Полный текст (4 158 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.
стр. 3536
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ
وَبِهِ قَالَ أَئِمَّةُ الْفَتْوَى بِالْأَمْصَارِ وَأَصْحَابُهُمْ إِلَى الْيَوْمِ وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى مُرَاعَاتِهِمُ الْحِرْزَ وَأَنَّهُ لَا قَطْعَ إِلَّا عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْ حِرْزٍ
وَالْخِلَافُ فِي هَذَا شُذُوذٌ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ وَلَا يُعَرَّجُ عَلَيْهِ وَهُوَ الصَّحِيحُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَيْهِ
وَنَحْنُ نَذْكُرُ مَا فِي كِتَابِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بْنِ هَمَّامٍ وَأَبِي بَكْرٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ فِي ذَلِكَ لِنَرَى مَا عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ واخبرنا بن جُرَيْجٍ قَالَ قُلْتُ لِعَطَاءٍ السَّارِقُ يُوجَدُ فِي الْبَيْتِ وَقَدْ جَمَعَ الْمَتَاعَ وَلَمْ يَخْرُجْ بِهِ قَالَ لَا قَطْعَ عَلَيْهِ حَتَّى يَخْرُجَ بِهِ
قال بن جُرَيْجٍ وَقَالَ لِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ لَا قطع عليه حتى يخرج به
قال بن جُرَيْجٍ وَأَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى أَنَّ عُثْمَانَ قَضَى أَنَّهُ لَا قَطْعَ عَلَيْهِ حَتَّى يَخْرُجَ به وان كان قد جمعه
قال بن جريج واخبرني عمرو بن شعيب ان بن الزبير اراد قطعه فقال له بن عُمَرَ لَا قَطْعَ عَلَيْهِ حَتَّى يَخْرُجَ بِالْمَتَاعِ من البيت وقال له بن عُمَرَ أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا وُجِدَ بَيْنَ رجلي امراة لم يصيبها أَكُنْتَ تَحُدُّهُ قَالَ لَا لَعَلَّهُ سَوْفَ يَنْزِعُ - قَبْلَ أَنْ يُوقِعَهَا قَالَ وَهَذَا كَذَلِكَ مَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ كَانَ نَازِعًا تَائِبًا وَتَارِكًا لِلْمَتَاعِ
قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قال اذا وجد السارق في البيت قد جَمَعَ الْمَتَاعَ وَلَمْ يَخْرُجْ بِهِ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ وَلَكِنْ يُنَكَّلُ
قَالَ مَعْمَرٌ وَقَالَ قَتَادَةُ هُوَ رَجُلٌ أَرَادَ أَنْ يَسْرِقَ فَلَمْ يَدَعُوهُ
قَالَ وَأَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ لَا يُقْطَعُ السَّارِقُ حَتَّى يَخْرُجَ بِالْمَتَاعِ مِنَ الْبَيْتِ
قَالَ وَأَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ عَنْ يُونُسَ عَنِ الْحَسَنِ مِثْلَ قَوْلِ الشَّعْبِيِّ
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ مِنْ حَدِيثِ حُصَيْنٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ وَمِنْ حَدِيثِ حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ضُمَيْرَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيٍّ ﵁
وَمِنْ حَدِيثِ حُصَيْنٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ
وَكَتَبَ فِيهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنْ يُنَكَّلَ وَيُسْجَنُ وَلَا يُقْطَعُ
وَذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حدثني وكيع عن بن جريج عن
стр. 3537
سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى عَنْ عُثْمَانَ قَالَ لَيْسَ عَلَيْهِ قَطْعٌ حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ الْبَيْتِ بِالْمَتَاعِ
قال واخبرنا وكيع عن بن جريج عن عمرو بن شعيب عن بن عُمَرَ قَالَ لَيْسَ عَلَيْهِ قَطْعٌ حَتَّى يَخْرُجَ بِالْمَتَاعِ
قَالَ وَحَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي الْفُرَاتِ وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ لَا يُقْطَعُ حَتَّى يَخْرُجَ بِالْمَتَاعِ مِنَ الْبَيْتِ
قَالَ وَأَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ عَاصِمٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ سَرَقَ سَرِقَةً ثُمَّ كَوَّرَهَا فَأُدْرِكَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْبَيْتِ قَالَ لَيْسَ عَلَيْهِ قَطْعٌ
قَالَ وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ زَكَرِيَّا عَنِ الشَّعْبِيِّ مِثْلَهُ
قَالَ وَحَدَّثَنِي محمد بن بكر قال حدثني بن جُرَيْجٍ قَالَ قُلْتُ لِعَطَاءٍ يُوجَدُ السَّارِقُ وَقَدْ أَخَذَ الْمَتَاعَ وَجَمَعَهُ فِي الْبَيْتِ قَالَ لَا قَطْعَ عَلَيْهِ حَتَّى يَخْرُجَ بِهِ مِنَ الْبَيْتِ زَعَمُوا
قَالَ وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ مَا أَرَى عَلَيْهِ قَطْعًا
قَالَ وَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حُمَيْدٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ فِي سَارِقٍ لَا يُقْطَعُ حَتَّى يَخْرُجَ بِالْمَتَاعِ مِنَ الدَّارِ لَعَلَّهُ تَعْرِضُ لَهُ تَوْبَةٌ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الدَّارِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَا أَعْلَمُ لِمَنْ لَمْ يَعْتَبِرِ الْحِرْزَ مُتَعَلِّقًا بِأَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ إِلَّا مَا رُوِي عَنْ عَائِشَةَ ﵂
ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ قَالَ بَلَغَ عَائِشَةَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِذَا لَمْ يَخْرُجْ بِالْمَتَاعِ مِنَ الْبَيْتِ لَمْ يُقْطَعْ فَقَالَتْ لَوْ لَمْ أَجِدْ إِلَّا سِكِّينًا لَقَطَعْتُهُ إِذَا لَمْ يَخْرُجْ
قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْخُلْسَةِ قَطْعٌ بَلَغَ ثَمَنُهَا مَا يُقْطَعُ فِيهِ أَوْ لَمْ يَبْلُغْ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا كَمَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ أَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ لَا خِلَافَ فِيهِ وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ في الخلسة في ما تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ فَلَا وَجْهَ لِإِعَادَتِهِ وبالله التوفيق
стр. 3538
(٤٢ كِتَابُ الْأَشْرِبَةِ)
(بَابُ الْحَدِّ فِي الْخَمْرِ)
١٥٦٠ - مَالِكٌ عن بن شِهَابٍ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ إِنِّي وَجَدْتُ مِنْ فُلَانٍ رِيحَ شَرَابٍ فَزَعَمَ أَنَّهُ شَرَابُ الطِّلَاءِ وَأَنَا سَائِلٌ عَمَّا شَرِبَ فَإِنْ كَانَ يُسْكِرُ جَلَدْتُهُ فَجَلَدَهُ عُمَرُ الْحَدَّ تَامًّا
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا الْإِسْنَادُ أَصَحُّ مَا يُرْوَى مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ وُجُوبُ الْحَدِّ عَلَى مَنْ شَرِبَ مُسْكِرًا أَسْكَرَ أَوْ لَمْ يُسْكِرْ خَمْرًا كَانَ مَنْ خَمْرِ الْعِنَبِ أَوْ نَبِيذًا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ الْخَمْرِ وَلَا أَنَّهُ كَانَ سَكْرَانَ وَإِنَّمَا فِيهِ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ أَنَّ الشَّرَابَ الَّذِي شَرَبَ مِنْهُ إِنْ كَانَ يُسْكِرُ جَلَدَهُ الْحَدَّ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ شَرَابًا لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ الْخَمْرُ الْمُحَرَّمُ قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مَا سَأَلَ عَنْهُ
وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ قَلِيلَ الْخَمْرِ مِنَ الْعِنَبِ فِيهِ مِنَ الْحَدِّ مِثْلُ مَا فِي كَثِيرِهَا وَلَا يُرَاعَى السُّكْرُ فِيهَا وَإِنَّمَا اختلفوا في ما سِوَاهَا مِنَ الْأَنْبِذَةِ الْمُسْكِرَةِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَفِيهِ القضاء بالحد على من وجد منه رِيحُ الْخَمْرِ وَهَذَا مَوْضِعٌ اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ قَدِيمًا
فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَمَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ الْحَدَّ عَلَى مَنْ وُجِدَ مِنْهُ رِيحُ الْخَمْرِ
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَجُمْهُورِ أَهْلِ الْحِجَازِ إِذَا أَقَرَّ شَارِبُهَا أَنَّهَا رِيحُ خَمْرٍ أَوْ شُهِدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ
стр. 3539
وَكَذَلِكَ عِنْدَهُمْ رِيحُ الْمُسْكِرِ سَوَاءٌ لِأَنَّ كُلَّ معسكر عِنْدَهُمْ خَمْرٌ عَلَى مَا رَوَوْا فِي ذَلِكَ عن النبي وَسَيَأْتِي بَعْدُ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ فَقَالُوا لَا حَدَّ عَلَى أَحَدٍ فِي رائحة الخمر وهو يعقل لا رائحة المعسكر
وذكر عبد الرزاق عن بن جُرَيْجٍ قَالَ قُلْتُ لِعَطَاءٍ الرِّيحُ تُوجَدُ مِنْ شَارِبِ الْخَمْرِ وَهُوَ يَعْقِلُ قَالَ لَا حَدَّ إِلَّا بِالْبَيِّنَةِ قَدْ تَكُونُ الرَّائِحَةُ مِنَ الشَّرَابِ الَّذِي لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ
قَالَ وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ لَا حَدَّ فِي الرِّيحِ
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمَا
قَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يُحَدُّ الَّذِي يُوجَدُ مِنْهُ رِيحُ الْخَمْرِ إِلَّا بِأَنْ يَقُولَ شَرِبْتُ خَمْرًا أَوْ مُسْكِرًا أَوْ يَشْهَدُ بِذَلِكَ عَلَيْهِ وَسَوَاءٌ سَكِرَ أَوْ لَمْ يَسْكَرْ قَالَ وَلَوْ شَرِبَ شَرَابًا فَلَمْ يَسْكَرْ وَشَرِبَ مِنْ ذَلِكَ الشَّرَابِ غَيْرُهُ فَسَكِرَ كَانَ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا الْحَدُّ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَرِبَ مُسْكِرًا
وَأَمَّا الْعِرَاقِيُّونَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وسفيان الثوري وبن أبي ليلى وشريك وبن شُبْرُمَةَ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَسَائِرُ فُقَهَاءِ الْكُوفَةِ وَأَكْثَرُ عُلَمَاءِ الْبَصْرَةِ فَإِنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ فِي شُرْبِ الْمُسْكِرِ حَدًّا إِلَّا عَلَى مَنْ سَكِرَ مِنْهُ وَلَا يُرَاعُونَ الرِّيحَ مِنَ الْخَمْرِ وَلَا مِنَ الْمُسْكِرِ
قَالَ وَلَا يَرَوْنَ فِي الرِّيحِ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ حَدًّا
وَهَذَا خِلَافٌ عَنِ السَّلَفِ مِنَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ لَمْ يُخَالِفْهُمْ مِثْلُهُمْ
وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي وَكِيعٌ عَنْ بن أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ كَانَ يَضْرِبُ فِي الرِّيحِ
وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أخبرنا بن جريج قال حدثنا بن شِهَابٍ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ حَضَرَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَهُوَ يَجْلِدُ رَجُلًا وَجَدَ منه ريح شراب فجلده الحد تاما
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَمْ يُسَمِّ مَالِكٌ وَلَا بن جريج في حديثهما هذا عن بن
стр. 3540
شهاب الموجود منه ريح الشارب الْمَجْلُودُ فِيهِ وَقَدْ سَمَّاهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بن عيينة ومعمر
روى الحميدي وغيره عن بن عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ قَالَ عُمَرُ ذُكِرَ لِي أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ وَأَصْحَابَهُ شَرِبُوا شَرَابًا بِالشَّامِ وَأَنَا سَائِلٌ عنه فإن كان مسكرا جلدتهم
قال بن عُيَيْنَةَ وَحَدَّثَنِي مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ رَأَيْتُ عُمَرَ حَدَّهُمْ
قَالَ أبو عمر حديث بن عُيَيْنَةَ هَذَا لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ جَلَدَهُمْ فِي رِيحِ الشَّرَابِ بَلْ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ حَدَّهُمْ بِمَا ذكر له وهي الشهادة ولكن بن عُيَيْنَةَ لَمْ يَأْتِ بِالْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَقَدْ ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ هَذَا الْخَبَرَ فَقَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ شَاهَدْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَقَالَ إِنِّي وَجَدْتُ مِنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رِيحَ شَرَابٍ وَإِنِّي سَأَلْتُهُ عَنْهُمَا فَزَعَمَ أَنَّهُ الطِّلَاءُ وَإِنِّي سَائِلٌ عَنِ الشَّرَابِ الَّذِي شَرِبَهُ فَإِنْ كَانَ مُسْكِرًا جَلَدْتُهُ قَالَ فَشَهِدَتْهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَجْلِدُهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ جَوَّدَ مَعْمَرٌ وَمَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عُمَرَ
وَأَمَّا حديث بن مسعود فذكره عبد الرزاق عن بن عُيَيْنَةَ وَذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ وَاللَّفْظُ لِحَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ بِحِمْصَ سُورَةَ يُوسُفَ فَقَالَ رَجُلٌ مَا هَكَذَا أُنْزِلَتْ فَدَنَا مِنْهُ عَبْدُ اللَّهِ فَوَجَدَ مِنْهُ رِيحَ الْخَمْرِ فَقَالَ لَهُ تُكَذِّبُ بِالْحَقِّ وَتَشْرَبُ الرِّجْسَ وَاللَّهِ لَهَكَذَا أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا أَدَعُكَ حَتَّى أَحُدَّكَ فَجَلَدَهُ الْحَدَّ
وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي كَثِيرِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ أَنَّ ذَا قَرَابَةٍ لِمَيْمُونَةَ دَخَلَ عَلَيْهَا فَوَجَدَتْ مِنْهُ رِيحَ شَرَابٍ فَقَالَتْ لَئِنْ لَمْ تَخْرُجْ إِلَى الْمُسْلِمِينَ فَيَحُدُّونَكَ وَيُطَهِّرُكَ رَبُّكَ لَا تَدْخُلْ عَلَيَّ بَيْتِي أَبَدًا
وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عن بن جريج عن بن أبي مليكة قال كتبت إلى بن الزُّبَيْرِ أَسْأَلُهُ عَنِ الرَّجُلِ يُوجَدُ مِنْهُ رِيحُ الشَّرَابِ فَقَالَ إِنْ كَانَ مُدْمِنًا فَأَحِدُّوهُ
وَذَكَرَ عبد الرزاق عن بن جريج قال سمعت بن أَبِي مُلَيْكَةَ مِثْلَهُ بِمَعْنَاهُ
стр. 3541
وَذَكَرَهُ وَكِيعٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شَرِيكٍ عَنِ بن أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ أُتِيتُ بِرَجُلٍ يُوجَدُ مِنْهُ رِيحُ الْخَمْرِ وَأَنَا قَاضٍ عَلَى الطَّائِفِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَضْرِبَهُ فَقَالَ إِنَّمَا أَكَلْتُ فَاكِهَةً فَكَتَبْتُ إلى بن الزُّبَيْرِ فَكَتَبَ إِلَيَّ إِنْ كَانَ مِنَ الْفَاكِهَةِ مَا يُشْبِهُ رِيحَ الْخَمْرِ فَادْرَأْ عَنْهُ الْحَدَّ
قَالَ أَبُو عُمَرَ ذَكَرْتُ هَذِهِ الْآثَارَ عَنِ السلف لنقف على أن ما ذكره بن قُتَيْبَةَ فِي كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ وَذَكَرَتْهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ انْفَرَدَ بِرَأْيِهِ فِي حَدِّ الَّذِي يُوجَدُ مِنْهُ رِيحُ الْخَمْرِ وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِي ذَلِكَ سَلَفٌ وَهَذَا جَهْلٌ وَاضِحٌ وَتَجَاهُلٌ أَوْ مُكَابَرَةٌ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَقْوَى مَا احْتَجَّ بِهِ مَنْ لَمْ يَرَ فِي رِيحِ الشَّرَابِ حَدًّا لَا مِنَ الْفَاكِهَةِ مِثْلِ التُّفَّاحِ وَالسَّفَرْجَلِ وَشِبْهِهَا قَدْ يُوجَدُ مِنْ أَكْلِهَا رَائِحَةٌ تُشْبِهُ رِيحَ الْخَمْرِ وَتِلْكَ شُبْهَةٌ تَمْنَعُ مِنْ إِقَامَةِ الْحَدِّ فِي الرِّيحِ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ ظَهْرَ الْمُؤْمِنِ حِمًى لَا يُسْتَبَاحُ إِلَّا بِيَقِينٍ دُونَ الشُّبْهَةِ وَالظُّنُونِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ حديث بن شِهَابٍ الْمَذْكُورِ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ عَنْ عُمَرَ ﵁ هُوَ فِي عُبَيْدِ اللَّهِ ابْنِهِ وَلِعَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِهِ الْمَعْرُوفِ بِأَبِي شَحْمَةَ مِنْ بَنِيهِ قِصَّةٌ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ جَلَدَهُ فِيهَا بِمِصْرَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ثُمَّ جلده عمر بعد
وَالْحَدِيثُ بِذَلِكَ عِنْدَ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أبيه رواه معمر وبن جُرَيْجٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ شَرِبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ بِمِصْرَ خَمْرًا قَالَ كذا
قال معمر وقال بن جُرَيْجٍ شَرَابًا مُسْكِرًا فِي فِتْيَةٍ مِنْهُمْ أَبُو سَرْوَعَةَ عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ فَحَدَّهُمْ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ فَكَتَبَ إِلَى عَمْرٍو أَنِ ابْعَثْ إِلَيَّ بِابْنِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَلَى قَتَبٍ فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ جَلَدَهُ عُمَرُ بِيَدِهِ الحد
قال بن عُمَرَ فَزَعَمَ النَّاسُ أَنَّهُ مَاتَ مِنْ ضَرْبِ عُمَرَ وَلَمْ يَمُتْ مِنْ ضَرْبِهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ جَاءَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ وَهُوَ شَيْءٌ مُنْقَطِعٌ أَنَّ عُمَرَ ضَرَبَ ابْنَهُ حَدًّا فَأَتَاهُ وَهُوَ يَمُوتُ فَقَالَ يَا أَبَتِي قَتَلْتَنِي فَقَالَ لَهُ إِذَا لَاقَيْتَ رَبَّكَ فَأَخْبِرْهُ أَنَّ عُمَرَ يُقِيمُ الْحُدُودَ
وَلَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ مَا يَقْطَعُ بِهِ عَلَى موته لو صح وحديث بن عُمَرَ أَصَحُّ
١٥٦١ - مَالِكٌ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ اسْتَشَارَ فِي الْخَمْرِ يَشْرَبُهَا الرَّجُلُ فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ نَرَى أَنْ تَجْلِدَهُ ثَمَانِينَ فَإِنَّهُ إذا
стр. 3542
شَرِبَ سَكِرَ وَإِذَا سَكِرَ هَذَى وَإِذَا هَذَى افْتَرَى أَوْ كَمَا قَالَ فَجَلَدَ عُمَرُ فِي الْخَمْرِ ثَمَانِينَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا حَدِيثٌ مُنْقَطِعٌ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ وَقَدْ رُوِيَ مُتَّصِلًا من حديث بن عَبَّاسٍ
ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ فِي كِتَابِ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ قَالَ حَدَّثَنِي بَهْزُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ فليج عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عن بن عَبَّاسٍ أَنَّ الشُّرَّابَ كَانُوا يُضْرَبُونَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْأَيْدِي وَبِالنِّعَالِ وَبِالْعِصِيِّ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَكَانُوا فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُمْ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لَوْ فرضنا لهم حدا يتوخى نحو ما كان يُضْرَبُونَ عَلَيْهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَجْلِدُهُمْ أربعين ثم كان عمر بعده يَجْلِدُهُمْ كَذَلِكَ أَرْبَعِينَ حَتَّى أُتِيَ بِرَجُلٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ وَقَدْ شَرِبَ فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُجْلَدَ فَقَالَ لَهُ لِمَ تَجْلِدُنِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ كِتَابُ اللَّهِ فَقَالَ عُمَرُ فِي أَيِّ كِتَابِ اللَّهِ وَجَدْتَ لَا أَجْلِدُكَ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصلحت جناح فيما طمعوا إذا ما اتقوا وءامنوا وعملوا الصلحت ثم) الْمَائِدَةِ ٩٣ فَأَنَا مِنَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْخَنْدَقَ وَالْمَشَاهِدَ فَقَالَ عُمَرُ ألا تردون عليه ما يقول فقال بن عَبَّاسٍ إِنَّ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ نَزَلْنَ عُذْرًا لِلْمَاضِينَ وَحُجَّةً عَلَى الْبَاقِينَ فَعَذَرَ الْمَاضِينَ بِأَنَّهُمْ لَقُوا اللَّهَ قَبْلَ أَنْ يُحَرِّمَ عَلَيْهِمُ الْخَمْرَ وَحُجَّةً عَلَى الْبَاقِينَ لِأَنَّ اللَّهَ يقول (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلم رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) الْمَائِدَةِ ٩٠ ثُمَّ قَرَأَ إِلَى قَوْلِهِ (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) فَإِنْ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا إِنَّ اللَّهَ قَدْ نَهَى أَنْ يشرب الخمر قال عمر صدقت من اتق اجْتَنَبَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ قَالَ عُمَرُ فَمَاذَا تَرَوْنَ قَالَ عَلِيٌّ ﵁ إِذَا شَرِبَ سَكِرَ وَإِذَا سَكِرَ هَذَى وَإِذَا هَذَى افْتَرَى وَعَلَى الْمُفْتَرِي ثَمَانُونَ جَلْدَةً فَأَمَرَ بِهِ عَمَرُ فَجَلَدَهُ ثَمَانِينَ
وَذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حدثني بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ شَرِبَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ الْخَمْرَةَ وَعَلَيْهِمْ يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَقَالُوا هِيَ لَنَا حَلَالٌ وَتَأَوَّلُوا هَذِهِ الْآيَةَ (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا
стр. 3543
وعملوا الصلحت جناح فيما طعموا) الْمَائِدَةِ ٩٣ قَالَ فَكَتَبَ فِيهِمْ إِلَى عُمَرَ فَكَتَبَ أَنِ ابْعَثْ بِهِمْ إِلَيَّ قَبْلَ أَنْ يُفْسِدُوا مَنْ قِبَلَكَ فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى عُمَرَ اسْتَشَارَ فِيهِمُ النَّاسَ فَقَالُوا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ قَدْ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وَشَرَعُوا فِي دِينِهِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ فَاضْرِبْ رِقَابَهُمْ وَعَلِيٌّ سَاكِتٌ فَقَالَ مَا تَقُولُ يَا أَبَا الْحَسَنِ فِيهِمْ قَالَ أرى أن تستتبهم فإن تابوا جلدتهم ثمانين ثَمَانِينَ لِشُرْبِهِمُ الْخَمْرَ وَإِنْ لَمْ يَتُوبُوا ضَرَبْتَ أَعْنَاقَهُمْ فَإِنَّهُمْ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وَشَرَعُوا فِي دِينِهِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ فَاسْتَتَابَهُمْ فَتَابُوا فَضَرَبَهُمْ ثَمَانِينَ
وروى بن وَهْبٍ وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ كِلَاهُمَا قَالَا حَدَّثَنِي أسامة بن زيد الليثي أن بن شِهَابٍ حَدَّثَهُ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْ كَلْبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ كَانَ يَجْلِدُ فِي الْخَمْرِ أَرْبَعِينَ وَكَانَ عُمَرُ ﵁ يَجْلِدُ فِيهَا أَرْبَعِينَ
قَالَ فَبَعَثَنِي خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ إِلَى عُمَرَ فَقَدِمْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إن خالدا بعثني إليك قال في ما قُلْتَ إِنِ النَّاسَ قَدِ اسْتَخَفُّوا الْعُقُوبَةَ فِي الْخَمْرِ وَأَنَّهُمُ انْهَمَكُوا فَمَا تَرَى فِي ذَلِكَ فَقَالَ عُمَرُ لِمَنْ حَوْلَهُ وَكَانَ عِنْدَهُ عَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵃ مَا تَرَوْنَ فِي ذَلِكَ مَا تَرَى يَا أَبَا الْحَسَنِ فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁ نَرَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ نجلد فيها ثَمَانِينَ جَلْدَةً فَإِنَّهُ إِذَا سَكِرَ هَذَى وَإِذَا هَذَى افْتَرَى وَعَلَى الْمُفْتَرِي ثَمَانُونَ جَلْدَةً فَتَابَعَهُ أَصْحَابُهُ فَقَبِلَ ذَلِكَ عُمَرُ فَكَانَ خَالِدٌ أَوَّلَ مَنْ جَلَدَ ثَمَانِينَ ثُمَّ جَلَدَ عُمَرُ نَاسًا ثَمَانِينَ
وَكَانَ عَلِيٌّ ﵁ يَقُولُ فِي قَلِيلِ الْخَمْرِ وَكَثِيرِهَا ثَمَانُونَ جَلْدَةً
قَالَ أَبُو عُمَرَ رَأَى عَلِيٌّ وَمَنْ تَابَعَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ عِنْدَ انْهِمَاكِ النَّاسِ فِي الْخَمْرِ وَاسْتِخْفَافِهِمُ الْعُقُوبَةَ فِيهَا أَنْ يَرْدَعُوهُمْ عَنْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَجِدُوا فِي الْقُرْآنِ حَدًّا أَقَلَّ مِنْ حَدِّ الْقَذْفِ فَقَاسُوهُ عَلَيْهِ وَامْتَثَلُوهُ فِيهِ وَمَا فَعَلُوهُ فَسُنَّةٌ مَاضِيَةٌ لِقَوْلِهِ ﷺ عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي
стр. 3544
وَقَوْلِهِ اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ
وَلِلْكَلَامِ فِي هَذَا الْمَعْنَى مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا
وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِي مَبْلَغِ الْحَدِّ فِي شَارِبِ الْخَمْرِ
فَالْجُمْهُورُ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ عَلَى أَنَّ الْحَدَّ فِي ذَلِكَ ثَمَانُونَ جَلْدَةً
فَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ
وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ
وَقَوْلِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ
وَحُجَّتُهُمُ اتِّفَاقُ السَّلَفِ عَلَى مَا وَصَفْنَا
قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الظَّاهِرِ الْحَدُّ فِي الْخَمْرِ أَرْبَعُونَ جَلْدَةً عَلَى الْحُرِّ وَالْعَبْدِ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ أَرْبَعُونَ عَلَى الْحُرِّ وَعَلَى الْعَبْدِ نِصْفُهَا
وَذَكَرَ الْمُزَنِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ إِنْ ضَرَبَ الْإِمَامُ فِي الْخَمْرِ أَرْبَعِينَ فَمَا دُونَهَا فَمَاتَ الْمَضْرُوبُ فَالْحَقُّ قَتَلُهُ فَإِنْ زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ فَمَاتَ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ الْأَصْلُ فِي حَدِّ الْخَمْرِ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ فِي حَدِيثِ ثَوْرِ بن زيد عن عكرمة عن بن عَبَّاسٍ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَضْرِبُونَ فِي الْخَمْرِ بِالْأَيْدِي وَالنِّعَالِ وَالْعِصِيِّ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ ضَرَبَ فِيهَا أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ عَنْ مَشُورَةٍ مِنْهُ فِي ذَلِكَ لِلصَّحَابَةِ لَمَّا انْهَمَكَ النَّاسُ فِي شُرْبِهَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ ثُمَّ زَادَ انْهِمَاكُهُمْ فِي شُرْبِهَا فِي زَمَنِ عُمَرَ فَشَاوَرَ الصَّحَابَةَ فِي الْحَدِّ فِيهَا فَأَشَارَ عَلِيٌّ بِثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَمْ يُخَالِفُوهُ فَأَمْضَى عُمَرُ ثَمَانِينَ جَلْدَةً
وَمَا رَوَاهُ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ وَالزُّهْرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَزْهَرَ قَالَ أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِشَارِبٍ يَوْمَ حُنَيْنٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلنَّاسِ قُومُوا إِلَيْهِ
فَقَامَ إِلَيْهِ النَّاسُ فَضَرَبُوهُ بِنِعَالِهِمْ
стр. 3545
ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَالزُّهْرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَزْهَرَ
وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَزْهَرَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ شَاوَرَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَسَأَلَهُمْ كَمْ بَلَغَ ضَرْبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِشَارِبِ الْخَمْرِ فَقَدَّرُوهُ بِأَرْبَعِينَ جَلْدَةً
وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ أَخْبَرَنَا الْمَسْعُودِيُّ عَنْ زَيْدٍ الْعَمِّيِّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَرَبَ فِي الْخَمْرِ بِنَعْلَيْنِ أَرْبَعِينَ فَجَعَلَ عُمَرُ مَكَانَ كُلِّ نَعْلٍ سَوْطًا
قَالَ وَحَدَّثَنِي وَكِيعٌ عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ زَيْدٍ الْعَمِّيِّ عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ النَّاجِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ ضَرَبَ فِي الْخَمْرِ أَرْبَعِينَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ مِسْعَرٌ أَحْفَظُ عِنْدَهُمْ وَأَثْبَتُ مِنَ الْمَسْعُودِيِّ وَالْحَدِيثُ لِأَبِي الصِّدِّيقِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ عَلَى أَنَّ زَيْدًا الْعَمِّيَّ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ
وَأَثْبَتُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ مَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ الدَّانَاجُ وهو عبد الله بن فيروز من ثقات أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَالدَّانَاجُ بِالْفَارِسِيَّةِ الْعَالِمُ بِالْعَرَبِيَّةِ - عَنْ أَبِي سَاسَانَ بْنِ الْمُنْذِرِ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ فِي حِينِ جَلْدِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ جَلَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعِينَ وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ وَجَلَدَ عُمَرُ ثَمَانِينَ وَكُلٌّ سُنَّةٌ
وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ ﵀ وَلَهُ قَوْلٌ آخَرُ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ وَهُمَا يُحْمَلَانِ عَنْهُ جَمِيعًا
ذَكَرَ حَدِيثَ الدَّانَاجِ أَبُو بَكْرٍ قَالَ حدثني بن عُلَيَّةَ قَالَ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الدَّانَاجِ فَذَكَرَهُ
وَأَمَّا قَوْلُ عَلِيٍّ ﵁ فِي قَلِيلِ الْخَمْرِ وَكَثِيرِهَا ثَمَانُونَ جَلْدَةً فَإِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ مُجْمِعُونَ مِنْ صَدْرِ الْإِسْلَامِ إِلَى الْيَوْمِ أَنَّ الْحَدَّ وَاجِبٌ فِي قَلِيلِ الْخَمْرِ وَكَثِيرِهَا إِلَّا إِذَا كَانَتْ خَمْرَ عِنَبٍ عَلَى مَنْ شَرِبَ شَيْئًا مِنْهَا فَأَقَرَّ بِهِ أَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ شَرِبَهَا لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ وَإِنْ كَانُوا قَدِ اخْتَلَفُوا فِي مَبْلَغِ الْحَدِّ عَلَى مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ
وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا أَنَّ عَصِيرَ الْعِنَبِ إِذَا غَلَا وَاشْتَدَّ وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ وَأَسْكَرَ الْكَثِيرُ
стр. 3546
مِنْهُ أَوِ الْقَلِيلُ أَنَّهُ الْخَمْرُ الْمُحَرَّمَةُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا وَأَنَّ مُسْتَحِلَّهَا كَافِرٌ يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ
هَذَا كُلُّهُ مَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى وَسَائِرِ الْعُلَمَاءِ
وَاخْتَلَفُوا فِي شَارِبِ الْمُسْكِرِ مِنْ غَيْرِ خَمْرِ الْعِنَبِ إِذَا لَمْ يُسْكِرْ
فَأَهْلُ الْحِجَازِ يَرَوْنَ الْمُسْكِرَ حَرَامًا وَيَرَوْنَ فِي قَلِيلِهِ الْحَدَّ كَمَا فِي كَثِيرِهِ عَلَى مَنْ شَرِبَهُ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا وَجَمَاعَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ وَأَهْلُ الْحَدِيثِ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ
وَأَمَّا فُقَهَاءُ الْعِرَاقِ فَجُمْهُورُهُمْ لَا يَرَوْنَ فِي الْمُسْكِرِ عَلَى مَنْ شَرِبَهُ حَدًّا إِذَا لَمْ يُسْكِرْ وَلَا يَدْعُونَ مَا عَدَا خَمْرِ الْعِنَبِ خَمْرًا وَيَدْعُونَهُ نَبِيذًا
وَسَنَذْكُرُ الْحُجَّةَ لِأَهْلِ الْحِجَازِ فِي قَوْلِهِمْ هَذَا إِذْ هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا فِي هَذَا الْبَابِ عِنْدَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ سُئِلَ عَنِ الْبِتْعِ وَهُوَ شَرَابُ الْعَسَلِ فَقَالَ ﷺ كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ
وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي حَدِّ عَصِيرِ الْعِنَبِ الَّذِي إِذَا بَلَغَهُ كَانَ خَمْرًا فَاخْتِلَافٌ مُتَقَارِبٌ فَنَذْكُرُهُ هُنَا لتكمل فائدة الكتاب بذلك
روى بن الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَعْتَبِرُ الْغَلَيَانَ فِي عَصِيرِ الْعِنَبِ وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ وَلَا إِلَى ذَهَابِ الثُّلُثَيْنِ فِي الْمَطْبُوخِ وَقَالَ أَنَا أَحُدُّ كُلَّ مَنْ شَرِبَ شَيْئًا مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ وَإِنْ قَلَّ إِذَا كَانَ يَسْكَرُ منه
وهو قول الشافعي
وقال اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ لَا بَأْسَ بِشُرْبِ عَصِيرِ الْعِنَبِ مَا لَمْ يَغْلِ وَلَا بَأْسَ بِشُرْبِ مَطْبُوخِهِ إِذَا ذَهَبَ الثُّلُثَانِ وَبَقِيَ الثُّلُثُ
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ اشْرَبْ عَصِيرَ الْعِنَبِ حَتَّى يَغْلِيَ وَغَلَيَانُهُ أَنْ يَقْذِفَ بِالزَّبَدِ فَإِذَا غَلَى فَهُوَ خمر
стр. 3547
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَزُفَرَ إِلَّا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ قَالَ إِذَا غَلَى فَهُوَ خَمْرٌ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا بَأْسَ بِهِ مَا لَمْ يَقْذِفْ بِالزَّبَدِ
وَقَالُوا إِذَا طُبِخَ حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ وَيَبْقَى الثُّلُثُ ثُمَّ غَلَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ لِأَنَّهُ قَدْ خَرَجَ مِنَ الْحَالِ الْمَكْرُوهَةِ الْحَرَامِ إِلَى حَالِ الْحَلَالِ فَسَوَاءٌ غَلَى بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَغْلِ
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ الْعَصِيرُ إِذَا أَتَتْ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَقَدْ حَرُمَ إِلَّا أَنْ يَغْلِيَ قَبْلَ ذَلِكَ فَيَحْرُمَ
قَالَ وَكَذَلِكَ النَّبِيذُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ رُوِّينَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِشُرْبِ الْعَصِيرِ مَا لَمْ يُزْبِدْ وَإِذَا أَزْبَدَ فَهُوَ حَرَامٌ
هَذِهِ رِوَايَةُ يَزِيدَ بْنِ قُسَيْطٍ عنه
وروى عنه قَتَادَةَ اشْرَبْهُ مَا لَمْ يَغْلِ فَإِذَا غَلَى فَهُوَ خَمْرٌ
وَكَذَلِكَ قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَعَامِرٌ الشَّعْبِيُّ
وَقَالَ الْحَسَنُ اشْرَبْهُ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ اشْرَبْهُ يَوْمًا وَلَيْلَةً
وَرَوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ علي
وعن عطاء وبن سِيرِينَ وَالشَّعْبِيِّ وَعَنْ عَطَاءٍ أَيْضًا اشْرَبْهُ ثَلَاثًا ما لم يغل
وقال بن عباس اشربه ما كان طريا
وقال بن عُمَرَ اشْرَبْهُ مَا لَمْ يَأْخُذْهُ شَيْطَانُهُ قِيلَ لَهُ وَمَتَى يَأْخُذُهُ شَيْطَانُهُ قَالَ فِي ثَلَاثٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ انْعَقَدَ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي زَمَنِ عُمَرَ ﵁ عَلَى الثَّمَانِينَ فِي حَدِّ الْخَمْرِ وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ مِنْهُمْ وَعَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةُ التَّابِعِينَ وَجُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ كَالشُّذُوذِ الْمَحْجُوجِ بِالْجُمْهُورِ
وَقَدْ أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ مِنَ السَّبْعَةِ الْأَحْرُفِ الَّتِي
стр. 3548
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَيْهَا وَمَنَعُوا مَا عَدَا مُصْحَفَ عُثْمَانَ مِنْهَا وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ فَلَزِمَتِ الْحُجَّةُ بِهِ لِقَوْلِ اللَّهِ (وَيَتَّبِعْ غير سبيل المؤمنين) النساء ١١٥
وقال بن مَسْعُودٍ مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ بَعْدِي
١٥٦٢ - مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ مَا مِنْ شَيْءٍ إِلَّا اللَّهُ يُحِبُّ أَنْ يُعْفَى عَنْهُ مَا لَمْ يَكُنْ حَدًّا
قَالَ أَبُو عُمَرَ وَإِذَا كَانَ حَدًّا مَا لَمْ يَبْلُغِ السُّلْطَانَ وَقَدْ ذَكَرْنَا الْآثَارَ فِي ذَلِكَ عَنِ السَّلَفِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ في ما مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا إِنَّ اللَّهَ عَفُوٌّ غَفُورٌ يُحِبُّ الْعَفْوَ عَنْ أَصْحَابِ الْعَثَرَاتِ وَالزَّلَّاتِ مِنْ ذَوِي السيئات دون المهاجرين الْمَعْرُوفِينَ بِفِعْلِ الْمُنْكَرَاتِ وَالْمُدَاوَمَةِ عَلَى ارْتِكَابِ الْكَبَائِرِ الْمُوبِقَاتِ فَهَؤُلَاءِ وَاجِبٌ رَدْعُهُمْ وَزَجْرُهُمْ بِالْعُقُوبَاتِ
وَرُوِّينَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قال أقيلوا ذوي الهيآت عَثَرَاتِهِمْ وَبَعْضُ رُوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ يَقُولُ فِيهِ أَقِيلُوا ذَوِي السَّيِّئَاتِ زَلَّاتِهِمْ
وَذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنِي هُشَيْمٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنِ الْحَارِثِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ لَأَنْ أُعَطِّلُ الْحُدُودَ بِالشُّبَهَاتِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُقِيمَهَا بِالشُّبَهَاتِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هُوَ الْحَارِثُ بْنُ يَزِيدَ
أَبُو عَلِيٍّ الْعُكْلِيُّ أَحَدُ الْفُقَهَاءِ الثِّقَاةِ وَمَرَاسِيلُ إِبْرَاهِيمَ عِنْدَهُمْ صِحَاحٌ
قَالَ وَحَدَّثَنِي وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ ادرؤوا الْحُدُودَ الْقَتْلَ وَالْجَلْدَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ
قَالَ وَحَدَّثَنِي وَكِيعٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ زِيَادٍ الْبَصْرِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ ادرؤوا الْحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ فَإِذَا وَجَدْتُمْ لِلْمُسْلِمِينَ مَخْرَجًا فَخَلُّوا سَبِيلَهُ فَإِنَّ الْإِمَامَ إِنْ يُخْطِئْ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ في العقوبة
стр. 3549
(بَابُ مَا يُنْهَى أَنْ يُنْبَذَ فِيهِ)
١٥٦٤ - مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَ النَّاسَ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَأَقْبَلْتُ نَحْوَهُ فَانْصَرَفَ قَبْلَ أَنْ أَبْلُغَهُ فَسَأَلْتُ مَاذَا قَالَ فَقِيلَ لِي نَهَى أَنْ يَنْبِذَ فِي الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ
١٥٦٥ - مَالِكٌ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ يُنْبَذَ فِي الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَكْرَهُ النَّبِيذَ فِي الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ وُقُوفًا عِنْدَمَا صَحَّ عِنْدَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ ﵀
رُوِّينَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ نَافِعٍ قَالَ قال لي بن عُمَرَ لَا تَشْرَبْ فِي دُبَّاءٍ وَلَا مُزَفَّتٍ
وروى بن الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَ الِانْتِبَاذَ فِي الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ وَلَا يَكْرَهُ غَيْرَ ذَلِكَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنِ النَّبِيذِ فِي الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَمِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَمِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ وَمِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَمِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرحمن بن يعمر الديلي ذكرها بن أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا أَكْرَهُ مِنَ الْأَنْبِذَةِ إِذَا لَمْ يَكُنِ الشَّرَابُ يُسْكِرُ بَعْدَ مَا سَمَّى مِنَ الْآثَارِ مِنَ الْحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ وَالدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ
وَكَرِهَ الثَّوْرِيُّ الِانْتِبَاذَ فِي الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ وَالْمُزَفَّتِ
стр. 3550
قَالَ أَبُو عُمَرَ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنِ النَّبِيذِ فِي الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ وَالْمُزَفَّتِ مِنْ حَدِيثِ بن عَبَّاسٍ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ فِي حَدِيثِ وفد عبد القيس وغيره
ومن حديث بن عُمَرَ رَوَاهُ وَكِيعٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مُحَارِبِ بن دثار عن بن عُمَرَ
وَرَوَاهُ مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ حِبَّانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ أشهد على بن عباس وبن عُمَرَ أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالْمُزَفَّتِ وَالنَّقِيرِ
وَرَوَى أَبُو سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَيْضًا مِثْلَهُ
وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَيْضًا مِثْلُهُ وَالْآثَارُ بِذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ الْأَخْضَرِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَغَيْرِهِ وَهَذَا عِنْدِي كَلَامٌ خَرَجَ عَلَى جَوَابِ السَّائِلِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - كَأَنَّهُ سَأَلَ عَنِ الْمُزَفَّتِ فَنَهَاهُ فَقَالَ فَالْجَرُّ الْأَخْضَرُ فَقَالَ لا تتنبذوا فِيهِ
فَسَمِعَهُ الرَّاوِي فَقَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الِانْتِبَاذِ فِي الْجَرِّ الْأَخْضَرِ
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ عَائِشَةَ وبن الزبير وعليا وأبا بردة وأبا هريرة وبن عمر وبن عَبَّاسٍ ﵃ رَوَوْا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نهى عن النَّبِيذِ فِي الْجَرِّ مُطْلَقًا لَمْ يَذْكُرُوا الْأَخْضَرَ ولا غيره
стр. 3551
٠
قال بن عَبَّاسٍ حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَبِيذَ الْجَرِّ قَالَ وَالْجَرُّ كُلُّ مَا يُصْنَعُ مِنْ مَدَرٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَؤُلَاءِ لَا يَرَوْنَ النَّبِيذَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَوْعِيَةِ إِلَّا فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَسْقِيَةِ الْمُتَّخَذَةِ مِنَ الْجُلُودِ وَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي جَوَازِ الِانْتِبَاذِ فِي السِّقَاءِ
رَوَى شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ زاذان قال سألت بن عُمَرَ عَنِ النَّبِيذِ فَقُلْتُ إِنَّ لَنَا لُغَةً غير لغتكم ففسر لنا بلغتنا فقال بن عُمَرَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْحَنْتَمَةِ وَهِيَ الْجَرَّةُ وَنَهَى عَنِ الدباء وهي القرعة وهي الْمُزَفَّتِ وَهُوَ الْمُقَيَّرُ وَعَنِ النَّقِيرِ وَهِيَ النَّخْلَةُ الْمَنْقُورَةُ بَقْرًا وَأَمَرَ ﵇ أَنْ يُنْتَبَذَ فِي الْأَسْقِيَةِ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ لَا بَأْسَ بِالِانْتِبَاذِ فِي جَمِيعِ الظُّرُوفِ وَالْأَوَانِي
وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ أَنْ تَنْبِذُوا فِي الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ وَالْمُزَفَّتِ فَانْتَبِذُوا وَلَا أُحِلُّ مُسْكِرًا
رَوَاهُ أَبُو حَزْرَةَ يَعْقُوبُ بْنُ مُجَاهِدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
وَرَوَى وَاسِعُ بْنُ حَبَّانَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ
وَرَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عن بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ
وَرَوَى أَبُو الْعَالِيَةِ وَغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغَفَّلِ قَالَ شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حين نهى عن نبيذ الجر وشدته ﵇ حِينَ أَمَرَ بِالشُّرْبِ مِنْهُ وَقَالَ ﵇ اجْتَنِبُوا كُلَّ مُسْكِرٍ
стр. 3552
وَرَوَى سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ عن أبي بردة بن دثار قَالَ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ الشَّرَابِ في الأوعية فاشربوا في ما بَدَا لَكُمْ وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا
وَقَالَ شَرِيكٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ سِمَاكٍ بِإِسْنَادِهِ فَاشْرَبُوا في ما بَدَا لَكُمْ وَلَا تَسْكَرُوا وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ غَيْرُ شَرِيكٍ
وَرَوَى خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ لَمَّا انْصَرَفَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ كُلُّ امْرِئٍ حَسَبُ نَفْسِهِ لينبذ كل قوم في ما بَدَا لَهُمْ
فَهَذَا كُلُّهُ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُ فِي إِبَاحَةِ الِانْتِبَاذِ فِي كُلِّ ظَرْفٍ وَوِعَاءٍ
وَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي تَحْرِيمِ الْمُسْكِرِ فِي بَابِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
(بَابُ مَا يُكْرَهُ أَنْ يُنْبَذَ جَمِيعًا)
١٥٦٦ - مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ يُنْبَذَ الْبُسْرُ وَالرُّطَبُ جَمِيعًا وَالتَّمْرُ وَالزَّبِيبُ جَمِيعًا
١٥٦٧ - مَالِكٌ عَنِ الثِّقَةِ عِنْدَهُ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ عَبْدِ
стр. 3553
الرَّحْمَنِ بْنِ الْحُبَابِ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ يُشْرَبَ التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ جَمِيعًا وَالزَّهْوُ وَالرُّطَبُ جَمِيعًا
قَالَ مَالِكٌ وَهُوَ الْأَمْرُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا أَنَّهُ يُكْرَهُ ذَلِكَ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَوْلُ مَالِكٍ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ الْمَذْكُورَ فِي هَذَا الْبَابِ نَهْيُ عِبَادَةٍ وَاخْتِيَارٍ لَا لِلسَّرَفِ وَالْإِكْثَارِ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَلَا تَجُوزُ الشِّدَّةُ عِبَادَةٌ وَاخْتِيَارٌ كَمَا قَالَ اللَّيْثُ وَغَيْرُهُ
وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ كَقَوْلِ مَالِكٍ
قَالَ الشَّافِعِيُّ أَكْرَهُ ذَلِكَ لِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ الْخَلِيطَيْنِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُنْبَذَ التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ وَالزَّهْوُ وَالرُّطَبُ مِنْ طُرُقٍ ثَابِتَةٍ مِنْ حديث بن عَبَّاسٍ وَحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ وَمِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ كَثِيرًا مِنْهَا فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ
حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ حَبِيبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جبير عن بن عَبَّاسٍ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُخْلَطَ التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ جَمِيعًا وَأَنْ يُخْلَطَ الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ جَمِيعًا
وَحَدَّثَانَا قَالَا حَدَّثَنِي قَاسِمٌ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي حَفْصٌ عن بن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أن يُنْبَذَ التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ جَمِيعًا
стр. 3554
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ عَنْ حَجَّاجِ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَا تَنْتَبِذُوا التَّمْرَ وَالزَّبِيبَ جَمِيعًا وَلَا تَنْتَبِذُوا الزَّهْوَ وَالرُّطَبَ جَمِيعًا وَانْتَبِذُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَةٍ
قَالَ وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُصْعَبٍ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لَا تَجْمَعُوا بَيْنَ الزَّهْوِ وَالرُّطَبِ وَالزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ انْتَبِذُوا كُلَّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَةٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ رَدَّ أَبُو حَنِيفَةَ هَذِهِ الْآثَارَ بِرَأْيِهِ وَقَالَ لَا بَأْسَ بِشُرْبِ الْخَلِيطَيْنِ مِنَ الْأَشْرِبَةِ الْبُسْرِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ وَكُلِّ مَا لَوْ طُبِخَ عَلَى الِانْفِرَادِ حَلَّ كَذَلِكَ إِذَا طُبِخَ مَعَ غَيْرِهِ
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْآخِرُ
قَالَ الطَّحَاوِيُّ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ بن عُمَرَ وَإِبْرَاهِيمَ
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ أَكْرَهُ الْمُعَتَّقَ مِنَ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ
وَرَوَى الْمُعَافَى عَنِ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ كَرِهَ مِنَ النَّبِيذِ الْخَلْطَ وَالسُّلَافَةَ وَالْمُعَتَّقَ
وَقَالَ اللَّيْثُ لَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يُخْلَطَ نَبِيذُ التَّمْرِ وَنَبِيذُ الزَّبِيبِ ثُمَّ يُشْرَبَانِ جَمِيعًا
قَالَ وَإِنَّمَا جَاءَ الْحَدِيثُ فِي كَرَاهِيَةِ أَنْ يُنْبَذَا جَمِيعًا
ثُمَّ يُشْرَبَانِ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يشد صاحبه
وقال بن وهب وبن الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَا يُجْمَعُ بَيْنَ شَرَابَيْنِ وَإِنْ لَمْ يُسْكِرْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أن لا ينبذ البسر والتمر والزهر وَالزَّبِيبُ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ أَكْرَهُ ذَلِكَ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْخَلِيطَيْنِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ رَوَى مَعْبَدُ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أُمِّهِ وَكَانَتْ قَدْ صَلَّتِ الْقِبْلَتَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الخليطين
وروى بن أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ عن عمار بن زريق عن
стр. 3555
بن أَبِي لَيْلَى عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ كَانَ الرَّجُلُ يَمُرُّ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُمْ مُتَوَافِرُونَ فَيَلْقَوْنَهُ وَيَقُولُونَ هَذَا يَشْرَبُ الْخَلِيطَيْنِ الزَّبِيبَ وَالتَّمْرَ
(٤ - بَابُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ)
١٥٦٨ - مالك عن بن شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْبِتْعِ فَقَالَ كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ
قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ هَذَا حَدِيثٌ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي تَحْرِيمِ الْمُسْكِرِ
١٥٦٩ - مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ الْغُبَيْرَاءِ فَقَالَ لَا خَيْرَ فِيهَا وَنَهَى عَنْهَا
قَالَ مَالِكٌ فَسَأَلْتُ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ مَا الْغُبَيْرَاءُ فَقَالَ هِيَ الْأُسْكَرْكَةُ
١٥٧٠ - مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا حُرِمَهَا فِي الْآخِرَةِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ مُرْسَلَ عَطَاءٍ هَذَا مُسْنَدًا مِنْ طُرُقٍ وَذَكَرْنَا حَدِيثَ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا مُوسَى يَخْطُبُ عَلَى هَذَا الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَقُولُ أَلَا إِنَّ خَمْرَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ وَخَمْرَ أَهْلِ فَارِسَ الْعِنَبُ وَخَمْرَ أَهْلِ الْيَمَنِ البتع وهو العسل وخمر الحبشة والأسكركة وَهُوَ الْأُرْزُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ قِيلَ فِي الْأُسْكَرْكَةِ إِنَّهُ نَبِيذُ الذُّرَةِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
стр. 3556
وَمَا تَرْجَمَ لَهُ مَالِكٌ ﵀ هَذَا الْبَابَ وَأَوْرَدَ فِيهِ مِنَ الْآثَارِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْخَمْرَ عِنْدَهُمْ كُلُّ مُسْكِرٍ يَكُونُ مِمَّا كَانَ لِأَنَّهُ تَرْجَمَ الْبَابَ بِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ ثُمَّ أَدْخَلَ حَدِيثَ الْبِتْعِ وَالْبِتْعُ شَرَابُ الْعَسَلِ لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَبَيْنَ أَهْلِ اللُّغَةِ ثُمَّ أَرْدَفَهُ بِحَدِيثِ الْأُسْكَرْكَةِ وَهُوَ نَبِيذُ الْأُرْزِ ثُمَّ أَرْدَفَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﷺ مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا حُرِمَهَا فِي الْآخِرَةِ
وَهَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ جِدًّا لِأَنَّ الْجَنَّةَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ فَمَنْ حُرِمَ ذَلِكَ فَقَدْ عَظُمَتْ مُصِيبَتُهُ وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى هَذَا الْقَوْلِ وَالْقَائِلَ بِهِ فِي التَّمْهِيدِ وَالَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ فِي الْمُسْكِرِ كُلِّهِ مِنْ أَيِّ نَوْعٍ كَانَ أَنَّهُ هُوَ الْخَمْرُ الْمُحَرَّمَةُ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ
وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْحِجَازِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَذَهَبَ إِلَيْهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ أَئِمَّةُ الْفَتْوَى بِالْأَمْصَارِ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَإِسْحَاقُ وَدَاوُدُ
وَهُوَ الَّذِي تَشْهَدُ لَهُ الْآثَارِ الثَّابِتَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَتَشْهَدُ بِهِ اللُّغَةُ فِي مَعْنَى الْخَمْرِ وَهُوَ الَّذِي لَمْ تَعْرِفِ الصَّحَابَةُ غَيْرَهُ فِي حِينِ نُزُولِ تَحْرِيمِهَا
حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي حَمْزَةُ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ حَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عن بْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ خَمْرٍ حرام
هكذا روى هذا الحديث أيوب السختياني عن نافع عن بْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ
стр. 3557
سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ قَالَ حَدَّثَنِي حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عن بْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ
وَهَكَذَا رَوَى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَأَبُو حَازِمِ بْنُ دِينَارٍ وَأَبُو مَعْشَرٍ وَإِبْرَاهِيمُ الصَّائِغُ وَالْأَجْلَحُ وَعَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ قَيْسٍ وَأَبُو الزِّنَادِ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ عن بْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
ورواه مالك عن نافع عن بن عُمَرَ مَوْقُوفًا لَمْ يَرْفَعْهُ
وَرَوَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَكَانَ رُبَّمَا أَوْقَفَهُ وَرُبَّمَا رَفَعَهُ
وَالْحَدِيثُ عِنْدَنَا مَرْفُوعٌ ثَابِتٌ لَا يَضُرُّهُ تَقْصِيرُ مَنْ قَصَّرَ فِي رَفْعِهِ
وَفِيهِ بَيَانُ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَيَشْهَدُ لِهَذَا أَيْضًا حَدِيثُ أَنَسٍ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ
رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ أَنَسٍ سَنَذْكُرُهُمْ إِذَا ذَكَرْنَا الْحَدِيثَ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَقَالَ أَنَسٌ كُنْتُ أَسْقِي أَبَا عُبَيْدَةَ وَأَبَا طَلْحَةَ وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ شَرَابًا مِنْ فَضِيخٍ وَتَمْرٍ فَجَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ
وَرَوَى عيسى بن دينار عن بن الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَمَا بِالْمَدِينَةِ خَمْرٌ مِنْ عِنَبٍ
وَرَوَى شُعْبَةُ عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ يَوْمَ حُرِّمَتْ وَمَا شَرَابُ النَّاسِ إِلَّا الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ
وَرَوَى أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ عُمَرَ قَالَ الْخَمْرُ مِنْ خَمْسَةٍ مِنَ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَالْعَسَلِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالْخَمْرُ مَا خَمَّرْتَهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ الْخَمْرُ عِنْدَهُمْ مُشْتَقَّةُ الِاسْمِ مِنْ مُخَامَرَةِ الْعَقْلِ أَيْ مِنَ اخْتِلَاطِ الْعَقْلِ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ دَخَلَ فِي خِمَارِ النَّاسِ أَيِ اخْتَلَطَ بِهِمْ
وَمُشْتَقَّةٌ أَيْضًا مِنْ تَغْطِيَةِ الْعَقْلِ لِقَوْلِهِمْ خَمَّرْتُ الْإِنَاءَ غَطَّيْتُهُ
وَمُشْتَقَّةٌ أَيْضًا مِنْ تَرْكِهَا حَتَّى تَغْلِيَ وَتُسْكِرَ وَتَزْبَدَ مِنْ قَوْلِهِمْ تَرَكْتُ الْعَجِينَ حَتَّى اخْتَمَرَ
وَالِاسْمُ الشَّرْعِيُّ أَوْلَى عِنْدَ الْعُلَمَاءِ مِنَ اللُّغَوِيِّ وَهُوَ الْإِسْكَارُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ
стр. 3558
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ وَمَا أَسْكَرَ قَلِيلُهُ فَكَثِيرُهُ حَرَامٌ وَكُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ
وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ كُلُّهَا ثَابِتَةٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
وَاتَّفَقَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي صِحَّةِ قَوْلِهِ ﵇ كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِ
فَقَالَ فُقَهَاءُ الْحِجَازِ وَجَمَاعَةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَرَادَ جِنْسَ مَا يُسْكِرُ
وَقَالَ فُقَهَاءُ الْعِرَاقِ أَرَادَ مَا يَقَعُ بِهِ السُّكْرُ عِنْدَهُمْ قَالُوا كَمَا لَا يُسَمَّى قَاتِلًا إِلَّا مَعَ وُجُودِ الْقَتْلِ
وَهَذَا التَّأْوِيلُ تَرُدُّهُ الْآثَارُ الصِّحَاحُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنْ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ هم أهل اللسان
وروى الشعبي عن بن عُمَرَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ إِنَّ الْخَمْرَ حُرِّمَتْ وَهِيَ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ مِنَ الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ وَالْعَسَلِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ العقل
وروى عكرمة عن بن عَبَّاسٍ قَالَ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَهِيَ الْفَضِيخُ
وَرَوَى ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ حُرِّمَتْ عَلَيْنَا الْخَمْرُ - يَوْمَ حُرِّمَتْ - وَمَا نَجِدُ خَمْرَ الْأَعْنَابِ إِلَّا قَلِيلًا وَعَامَّةُ خُمُورِنَا الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ
وَرَوَى الْمُخْتَارُ بْنُ فُلْفُلٍ قَالَ سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنِ الْأَشْرِبَةِ فَقَالَ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ وَهِيَ مِنَ الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ وَالْعَسَلِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ وَمَا خَمَّرْتَهُ فَهُوَ خَمْرٌ
فَهَؤُلَاءِ الصَّحَابَةُ لَا خِلَافَ بَيْنِهِمْ أَنَّ الْخَمْرَ تَكُونُ مِنْ غَيْرِ الْعِنَبِ كَمَا تَكُونُ مِنَ الْعِنَبِ
وَقَدْ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ وَنَقَلَتِ الْكَافَّةُ عَنْ نَبِيِّهَا ﷺ تَحْرِيمَ خَمْرِ الْعِنَبِ قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا فَكَذَلِكَ كُلُّ مَا فَعَلَ فِعْلَهَا مِنَ الْأَشْرِبَةِ كلها
стр. 3559
قَالَ الشَّاعِرُ
(لَنَا خَمْرٌ وَلَيْسَتْ خَمْرَ كَرْمٍ ... وَلَكِنْ مِنْ نِتَاجِ الْبَاسِقَاتِ)
وَأَبْيَنُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْمَعْنَى مَعَ أَنَّهُ كُلُّهُ بَيِّنٌ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ذُكِرَ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ وَأَصْحَابَهُ شَرِبُوا بِالشَّامِ شَرَابًا وَأَنَا سَائِلٌ عَنْهُ فَإِنْ كَانَ مُسْكِرًا جَلَدْتُهُمْ وَلَا حد في ما يُشْرَبُ إِلَّا فِي الْخَمْرِ فَصَحَّ أَنَّ الْمُسْكِرَ خَمْرٌ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ ذَكَرْنَا فِي بَابٍ الْحَدِّ فِي الْخَمْرِ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ مُجْمِعُونَ على تحريم خمر العنب ووجوب الحد على شَارِبِ قَلِيلِهَا وَإِنْ كَانُوا قَدِ اخْتَلَفُوا فِي مَبْلَغِ حَدِّهِ وَذَكَرْنَا مَا حَدُّوهُ فِي عَصِيرِ الْعِنَبِ مَتَى يَكُونُ خَمْرًا وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ إِذَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَهُوَ خَمْرٌ
وَمِنْهُمْ مَنْ حَدَّهُ بِالْغَلَيَانِ
وَمِنْهُمْ مَنْ حَدَّهُ بِالْأَزْبَادِ
وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ الْحَدَّ فِيهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً
وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ يَوْمَيْنِ
وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ
وَإِذَا حَمَلْتَ ذَلِكَ فَهُوَ مَعْنًى مُتَقَارِبٌ كُلُّهُ لِجَمْعِهِ أَنْ يَكُونَ كَثِيرُهَا يُسْكِرُ جِنْسًا فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَهِيَ الْخَمْرُ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِي تَحْرِيمِهَا وَفِي تَكْفِيرِ مُسْتَحِلِّهَا
وَاخْتَلَفُوا فِي النَّبِيذِ الصُّلْبِ الشَّدِيدِ
فَقَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ عِنْدَنَا وَفِي بَعْضِ الْمُوطَّآتِ السُّنَّةُ عِنْدَنَا أَنَّ مَنْ شَرِبَ شَرَابًا يُسْكِرُ فَسَكِرَ أَوْ لَمْ يَسْكَرْ فَقَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ وَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ كُلُّ مُسْكِرٍ وَكُلُّ مُخَدِّرٍ حَرَامٌ وَالْحَدُّ وَاجِبٌ عَلَى مَنْ شَرِبَ شَيْئًا مِنْهُ
قال الشَّافِعِيُّ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ وَفِيهِ الْحَدُّ
فَهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَرَمَيْنِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ
وَمَذْهَبُ أَهْلِ الشَّامِ وَالْيَمَنِ وَمِصْرَ وَالْمَغْرِبِ وَجُمْهُورِ أَهْلِ الْحَدِيثِ
وَأَمَّا أَهْلُ الْعِرَاقِ فَرَوَى الْمُعَافَى عَنِ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ كَرِهَ نَقِيعَ التَّمْرِ وَنَقِيعَ الزبيب إذا غلا
стр. 3560
قَالَ الْمُعَافَى وَسُئِلَ الثَّوْرِيُّ عَنْ نَقِيعِ الْعَسَلِ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ إِنَّمَا خَصَّ الثَّوْرِيُّ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - نَقِيعَ الزَّبِيبِ وَنَقِيعَ التَّمْرِ لِقَوْلِهِ ﷺ الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ النَّخْلَةِ وَالْعِنَبَةِ
وَرَوَى أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ عَنِ الثَّوْرِيِّ قَالَ اشْرَبْ مِنَ النَّبِيذِ كَمَا تَشْرَبُ مِنَ الْمَاءِ
وَرَوَى بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ الْخَمْرُ حَرَامٌ قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا وَالْمُسْكِرُ مِنْ غَيْرِهَا حَرَامٌ وَلَيْسَ كَتَحْرِيمِ الْخَمْرِ
قَالَ وَنَقِيعُ الزَّبِيبِ إِذَا غَلَا حَرَامٌ وَتَحْرِيمُ الْخَمْرِ
قَالَ وَالنَّبِيذُ الْعَتِيقُ الْمَطْبُوخُ لَا بَأْسَ بِهِ مِنْ أَيٍّ شَيْءٍ كَانَ وَإِنَّمَا يَحْرُمُ مِنْهُ الْقَدَحُ الَّذِي يُسْكِرُ
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ مَنْ قَعَدَ يَطْلُبُ السُّكْرَ فَالْقَدَحُ الْأَوَّلُ عَلَيْهِ حَرَامٌ وَالْمَقْعَدُ عَلَيْهِ حَرَامٌ وَالْمَشْيُ إِلَى الْمَقْعَدِ عليه حرام كما أن الزنى عَلَيْهِ حَرَامٌ وَكَذَلِكَ الْمَشْيُ إِلَيْهِ
قَالَ وَإِنْ قَعَدَ وَهُوَ لَا يُرِيدُ السُّكْرَ فَلَا بَأْسَ بِهِ
قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَلَا بَأْسَ بِالنَّقِيعِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَإِنْ غَلَا مَا خَلَا الزبيب والتمر
وهو قول أبي حنيفة في ما حَكَاهُ مُحَمَّدٌ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ وَرَوَى يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي كَثِيرٍ السُّخَيْمِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ النَّخْلَةِ وَالْعِنَبَةِ
فَأَخْبَرَ ﵇ أَنَّ الْخَمْرَ مِنْهُمَا فَفِي ذَلِكَ نَفْيٌ أَنْ تَكُونَ الْخَمْرُ مِنْ غَيْرِهِمَا
قَالَ وَاتَّفَقَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ عَصِيرَ الْعِنَبِ إِذَا غَلَا وَاشْتَدَّ وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ خَمْرٌ وَأَنَّ مستحلة كافر
واختلفوا فِي نَقِيعِ التَّمْرِ إِذَا غَلَا وَأَسْكَرَ فَدَلَّ اخْتِلَافُهُمْ فِي ذَلِكَ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورَ لَمْ يَتَلَقَّوْهُ بِالْقَبُولِ وَالْعَمَلِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُكَفِّرُوا مُسْتَحِلَّ نَقِيعِ التَّمْرِ كَمَا كَفَّرُوا مُسْتَحِلَّ خَمْرِ الْعِنَبِ
وَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي عَوْنٍ الثَّقَفِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ عَنِ بن عَبَّاسٍ قَالَ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ بِعَيْنِهَا قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا والسكر مِنْ كُلِّ شَرَابٍ
стр. 3561
قَالَ فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْخَمْرِ لَمْ تُحَرَّمْ بِعَيْنِهَا كَمَا حُرِّمَتِ الْخَمْرُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ تَقَدَّمَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلَّ مَا أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ وَأَنَّ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ وَخَمْرُهُمْ كَانَتْ يَوْمَئِذٍ كَانَتْ مِنَ التَّمْرِ وَفَهِمُوا ذَلِكَ فَأَهْرَقُوهَا وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُمْ كَسَرُوا جِرَارَهَا
وَذَكَرْنَا قَوْلَ عُمَرَ فِي جَلْدِ ابْنِهِ أَنَّ شُرْبَ مَا يُسْكِرُ وَلَمْ يَخُصَّ خَمْرَ عِنَبٍ مِنْ غَيْرِهَا بَلِ اشْتَرَطَ الْمُسْكِرَ
وَذَلِكَ كُلُّهُ يَرُدُّ مَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ
وَأَمَّا اعْتِلَالُهُ بِالتَّكْفِيرِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ مِنْ جِهَةِ الْإِجْمَاعِ كُفْرُ الْمُخَالِفِ لَهُ بَعْدَ الْعِلْمِ بِهِ مِنْ جِهَةِ أَخْبَارِ الْآحَادِ لَمْ يُكَفَّرِ الْمُخَالِفُ فِيهِ
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُكَفَّرُ الْقَائِلُ بِأَنَّ أُمَّ الْقُرْآنِ جَائِزٌ الصَّلَاةُ بِغَيْرِهَا مِنَ الْقُرْآنِ وَجَائِزٌ تَرْكُهَا فِي قِرَاءَةِ الصَّلَاةِ وَلَا مَنْ قَالَ النِّكَاحُ بِغَيْرِ وَلِيٍّ جَائِزٌ لَا يُكَفَّرُ وَلَا مَنْ قَالَ الْوُضُوءُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ يُجْزِئُ
وَمِثْلُ هَذَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى وَلَا يُكَفَّرُ الْقَائِلُ بِهِ وَيُعْتَقَدُ فِيهِ التَّحْرِيمُ وَالتَّحَلُّلُ وَالْحُدُودُ
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُكَفَّرُ مَنْ قَالَ لَا يُقْطَعُ سَارِقٌ فِي رُبُعِ دِينَارٍ مَعَ ثُبُوتِ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ الْعُدُولِ
وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ وَلَا يَمْتَنِعُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَنْ يُحَرِّمَ مَا قَامَ لَهُ الدَّلِيلُ عَلَى تَحْرِيمِهِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَمِنْ سُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ يُخَالِفُهُ فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ اسْتَدَلَّ بِهِ وَوَجْهٌ مِنَ الْعِلْمِ ذَهَبَ إِلَيْهِ وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا تَكْفِيرٌ وَلَا خُرُوجٌ مِنَ الدِّينِ وَإِنَّمَا فِيهِ الْخَطَأُ وَالصَّوَابُ وَاللَّهُ يُوَفِّقُ مَنْ يَشَاءُ بِرَحْمَتِهِ
وَقَدْ شَرِبَ النبيذ الصلب جماعة من علماء التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ بِالْعِرَاقِ لِأَنَّهُ لَا يَحْرُمُ عِنْدَهُمْ مِنْهُ إِلَّا الْمُسْكِرُ
وَرَوَوْا بِمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ آثَارًا عَنْ عُمَرَ وَغَيْرِهِ مِنَ السَّلَفِ إِلَّا أَنَّ آثَارَ أَهْلِ الْحِجَازِ فِي تَحْرِيمِ الْمُسْكِرِ أَصَحُّ مَخْرَجًا وَأَكْثَرُ تَوَاتُرًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ لَا شَرِيكَ لَهُ
وَرُوِّينَا عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ قَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ يَقُولُ مَا أَعْجَبَ أَمْرَ هَؤُلَاءِ يَعْنِي أَهْلَ الْكُوفَةِ لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ علقمة وشريحا
стр. 3562
وَمَسْرُوقًا وَعُبَيْدَةَ فَلَمْ أَرَهُمْ يَشْرَبُونَ نَبِيذَ الْخَمْرِ فَلَا أَدْرِي أَيْنَ غَاصَ هَؤُلَاءِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا يُصَحِّحُ قَوْلَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيِّ ﵀ حَيْثُ قَالَ أَوَّلُ مَنْ أَحَلَّ الْمُسْكِرَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ
وأما حديث مالك عن نافع عن بْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا حُرِمَهَا فِي الْآخِرَةِ فَحَدِيثٌ ثَابِتٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ لَا مَقَالَ فِيهِ لِأَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ يُنْكِرُونَ عَلَى مَنْ أَنْفَذَ فِيهِ الْوَعِيدَ وَيَجْعَلُونَهُ إِنْ مَاتَ قَبْلَ التَّوْبَةِ مِنْهَا فِي الْمَشِيئَةِ وَقَدْ جَاءَ فِيهِ تَغْلِيظٌ كَثِيرٌ كَرِهْتُ ذِكْرَهُ وَأَحَقُّهُ وَأَصَحُّهُ مَا رَوَى شُعْبَةُ عَنْ زُبَيْدٍ عَنْ خَيْثَمَةَ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ كُنْتُ قَاعِدًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَذَكَرَ الْكَبَائِرَ حَتَّى ذَكَرَ الْخَمْرَ فَكَأَنَّ رَجُلًا تَهَاوَنَ بِهَا فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لَا يَشْرَبُهَا رَجُلٌ مُصْبِحًا إِلَّا ظَلَّ مُشْرِكًا حَتَّى يُمْسِيَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُ إِذَا شَرِبَهَا مُسْتَحِلًّا أَنَّهُ كَالْمُشْرِكِ وَقَدْ قَرَنَهَا اللَّهُ بِالْأَنْصَابِ الْمَعْبُودَةِ مِنْ دُونِ اللَّهِ
وَرُوِّينَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ قَالَ أَوَّلُ مَا يكفأ الإسلام على وجهه كما يكفؤ الإناء الخمر
وروى بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ قَالَ أَرْسَلْنَا إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ نَسْأَلُهُ أَيُّ الْكَبَائِرُ أَكْبَرُ قَالَ الْخَمْرُ فَأَعَدْنَا إِلَيْهِ الرَّسُولَ فَقَالَ الْخَمْرُ مَنْ شَرِبَهَا لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ صَلَاةٌ سَبْعًا فَإِنْ سَكِرَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَإِنْ مَاتَ فِيهَا مَاتَ مِيتَةً جاهلية
وذكره أبو بكر عن بن عُيَيْنَةَ وَفِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ قَالَ حَدَّثَنِي شَبَابَةُ قَالَ حَدَّثَنِي شُعْبَةُ
وَهَذَانِ إِسْنَادَانِ لَا يَخْتَلِفُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ فِي صِحَّتِهِمَا
وَمِثْلَهُمَا فِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ مَا ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ أَيْضًا قَالَ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَزْنِي الزَّانِي - حِينَ يَزْنِي - وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ - حِينَ يَشْرَبُهَا - وَهُوَ مُؤْمِنٌ
стр. 3563
قَالَ وَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ مِثْلَهُ
(٥ - بَابُ جَامِعِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ)
١٥٧١ - مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عن بن وَعْلَةَ الْمِصْرِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عباس عما يعصر من العنب فقال بن عَبَّاسٍ أَهْدَى رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَاوِيَةَ خَمْرٍ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَهَا قَالَ لَا فَسَارَّهُ رَجُلٌ إِلَى جَنْبِهِ فَقَالَ لَهُ ﷺ بِمَ سَارَرْتَهُ فَقَالَ أَمَرْتُهُ أَنْ يَبِيعَهَا فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا فَفَتَحَ الرَّجُلُ الْمَزَادَتَيْنِ حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيهِمَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْخَمْرَ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ تَخْلِيلُهَا وَلَوْ جَازَ لِمُسْلِمٍ تَخْلِيلُهَا مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَعُ الرَّجُلَ يَفْتَحُ مِنْ أُذُنَيْهِ حَتَّى يَذْهَبَ مَا فِيهَا مِنْهَا لِأَنَّ الْخَلَّ مَالٌ وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَخْلِيلِ الْخَمْرِ
فقال مالك في ما روى عنه بن القاسم عنه وبن وَهْبٍ لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُخَلِّلَ الْخَمْرَ وَلَكِنْ يُهْرِيقُهَا فَإِنْ صَارَتْ خَلًّا بِغَيْرِ عِلَاجٍ فَهِيَ حَلَالٌ لَا بَأْسَ بِهَا
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ
وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ قَالَ إِذَا خَلَّلَ النَّصْرَانِيُّ خَمْرًا فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ قَالَ وَكَذَلِكَ لَوْ خَلَّلَهَا مُسْلِمٌ وَاسْتَغْفَرَ اللَّهَ تعالى
وذكر بن عَبْدِ الْحَكَمِ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فِي كِتَابِهِ عَنْ مَالِكٍ وَهِيَ رِوَايَةُ سُوءٍ بِخِلَافِ السُّنَّةِ وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ
وَالَّذِي يَصِحُّ فِي تَخْلِيلِ الْخَمْرِ عَنْ مالك ما رواه بن وهب وبن القاسم
стр. 3564
عن مالك قال بن وَهْبٍ سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي رَجُلٍ اشْتَرَى خَلًّا فَوَجَدَ فِيهَا قُلَّةَ خَمْرٍ قَالَ لَا يَجْعَلُ فِيهَا شَيْئًا لِيُخَلِّلَهَا
قَالَ وَلَا يَحِلُّ لمسلم أن يعالج الخمر حتى يجعلها خَلًّا وَلَكِنْ يُهْرِقُهَا فَإِنْ صَارَتْ خَلًّا مِنْ غَيْرِ عِلَاجٍ فَإِنَّهَا حَلَالٌ لَا بَأْسَ بِهَا - إن شاء الله
قال بن وَهْبٍ وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَالزُّهْرِيِّ وربيعة
قال بن وهب حدثني بن أبي ذئب عن بن شِهَابٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ لَا تَأْكُلْ خَمْرًا فَسَدَتْ وَلَا شَيْءَ مِنْهَا حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ تَوَلَّى إِفْسَادَهَا
قال وحدثني يونس عن بن شِهَابٍ قَالَ لَا خَيْرَ فِي خَلٍّ مِنْ خَمْرٍ أُفْسِدَتْ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ يُفْسِدُهَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ تَخْلِيلَهَا وَأَنْ يُصْنَعَ مِنْهَا مُرِّيٌّ
وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رِوَايَةٌ لَيْسَتْ بِصَحِيحَةٍ
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ لَا تُعَالَجُ الْخَمْرُ بِغَيْرِ تَحْوِيلِهَا إِلَى الْخَلِّ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَا يَصِحُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِلَّا مَا قَالَهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ تَخْلِيلُ الْخَمْرِ وَلَا تُؤْكَلْ إِنْ خَلَّلَهَا أَحَدٌ وَلَكِنْ إِنْ عَادَتْ خَلًّا بِغَيْرِ صُنْعِ آدَمِيٍّ فَحَلَالٌ أَكْلُهَا
وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا مَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنِي وَكِيعٌ وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ أَبِي هُبَيْرَةَ يَحْيَى بْنِ عَبَّادٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عن الْخَمْرِ تُتَّخَذُ خَلًّا قَالَ لَا
هَذَا لَفْظُ حَدِيثِ قَاسِمٍ
وَلَفْظُ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ
стр. 3565
أَيْتَامٍ وَرِثُوا خَمْرًا قَالَ أَهْرِقْهَا قَالَ أَفَلَا أَجْعَلُهَا خَلًّا قَالَ لَا
وَرَوَى مُجَالِدٌ عَنِ الْوَدَّاكِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ كَانَ عِنْدِي خَمْرٌ لِأَيْتَامٍ فَلَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نُهْرِقَهَا
وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ عُثْمَانَ عَنْ أَبِي الْعَاصِ أَنَّ تَاجِرًا اشْتَرَى مِنْ نَصْرَانِيٍّ خَمْرًا فَأَمَرَهُ أَنْ يَصُبَّهَا فِي دِجْلَةَ فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ قَالَ اجْعَلْهَا خَلًّا
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ أَيْضًا لِأَنَّهُ لَا يَسْتَقِرُّ مِلْكُ مُسْلِمٍ عَلَى خمر ولا يثبت له عَلَيْهَا مِلْكٌ بِحَالٍ كَمَا لَا يَثْبُتُ لَهُ سَاعَةً مِلْكُ الْخِنْزِيرِ وَلَا دَمٍ وَلَا صَنَمٍ فَكَيْفَ يُحَلِّلُهَا
وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ فِي الْخَمْرِ فِي حَدِيثِ هَذَا الْبَابِ إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا
وَهَذَا إِجْمَاعٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَافَّةً عَنْ كَافَّةٍ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ بَيْعُ الْخَمْرِ وَلَا التِّجَارَةُ فِي الْخَمْرِ
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنِي قُتَيْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ بِمَكَّةَ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمِيتَةِ وَالْأَصْنَامِ
قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بن صالح قال حدثني بن وَهْبٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ بُخْتٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَرَّمَ الخمر وثمنها وحرم الميتة وثمنها وَحَرَّمَ الْخِنْزِيرَ وَثَمَنَهُ
وَرَوَى هُشَيْمٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ كِلَاهُمَا قَالَا حَدَّثَنِي مُطِيعُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْغَزَّالُ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ لَا تَحِلُّ التِّجَارَةُ فِي شَيْءٍ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَلَا شُرْبُهُ
стр. 3566
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا كَلَامٌ خَرَجَ عَلَى الْمَطْعُومَاتِ وَالْمَشْرُوبَاتِ دُونَ الْحَيَوَانِ بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ فِي الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ أَنَّهُ يَحِلُّ بَيْعُهُ لِمَا كَانَ فِيهِ مِنَ الْمَنْفَعَةِ وَلَا يَحِلُّ أَكْلُهُ
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ حَدِيثَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَهْدِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَاوِيَةً مِنْ خَمْرٍ كُلَّ سَنَةٍ فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الَّذِي حُرِّمَتْ جَاءَ بِرَاوِيَةٍ مِنْهَا فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضَحِكَ وَقَالَ هَلْ شَعَرْتَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَهَا وَقَالَ إِنَّهَا قَدْ حُرِّمَتْ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَفَلَا أَبِيعُهَا وَأَنْتَفِعُ بِثَمَنِهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ انْطَلَقُوا إِلَى مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ شُحُومِ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ فَأَذَابُوهُ وَجَعَلُوهُ إِهَالَةً فَابْتَاعُوا بِهِ مَا يَأْكُلُونَ وَقَالَ ﵇ الْخَمْرُ حَرَامٌ وَثَمَنُهَا حَرَامٌ
وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ لِمَا حُرِّمَتِ الْخَمْرُ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ كَانَ عِنْدِي مَالٌ لِيَتِيمٍ فَاشْتَرَيْتُ بِهِ خَمْرًا أَفَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَبِيعَهَا فَأَرُدَّ عَلَى الْيَتِيمِ مَالَهُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي بَيْعِ الْخَمْرِ
١٥٧٢ - مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ كُنْتُ أَسْقِي أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ وَأَبَا طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيَّ وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ شَرَابًا مِنْ فَضِيخٍ وَتَمْرٍ قَالَ فَجَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ يَا أَنَسُ قُمْ إِلَى هَذِهِ الْجِرَارِ فَاكْسِرْهَا قَالَ فَقُمْتُ إِلَى مِهْرَاسٍ لَنَا فَضَرَبْتُهَا بِأَسْفَلِهِ حَتَّى تَكَسَّرَتْ
قَالَ أَبُو عُمَرَ الْفَضِيخُ نَبِيذُ الْبُسْرِ وَحْدَهُ
سُئِلَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ الْفَضِيخِ فَقَالَ كُنَّا نَأْخُذُ الْبُسْرَ فَنَفْضَخُهُ وَنَشْرَبُهُ
وَكَانَ أَنَسٌ يَقُولُ لِخَادِمِهِ انْزَعِ الرُّطَبَ مِنَ الْبُسْرِ وَانْبِذْ كل واحد منهما على حدة
وقال بن عوف سئل بن سِيرِينَ عَنِ الْفَضِيخِ فَقَالَ هُوَ الْبُسْرُ
стр. 3567
وَقَدْ قِيلَ إِنَّ الْفَضِيخَ هُوَ خَلِيطُ الْبُسْرِ وَالتَّمْرِ
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ ﵃ مِنَ الِانْقِيَادِ إِلَى الدِّينِ وَالْإِسْرَاعِ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﵇
وَفِيهِ أَنَّ نَبِيذَ الْبُسْرِ وَنَبِيذَ التَّمْرِ خَمْرٌ إِذَا أَسْكَرَ
وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى مُجَوَّدًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا
وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ جَمَاعَةٌ يَطُولُ ذِكْرُهُمْ مِنْهُمْ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ وَقَتَادَةُ وثابت البنان وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ وَالْمُخْتَارُ بْنُ فُلْفُلٍ وَأَبُو التَّيَّاحِ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَنَسٍ وَخَالِدُ بن الفرز وَلَمْ يَذْكُرْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ كَسْرَ الْجِرَارِ إِلَّا إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ وَحْدَهُ وَإِنَّمَا فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ كَفَاهَا
١٥٧٣ - مَالِكٌ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ وَاقَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ حِينَ قَدِمَ الشَّامَ شَكَا إِلَيْهِ أَهْلُ الشَّامِ وَبَاءَ الْأَرْضِ وَثِقَلَهَا وَقَالُوا لَا يُصْلِحُنَا إِلَّا هَذَا الشَّرَابُ فَقَالَ عُمَرُ اشْرَبُوا هَذَا الْعَسَلَ قَالُوا لَا يُصْلِحُنَا الْعَسَلُ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ هَلْ لَكَ أَنْ نَجْعَلَ لَكَ مِنْ هَذَا الشَّرَابِ شَيْئًا لَا يُسْكِرُ قَالَ نَعَمْ فَطَبَخُوهُ حَتَّى ذَهَبَ مِنْهُ الثُّلُثَانِ وَبَقِيَ الثُّلُثُ فَأَتَوْا بِهِ عُمَرَ فَأَدْخَلَ فِيهِ عُمَرُ إِصْبَعَهُ ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ فَتَبِعَهَا يَتَمَطَّطُ فَقَالَ هَذَا الطِّلَاءُ هَذَا مِثْلُ طِلَاءِ الْإِبِلِ فَأَمَرَهُمْ عُمَرُ أَنْ يَشْرَبُوهُ فَقَالَ لَهُ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ أَحْلَلْتَهَا وَاللَّهِ فَقَالَ عُمَرُ كَلَّا وَاللَّهِ اللَّهُمَّ إِنِّي لَا أُحِلُّ لَهُمْ شَيْئًا حَرَّمْتَهُ عَلَيْهِمْ وَلَا أُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ شَيْئًا أَحْلَلْتَهُ لَهُمْ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَوْلُ عُبَادَةَ لِعُمَرَ فِي الطِّلَاءِ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَحْلَلْتَهَا لَهُمْ يَعْنِي الْخَمْرَ لَمْ يُرِدْ بِهِ ذَلِكَ الطِّلَاءَ بِعَيْنِهِ وَلَكِنَّهُ أراد أنهم يستحلونها فضيخ دُونَ ذَلِكَ الطَّبْخِ وَيَعْتَلُّونَ بِأَنَّ عُمَرَ أَبَاحَ الْمَطْبُوخَ مِنْهَا
كَمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ سَتَسْتَحِلُّ أُمَّتِي الْخَمْرَ فَإِنَّهُمْ يُسَمُّونَهَا غَيْرَ اسْمِهَا
وَنَحْوُ هَذَا كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ
(هِيَ الْخَمْرُ تُكَنَّى الطِّلَا ... كَمَا الذِّئْبُ يُكَنَّى أَبَا جَعْدَةَ
стр. 3568
حَدَّثَنَا سَعِيدٌ قَالَ حَدَّثَنِي قَاسِمٌ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ سَعْدِ بْنِ أَوْسٍ عَنْ بِلَالِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِي بكر بن حفص عن بن مُحَيْرِيزِ بْنِ السِّمْطِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيَسْتَحِلَّنَّ آخِرُ أُمَّتِي الْخَمْرَ بِاسْمٍ يُسَمُّونَهَا
وَحَدَّثَنِي سَعِيدٌ قَالَ حَدَّثَنِي قَاسِمٌ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنِي حَاتِمُ بْنُ حُرَيْثٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ تَذَاكَرْنَا الطِّلَاءَ فَدَخَلَ عَلَيْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَنْمٍ فَذَاكَرْنَاهُ فَقَالَ حَدَّثَنِي أَبُو مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لَا يشرب نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا يضرب على رؤوسهم بِالْمَعَازِفِ وَالْقَيْنَاتِ يَخْسِفُ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ وَيَجْعَلُ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ الدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا تَأَوَّلْنَاهُ فِي قَوْلِ عُبَادَةَ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ ذَلِكَ النَّوْعُ مِنَ الطِّلَاءِ لِأَنِّي لَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي جَوَازِ شُرْبِ الْعَصِيرِ إِذَا طُبِخَ وَذَهَبَ ثُلُثَاهُ وَبَقِيَ ثُلُثُهُ
وَالْكَثِيرُ يَقُولُ إِنَّهُ لَا يُسْكِرُ الْكَثِيرُ مِنْهُ وَإِنْ أَسْكَرْ مِنْهُ الْكَثِيرُ فَالْأَصْلُ مَا قَدَّمْتُ لَكَ فِي الْخَمْرِ قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا وَاخْتِلَافُهُمْ إِنَّمَا هُوَ فِي غَيْرِهَا
أَلَا تَرَى إِلَى حَدِيثِ عُمَرَ ﵁ فِي هَذَا الْبَابِ إِنَّمَا قَالَ الْقَائِلُ نصنع لك من هذا الشراب شرابا لا يُسْكِرُ
فَعَلَى هَذَا الشَّرْطِ أَبَاحَ لَهُمْ ذَلِكَ الطلاء وهو لا يُسْكِرُ أَبَدًا وَهُوَ الرُّبُّ عِنْدَنَا
وَفِي خَبَرِ عُمَرَ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا صُنِعَ مِنَ الْعَصِيرِ وَبِالْعَصِيرِ فَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يُسْكِرَ فَهُوَ حَلَالٌ لَا بَأْسَ بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ
стр. 3569
قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ وَأَبَا طَلْحَةَ كَانُوا يَشْرَبُونَ مِنَ الطِّلَاءِ مَا ذَهَبَ ثُلُثَاهُ وَبَقِيَ ثُلُثُهُ
قَالَ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ قَالَ سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ عَنِ الشَّرَابِ الَّذِي كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَحَلَّهُ لِلنَّاسِ فَقَالَ هُوَ الطِّلَاءُ الَّذِي ذَهَبَ ثُلُثَاهُ وَبَقِيَ ثُلُثُهُ
قَالَ وَحَدَّثَنِي وَكِيعٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ مَيْمُونٍ عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ قَالَتْ إِنِّي كُنْتُ أَطْبُخُ لِأَبِي الدَّرْدَاءِ الطِّلَاءَ حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ وَيَبْقَى ثُلُثُهُ فَيَشْرَبَهُ
وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَرْزُقُ النَّاسَ مِنَ الطِّلَاءِ مَا ذَهَبَ ثُلُثَاهُ وَبَقِيَ ثُلُثُهُ
وَذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنِي بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ كَانَ عَلِيٌّ ﵁ يَرْزُقُنَا الطِّلَاءَ فَقُلْتُ مَا هَيْئَتُهُ قَالَ أَسْوَدُ يَأْخُذُهُ أَحَدُنَا بِأُصْبُعِهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ
وَاخْتَلَفُوا فِي النِّصْفِ
فَكَرِهَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنُ وَعِكْرِمَةُ
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ كَرَاهِيَةُ النِّصْفِ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ
وَرُوِيَتِ الرُّخْصَةُ فِي شُرْبِ النِّصْفِ بِالطَّبْخِ مِنَ الْعَصِيرِ
وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ وأبي جحيفة وأنس بن مالك وبن الْحَنَفِيَّةِ وَجَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ وَشُرَيْحٍ وعبد الرحمن بن أبزى والحكم بن عيينة وَقَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ وَأَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَيَحْيَى بْنِ دِثَارٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَغَيْرِهِمْ
وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ لَا يَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ مَا يُسْكِرُ لِأَنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ قَلِيلَ الخمر وكثيرها حرام
وقد قال بن عَبَّاسٍ إِنَّ النَّارَ لَا تُحِلُّ شَيْئًا وَلَا تحرمه
فدل ذلك على أن المنصف لَا يُسْكِرُ كَثِيرُهُ وَهَذَا بَيِّنٌ وَاضِحٌ لِكُلِّ ذي لب وفهم إلا أن المنصف قَدْ كَرِهَهُ قَوْمٌ كَمَا ذَكَرْنَا وَذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِمَا خَافُوا مِنْهُ فَتَوَرَّعُوا عَنْهُ
وَقَدْ حَمِدَ النَّاسُ التَّارِكَ لِمَا لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ كمخافة اليأس وبالله التوفيق
стр. 3570
١٥٧٤ - مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ قَالُوا لَهُ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّا نَبْتَاعُ من ثمر النخل وَالْعِنَبِ فَنَعْصِرُهُ خَمْرًا فَنَبِيعُهَا فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتَهُ وَمَنْ سَمِعَ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَنِّي لَا آمركم أن تبيعوها ولا تبتاعوا ولا تعصرها وَلَا تَشْرَبُوهَا وَلَا تُسْقُوهَا فَإِنَّهَا رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ مِثْلُ هَذَا الْقَوْلِ لَا يَكُونُ مِنْهُ إِلَّا وَعِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﵇ مَعْنَاهُ
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ حَدَّثَنِي يحيى بن هاشم قال حدثني بن أَبِي لَيْلَى عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ الْخَمْرُ حَرَامٌ وَبَيْعُهَا حَرَامٌ وَثَمَنُهَا حَرَامٌ
حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي وَكِيعٌ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْغَافِقِيِّ وأبي طعمة مولاهم سمعا بن عُمَرَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لُعِنَتِ الْخَمْرُ عَلَى عَشَرَةِ وُجُوهٍ لُعِنَتِ الْخَمْرُ بِعَيْنِهَا وَعَاصِرِهَا وَمُعْتَصِرِهَا وَبَائِعِهَا وَمُبْتَاعِهَا وَحَامِلِهَا وَالْمَحْمُولَةِ إِلَيْهِ وَآكِلِ ثَمَنِهَا وَسَاقِيهَا وَشَارِبِهَا
حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنِي قَاسِمٌ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنِي سَحْنُونُ قَالَ أخبرنا بن وهب قال أخبرنا مالك بن الخير الزنادي أَنَّ مَالِكَ بْنَ سَعْدٍ التُّجِيبِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَعَنَ الْخَمْرَ وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ وَشَارِبَهَا وَبَائِعَهَا وَمُبْتَاعَهَا وَسَاقِيَهَا وَمُسْقَاهَا
стр. 3571
(٤٣كِ تَابُ الْعُقُولِ)
(١ - بَابُ ذِكْرِ الْعُقُولِ)
١٥٧٥ - مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فِي الْعُقُولِ أَنَّ فِي النَّفْسِ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ وَفِي الْأَنْفِ إِذَا أُوعِيَ جَدْعًا مِائَةٌ من الإبل وفي المأمومة ثلث الدية مائة وَفِي الْجَائِفَةِ مِثْلُهَا وَفِي الْعَيْنِ خَمْسُونَ
وَفِي الْيَدِ خَمْسُونَ وَفِي الرِّجْلِ خَمْسُونَ وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ مِمَّا هُنَالِكَ عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ وَفِي السِّنِّ خَمْسٌ وَفِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ
قَالَ أَبُو عُمَرَ نَذْكُرُ هُنَا حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ وَنَذْكُرُ الدِّيَةَ وَمَا فِيهَا لِلْعُلَمَاءِ فِي الْبَابِ بعد هذا
стр. 3572
وَلَا خِلَافَ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ فِي أَنَّ الْأَنْفَ إِذَا أُوعِيَ جَدْعًا الدِّيَةُ كَامِلَةٌ وَكَذَلِكَ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي دِيَةِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ وَالْعَيْنِ إِذَا أُصِيبَتْ مِنْ ذِي عَيْنَيْنِ وَلَا فِي الْأَصَابِعِ إِلَّا الْإِبْهَامَ وَلَكِنَّهُ اخْتُلِفَ فِي حُكْمِ بَعْضِهِ وَكَذَلِكَ الْمَأْمُومَةُ وَالْجَائِفَةُ لَا خِلَافَ فِي أن في كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُلُثُ الدِّيَةِ وَاخْتُلِفَ فِي الْأَسْنَانِ وَنَذْكُرُ مَا فِيهِ اخْتِلَافٌ لِأَحَدٍ مِنْ سَلَفِ الْعُلَمَاءِ أَوْ خَلَفِهِمْ فِي بَابِهِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَفِي إِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ فِي كُلِّ مِصْرٍ عَلَى مَعَانِي مَا فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى صِحَّةِ الْحَدِيثِ وَأَنَّهُ يُسْتَغْنَى عَنِ الْإِسْنَادِ لِشُهْرَتِهِ عِنْدَ عُلَمَاءِ (أَهْلِ) الْمَدِينَةِ وغيرهم
وقد روى بن وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ وَاللَّيْثِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ احْتَجَّ بِكِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فِي دِيَةِ الْأَصَابِعِ عَشَرٌ عَشْرٌ
وَقَدْ رَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ وَذَكَرَ مَا ذَكَرَ فِيهِ مَالِكٌ سَوَاءً
وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ أَيْضًا مُسْنَدًا
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زهير (بْنِ حَرْبٍ) وَمُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُنَقِّرِيُّ قَالَا حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ قَالَ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ وَزَادَ الْمُنَقِّرِيُّ الْجَزَرِيُّ - قَالَ حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ بِكِتَابٍ فِيهِ الْفَرَائِضُ وَالسُّنَنُ وَالدِّيَاتُ وَبَعَثَ بِهِ مَعَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فَقَدِمَ بِهِ عَلَى أَهْلِ الْيَمَنِ وَهَذِهِ نُسْخَتُهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى شُرَحْبِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ وَالْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ وَنُعَيْمِ بن عبد كلال - قبل ذِي رُعَيْنٍ وَمَعَافِرَ وَهَمْدَانَ - أَمَّا بَعْدُ)
فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ فِي الصَّدَقَاتِ إِلَى آخِرِهَا وَفِيهِ مَنِ اعْتَبَطَ مُؤْمِنًا قَتْلًا عَنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ فَإِنَّهُ قَوَدٌ إِلَّا أَنْ يَرْضَى أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ وَفِي النَّفْسِ الدِّيَةُ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ وَفِي الْأَنْفِ إِذَا أُوَعِيَ جَدْعًا الدِّيَةُ وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ وَفِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ وَفِي الْبَيْضَتَيْنِ الدِّيَةُ وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ وَفِي الصُّلْبِ الدِّيَةُ وَفِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ وَفِي الرِّجْلِ الْوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ وَفِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ وَفِي الْمُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنَ الْإِبِلِ وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ مِنْ أَصَابِعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ وَفِي
стр. 3573
السِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ وَفِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ وَأَنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بِالْمَرْأَةِ وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ)
وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ
(٢ - بَابُ الْعَمَلِ فِي الدِّيَةِ)
١٥٧٦ - مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَوَّمَ الدِّيَةَ عَلَى أَهْلِ الْقُرَى فَجَعَلَهَا عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفَ دِينَارٍ وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ قَالَ مَالِكٌ فَأَهْلُ الذَّهَبِ أَهْلُ الشَّامِ وَأَهْلُ مِصْرَ وَأَهْلُ الْوَرِقِ أَهْلُ الْعِرَاقِ
١٥٧٧ - قَالَ مَالِكٌ وَسَمِعْتُ أَنَّ الدِّيَةَ تُقْطَعُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ أَوْ أَرْبَعِ سِنِينَ
قَالَ مَالِكٌ وَالثَّلَاثُ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا يقبل من أهل القرى في الدية الإبل ولا من أهل العمود الذهب ولا الورق ولا من أهل الذهب الورق ولا من أَهْلِ الْوَرِقِ الذَّهَبُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ اخْتُلِفَ عَنْ عُمَرَ ﵁ فِي تَقْوِيمِ الدِّيَةِ فَرَوَى أَهْلُ الْحِجَازِ عَنْهُ أَنَّهُ (قَوَّمَهَا كَمَا ذَكَرَ مَالِكٌ عَنْهُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ مِنَ الْوَرِقِ
وَرَوَى أَهْلُ الْعِرَاقِ عَنْهُ أَنَّهُ) قَوَّمَهَا - وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ جَعَلَهَا عَشَرَةَ آلَافِ درهم
وروى بن الْمُبَارَكِ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَضَى بِالدِّيَةِ عَلَى أَهْلِ الْقُرَى اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ
وَرَوَى هُشَيْمٌ عَنْ يُونُسَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَوَّمَ الْإِبِلَ فِي الدِّيَةِ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ وَقَوَّمَ كُلَّ بَعِيرٍ بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ
وَأَمَّا رِوَايَةُ أَهْلِ الْعِرَاقِ فِي ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ فَرَوَى وَكِيعٌ عَنِ بن أَبِي لَيْلَى أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ قَالَا وَضَعَ عُمَرُ الدِّيَاتِ فَوَضَعَ على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الْوَرِقِ عَشَرَةَ أَلَافِ دِرْهَمٍ وَعَلَى أَهْلِ الْإِبِلِ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ وَعَلَى أَهْلِ الْبَقَرِ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ مُسِنَّةٍ وَعَلَى أَهْلِ الشَّاءِ أَلْفَيْ شَاةٍ وَعَلَى أَهْلِ الْحُلَلِ مِائَتَيْ حُلَّةٍ
стр. 3574
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَمْ تَخْتَلِفِ الرِّوَايَاتُ عَنْ عُمَرَ فِي الذَّهَبِ أَنَّ الدِّيَةَ مِنْهُ أَلْفُ دِينَارٍ وَلَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ قَدِيمًا وَلَا حَدِيثًا وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ
وَقَدْ جَاءَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ خِلَافُ ذَلِكَ وَلَا يَصِحُّ وَسَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَأَمَّا الْوَرِقُ فَلَا اخْتِلَافَ فِي مَبْلَغِ الدِّيَةِ مِنْهُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا وَلَيْسَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ فِيهِ شَيْءٌ غَيْرَ مَا ذَكَرُوا عَنْ عُمَرَ مَعَ أَهْلِ الْحِجَازِ فِيهِ آثَارٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ رَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ قَضَى النَّبِيُّ ﷺ لِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ قَتَلَهُ مَوْلًى لِبَنِي عَدِيٍّ بِالدِّيَةِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَفِيهِمْ نَزَلَتْ (وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ) التَّوْبَةِ ٧٤
وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيُّ وَأَسْنَدَهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِالدِّيَةِ فِي الْخَطَأِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ
وَرَوَى عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ (وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵃ الدِّيَةُ مِنَ الْوَرِقِ اثني عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ
وَرَوَى وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ عُمَرَ مِثْلَهُ
وَهُوَ مَذْهَبُ الْحِجَازِيِّينَ وَرِوَايَتُهُمْ عَنْ عُمَرَ
وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ لَا يَأْخُذُ فِي الدِّيَةِ إِلَّا الْإِبِلَ وَالذَّهَبَ أَوِ الْوَرِقَ لَا غَيْرُ
وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ يَأْخُذُ أَيْضًا فِي الدِّيَةِ الْبَقَرَ وَالشَّاءَ وَالْحُلَلَ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁
وَهُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ الْمَدَنِيِّينَ
وَذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ (عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنِ عَطَاءٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَضَعَ الدِّيَةَ عَلَى النَّاسِ فِي أَمْوَالِهِمْ مَا كَانَتْ عَلَى أَهْلِ الْإِبِلِ مِائَةَ بَعِيرٍ وَعَلَى أَهْلِ الشَّاءِ أَلْفَيْ شَاةٍ وعلى أهل البقر مائتي بقرة وعلى أهل الْبُرُودِ مائَتَيْ حُلَّةٍ
стр. 3575
وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَالزُّهْرِيِّ وَقَتَادَةَ
وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ (قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ قَالَ) حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو تُمَيْلَةَ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ ذَكَرَ عَطَاءٌ عَنْ جَابِرٍ قَالَ فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الدِّيَةَ عَلَى أَهْلِ الْإِبِلِ فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ بن أَبِي شَيْبَةَ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ بِمِصْرَ لَا يَأْخُذُ مِنَ الذَّهَبِ وَلَا مِنَ الْوَرِقِ إِلَّا قِيمَةَ الْإِبِلِ بَالِغًا مَا بَلَغَتْ
وَقَوْلُهُ بِالْعِرَاقِ
مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ
وَذَكَرَ الْمُزَنِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ الْعِلْمُ مُحِيطٌ لِأَنَّ تَقْوِيمَ عُمْرَ الْإِبِلَ إِنَّمَا قَوَّمَهَا بِقِيمَةِ يَوْمِهَا فَاتِّبَاعُ عُمَرَ أَنْ تُقَوَّمَ الْإِبِلُ بَالِغًا مَا بَلَغَتْ إِذَا وَجَبَتْ فَأَعْوَزَتْ لِأَنَّ تَقْوِيمَهُ لَمْ يَكُنْ إِلَّا لِلْإِعْوَازِ لِأَنَّهُ لَا يُكَلِّفُ الْقَرَوِيَّ إِبِلًا كَمَا لَا يُكَلِّفُ الْأَعْرَابِيَّ ذَهَبًا وَلَا وَرِقًا لِأَنَّهُ لَا يَجِدُهَا كَمَا لَا يَجِدُ الْحَضَرِيُّ الْإِبِلَ
قَالَ وَلَا تُقَوَّمُ إِلَّا بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ دُونَ الشَّاءِ وَالْبَقَرِ فَلَوْ جَازَ أَنْ تُقَوَّمَ بِالشَّاءِ وَالْبَقَرِ وَالْحُلَلِ قَوَّمَاهَا عَلَى أَهْلِ الْخَيْلِ بِالْخَيْلِ وَعَلَى أَهْلِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ
وَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ
قَالَ الْمُزَنِيُّ قَدْ كَانَ قَوْلُهُ الْقَدِيمُ عَلَى أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق اثني عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ مِنْ غَيْرِ مُرَاعَاةٍ لِقِيمَةِ الْإِبِلِ وَرُجُوعُهُ عَنِ الْقَدِيمِ إِلَى مَا قَالَهُ فِي الْجَدِيدِ أَشْبَهُ بِالسُّنَّةِ
ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو أُسَامَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ إِنَّ الدِّيَةَ كَانَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِائَةُ بَعِيرٍ
قَالَ فَإِنْ كَانَ الَّذِي أَصَابَهُ الْأَعْرَابِيُّ فَدِيَتُهُ مِنَ الْإِبِلِ لَا يُكَلَّفُ الْأَعْرَابِيُّ الذَّهَبَ وَلَا الْوَرِقَ فَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْأَعْرَابِيُّ مائة من الإبل فعدلها من الشاء ألفي شاة
وروى معمر عن بن طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ الدِّيَةُ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ وَقِيمَتُهَا مِنْ غَيْرِهَا
وَرَوَى حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ (عَنْ أَشَعْثَ عَنِ الْحَسَنِ) أَنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ
следующие страницы →