا شِرَاءً فَاسِدًا ثُمَّ أَعْتَقَهَا أَوْ دَبَّرَ أَوْ كَاتَبَ أَوْ تَصَدَّقَ أَوْ وَهَبَ كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ فَوْتًا إِذَا كَانَ مَلِيًّا بِالثَّمَنِ وَتَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ يَوْمَ فَوْتِ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ تَكُونَ السِّلْعَةُ مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ فَإِنَّهُ يَرُدُّ مِثْلَ مَا قَبَضَ فِي صِفَتِهِ وَكَيْلِهِ وَوَزْنِهِ
هَذَا كُلُّهُ تَحْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَلَمْ يُتَابِعْ مَالِكًا فِي قَوْلِهِ عَلَى أَنَّ حِوَالَةَ الْأَسْوَاقِ بِالزِّيَادَةِ فِي الثَّمَنِ أَوِ النُّقْصَانِ فَوْتٌ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى بِالْأَمْصَارِ فِيمَا عَلِمْتُ إِلَّا أَصْحَابُهُ
وَأَمَّا الشافعي فتصرف المشتري في المبيع بيعا فاسدا باطلا لَا يَنْفُذُ وَلَا يَصِحُّ فِيهِ هِبَتُهُ وَلَا تَدْبِيرُهُ وَلَا عِتْقُهُ وَلَا بَيْعُهُ وَلَا شَيْءٌ مِنْ تَصَرُّفِهِ وَهُوَ مَفْسُوخٌ أَبَدًا عِنْدَهُ وَيَرُدُّهُ بِحَالِهِ وَهُوَ عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ وَالْمُصِيبَةُ مِنْهُ وَعِتْقُ الْمُشْتَرِي لَهُ بَاطِلٌ فَإِذَا فَاتَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي بِذَهَابِ عَيْنِهِ وَفَقْدِهِ وَاسْتِهْلَاكِهِ لَزِمَهُ فِيهِ الْقِيمَةُ فِي حِينِ فَوْتِهِ وَذَهَابِ عَيْنِهِ لَا تُعْتَبَرُ سُوقُهُ وَالْبَيْعُ فَاسِدٌ عِنْدَهُ حُكْمُهُ كَالْمَغْصُوبِ سَوَاءٌ
وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَدَاوُدَ
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْجَارِيَةَ شِرَاءً فَاسِدًا وَيَقْبِضُهَا ثُمَّ يَبِيعُهَا أَوْ يَهَبُهَا أَوْ يَمْهَرُهَا فَتَصِيرُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي لَهَا مِنْهُ أَوْ عِنْدَ الْمَوْهُوبِ لَهُ أَوْ عِنْدَ الْمَرْأَةِ الْمَمْهُورَةِ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ الْقِيمَةِ وَفِعْلُهُ كُلُّهُ فِي ذَلِكَ جَائِزٌ وَكَذَلِكَ لَوْ كَاتَبَهَا أَوْ وَهَبَهَا إِلَّا أَنَّ الْجَارِيَةَ الْمَوْهُوبَةَ لَوِ افْتَكَّهَا قَبْلَ أَنْ يُضَمِّنَهُ الْقَاضِي قِيمَتَهَا رَدَّهَا عَلَى الْبَائِعِ وَكَذَلِكَ الْمُكَاتَبَةُ إِنْ عَجَزَتْ عَنْ أَدَاءِ الْكِتَابَةِ
قَالُوا وَلَوْ رَدَّهَا الْمُشْتَرِي بِعَيْبٍ بَعْدَ الْقَبْضِ بِغَيْرِ قَضَاءٍ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ الْقِيمَةِ وَلَا يَرُدُّهَا عَلَى الْبَائِعِ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ
стр. 3262
(٨ - بَابُ جَامِعِ الْقَضَاءِ وَكَرَاهِيَتِهِ)
١٤٦٨ - مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ كَتَبَ إِلَى سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ أَنْ هَلُمَّ إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ فَكَتَبَ إِلَيْهِ سَلْمَانُ إِنَّ الْأَرْضَ لَا تُقَدِّسُ أَحَدًا وَإِنَّمَا يُقَدِّسُ الْإِنْسَانَ عَمَلُهُ وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّكَ جُعِلْتَ طَبِيبًا تُدَاوِي فَإِنْ كُنْتَ تُبْرِئُ فَنِعِمَّا لَكَ وَإِنْ كُنْتَ مُتَطَبِّبًا فَاحْذَرْ أَنْ تَقْتُلَ إِنْسَانًا فَتَدْخُلَ النَّارَ فَكَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ إِذَا قَضَى بَيْنَ اثْنَيْنِ ثُمَّ أَدْبَرَا عَنْهُ نَظَرَ إِلَيْهِمَا وَقَالَ ارْجِعَا إِلَيَّ أَعِيدَا عَلَيَّ قصتكما متطبب والله
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّا كَرَاهَةُ الْقَضَاءِ بَيْنَ النَّاسِ فَقَدْ كَرِهَهُ وَفَرَّ مِنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ فُضَلَاءَ الْعُلَمَاءِ وَذَلِكَ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (مَنْ جُعِلَ قَاضِيًا بَيْنَ النَّاسِ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ)
حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنِي نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ عُمَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَخْنَسَيِّ عَنِ الْمَقْبُرِيِّ وَالْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (مَنْ جُعِلَ قَاضِيًا فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ)
وَقَالَ حَدَّثَنِي نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنِي فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ)
وَقَالَ حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ حَسَّانَ السَّمْتِيُّ حَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ عن ابي هشام عن بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ وَاثْنَانِ فِي النَّارِ فَأَمَّا الَّذِي فِي الْجَنَّةِ فَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ في النار
стр. 3263
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ)
رَوَاهُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ ذَكَرْنَا طُرُقَهُ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ وَذَكَرْنَا هُنَاكَ مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي تَأْوِيلِهِ
وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (مَنْ طَلَبَ الْقَضَاءَ وَاسْتَعَانَ عَلَيْهِ وُكِلَ إِلَيْهِ وَمَنْ لَمْ يَطْلُبْهُ وَلَمْ يَسْتَعِنْ عَلَيْهِ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكًا يُسَدِّدُهُ (٢)
وَقَدْ ذَكَرْنَا إِسْنَادَهُ فِي صَدْرِ هَذَا الْكِتَابِ
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِثْمَ إِذَا كَانَ مُعَظَّمًا فِي مَعْنًى كَانَ الْأَجْرُ مُعَظَّمًا فِي ضِدِّهِ
قَالَ اللَّهُ (وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا) الْجِنِّ ١٥ أَيِ الْجَائِرُونَ
وَالْجَوْرُ الْمَيْلُ عَنِ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ وَعَنِ الْإِيمَانِ إِلَى الكفر
قال الله (يا داود إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) ص ٢٦
وَمَنْ جَارَ عَنِ الْحَقِّ وَأَسْرَفَ فِي الظُّلْمِ فَقَدْ نَسِيَ يَوْمَ الْحِسَابِ
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْقَاضِي الْعَادِلِ الْحَاكِمِ بِالْقِسْطِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ قَالَ (الْمُقْسِطُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ) قيل ومن الْقَاسِطُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ (الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي أَهْلِيهِمْ وَفِيمَا وُلُّوا)
وَقَالَ ﷺ (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ إِمَامٌ عَادِلٌ) وَذَكَرَ سَائِرَ السَّبْعَةِ
стр. 3264
وَسَيَأْتِي هَذَا الْحَدِيثُ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ كِتَابِ الْجَامِعِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (الْإِمَامُ الْعَادِلُ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُ)
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ حَدَّثَنَا بن وَضَّاحٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ قَالَ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ قال قَالَ عَلِيٌّ ﵁ حَقٌّ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَيُؤَدِّيَ الْأَمَانَةَ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَحَقٌّ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَسْمَعُوا لَهُ وَيُطِيعُوا وَيُجِيبُوا إِذَا دُعُوا
قَالَ وَمَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ فَلْيَعْدِلْ فِي الْمَجْلِسِ وَالْكَلَامِ وَاللَّحْظِ
وَذَكَرَ أَبُو زَيْدٍ - عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ - قَالَ حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنَا ضَمْرَةُ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْكِنَانِيُّ قَالَ قَالَ عَلِيٌّ ﵁ لَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَكُونَ قَاضِيًا حَتَّى تَجْتَمِعَ فِيهِ خَمْسُ خِصَالٍ عَفِيفٌ حَلِيمٌ عَالِمٌ بِمَا كَانَ قَبْلَهُ مُسْتَشِرٌ لِذَوِي الْأَلْبَابِ لَا يَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ
وَرَوَى الشعبي عن مسروق قال لأن أقضي يوما وَاحِدًا بِحَقٍّ وَعَدْلٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَغْزُوَ سَنَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ
وَقَالَ مَالِكٌ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقْضِيَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِمَا مَضَى مِنَ السُّنَّةِ مُسْتَشِيرًا لِذَوِي الْعِلْمِ
وَالْآثَارُ فِي هَذَا الْبَابِ عَنِ السَّلَفِ كَثِيرَةٌ فِي مَعْنَى مَا أَوْرَدْنَاهُ وَفِيمَا ذَكَرْنَا تَنْبِيهٌ عَلَى مَا إِلَيْهِ قَصَدْنَا وَمَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِلَّهِ فَالْقَلِيلُ يَكْفِيهِ إِذَا عَمِلَ بِهِ
وَكَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ مِنَ الْفُقَهَاءِ الْعُلَمَاءِ الْحُكَمَاءِ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِيهِ (حَكِيمُ أُمَّتِي)
وَقَالَ فِيهِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ
وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ مَا حَمَلَتْ غَبْرَاءٌ وَلَا أَظَلَّتْ زَرْقَاءُ أَعْلَمَ مِنْكَ يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ آخَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَلْمَانَ الفارسي فكانا متواخين مُتَحَابَّيْنِ اجْتَمَعَا أَوْ تَفَرَّقَا
стр. 3265
وَكَانَ سَلْمَانُ عَالِمًا فَاضِلًا زَاهِدًا فِي الدُّنْيَا
وَمَاتَ أَبُو الدَّرْدَاءِ بِدِمَشْقَ قَاضِيًا عَلَيْهَا لِعُثْمَانَ بَعْدَ عُمَرَ قَبْلَ مَوْتِ عُثْمَانَ بِسَنَتَيْنِ أَوْ نَحْوِهِمَا
وَمَاتَ سَلْمَانُ بِالْمَدَائِنِ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ
وَحَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ - خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ - قِرَاءَةً مِنِّي عَلَيْهِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الْمَيْمُونِ - عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ بْنِ رَاشِدٍ بِدِمَشْقَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو زُرْعَةَ - عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرِو بْنِ صَفْوَانَ الدِّمَشْقِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو مُسْهِرٍ - عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ مُسْهِرٍ قَالَ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ عُمَرُ أُمِرَ أَبُو الدَّرْدَاءِ بِالْقَضَاءِ يَعْنِي بِدِمَشْقَ وَكَانَ الْقَاضِي يَكُونُ خَلِيفَةَ الْأَمِيرِ إِذَا غَابَ
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَخْبَارَ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَسَلْمَانَ وَفَضَائِلَهُمَا فِي بَابِ كَلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ كِتَابِ الصَّحَابَةِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
قَالَ مَالِكٌ مَنِ اسْتَعَانَ عَبْدًا بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ فِي شَيْءٍ لَهُ بَالٌ وَلِمِثْلِهِ إِجَارَةٌ فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا أَصَابَ الْعَبْدُ إِنْ أُصِيبَ الْعَبْدُ بِشَيْءٍ وَإِنْ سَلِمَ الْعَبْدُ فَطَلَبَ سَيِّدُهُ إِجَارَتَهُ لِمَا عَمِلَ فَذَلِكَ لِسَيِّدِهِ وَهُوَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ أَنَّ الْأَمْوَالَ تُضْمَنُ بِالْعَمْدِ وَالْخَطَأِ وَالْعَبْدُ مَالٌ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ صَاحِبُهُ لِلَّذِي اسْتَعَانَهُ فَكَانَ بِذَلِكَ مُتَعَدِّيًا عَلَى مَالِ غَيْرِهِ جَانِيًا عَلَيْهِ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ فَيَلْزَمُهُ الضَّمَانُ إِنْ عَطِبَ أَوْ تَلِفَ فِيمَا اسْتَعْمَلَهُ فِيهِ وَإِنَّ سَلِمَ كَانَ لَهُ أَجْرُهُ فِي الَّذِي عَمِلَهُ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَهَبَ خَرَاجَهُ وَلَا شَيْئًا مِنْ كَسْبِهِ لِأَنَّهُ لِسَيِّدِهِ
وَهَذَا كُلُّهُ اتَّفَقَ فِيهِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمْ
وَرَوَى أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ مَنِ اسْتَعَانَ مَمْلُوكًا بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ أَوْ صَبِيًّا بِغَيْرِ إِذْنِ اهله ضمن
ومعمر عن حماد مثله
وبن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ مِثْلَهُ
وَرَوَى الْحَكَمُ وَالشَّعْبِيُّ كِلَاهُمَا عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ مَنِ اسْتَعَانَ عَبْدًا صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا أَوْ صبيا حرا فهلك ضمن وَمَنِ اسْتَعَانَ حُرًّا كَبِيرًا لَمْ يَضْمَنْ
стр. 3266
وَعَنِ الْحَسَنِ مِثْلُهُ فِي الصَّبِيِّ الْحُرِّ وَفِي الْعَبْدِ قَالَ فَإِنْ أَذِنَ لَهُ أَهْلُ الصَّبِيِّ أَوْ سَيِّدُ الْعَبْدِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ
قَالَ مَالِكٌ فِي الْعَبْدِ يَكُونُ بَعْضُهُ حُرًّا وَبَعْضُهُ مُسْتَرَقًّا إِنَّهُ يُوقِفُ مَالَهُ بِيَدِهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُحْدِثَ فِيهِ شَيْئًا وَلَكِنَّهُ يَأْكُلُ فِيهِ وَيَكْتَسِي بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا هَلَكَ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَقِيَ لَهُ فِيهِ الرِّقُّ
قَالَ أَبُو عُمَرَ يَكُونُ الْعَبْدُ نِصْفُهُ حُرًّا وَنِصْفُهُ مَمْلُوكًا مِنْ وُجُوهٍ مِنْهَا أَنْ يَكُونَ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ وَارِثَيْنِ أَوْ مُبْتَاعَيْنِ أَوْ بِوَجْهٍ يَصِحُّ مِلْكُهُمَا لَهُ أَحَدُهُمَا معسرا والاخر موسرا فيعتق المعسر حصته منه فاذا كان كذلك كَانَ عَلَى وَجْهِ الْحِجَازِيِّينَ مَا أَعْتَقَ مِنْهُ الْمُعْسِرُ حُرًّا وَسَائِرُهُ عَبْدًا
وَيَكُونُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَبْدًا أَعْتَقَ سَيِّدُهُ نِصْفَهُ أَوْ يَكُونُ عَبْدًا أَوْصَى بِعِتْقِ نِصْفِهِ عِنْدَ مَنْ لَا يَرَى أَنْ يُتِمَّ عَلَيْهِ الْعِتْقَ فِي ثُلُثِهِ وَوُجُوهٌ غَيْرُ هَذِهِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ إِنَّهُ يُوقَفُ مَالُهُ بِيَدِهِ فَإِنَّهُ يُرِيدُ نِصْفَ مَا كَانَ بِيَدِهِ مِنَ الْمَالِ قَبْلَ وُقُوعِ عِتْقِهِ وَمَا يَكْسِبُهُ فِي الْأَيَّامِ الَّتِي يَعْمَلُ فِيهَا لِنَفْسِهِ
قَالَ مَالِكٌ يَصْطَلِحُ هُوَ وَمَالِكُ نَصِفِهِ عَلَى الْأَيَّامِ
وَقَالَ غَيْرُهُ يَخْدِمُ لِنَفْسِهِ وَيَكْسِبُ لَهَا يَوْمًا وَيَكُونُ لِسَيِّدِهِ خِدْمَتُهُ يَوْمًا مِمَّا كَسَبَ فِي يَوْمِ الْحُرِّيَّةِ فَلَهُ وَعَلَيْهِ فِي ذَلِكَ اليوم مُؤْنَتُهُ كُلُّهَا وَفِي يَوْمِ خِدْمَتِهِ لِسَيِّدِهِ مُؤْنَتُهُ عَلَى سَيِّدِهِ
فَهَذِهِ حَالُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ
فَإِذَا مَاتَ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي مِيرَاثِهِ فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ كَمَا قَالَ مَالِكٌ مِيرَاثُهُ لِمَنْ فِيهِ الرِّقُّ لِأَنَّهُ فِي شَهَادَتِهِ وَحُدُودِهِ وَطَلَاقُهُ عِنْدَهُمْ كَالْعَبْدِ
هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَالزُّهْرِيِّ وَأَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ
وَقَالَ آخَرُونَ مِيرَاثُهُ بَيْنَ سَيِّدِ نَصِفِهِ وَبَيْنَ مَنْ كَانَ يَرِثُهُ لَوْ كَانَ حُرًّا كُلُّهُ نِصْفَيْنِ
رُوِيَ هَذَا عَنْ عَطَاءٍ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَطَاوُسٍ وَإِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ
وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ غَلَّبُوا الْحُرِّيَّةَ هُنَا لِانْقِطَاعِ الرق بالموت
وقالت طائفة مِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ يُوَرَّثُ الْمُعْتِقُ نِصْفَهُ وَيَرِثُ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَرِثُ وَلَا يُوَرَّثُ
стр. 3267
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالْكُوفِيِّينَ
وَقَالَ بَعْضُ التَّابِعِينَ إِنْ مَاتَ الْمُعْتِقُ بَعْضَهُ وَرِثَهُ كُلَّهُ الَّذِي أَعْتَقَ بَعْضَهُ
وَرُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ فِي حُرَّةٍ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ أَنَّهُ يُحَدُّ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ سَوْطًا
قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ الْوَالِدَ يُحَاسِبُ وَلَدَهُ بِمَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْ يَوْمِ يَكُونُ لِلْوَلَدِ مَالٌ نَاضًّا كَانَ أَوْ عَرَضًا إِنْ أَرَادَ الْوَالِدُ ذَلِكَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْوَلَدَ الْغَنِيَّ ذَا الْمَالِ لَا يَجِبُ لَهُ عَلَى أَبِيهِ نَفَقَةٌ وَلَا كُسْوَةٌ وَلَا مُؤْنَةٌ وَأَنَّ ذَلِكَ فِي مَالِهِ
وَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ وَهُوَ مُوسِرٌ هَلْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِمَا أَنْفَقَ فِي مَالِهِ وَيُحَاسِبَهُ بِذَلِكَ
فَقَالَ مَالِكٌ ذَلِكَ لَهُ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إِذَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْوُصُولِ إِلَيْهِ فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ مُتَبَرِّعٌ وَلَا يُحَاسِبُهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ
وَقِيَاسُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ إِنْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ بِأَمْرِ الْقَاضِي لِيَتَصَرَّفَ فِي ماله كان لك لَهُ وَإِلَّا فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ مُتَبَرِّعٌ
وَإِذَا فَرَضَ لَهُ الْقَاضِي فِي مَالِ الصَّبِيِّ نَفَقَةً لَمْ يَضُرَّهُ أَنْ يُنْفِقَ وَيَتَصَرَّفَ بِمَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ
هَذَا عِنْدِي قِيَاسُ قَوْلِهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
١٤٦٩ - مَالِكٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ دِلَافٍ الْمُزَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ جُهَيْنَةَ كَانَ يَسْبِقُ الْحَاجَّ فَيَشْتَرِي الرَّوَاحِلَ فَيُغْلِي بِهَا ثُمَّ يُسْرِعُ السَّيْرَ فَيَسْبِقُ الْحَاجَّ فَأَفْلَسَ فَرُفِعَ أَمْرُهُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّ الْأُسَيْفِعَ أُسَيْفِعَ جُهَيْنَةَ رَضِيَ مِنْ دِينِهِ وَأَمَانَتِهِ بِأَنْ يُقَالَ سَبَقَ الْحَاجَّ أَلَا وَإِنَّهُ قَدْ دَانَ مُعْرِضًا فَأَصْبَحَ قدرين بِهِ فَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا بِالْغَدَاةِ نُقَسِّمُ مَالَهُ بَيْنَهُمْ وَإِيَّاكُمْ وَالدَّيْنِ فَإِنَّ أَوَّلَهُ هُمٌّ وَآخِرَهُ حَرَبٌ
стр. 3268
قَالَ أَبُو عُمَرَ وَيُرْوَى قَدْ دَانَ وَقَدْ أَدَانَ وَيُرْوَى بِلَا قَدْ
وَأَكْثَرُ الرُّوَاةِ يَرْوُونَهُ قَدْ دَانَ مُعْرِضًا كَمَا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ القاسم وبن بُكَيْرٍ وَغَيْرُهُمْ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّا قَوْلُهُ فِي هَذَا الْخَبَرِ فَأَفْلَسَ فَإِنَّهُ أَرَادَ صَارَ مُفْلِسًا وَطَلَبَ الْغُرَمَاءُ مَالَهُ فَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِهِ ثُمَّ دَعَا غُرَمَاءَهُ لِيُقَسِّمُوهَا عَلَيْهِمْ
وَهَذَا شَأْنُ مَنْ أَحَاطَ دَيْنُ غُرَمَائِهِ بِمَالِهِ وَقَامُوا عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ يَطْلُبُونَهُ وَأَثْبَتُوا دُيُونَهُمْ عَلَيْهِ بِمَا لَا مَدْفَعَ فِيهِ
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوهٍ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى
فَقَالَ مَالِكٌ إِذَا حَبَسَهُ الْحَاكِمُ فِي الدَّيْنِ لَمْ يَجُزْ بَعْدَ ذلك إِقْرَارِهِ لِأَنَّ حَبْسَهُ لَهُ تَفْلِيسٌ
وَإِنَّمَا قِيلَ مَنْ شَاءَ مِنْ غُرَمَائِهِ مَا لَمْ يَكُنْ مِنَ الْحَاكِمِ فِيهِ مَا وَصَفْنَا التَّفْلِيسَ فَإِنَّهُ جَائِزٌ إِقْرَارُهُ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ
قَالَ وَإِذَا قَامَ غُرَمَاؤُهُ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهِ التَّفْلِيسِ فَهُوَ حَجْرٌ أَيْضًا
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ إِذَا حَبَسَهُ الْقَاضِي فِي الدَّيْنِ لَمْ يَكُنْ مَحْجُورًا عَلَيْهِ حَتَّى يُفَلِّسَهُ فَيَقُولُ لَا أُجِيرُ لَهُ أَمْرًا
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يَجُزْ عَلَيْهِ صَدَقَتُهُ
وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَوْلُهُمَا هَذَا قَدْ قَالَ بِنَحْوِهِ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَرَوَوْهُ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ هِبَةٌ وَلَا صَدَقَةٌ وَلَا عِتْقٌ وَإِنْ لَمْ يَقِفِ السُّلْطَانُ مَالَهُ وَلَمْ يَضْرِبْ عَلَى يَدِهِ وَلَمْ يَمْنَعْهُ التَّصَرُّفَ فِي مَالِهِ مِنْ أَجْلِ قِيَامِ غُرَمَائِهِ عَلَيْهِ
وَأَمَّا قَوْلُ سَائِرِ الْفُقَهَاءِ فَفِعْلُ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ جَائِزٌ فِي هِبَتِهِ وَصَدَقَتِهِ وَقَضَاءِ مَنْ شَاءَ مِنْ غُرَمَائِهِ مَا لَمْ يَكُنْ مِنَ الْحَاكِمِ فِيهِ مَا وَصَفْنَا
وَاتَّفَقَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ كُلُّهُمْ حاشا بن الْقَاسِمِ أَنَّ السَّفِيهَ الَّذِي لَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ أَبٌ وَلَا وَصِيٌّ وَلَا قَاضٍ أَنَّ أَفْعَالَهُ كُلَّهَا نَافِذَةٌ حَتَّى يَضْرِبَ الْحَاكِمُ عَلَى يَدَيْهِ
وَذَكَرَ الْمُزَنِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ قَالَ إِذَا رُفِعَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ التَّفْلِيسَ إِلَى الْقَاضِي أَشْهَدَ الْقَاضِي أَنَّهُ قَدْ أَوْقَفَ مَالَهُ فَإِذَا فَعَلَ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ وَلَا هِبَتُهُ وَمَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ فَفِيهِ قَوْلَانِ
стр. 3269
أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مَوْقُوفٌ فَإِنْ فَعَلَ جَازَ
وَالْأُخْرَى انه باطل
وقال بن أَبِي لَيْلَى إِذَا أَفْلَسَهُ الْحَاكِمُ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ وَلَا هِبَتُهُ وَلَا صَدَقَتُهُ وَيَبِيعُ الْقَاضِي مَالَهُ وَيَقْضِيهِ الْغُرَمَاءَ
وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي (نَوَادِرِ بن سَمَاعَةَ) قَالَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يَجُزْ إِقْرَارُهُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ وَلَا عِتْقُهُ وَلَا شَيْءٌ يَتْلَفُ بِهِ مَالُهُ حَتَّى يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ
قَالَ مُحَمَّدٌ وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مَعْنٍ إِذَا أَقَرَّ بِدَيْنٍ فَحُبِسَ لَهُ فَحَبْسُهُ حَجْرٌ عَلَيْهِ وَلَا يَجُوزُ إِقْرَارُهُ حَتَّى يَقْضِيَ الدَّيْنَ الْأَوَّلَ
وَقَالَ شَرِيكٌ مِثْلَ قَوْلِهِ
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ يَجُوزُ إِقْرَارُهُ وَبَيْعُهُ وَجَمِيعُ مَا صَنَعَ فِي مَالِهِ حَتَّى يَحْجُرَ الْقَاضِي عَلَيْهِ وَيَبْطُلُ إِقْرَارُهُ بَعْدَ حَبْسِهِ بِالدَّيْنِ
وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَرَى الْحَجْرَ بِالدَّيْنِ وَمَذْهَبُهُ أَنَّ الْحُرَّ لَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ لِدَيْنٍ وَلَا لِسَفَهٍ وَخَالَفَهُ فِي ذَلِكَ أَصْحَابُهُ
وَقَالَ فِي الْبَيْعِ فِي الدَّيْنِ لَا يُبَاعُ عَلَى الْمَدِينِ شَيْءٌ مِنْ مَالِهِ وَيُحْبَسُ حَتَّى يَبِيعَ هُوَ إِلَّا الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ فَإِنَّهَا تُبَاعُ عَلَيْهِ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَسَائِرُ الْفُقَهَاءِ يُبَاعُ عَلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ وَيُقْضَى غُرَمَاؤُهُ فَإِنْ قَامَ مَالُهُ بِدُيُونِهِمْ وَإِلَّا قُسِّمَ بَيْنَهُمْ عَلَى الْحِصَصِ بِقَدْرِ دَيْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عُمَرَ (الْأُسَيْفِعُ) فَهُوَ تَصْغِيرُ أَسْفَعَ وَالْأَسْفَعُ الْأَسْمَرُ الشَّدِيدُ السُّمْرَةِ وقيل الاسفع الذي تعلو وجهه حمزة تَنْحُو إِلَى السَّوَادِ
وَقَوْلُهُ (أَدَانَ مُعْرِضًا) أَيِ استدان متهاونا بذلك فاصبح قدرين بِهِ أَيْ أُحِيطَ بِهِ يُرِيدُ أَحَاطَ بِهِ غُرَمَاؤُهُ وَأَحَاطَ الدَّيْنُ بِهِ
وَذَلِكَ مِنْ مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ) الْمُطَفِّفِينَ ١٤ الْآيَةَ أَيْ غَلَبَ الدَّيْنُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَاسْوَدَّ جَمِيعُهَا فَلَمْ تَعْرِفْ مَعْرُوفًا وَلَا أَنْكَرَتْ مُنْكَرًا
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الدَّيْنِ آخِرُهُ حَرَبٌ وَالْحَرَبُ بِتَحْرِيكِ الرَّاءِ السَّلَبُ وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَرَبِ رَجُلٌ حَرِيبٌ أَيْ سَلِيبٌ مَسْلُوبٌ
قَالَ الشَّاعِرُ وَهُوَ الْقَاسِمُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصلت الثقفي
стр. 3270
(قَوْمٌ إِذَا نَزَلَ الْحَرِيبُ بِدَارِهِمْ ... رَدُّوهُ رَدَّ صَوَاهِلٍ وَنِيَاقِ)
(٩ - بَابُ مَا جَاءَ فِيمَا أَفْسَدَ الْعَبِيدُ أَوْ جَرَحُوا)
١٤٧٠ - قَالَ مَالِكٌ السُّنَّةُ عِنْدَنَا فِي جِنَايَةِ الْعَبِيدِ أَنَّ كُلَّ مَا أَصَابَ الْعَبْدَ مِنْ جُرْحٍ جَرَحَ بِهِ إِنْسَانًا أَوْ شَيْءٍ اخْتَلَسَهُ أَوْ حَرِيسَةٍ احْتَرَسَهَا أَوْ ثَمَرٍ مُعَلَّقٍ جَذَّهُ أَوْ أَفْسَدَهُ أَوْ سَرِقَةٍ سَرَقَهَا لَا قَطْعَ عَلَيْهِ فِيهَا إِنَّ ذَلِكَ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ لَا يَعْدُو ذَلِكَ الرَّقَبَةَ قَلَّ ذلك أَوْ كَثُرَ فَإِنْ شَاءَ سَيِّدُهُ أَنْ يُعْطِيَ قِيمَةَ مَا أَخَذَ غُلَامُهُ أَوْ أَفْسَدَ أَوْ عَقْلَ مَا جَرَحَ أَعْطَاهُ وَأَمْسَكَ غُلَامَهُ وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُسْلِمَهُ أَسْلَمَهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ غَيْرُ ذَلِكَ فَسَيِّدُهُ فِي ذَلِكَ بِالْخِيَارِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِي هَذَا الْبَابِ مُتَقَارِبُ الْمَعْنَى كُلُّهُمْ يَرَى جِنَايَةَ الْعَبْدِ فِي رقبته ويخير سيده في فدائه بجنايته او اسلامه فِي ذِمَّتِهِ
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَقَالَ بِهِ جَمَاعَةُ عُلَمَاءِ التَّابِعِينَ وَأَئِمَّةُ الْفَتْوَى بِأَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ
وَحَسْبُكَ بِقَوْلِ مَالِكٍ السُّنَّةُ عِنْدَنَا يَعْنِي مَا وَصَفْنَا
وَلَمْ يَخْتَلِفْ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ فِيمَا يَسْتَهْلِكُهُ الْعَبْدُ مِمَّا لَمْ يُؤْمَنْ عَلَيْهِ أَنَّهُ فِي رقبته وهو قول جمهور الفقهاء
وذكر بن حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ أَنَّ مَا اسْتَهْلَكَهُ الْعَبْدُ مِمَّا اؤْتُمِنَ عَلَيْهِ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ في ذمته
وقال بن الْمَاجِشُونَ هُوَ فِي رَقَبَتِهِ
وَرَوَى سَحْنُونٌ عَنِ بن الْقَاسِمِ فِي الْعَبْدِ يَسْتَأْجِرُهُ الرَّجُلُ لِيُبْلِغَ بَعِيرًا لَهُ إِلَى مَوْضِعٍ فَيَذْبُحُهُ وَيَزْعُمُ أَنَّهُ خَافَ عَلَيْهِ الْمَوْتَ فَقَالَ قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ أُرَاهُ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ
стр. 3271
وكذلك قال بن الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ فِي الْعَبْدِ يَتَوَسَّلُ عَلَى لِسَانِ سَيِّدِهِ وَيُنْكِرُ سَيِّدُهُ ذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ فِي رَقَبَتِهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ إِنْ قَتَلَ الْعَبْدُ عَبْدًا أَوْ حُرًّا فَاسْتَحْيَاهُ وَلِيُّ الدَّمِ كَانَ سَيِّدُهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَفْتَكَّهُ بِجَمِيعِ دِيَةِ الْحُرِّ أَوْ قِيمَةِ الْعَبْدِ أَوْ يُسْلِمَهُ إِلَى وَلِيِّ الدَّمِ وَيَسْتَرِقَّهُ وَيُضْرَبَ مِائَةً وَيُسْجَنَ عَامًا
هَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَجُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ سَيِّدُ الْعَبْدِ الْمَقْتُولِ بِالْخِيَارِ فِي الْعَبْدِ الَّذِي قَتَلَ عَبْدَهُ إِمَّا أَنْ يُقْتَلَ وَأَمَّا أَنْ تَكُونَ قِيمَةُ الْعَبْدِ الْمَقْتُولِ فِي عُنُقِ الْقَاتِلِ فَإِنْ عَفَا عَنِ الْقِصَاصِ بِيعَ الْعَبْدُ الْقَاتِلُ فَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ رُدَّ عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ الْقَاتِلِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ نُقْصَانٌ فَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ فَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ عَنْهُمْ قَالَ واذا قتل العبد رجلا خطا قِيلَ لِمَوْلَاهُ ادْفَعْهُ إِلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ أَوِ افْدِهِ مِنْهُ بِالدِّيَةِ فَإِنِ اخْتَارَ فِدَاءَهُ بِالدِّيَةِ كَانَ مَأْخُوذًا بِهَا حَالَّةً لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ وَإِنْ ثبت بعد ذلك إِعْسَارُهُ بِهَا فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ كَانَ يَقُولُ قَدْ زَالَتِ الْجِنَايَةُ عَنْ عِتْقِ الْعَبْدِ بِاخْتِيَارِ مَوْلَاهُ أَيَّاهُ وَصَارَتْ دَيْنًا عَلَى مَوْلَاهُ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ الْجَانِي
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَوْلَى مِنَ الْمَالِ مِمَّا هُوَ وَاصِلٌ إِلَيْهِ فِي وَقْتِ اخْتِيَارِهِ إِيَّاهُ مِقْدَارُ الدية كان اختيار إِيَّاهُ بَاطِلًا وَكَانَ حَقُّ الْجِنَايَةِ حَقَّ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ إِذَا كَانَ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ فَقَالَ لَهُ ادْفَعِ الْعَبْدَ إِلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ أَوِ افْدِهِ مِنْهُ بِالدِّيَةِ
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الِاخْتِيَارُ جَائِزٌ مُعْسِرًا كَانَ الْمَوْلَى أَوْ مُوسِرًا وَتَكُونُ الدِّيَةُ فِي عُنُقِ الْعَبْدِ دَيْنًا لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ يَتْبَعُهُ فِيهَا مَوْلَاهُ لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ
قَالُوا وَلَوْ جَنَى الْعَبْدُ عَلَى رَجُلٍ فقتله خطا أَوِ اسْتَهْلَكَ الْآخَرُ مَالًا وَحَضَرَا جَمِيعًا يَطْلُبَانِ الْوَاجِبَ لَهُمَا فَإِنَّهُ يُدْفَعُ إِلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ ثُمَّ يَتْبَعُهُ الْآخَرُ فِيمَا اسْتَهْلَكَ مِنْ غَيْرِ مَالِهِ وَلَوْ حَضَرَ صَاحِبُ الْمَالِ أَوَّلًا وَلَمْ يَحْضُرْ صَاحِبُ الْجِنَايَةِ بَاعَهُ لَهُ الْقَاضِي فِي مَالِهِ الَّذِي اسْتَهْلَكَهُ لَهُ فَإِنْ حَضَرَ بَعْدَ ذَلِكَ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ
هَذَا آخَرُ كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ عِنْدَ جَمَاعَةِ رُوَاةِ (الْمُوَطَّأِ) إِلَّا يَحْيَى بْنَ يَحْيَى
(١٠ - بَابُ مَا يَجُوزُ مِنَ النِّحَلِ)
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَيْسَ هَذَا الْبَابُ عِنْدَ غَيْرِ يَحْيَى فِي (الْمُوَطَّأِ) وَلَا لَهُ فِي هَذَا
стр. 3272
الْمَوْضِعِ حَدِيثٌ عِنْدَ جَمِيعِ رُوَاةِ (الْمُوَطَّأِ) فِي بَابِ مَا يَجُوزُ مِنَ الْعَطِيَّةِ وَآخِرُ كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ عِنْدَهُمْ بَابُ مَا أَفْسَدَهُ الْعَبِيدُ أَوْ جَرَحُوا وَوَقَعَ لِيَحْيَى كَمَا تَرَى وَأَظُنُّهُ سَقَطَ لَهُ مِنْ مَوْضِعِهِ فَأُلْحِقَ فِي آخِرِ الْكِتَابِ كَمَا صَنَعَ فِي بَابِ الصَّلَاةِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا سَقَطَ لَهُ مِنْ أَبْوَابِ الْمَوَاقِيتِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ فَأَلْحَقَهُ فِي آخِرِ كتاب الصلاة
١٤٧١ - مالك عن بن شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانٍ قَالَ مَنْ نَحَلَ وَلَدًا لَهُ صَغِيرًا لَمْ يَبْلُغْ أَنْ يَجُوزَ نَحْلُهُ فَأَعْلَنُ ذَلِكَ لَهُ وَأَشْهَدَ عَلَيْهَا فَهِيَ جَائِزَةٌ وَإِنْ وليها ابوه
قال ابو عمر روى بن عُيَيْنَةَ هَذَا الْخَبَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ شُكِيَ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَوْلُ عُمَرَ لَا نِحْلَةَ إِلَّا نِحْلَةً يَحُوزُهَا الْوَلَدُ دُونَ الْوَالِدِ فَرَأَى عُثْمَانُ أَنَّ الْوَالِدَ يَجُوزُ لِوَلَدِهِ مَا كَانُوا صِغَارًا
يَقُولُ إِذَا وَهَبَ لَهُ الْأَبُ وَأَشْهَدَ لَهُ عَلَيْهِ أَنَّهَا حيازة
وبن عيينة عن ايوب السختياني عن بن سِيرِينَ قَالَ سَأَلْتُ شُرَيْحًا مَا يُبَيِّنُ لِلصَّبِيِّ مِنْ نَحْلِ أَبِيهِ قَالَ أَنْ يَهَبَ لَهُ وَيُشْهِدَ لَهُ عَلَيْهِ قُلْتُ إِنَّهُ يَلِيهِ قَالَ هُوَ أَحَقُّ مَنْ وَلِيَهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ عَلَى قَضَاءِ عُثْمَانَ فِي هِبَةِ الْأَبِ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ إِلَّا أَنَّ أَصْحَابَنَا يُخَالِفُونَ سَائِرَ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَسْكُونِ وَالْمَلْبُوسِ وَالْمَوْقُوفِ فَلَا يَرَوْنَ إِشْهَادَ الْأَبِ فِي ذَلِكَ حِيَازَةً حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهَا مُدَّةً أَقَلَّهَا سَنَةٌ مِنَ الْمَسْكُونِ لِيَظْهَرَ فِعْلُهُ ذَلِكَ وَإِذَا رَكِبَ مَا يُرْكَبُ أَوْ لَبِسَ مَا يُلْبَسُ فَقَدْ رَجَعَ فِي هِبَتِهِ
وَقَدْ مَضَى مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي رُجُوعِ الْأَبِ وَغَيْرِهِ فِي الْهِبَةِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا
قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ مَنْ نَحَلَ ابْنًا لَهُ صَغِيرًا ذَهَبًا أَوْ وَرِقًّا ثُمَّ هَلَكَ وَهُوَ يَلِيهِ إِنَّهُ لَا شَيْءَ لِلِابْنِ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَبُ عَزَلَهَا بِعَيْنِهَا أَوْ دَفَعَهَا إِلَى رَجُلٍ وَضَعَهَا لِابْنِهِ عِنْدَ ذَلِكَ الرَّجُلِ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ جَائِزٌ لِلِابْنِ
إِلَى هُنَا انْتَهَتْ رواية يحيى
стр. 3273
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي مُصْعَبٍ وَغَيْرِهِ قَالَ مَالِكٌ وَإِنْ كَانَتِ النِّحْلَةُ عَبْدًا أَوْ وَلِيدَةً أَوْ شَيْئًا مَعْلُومًا مَعْرُوفًا ثُمَّ أَشْهَدَ عَلَيْهِ وَأَعْلَنَ ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ وَهُوَ يَلِي ابْنَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لِابْنِهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ - أَهْلِ الْفَتْوَى بِالْأَمْصَارِ وَسَائِرِ مَنْ تَقَدَّمَهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْأَبَ يَجُوزُ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ مَا كَانَ فِي حِجْرِهِ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا بَالِغًا كُلَّ مَا يَهَبُ لَهُ وَيُعْطِيِهِ وَيَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَيْهِ مِنَ الْعُرُوضِ كُلِّهَا وَالْعَقَارِ وَكُلِّ مَا عَدَا الْعَيْنِ كَمَا يَجُوزُ لَهُ مَا يُعْطِيهِ غَيْرُهُ وَأَنَّهُ يُجْزِئُهُ فِي ذَلِكَ الْإِشْهَادُ وَالْإِعْلَانُ وَإِذَا أَشْهَدَ فَقَدْ اعلن اذا فَشَا الْإِشْهَادُ وَظَهَرَ
وَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ إِنَّ مَا يَسْكُنُ الْأَبُ لَا تَصِحُّ فِيهِ عَطِيَّةٌ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ الَّذِي فِي حِجْرِهِ حَتَّى يَخْرُجَ عَنْ ذَلِكَ سَنَةً وَنَحْوَهَا ثُمَّ لَا يَضُرُّهُ رُجُوعُهُ إِلَيْهَا وَسُكْنَاهُ لَهَا مَا لَمْ يَمُتِ الْأَبُ فِيهَا أَوْ يَبْلُغِ الصَّغِيرُ رُشْدَهُ فَلَا يَقْبِضُهَا فَإِنْ مَاتَ الْأَبُ سَاكِنًا فِيهَا أَوْ بَلَغَ الِابْنُ رُشْدًا فَلَمْ يَقْبِضْهَا حَتَّى يَمُوتَ الْأَبُ لَمْ تَنْفَعْهُ حِيَازَتُهُ لَهُ تِلْكَ السَّنَةَ وَجَعَلُوا الْهِبَةَ لِلصَّغِيرِ جَوَازُهَا مُتَعَلِّقٌ بِمَا يَكُونُ مِنَ الْعَافِيَةِ فِيهَا فَإِنْ سَلِمَتْ فِي الْعَافِيَةِ مِنَ الرَّهْنِ فَهِيَ صَحِيحَةٌ وَإِنْ لَحِقَهَا رَهْنُ جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ
وَكَذَلِكَ الْمَلْبُوسُ عِنْدَهُمْ إِذَا لَبِسَ الْأَبُ شَيْئًا مِنَ الثِّيَابِ الَّتِي وَهَبَهَا لِلصَّغِيرِ مِنْ وَلَدِهِ بَطَلَتْ فِيهِ هِبَتُهُ وَمَا عَدَا الْمَلْبُوسِ وَالْمَسْكُونِ فَيَكْفِي فِيهِ الاشهاد على ما وَصْفِنَا
وَأَمَّا سَائِرُ الْفُقَهَاءِ فَإِنَّ الْأَبَ إِذَا أَشْهَدَ وَأَعْلَنَ الشَّهَادَةَ بِمَا يُعْطِيهِ لِابْنِهِ فِي صِحَّتِهِ فَقَدْ نَفَذَ ذَلِكَ لِلِابْنِ مَا كَانَ صَغِيرًا
وَحِيَازَةُ الْأَبِ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ كَحِيَازَتِهِ له ما يُعْطِيهِ غَيْرُهُ لِابْنِهِ النَّاظِرِ لَهُ وَلَا يَرْهَنُ عَطِيَّتَهُ لَهُ فِي صِحَّتِهِ إِذَا كَانَ صَغِيرًا وَلَا سُكْنَاهُ وَلَا لِبَاسَهُ كَمَا لَا يَضُرُّهُ عِنْدَ مَالِكٍ إِذَا سَكَنَ بَعْدَ السَّنَةِ وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ مِنْهُ رُجُوعًا فِيمَا أَعْطَى كَمَا لَا يَكُونُ ذَلِكَ رُجُوعًا بَعْدَ السَّنَةِ وَمَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ ظَاهِرُ فِعْلِ عُثْمَانَ بِمَحْضَرِ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
وَأَمَّا الذَّهَبُ وَالْوَرِقُ فَقَالَ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي صَدْرِ هَذَا الْبَابِ
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا عَزَلَهَا بِعَيْنِهَا فِي ظَرْفٍ وَخَتَمَ عَلَيْهَا بِخَاتَمِهِ أَوْ خَاتَمِ الشُّهُودِ الَّذِينَ أَشْهَدَهُمْ أَنَّهَا جَائِزَةٌ لِلِابْنِ كَمَا لَوْ جعلها له عند رجل
وهو قول بن الماجشون واشهب
стр. 3274
وَبِهِ كَانَ أَبُو عُمَرَ - أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هَاشِمٍ - شَيْخُنَا ﵀ يُفْتِي
وَذَكَرَ الْعُتْبِيُّ لِابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ إِلَّا أَنْ يُخْرِجَهَا الْأَبُ عَنْ يَدِهِ إِلَى يَدِ غَيْرِهِ - يَحُوزُهَا لِلِابْنِ وَأَنَّهُ لَا يَنْفَعُهُ خَاتَمُهُ عَلَيْهَا
وَبِهَذَا كَانَ يَقْضِي الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ يَبْقَى بْنِ زَرْبٍ
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ كَانَتْ أَحَدَ الْأَسْبَابِ الَّتِي أَوْجَبَتِ التَّبَاعُدَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي عُمَرَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ
وَاخْتَلَفُوا فِي هِبَةِ الْمُشَاعِ مِنَ الْغَنَمِ وَغَيْرِهَا يَهَبُهَا الْأَبُ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ فِي حِجْرِهِ
فَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ جَائِزٌ
وَبِهِ قَالَ بن الماجشون
وقال بن الْقَاسِمِ لَا يَحُوزُ الْأَبُ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ إِلَّا مَا يَهَبُهُ مَبْرُوزًا مَقْسُومًا
قَالَ وَإِلَيْهِ رَجَعَ مَالِكٌ وَبِهِ قَالَ مُطَرِّفٌ وَأَصْبَغُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ ظَاهِرُ حَدِيثِ عُثْمَانَ يَشْهَدُ لِمَا قَالَهُ مالك وبن الْمَاجِشُونَ وَهُوَ الْأَصْلُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَلَا مُخَالِفَ لَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ
وَاخْتَلَفُوا فيمن يجوز لِلصَّغِيرِ غَيْرُ أَبِيهِ وَمَنْ يَقُومُ لَهُ فِي الْحِيَازَةِ مَقَامَ أَبِيهِ فِيمَا يُعْطِيهِ
فَرَوَى يَحْيَى عن بن الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْأُمَّ لَا تَحُوزُ مَا يُعْطَى ابْنُهَا إِلَّا أَنْ تَكُونَ عَلَيْهِ وَصِيَّةً قَالَ وَلَا يَحُوزُ لِلطِّفْلِ إِلَّا مَنْ يَجُوزُ لَهُ إِنْكَاحُهُ وَالْمُبَارَاةُ عَلَيْهِ وَالْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ له
قال يحيى وسمعت بن وَهْبٍ يَقُولُ تَحُوزُ الْأُمُّ لِوَلَدِهَا مَا تَهَبُ لَهُمْ وَكَذَلِكَ الْجَدَّةُ وَالْأَجْدَادُ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا اولياء عليه
وقال بن الْقَاسِمِ لَا تَحُوزُ الْأُمُّ مَا يُوهَبُ لِوَلَدِهَا
وَقَالَ أَشْهَبُ تَحُوزُ لَهُمُ الْوَصِيَّةُ بِهِبَةٍ يَمْضِي مَعَهُمْ إِلَى الْكِتَابِ وَلَا يَحُوزُ لَهُمْ غَيْرُ ذَلِكَ وَالْوَصِيُّ عِنْدَهُمْ يَحُوزُ مَا يُوهَبُ لِلْيَتِيمِ فِي حِجْرِهِ
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَالْجِدُّ عِنْدَهُ يَقُومُ مَقَامَ الْأَبِ فِيمَا يَهَبُهُ لِلْأَطْفَالِ مِنْ وَلَدِ وَلَدِهِ يَحُوزُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ إِلَى أَنْ يَبْلُغُوا مَبْلَغَ الْقَبْضِ لِأَنْفُسِهِمْ
وَأَمَّا الْكُوفِيُّونَ فَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ الْأُمَّ كَالْأَبِ فِيمَا تَهَبُ لِابْنِهَا الْيَتِيمِ فِي حِجْرِهَا عَبْدًا أَوْ مَتَاعًا مَعْلُومًا إِذَا أَشْهَدَتْ عَلَى ذلك
стр. 3275
جَازَ وَلَمْ تَرْجِعْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ وَكَذَلِكَ تَقْبِضُ لَهُ مِنْ كُلِّ مَنْ وُهِبَ لَهُ شَيْئًا يَصِحُّ قَبْضُهُ وَكَذَلِكَ الْوَصِيُّ وَكَذَلِكَ مَنْ قَبَضَ لِلْيَتِيمِ مِنَ الْأَجْنَبِيِّينَ مَا أَعْطَى الْيَتِيمَ
وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَيْضًا عَنْهُمْ قَالَ وَلِلْأَبِ أَنْ يَقْبِضَ مَا يَهَبُ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ مِمَّا يَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَيْهِمْ وَكَذَلِكَ مَنْ فَوْقَهُ مِنَ الْآبَاءِ إِذَا كَانَ هُوَ الَّذِي أَمَرَهُ وَقَبْضُهُ مِنْ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ إِشْهَادُهُ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ وَإِعْلَانُهُ بِهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى محمد سيد المرسلين وخاتم النبيين وَعَلَى أَهْلِهِ الطَّيِّبِينَ وَسَلَّمْ تَسْلِيمًا
стр. 3276
(٣٨ كِتَابُ الْعِتْقِ وَالْوَلَاءِ)
(١ - بَابُ مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي مَمْلُوكٍ)
١٤٧٢ - مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةُ الْعَدْلِ فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ)
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ ذَكَرْنَا فِي (التَّمْهِيدِ) اخْتِلَافَ أَلْفَاظِ رُوَاةِ (الْمُوَطَّأِ) فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَاخْتِلَافَ أَلْفَاظِ أَصْحَابِ نَافِعٍ عَلَيْهِ وَأَصْحَابِ سَالِمٍ عَلَيْهِ
وَقَدْ جَوَّدَ مَالِكٌ ﵀ حَدِيثَهُ هَذَا عَنْ نَافِعٍ وَأَتْقَنَهُ وَبَانَ فِيهِ فَضْلُ حِفْظِهِ وَفَهْمِهِ وَتَابَعَهُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ مَعَانِيهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَمِنْ أَحْسَنِ رُوَاةِ سِيَاقِهِ يَحْيَى بن يحيى الليثي صاحبنا وبن القاسم وبن وَهْبٍ فَإِنَّهُمْ ذَكَرُوا فِيهِ عَنْ مَالِكٍ (فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ قُوِّمَ عَلَيْهِ) وَمَنْ لَمْ يَقُلْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رُوَاةِ مَالِكٍ (فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ قُوِّمَ عَلَيْهِ) فَقَدْ كَثَّرَ وَلَمْ يُقِمِ الْحَدِيثَ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يُقَوَّمُ نَصِيبُ الشَّرِيكِ الَّذِي لَمْ يُعْتِقْ عَلَى الَّذِي أَعْتَقَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مِنَ الْمَالِ مَا يَبْلُغُ ثَمَنَ حِصَّةِ شَرِيكِهِ الَّذِي لَمْ يُعْتِقْ
وَكَذَلِكَ جَوَّدَ مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ وَأَتْقَنَهُ فِي قَوْلِهِ فِيهِ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ) وَتَابَعَهُ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ عُبَيْدُ اللَّهِ بن عمر عن نافع عن بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي مَمْلُوكٍ فَقَدْ عَتَقَ فَإِنْ
стр. 3277
كَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَهُ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةُ عَدْلٍ وَأَعْتَقَ كُلُّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ) وهذا كرواية مَالِكٍ سَوَاءٌ
وَرَوَاهُ أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ بْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ وَكَانَ لَهُ مِنَ الْمَالِ مَا يَبْلُغُ ثَمَنَهُ فَهُوَ عَتِيقٌ)
قَالَ أَيُّوبُ قَالَ نَافِعٌ وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ
قَالَ أَيُّوبُ لَا أَدْرِي أَهَذَا فِي الْحَدِيثِ أَمْ هُوَ مِنْ قَوْلِ نَافِعٍ قَوْلُهُ (فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ)
وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأنصاري عن نافع عن بْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبًا لَهُ فِي عَبْدٍ كُلِّفَ عِتْقَ مَا بَقِيَ مِنْهُ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَقَدْ جَازَ مَا صَنَعَ)
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ وَعَنْ أَيُّوبَ وَعَنْ يَحْيَى بِمَا وَصَفْنَا مِنْ طُرُقٍ فِي (التَّمْهِيدِ)
وَهَذَا اللَّفْظُ أَعْنِي قَوْلَهُ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ) يَعْنِي الِاسْتِسْعَاءَ وَيُوجِبُ الْعِتْقَ عَلَى الْمُعْسِرِ وَإِنَّمَا مِلْكُ شَرِيكِهِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ دُونَ إِيجَابِ اسْتِسْعَاءٍ عَلَى الْعَبْدِ
وَهَذَا الْمَوْضِعُ اخْتَلَفَتْ فِيهِ الْآثَارُ وَاخْتَلَفَ فِي الْحُكْمِ بِهِ عُلَمَاءُ الْأَمْصَارِ
فَأَمَّا اخْتِلَافُ الْآثَارِ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَوَى فِي ذَلِكَ خِلَافَ مَا روى بن عُمَرَ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (أَيُّمَا عَبْدٍ كَانَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَأَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا قُوِّمَ عَلَيْهِ وَإِلَّا سَعَى الْعَبْدُ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ)
هَكَذَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ لَمْ يَخْتَلِفْ عَلَى سَعِيدٍ فِي شَيْءٍ مِنْهُ وَمِمَّنْ رَوَاهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ النَّضْرِ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
كَذَلِكَ رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ وَيَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ وَعَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَعَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ
стр. 3278
وَقَدْ تَابَعَ سَعِيدَ بْنَ أَبِي عَرُوبَةَ عَلَى ذَلِكَ أَبَانُ الْعَطَّارُ وَجَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ وَمُوسَى بْنَ خَلَفٍ رَوَوْهُ عَنْ قَتَادَةَ بِإِسْنَادٍ مِثْلِهِ وَذَكَرُوا فِيهِ السِّعَايَةَ
وَأَمَّا هِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ وَشُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ وَهَمَّامُ بْنُ يَحْيَى فَرَوَوْهُ عَنْ قَتَادَةَ بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُورِ لَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ السِّعَايَةَ وَهُمْ أَثْبَتُ مِنَ الَّذِينَ ذَكَرُوا فِيهِ السِّعَايَةَ
وَأَصْحَابُ قَتَادَةَ الَّذِينَ هُمُ الْحُجَّةُ عَلَى غَيْرِهِمْ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ ثَلَاثَةٌ شُعْبَةُ وَهِشَامٌ وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ فَإِذَا اتَّفَقَ مِنْهُمُ اثْنَانِ فَهُمَا حُجَّةٌ عَلَى الْوَاحِدِ عِنْدَهُمْ وَقَدِ اتَّفَقَ شُعْبَةُ وَهِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ عَلَى تَرْكِ ذِكْرِ السِّعَايَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَضَعُفَ بِذَلِكَ ذِكْرُ السِّعَايَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ طُرُقِ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ فِي (التَّمْهِيدِ) وَزِدْنَا الْقَوْلَ بَيَانًا فِي ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْإِسْنَادِ والنقل هنالك
وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِي هَذَا الْبَابِ فَإِنَّ مَالِكًا وَأَصْحَابَهُ يَقُولُونَ إِذَا أَعْتَقَ الْمَلِيءُ الْمُوسِرُ نَصِيبًا لَهُ فِي عَبْدٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ فَلِشَرِيكِهِ أَنْ يُعْتِقَ بَتْلًا وَلَهُ أَنْ يُقَوِّمَ اذا أعتق نَصِيبَهُ كَمَا أَعْتَقَ شَرِيكُهُ قَبْلَ التَّقْوِيمِ كَانَ الْوَلَاءُ بَيْنَهُمَا كَمَا كَانَ الْمِلْكُ بَيْنَهُمَا مَا لَمْ يُقَوَّمْ وَيُحْكَمُ بِعِتْقِهِ فَهُوَ كَالْعَبْدِ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ
وَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ لِنَصِيبِهِ مِنَ الْعَبْدِ عَدِيمًا لَا مَالَ لَهُ لَمْ يُعْتِقْ مِنَ الْعَبْدِ غَيْرَ حِصَّتِهِ وَبَقِيَ نَصِيبُ الْآخَرِ رِقًّا لَهُ يَخْدِمُهُ الْعَبْدُ يَوْمًا وَيَكْتَسِبُ لِنَفْسِهِ يَوْمًا وَهُوَ فِي حُدُودِهِ وَجَمِيعُ أَحْوَالِهِ كَالْعَبْدِ
وَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ مُوسِرًا بِبَعْضِ نَصِيبِ شَرِيكِهِ قُوِّمَ عَلَيْهِ بِقَدْرِ مَا يُوجَدُ مَعَهُ مِنْ المال وَرُقَّ بَقِيَّةُ النَّصِيبِ لَدَيْهِ وَيُقْضَى بِذَلِكَ عَلَيْهِ كَمَا يُقْضَى فِي سَائِرِ الدُّيُونِ اللَّازِمَةِ وَالْجِنَايَاتِ الْوَاجِبَةِ وَيُبَاعُ عَلَيْهِ شَوَارُ بَيْتِهِ وَمَالِهِ بَالٍ من كسوته
والتقويم ان يقوم نصيبه يوم العتق قيمة عدل ثم يعتق عليه
وَكَذَلِكَ قَالَ دَاوُدُ وَأَصْحَابُهُ فَإِنَّهُ لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ حَتَّى يُؤَدِّيَ الْقِيمَةَ إِلَى شَرِيكِهِ
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي (الْقَدِيمِ) وَقَالَ فِي (الْجَدِيدِ) إِذَا كَانَ الْمُعْتِقُ لِحِصَّتِهِ مِنَ الْعَبْدِ مُوسِرًا في حين العتق عَتَقَ جَمِيعَهُ حِينَئِذٍ وَكَانَ حُرًّا مِنْ يَوْمِئِذٍ يَرِثُ وَيُورَثُ وَلَهُ وَلَاؤُهُ وَلَا سَبِيلَ لِلشَّرِيكِ عَلَى الْعَبْدِ وَإِنَّمَا لَهُ قِيمَةُ نَصِيبِهِ عَلَى شَرِيكِهِ كَمَا لَوْ قَتَلَهُ وَسَوَاءٌ أَعْطَاهُ الْقِيمَةَ أَوْ مَنَعَهُ إِذَا كَانَ مُوسِرًا يَوْمَ الْعِتْقِ وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَالشَّرِيكُ عَلَى مِلْكِهِ يُقَاسِمُهُ كَسْبَهُ أَوْ يَخْدِمُهُ يَوْمًا وَيُخَلَّى لِنَفْسِهِ يَوْمًا وَلَا سِعَايَةَ عَلَيْهِ
стр. 3279
وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ إِنْ مَاتَ الْعَبْدُ وَلَهُ وَارِثٌ وَرِثَ بِقَدْرِ وِلَايَتِهِ وَإِنْ مَاتَ لَهُ مَوْرُوثٌ لَمْ يَرِثْ مِنْهُ شَيْئًا
وَلَهُ قَوْلٌ آخَرُ فِيمَنْ كَانَ بَعْضُهُ حُرًّا ذَكَرَهُ الْمُزَنِيُّ عَنْهُ فِي (الْقَدِيمِ) وَاخْتَارَ قَوْلَهُ فِي (الْجَدِيدِ) وَقَالَ هُوَ الصَّحِيحُ عَلَى أَصْلِهِ لِأَنَّهُ قَالَ لَوْ أَعْتَقَ الثَّانِي كَانَ عِتْقُهُ بَاطِلًا
وَقَدْ قَطَعَ بِأَنَّ هَذَا أَصَحُّ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ مِنْ كُتُبِهِ وَقَالَهُ فِي اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ وَاخْتِلَافِ بن أَبِي لَيْلَى وَأَبِي حَنِيفَةَ
وَقَالَ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ
وَأَصْلُ مَا بَنَى عَلَيْهِ مذهبه في ذلك حديث بن عُمَرَ وَلَمْ يَقُلْ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَضَعَّفَ قَوْلَ مَنْ ذَكَرَ فِيهِ السِّعَايَةَ
وَقَالَ مَالِكٌ إِنْ مَاتَ الْمُعْتِقُ الْمُعْسِرُ قَبْلَ أَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ بِعِتْقِ الْبَاقِي لَمْ يُحْكَمْ عَلَى وَرَثَتِهِ بِعِتْقِ النِّصْفِ الْبَاقِي
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُحْكَمُ بِعِتْقِهِ إِذَا مَاتَ وَلَوْ أَتَى ذَلِكَ عَلَى جَمِيعِ تَرِكَتِهِ إِلَّا أَنْ يَقَعَ الْعِتْقُ مِنْهُ فِي الْمَرَضِ فَيُقَوَّمُ فِي الثُّلُثِ
وَقَالَ سُفْيَانُ إِذَا كَانَ لِلْمُعْتِقِ حِصَّتَهُ مِنَ الْعَبْدِ مَالٌ ضَمِنَ نَصِيبَ شَرِيكِهِ وَلَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى الْعَبْدِ وَلَا سِعَايَةَ عَلَى الْعَبْدِ وَكَانَ الْوَلَاءُ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَسَوَاءٌ نَقَصَ مِنْ نَصِيبِ الْآخَرِ أَوْ لَمْ يَنْقُصْ وَيَسْعَى الْعَبْدُ فِي نِصْفِ قِيمَتِهِ حِينَئِذٍ
وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ
وَفِي قَوْلِهِمْ يَكُونُ الْعَبْدُ كُلُّهُ حُرًّا سَاعَةَ أَعْتَقَ الشَّرِيكُ نَصِيبَهُ فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا ضَمِنَ لِشَرِيكِهِ نِصْفَ قِيمَةِ عَبْدِهِ وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا سَعَى الْعَبْدُ فِي ذَلِكَ لِلَّذِي لَمْ يُعْتِقْ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى أَحَدٍ بِشَيْءٍ وَالْوَلَاءُ كُلُّهُ لِلْمُعْتِقِ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْحُرِّ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ مَا دَامَ فِي سِعَايَتِهِ مِنْ يَوْمِ أُعْتِقَ يَرِثُ وَيُورَثُ
وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَعَنِ بن شبرمة وبن أَبِي لَيْلَى مِثْلُهُ إِلَّا أَنَّهُمَا جَعَلَا لِلْعَبْدِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُعْتِقِ بِمَا سَعَى فِيهِ متى ايسر
ورووا عن بن عَبَّاسٍ أَنَّهُ جَعَلَ الْمُعْتِقَ بَعْضَهُ حُرًّا فِي جَمِيعِ أَمْوَالِهِ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَأَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ وَهُوَ مُوسِرٌ فَإِنَّ الشَّرِيكَ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ أَعْتَقَهُ كَمَا أَعْتَقَ صَاحِبُهُ وَكَانَ الْوَلَاءُ بَيْنَهُمَا وَإِنْ شاء
стр. 3280
اسْتَسْعَى الْعَبْدُ فِي نِصْفِ قِيمَتِهِ وَيَكُونُ الْوَلَاءُ بَيْنَهُمَا وَإِنْ شَاءَ ضَمِنَ شَرِيكُهُ نِصْفَ قِيمَتِهِ وَيَرْجِعُ الشَّرِيكُ بِمَا ضَمِنَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الْعَبْدِ يَسْتَسْعِي فِيهِ إِنْ شَاءَ وَيَكُونُ الْوَلَاءُ كُلُّهُ لِلشَّرِيكِ وَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ مُعْسِرًا فَالشَّرِيكُ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ ضَمِنَ الْعَبْدُ نِصْفَ قِيمَتَهُ يَسْعَى فِيهَا وَالْوَلَاءُ بَيْنَهُمَا وَإِنْ شَاءَ أَعْتَقَهُ كَمَا أَعْتَقَ صَاحِبُهُ وَالْوَلَاءُ بَيْنَهُمَا
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الْعَبْدُ الْمُسْتَسْعِي مَا دَامَ فِي سِعَايَتِهِ بمنزلة المكاب فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ
وَقَالَ زُفَرُ يُعْتَقُ الْعَبْدُ كُلُّهُ عَلَى الْمُعْتِقِ حِصَّتُهُ مِنْهُ وَيُتْبَعُ بِقِيمَةِ حِصَّةِ شَرِيكِهِ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا
قَالَ ابو عمر لم يقل زفر بحديث بن عُمَرَ وَلَا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا الْبَابِ
وَكَذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ لَمْ يَقُلْ بِوَاحِدٍ مِنَ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى وَجْهِهِ وَكُلُّ قَوْلٍ خَالَفَ السُّنَّةَ مَرْدُودٌ
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ بِحَدِيثِ بن عُمَرَ فِي هَذَا الْبَابِ وَقَوْلُهُ فِيهِ نَحْوُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ قَالَ إِنْ كَانَ لِلْمُعْتِقِ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ مَالٌ ضَمِنَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ عُتِقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ وَكَانَ الْآخَرُ عَلَى نَصِيبِهِ وَلَا يَسْتَسْعِي الْعَبْدُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حديث بن عُمَرَ عِنْدَ أَحْمَدَ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ ذِكْرُ السِّعَايَةِ وَأَحْمَدُ إِمَامُ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي الْمَعْرِفَةِ بِصَحِيحِهِ مِنْ سَقِيمِهِ
قَالَ أَحْمَدُ وَلَا يُبَاعُ عَلَى الشَّرِيكِ الْمُعْسِرِ دَارٌ وَلَا رِبَاعٌ
وَلَمْ يَحِدَّ فِي الْعُسْرِ وَالْيَسَارِ حَدًّا
وَقَالَ إِسْحَاقُ إِنْ كَانَ لِلشَّرِيكِ الْمُعْتِقِ مَالٌ فَكَمَا قَالَ أَحْمَدُ يضمن وان لم يكن له إِلَّا دَارٌ وَخَادِمٌ فَإِنَّهُ لَا يَجْعَلُ ذَلِكَ مَالًا قَالَ وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَإِنَّهُ يَسْتَسْعِي الْعَبْدُ لِصَاحِبِهِ
وَاتَّفَقَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَسُفْيَانُ بِأَنَّ الْعِتْقَ إِذَا وَقَعَ وَالْمُعْتِقُ مُوسِرٌ ثُمَّ أَفْلَسَ لَمْ يَتَحَوَّلْ عَلَيْهِ الْغُرْمُ كَمَا لَوْ وَقَعَ وَهُوَ مُفْلِسٌ ثُمَّ أَيْسَرَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ
وَقَدْ قِيلَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَقْوَالٌ غَيْرُ مَا ذَكَرْنَا شَاذَّةٌ وَلَيْسَ عَلَيْهَا أَحَدٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ مِنْهَا قَوْلُ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ فَمَنْ أَعْتَقَ حِصَّتَهُ مِنْ عبد ان
стр. 3281
الْعِتْقَ بَاطِلٌ مُوسِرًا كَانَ الْمُعْتِقُ أَوْ مُعْسِرًا وَهَذَا خِلَافُ الْحَدِيثِ وَمَا أَشُكُّ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ وَلَا عَلِمَهُ
وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ جَعَلَ قِيمَةَ حِصَّةِ الشَّرِيكِ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَهَذَا أَيْضًا خِلَافُ السُّنَّةِ
وَعَنِ الشَّعْبِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ أَنَّهُمَا قَالَا الْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ ضَمِنَ أَوْ لَمْ يَضْمَنْ
وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ لَا شَيْءَ عَلَى الْمُعْتِقِ إِلَّا أَنْ تكون جارية رائعة تراد للوطئ فَيَضْمَنُ مَا أَدْخَلَ عَلَى صَاحِبِهِ مِنَ الضَّرَرِ
وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ زُفَرَ وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا فَهَذَا حُكْمُ مَنْ أَعْتَقَ حِصَّةً لَهُ مِنْ عَبْدٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ
وَأَمَّا مَنْ أَعْتَقَ حِصَّتَهُ مِنْ عَبْدِهِ الَّذِي لَا شِرْكَةَ فِيهِ لِأَحَدٍ مَعَهُ فَإِنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ يَقُولُونَ يَعْتِقُ عَلَيْهِ كُلُّهُ وَلَا سِعَايَةَ عَلَيْهِ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَرَبِيعَةُ
وَهُوَ قَوْلُ طَاوُسٍ وَحَمَّادٍ يَعْتِقُ مِنْهُ ذَلِكَ النَّصِيبُ وَيَسْعَى لِمَوْلَاهُ فِي بَقِيَّةِ قِيمَتِهِ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا
وَبِهِ قَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ
وَخَالَفَهُ أَصْحَابُهُ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَزُفَرُ فَأَعْتَقُوا الْعَبْدَ كُلَّهُ دُونَ سِعَايَةٍ
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ والشافعي وبن ابي ليلى وبن شُبْرُمَةَ وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ كُلُّهُمْ قَالَ يُعْتَقُ عَلَيْهِ كُلُّهُ إِذَا كَانَ الْعِتْقُ مِنْهُ فِي الصِّحَّةِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ الْحُجَّةُ قَائِمَةٌ عَلَى رَبِيعَةَ وَأَبِي حَنِيفَةَ بِمَعْنَى السُّنَّةِ لِأَنَّ الْحَدِيثَ لَمَّا وَرَدَ بِأَنْ يَعْتِقَ عَلَيْهِ نَصِيبُ شَرِيكِهِ كَانَ أَحْرَى بِأَنْ يَعْتِقَ عَلَيْهِ مَا هُوَ فِي مِلْكِهِ لِأَنَّهُ مُوسِرٌ بِهِ مَالِكٌ لَهُ وَفِي مِثْلِ هَذَا جَاءَ الْأَثَرُ لَيْسَ إِلَيْهِ بِشَرِيكٍ
حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنِي دَاوُدُ السِّخْتِيَانِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَا أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ - زَادَ أَبُو الْوَلِيدِ عَنْ أَبِيهِ - أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِي غُلَامٍ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ (لَيْسَ إِلَيْهِ بِشَرِيكٍ
стр. 3282
زاد بن كَثِيرٍ وَأَجَازَ عِتْقَهُ
وَحُجَّةُ أَبِي حَنِيفَةَ وَرَبِيعَةَ مَا رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ أَعْتَقَ نِصْفَ عَبْدِهِ فَلَمْ يُنْكِرْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِتْقَهُ
وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي وَصِيَّتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ
قَالَ إِسْمَاعِيلُ وَإِنَّمَا يُعْتَقُ الْعَبْدُ كُلُّهُ إِذَا أَعْتَقَ الشَّرِيكُ نِصْفَهُ
وَقَدْ جَاءَ عَنِ الْحَسَنِ مِثْلُ قَوْلِ رَبِيعَةَ وَأَبِي حَنِيفَةَ
وهو قول عبيد اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ وَالشَّعْبِيِّ كُلُّهُمْ يَقُولُ يَعْتِقُ الرجل من عبده ما شاء
وروي مِثْلُهُ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ وَلَيْسَ بالثابت عنه وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ لَوْ أَعْتَقَ مِنْ عَبْدِهِ عُضْوًا أَوْ إِصْبَعًا عَتَقَ عَلَيْهِ كُلُّهُ
وَكَذَلِكَ قَالَ قَتَادَةُ
وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ خَالِدِ بن سلمة الفافا قال جاء رجل إلى بن عُمَرَ فَقَالَ لَهُ كَانَ لِي عَبْدٌ فَأَعْتَقْتُ ثلثه فقال بن عُمَرَ عَتَقَ كُلُّهُ لَيْسَ لِلَّهِ بِشَرِيكٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ مَنْ مَلَكَ شِقْصًا مِمَّنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ بِأَيِّ وَجْهٍ مَلَكَهُ سِوَى الْمِيرَاثِ فَإِنَّهُ يَعْتِقُ عَلَيْهِ جَمِيعُهُ وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا عِنْدَ كُلِّ مَنْ ذَكَرْنَا عَنْهُ عَتَقَ نَصِيبُ الشَّرِيكِ إِذَا أَعْتَقَ هُوَ حِصَّتَهُ عَلَى مَا قَدَّمْنَا مِنْهُمْ ذِكْرَهُ فَإِنْ مَلَكَهُ بِمِيرَاثٍ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي عِتْقِ نَصِيبِ شَرِيكِهِ عَلَيْهِ وَفِي السِّعَايَةِ عَلَى حَسَبِ مَا قَدَّمْنَا مِنْ أُصُولِهِمْ
وَفِي تضمن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمُعْتِقَ لِنَصِيبِهِ مِنْ عَبْدٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ قِيمَةَ باقي العبد دُونَ أَنْ يُلْزِمَهُ الْإِتْيَانَ بِنِصْفِ عَبْدٍ مِثْلِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنِ اسْتَهْلَكَ شَيْئًا مِنَ الْحَيَوَانِ أَوِ الْعُرُوضِ الَّتِي لَا تُكَالُ وَلَا تُوزَنُ أَوْ أَفْسَدَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا قِيمَةُ مَا اسْتَهْلَكَ دُونَ الْمِثْلِ فِيهِ
وَهَذَا مَوْضِعٌ اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ قَدِيمًا
فَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ إِلَى أَنَّ مَنْ أَفْسَدَ شَيْئًا مِنَ الْعُرُوضِ الَّتِي لَا تُكَالُ وَلَا تُوزَنُ أَوْ شَيْئًا مِنَ الْحَيَوَانِ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْقِيمَةُ لَا الْمِثْلُ بِدَلِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ الْقِيمَةُ أَعْدَلُ فِي ذَلِكَ
стр. 3283
وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ وَدَاوُدُ إِلَى أَنَّ الْقِيمَةَ لَا يُقْضَى بِهَا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا عِنْدَ عَدَمِ الْمِثْلِ
وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ ظَاهِرُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ) النَّحْلِ ١٢٦ وَلَمْ يَقُلْ بِقِيمَةِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ
وهذا عِنْدَهُمْ عَلَى عُمُومِهِ فِي الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عِنْدَ بعض نسائه فارسلت احدى امهات المؤمنين جَارِيَةً بِقَصْعَةٍ فِيهَا طَعَامٌ قَالَ فَضَرَبَتْ بِيَدِهَا فَكَسَرَتِ الْقَصْعَةَ وَسَقَطَ الطَّعَامُ فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الكسرتين فضم إحداهما إِلَى الْأُخْرَى وَجَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ وَيَقُولُ (غارت امكم كلوا) فاكلوا وحبس الرسول والقصعة حَتَّى جَاءَتْ قَصْعَةُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا وَدَفَعَ الْقَصْعَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الرَّسُولِ وَحَبَسَ الْمَكْسُورَةَ فِي بَيْتِهِ
وَمِثْلُ ذَلِكَ حَدِيثُ فُلَيْتِ بْنِ خَلِيفَةَ الْعَامِرِيِّ وَيُقَالُ لَهُ قُلَيْتٌ عَنْ جَسْرَةَ بِنْتِ دَجَاجَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ مَا رَأَيْتُ صَانِعًا طَعَامًا مِثْلَ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيِّيٍّ صَنَعَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَعَامًا فَبَعَثَتْ بِهِ فَأَخَذَنِي أَفْكَلٌ وَكَسَرْتُ الْإِنَاءَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا كَفَّارَةُ مَا صَنَعْتُ فَقَالَ (إِنَاءٌ مِثْلُ إِنَاءٍ وَطَعَامٌ مِثْلُ طَعَامٍ)
قَالَ مَالِكٌ وَالْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِي الْعَبْدِ يَعْتِقُ سَيِّدُهُ مِنْهُ شِقْصًا ثُلُثَهُ أَوْ رُبُعَهُ أَوْ نِصْفَهُ أَوْ سَهْمًا مِنَ الْأَسْهُمِ بَعْدَ مَوْتِهِ أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ مِنْهُ إِلَّا مَا أَعْتَقَ سَيِّدُهُ وَسَمَّى مِنْ ذَلِكَ الشِّقْصِ وَذَلِكَ أَنَّ عَتَاقَةَ ذَلِكَ الشِّقْصِ إِنَّمَا وَجَبَتْ وَكَانَتْ بَعْدَ وَفَاةِ الْمَيِّتِ وَأَنَّ سَيِّدَهُ كَانَ مُخَيَّرًا فِي ذَلِكَ مَا عَاشَ فَلَمَّا وَقَعَ الْعِتْقُ لِلْعَبْدِ عَلَى سَيِّدِهِ الْمُوصِي لَمْ يَكُنْ لِلْمُوصِي إِلَّا مَا أُخِذَ مِنْ مَالِهِ وَلَمْ يَعْتِقْ مَا بَقِيَ مِنَ الْعَبْدِ لِأَنَّ مَالَهُ قَدْ صَارَ لِغَيْرِهِ فَكَيْفَ يَعْتِقُ مَا بَقِيَ مِنَ الْعَبْدِ عَلَى قَوْمٍ آخَرِينَ لَيْسُوا هُمُ ابتدؤوا الْعَتَاقَةَ وَلَا أَثْبَتُوهَا وَلَا لَهُمُ الْوَلَاءُ وَلَا يَثْبُتُ لَهُمْ وَإِنَّمَا صُنْعُ ذَلِكَ الْمَيِّتِ هُوَ
стр. 3284
الَّذِي أَعْتَقَ وَأُثْبِتَ لَهُ الْوَلَاءُ فَلَا يُحْمَلُ ذَلِكَ فِي مَالِ غَيْرِهِ إِلَّا أَنْ يُوصِيَ بِأَنْ يَعْتِقَ مَا بَقِيَ مِنْهُ فِي مَالِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لِشُرَكَائِهِ وَوَرَثَتِهِ وَلَيْسَ لِشُرَكَائِهِ أَنْ يَأْبَوْا ذَلِكَ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي ثُلُثِ مَالِ الْمَيِّتِ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى وَرَثَتِهِ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ
قَالَ مَالِكٌ وَلَوْ أَعْتَقَ رَجُلٌ ثُلُثَ عَبْدِهِ وَهُوَ مَرِيضٌ فَبَتَّ عِتْقَهُ عَتَقَ عَلَيْهِ كُلُّهُ فِي ثُلُثِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يَعْتِقُ ثُلُثَ عَبْدِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ لِأَنَّ الَّذِي يُعْتِقُ ثُلُثَ عَبْدِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ لَوْ عَاشَ رَجَعَ فِيهِ وَلَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ وَأَنَّ الْعَبْدَ الَّذِي يَبُتُّ سَيِّدُهُ عِتْقَ ثُلُثِهِ فِي مَرَضِهِ يَعْتِقُ عَلَيْهِ كُلُّهُ إِنْ عَاشَ وَإِنْ مَاتَ أَعْتَقَ عَلَيْهِ فِي ثُلُثِهِ وَذَلِكَ أَنَّ أَمْرَ الْمَيِّتِ جَائِزٌ فِي ثُلُثِهِ كَمَا أَنَّ أَمْرَ الصَّحِيحِ جَائِزٌ فِي مَالِهِ كُلِّهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ أَتْقَنَ مَالِكٌ مَا ذكره في الموصي حِصَّتَهُ فِي عَبْدٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ وَفِي الَّذِي بَتَلَ عِتْقَ حِصَّتِهِ فِي مَرَضِهِ وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْوَصِيَّةِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَجَمَاعَةُ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى
وَخَالَفَهُ الْكُوفِيُّونَ فِي الْعِتْقِ الْبَتْلِ فِي الْمَرَضِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ فِي الْبَابِ الثَّانِي بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ
قَالَ مَالِكٌ ﵀ إِذَا أَعْتَقَ شَرِيكًا لَهُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ عِتْقَ بَتَاتٍ ثُمَّ مَاتَ كَانَ فِي ثُلُثِهِ كَالصَّحِيحِ فِي كُلِّ مَالِهِ
قَالَ وَلَوْ أَوْصَى بِعِتْقِ النَّصِيبِ مِنْ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُ إِلَّا مَا أَوْصَى بِهِ
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي الَّذِي يُوصِي بِعِتْقِ شِقْصٍ لَهُ مِنْ أَعْبُدٍ وَيُوصِي أَنْ يقوم عليه نصيب صاحبه
وقال بن سَحْنُونٍ لَمْ يَخْتَلِفْ أَصْحَابُنَا فِي الْمُوصِي بِعِتْقِ شِقْصٍ لَهُ مِنْ عَبْدٍ أَنَّهُ لَا يُقَوَّمُ عَلَيْهِ نَصِيبُ شَرِيكِهِ فَإِنْ أَوْصَى أَنْ يُقَوَّمَ عَلَيْهِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ
وَكَانَ سَحْنُونٌ وَغَيْرُهُ يَقُولُ يُسْتَهَمُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ فِي ثُلُثِهِ كَالصَّحِيحِ في جميع ماله
قال وروى بن وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُقَوَّمُ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الشَّرِيكُ تَقْدِيمَهُ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَهُ مُبَاحٌ
وَفِي (الْعَتْبِيَّةِ) رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ لِلْمُعْتِقِ يُقَوَّمُ عَلَيْهِ وَلَيْسَ لِلشَّرِيكِ أَنْ يَأْبَى ذَلِكَ
وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي الَّذِي يَعْتِقُ حِصَّتَهُ مِنْ عَبْدٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ وَيَمُوتُ مِنْ وَقْتِهِ
стр. 3285
وفي (المدونة) قال بن الْقَاسِمِ إِذَا مَاتَ الْمُعْتِقُ أَوْ أَفْلَسَ لَمْ يُقَوَّمْ فِي مَالِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ فَرْقًا بَيْنَ تَطَاوُلِ وَقْتِ مَوْتِهِ أَوْ قُرْبِ ذَلِكَ قَالَ وكذلك قال مالك
وذكر بن حَبِيبٍ أَنَّ مُطَرِّفًا رَوَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إِنْ مَاتَ بِحِدْثَانِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُقَوَّمُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ قَدْ تَبَاعَدَ فَلَا يُقَوَّمُ عَلَيْهِ
وذكر بن سحنون ذلك فقال اذا مات بحدثان ذلك قَوْمٍ عَلَيْهِ لِأَنَّ لِلشَّرِيكِ حَقًّا لَا يَتَطَلَّبُ الْمَعْرِفَةَ
وَفِي الْعَتْبِيَّةِ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُقَوَّمُ عَلَى الْمَيِّتِ فِي رَأْسِ مَالِهِ لَا فِي ثُلُثِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(٢ - بَابُ الشَّرْطِ فِي الْعِتْقِ)
١٤٧٣ - قَالَ مَالِكٌ مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ فَبَتَّ عِتْقَهُ حَتَّى تَجُوزَ شَهَادَتُهُ وَتَتِمَّ حُرْمَتُهُ وَيَثْبُتَ مِيرَاثُهُ فَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا يُشْتَرَطُ عَلَى عَبْدِهِ مِنْ مَالٍ أَوْ خِدْمَةٍ وَلَا يَحْمِلُ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنَ الرِّقِّ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ) فِي عَبْدٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةُ الْعَدْلِ فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ)
قَالَ مَالِكٌ فَهُوَ إِذَا كَانَ لَهُ الْعَبْدُ خَالِصًا أَحَقُّ بِاسْتِكْمَالِ عَتَاقَتِهِ وَلَا يَخْلِطُهَا بِشَيْءٍ مِنَ الرِّقِّ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّا قَوْلُهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ أَنَّهُ لَيْسَ لِمَنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ وَبَتَّ عِتْقَهُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ شَيْئًا مِمَّا يَشْتَرِطُهُ السَّيِّدُ عَلَى عَبْدِهِ - يَعْنِي مِنْ مَالٍ أَوْ خِدْمَةٍ فَإِنَّهُ يُقْضَى عَلَى قَوْلِهِ فِيمَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ أَنْتَ حُرٌّ وَعَلَيْكَ الَّذِي عِنْدَهُ وَأَنْتَ حُرٌّ عَلَى أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَيَّ كَذَا وَكَذَا
وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَمَا فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ مِنَ الْخِلَافِ وَتَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهَا فَلَا وَجْهَ لِإِعَادَتِهِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ فَهُوَ إِذَا كَانَ الْعَبْدُ لَهُ خَالِصًا - أَحَقُّ بِاسْتِكْمَالِ عَتَاقَتِهِ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي الْبَابِ قَبْلَ هَذَا أَنَّ رَبِيعَةَ وَأَبَا حَنِيفَةَ وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيَّ - قَاضِي الْبَصْرَةِ - كَانُوا يَقُولُونَ فِي الرَّجُلِ يُعْتِقُ بَعْضَ عَبْدِهِ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ مِنْهُ إِلَّا مَا عَتَقَ وَأَنَّ الْعَبْدَ يَسْعَى لِسَيِّدِهِ فِي قِيمَتِهِ مَا لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُ وَأَنَّ ذَلِكَ قَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ الله عنه
стр. 3286
وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ
وَذَكَرْنَا الْحَدِيثَ الَّذِي نَزَعَ بِهِ مَنْ قَالَ ذَلِكَ وَأَنَّ أَهْلَ الظَّاهِرِ قَالُوا بِهِ أَيْضًا وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَرَ عَلَى الْعَبْدِ سِعَايَةً
وَذَكَرْنَا أَنَّ مَالِكًا وَالشَّافِعِيَّ وَأَبَا يُوسُفَ وَمُحَمَّدًا وَالثَّوْرِيَّ وَمَنْ سَمَّيْنَاهُ مَعَهُمْ قَالُوا يَعْتِقُ عَلَيْهِ كُلُّهُ
وَمَا احْتَجَّ بِهِ مَالِكٌ صَحِيحٌ فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ لَهُ الْعَبْدُ كُلُّهُ كَانَ أَحَقَّ بِاسْتِكْمَالِ الْعِتْقِ عَلَيْهِ مِنَ الَّذِي أَعْتَقَ حِصَّةً لَهُ مِنْهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ
وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ كُلَّهُ فِي (التَّمْهِيدِ) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا
(٣ - بَابُ مَنْ أَعْتَقَ رَقِيقًا لَا يَمْلِكُ مَالًا غَيْرَهُمْ)
١٤٧٤ - مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَعَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّ رَجُلًا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَعْتَقَ عَبِيدًا لَهُ سِتَّةً عِنْدَ مَوْتِهِ فَأَسْهَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمْ فَأَعْتَقَ ثُلُثَ تِلْكَ الْعَبِيدِ
قَالَ مَالِكٌ وَبَلَغَنِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ الرَّجُلِ مَالٌ غَيْرُهُمْ
١٤٧٥ - مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ رَجُلًا فِي إِمَارَةِ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ أَعْتَقَ رَقِيقًا لَهُ كُلَّهُمْ جَمِيعًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غيرهم فأمر ابان بن عثمان بتلك الرقيق فقسمت أَثْلَاثًا ثُمَّ أَسْهَمَ عَلَى أَيِّهِمْ يَخْرُجُ سَهْمُ الْمَيِّتِ فَيَعْتِقُونَ فَوَقَعَ السَّهْمُ عَلَى أَحَدِ الْأَثْلَاثِ فَعَتَقَ الثُّلُثُ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ السَّهْمُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ ذَكَرَ مَالِكٌ فِي هَذَا الْبَابِ سُنَّةً وَعَمَلًا بِالْمَدِينَةِ فَالسُّنَّةُ فِي ذَلِكَ رَوَاهَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
وَحَدِيثُ عِمْرَانَ أَشْهَرُ وَأَكْثَرُ طُرُقًا وَهِيَ سُنَّةٌ انْفَرَدَ بِهَا أَهْلُ الْبَصْرَةِ وَاحْتَاجَ فِيهَا إِلَيْهِمْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَغَيْرُهُمْ
رواها عن عمران بن حصين الحسن وبن سِيرِينَ وَأَبُو الْمُهَلَّبِ الْجِرْمِيُّ وَرَوَاهَا عَنِ الْحَسَنِ عن عمران بن حصين جماعة مِنْهُمْ قَتَادَةُ وَحُمَيْدٌ الطَّوِيلُ
стр. 3287
وَسِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ وَيُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ وَمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ وَخَالِدٌ الْحَذَّاءُ
وَرَوَاهَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ وَهِشَامُ بْنُ حَسَّانَ وَيَحْيَى بْنُ عَتِيقٍ وَيَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التُّسْتَرِيُّ وَغَيْرُهُمْ
وَرَوَى هَذَا الحديث يزيد التستري عن الحسن وبن سِيرِينَ جَمِيعًا عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ
وَرَوَاهُ أَيُّوبُ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
وَرَوَى إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ وَسُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى كُلُّهُمْ سَمِعُوا مَكْحُولًا يَقُولُ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ أَعْتَقَتِ امْرَأَةٌ وَفِي رِوَايَةِ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ اعتقت امراته أَوْ رَجُلٌ سِتَّةَ أَعْبُدٍ لَهَا عِنْدَ الْمَوْتِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ لَهَا مَالٌ غَيْرُهُمْ فَأَقْرَعُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمْ فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً
وَقَدْ ذَكَرْنَا طُرُقَ هَذَا الْحَدِيثِ بِالْأَسَانِيدِ فِي (التَّمْهِيدِ) وَنَذْكُرُ هُنَا مِنْهَا طَرَفًا
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ حَدَّثَنِي وَكِيعٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْحَسَنِ وبن سيرين عن عمران بن حصين (أن رجلا أَعْتَقَ سِتَّةَ أَعْبُدٍ لَهُ فِي مَرَضِهِ فَأَقْرَعُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمْ فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً)
لَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَلَا فِي حَدِيثِ مَالِكٍ لَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الثِّقَاتِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ الْبُخَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ النَّرْسِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَعَنْ قَتَادَةَ وَحُمَيْدٍ وَسِمَاكٍ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ (أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ لَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ فَأَقْرَعُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمْ فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَتَرَكَ أَرْبَعَةً فِي الرِّقِّ
стр. 3288
وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنِي حَمَّادُ بْنُ بَكْرٍ وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنِي مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنِي حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَتِيقٍ وَأَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ (أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّةَ أَعْبُدٍ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَأَقْرَعُ بَيْنَهُمْ فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً)
قَالَ أَبُو عُمَرَ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الرَّجُلِ يَعْتِقُ فِي مَرَضِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ عَبِيدًا لَهُ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ
فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا بِهَذَا الْأَثَرِ الصَّحِيحِ وَذَهَبُوا إِلَيْهِ
وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَدَاوُدُ وَالطَّبَرِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ والحديث
ذكر بن عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ مَنْ أَعْتَقَ عَبِيدًا لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ لَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ قُسِّمُوا أَثْلَاثًا ثُمَّ يُسْهَمُ بَيْنَهُمْ فَيَعْتِقُ ثُلُثُهُمْ بِالسَّهْمِ وَيُرَقُّ مَا بَقِيَ وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمْ فَضْلٌ رُدَّ السَّهْمُ عَلَيْهِمْ فَأَعْتَقَ الْفَضْلُ وَسَوَاءٌ تَرَكَ مَالًا غَيْرَهُمْ أَوْ لَمْ يَتْرُكْ
قَالَ وَمَنْ أَعْتَقَ رَقِيقًا لَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِنِصْفِهِمْ فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَعْتِقَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفَهُ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ
قَالَ وَمَنْ قَالَ ثُلُثُ رَقِيقِي حُرٌّ أُسْهِمَ بَيْنَهُمْ وَإِنْ أَعْتَقَ كُلَّهُمْ أَسْهَمَ بَيْنَهُمْ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ
وَإِنْ قَالَ ثُلُثُ كُلِّ رَأْسٍ حُرٌّ وَنِصْفُهُ لَمْ يسهم بينهم
وقال بن الْقَاسِمِ كُلُّ مَنْ أَوْصَى بِعِتْقِ عَبِيدِهِ أَوْ بَتْلِ عِتْقِهِمْ فِي مَرَضِهِ وَلَمْ يَدَعْ غَيْرَهُمْ فَإِنَّهُ يَعْتِقُ بِالسَّهْمِ ثُلُثَهُمْ
وَكَذَلِكَ لَوْ تَرَكَ مَالًا وَالثُّلُثُ لَا يَسَعُهُمْ لَأَعْتَقَ مَبْلَغَ الثُّلُثِ مِنْهُمْ بِالسَّهْمِ
وَكَذَلِكَ لَوْ أَعْتَقَ مِنْهُمْ جُزْءًا سَمَّاهُ أَوْ عَدَدًا سَمَّاهُ
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ راس منهم حر فَالسَّهْمُ يَعْتِقُ مِنْهُمْ مَنْ يَعْتِقُ إِنْ كَانُوا خَمْسَةً فَخُمُسُهُمْ وَإِنْ كَانُوا سِتَّةً فَسُدُسُهُمْ خَرَجَ لِذَلِكَ أَقَلُّ مِنْ وَاحِدٍ أَوْ أَكْثَرُ
وَقَالَ لَوْ قَالَ عُشْرَهُمْ وَهُمْ سِتُّونَ عَتَقَ سُدُسُهُمْ أَخْرَجَ السَّهْمُ أَكْثَرَ مِنْ عَشْرَةٍ أَوْ أَقَلَّ
وهذا كُلُّهُ مَذْهَبُ مَالِكٍ
стр. 3289
وَلَمْ يَخْتَلِفْ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ فِي الَّذِي يُوصِي بِعِتْقِ عَبِيدِهِ فِي مَرَضِهِ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ أَنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ فَيَعْتِقُ ثُلُثَهُمْ بِالسَّهْمِ
وَكَذَلِكَ لَمْ يَخْتَلِفِ الْأَكْثَرُ مِنْهُمْ أَنَّ هَذَا حُكْمُ الَّذِي أَعْتَقَ عَبِيدَهُ فِي مَرَضِهِ عِتْقًا بَتْلًا وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ
وَقَالَ أَشْهَبُ وَأَصْبَغُ إِنَّمَا الْقُرْعَةُ فِي الْوَصِيَّةِ وَأَمَّا الْبَتْلُ فَهُمْ كَالْمُدَبَّرِينَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ حُكْمُ الْمُدَبَّرِينَ عِنْدَهُمْ إِذَا دَبَّرَهُمْ سَيِّدُهُمْ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ أَنَّهُ لَا يُبْدِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَا يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ وَيُقْضَى الثُّلُثُ عَلَى جَمِيعِهِمْ بِالْقِيمَةِ فَيَعْتِقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حِصَّتُهُ مِنَ الثُّلُثِ وَإِنْ لَمْ يَدَعْ مَالًا غَيْرَهُمْ عَتَقَ ثُلُثُ كُلِّ وَاحِدٍ وَإِنْ دَبَّرَ فِي مَرَضِهِ واحدا بعد واحد بدىء بِالْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ كَمَا دَبَّرَهُمْ فِي الصِّحَّةِ أَوْ فِي مَرَضِهِ ثُمَّ صَحَّ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَوْلُ أَشْهَبَ وَأَصْبَغَ خِلَافُ السُّنَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي صَدْرِ هَذَا الْبَابِ وَخِلَافُ أَهْلِ الْحِجَازِ وَأَهْلِ العراق ولم يرد السُّنَّةُ إِلَّا فِيمَنْ أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ سِتَّةَ أَعْبُدٍ لَهُ عِتْقًا بَتْلًا وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ لَا فِيمَنْ أَوْصَى بِعِتْقِهِمْ فَحَكَمَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِمْ بِحُكْمِ الْوَصَايَا فَأَرَقَّ ثُلُثَيْهِمْ وَأَعْتَقَ ثُلُثَهُمْ فَكَيْفَ يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ بِالْحَدِيثِ فِي الْوَصِيَّةِ دُونَ الْعِتْقِ الْبَتْلِ فَيُخَالِفُهُمْ نَصُّهُ وَيَقُولُ بِمَعْنَاهُ
وَذَكَرَ بن حبيب عن بن القاسم وبن كنانة وبن الْمَاجِشُونَ وَمُطَرِّفٍ قَالُوا إِذَا عَتَقَ الرَّجُلُ فِي مَرَضِهِ عَبِيدًا لَهُ عِتْقًا بَتْلًا أَوْ أَوْصَى لَهُمْ بِالْعَتَاقَةِ كُلِّهِمْ أَوْ بَعْضِهِمْ سَمَّاهُمْ أَوْ لَمْ يُسَمِّهِمْ إِلَّا أَنَّ الثُّلُثَ لَا يَحْمِلُهُمْ أَنَّ السَّهْمَ يُجْزِئُ فِيهِمْ كَانَ لَهُ مَالٌ سواهم او لم يكن
قال بن حبيب وقال بن نَافِعٍ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ سِوَاهُمْ لَمْ يُسْهِمْ بَيْنَهُمْ وَأَعْتَقَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مَا يَنُوبُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ سِوَاهُمْ أَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ تَافِهٌ فَإِنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَإِذَا أَعْتَقَ الرَّجُلُ فِي مَرَضِهِ عَبِيدًا لَهُ عِتْقَ بَتَاتٍ انْتُظِرَ بِهِمْ فَإِنْ صَحَّ عَتَقُوا مِنْ رَأْسِ مَالِهِ وَإِنْ مَاتَ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ وَأَعْتَقَ ثُلُثُهُمْ
قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْحُجَّةُ فِي أَنَّ الْعِتْقَ الْبَتَاتَ فِي الْمَرَضِ وَصِيَّةٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَقْرَعَ بَيْنَ سِتَّةِ مَمْلُوكِينَ أَعْتَقَهُمُ الرَّجُلُ فِي مَرَضِهِ وَأَنْزَلَ عِتْقَهُمْ وَصِيَّةً فَأَعْتَقَ ثُلُثَهُمْ
قَالَ الشَّافِعِيُّ وَلَوْ أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ عَبْدًا لَهُ عِتْقَ بَتَاتٍ وَلَهُ مُدَبِّرُونَ وَعَبِيدٌ
стр. 3290
اوصى بعتقهم بعد موته بدىء بِالَّذِينِ بَتَّ عِتْقَهُمْ فِي مَرَضِهِ لِأَنَّهُمْ يَعْتِقُونَ عَلَيْهِ إِنْ صَحَّ وَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِمْ بِحَالٍ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْقُرْعَةُ أَنْ تُكْتَبَ رِقَاعٌ ثُمَّ يُكْتَبُ أَسْمَاءُ الْعَبِيدِ ثُمَّ يُبَنْدَقُ بَنَادِقُ مِنْ طِينٍ ثُمَّ يُجْعَلُ فِي كُلِّ بُنْدُقَةٍ رُقْعَةٌ وَيُجْرَى الرَّقِيقُ أَثْلَاثًا ثُمَّ يُؤْمَرُ رَجُلٌ مِنْهُمْ لَمْ يَحْضُرِ الرِّقَاعَ فَيُخْرِجُ رُقْعَةً عَلَى كُلِّ جُزْءٍ وَإِنْ لَمْ يَسْتَوُوا فِي الْقِيمَةِ عُدِّلُوا وَضُمَّ قَلِيلُ الثَّمَنِ إِلَى كَثِيرِ الثَّمَنِ وَجَعَلُوهُ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ قَلُّوا أَوْ كَثُرُوا إِلَّا أَنْ يَكُونُوا عَبْدَيْنِ فَإِنْ وَقَعَ الْعِتْقُ عَلَى جُزْءٍ فِيهِ عِدَّةُ رَقِيقٍ أَقَلُّ مِنَ الثُّلُثِ أُعِيدَتِ الرُّقْعَةُ بَيْنَ السَّهْمَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ فَأَيُّهُمْ وَقَعَ عَلَيْهِ أَعْتَقَ مِنْهُ بَاقِي الثُّلُثِ
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي هَذَا كُلِّهِ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ سواء
وذكر عبد الرزاق قال اخبرنا بن جريج قال اخبرني سليمان بن مُوسَى قَالَ سَمِعْتُ مَكْحُولًا يَقُولُ أَعْتَقَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ عَبِيدًا لَهَا سِتَّةً لَمْ يَكُنْ لَهَا مَالٌ غَيْرُهُمْ فَلَمَّا بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ غَضِبَ وَقَالَ فِي ذَلِكَ قَوْلًا شَدِيدًا ثُمَّ دَعَا بِسِتَّةِ قِدَاحٍ فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ
قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى كُنْتُ أُرَاجِعُ مَكْحُولًا فَأَقُولُ إِنْ كَانَ عَبْدٌ ثمن أَلْفُ دِينَارٍ أَصَابَتْهُ الْقُرْعَةُ ذَهَبَ الْمَالُ فَقَالَ قِفْ عِنْدَ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قال بن جُرَيْجٍ قُلْتُ لِسُلَيْمَانَ الْأَمْرُ يَسْتَقِيمُ عَلَى مَا قَالَ مَكْحُولٌ قَالَ كَيْفَ قُلْتُ يُقَيَّمُونَ قِيمَةً فَإِنْ زَادَ اللَّذَانِ أُعْتِقَا عَلَى الثُّلُثِ أُخِذَ مِنْهُمَا الثُّلُثُ وَإِنْ نَقَصَا عَتَقَ مَا بَقِيَ أَيْضًا بِالْقُرْعَةِ فَإِنْ فَضَلَ عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْهُمْ
قَالَ ثُمَّ بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَقَامَهُمْ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قد روي في حديث بْنِ سِيرِينَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَزَّأَهُمْ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَقَامَهُمْ وَعَدَلَهُمْ بِالْقِيمَةِ وَلَا يُمْكِنُ غَيْرُ ذَلِكَ فِي إِخْرَاجِ الثُّلُثِ
قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الله بن ابي دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ حَدَّثَنِي هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ رَجُلًا كَانَ لَهُ ستة اعبد ولم يكن له مال غيرهم فَأَعْتَقَهُمْ عِنْدَ مَوْتِهِ فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَجَزَّأَهُمْ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً
وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَمَنْ ذَكَرْنَا معهم
стр. 3291
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِيمَنْ أَعْتَقَ عَبِيدًا لَهُ فِي مَرَضِهِ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ عَتَقَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُلُثُهُ وَسَعَوْا فِي الْبَاقِي
وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ
وَقَالَ أَبُو حنيفة حكم كل واحد منهم ما دام يَسْعَى حُكْمُ الْمُكَاتَبِ
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ هُمْ أَحْرَارٌ وَثُلْثَا قِيمَتِهِمْ دَيْنٌ عَلَيْهِمْ يَسْعَوْنَ فِي ذَلِكَ حَتَّى يُؤَدُّوهُ إِلَى الْوَرَثَةِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ رَدَّ الْكُوفِيُّونَ السُّنَّةَ الْمَأْثُورَةَ فِي هَذَا الْبَابِ إِمَّا بِأَنْ لَمْ يَبْلُغْهُمْ أَوْ بِأَنْ لَمْ تَصِحَّ عَنْهُمْ وَمِنْ أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ عَرْضُ أَخْبَارِ الْآحَادِ عَلَى الْأُصُولِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا أَوِ الْمَشْهُورَةِ الْمُنْتَشِرَةِ
وَالْحُجَّةُ قَائِمَةٌ عَلَى مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَهُمْ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْجَامِعِ فِي هَذَا الْبَابِ وَلَيْسَ الْجَهْلُ بِالسُّنَّةِ وَلَا الْجَهْلُ بِصِحَّتِهَا عِلَّةٌ يَصِحُّ لِعَاقِلٍ الِاحْتِجَاجُ بِهَا وَقَدْ أَنْكَرَهَا قَبْلَهُمْ شَيْخُهُمْ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ
وَرَوَى مُؤَمِّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ ذَكْوَانَ أَنَّهُ سَمِعَ حَمَّادَ بْنَ أَبِي سُلَيْمَانَ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ الَّذِي جَاءَ فِي الْقُرْعَةِ بَيْنَ الْأَعْبُدِ السِّتَّةِ الَّذِينَ أَعْتَقَهُمْ سَيِّدُهُمْ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ
قَالَ هَذَا قَوْلُ الشَّيْخِ يَعْنِي إِبْلِيسَ فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ ذَكْوَانَ لَهُ وُضِعَ الْقَلَمُ عَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ فَقَالَ لَهُ حَمَّادٌ مَا دَعَاكَ إِلَى هَذَا فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ ذَكْوَانَ وَأَنْتَ مَا دَعَاكَ إِلَى هَذَا قَالَ وَكَانَ حَمَّادُ رُبَّمَا صُرِعَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ بَنَى الْكُوفِيُّونَ مَذْهَبَهُمْ عَلَى أَنَّ الْعَبِيدَ الْمُعْتَقِينَ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ قَدِ اسْتَحَقَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الْعِتْقَ لَوْ كَانَ لِسَيِّدِهِمْ مَالٌ يُخْرَجُونَ مِنْ ثُلُثِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ لَمْ يَكُنْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَحَقَّ بِالْعِتْقِ مِنْ غَيْرِهِ وَكَذَلِكَ عَتَقَ مَنْ كُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثُهُ وَسَعَى فِي ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ لِلْوَرَثَةِ لِقَوْلِهِمْ بِالسِّعَايَةِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي مُعْسِرٍ أَعْتَقَ حِصَّتَهُ مِنْ عَبْدٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخَرَ عَلَى مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ فِي مَا مَضَى مِنْ هَذَا الْكِتَابِ
وَهَذَا عِنْدَنَا لَا يَجُوزُ أَنْ تُرَدَّ سُنَّةٌ بِمَعْنَى مَا فِي أُخْرَى إِذَا أَمْكَنَ اسْتِعْمَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِوَجْهٍ مَا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ وَالصَّوَابُ لَا شَرِيكَ لَهُ
وَفِي حَدِيثِ هَذَا الْبَابِ مِنَ الْفِقْهِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ جَائِزَةٌ لِغَيْرِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ لِأَنَّ عِتْقَهُمْ فِي الْعَبِيدِ لِمَرَضِهِمْ وَصِيَّةٌ لَهُمْ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا بِوَالِدَيْنِ
стр. 3292
لِمَالِكِهِمُ الْمُعْتِقِ لَهُمْ وَلَا بِأَقْرَبِينَ لَهُ وَقَدْ قَالَ بِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لَا تَجُوزُ إِلَّا لِلْأَقْرَبِينَ غَيْرِ الْوَارِثِينَ وَلَا تَجُوزُ لِغَيْرِهِمْ وَلَا عِنْدَ عَدَمِهِمْ طَائِفَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ
وَسَيَأْتِي ذِكْرُ ذَلِكَ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِ الْوَصَايَا
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَفْعَالَ الْمَرِيضِ كُلُّهَا مِنْ عِتْقٍ وَهِبَةٍ وَعَطِيَّةٍ كَالْوَصِيَّةِ لَا يَجُوزُ فِيهَا أَكْثَرُ مِنَ الثُّلُثِ
وَقَدْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ قَوْمٌ زَعَمُوا أَنَّ أَفْعَالَ الْمَرِيضِ فِي رَأْسِ مَالِهِ كَأَفْعَالِ الصَّحِيحِ وَلَمْ يَجْعَلُوا ذَلِكَ كَالْوَصَايَا وَيَأْتِي ذِكْرُ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي الْوَصَايَا - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
وَفِيهِ أَيْضًا إِبْطَالُ السعاية مع دليل حديث بن عُمَرَ فِي ذَلِكَ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ
(٤ - بَابُ الْقَضَاءِ في مال العبد اذا عتق)
١٤٧٦ - مالك عن بن شِهَابٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ مَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ العبد اذا عتق تَبِعَهُ مَالُهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَالُوا إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَعْلَمَ بِسُنَّةٍ مَاضِيَةٍ مِنِ بن شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ
فَقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إِذَا أُعْتِقَ الْعَبْدُ فَمَالُهُ لَهُ دُونَ السَّيِّدِ
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ بِالْعِرَاقِ فِي (الْقَدِيمِ) الَّذِي يَرْوِيهِ الزَّعْفَرَانِيُّ عَنْهُ
وَحُجَّةُ مَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ حَدِيثُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ نَافِعٍ عن بْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ فَمَالُهُ لَهُ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ السَّيِّدُ)
رَوَاهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ هَكَذَا بِإِسْنَادِهِ هَذَا وَلَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ نَافِعٍ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا الَّذِي عِنْدَ أَصْحَابِ مَالِكٍ نَافِعٌ وَعُبَيْدُ اللَّهِ وَأَيُّوبُ وغيرهم عن نافع عن بن عُمَرَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ
стр. 3293
هكذا يرويه نافع عن بن عُمَرَ عَنْ عُمَرَ
وَيَرْوِيهِ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ من رواية بن شِهَابٍ وَغَيْرِهِ عَنْ سَالِمٍ
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ بن عُمَرَ فِي الْعَبْدِ يَعْتِقُ أَنَّهُ يَتْبَعُهُ مَالُهُ وَكَانَ يَأْذَنُ لِعَبِيدِهِ فِي التَّسَرِّي
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ (الْعَبْدُ إِذَا أُعْتِقَ تَبِعَهُ مَالُهُ)
وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَطَاوُسٌ وَمُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ وَالزُّهْرِيُّ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ
وَأَمَّا خَبَرُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ فَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بن صالح قال حدثني بن وهب قال حدثنا بن لَهِيعَةَ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ عن نافع عن بْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنْ أَعْتَقَ مَمْلُوكًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُ الْعَبْدِ لِلسَّيِّدِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ السَّيِّدُ)
وَكُلُّ مَنْ قَالَ إِنَّمَا مَالُ الْعَبْدِ تَبَعٌ لَهُ إِذَا عَتَقَ يَقُولُ (إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ السَّيِّدُ)
وَقَالَ آخَرُونَ (إِذَا عَتَقَ الْعَبْدُ فَمَالُهُ لسيده مولاه)
وممن قال ذلك الثوري وبن شُبْرُمَةَ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ بِمِصْرَ فِي الْكِتَابِ الْجَدِيدِ وَهُوَ تَحْصِيلُ مَذْهَبِهِ وروي ذلك عن مسعود وانس بن مالك
وبه قال بن طَاوُسٍ وَالْحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ
وَقَدْ كَانَ أَحْمَدُ يُجْبِرُ عَنِ الْقَوْلِ بِهِ لِحَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ المذكور
وقد روي خبر بن مَسْعُودٍ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا يَصِحُّ أَنَّهُ لَمْ يَرْفَعْهُ إِلَّا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ أَبِي الْمُسَاوِرِ وَهُوَ ضَعِيفٌ جدا
стр. 3294
قَالَ أَبُو عُمَرَ سَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي مِلْكِ الْعَبْدِ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - عِنْدَ قَوْلُهُ ﷺ (مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ)
قَالَ مَالِكٌ وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا عَتَقَ تَبِعَهُ مَالُهُ أَنَّ الْمُكَاتَبَ إِذَا كُوتِبَ تَبِعَهُ مَالُهُ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ وَذَلِكَ أَنَّ عَقْدَ الْكِتَابَةِ هُوَ عَقْدُ الْوَلَاءِ إِذَا تَمَّ ذلك وليس مَالُ الْعَبْدِ وَالْمُكَاتَبُ بِمَنْزِلَةِ مَا كَانَ لَهُمَا مِنْ وَلَدٍ إِنَّمَا أَوْلَادُهُمَا بِمَنْزِلَةِ رِقَابِهِمَا لَيْسُوا بِمَنْزِلَةِ أَمْوَالِهِمَا لِأَنَّ السُّنَّةَ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا عَتَقَ تَبِعَهُ مَالُهُ وَلَمْ يَتْبَعْهُ وَلَدُهُ وَأَنَّ الْمُكَاتَبَ إِذَا كُوتِبَ تَبِعَهُ مَالُهُ وَلَمْ يَتْبَعْهُ وَلَدُهُ
قَالَ مَالِكٌ وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ الْعَبْدَ وَالْمُكَاتَبَ إِذَا أَفْلَسَا أُخِذَتْ أَمْوَالُهُمَا وَأُمَّهَاتُ أَوْلَادِهِمَا وَلَمْ تُؤْخَذْ أَوْلَادُهُمَا لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِأَمْوَالٍ لَهُمَا
قَالَ مَالِكٌ وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا بِيعَ وَاشْتَرَطَ الَّذِي ابْتَاعَهُ مَالَهُ لَمْ يَدْخُلْ وَلَدُهُ فِي مَالِهِ
قَالَ مَالِكٌ وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا جُرِحَ أُخِذَ هُوَ وَمَالُهُ وَلَمْ يُؤْخَذْ وَلَدُهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ الْخِلَافُ فِي مَالِ الْمُكَاتَبِ عِنْدَ عَقْدِ كِتَابَتِهِ كَالْخِلَافِ فِي الْعَبْدِ عِنْدَ عِتْقِهِ
وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا يَقُولُونَ مَالُ الْمُكَاتَبِ لِسَيِّدِهِ إِلَّا مَا اكْتَسَبَهُ فِي كِتَابَتِهِ وَوَلَدُهُ مِنْ سُرِّيَّتِهِ وَقَدْ مَضَى ذَلِكَ كُلُّهُ فِي كِتَابِ الْمُكَاتَبِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ
وَقَوْلُهُمْ فِي مَالِهِ أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ فِي جِنَايَتِهِ إِلَّا بِرِضَا سَيِّدِهِ وَعَلَى سَيِّدِهِ أَنْ يُسَلِّمَ رَقَبَتَهُ بِالْجِنَايَةِ أَوْ يَفْتَكَّهُ بِأَرْشِهَا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
(٥ - بَابُ عِتْقِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَجَامِعُ الْقَضَاءِ فِي الْعَتَاقَةِ)
١٤٧٧ - مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ أَيُّمَا وَلِيدَةٍ وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا فَإِنَّهُ لَا يَبِيعُهَا وَلَا يَهَبُهَا وَلَا يُوَرِّثُهَا وَهُوَ يَسْتَمْتِعُ بِهَا فَإِذَا مَاتَ فَهِيَ حُرَّةٌ
стр. 3295
قَالَ أَبُو عُمَرَ اخْتَلَفَ السَّلَفُ وَالْخَلْفُ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي عِتْقِ أُمِّ الْوَلَدِ وَفِي جَوَازِ بَيْعِهَا
فَالثَّابِتُ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهَا لَا تُبَاعُ عِنْدَهُ أَبَدًا وَأَنَّهَا حُرَّةٌ مِنْ رَأْسِ مَالِ سَيِّدِهَا
وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ
وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ وَسَالِمِ بن عبد الله بن عمر وابراهيم وبن شِهَابٍ
وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَكْثَرِ كُتُبِهِ وَقَدْ أَجَازَ بَيْعَهَا فِي بَعْضِ كُتُبِهِ
قَالَ الْمُزَنِيُّ قَدْ قَطَعَ فِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا فِي كُتُبِهِ بِأَنْ لَا تُبَاعَ وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِهِ وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِهِ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَزُفَرُ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو ثَوْرٍ كُلُّهُمْ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ بَيْعُ أُمِّ الْوَلَدِ
وَكَانَ ابو بكر الصديق وعلي وبن عباس وبن الزُّبَيْرِ وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ﵃ يُجِيزُونَ بَيْعَ أُمِّ الْوَلَدِ
وَبِهِ قَالَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ
وَقَالَ جَابِرٌ وَأَبُو سَعِيدٍ كُنَّا نَبِيعُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قال اخبرنا بن جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ كُنَّا نَبِيعُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِينَا لَا يَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا
قَالَ واخبرنا بن جريح قَالَ وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْوَلِيدِ أَنَّ أَبَا إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ كَانَ يَقُولُ بِبَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ فِي إِمَارَتِهِ وَعُمَرَ فِي نِصْفِ امارته
وقال بن مسعود تعتق في نصيب وَلَدِهَا وَذِي بَطْنِهَا
وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ بن عباس وبن الزبير
следующие страницы →