Полный текст (4 158 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
النَّاسُ فَقَالَ عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عن مَا سَأَلْتَنِي عَنْهُ فَقَالَ صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ بْنِ دَاسَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَمُسَدَّدٌ قَالَا حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ بن جُرَيْجٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَيْهِ عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَرَأَيْتَ إِقْصَارَ النَّاسِ الصَّلَاةَ وَإِنَّمَا قَالَ تَعَالَى (إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) النِّسَاءِ ١٠١ فَقَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ الْيَوْمَ فَقَالَ عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صدقته
هكذا قال يحيى القطان عن بن جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ
وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ عَبْدِ المجيد بن عبد العزيز عن بن جُرَيْجٍ وَهُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ
وَقَدْ ذَكَرْنَا الِاخْتِلَافَ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ هَذَا وَالشَّوَاهِدَ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ فِي التَّمْهِيدِ
قَالَ علي بن المديني بن أبي عمار وبن بَابَيْهِ مَكِّيَّانِ ثِقَتَانِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ يُقَالُ عبد الله بن بابيه وبن باباه وبن بَابِي أَيْضًا
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ حَدَّثَنَا بن عون عن بن سيرين عن بن عَبَّاسٍ قَالَ صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَنَحْنُ آمِنُونَ لَا نَخَافُ شَيْئًا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ
стр. 737
رَوَاهُ أَيُّوبُ وَهِشَامٌ وَيَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التُّسْتَرِيُّ عن بن سيرين عن بْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَقْصُرَ الصَّلَاةَ إِذَا سَافَرَ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ غَزْوٍ سَفَرًا طَوِيلًا أَقَلُّهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَلَهُ أَنْ يَقْصُرَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ صَلَاةَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ مِنْ أَرْبَعٍ إِلَى اثْنَتَيْنِ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ وَإِنْ كَانُوا قَدِ اخْتَلَفُوا فِي هَذَا
وَالْمَسَافَةُ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا قَصْرُ الصَّلَاةِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ عَنْهُمْ فِي الْبَابِ بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ سَافَرَ سَفَرًا مُبَاحًا فِي غَيْرِ جِهَادٍ وَلَا حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ
فروي عن بن مَسْعُودٍ مِنْ وُجُوهٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى الْقَصْرَ إِلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ جِهَادٍ
مِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ لَا تُقْصَرُ الصَّلَاةُ إِلَّا فِي حَجٍّ أَوْ جِهَادٍ
قَالَ وَحَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنِ الْعَوَامِّ قَالَ كَانَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ لَا يَرَى الْقَصْرَ إِلَّا فِي حَجٍّ أَوْ جِهَادٍ أَوْ عُمْرَةٍ
وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرحمن أن بن مَسْعُودٍ قَالَ لَا تُقْصَرُ الصَّلَاةُ إِلَّا فِي حَجٍّ أَوْ جِهَادٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَمْ يَذْكُرِ الْعُمْرَةَ لِأَنَّهَا حَجٌّ وَفِي مَعْنَى الْحَجِّ
قال عبد الرزاق وأخبرنا بن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ مَا أَرَى أَنْ تُقْصَرَ الصَّلَاةُ إِلَّا فِي سَبِيلٍ مِنْ سُبُلِ اللَّهِ
وَقَدْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ لَا يَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ كَانَ يَقُولُ تُقْصَرُ فِي كُلِّ ذَلِكَ
قَالَ وَكَانَ طَاوُسٌ يَسْأَلُهُ الرَّجُلُ فَيَقُولُ أُسَافِرُ لِبَعْضِ حَاجَتِي أَفَأَقْصُرُ الصَّلَاةَ فَسَكَتَ وَقَالَ إِذَا خَرَجْنَا حُجَّاجًا أَوْ عُمَّارًا صَلَّيْنَا رَكْعَتَيْنِ
قال بن جُرَيْجٍ قُلْتُ لِعَطَاءٍ قَوْلَهُمْ لَا تُقْصَرُ إِلَّا فِي سَبِيلٍ مِنْ سُبُلِ الْخَيْرِ
قَالَ إِنِّي لَأَحْسَبُ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ قُلْتُ لِمَ قَالَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ إِمَامَ الْمُتَّقِينَ لَمْ يَقْصُرِ الصلاة إلا في سبيل من سبل الله حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ غَزْوٍ وَالْأَئِمَّةُ بَعْدَهُ أيهم
стр. 738
كَانَ يَضْرِبُ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغِي الدُّنْيَا قُلْتُ أرأيت بن عَبَّاسٍ خَرَجَ فِي غَيْرِ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ قَالَ لَا إِلَّا مَا أَخْرَجَهُ إِلَى الطَّائِفِ قُلْتُ فَجَائِزٌ وَأَبُو عُمَرَ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ قَالَ لَا وَلَا أَحَدٌ مِنْهُمْ قُلْتُ فَمَاذَا تَرَى قَالَ أَرَى أَلَّا تُقْصَرَ إِلَّا فِي سَبِيلٍ مِنْ سُبُلِ الْخَيْرِ وَقَدْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ يَقُولُ تُقْصَرُ فِي ذَلِكَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ ذَهَبَ دَاوُدُ فِي هَذَا الْبَابِ إِلَى قول بن مَسْعُودٍ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ مِمَّنْ ذَكَرْنَا وَهُوَ عِنْدِي نَقْضٌ لِأَصْلِهِ فِي تَرْكِهِ ظَاهِرَ كِتَابِ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ) النِّسَاءِ ١٠١ وَلَمْ يَخُصَّ ضَرْبًا فِي حَجٍّ وَلَا غَيْرِهِ وَأَخَذَهُ بِفِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَيْرَهُ بِخِلَافِهِ وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ الضَّرْبَ فِي الْأَرْضِ ابْتِغَاءَ فَضْلِ اللَّهِ
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الظَّاهِرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَطَائِفَةٌ قَالَتْ بِقَوْلِ دَاوُدَ وَقَالَ أَكْثَرُهُمْ يَقْصُرُ الْمُطِيعُ وَالْعَاصِي كُلُّ مُسَافِرٍ ضَارِبٍ فِي الْأَرْضِ
وَأَمَّا اخْتِلَافُ أَئِمَّةِ الْأَمْصَارِ فِيهَا فَقَالَ مَالِكٌ لَا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ مُسَافِرٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ سَفَرُهُ فِي طَاعَةٍ أَوْ فِي مَا أَبَاحَ اللَّهُ لَهُ السَّفَرَ فِيهِ وَلَمْ يَحْظُرْهُ عَلَيْهِ
وَسُئِلَ عَنِ الْمُسَافِرِ فِي الصَّيْدِ فَقَالَ إِنْ خَرَجَ لِلصَّيْدِ وَهَذَا مَعَاشُهُ قَصَرَ وَإِنْ خَرَجَ مُتَلَذِّذًا لِمْ أَسْتَحِبَّ لَهُ أَنْ يَقْصُرَ
قَالَ وَمَنْ سَافَرَ فِي مَعْصِيَةٍ لَمْ يُجِزْ لَهُ أَنْ يَقْصُرَ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إِنْ سَافَرَ فِي مَعْصِيَةٍ لَمْ يَقْصُرْ وَلَمْ يَمْسَحْ مَسْحَ الْمُسَافِرِ
وَهُوَ قَوْلُ الطَّبَرِيِّ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَا يَشْهَدُ بِصِحَّةِ قَوْلِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَمُنْتَهَاهُمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ قَالَ حَدَّثَنَا بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَجُلٌ تَاجِرٌ اخْتَلِفُ إِلَى الْبَحْرَيْنِ فَأَمَرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ كُلُّ مَا فِي كِتَابِنَا هَذَا عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ لَيْسَ مِنَ الْمُسْنَدِ فِيهِ هَذَا الْإِسْنَادُ
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لَا يُقْصَرُ إِلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ
стр. 739
وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَصَرَ الصَّلَاةَ فِي كُلِّ سَفَرٍ مُبَاحٍ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ يَقْصُرُ الْمُسَافِرُ عَاصِيًا كَانَ أَوْ غَيْرَ عَاصٍ
وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ
وَحُجَّتُهُمْ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ) النِّسَاءِ ١٠١ وَلَمْ يَخُصَّ ضَرْبًا مِنْ ضَرْبٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ وَرُوِيَ عن بن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ إِذَا خَرَجَ إلى ماله بخيبر
وعن بن عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ إِلَى مَالِهِ بالطائف
ذكر عبد الرزاق عن بن جريج قال أخبرني نافع عن بن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ إِلَى مَالِهِ بخيبر يطالعه
قال بن جُرَيْجٍ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ ولا غزو
وعن بن جريج عن عطاء أن بن عَبَّاسٍ خَرَجَ إِلَى الطَّائِفِ فَقَصَرَ الصَّلَاةَ
وَسُئِلَ بن عَبَّاسٍ أَيُقْصَرُ إِلَى عَرَفَةَ وَمَرِّ الظَّهْرَانِ فَقَالَ لَا وَلَكِنِ اقْصُرْ إِلَى الطَّائِفِ وَإِلَى عَسْفَانَ
وَسَيَأْتِي هَذَا الْمَعْنَى مُحَدَّدًا تَامًّا فِي الْبَابِ بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ فَقَدْ ذَكَرْنَا في التمهيد اختلاف ألفاظ رواته عن بن شهاب وغيره ولم يروه مالك عن بن شِهَابٍ وَإِنَّمَا رَوَاهُ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَلَى مَا قَدَّمْنَا فِي صَدْرِ هَذَا الْبَابَ
وَذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ مَنْ خَالَفَ عَائِشَةَ فِي ذَلِكَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ فَقَالَ بَلْ فُرِضَتِ الصَّلَاةُ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ
وَرُبَّمَا قَالَ بَعْضُهُمْ فُرِضَتِ الصَّلَاةُ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا وَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي السَّفَرِ ركعتين منهم عمر وبن عَبَّاسٍ وَجُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شَاذَانَ قال
стр. 740
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَخْنَسِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ بن عَبَّاسٍ قَالَ فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ ﷺ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً
وقد روي عن بن عَبَّاسٍ مِثْلُهُ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي التَّمْهِيدِ
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَامِرٍ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ لَهُ إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ الصَّوْمَ وَشَطْرَ الصَّلَاةِ
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ الْقُشَيْرِيِّ (رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَتْ عَائِشَةُ إِلَّا أَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ مِنْ جِهَةِ الْإِسْنَادِ أَثْبَتُ
وَرَوَى وَكِيعٌ وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ اللَّيْثِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ يَنَّاقٍ عن طاووس عن بن عَبَّاسٍ قَالَ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ الصَّلَاةَ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ فَكَمَا يُصَلِّي فِي الْحَضَرِ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا فَكَذَلِكَ يُصَلِّي فِي السَّفَرِ
وَقَدْ طَعَنَ قَوْمٌ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ لِقَوْلِ اللَّهِ (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تقصروا من الصلوة) النِّسَاءِ ١٠١ فَقَالُوا لَوْ كَانَتْ رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُقْصَرْ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ أَنْ لَا يُصَلِّيَ الْمُسَافِرُ الْآمِنُ فِي سَفَرِهِ أَقَلَّ مِنْ رَكْعَتَيْنِ فِي شَيْءٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ فَأَيُّ قَصْرٍ كَانَ يَكُونُ لَوْ كَانَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ
وَهَذِهِ غَفْلَةٌ شَدِيدَةٌ لِأَنَّ الصَّلَاةَ إِنْ كَانَتْ فُرِضَتْ بِمَكَّةَ رَكْعَتَيْنِ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ فَقَدْ زِيدَ فِيهَا عَلَى قَوْلِهَا بَعْدَ قُدُومِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَبَعْدَ ذَلِكَ أُنْزِلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ بِإِبَاحَةِ الْقَصْرِ لِلضَّارِبِينَ فِي الْأَرْضِ وَهُمُ الْمُسَافِرُونَ وَهَذَا لَا يُخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ أَقَلُّ فَهْمٍ
عَلَى أَنَّا نَقُولُ إِنَّ فَرْضَ الصَّلَاةِ اسْتَقَرَّ مِنْ زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ لِمَنْ شَاءَ عِنْدَ قَوْمٍ وَعِنْدَ آخَرِينَ عَلَى الْإِلْزَامِ فَلَا
стр. 741
حَاجَةَ بِنَا إِلَى أَوَّلِ فَرْضِهَا لِمَا فِيهِ مِنَ الِاخْتِلَافِ فَمَنْ ذَهَبَ إِلَى الْإِلْزَامِ احْتَجَّ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ وَهُوَ حَدِيثٌ قَدْ خُولِفَتْ فِيهِ فَكَانَتْ هِيَ أَيْضًا (رَحِمَهَا اللَّهُ) لَا تَأْخُذُ بِهِ وَإِنَّمَا كَانَتْ تُتِمُّ فِي سَفَرِهَا وَالْمَصِيرُ إِلَى ظَاهِرِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جناح أن تقصروا من الصلوة) النِّسَاءِ ١٠١ أَوَّلًا لِأَنَّ رَفْعَ الْجُنَاحِ يَدُلُّ عَلَى الْإِبَاحَةِ لَا عَلَى الْإِلْزَامِ مَعَ مَا قَدَّمْنَا مِنَ الْآثَارِ الْمُنْبِئَةِ بِأَنَّ قَصْرَ الصَّلَاةِ سُنَّةٌ وَرُخْصَةٌ وَصَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَى عِبَادِهِ
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنْ أَبِي حَنْظَلَةَ قَالَ سَأَلْتُ بن عُمَرَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ فَقَالَ رَكْعَتَانِ سُنَّةُ النَّبِيِّ ﷺ
وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ وَأَئِمَّةِ الْأَمْصَارِ فِي إِيجَابِ الْقَصْرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إِلَى أَنَّ الْقَصْرَ وَاجِبٌ فِي السَّفَرِ فَرْضًا
وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَطَائِفَةٍ
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إسحاق وأبو بكر بن الجهمي
وذكر بن الْجَهْمِيِّ أَنَّ أَشْهَبَ رَوَى ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ
وَحُجَّةُ مَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ حَدِيثُ عَائِشَةَ فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ فِي السِّفْرِ وَالْحَضَرِ فَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى الفريضة الأولى
وحديث بن عَبَّاسٍ فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ
وَحَدِيثُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ وَصَلَاةُ الْعِيدَيْنِ رَكْعَتَانِ وَصَلَاةُ السَّفَرِ رَكْعَتَانِ تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ ﷺ
وَذَكَرْنَا حَدِيثَ عُمَرَ هَذَا فِي التَّمْهِيدِ وَذَكَرْنَا الْعِلَّةَ فِيهِ
стр. 742
قَالَ أَبُو عُمَرَ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ فِي السَّفَرِ فَرْضٌ أَبْطَلَ صَلَاةَ مَنْ أَتَمَّ الصَّلَاةَ فِي السَّفَرِ عَامِدًا أَوْ رَأَى الْإِعَادَةَ عَلَيْهِ وَاجِبَةً رَكْعَتَيْنِ
عَلَى أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ
فَقَالَ الثَّوْرِيُّ إِنْ قَعَدَ الْمُسَافِرُ فِي اثْنَتَيْنِ لَمْ يُعِدْ
وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ إِذَا صَلَّى الْمُسَافِرُ أَرْبَعًا مُتَعَمِّدًا أَعَادَ وَإِنْ كَانَ سَاهِيًا لَمْ يُعِدْ
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ مَنْ صَلَّى فِي السَّفَرِ أَرْبَعًا مُتَعَمِّدًا أَعَادَ إِذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ الشَّيْءُ الْيَسِيرُ فَإِنْ طَالَ ذَلِكَ فِي سَفَرِهِ وَكَثُرَ لَمْ يُعِدْ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ فِي الْمُسَافِرِ يُصَلِّي أَرْبَعًا عَامِدًا بَطُلَتْ صَلَاتُهُ وَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ رَكْعَتَيْنِ وَإِنْ صَلَّاهَا سَاهِيًا فَإِنْ قَعَدَ فِي اثْنَتَيْنِ فَقَرَأَ التَّشَهُّدَ قُضِيَتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ لَمْ يَقْعُدْ فَصَلَاتُهُ فَاسِدَةٌ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لِأَنَّهُ خَلَطَ الْفَرْضَ عِنْدَهُمْ بِالنَّافِلَةِ إِذَا لَمْ يَقْعُدْ فِي الِاثْنَيْنِ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ فَفَسَدَتْ لِذَلِكَ صَلَاتُهُ عِنْدَهُمْ
وَأَصْلُ الْكُوفِيِّينَ فِي مُرَاعَاةِ الْجُلُوسِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ لِأَنَّ الْقُعُودَ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ عِنْدَهُمْ فَرْضٌ وَاجِبٌ وَالتَّشَهُّدُ لَيْسَ عِنْدَهُمْ بِوَاجِبٍ وَلَا السَّلَامُ لِأَنَّهُمَا مِنَ الذِّكْرِ
وَحُجَّتُهُمْ فيها ذهبوا إليه من ذلك حديث بن مَسْعُودٍ فِي التَّشَهُّدِ لِأَنَّ فِيهِ عَنْ بَعْضِ رُوَاتِهِ فَإِذَا قُلْتَ ذَلِكَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُكَ إِذَا سَلَّمْتَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﷺ تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ وَهُمْ يَقُولُونَ بوجوب الإحرام فرضا فكذلك السلام لأنهما جاء مَجِيئًا وَاحِدًا فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ
عَلَى أَنَّ فِي حَدِيثِهِمْ هَذَا مَا يُوجِبُ أَنَّ مَنْ تَشَهَّدَ وَسَلَّمَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ وَدَلِيلُهُ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ لَمْ تَتِمَّ صَلَاتُهُ
وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي التَّشَهُّدِ فِي بَابِ التَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ فِي هَذَا الْكِتَابِ وَالْحَمْدُ لله
стр. 743
قَالَ أَبُو عُمَرَ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ فِي قَصْرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ أَنَّهُ سُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ لَا فَرِيضَةٌ
وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ إِنَّهُ رُخْصَةٌ وَتَوْسِعَةٌ
فَمَنْ جَعَلَهَا سُنَّةً رَأَى الْإِعَادَةَ مِنْهَا فِي الْوَقْتِ وَكَرِهَ الْإِتْمَامَ وَهَذَا تَحْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ
وَمَنْ رَآهَا رُخْصَةً أَجَازَ الْإِتْمَامَ وَجَعَلَ الْمُسَافِرَ بِالْخِيَارِ فِي الْقَصْرِ وَالْإِتْمَامِ
وَذَكَرَ أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ الْقَصْرُ فِي السَّفَرِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ
وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ رِوَايَةُ أَبِي مُصْعَبٍ أَغْنَتْنَا عَنْ طَلَبِ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ يَعْنِي مِنْ مَسَائِلِهِ وَأَجْوِبَتِهِ
وقال بن خواز مندار الْمَالِكِيُّ الْقَصْرُ عِنْدَ مَالِكٍ مَسْنُونٌ غَيْرُ وَاجِبٍ
قَالَ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ
وَأَمَّا اخْتِلَافُ أَصْحَابِ مَالِكٍ فِيمَنْ صَلَّى فِي السَّفَرِ أَرْبَعًا عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا
فَقَالَ مَالِكٌ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ صَلَاةَ سَفَرٍ وَإِنْ خَرَجَ الوقت فلا شيء عليه
هذه رواية بن القاسم عنه
قال بن الْقَاسِمِ وَلَوْ رَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ فِي الْوَقْتِ لَأَعَادَهَا مَرَّةً ثَالِثَةً أَرْبَعًا
قَالَ وَلَوْ أَحْرَمَ مُسَافِرٌ فَنَوَى أَرْبَعًا ثُمَّ بَدَا لَهُ ثُمَّ سلم من اثنتين لم يجزه
وذكر بن حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ مَالِكٍ قَالَ إِذَا أَتَمَّ الْمُسَافِرُ جَاهِلًا أَوْ عَامِدًا أَعَادَ فِي الْوَقْتِ لِأَنَّهُ مَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ
وَرَوَى بن وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي مُسَافِرٍ أَمَّ قَوْمًا فِيهِمْ مُسَافِرٌ وَمُقِيمٌ فَأَتَمَّ الصَّلَاةَ بِهِمْ جَاهِلًا
قَالَ أَرَى أَنْ يُعِيدُوا الصَّلَاةَ جَمِيعًا
وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ
وَقَالَ بن المواز الذي رجع إليه بن الْقَاسِمِ أَنَّهُ مَنْ صَلَّى فِي سَفَرِهِ أَرْبَعًا نَاسِيًا لِسَفَرِهِ أَوْ عَامِدًا لِذَلِكَ أَوْ جَاهِلًا فَلْيُعِدْ فِي الْوَقْتِ
وَكَذَا قَالَ سَحْنُونٌ
стр. 744
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَقْصُرُ الْمُسَافِرُ الصَّلَاةَ إِذَا كَانَ خَائِفًا بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ خَوْفٌ فِي السَّفَرِ قَصَرَ بِالسُّنَّةِ
قَالَ وَلَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُتِمَّ مُتَأَوِّلًا فَإِنْ أَتَمَّ مُتَأَوِّلًا وَأَخَذَ بِالرُّخْصَةِ فَلَا حَرَجَ
قَالَ وَلَيْسَ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى يَنْوِيَ الْقَصْرَ مَعَ الْإِحْرَامِ فَإِنْ أَحْرَمَ وَلَمْ يَنْوِ الْقَصْرَ فَهُوَ عَلَى أَصْلِ فَرْضِهِ أَرْبَعًا
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ الْيَوْمَ عَلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ مُخَيَّرٌ فِي الْقَصْرِ وَالْإِتْمَامِ كَمَا هُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْفِطْرِ وَالصِّيَامِ وَكَذَلِكَ جَمَاعَةُ الْمَالِكِيِّينَ مِنَ الْبَغْدَادِيِّينَ
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ إِذَا قَامَ الْمُسَافِرُ إِلَى ثَلَاثَةٍ وَصَلَّاهَا ثُمَّ ذَكَرَ فَإِنَّهُ يُلْغِيهَا وَيَسْجُدُ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِيمَنْ صَلَّى فِي السَّفَرِ أَرْبَعًا بِئْسَ مَا صَنَعَ وَقَدْ قَضَتْ عَنْهُ صَلَاتَهُ! ! ثُمَّ قَالَ لِلسَّائِلِ لَا أُمَّ لَكَ تَرَى أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ تَرَكُوهَا لِأَنَّهَا ثَقُلَتْ عَلَيْهِمْ قَالَ أَبُو عُمَرَ حَدِيثُ عَائِشَةَ الَّذِي عَلَيْهِ بَنَى مَذْهَبَهُ مِنْ جَعْلِ الْقَصْرِ فَرْضًا يُخْرِجُهُ عَنْ ظَاهِرِهِ تَمَامُهَا فِي السَّفَرِ لِأَنَّهُ لَا يَظُنُّ عَاقِلٌ بِهَا تَعَمُّدَ إِفْسَادِ صَلَاتِهَا بِالزِّيَادَةِ فِيهَا مَا لَيْسَ مِنْهَا عَامِدَةً
يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا عَلِمَتْ أَنَّ الْقَصْرَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَأَنَّهُ سُنَّةٌ وَإِذَا كَانَتْ رُخْصَةٌ وَتَوْسِعَةٌ فَالنَّاسُ مُخَيَّرُونَ فِي قَبُولِهَا إِلَّا أَنَّ الْأَفْضَلَ عِنْدِي الْقَصْرُ لِأَنَّهُ فِعْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أَسْفَارِهِ كُلِّهَا سُنَّةٌ لِأُمَّتِهِ وَفِيهِ الْأُسْوَةُ الْحَسَنَةُ
وَلَا وَجْهَ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ إِنَّ عَائِشَةَ إِنَّمَا أَتَمَّتْ فِي سَفَرِهَا بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ لِأَنَّهَا تَأَوَّلَتْ أَنَّهَا أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ فَحَيْثُ مَا كَانَتْ فَهِيَ عِنْدَ بَنِيهَا كَأَنَّهَا فِي أَهْلِهَا
وَهَذَا قَوْلٌ ضَعِيفٌ لَا مَعْنَى لَهُ وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا إِنَّمَا صَارَتْ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنْ كَانَتْ زَوْجًا لِأَبِي الْمُؤْمِنِينَ مُحَمَّدٍ ﷺ وَبِهِ صَارَ أَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ
وَقَدْ رَوَى فِي قِرَاءَاتِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ (النَّبِيُّ أَوْلَى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهتهم) الأحزاب ٦
وروي عن بن عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا كَذَلِكَ
وَلَوْ كَانَ مَا ذَكَرُوا مِنْ تَأْوِيلِ عَائِشَةَ لَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْهَا وَصَلَاتُهُ فِي أَسْفَارِهِ رَكْعَتَيْنِ لِأَنَّهُ سَنَّ لِأُمَّتِهِ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي أَحَدٌ فِي مَوْضِعِ إِقَامَتِهِ رَكْعَتَيْنِ فِي صَلَاةِ أَرْبَعٍ خِلَافَ مَا شَرَعَ لِأُمَّتِهِ وَبَيَّنَ فِي ذَلِكَ مُرَادَ رَبِّهِ
стр. 745
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ إِنَّمَا أَتَمَّتْ فِي السَّفَرِ لِوُجُوهٍ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ أَوْلَاهَا عِنْدَنَا بِالصَّوَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهَا عَلِمَتْ مِنْ قَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ لَمَّا خُيِّرَ فِي الْقَصْرِ وَالْإِتْمَامِ اخْتَارَ الْإِقْصَارَ لِيُسْرِ ذَلِكَ عَلَى أُمَّتِهِ وَقَالَتْ مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ قَطُّ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا فَأَخَذَتْ هِيَ فِي خَاصَّتِهَا بِغَيْرِ رُخْصَةٍ إِذَا كَانَ ذَلِكَ مُبَاحًا لَهَا فِي حُكْمِ التَّخْيِيرِ الَّذِي أَذِنَ اللَّهُ فِيهِ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَعْنَى ذَلِكَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ حَدَّثَنَا بن وَضَّاحٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَا حَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُتِمُّ الصَّلَاةَ وَيَقْصُرُ وَيَصُومُ وَيُفْطِرُ وَيُؤَخِّرُ الظُّهْرَ وَيُعَجِّلُ الْعَصْرَ وَيُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ وَيُعَجِّلُ الْعِشَاءَ
وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ إِنْ صَلَّيْتُ فِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ فَالسُّنَّةُ وَإِنْ صَلَّيْتُ أَرْبَعًا فَالسُّنَّةُ
قَالَ وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ أَنَّهُ سَأَلَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ قَالَ إِنْ شِئْتَ رَكْعَتَيْنِ وَإِنْ شِئْتَ أَرْبَعًا
قَالَ وَحَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ حَدَّثَنَا بِسْطَامُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ سَأَلْتُ عَطَاءً عَنْ قَصْرِ الصَّلَاةِ فَقَالَ إِنْ قَصَرْتَ فَسُنَّةٌ وَإِنْ شِئْتَ أَتْمَمْتَ
قَالَ وَأَخْبَرَنَا وَكِيعٌ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خُضَيْرٍ عَنْ أَبِي نَجِيحٍ الْمَكِّيِّ قَالَ اصْطَحَبْتُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ فَكَانَ بَعْضُهُمْ يُتِمُّ وَبَعْضُهُمْ يَقْصُرُ وَبَعْضُهُمْ يَصُومُ وَبَعْضُهُمْ يُفْطِرُ فَلَا يَعِيبُ هَؤُلَاءِ عَلَى هَؤُلَاءِ وَلَا هَؤُلَاءِ عَلَى هَؤُلَاءِ
стр. 746
وَرَوَى زَيْدٌ الْعَمِّيُّ عَنْ أَنَسٍ مِثْلَهُ
وَذَكَرَ عبد الرزاق عن بن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ كَانَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ يُوَفِّي الصَّلَاةَ فِي السَّفَرِ وَيَصُومُ قَالَ وَسَافَرَ النَّاسُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَسَعْدٌ مَعَهُمْ فَأَوْفَى سَعْدٌ الصَّلَاةَ وَصَامَ وَقَصَرَ الْقَوْمُ وَأَفْطَرُوا فَقَالُوا لِسَعْدٍ كَيْفَ نُفْطِرُ وَنَقْصُرُ الصَّلَاةَ وَأَنْتَ تُتِمُّهَا وَتَصُومُ فَقَالَ دُونَكُمْ أَمْرَكُمْ فَإِنِّي أَعْلَمُ بِشَأْنِي قَالَ فَلَمْ يُحَرِّمْهُ سَعْدٌ عَلَيْهِمْ وَلَا نَهَاهُمْ عنه
قال بن جُرَيْجٍ فَقُلْتُ لِعَطَاءٍ فَأَيُّ ذَلِكَ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ قَصْرُهَا وَكُلُّ ذَلِكَ قَدْ فَعَلَ الصَّالِحُونَ وَالْأَخْيَارُ
وَرَوَى جُوَيْرِيَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ رَجُلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ سَافَرُوا فَأَتَمَّ الصَّلَاةَ سَعْدٌ وَقَصَرَ الْقَوْمُ وَذَكَرَ مَعْنَى حَدِيثِ عَطَاءٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ وَقَدْ كَانَ عُثْمَانُ يُتِمُّ الصَّلَاةَ فِي السَّفَرِ بَعْدَ سِتَّةِ أَعْوَامٍ أَوْ نَحْوِهَا مِنْ خِلَافَتِهِ
وَقَدْ تَأَوَّلَ قَوْمٌ عَلَيْهِ ذَلِكَ وُجُوهًا أَرْبَعَةً وَرَوَوْا بَعْضَهَا عَنْهُ فَذَكَرْتُهَا فِي التَّمْهِيدِ
مِنْهَا أَنَّهُ اتَّخَذَ أَهْلًا بِمَكَّةَ
وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ قَالَ أَنَا خَلِيفَةٌ حَيْثُ مَا كُنْتُ فَهُوَ عَمَلِي
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أَعْرَابِيًّا صَلَّى مَعَهُ رَكْعَتَيْنِ فَظَنَّ أَنَّ الْفَرِيضَةَ رَكْعَتَانِ فَانْصَرَفَ إِلَى مَنْزِلِهِ فَلَمْ يَزَلْ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ السَّنَةَ كُلَّهَا فَلَمَّا بَلَغَهُ ذَلِكَ أَتَمَّ الصَّلَاةَ
وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ عَنْ عُثْمَانَ وَعَائِشَةَ جَمِيعًا أَصَحُّ وَذَلِكَ أَنَّهُمَا رَأَيَا أَنَّ لَهُمَا الْقَصْرَ وَالتَّمَامَ كَمَا لَهُمَا الْفِطْرُ وَالصِّيَامُ وَرَأَيَا أَنَّ الْقَصْرَ رُخْصَةٌ فَمَالَا إِلَى التَّمَامِ
هَذَا هُوَ الَّذِي يَلِيقُ بِهِمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَلَا يَصِحُّ عِنْدِي مِنْهَا إِلَّا أَنَّهُ اخْتَارَ التَّمَامَ لِعِلْمِهِ بِصِحَّةِ تَخْيِيرِ الْمُسَافِرِ بَيْنَ الْقَصْرِ وَالتَّمَامِ
وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنِ بن عُمَرَ قَالَ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ ركعتين ومع عمر ركعتين ومع عُثْمَانَ صَدْرًا مِنْ خِلَافَتِهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ صَلَّاهَا أربعا
стр. 747
قَالَ الزُّهْرِيُّ فَبَلَغَنِي أَنَّ عُثْمَانَ إِنَّمَا صَلَّاهَا أَرْبَعًا لِأَنَّهُ أَزْمَعَ أَنْ يُقِيمَ بَعْدَ الْحَجِّ
قَالَ أَبُو عُمَرَ وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ عُثْمَانَ مُهَاجِرِيٌّ لَا يَحِلُّ لَهُ الْمُقَامُ بِمَكَّةَ وَالْمَعْرُوفُ أَنَّهُ كَانَ لَا يَطُوفُ لِلْإِفَاضَةِ وَالْوَدَاعِ إِلَّا وَرَوَاحِلُهُ قَدْ رَحَلَتْ
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قال وحدثنا أبو سَعِيدٌ قَالَا حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ صَلَّى عُثْمَانُ بِمِنًى أَرْبَعًا فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ رَكْعَتَيْنِ وَمَعَ عُمَرَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ تَفَرَّقَتْ بِكُمُ الطُّرُقُ وَلَوَدِدْتُ أَنَّ لِي مِنْ أَرْبَعٍ رَكْعَتَيْنِ مُتَقَبَّلَتَيْنِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ عَابَ بن مَسْعُودٍ عُثْمَانَ بِالْإِتْمَامِ بِمِنًى ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى خَلْفَهُ أَرْبَعًا فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ الْخِلَافُ شَرٌّ
رَوَيْنَا ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ وَفِيهِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ عُثْمَانَ لَوْ كَانَ الْقَصْرُ عِنْدَهُ فَرْضًا مَا أَتَمَّ وَهُوَ مُسَافِرٌ بمنى
وكذلك بن مَسْعُودٍ لَوْ كَانَ الْقَصْرُ عِنْدَهُ وَاجِبَ فَرْضٍ مَا صَلَّى خَلْفَ عُثْمَانَ أَرْبَعًا وَلَكِنَّهُ رَأَى أَنَّ الْخِلَافَ عَلَى الْإِمَامِ فِيمَا سَبِيلُهُ التَّخْيِيرُ وَالْإِبَاحَةُ شَرٌّ لِأَنَّ الْقَصْرَ عِنْدَهُ أَفْضَلُ لِمُوَاظَبَةِ رسول الله ﷺ في أَسْفَارِهِ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا عَابَهُ لِتَرْكِهِ الْأَفْضَلَ عِنْدَهُ
وَكَذَلِكَ صَنَعَ سَلْمَانُ سَافَرَ مَعَ طَائِفَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ نَحْوَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا فَأَرَادُوهُ عَلَى أَنْ يُصَلِّيَ بِهِمْ فَأَبَى وَتَقَدَّمَ بَعْضُ الْقَوْمِ فَصَلَّى بِهِمْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ سَلْمَانُ مَا لَنَا وَلِلْمُرَبَّعَةِ إِنَّمَا كَانَ يَكْفِينَا رَكْعَتَيْنِ نَصِفَ الْمُرَبَّعَةِ وَلَمْ يُعِدْ
стр. 748
صَلَاتَهُ وَلَا أَمَرَ أَحَدًا بِالْإِعَادَةِ بَلْ تَمَادَى وَرَاءَ إِمَامِهِ وَرَأَى ذَلِكَ مُجْزِيًا عَنْهُ
ذُكِرَ خَبَرُ سَلْمَانَ هَذَا عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ إِسْرَائِيلَ وَذَكَرَهُ أَيْضًا أَبُو بَكْرٍ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ جَمِيعًا عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي لَيْلَى الْكِنْدِيِّ قَالَ خَرَجَ سَلْمَانُ فِي ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غُزَاةً وَسَلْمَانُ أَسَنُّهُمْ وَذَكَرَ الْخَبَرَ بِتَمَامِهِ
وَرَوَاهُ وَكِيعٌ قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ حُمَيْدٍ الطَّائِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ الْوَالِبِيِّ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ نَضْلَةَ قَالَ خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ وَمَعَنَا سَلْمَانُ وَنَحْنُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا أَوْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا رَاكِبًا كُلُّهُمْ قَدْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ مَعْنَى مَا وَصَفْنَاهُ
وَفِي هَذَا كُلِّهِ مَا يَتَبَيَّنُ بِهِ صِحَّةُ مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ فِي أَنَّ الْقَصْرَ لَيْسَ بِفَرْضٍ وَاجِبٍ وَإِنَّمَا هُوَ سُنَّةٌ وَرُخْصَةٌ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
وَإِنَّمَا اخْتَارَ مَالِكٌ وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ الْقَصْرَ لِأَنَّهُ الَّذِي عَمِلَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَكَذَلِكَ كَانَ عَلِيٌّ يَقْصُرُ فِي أَسْفَارِهِ كُلِّهَا إِلَى صِفِّينَ وَغَيْرِهَا
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ حَدَّثَنَا أبو بكر قال حدثنا بن عُلَيَّةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ مَرَّ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ فِي مَجْلِسِنَا فَقَامَ إِلَيْهِ فَتًى مِنَ الْقَوْمِ فَسَأَلَهُ عن صلاة رسول الله فِي الْحَجِّ وَالْغَزْوِ وَالْعُمْرَةِ فَجَاءَ فَوَقَفَ عَلَيْنَا فَقَالَ إِنَّ هَذَا سَأَلَنَا عَنْ أَمْرٍ فَأَرَدْتُ أَنْ تَسْمَعُوهُ أَوْ كَمَا قَالَ غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فلم يُصَلِّ إِلَّا رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَحَجَجْتُ مَعَهُ فَلَمْ يُصَلِّ إِلَّا رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَشَهِدْتُ مَعَهُ الْفَتْحَ فَأَقَامَ بِمَكَّةَ ثَمَانِيَ عَشَرَ لَيْلَةً لَا يُصَلِّي إِلَّا رَكْعَتَيْنِ وَيَقُولُ لِأَهْلِ الْبَلَدِ صَلُّوا أَرْبَعًا فَإِنَّا سَفْرٌ وَاعْتَمَرَ وَاعْتَمَرْتُ مَعَهُ ثَلَاثَ عُمَرٍ لَا يُصَلِّي إِلَّا رَكْعَتَيْنِ وَخَرَجْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَغَزَوْتُ فَلَمْ يُصَلِّ إِلَّا رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَحَجَجْتُ مَعَ عُمَرَ حَجَّاتِهِ فَلَمْ يُصَلِّ إِلَّا رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَحَجَجْتُ مَعَ عُثْمَانَ سَبْعَ سِنِينَ مِنْ إِمَارَتِهِ لا يصلي رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ صَلَّى بِمِنًى أَرْبَعًا
(٣ بَابُ مَا يَجِبُ فِيهِ قَصْرُ الصَّلَاةِ)
٣٠٥ - مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا خَرَجَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا قَصَرَ الصَّلَاةَ بِذِي الحليفة
стр. 749
قال أبو عمر كان بن عُمَرَ يَتَبَرَّكُ بِالْمَوَاضِعِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنْزِلُهَا لِلصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا وَكَانَ يَمْتَثِلُ فِعْلَهُ بِكُلِّ مَا يُمْكِنُهُ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَصَرَ الصَّلَاةَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ (صَلَاةَ الْعَصْرِ) فِي حِينِ خُرُوجِهِ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ فَكَانَ هُوَ مَتَى خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ لَمْ يَقْصُرِ الصَّلَاةَ إِلَّا بِذِي الْحُلَيْفَةِ
وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا والعصر بذي الحليفة ركعتين
ورواه الثوري وبن عُيَيْنَةَ كِلَاهُمَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ جَمِيعًا عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
ذَكَرَهُ وَكِيعٌ عَنِ الثَّوْرِيِّ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ بن عُيَيْنَةَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ يَعْنِي فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَأَمَّا سفر بن عُمَرَ فِي غَيْرِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَكَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ إِذَا خَرَجَ مِنْ بُيُوتِ الْمَدِينَةِ
ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ بن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِي السَّفَرِ حِينَ يَخْرُجُ مِنْ بُيُوتِ الْمَدِينَةِ وَيَقْصُرُ إِذَا رَجَعَ حَتَّى يَدْخُلَ بُيُوتَهَا وَاللَّفْظُ لِعَبْدِ الرَّزَّاقِ
قَالَ وَأَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ عَنْ وَرْقَاءَ بْنِ إِيَاسٍ الْأَسَدِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ عَلِيٍّ ﵁ وَنَحْنُ ننظر إلى الكوفة فصلى ركعتين ثم رجعلنا فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى الْكُوفَةِ فَقُلْتُ أَلَا تُصَلِّي أَرْبَعًا قَالَ لَا حَتَّى نَدْخُلَهَا
وروى بن عُيَيْنَةَ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبَى إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ خَرَجْتُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إِلَى صِفِّينَ فَلَمَّا كَانَ بَيْنَ الْجِسْرِ وَالْقَنْطَرَةِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ
وَمِثْلُ هَذَا عَنْ عَلِيٍّ مِنْ وُجُوهٍ شَتَّى
وَهُوَ مَذْهَبُ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ إِلَّا مَنْ شَذَّ
وَمِمَّنْ رَوَيْنَا ذَلِكَ عَنْهُ عَلْقَمَةُ وَالْأَسْوَدُ وَعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ وَالْحَارِثُ بْنُ قَيْسٍ
стр. 750
الْجُعْفِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَعَطَاءٌ وَقَتَادَةُ وَالزُّهْرِيُّ
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ وَسُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ
قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ لَا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ الَّذِي يُرِيدُ السَّفَرَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ بُيُوتِ الْقَرْيَةِ وَلَا يُتِمُّ حَتَّى يَدْخُلَهَا أَوْ يُقَارِبَهَا وَهَذَا تَحْصِيلُ مَذْهَبِهِ عند جمهور أصحابه
وذكر بن حبيب عن مطرف وبن الماجشون عن مالك وبن كِنَانَةَ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ إِذَا كَانَتِ الْقَرْيَةُ لَا تُجْمَعُ فِيهَا الْجُمُعَةُ فَإِنَّهُ لَا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ الْخَارِجُ عَنْهَا حَتَّى يُجَاوِزَ ثَلَاثَةَ أَمْيَالٍ وَذَلِكَ أَيْضًا مَا تَجِبُ الْجُمُعَةُ فِيهِ عَلَى مَنْ كَانَ خَارِجًا مِنَ الْمِصْرِ وَكَذَلِكَ إِذَا انْصَرَفَ لَا يَزَالُ يَقْصُرُ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى مَثَلِ ذَلِكَ مِنَ الْمِصْرِ
قَالَ أبو عمر الذي رواه بن الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ هُوَ مَا ذَكَرَهُ فِي الْمُوَطَّأِ وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي مذهبه والذي ذكره بن الْحَكَمِ عَنْهُ وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ جَمَاعَةُ السَّلَفِ وَجُمْهُورُ الْخَلْقِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّا الْإِقَامَةُ لِلْمُسَافِرِ فَلَا يَحْتَاجُ فِيهَا إِلَى غَيْرِ النِّيَّةِ وَأَمَّا السَّفَرُ فَمُفْتَقِرٌ إِلَى الْعَمَلِ مَعَ النِّيَّةِ وَكَذَلِكَ مَنْ نَوَى الْإِقَامَةَ لَزِمَهُ الصَّوْمُ وَإِتْمَامُ الصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ
وَمَنْ كَانَ فِي الْحَضَرِ وَنَوَى السَّفَرَ لَمْ يَكُنْ مُسَافِرًا بِنِيَّتِهِ حَتَّى يَعْمَلَ أَقَلَّ عَمَلٍ فِي سَفَرِهِ
فَإِذَا تَأَهَّبَ الْمُسَافِرُ وَخَرَجَ مَنْ حَضَرِهِ عَازِمًا عَلَى سَفَرِهِ فَهُوَ مُسَافِرٌ وَمَنْ كَانَ مُسَافِرًا فَلَهُ أَنْ يُفْطِرَ وَيَقْصُرَ الصَّلَاةَ إِنْ شَاءَ
ذَكَرَ عَبْدُ الرزاق عن بن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ حَاجًّا فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ بُيُوتِ الْقَرْيَةِ حَتَّى حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَإِنْ شَاءَ قَصَرَ
وَعَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ أَبِي حَرْبِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ حِينَ خَرَجَ مِنَ الْبَصْرَةِ رَأَى خُصًّا فَقَالَ لَوْلَا هَذَا الْخُصُّ لَصَلَّيْنَا رَكْعَتَيْنِ
وَرَوَاهُ وَكِيعٌ عَنِ الثَّوْرِيِّ مِثْلَهُ
وَذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ حَجَّاجٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ خَرَجْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ إِلَى مَكَّةَ فَقَصَرَ الصَّلَاةَ بِقَنْطَرَةِ الحيرة
стр. 751
وَكَانَ عَلْقَمَةُ وَالْأَسْوَدُ وَعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ إِذَا خَرَجُوا مُسَافِرِينَ قَصَرُوا الصَّلَاةَ إِذَا خَرَجُوا مِنْ بُيُوتِ الْقَرْيَةِ
وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ الْمَعْرُوفُ عَنْهُ الَّذِي عَلَيْهِ يَتَحَصَّلُ مَذْهَبُهُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِمَا وَالثَّوْرِيِّ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَجُمْهُورِ أهل العلم
٣٠٦ - مالك عن بن شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ رَكِبَ إِلَى رِيمٍ فَقَصَرَ الصَّلَاةَ فِي مَسِيرَةِ ذَلِكَ
قَالَ مَالِكٌ وَذَلِكَ نَحْوٌ مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ خَالَفَهُ عقيل عن بن شِهَابٍ فَقَالَ وَذَلِكَ نَحْوَ ثَلَاثِينَ مِيلًا
وَكَذَلِكَ رواه عبد الرزاق عن مالك عن بن شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عبد اللله بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِي مَسِيرِهِ الْيَوْمَ التَّامَّ
قَالَ سَالِمٌ وَخَرَجْنَا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى أَرْضٍ لَهُ بِرِيمٍ وَذَلِكَ مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى نَحْوٍ مَنْ ثَلَاثِينَ مِيلًا فَقَصَرَ عَبْدُ اللَّهِ الصَّلَاةَ يَوْمئِذٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّا رِوَايَةُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَالِكٍ فَأَظُنُّهَا وَهْمًا فَخِلَافُ مَا فِي الْمُوَطَّأِ لَهَا وَإِنَّمَا رواية عقيل عن بن شِهَابٍ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَهْمًا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رِيمٌ مَوْضِعًا مُتَّسِعًا كَالْإِقْلِيمِ عِنْدَنَا فَيَكُونُ تَقْدِيرُ مَالِكٍ إِلَى آخِرِ ذَلِكَ وَتَقْدِيرُ عُقَيْلٍ فِي رِوَايَتِهِ إِلَى أَوَّلِ ذَلِكَ
وَمَالِكٌ أَعْلَمُ بِنَوَاحِي بَلَدِهِ
قَالَ بَعْضُ شُعَرَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ
(فَكَمْ مِنْ حَرَّةٍ بَيْنَ الْمُنَقَّى ... إِلَى أُحُدٍ إلى جنبات ريم)
(إلى الروحاء ومن ثغر نقي ... عوارضه ومن ذلك وخيم
стр. 752
(وَمِنْ عَيْنٍ مُكَحَّلَةِ الْمَآقِي ... بِلَا كُحْلٍ وَمِنْ كَشْحٍ هَضِيمِ)
(وَجَنْبَاتُ رِيمٍ رُبَّمَا كَانَتْ بَعِيدَةَ الْأَقْطَارِ)
٣٠٧ - مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَكِبَ إِلَى ذَاتِ النُّصُبِ فَقَصَرَ الصَّلَاةِ فِي مَسِيرَةِ ذَلِكَ
قَالَ مَالِكٌ وَبَيْنَ ذَاتِ النُّصُبِ وَالْمَدِينَةِ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا بن عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ سَالِمٍ عَنْ نَافِعٍ أن بن عُمَرَ خَرَجَ إِلَى أَرْضٍ لَهُ بِذَاتِ النُّصُبِ فَقَصَرَ وَهِيَ سِتَّةُ عَشَرِ فَرْسَخًا
وَهَذَا كَمَا قَالَهُ مَالِكٌ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ
وَقَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ أخبرني أيوب عن نافع عن بن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقْصُرُ فِي مَسِيرِهِ أَرْبَعَةَ أبرد
٣٠٨ - قال مالك عن بن شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِي مَسِيرِهِ الْيَوْمَ التَّامَّ
قَالَ أَبُو عُمَرَ كذلك رواه بن جُرَيْجٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي سَالِمٌ أَنَّ بن عُمَرَ كَانَ يَقْصُرُ فِي مَسِيرِهِ الْيَوْمَ التَّامَّ
قَالَ أَبُو عُمَرَ مَسِيرُهُ الْيَوْمَ التَّامَّ بِالسَّيْرِ الْحَثِيثِ هِيَ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ أَوْ نَحْوُهَا
٣٠٩ - مَالِكٌ عن نافع عن بن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ إِلَى خَيْبَرَ فَيَقْصُرُ الصلاة
رواه بن جريج قال أخبرني نافع أن بن عُمَرَ كَانَ أَدْنَى مَا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ إِلَيْهِ مَالٌ لَهُ بِخَيْبَرَ يُطَالِعُهُ وَهُوَ مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ فَوَاصِلَ لَمْ يَكُنْ يَقْصُرُ فِيمَا دُونَهُ قُلْتُ فَكَمْ خَيْبَرُ قَالَ ثَلَاثَةُ فَوَاصِلَ
وَهَذَا أَيْضًا خِلَافُ مَا رَوَى مَالِكٌ فِي ذَلِكَ وَمَالِكٌ أثبت من بن جُرَيْجٍ فِي نَافِعٍ
стр. 753
إِذَا اخْتَلَفَ الْقَوْلُ عِنْدَهُمْ فَقَوْلُ مَالِكٍ لِأَنَّ مَالِكًا أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الْمُقَدَّمِينَ فِي حِفْظِ حَدِيثِ نَافِعٍ وَهُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَأَيُّوبُ ومالك وأما بن جريج فهو عندهم في مالك رابعهم
وقد اختلف عن بن عُمَرَ فِي أَدْنَى مَا يُقْصَرُ إِلَيْهِ الصَّلَاةُ وَأَصَحُّ مَا فِي ذَلِكَ عَنْهُ مَا رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُهُ سَالِمٌ وَمَوْلَاهُ نَافِعٌ أَنَّهُ كَانَ لَا يَقْصُرُ إِلَّا فِي مَسِيرِهِ الْيَوْمَ التَّامَّ أَرْبَعَةَ بُرُدٍ
٣١٠ - وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْبَرِيدَ فَلَا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ
وَهَذَا يَرُدُّ مَا رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ إِنِّي لِأُسَافِرُ السَّاعَةَ مِنَ النَّهَارِ فَأَقْصُرُ الصَّلَاةَ
وَمَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ خُلَيْدٍ عن بن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِي مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ
وَهَذَانِ الْخَبَرَانِ مِنْ رِوَايَةِ أَهْلِ الكوفة عن بن عمر فكيف نقبلها عن بن عُمَرَ مَعَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ رِوَايَةِ سَالِمٍ وَنَافِعٍ عَنْهُ بِخِلَافِهَا مِنْ حَدِيثِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَقَدْ رَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ سألت بن عُمَرَ عَنْ قَصْرِ الصَّلَاةِ فَقَالَ أَتَعْرِفُ السُّوَيْدَاءَ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَاقْصُرْ إِلَيْهَا
وَهِيَ عَلَى مسيرة يومين من المدينة
قال وكان بن عُمَرَ يَقْصُرُ إِلَيْهَا
٣١١ - مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِي مِثْلِ مَا بَيْنَ مَكَّةَ الطَّائِفِ وَفِي مِثْلِ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَعَسْفَانَ وَفِي مِثْلِ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَجُدَّةَ
قَالَ مَالِكٌ وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ وَذَلِكَ أَحَبُّ مَا تُقْصَرُ إِلَيَّ فِيهِ الصَّلَاةُ
قَالَ مَالِكٌ لَا يَقْصُرُ الَّذِي يُرِيدُ السَّفَرَ الصَّلَاةَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ بُيُوتِ الْقَرْيَةِ وَلَا يُتِمُّ حَتَّى يَدْخُلَ أَوَّلَ بُيُوتِ الْقَرْيَةِ أَوْ يُقَارِبَ ذَلِكَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هذا عن بن عَبَّاسٍ مَعْرُوفٌ مِنْ نَقْلِ الثِّقَاتِ مُتَّصِلُ الْإِسْنَادِ عنه من وجوه
стр. 754
(منها) مارواه عمرو بن دينار وبن جريج عن عطاء قال سألت بن عَبَّاسٍ فَقُلْتُ أَقْصُرُ الصَّلَاةَ إِلَى عَرَفَةَ وَإِلَى مِنًى قَالَ لَا وَلَكِنْ إِلَى الطَّائِفِ وَإِلَى جُدَّةَ وَلَا تَقْصُرُوا الصَّلَاةَ إِلَّا فِي الْيَوْمِ التَّامِّ وَلَا تُقْصَرُ فِيمَا دُونَ الْيَوْمِ فَإِنْ ذَهَبْتَ إِلَى الطَّائِفِ أَوْ إِلَى جُدَّةَ أَوْ إِلَى قَدْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَرْضِ إِلَى أَرْضٍ لَكَ أَوْ مَاشِيَةٍ فَاقْصُرِ الصَّلَاةَ فَإِذَا قَدِمْتَ فأوف
ذكره عبد الرزاق عن بن جريج عن عطاء واللفظ لحديث بن جريج
وذكر أبو بكر قال حدثنا بن عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو قَالَ أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ عَنِ بن عَبَّاسٍ قَالَ لَا تَقْصُرْ إِلَى عَرَفَةَ وَلَا بَطْنِ نَخْلَةَ وَاقْصُرْ إِلَى عَسْفَانَ وَالطَّائِفِ وَجُدَّةَ فَإِذَا قَدِمْتَ عَلَى أَهْلٍ أَوْ مَاشِيَةٍ فَأَتِمَّ
قَالَ وَحَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ الْغَازِ عَنْ رَبِيعَةَ الْجُرَشِيِّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ أَقْصُرُ إِلَى عَرَفَةَ قَالَ لَا قُلْتُ أَقْصُرُ إِلَى الطَّائِفِ أَوْ إِلَى عَسْفَانَ قَالَ نَعَمْ وَذَلِكَ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا وَعَقَدَ بِيَدِهِ
قَالَ وَحَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ شُبَيْلٌ عَنْ أَبِي حِبْرَةَ قَالَ قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ أَقْصُرُ إِلَى بَلَدٍ قَالَ تَذْهَبُ وَتَجِيءُ فِي يَوْمٍ قَالَ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ لَا إِلَّا فِي يَوْمٍ تَامٍّ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هُوَ شُبَيْلُ بْنُ عَزْرَةَ كُوفِيٌّ ثِقَةٌ وَأَبُو حِبْرَةَ اسْمُهُ شِيحَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ كُوفِيٌّ ثقة
قال أبو عمر قول بن عَبَّاسٍ هَذَا لَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ رَأْيًا ولا يكون مثله إلا توفيقا والله أعلم ولا أعلم عن بن عَبَّاسٍ خِلَافًا إِلَّا مَا ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ
قَالَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عن بن عَبَّاسٍ قَالَ إِذَا كَانَ سَفَرُكَ يَوْمًا إِلَى الْعَتَمَةِ فَلَا تَقْصُرِ الصَّلَاةَ فَإِنْ جَاوَزْتَ ذَلِكَ فاقصر
قال أبو عمر قول بن عَبَّاسٍ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ أَئِمَّةُ الْفَتْوَى بِالْأَمْصَارِ فِي مِقْدَارِ مَا يُقْصَرُ إِلَيْهِ الصَّلَاةُ مِنَ الْمَسَافَةِ فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ إِلَى أَنَّ الصَّلَاةَ لَا يَقْصُرُهَا الْمُسَافِرُ إِلَّا فِي سَيْرِهِ الْيَوْمَ التَّامَّ بِالْبَغْلِ الْحَسَنِ السَّيْرَ
وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَالطَّبَرِيِّ
وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ يَوْمًا وَلَيْلَةً
стр. 755
وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّيْلَ لَيْسَ بِوَقْتِ سَيْرٍ لِمَنْ مَشَى بِالنَّهَارِ وَلَكِنَّهُ تَأْكِيدٌ بِالْيَوْمِ التَّامِّ فِي أَيَّامِ الصَّيْفِ أَوْ مَا كَانَ مِثْلَهُ فِي الْمَسَافَةِ مِنْ أَيَّامِ الشِّتَاءِ
وَقَدَّرَهُ مَالِكٌ بِأَرْبَعَةِ بُرُدٍ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا
قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالطَّبَرِيُّ سِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا
وَهَذَا أَمْرٌ مُتَفَاوِتٌ
وَمَنْ قَالَ بِمَا وَصَفْنَا مِنْ مَسِيرِهِ الْيَوْمَ التَّامَّ وتقديره ما قاله لهم بن عباس وبن عُمَرَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا عَنْهُمَا
وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَشَرِيكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ لَا يَقْصُرُ الْمُسَافِرُ الصَّلَاةَ إِلَّا فِي الْمَسَافَةِ الْبَعِيدَةِ الْمُحْتَاجَةِ إِلَى الزَّادِ وَالْمَزَادِ مِنَ الْأُفُقِ إِلَى الْأُفُقِ
قَالَ سُفْيَانُ وَأَبُو حَنِيفَةَ أَقَلُّ ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ لَا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ مُسَافِرٌ فِي أَقَلِّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ كَامِلَةٍ
وَمِنَ السَّلَفِ مَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ عثمان بن عفان وبن مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ
رَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ كِتَابَ عُثْمَانَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ يَقُولُ بَلَغَنِي أَنَّ قَوْمًا يَخْرُجُونَ فِي جَشْرِهِمْ إِمَّا فِي تِجَارَةٍ وَإِمَّا فِي جِبَايَةٍ فَيَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ وَأَنَّهُ لَا تُقْصَرُ الصَّلَاةُ إِلَّا فِي سَفَرٍ بَعِيدٍ أَوْ حَضْرَةِ عَدُوٍّ
وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ حَدَّثَنِي مَنْ قَرَأَ كِتَابَ عُثْمَانَ أَوْ قُرِئَ عَلَيْهِ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ رِجَالًا مِنْكُمْ يَخْرُجُونَ إِلَى سَوَادِهِمْ إِمَّا فِي جُشْرَةٍ أَوْ فِي جِبَايَةٍ وَإِمَّا فِي تِجَارَةٍ فَيَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ فَلَا يَفْعَلُوا فَإِنَّمَا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ مَنْ كَانَ شَاخِصًا أَوْ بِحَضْرَةِ عَدُوٍّ
قَالَ وَحَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ وَمِسْعَرٌ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قال قال بن مَسْعُودٍ لَا يَغُرَّنَّكُمْ سَوَادُكُمْ مِنْ صَلَاتِكُمْ فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ كُوفِيِّكُمْ
стр. 756
قَالَ وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شهاب عن بن مَسْعُودٍ مِثْلَهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فَإِنَّهُ مِنْ مِصْرِكُمْ
وَرُوِيَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَعُقْبَةَ بن عامر مثله
قال وحدثنا بن فُضَيْلٍ عَنْ حَجَّاجٍ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ كَانَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ لَا يَقْصُرُونَ إِلَى وَاسِطَ وَالْمَدَائِنِ وَأَشْبَاهِهِمَا
قَالَ وَحَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ مُغِيرَةَ أَنَّ الْحَارِثَ قَالَ لِإِبْرَاهِيمَ أَتَقْصُرُ الصَّلَاةَ إِلَى الْمَدَائِنِ قَالَ إِنَّ الْمَدَائِنَ لَقَرِيبٌ وَلَكِنْ إِلَى الْأَهْوَازِ
قَالَ وَحَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَإِسْرَائِيلُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ سُوَيْدِ بْنِ عَلْقَمَةَ قَالَ إِنَّمَا تُقْصَرُ الصَّلَاةُ فِي مَسِيرَةِ ثَلَاثٍ
قَالَ وَحَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ عَاصِمٍ عَنِ بن سِيرِينَ قَالَ كَانُوا يَقُولُونَ السَّفَرُ الَّذِي يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ فِيهِ الَّذِي يُحْمَلُ فِيهِ الزَّادُ وَالْمَزَادُ
وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كُنْتُ مَعَ حُذَيْفَةَ بِالْمَدَائِنِ فَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ آتِيَ أَهْلِي بِالْكُوفَةِ فَأَذِنَ لِي وَشَرَطَ عَلَيَّ أَنْ لَا أَقْصُرَ وَلَا أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْهِ
وَأَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ عَنْ خُصَيْفٍ عَنْ أَبِي عبيدة عن بن مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ لَا تَغْتَرُّوا بِتِجَارَتِكُمْ وَأَجْشَارِكُمْ تُسَافِرُونَ إِلَى آخِرِ السَّوَادِ وَتَقُولُونَ إِنَّا قَوْمٌ سَفَرٌ إِنَّمَا الْمُسَافِرُ مِنْ أُفُقٍ إِلَى أُفُقٍ
قال وأخبرنا بن جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيُّ عَنِ بن مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةَ أَنَّهُمَا كَانَا يَقُولَانِ لِأَهْلِ الْكُوفَةِ لَا يَغُرَّنَّكُمْ جَشْرُكُمْ وَلَا سَوَادُكُمْ لَا تَقْصُرُوا الصَّلَاةَ إِلَى السَّوَادِ قَالَ وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّوَادِ ثلاثون فرسخا
قال وأخبرنا بن جُرَيْجٍ عَنْ نَافِعٍ قَالَ أَقَلُّ مَكَانٍ يَقْصُرُ فيه بن عُمَرَ الصَّلَاةَ إِلَى خَيْبَرَ وَهِيَ مَسِيرَةُ ثَلَاثِ قَوَاصِدَ
قَالَ وَأَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ عَامِرِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ سَأَلْتُ شَقِيقَ بْنَ سَلَمَةَ قُلْتُ أَخْرُجُ إِلَى الْمَدَائِنِ وَإِلَى وَاسِطَ قَالَ لَا تَقْصُرِ الصَّلَاةَ
قَالَ وَأَخْبَرَنَا أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ حَمَّادٍ قَالَ سَأَلْتُ إِبْرَاهِيمَ وَسَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ فِي كَمْ تَقْصُرُ الصَّلَاةَ قَالَا فِي مَسِيرَةِ ثَلَاثَةٍ
قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ سَمِعْتُ الثَّوْرِيَّ يَقُولُ قَوْلُنَا الَّذِي نَأْخُذُ بِهِ أَلَّا تُقْصَرَ الصَّلَاةُ
стр. 757
إِلَّا فِي مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا قُلْتُ مِنْ أَجْلِ مَا أَخَذْتَ بِهِ قَالَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لَا تُسَافِرُ امْرَأَةٌ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَيْسَ فِي هَذَا حُجَّةٌ لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَا تُسَافِرُ امْرَأَةٌ مَسِيرَةَ ثَلَاثٍ وَرُوِيَ عَنْهُ ﵊ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ أو ليلتين وروي عنه ﷺ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَرُوِيَ عَنْهُ لَا تُسَافِرُ امْرَأَةٌ بَرِيدًا إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ
وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى مَعَانِيهَا فِي كِتَابِ الْحَجِّ وَذَكَرْنَا كُلَّ حَدِيثٍ مِنْهَا هُنَاكَ بِإِسْنَادِهِ
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وبن شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ تُقْصَرُ الصَّلَاةُ فِي مَسِيرَةِ يَوْمَيْنِ ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَعَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ يُونُسَ عَنِ الْحَسَنِ
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ كُلُّ مُسَافِرٍ فِي كُلِّ سَفَرٍ قَصِيرًا كَانَ أَوْ طَوِيلًا وَلَوْ ثَلَاثَةَ أَمْيَالٍ
وَقَالَ دَاوُدُ إِنْ سَافَرَ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ غَزْوٍ قَصَرَ الصَّلَاةَ فِي قَصِيرِ السَّفَرِ وَطَوِيلِهِ
وَمِنْ حُجَّتِهِمْ مِنْ ظَاهِرِ قَوْلِ اللَّهِ (وإذا ضربتم في الأرض) النساء ١٠١ لم يجد مقدارا من المسافة
وقد نقض داود من قَالَ بِقَوْلِهِ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ أَصْلُهُمْ هَذَا لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ
وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِحَدِيثِ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا سَافَرَ سَارَ فَرْسَخًا ثُمَّ نَزَلَ قَصَرَ الصَّلَاةَ
وَالْحَدِيثُ حَدَّثَنَاهُ سَعِيدٌ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا هُشَيْمٍ عَنْ أَبِي هَارُونَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذا سافر فرسخا قصر الصلاة
стр. 758
وَأَبُو هَارُونَ الْعَبْدِيُّ اسْمُهُ عُمَارَةُ بْنُ جُوَيْنٍ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ مَتْرُوكٌ لَا يُكْتَبُ حَدِيثُهُ وَقَدْ نَسَبَهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ إِلَى الْكَذِبِ قَالَ وَكَانَ يَرْوِي بِالْغَدَاةِ شَيْئًا وَبِالْعَشِيِّ شيئا
وقال عباس عن بن مَعِينٍ قَالَ أَبُو هَارُونَ الْعَبْدِيُّ كَانَتْ عِنْدَهُ صَحِيفَةٌ يَقُولُ فِيهَا هَذِهِ صَحِيفَةُ الْوَصِيِّ وَكَانَ عِنْدَهُمْ لَا يُصَدَّقُ فِي حَدِيثِهِ
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ سَأَلْتُ أَبِي عَنْ هَارُونَ الْعَبْدِيِّ فَقَالَ لَيْسَ بِشَيْءٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ عَلَى أَنَّ عَبْدَ الرَّزَّاقِ رَوَاهُ عَنْ هُشَيْمٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو هَارُونَ الْعَبْدِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَافَرَ فَرْسَخًا ثُمَّ نَزَلَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ
وَهَذَا عَلَى ما رواه مطرف وبن الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ
وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ المنكدر وإبراهيم بن ميسرة عن أنس قال صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا وَالْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ
قَالُوا فَمَنْ سَافَرَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسَافَةِ أَوْ مِثْلَهَا قَصَرَ الصَّلَاةَ
وَهَذَا جَهْلٌ بِالْحَدِيثِ لِأَنَّ حَدِيثَ أَنَسٍ هَذَا إِنَّمَا هُوَ فِي خُرُوجِهِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ
ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا وَالْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ
وَسَمِعْتُهُمْ يَصْرُخُونَ بِهِمَا جَمِيعًا
قَالَ أَبُو عُمَرَ يَعْنِي أَحْرَمُوا بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ جَمِيعًا مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ يَوْمئِذٍ
وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ صَلَّيْتُ الظُّهْرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا وَصَلَّيْتُ مَعَهُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ وَكَانَ خَرَجَ مُسَافِرًا
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا أَوَّلُ حَدِيثٍ أَدْخَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي بَابِ مَتَى يُقْصُرُ إِذَا خَرَجَ مُسَافِرًا
стр. 759
قال وأخبرني بن جريج قال أخبرني بن الْمُنْكَدِرِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى مَعَهُ بِذِي الحليفة العصر ركعتين والنبي ﷺ يريد مكة
فقد بان برواية بن جُرَيْجٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ أَنَسٍ وَبِرِوَايَةِ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ قَصْرَ النَّبِيِّ ﷺ بِذِي الْحُلَيْفَةِ إِنَّمَا كَانَ فِي حِينِ خُرُوجِهِ مِنَ الْمَدِينَةِ مُسَافِرًا إِلَى مَكَّةَ
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَعَارِمٌ قَالَا حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنِ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا وَالْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ وَسَمِعْتُهُمْ يصرخون بهما جيمعا
وَذَكَرَ وَكِيعٌ قَالَ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا عَنْ عَامِرٍ الشعبي قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا خَرَجَ مُسَافِرًا قَصَرَ الصَّلَاةَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ مَضَى فِي أول هذا الباب حديث بن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا خَرَجَ مُسَافِرًا قَصَرَ الصَّلَاةَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ
قَالَ وَذَكَرْنَا الِاخْتِلَافَ فِي الْحَالِ وَالْمَوْضِعِ الَّذِي يَبْدَأُ فِيهِ الْمُسَافِرُ بِقَصْرِ الصَّلَاةِ إِذَا خَرَجَ مِنْ مِصْرِهِ وَهَذِهِ الْآثَارُ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى
وَاحْتَجَّ دَاوُدُ أَيْضًا وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ بِحَدِيثِ شُعْبَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَزِيدَ الْهُنَائِيِّ قَالَ سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنْ قَصْرِ الصَّلَاةِ فَقَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ شُعْبَةُ الشَّاكُّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ
وَأَبُو يَزِيدَ يَحْيَى بْنُ يَزِيدَ الْهُنَائِيُّ شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ لَيْسَ مِثْلُهُ مِمَّنْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَحْمِلَ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي خَالَفَ فِيهِ جُمْهُورَ الصَّحَابَةِ التَّابِعِينَ وَلَا هُوَ مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِ فِي ضَبْطِ مِثْلِ هَذَا الْأَصْلِ
وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مَنِ ابْتَدَأَ قَصْرَ الصَّلَاةِ إِذَا خَرَجَ وَمَشَى ثَلَاثَةَ أَمْيَالٍ عَلَى نَحْوِ مَا قَالَهُ وَذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ فَلَمْ يُحْسِنِ الْعِبَارَةَ عَنْهُ
стр. 760
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ شُعْبَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُمَيْرٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ جُبَيْرِ بن نفير عن بن السِّمْطِ أَنَّ عُمَرَ صَلَّى بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ فَقُلْتُ لَهُ فَقَالَ أَصْنَعُ كَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُ
وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّ عُمَرَ إِنَّمَا صَنَعَ ذَلِكَ وَهُوَ مُسَافِرٌ إِلَى مَكَّةَ وَكَذَلِكَ صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ عن شعبة بن يزيد بن خمير قال سمعت خمير بْنَ عُبَيْدٍ يُحَدِّثُ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عن بن السِّمْطِ قَالَ شَهِدْتُ عُمَرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ وَهُوَ يُرِيدُ مَكَّةَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَقُلْتُ لَهُ لِمَ تَفْعَلُ هَذَا فَقَالَ إِنَّمَا أَصْنَعُ كَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يصنع
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ النَّزَّالِ أَنَّ عَلِيًّا خَرَجَ إِلَى النُّخَيْلَةِ فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَجَعَ مِنْ يَوْمِهِ فَقَالَ إِنِّي أَعْلَمُكُمْ بِسُنَّةِ نَبِيِّكُمْ ﷺ
وَهَذَا إِسْنَادٌ فِيهِ مِنَ الضَّعْفِ وَالْوَهْنِ مَا لَا (خَفَاءَ) بِهِ
وَجُوَيْبِرٌ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ لَا يُحْتَجُّ بِهِ لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى ضَعْفِهِ
وَخُرُوجُ عَلِيٍّ ﵁ إِلَى النُّخَيْلَةِ مَعْرُوفٌ أَنَّهُ كَانَ مُسَافِرًا سَفَرًا طَوِيلًا
فَإِنِ احْتَجُّوا بِمَا ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عُلَيَّةَ عَنِ الْجَرِيرِيِّ عَنْ أَبِي الْوَرْدِ عَنِ اللَّجْلَاجِ قَالَ كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فَنَسِيرُ ثَلَاثَةَ أَمْيَالٍ فَيَتَجَوَّزُ فِي الصَّلَاةِ
فَإِنَّ اللَّجْلَاجَ وَأَبَا الْوَرْدِ مَجْهُولَانِ وَلَا يُعْرَفَانِ فِي الصَّحَابَةِ وَلَا فِي التَّابِعِينِ
وَاللَّجْلَاجُ قَدْ ذَكَرَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَلَا يُعْرَفُ فِيهِمْ وَلَا فِي التَّابِعِينَ وَلَيْسَ فِي نَقْلِهِ حُجَّةٌ
وَأَبُو الْوَرْدِ أَشَرُّ جَهَالَةٍ وَأَضْعَفُ نَقْلًا وَلَوْ صَحَّ احْتَمَلَ مَا وَصَفْنَا قَبْلُ والله أعلم
وكذلك ما روي عن بن مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَصَرَ فِي أَرْبَعَةِ فَرَاسِخَ مُنْكَرٌ غير معروف من مذهب بن مَسْعُودٍ
وَكَذَلِكَ مَا حَكَاهُ الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِي خمسة
стр. 761
فَرَاسِخَ وَذَلِكَ خَمْسَةَ عَشَرَ مِيلًا لَيْسَ بِالْقَوِيِّ لِأَنَّهُ مُنْقَطِعٌ لَيْسَ يُحْتَجُّ بِمِثْلِهِ
قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَكَانَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ وَهَانِئُ بْنُ كُلْثُومٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَيْرِيزٍ يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ فِيمَا بَيْنَ الرَّمْلَةِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ
قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَعَامَّةُ الْعُلَمَاءِ يَقُولُونَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ تَامٍّ قَالَ وَبِهِ نَأْخُذُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هُوَ كَمَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ لَا يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ فِي أَقَلِّ مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ وَهُوَ مَسِيرَةُ يَوْمٍ تَامٍّ بِالسَّيْرِ الْقَوِيِّ الْحَسَنِ الَّذِي لَا إِسْرَافَ فِيهِ وَمَنِ احْتَاطَ فَلَمْ يَقْصُرْ إِلَّا فِي مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ كَامِلَةٍ فَقَدْ أَخَذْنَا بِالْأَوْثَقِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
(٤ بَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ مَا لَمْ يجمع مكثا)
٣١٢ - مالك عن بن شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ أُصَلِّي صَلَاةَ الْمُسَافِرِ مَا لَمْ أَجْمَعْ مُكْثًا وَإِنْ حَبَسَنِي ذَلِكَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً
٣١٣ - مالك عن نافع أن بن عُمَرَ أَقَامَ بِمَكَّةَ عَشْرَ لَيَالٍ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ إِلَّا أَنْ يُصَلِّيَهَا مَعَ إِمَامٍ فَيُصَلِّيهَا بِصَلَاةِ الْإِمَامِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِيمَنْ سَافَرَ سَفَرًا يَقْصُرُ فِيهِ الصَّلَاةَ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُتِمَّ فِي سَفَرِهِ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْإِقَامَةَ فِي مَكَانٍ مِنْ سَفَرِهِ وَيَجْمَعُ نِيَّتَهُ عَلَى ذَلِكَ
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي إِذَا نَوَى الْمُسَافِرُ أَنْ يُقِيمَ فِيهَا لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ
وَسَنَذْكُرُ مَا رَوَوْهُ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ وَمَا نَقَلُوهُ فِيهِ مِنَ الْآثَارِ فِي الْبَابِ بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وليس في حديث بن عُمَرَ الْمُتَقَدِّمِ فِي هَذَا الْبَابِ ذِكْرُ الْمُقَامِ فِي مَكَّةَ أَوْ غَيْرِهَا
وَالْحَدِيثُ الثَّانِي حَدِيثُ نَافِعٍ دَلَّ فِيهِ إِقَامَتُهُ بِمَكَّةَ عَشْرًا يَقْصُرُ الصلاة
وبن عُمَرَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ شَهِدُوا الْبَيْعَةَ الَّتِي بَايَعُوا فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمُقَامِ مَعَهُ بِالْمَدِينَةِ وَأَنْ لَا يَتَّخِذُوا مَكَّةَ وَطَنًا فَمُقَامُهُ بِمَكَّةَ لَيْسَ بنية إقامة
стр. 762
أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَوْلِ عُمَرَ بَعْدَهُ لِأَهْلِ مَكَّةَ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفَرٌ
وَأَمَّا قَوْلُهُ إِلَّا أَنَّ يُصَلِّيَهَا وَرَاءَ إِمَامٍ فَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ فِي بَابِهِ بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقَامَ بِمَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً لَا يُصَلِّي إِلَّا رَكْعَتَيْنِ وَقِيلَ تِسْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً وَقِيلَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَقِيلَ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً
وَلَيْسَ لِمَنِ احْتَجَّ بِمُقَامِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ حُجَّةٌ بِكَثْرَةِ الِاخْتِلَافِ وَالِاضْطِرَابِ فِي ذَلِكَ وَلِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ جَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ سُنَّةً وَقَدْ قَالَ لِأَهْلِ مَكَّةَ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ فَإِنَّا سَفْرٌ وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُقِيمَ فِي الدَّارِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا
(٥ بَابُ الْمُسَافِرِ إِذَا أَجْمَعَ مُكْثًا)
٣١٤ - مَالِكٌ عَنْ عطاء بن عبد الله الخرساني أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ مَنْ أَجْمَعَ إِقَامَةَ أَرْبَعِ لَيَالٍ وَهُوَ مُسَافِرٌ أَتَمَّ الصَّلَاةَ
قَالَ مَالِكٌ وَذَلِكَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ
قَالَ وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ صَلَاةِ الْأَسِيرِ فقال مثل صلاة المقيم
قال أبو عمر قَالَ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي إِذَا نَوَى الْمُسَافِرُ الْإِقَامَةَ فِيهَا لَزِمَهُ إِتْمَامُ صَلَاتِهِ
فَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى مَا ذَكَرَهُ فِي هَذَا الباب عن عطاء الخرساني عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَقَالَ فِي مُوَطَّئِهِ أَنَّهُ أَحَبُّ مَا سَمِعَ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى سَمَاعِهِ الِاخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ
وذكر بن وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ قَالَ أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ وَالَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ عِنْدَنَا أَنَّ مَنْ أَجْمَعَ إِقَامَةَ أَرْبَعِ لَيَالٍ وَهُوَ مُسَافِرٌ أَتَمَّ الصَّلَاةَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ قَوْلُهُ وَقَوْلُ أَصْحَابِهِ وَأَبِي ثَوْرٍ وَدَاوُدَ
стр. 763
قَالَ وَخَالَفَهُ فِي ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ
قَالَ الشَّافِعِيُّ إِذَا أَزْمَعَ الْمُسَافِرُ أَنْ يُقِيمَ بِمَوْضِعٍ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهِنَّ أَتَمَّ الصَّلَاةَ وَلَا يُحْسَبُ فِي ذَلِكَ يَوْمُ نُزُولِهِ وَلَا يَوْمُ رَحْلِهِ
وَقَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ فِي ذَلِكَ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ وَعَنِ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ مِثْلُ ذَلِكَ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُمَا فِي ذَلِكَ
وَرَوَى قَتَادَةُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ إِذَا أَقَامَ الْمُسَافِرُ أَرْبَعًا صَلَّى أَرْبَعًا
وَذَكَرَهُ وَكِيعٌ عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ
وهذا في معنى رواية عطاء الخرساني عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَهُوَ عِنْدِي أَثْبَتُ مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ أَذْكُرُهَا كُلَّهَا فِي هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَمِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ فِي هَذَا حَدِيثُ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ جَعَلَ لِلْمُهَاجِرِ مُقَامَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ
وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَكَّةَ لَا يَجُوزُ لِمُهَاجِرِيٍّ أَنْ يَتَّخِذَهَا دَارَ إِقَامَةٍ
فَأَبَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِمَنْ نَوَى إِقَامَتَهَا لِحَاجَةٍ لَيْسَتْ بِإِقَامَةٍ يَخْرُجُ فِيهَا الَّذِي نَوَاهَا عَنْ حُكْمِ الْمُسَافِرِ وَأَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ السَّفَرِ لَا حُكْمُ الْإِقَامَةِ
فَوَجَبَ بِهَذَا أَنْ يَكُونَ مَنْ نَوَى الْمُقَامَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ فَهُوَ مُقِيمٌ وَمَنْ كَانَ مُقِيمًا لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ
وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَوَّلَ مَنْزِلَةٍ بَعْدَ الثَّلَاثِ الْأَرْبَعُ
وَيُعَضِّدُ هَذَا أَيْضًا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ لَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم
стр. 764
قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ لَا يَبْقَيَنَّ دِينَانِ بِأَرْضِ الْعَرَبِ وَأَمَرَ بِإِخْرَاجِ يَهُودِ الْحِجَازِ لَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ غَيْرَ مُقَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إِذْ أَمَرَ بِإِخْرَاجِهِمْ فَكَانَتْ عِنْدَهُ مُدَّةُ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ إِقَامَةً بِلَا إِقَامَةٍ
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمَيْمُونِ بْنِ حَمْزَةَ الْحَسَنِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الطَّحَاوِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْمُزَنِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ قَالَ سأل عمر بن الْعَزِيزِ جُلَسَاءَهُ مَاذَا سَمِعْتُمْ فِي مُقَامِ الْمُهَاجِرِينَ بِمَكَّةَ فَقَالَ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ أَخْبَرَنَا الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يَمْكُثُ بِمَكَّةَ الْمُهَاجِرُ مِنْ بَعْدِ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثًا
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَحَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ قَالَ سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ يُحَدِّثُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ يُقِيمُ الْمُهَاجِرُ مِنْ قَالَ سُفْيَانُ بَعْدِ نَسُكِهِ ثَلَاثًا وَقَالَ حَفْصٌ بَعْدَ الصَّدْرِ ثَلَاثًا
قَالَ أَبُو عُمَرَ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ثِقَةٌ
ذَكَرَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ قَالَ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى سَعْدٍ رَجُلًا فَقَالَ إِذَا مَاتَ سَعْدٌ بِمَكَّةَ فَلَا تَدْفِنْهُ بِهَا
قَالَ وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ الْأَسَدِيُّ عَنْ () قَالَ قَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ الرَّجُلُ بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا قَالَ نَعَمْ
وَقَالَ سُفْيَانُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ (إِذَا نَوَى) الرَّجُلُ إِقَامَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً أَتَمَّ الصَّلَاةَ وَإِنْ كَانَ دُونَ ذلك قصر
وروي مثله عن بن عُمَرَ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ
رَوَى وَكِيعٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ كَانَ بن عُمَرَ إِذَا أَجْمَعَ عَلَى إِقَامَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً سَرَجَ ظَهْرَهُ وَصَلَّى أَرْبَعًا
стр. 765
وروى وكيع أيضا عن () عن بن عمر وبن عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا قَالَا إِذَا قَدِمْتَ بَلَدًا وَأَنْتَ مُسَافِرٌ وَفِي نِيَّتِكَ أَنْ تُقِيمَ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً فَأَكْمِلِ الصَّلَاةَ
قَالَ الطَّحَاوِيُّ وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا مِنَ الصَّحَابَةِ
قَالَ وَلَمَّا أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّتِهِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ ذَكَرَ الْإِتْمَامَ عَلَى اعْتِبَارِ الْأَرْبَعِ
وَرَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ إِذَا نَوَى الرَّجُلُ عَلَى إِقَامَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً أَتَمَّ الصَّلَاةَ
وَهَذَا أَيْضًا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَنْ سَعِيدٍ
وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ ثَالِثٌ قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ إِنْ نَوَى إِقَامَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ فَمَا دُونَ قَصَرَ وَإِنْ نَوَى إِقَامَةَ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَ عَشْرَةَ أَتَمَّ الصَّلَاةَ
وَاحْتَجَّ بِمَا رَوَاهُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ عَبِيدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مسعود عن بن عَبَّاسٍ قَالَ أَقَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَمْسُ عَشْرَةَ لَيْلَةً يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا الْحَدِيثُ قَدْ رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ كَمَا رَوَاهُ عِرَاكٌ
وَقَدْ ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الله عن بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَقَامَ بِمَكَّةَ بَعْدَ الْفَتْحِ خَمْسَ عَشْرَةَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ حَتَّى سَارَ إِلَى حُنَيْنٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ فَكَانَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ يَقُولُ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَصَرَ فِي سَفَرِهِ أَكْثَرَ مِنْ هَذِهِ الْمُدَّةِ فَمَنْ زَادَ عَلَيْهَا شَيْئًا لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ
وَهَذَا لَمْ يَخْتَلِفْ فِي مُقَامِهِ ﷺ بِمَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ لَكِنَّ الِاخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ كَثِيرٌ جِدًّا
وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ رَابِعٌ ذَكَرَهُ وَكِيعٌ قَالَ أَخْبَرَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ أَبِي حَكِيمَةَ قَالَ سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ فَقَالَ إِذَا أَتْمَمْتَ ثَلَاثًا فَأَتِمَّ الصَّلَاةَ
وَفِيهَا قَوْلٌ خَامِسٌ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ إِذَا أَقَامَ الْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَتَمَّ وَإِنْ نَوَى أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ قصر
стр. 766
وفيها قول سادس روي عن بن عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ إِذَا أَقَامَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً أَتَمَّ وَإِنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ قَصَرَ
ومثل هذا حديث مالك عن بن شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ أُصَلِّي صَلَاةَ الْمُسَافِرِ مَا لَمْ أَجْمَعْ مُكْثًا وَإِنْ حَبَسَنِي ذَلِكَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ أَيْضًا مِثْلُ ذَلِكَ
وَفِيهَا قَوْلٌ سَابِعٌ قَالَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَدَاوُدُ قَالَ أَحْمَدُ رَوَتْ عَائِشَةُ وَجَابِرٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَدِمَ مَكَّةَ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ قَالَ أَحْمَدُ فَقَدْ أَزْمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى مُقَامِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ يَقْصُرُ فَمَنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُتِمُّ
وَقَالَ دَاوُدُ مَنْ عَزَمَ عَلَى إِقَامَةِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ عِشْرِينَ صَلَاةً قَصَرَ وَمَنْ عَزَمَ عَلَى مَقَامِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَتَمَّ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ (صَلَّى) فِي حَجَّتِهِ صَلَاةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ وَهُوَ مُقِيمٌ بِمَكَّةَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى مِنًى وَهُوَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ يَقْصُرُ
وَالْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ مَنْ أَقَامَ فَقَدْ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ إِلَّا أَنْ يَخُصَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ أَوْ إِجْمَاعٌ وَقَدْ نَصَّتِ السُّنَّةُ ذَلِكَ الْمِقْدَارَ فَمَنْ زَادَ عَلَيْهِ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَيْسَ مُقَامُ النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ إِذْ دَخَلَهَا لِحَجَّتِهِ بِإِقَامَةٍ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ لَهُ بِدَارِ إِقَامَةٍ وَلَا بِمَلَاذٍ وَلَا لِمُهَاجِرِيٍّ أَنْ يَتَّخِذَهَا دَارَ إِقَامَةٍ وَلَا وَطَنٍ وَإِنَّمَا كَانَ مُقَامُهُ بِمَكَّةَ إِلَى يَوْمِ التَّرْوِيَةِ كَمُقَامِ الْمُسَافِرِ فِي حَاجَةٍ يَقْضِيهَا فِي سَفَرٍ مُنْصَرِفًا إِلَى أَهْلِهِ فَهُوَ مُقَامُ مَنْ لَا نِيَّةَ لَهُ فِي الْإِقَامَةِ وَمَنْ كَانَ هَذَا فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُسَافِرِ يَقْصُرُ فَلَمْ يَنْوِ النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ إِقَامَةً بَلْ نَوَى الْخُرُوجَ مِنْهَا إِلَى مِنًى يَوْمَ التَّرْوِيَةِ عَامِلًا فِي حَجَّهِ حَتَّى يَنْقَضِيَ وَيَنْصَرِفَ إِلَى الْمَدِينَةِ
وَفِيهَا قَوْلٌ ثَامِنٌ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ إِذَا أَقَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ أَتَمَّ
وَرَوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ وَعَنِ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ
وَفِيهَا قَوْلٌ تَاسِعٌ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ عَاصِمٍ وَحُصَيْنٍ عَنْ عكرمة عن بن عَبَّاسٍ قَالَ أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا يَقْصُرُ فَنَحْنُ إِذَا أَقَمْنَا تِسْعَةَ عَشَرَ قَصَرْنَا وَإِنْ زِدْنَا أَتْمَمْنَا
هَكَذَا ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ أَنَّ مُقَامَهُ بِمَكَّةَ حَيْثُ فَتَحَهَا ﷺ كَانَ تسعة عشر
стр. 767
وَهُوَ حَدِيثٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ لَا يَثْبُتُ فِيهِ شَيْءٌ لِكَثْرَةِ اضْطِرَابِهِ
وَقَدْ رَوَاهُ حَفْصُ بْنُ غياث عن عاصم عن عكرمة عن بن عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقَامَ سَبْعَ عَشْرَةَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ
قَالَ وَقَالَ بن عَبَّاسٍ مَنْ أَقَامَ سَبْعَ عَشْرَةَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ وَمَنْ أَقَامَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَتَمَّ
هَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ بن عَبَّاسٍ وَحَفْصٌ أَحْفَظُ مِنْ أَبِي عَوَانَةَ إِلَّا أَنَّ عَبَّادَ بْنَ مَنْصُورٍ قَدْ تَابَعَ أَبَا عوانة فروى عن عكرمة عن بن عَبَّاسٍ قَالَ أَقَامَ تِسْعَةَ عَشَرَ وَأَمَّا الزُّهْرِيُّ فَرَوَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ بن عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقَامَ حَيْثُ فَتَحَ مَكَّةَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ حَتَّى سَارَ إِلَى حَنِينٍ
هَكَذَا رَوَاهُ بن إسحاق عن بن شِهَابٍ
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سلمة عن بْنِ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الله عن بن عَبَّاسٍ قَالَ أَقَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَمْسُ عَشْرَةَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ
قَالَ أَبُو دَاوُدَ رَوَاهُ عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَسَلَمَةُ (بْنُ الْفَضْلِ) وَأَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ الْوَهْبِيُّ كُلُّهُمْ عن بن إسحاق عن الزهري عن عبد الله لم يذكروا بن عَبَّاسٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يُقَاسُ بِابْنِ إِدْرِيسَ وَقَدْ تَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ وَزِيَادَةُ مِثْلِهِمَا مَقْبُولَةٌ
وَقَدْ رَوَى عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قال قمنا مَعَ النَّبِيِّ ﵊ بِمَكَّةَ حَيْثُ فَتَحَهَا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ
فَكَيْفَ يَثْبُتُ مَعَ هَذَا الِاخْتِلَافِ مِقْدَارُ إِقَامَتِهِ بِمَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ أَوْ أَيُّ حُجَّةٍ فِي إِقَامَتِهِ بِمَكَّةَ وَلَيْسَتْ لَهُ بِدَارِ إِقَامَةٍ بَلْ هِيَ فِي حُكْمِ دَارِ الْحَرْبِ أَوْ حَيْثُ لَا تَجُوزُ الْإِقَامَةُ
وَأَمَّا مُقَامُهُ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ فَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُ كَانَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ
وَأَمَّا إِقَامَتُهُ فِي حَجَّتِهِ فَدَخَلَ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَخَرَجَ صَبِيحَةَ رَابِعَةَ عَشْرَ تَوَاتَرَتِ الرِّوَايَاتُ بِذَلِكَ وَفِيهَا قَوْلُ عَائِشَةَ
رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصَرِيِّ أَنَّهُ قَالَ يُصَلِّي الْمُسَافِرُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ أَبَدًا إِلَّا أَنْ يَقْدُمَ مِصْرًا مِنَ الأمصار
стр. 768
وَهَذَا قَوْلٌ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَهُ أَيْضًا غَيْرَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَفِيهَا قَوْلٌ حَادِيَ عَشَرَ قَالَهُ رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَهُ أَيْضًا غَيْرَهُ قَالَ رَبِيعَةُ من أجمع إقامة يوم وليلة أتم الصيام وَصَامَ
هَذَا مِنْهُ قِيَاسٌ عَلَى مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ عِنْدَهُ وَلَمْ يَبْلُغْهُ فِيهِ شَيْءٌ عَنِ السَّلَفِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي هَذَا الْبَابِ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ صَلَاةِ الْأَسِيرِ فقال مثل صلاة المقيم
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَا أَعْلَمَ خِلَافًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ وَمُحَالٌ أَنْ يُصَلِّيَ وَهُوَ مُقِيمٌ مَأْسُورٌ إِلَّا صَلَاةَ الْمُقِيمِ وَإِنْ سَافَرَ أَوْ سُوفِرَ بِهِ كَانَ لَهُ حِينَئِذٍ حُكْمُ الْمُسَافِرِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
(٦ بَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ إِذَا كَانَ إِمَامًا أَوْ وَرَاءَ إِمَامٍ)
٣١٥ - ذَكَرَ فِيهِ مَالِكٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِنْ طريقين أحدهما عن بن شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ
٣١٦ - الثَّانِي عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَدِمَ مَكَّةَ صَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَقُولُ يَا أَهْلَ مَكَّةَ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ عَلَى مَا كَانَ الْمُهَاجِرُونَ عَلَيْهِ مِنَ الِاهْتِمَامِ بِأَمْرِ الْهِجْرَةِ وَحِفْظِهَا وَإِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ لَمَّا أُمِرُوا بِالْهِجْرَةِ عَنْهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَتَّخِذْهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ دَارَ إِقَامَةٍ فَكَانَ مِنْ قِدَمِ مِنْهُمْ إِلَى الْحَجِّ لَا يَنْوِي إِقَامَةً وَكَانَ يُصَلِّي صَلَاةَ الْمُسَافِرِ حَتَّى يَخْرُجَ
وَفِيهِ أَنَّ الْمُسَافِرَ يَؤُمُّ الْمُقِيمِينَ وَهَذَا هُوَ الْمُسْتَحَبُّ عِنْدَ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ لَا خِلَافَ عَلِمْتُهُ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا صَلَّى بِمُقِيمِينَ رَكْعَتَيْنِ وَسَلَّمَ قَامُوا فَأَتَمُّوا أَرْبَعًا لِأَنْفُسِهِمْ أَفْرَادًا
وَأَمَّا صَلَاةُ الْمُقِيمِ بِالْمُسَافِرِ فَيَأْتِي ذِكْرُهَا بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَفِيهِ أَنَّ الْإِمَامَ إِذَا سَلَّمَ فِي مَوْضِعٍ مِنَ الصَّلَاةِ يَجُوزُ لَهُ فِيهِ السَّلَامُ لَمْ يَضُرَّ الْمَأْمُومِينَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ إِلَيْهِمْ بَعْدَ السَّلَامِ
стр. 769
وَفِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ عُمَرُ ﵁ مِنْ تَعْلِيمِ رَعِيَّتِهِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ وَهَذَا هُوَ الَّذِي خَاطَبَ بِهِ عُمَرُ ﵁ أَهْلَ مَكَّةَ فِي إِتْمَامِ صَلَاتِهِمُ امْتَثَلَ فِيهِ فِعْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّهُ ﷺ صَنَعَ ذَلِكَ بِمَكَّةَ أَيْضًا
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا إسماعيل بن عُلَيَّةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ مَرَّ بِنَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ فِي مَجْلِسِنَا فَقَالَ غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يُصَلِّ إِلَّا رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَحَجَجْتُ مَعَهُ فَلَمْ يُصَلِّ إِلَّا رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَاعْتَمَرْتُ مَعَهُ ثَلَاثَ عُمَرٍ وَلَمْ يُصَلِّ إِلَّا رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَشَهِدْتُ مَعَهُ الْفَتْحَ فَأَقَامَ بِمَكَّةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً لَا يُصَلِّي إِلَّا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَقُولُ لِأَهْلِ الْبَلَدِ صَلُّوا أَرْبَعًا فَإِنَّا سَفْرٌ
٣١٧ - وَذَكَرَ مَالِكٌ في هذا الباب عن بن شِهَابٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ أَنَّهُ قَالَ جَاءَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَعُودُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ صَفْوَانَ فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ فَقُمْنَا فَأَتْمَمْنَا
وَهَذَا عَلَى مَا ذَكَرْتُ لَكَ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ لَا اخْتِلَافَ عَلِمْتُهُ فِيهِ وَحَسْبُكَ بِذَلِكَ وَسُنَّةً وَإِجْمَاعًا وَحَدِيثًا
٣١٨ - وَأَمَّا حَدِيثُهُ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُصَلِّي وَرَاءَ الْإِمَامِ بِمِنًى أَرْبَعًا فَإِذَا صَلَّى لِنَفْسِهِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا اخْتَلَفُوا فِي الْمُسَافِرِ يُصَلِّي وَرَاءَ مُقِيمٍ
فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ إِذَا لَمْ يُدْرِكْ مَعَهُ رَكْعَةً تَامَّةً صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَإِنْ أَدْرَكَ مَعَهُ رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا صَلَّى أَرْبَعًا
وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْأَوْزَاعِيِّ
وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَأَبَا يُوسُفَ وَمُحَمَّدًا قَالُوا يُصَلِّي صَلَاةَ مُقِيمٍ وَإِنْ أَدْرَكَهُ فِي التَّشَهُّدِ
قَالَ وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ وَالشَّافِعِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ
стр. 770
وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ مَزْيَدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ فِيمَنْ صَلَّى مِنَ الْمُسَافِرِينَ مَعَ الْحَضَرِيِّ رَكْعَةً أَوْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ عَرَضَ لَهُ رُعَافٌ فَقَطَعَ صَلَاتَهُ قَالَ يَبْنِي عَلَى صَلَاةِ مُقِيمٍ حَتَّى يُكْمِلَ أَرْبَعًا قِيلَ لَهُ فَإِنَّهُ صَلَّى صَلَاةَ مُسَافِرٍ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَوَجَدَهُمْ فِي تَشَهُّدِ تِلْكَ الصَّلَاةِ الْآخِرِ فَجَلَسَ مَعَهُمْ قَالَ لَا يُعْتَدُّ بِمَا أَدْرَكَ مِنَ الْجُلُوسِ مَعَهُمْ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكِ الرَّكْعَةَ مَعَهُمْ وَقَدْ أَجْزَأَتْ عَنْهُ صَلَاتُهُ الَّتِي صَلَّى فِي بَيْتِهِ
قَالَ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ فِي مُسَافِرٍ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ الْمَكْتُوبَةَ رَكْعَتَيْنِ فَسَهَا حَتَّى صَلَّى ثَلَاثًا قَالَ لِيُكْمِلْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي قَوْلِهِ إِنَّ كُلَّ مُسَافِرٍ دَخَلَ فِي صَلَاةِ مُقِيمٍ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ الْمُقِيمُ مِنْهَا لَزِمَهُ إِتْمَامُهَا وَلَا يُرَاعِي إِدْرَاكَ الرَّكْعَةِ لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ مَنْ نَوَى فِي حِينِ دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ الْإِتْمَامَ لَزِمَهُ فَكَذَلِكَ مَنْ دَخَلَ مَعَ مُقِيمٍ فِي صَلَاتِهِ
وَحُجَّةُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الْمُسَافِرَ سُنَّتُهُ رَكْعَتَانِ وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَهُوَ فِي حُكْمِ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ شَيْئًا مِنْهَا وَالْمُسَافِرُ إِذَا لَمْ يُدْرِكْ شَيْئًا مِنْ صَلَاةِ الْمُقِيمِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ بِإِجْمَاعٍ
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمُسَافِرِ يُدْرِكُ مِنْ صَلَاةِ الْمُقِيمِ رَكْعَةً أَوْ أَكْثَرَ أَوْ يُدْرِكُهُ فِي التَّشَهُّدِ فَيُصَلِّي مَعَهُ ثُمَّ يَعْرِضُ لَهُ مَا يُفْسِدُ صَلَاتَهُ مِنْ حَدَثٍ أَوْ غَيْرِهِ مَاذَا يَقْضِي وَمَاذَا عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ فَأَمَّا مَالِكٌ فَقَالَ مَنْ أَدْرَكَ مِنْ صَلَاةِ الْمُقِيمِ رَكْعَةً وَهُوَ مُسَافِرٌ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْهَا فَصَلَاتُهُ رَكْعَتَانِ فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا إِذَا صَلَّى مَعَ الْمُقِيمِ رَكْعَةً ثُمَّ فَسَدَتْ عَلَيْهِ صَلَاتُهُ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ مَعَهُ رَكْعَةً رَجَعَ إِلَى عَمَلِ صَلَاتِهِ رَكْعَتَيْنِ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَإِنَّهُ قَدْ لَزِمَهُ بِدُخُولِهِ الْإِتْمَامُ فِي صَلَاةِ الْمُقِيمِ أَرْبَعًا وَيَصِحُّ لَهُمُ الدُّخُولُ عِنْدَهُمْ
وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ فِي الْمُسَافِرِ يَدْخُلُ فِي صَلَاةِ مُقِيمٍ ثُمَّ يَقْطَعُهَا يُصَلِّي صَلَاةَ مُسَافِرٍ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُصَلِّي وَرَاءَهُ أَرْبَعًا اتِّبَاعًا لَهُ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ خَلْفَ مُقِيمٍ لَمْ يُصَلِّ إِلَّا فَرِيضَةَ رَكْعَتَيْنِ
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ
стр. 771
أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ مَعَ الْمُقِيمِ وَجَبَ عَلَيْهِ مَا وَجَبَ عَلَى الْمُقِيمِ فَلَمَّا أَفْسَدَهَا وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِتْمَامِ
وَالْآخَرُ أَنَّهُ لَمَّا أَفْسَدَهَا رَجَعَ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي الِابْتِدَاءِ مِنَ الْخِيَارِ فِي الْإِتْمَامِ أَوِ التَّقْصِيرِ
وَأَمَّا مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فِي حَضَرٍ فَذَكَرَهَا فِي سَفَرٍ أَوْ نَسِيَهَا فِي السَّفَرِ فَذَكَرَهَا وَهُوَ مُقِيمٌ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ فِي صَدْرِ هَذَا الْكِتَابِ حَيْثُ ذَكَرَهُ مَالِكٌ ﵀ فِي مُوَطَّئِهِ وَذَلِكَ فِي بَابِ جَامِعِ الْوُقُوتِ لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ مِنْهَا هُنَاكَ إِلَّا وَجْهًا واحدا فنذكر ها هنا مَا لِلْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَذَاهِبِ لِيَتِمَّ فَائِدَتُهَا
قَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ مَنْ نَسِيَ صَلَاةً أَوْ فَاتَتْهُ فِي السَّفَرِ فَلَمْ يَذْكُرْهَا إِلَّا مُقِيمًا قَصَرَهَا وَإِنْ سَافَرَ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ وَلَمْ يُصَلِّ صَلَاةَ الْوَقْتِ فِي الْحَضَرِ صَلَّاهَا مُسَافِرًا صَلَاةَ مُقِيمٍ كَمَا لَزِمَتْهُ إِنَّمَا يَقْضِي مَا فَاتَهُ عَلَى حَسَبِ مَا فَاتَهُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يُصَلِّي فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ جَمِيعًا صَلَاةَ حَضَرٍ
وَقَدْ كَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ بِبَغْدَادَ مِثْلَ قَوْلِ مَالِكٍ ثُمَّ رَجَعَ بِمِصْرَ إِلَى مَا ذَكَرْنَا عَنْهُ وَهُوَ تَحْصِيلُ مَذْهَبِهِ
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَطَائِفَةٌ مِنَ الْبَصْرِيِّينَ مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فِي حَضَرٍ فَذَكَرَهَا فِي السَّفَرِ صَلَّاهَا سَفَرِيَّةً وَمَنْ نَسِيَهَا فِي السَّفَرِ وَذَكَرَهَا فِي الْحَضَرِ صَلَّاهَا حَضَرِيَّةً أَرْبَعًا لِأَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ إِلَّا فِي الْحِينِ الَّذِي يَذْكُرُهَا فِيهِ كَمَا لَوْ ذَكَرَهَا وَهُوَ مَرِيضٌ أَوْ ذَكَرَهَا وَهُوَ فِي صِحَّةٍ وَقَدْ لَزِمَتْهُ فِي مَرَضِهِ صَلَّاهَا عَلَى حاله
وبهذا قال بن علية وبن الْمَدِينِيِّ وَالطَّبَرِيُّ
(٧ بَابُ صَلَاةِ النَّافِلَةِ فِي السَّفَرِ بِالنَّهَارِ وَالصَّلَاةِ عَلَى الدَّابَّةِ)
٣١٩ - ذَكَرَ فِيهِ مَالِكٌ عن نافع عن بن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ لَا يُصَلِّي مَعَ صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ فِي السَّفَرِ شَيْئًا قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا إِلَّا مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ فَإِنَّهُ كَانَ يُصَلِّي عَلَى الْأَرْضِ وَعَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ
стр. 772
٣٢٠ - وَذَكَرَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَنَفَّلُونَ فِي السَّفَرِ
٣٢١ - وَعَنْ نَافِعٍ أَيْضًا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ كَانَ يَرَى ابْنَهُ يَتَنَفَّلُ فِي السَّفَرِ فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ
وَهَذَا الْخَبَرُ خلاف ما روي عن بن عُمَرَ لَوْ تَنَفَّلْتُ فِي السَّفَرِ لَأَتْمَمْتُ
إِلَّا أن بن عُمَرَ قَدِ احْتَجَّ لِفِعْلِهِ ذَلِكَ بِمَا نَذْكُرُهُ عَنْهُ بَعْدُ فِي هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَهَذِهِ الْآثَارُ كُلُّهَا دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ مُخَيَّرٌ فِي النَّافِلَةِ وَفِي صَلَاةِ السُّنَّةِ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَبَعْدَهَا وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ إِنْ شَاءَ فَعَلَ ذَلِكَ فَحَصَلَ عَلَى ثَوَابِهِ وَإِنْ شَاءَ قَصَرَ
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَرْءَ مُخَيَّرٌ فِي فِعْلِ النَّافِلَةِ فِي الْحَضَرِ فَكَيْفَ فِي السَّفَرِ وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَنَفَّلُ فِي السَّفَرِ وَفِيهِ الْأُسْوَةُ الْحَسَنَةُ
رَوَى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ أَبِي بُسْرَةَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ سَافَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَفْرَةً فَمَا رَأَيْتُهُ يَتْرُكُ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ حَدَّثَنَا بَكْرٌ قَالَ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى الْقَطَّانُ عن بن أبي ذئب عن بن سراقة قال سمعت بن عُمَرَ يَقُولُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَا يُصَلِّي قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا فِي السَّفَرِ
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ حَفْصٍ الْغَمْرِيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كنت مع بن عُمَرَ فِي مِصْرَ فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى خَشَبَةِ رَحْلِهِ فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا فَرَأَى قَوْمًا وَرَاءَهُ قِيَامًا فَقَالَ مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ قُلْتُ يُسَبِّحُونَ قَالَ لَوْ كُنْتُ مُسَبِّحًا لَأَتْمَمْتُ صلاتي يا بن أَخِي صَحِبْتُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى مَضَى ثُمَّ صَحِبْتُ أَبَا بَكْرٍ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ صَحِبْتُ عُمَرَ فَلَمْ
стр. 773
يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ صَحِبْتُ عُثْمَانَ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى بْنُ أَبِي مَيْسَرَةَ قَالَ حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ عَمِّهِ عِيسَى بْنِ حَفْصٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ سَافَرْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا الْمَعْنَى محفوظ عن بن عُمَرَ مِنْ وُجُوهٍ وَقَدْ رُوِيَتْ آثَارٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ رُبَّمَا تَنَفَّلَ فِي السَّفَرِ وَأَنَّهُ كَانَ يَرْتَحِلُ مِنْ مَنْزِلٍ يُنْزِلُهُ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَأَهْلُ الْعِلْمِ لَا يَرَوْنَ بِالنَّافِلَةِ فِي السَّفَرِ بَأْسًا كَمَا قَالَ مَالِكٌ ﵀
قَالَ يَحْيَى سُئِلَ مَالِكٌ عَنِ النَّافِلَةِ فِي السَّفَرِ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ
وَفِي قَوْلِهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ كَانَ لَا يَتَنَفَّلُ فِي السَّفَرِ وَذَلِكَ كُلُّهُ عَلَى مَا وَصَفْنَا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِنَا هَذَا عَنِ بن عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِالنَّافِلَةِ فِي السَّفَرِ وَيَقُولُ كَمَا يَتَنَفَّلُ فِي الْحَضَرِ بَعْدَ الْأَرْبَعِ فَكَذَلِكَ يَتَنَفَّلُ فِي السَّفَرِ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ هَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ دُونَ لَفْظِهِ
٣٢٢ - وَأَمَّا حَدِيثُ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى وسعيد بن يسار عن بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي وَهُوَ عَلَى حِمَارٍ وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ إِلَى خَيْبَرَ
стр. 774
٣٢٣ - وحديثه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ فِي السَّفَرِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ
وَكَانَ بن عُمَرَ يَفْعَلُهُ
لَمْ يَذْكُرْ مَالِكٌ ﵀ فِي حَدِيثِهِ هَذَا أَنَّهُ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ ﷺ تطوعا في غَيْرِ الْمَكْتُوبَةِ
وَقَدْ ذَكَرَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَشُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ عمر
وذكره بن شِهَابٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَالِمٍ
وَرَوَاهُ الْقَاسِمُ بن محمد ونافع عن بن عُمَرَ كُلُّهُمْ يَذْكُرُ فِيهِ التَّطَوُّعَ وَهَذَا أَمْرٌ لَا خِلَافَ فِيهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
وَقَدِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ أَحَدٌ فَرِيضَةً عَلَى الدَّابَّةِ فِي غَيْرِ شِدَّةِ الْخَوْفِ فَكَفَى بِهَذَا بَيَانًا وَحُجَّةً
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْآثَارَ بِمَا وَصَفْنَا بِالْأَسَانِيدِ فِي كِتَابِ التَّمْهِيدِ
وَأَمَّا قَوْلُ الشَّيْخِ ﵀ أَنَّ عَمْرَو بْنَ يَحْيَى قَدِ انْفَرَدَ بِذِكْرِ صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الْحِمَارِ فِي السَّفَرِ فَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ الْمَحْفُوظَ في حديث بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي النَّافِلَةَ فِي السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ لَا عَلَى الْحِمَارِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ
وَهَذَا إِنَّمَا أَنْكَرَ الْعُلَمَاءُ مِنْهُ اللَّفْظَ دُونَ الْمَعْنَى وَلَا خِلَافَ بَيْنِ الْفُقَهَاءِ فِي جَوَازِ صَلَاةِ النَّافِلَةِ عَلَى الدَّابَّةِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِرَاكِبِهَا فِي السَّفَرِ
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ حَدِيثَ جَابِرٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي أَيْنَ مَا كَانَ وَجْهُهُ عَلَى الدَّابَّةِ
стр. 775
عَنِ الْحَسَنِ الْبَصَرِيِّ قَالَ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُصَلُّونَ فِي أَسْفَارِهِمْ عَلَى دَوَابِّهِمْ أَيْنَمَا كَانَتْ وُجُوهُهُمْ
وَهَذَا أَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ كُلِّهِمْ فِي تَطَوُّعِ الْمُسَافِرِ عَلَى دَابَّتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ لِلْقِبْلَةِ وَغَيْرِهَا يُومِئُ إِيمَاءً يَجْعَلُ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ وَيَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى دَابَّتِهِ وَفِي مَحَلِّهِ
إِلَّا أَنَّ بَيْنَهُمْ جَمَاعَةً يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَفْتَتِحَ الْمُصَلِّي صَلَاتَهُ إِلَى الْقِبْلَةِ فِي تَطَوُّعِهِ عَلَى دَابَّتِهِ مُحْرِمٌ بِهَا وَهُوَ مُسْتَقْبَلٌ الْقِبْلَةَ ثُمَّ لَا يُبَالِي حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ
وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَسْتَحِبَّ ذَلِكَ وَقَالَ كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي سَائِرِ صَلَاةٍ إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ عَامِدًا وَهُوَ عَالِمٌ بِذَلِكَ فَكَذَلِكَ يَجُوزُ افْتِتَاحُهَا إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ
وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو ثَوْرٍ إِلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ
وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِحَدِيثِ الْجَارُودِ بْنِ أَبِي سَبْرَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا سَافَرَ فَأَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ اسْتَقْبَلَ بِنَاقَتِهِ الْقِبْلَةَ فَكَبَّرَ ثُمَّ صَلَّى حَيْثُ وَجَّهَهُ رِكَابُهُ
وَقَدْ ذَكَرْنَا إِسْنَادَهُ فِي التَّمْهِيدِ
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو ثَوْرٍ هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَ مَنْ يَتَنَفَّلُ عَلَى رَاحِلَتِهِ فِي السَّفَرِ
وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) الْبَقَرَةِ ١١٥ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرِهِ التَّطَوُّعَ عَلَى الرَّاحِلَةِ
وَهُوَ تَأْوِيلٌ حَسَنٌ لِلْآيَةِ تُعَضِّدُهُ السُّنَّةُ
وَفِي الْآيَةِ قَوْلَانِ غَيْرُ هَذَا أَحَدُهُمَا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قَوْلِ الْيَهُودِ فِي القبلة
следующие страницы →