Полный текст (901 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وَلِلشِّعْرِ مِيزَانٌ تُسَمَّى عَرُوضَهُ ... بهَا النَّقْصُ والرُّجْحَانُ يَدْرِيهِمَا الْفَتَى
وهذا الشرح معدودٌ في المفقود. وإقدام البسيلي على شرحها دليلٌ على علمه بالعروض، ومشاركتِه في فنون الأدب. بلْ إنه تعاطى لصناعة النظم، فمِنْ ذلك ما ذكره عن نفسه من نظمه لقصيدةِ مديح رَفَعَهَا إلى أبي فارس قال فيها:
وأفعالُه ينْوي بها البرَّ كلها ... فمنْ قصْده صار المباحُ تعبُّدا
فإمَّا رِباطاً إنْ أقام بِساحل ... وإمَّا جهادا إن توتجَّه للعِدَا
٥ - شرح على جمل الخونجي في المنطق:
وهذه الثلاثة التآليف الأخيرة ذكرها الرصاع تلميذ المصنف، بعد أن قال: "وله تواليف عديدة، وتصانيف حسنة".
وهناك نشاط علمي اضطلع به البسيلي غير التأليف، وهو تلك المداخلاتُ التي كان ينشط بها حلقة ابن عرفة، والتي كانت تَلْقى من ابن عرفة القبول والاستحسان، حسبما صرع المؤلف، عند قوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾، حيثُ رَدَّ على البيضاوي استدلاله بالآية على صحّةِ إرادته بالإغواء، بما أوردَه الفخر من أن ملازمة الشيء للشيء لا يدل على وقوعه ولا على إمكان وقوعه، ثم قال البسيلي عقيبه: "وقد ذكرتُ هذا في مجلس درسِ شيخنا ابنِ عرفة فاستحْسَنَه".
******
تنبيه:
نسب بعض المترجِمين للبسيلي تقييدا في الوفيات؛ وليس للبسيلي كتاب في هذا الفن، والذي أوهمهم هذا الأمْرَ عبارةُ التنبكتي التالية -عند ترجمته لابن بزيزة-: "لم أقفْ على تاريخ وفاته، ثم رأيت في تقييد للبسيلي ما ملخصه: ... ". والمقصود لدى صاحب "نيل الابتهاج" هو "نكت وتنبيهات" الصغير، موضوع تحقيقنا، لا غيره.
стр. 107
المبحث السابع: علاقته بالحفصيين
شحَّتِ المصادر في هذه البابة، وكلما باليَدِ رفْضُ البسيلي تسليمَ الأمير الحسين الحفصي "التقييد الكبير" ومماطلتُه في ذلك، ثم رضوخُه وتسليمُه آخِرَ الأمر، بعد أن كلِفَتِ الرسلُ ببابه لا تَرِيم أو تعود بالطَّلِبة. وهي حكايةٌ إن لم تدُل على ما ساء مِن علاقة الرجلين -ربما بسبب المجايَلَة-، فلا أقل من إيماضها إلى ازْورار من البسيلي عن مخالطة الأمير أو قصْدِ التزلف إليه، وقد كان بمسْطَاعِهِ أن يفعل؛ وبالنظر إلى زهَادَةِ الرجل وإيثارهِ خمولَ الذكر، فقد كان عازفاً عن ذوي المناصب السياسية بإيحاءٍ مِنْ سَنَن شيخِه، ناهيك أنه أثبت -هو نفسُه- من فَلَتَات ولَفَتَات ابن عرفة في التفسير، ما يمَكنُ أن يفسِّرَ تحاشيه الأمير، فقد أورد عند قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾، قولَه: "ابن عطية: احتج العلماء بها على مَنْعِ خِدْمَةِ الظَّلَمَة. قال شيخنا أبو الحسن محمد البطرني: سئل سيدي أبو الحسن المنتصر عن خياطة الثياب لهم، فقال: النظرُ في صانع الإبرة، وأما الخياط ففي قعر جهنم!. قال شيخنا ابن عرفة: يريد: إنْ كان خاصّاً بهم، كما قال ابن رشد فيمن يخيط للكفار". وذلك أيضا واضح عند قوله: "وَوَقعَ لابن خليل -يعنى السكوني- في شرحه أن السلطان لو أَمَرَهُ إذا دُعي إلى معصية فإنه يجبُ اتباعه؛ وهذا خطأٌ صُراح، وحديث مسلم في كتاب الإمارة يرد عليه".
وإقراوُه بسقيفة داره كثيرا، دون المدارس الكثيرة المنتشرة، قرينةٌ على حبِّه للخمول، وتلافيه لمقاربة ذوي الأمر، سيما إذا عُلِمَ أن المدارس بمدرسيها وطلابها،
стр. 108
كانت تدين لبُناتها وأعقابهم بالجِرَايات وأسباب الإمداد، ولم يكن يدرِّسُ بها إلا من أوتي بسطةً في العلم، ورضا من السلطان، وليست البسطةُ بِشَفيع ما لم يكاتِفْها رضا.
على أن البسيلي وإن لم يتولَّ مناصب رسمية -فيما نعلمه عنه-، ولم يفارق انقباضَه عن أولي الأمر، فإن ذلك لم يمنعْه من المساهمة العلمية حين يقتضي الأمر، فقد ذكر عن نفسِه -عَرَضا- أنه شارك في مقابلة كتُب خزانة أبي فارس بجامع الزيتونة، ولم يحُلْ بينه وبين حُسن الثناء على ملوك بني حفص، وإيلائهم من الاحترام والطاعة ما يجب لأمثالهم، فهو يقول في موضعٍ من تفسيره، إثْر كلام طويل: " ... قال كاتبه -عفا الله عنه-: وهذه سيرةُ مولانا السلطان صالح السلاطين ... أبي فارس عبد العزيز بن مولانا أمير المومنين أبي العباس أحمد، في أفعالِه كلِّها مسافرا أو حاضرا -يريد بروره وقصده للخير-؛ وقد ضمَّنْتُ هذا المعنى في قصيدةٍ نظمتُها له، قلتُ فيها:
وأفعالُه ينْوي بها البرَّ كلِّها ... فمنْ قصْده صار المباحُ تعبُّدا
فإمَّا رِباطا إنْ أقام بِساحل ... وإمَّا جهادا إن توتجَّه للعِدَا"
стр. 109
المبحث الثامن: صفاته الخلقية والأعمال التي تولاها
أ - صفاته الخُلقية:
مما يشهدُ له الشرِع، وتؤيِّدُه العادة، أنَّ مَن نشأ في حِجْر نقيٍّ طاهر، وأُرْضع حُبَّ القرآنِ على صِغر، وتَنَقَّلَ في أطوار الحياة، يُسْلِمُه طوْرٌ لطور، وهو يعُبّ من حياض العلم، ويتفيؤ ظلالَ مجالسه، لا يمكن ولا ينبغي له إلا أن يكون شخصا متخلِّقا أُشْرِبَ حب الدين، وبدا ذلك في سلوكه، وصار سمة لازبة له؛ والبسيليُّ لم يعدم الأصل الطيّب، فقُعْدُدُ نسبه يزدان بصدور العلم، ورجال المحاريب، وهو نفسُه قد فتح مغاليق عينيْه وهو في المكتب يحفظ القرآن ويجوده، وقد أنفق بعْدُ شطرا من عمره يلزم ابنَ عرفة -يقرأ ويقرئ-، فلا بِدْعَ أن يكون صاحبُنا كما وصفه تلميذه وأعرف الناس به، أبو عبد الله الرصاع، حيث قال: "وكان شيخنا هذا عالما ... عليه وقار ... كثير الصمت، قليل الخوض فيما لا يعني؛ عليه آداب العلم من وقار وسكينة".
صفةٌ أخرى، لا تخطئُها العين في تلافيف كتاب البسيلي، وهي إنصافُه البالغ، وذلك داعيه -مثلا- إلى أن يخلع صفة الحذق على قرين له في الطلب، حين أنشدَه تخميسا لأبيات للأبي في ابن عرفة. وحاديه إلى أن ينقل عن تآليف مخالفي ابنِ عرفة، دون أن يكون لما شَجَرَ بينهما دخلٌ في الاستفادة العلمية، كنقْلِهِ عن الضرير المراكشي، وابن خلدون.
стр. 110
وليس يخفى على القارئ اللبيب نزوعُ صاحبنا إلى التصوف، وتبجيلُه الجلي للقوم، فهو يحكي عن أبي محمد المرجاني، وأبي الحسن المنتصر، بلفظ سيدي. ويصِفُ المتصوفَ أبا محمد عبد العزيز المهدوي بالشيخ الصالح العالم، وهي أوصاف لم يُحَلِّ بها غيرَ شيخِه وعمِّه. بل إنه لَيَعتقد فيهم اعتقادا لا يخامره ريب، وينقل حكاياتهم من غير توقف؛ فقد قال عند قوله تعالى: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّن بَاقيَةٍ﴾:
"فإنْ قلت: قد قيل إن هذه الهيئة العادية، التي عند قرطاجنة، من بناءاتهم؛ وقد أَخْبَرَ سيدي محرز في "كتاب كراماته" أنه التقى عند المعلقة بالخضر ﵇ فأخبره بذلك، وبأشياءَ من أمورها غير واحدة". قلت: ليس على الله بمستكثر أن يخص من يشاء أنى شاء بما يشاء من مواهب الفيوضات، وفتوحات الغيب، ولكن حكايات الصالحين وكرامات الأولياء رضوان الله عليهم، لا تصلح دليلا على كلام الله، ولا حجة يستنصر بها المتأول لمعاني الذِّكر.
ْوهو بعدُ ينقل عن أصولٍ للتصوف، كرسالة القشيري وحلية أبي نعيم، وإحياء الغزالي؛ بل إنه لينقل نصا طويلا عن أبي مدين شعيب الأندلسي -أحد القائلين بوحدة الوجود-، وينشد أبياتا تنسب للشوذي المتصوف الغالي، صاحب النحلة.
стр. 111
ولكن البسيلي متصوف على طريقة الزهادة والأخذ بالرقائق، ولذلك نأى عن شطحات بعض المتصوفة، ولم يُحْجِمْ أن يرد عليهم، فعندما نَقَلَ عن أبي عمرو عثمان الصقلي قولَ ابنِ عربي الطائي في قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾، أن المراد به طلوع شمس الحياة من مغرب الأبدان!، تدخّل وقال: "قلت: هذا لا ينبغي اعتقاده". وحين عَرَضَ لحديث "من رآني فقد رآني حقا"، ذَكَرَ مذاهب أهل العلم في تأويله دون أن يحمله على مقتضى ظاهِرِه، كما يفعل بعضُ غلاة المتصوفة، ثم قرَّرَ أنه لا يثبتُ حكمٌ بالمرائي النومية.
ب - الأعمال التي تولاها:
نذر البسيلي نفسه للعلم، فلم يُنقل عنه أنه تولى منصبا سياسيا أو إداريا أو رسميا، بل اقتصر على التدريس بالمدرسة الحكيمية أو الإقراء بسقيفة داره، حيث كانت تقصده الطلبة تسأله عن المسائل المشكلة.
стр. 112
المبحث التاسع: ثناء العلماء عليه
- الرصاع:
أ - "الشيخ الفقيه العالم".
ب - "كان عالما مشاركا".
ج - "كان عارفا بالمنطق".
د - "كان الرجل كثير الصمت قليل الخوض فيما لا يعني، عليه آداب العلم من وقار وسكينة، وكان يقرئ بسقيفة داره كثيرا، وتقصده الطلبة تسأله عن المسائل المشكلة".
- أحمد بابا التنبكتي: "الشيخ العالم المفسر، المحصل".
- ناسخ "محاذي مختصر ابن عرفة الفقهي" للبسيلي "الشيخ الفقيه الإمام المتفنن".
- الأدنه وي: "العالم التقي الفاضل الزكي الشيخ".
- الزركلي: "مفسر من أهل تونس".
- محمد محفوظ: "الفقيه المفسر".
стр. 113
الفصل الثالث دراسة الكتاب
وفيه مباحث:
١ - اسم الكتاب وتوثيقه.
٢ - تحقيق نسبته إلى البسيلي.
٣ - قصة اختصار التقييد الكبير، وتاريخه التقريبي.
٤ - منهج البسيلي في الكتاب.
٥ - مصادر البسيلي في "نكت وتنبيهات".
٦ - المقارنة بين تقييدين عن ابن عرفة: تفسير البسيلي وتفسير أبي القاسم الشريف السلاوي.
٧ - عناية العلماء بتفسير البسيلي والنقل عنه.
٨ - مآخذ على المؤلف.
٩ - عمل ابن غازي في "تكملة النكت".
١٠ - نقد تحقيق مقدمة "نكت وتنبيهات".
١١ - وصف النسخ الخطية ومنهجي في التحقيق.
стр. 114
المبحث الأول: اسم الكتاب وتوثيقه
جُلُّ المترجمين يطلقون على الكتاب "التقييد الصغير"، تمييزا له عن الكبير، وهم في ذلك لا يستندون إلى تسميةِ الشيخ لكتابه، ولا لتسْمية المترجمين، متجاهلين الصنيع الأسلم من استخراج التسمية من صلب الكتاب حين لا يسميه مؤلفه. وعذيري في تسمية الكتاب بـ "نكت وتنبيهات في تفسير القرآن المجيد"، أمور ثلاثة: الأول أنها تسمية مأخوذة عن كلام المؤلف في ناصية الكتاب: "قصدت في هذا التقييد جمع نكت وتنبيهات في تفسير القرآن المجيد"، والثانية أن هذا العنوان ورد هكذا في مخطوطتين للكتاب: ن خ ع ق ٢٧١ ون الزاوية الحمزية رقم ٦٩٣. الثالث، أنها التسمية الأكثر إعرابا عن مضمون الكتاب ومادته، ناهيك أن وصف الكتاب بالتقييد، يغض من شأنه؛ إذْ عهد الباحثون أن التقاييد لا تتخذ شكل التأليف المنهجي المستقل، ووقر عندهم أنها إلى التعليقات العابرة أقرب، وبالكناشات المدرسية أشبه، والله أعلم.
стр. 115
المبحث الثاني: تحقيق نسبته إلى البسيلي
ما من شك في صحة نسبته إليه، فقد صرحت بذلك مصادر كثيرة، منها:
- نيل الإبتهاج، لأحمد بابا التنبكتي: (٧٧).
- كفاية المحتاج: (١/ ١٠٨؛ رت: ٥١).
- الحلل السندسية، للوزير السراج: (ج ١ /ق ٣: ٦٥٠).
- تكملة ابن غازي: ١ - ظ.
إضافة إلى التصريح بالنسبة في كل نسخ الكتاب المخطوطة.
стр. 116
المبحث الثالث: قصة اختصار التقييد الكبير وتاريخه التقريبي
أ - تاريخ تأليفه:
حضر البسيلي درس ابن عرفة سنة ٧٨٣ هـ، حسبما أفاد طَيَّ تفسيره، ومكث بعد ذلك عشرين حجة يتتلمذ لشيخه، يختمُ عنده التفسير، وهي مدة ليست باليسيرة، تخوِّل لصاحبنا أن يبدئ ويعيد في تنقيح مسودة كتابه ومدوّناته، بل نفْض يده منه، ولكنه عكْسَ المتبادِر لم يأت على إتمامه إلا بعدَ وفاة شيخه، بل بعدَه بأربع سنوات على الأقل؛ تأويلُه أنك تجده ينقل عن ابن عرفة -وهو يتحدث بلسان الأشاعرة- أنه "يجوز أن يَقْدِرَ الجسم اللطيفُ على حمل الجسم الكثيف ... ويشهدُ لهذا ما جرى في عام ٧٧١ هـ، كيف رَمَتِ الريحُ الأشجار العظيمة. قلت - (أي البسيلي) -: ووقع مثلُه بتونس في عام ستة وثمانمائة (٨٠٦ هـ)، وُجد في صبيحة تلك الليلة كثيرٌ من الأشجار العظيمة من الزيتون وغيره، ورأيتُه عِيانا مطروحا على وجه الأرض"، وهو يذكر في موضع آخر تاريخ ٨٠٨ هـ.
ونخلُص مما يَشف عنه هذا النص إلى ما يلي:
- أن البسيلي مكث يؤلف كتابَه أو يتعهده على الأقل حتى بعد وفاة ابن عرفة، ويقْوَى هذا الأمرُ بضميمة أننا نجد في "نكته" الصغرى والكبرى، ترجمة محررة لابن عرفة وضبطا لتاريخ وفاته.
стр. 117
- أن البسيلي لم يبرحْ تونس بعد وفاة ابن عرفة، حيث ألفته سنة ٨٠٦ هـ ثمة، مما مكَّنه من الشهادة على الإعصار الذي ضرب المدينة، ثم هو يذكر أنه قرأ "الشفا" على أبي الفضل بن القاسم بن أبي الحسن علي الأندلسي، بجامع الزيتونة، سنة ٨٠٨ هـ.
- أن مطالبة الأمير محمد بن أحمد الحفصي المعروف بالحسين -ابن السلطان أبي العباس التونسي، وأخ السلطان أبي فارس صاحب تونس- صاحبَنا بالتقييد الكبير، كانت بالبتِّ بعد سنة ٨٠٨ هـ وقبل سنة ٨٣٠ هـ، ولهذه المطالبة قصة سترِدُ بعد:
ب - قصة اختصار "التقييد الكبير":
ساق التنبكتي قصةً ذاتَ دلالة -تلقَّفَها عنه المؤرخون من بعدِه-، مفادها أن البسيلي لما أتم تأليف "التقييد الكبير"، سمع بذلك الأمير الفقيه الحسين، الآنفُ الذكر، فراسَلَه وطلبه منه، فامتنع البسيلي ومَاطَلَه أياما، ثم أرسل الأميرُ إليه وأمر رسلَه أن لا يفارقوه حتىِ يسلِّمَه لهم، فلما رأى الشيخ الجِدَّ في الأمر، أَخَذَ منه سورة الرّعد إلى الكهف، ودَفع لهم الباقي فمشوا به.
وتشي القصةُ بأن ما بين الأمير والبسيلي مِن وُدِّ الصحبة أيامَ الطلب قد انفرط عِقْدُه بعروج ذاك إلى مِرْقَاة الحكم -إذْ حاول تسَنُّمَ ذُرَاهُ بانقلاب فاشل أوْدى به-، وانزواءِ هذا في دارِه مقرئا بسقيفتها، أو لعله على الأقل قد وَهَى إلى قدْرٍ لم يَدَعْ دَالَّةً للأمير على صاحبه، ولا درأه إلى موافاته بطَلِبَتِه؛ ولسنا على ذُكْر من الداعي للبسيلي أن يمنع الأمير مُرَادَه، فلعله أن يكون قد فرغ من "التقييد الكبير" ولما يَرْتَضِ إبرازَه لِبَدَاءٍ أو تنقيح أو تلَبُّثٍ، وإخراجُه من يده قاطعٌ لأي تغيير واردٍ بعدُ.
ويبدو من إصرار الأمير على تحصيل الكتاب وإلحاحِه في ذلك، مبلغ ما يعرفه للكتاب من قدْر؛ وهو أهلٌ لأن يعرفه، فقد كان من جِلَّة فقهاء تونس وعلمائِها.
أمرٌ آخر تصرح به قصة "كفاية المحتاج"، وهو أن الداعي لاختصار التقييد الكبير، هو مطالبةُ الأمير؛ ولعل ذلك ما أَعْجَلَ صاحبَنا عن إتمام اختصاره، حين خلتْ يدُه من الأصل، فوقَفَ اختصارُه عند سورة الصف.
стр. 118
المبحث الرابع: منهج البسيلي في الكتاب
١ - اعتماده على القرآن الكريم:
لا غِنى للمفسر عن تلمُّس معنى الآية في القرآن إنْ وُجِدَ، إيضاحاً لمبهم، أو تفصيلا لمجمل، أو دفْعا لتعارض، أو تدليلا لحكم، أو استظهارا لمعنى، وقد استغل البسيلي هذا المعطى ووظّفه خلال كتابه وإنْ بشكل محتشم، بيْدَ أنه لم يتضح عنده اتضاحا يصبغُ تفسيره بميسم أَثَرِيٍّ، وإنما كان يلتمع خلال الكتاب على استحياء.
وهو لا يلتزم عند ذكر الآية إيرادَها برُمَّتها، بل يقتصر في الجُلِّ على موضع الشاهد منها، حتى إذا طالتْ أطلق لفظ الآية تعويلا على القارئ الحافظ، وهو لا يذكرُ اسم السورة إلا لماما بلْه أن ينُصَّ على رقمها.
فتارة يأتي بآيات نظيرةٍ في اللفظ، مستقْريا وجودَها في القرآن، لإجرائها على وجهٍ واحد في التأويل، كما في قوله تعالى: (فَزَادَهُمُ)، حيث قال: "لَهَا نظائِرُ في آلِ عِمْرَان (فزَادَهُمْ إِيمَاناً)، وفيٍ الأَنفال (زَادَتْهُمْ إيمَاناً)، وفي بَرَاءَة (زَادَتْهُمْ إِيمَاناً)، (فزَادَتْهُمْ رجْسا)، وفيِ مرْيم (وَيَزِيدُ اللهُ الذِينَ اهْتَدَوْا هُدى)، وفي النَحْل (زَدْنَاهُمْ عَذَاباً فوْقَ العَذَابِ)، وفي الأحْزَابِ (يُضَاعَفُ لَهَا العَذَابُ ضِعْفَيْن)، وفي الفتح (لِيزْداَدُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ)، وفي
стр. 119
القتال (وَالذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً)، وفي المدثِّر (وَيَزْدَادُ الذِين آمَنُوا) ".
وحيناً يورِد نظير الآية في المعنى، كما في قوله تعالى: (قلَ اَتَخَذتُّمْ عِندَ اَللهِ عَهْدًا)، حيث قال: "ونظير هذه الآية قوله تعالى: (وقالوا لن يدخل الجنة) الآية، إلى قوله: (قل هاتوا برهانكم) ". ومثل ذلك أيضا قوله عند قوله تعالى: (مَا خَلَقْت هَذا بَاطِلاً) إذ قال: "ومثلُ هذه الآية، (مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ والارْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إلاّ بالحقِّ) ولها نظائر". وكقوله عند قوله تعالى: (وَجَعَلَ بَيْنَ اَلْبَحْرَيْن حَاجِزًا): "هذا كقولِهِ: (مَرَجَ الْبَحْريْن يلْتَقِيَانِ بيْنَهُمَا بَرْزخ) ".
وقد يجمع بين التنظير اللفظي والمعنوي كما في قوله تعالى: (وَمَنَ اَظْلَمُ)، حيث قال: "وَقَع هذا اللفظُ في آيات، والجمعُ بينها بالتساوي".
стр. 120
وقد يأتي بالآية مفسِّرة لمصطلح شرعي، فقد استدل بقوله تعالى: (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ)، على أن الخلق في الشرع قد يُطلق تارة على المخلوق، وتارة على "الإنشاء والاختراع والتكوين" كما في قوله تعالى: (إِنَّ في خَلْق اِلسَّماواتِ).
ولربما يأتي بالآية تخصِّصُ عمومَ أخرى، كصنيعِه عند قوله تعالى: (ليْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ)، فقد قال: "هذه أعمّ من آية (إتك لَا تَهْدِي مَن أَحْبَبْت)؛ لاقتضاء هذه نفيَ التكليف بالهداية، وإثباتَ القدرة عَليها لله تعالى؛ وتلك اقتضت نفي كون الهداية مقدورة له، وإثبات القدرة عليها لله تعالى". ومثل ذلك قوله عند قوله جل وعزٍ: (أوِ اِنفِرُوْا جَمِيعاً): "هى مخصوصة بآية (وَمَا كانَ المُومِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّة) ". وعند قوله تعالى: (إلا أَن تَفْعَلُوْا)، قال: "هو أعم من قوله: (وَأُولُوا الاَرْحَامِ بَعْضُهُمُ أَوْلَى بِبَعْضٍ) وقال عند قوله تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِثقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ): "يجب تخصيصه بقوله تعالى: (ربنا لا تواخذنا إن نسينا أو أخطأنا)، كما خصص به صدر تلك الآية، وهو (وإن تبدو ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله).
ومرة يأتي بآية تعضد ما استشفه من معنى في الآية، كما في قوله تعالى: (وَلَوْ يُعَجِّلُ الله لِلنَّاسِ اِلشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْر ... )، حيث قال: "الآية تدلّ على مَرْجوحية الاستعجال مطلقاً؛ كما في قوله: (إِنَّ هَؤُلاَءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ).
стр. 121
وقد ينتقد تفسيرا للآية، فيستشهد على ما يخالفه بنص قرآني، كقوله عند قوله تعالى: (فَأَوجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً): "قولُ ابنِ عطية: أضمر في نفسِه خيفةً، أعني أَدْركَ خيفة". صوابُهُ: تَصَوَّرَها في ذهنِه لَا أدْركَها؛ لقولهِ تعالى: (إِنّي لَا يخَافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ) ".
وهو حين يقرر قاعدة نحوية، يطلب لها شاهدا قرآنيا، كما في قوله: "لَوْ" إنما تِدخلُ على ما يُتوهم إخراجُه مما قبله، حسبما قاله النحويون ... في قولِه تعالى: (وَمَا أنتَ بِمُومِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقينَ).
وقد يوضّح فرقا لغويا، فينتصر له بالتعبير القرآني، كما فعل عند تفريقه بين الإفك والكذب، حيث قال في قوله سبحانه: (إِفْكٌ): "الإفْكُ ما خالفَ العلْمَ الضروريَّ، والكذِبُ ما خالفَ النَّظريَّ؛ ولِذا قالَ: (إِنَّ الذينَ جاءوا بالإفْكِ) ولَمْ يقلْ "بالكذِبِ".
وأحيانا يورد الآية للاستدلال بها على حكم فقهي، كقوله: "قلت: واستدل المالكية على أن العظام من أجزاء كل حيوان تابع للحمه؛ فمتى حكمنا للحم بالطهارة حكمنا بذلك للعظم، لأنه مما تحله الحياة، لقوله تعالى: (قُلْ يُحْيِيهَا الذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَةٍ) ".
٢ - إيراده للقراءات القرآنية:
لم يقتصر جهد البسيلي على نقل القراءات كزوامل الأسفار، ولا التكثر بها، بل وظفها أحسن توظيف، وتمثلها في تفسيره أحسن تمثل، واعتبرها من أعون الوسائل
стр. 122
على فهم معاني كتاب الله، باعتبارها وجوها دلالية أغنت المعنى، ويسرت القرآن للذكر. وأول ما يناسب ذكره هنا أنه يقدم القراءة المتواترة أبدا، دون أن يمنعه ذلك من إيراد الشاذ، ناصّا عليه، ذاكرا إياه بذَيْل الأول.
وغالبا ما يوردُ القراءة للاحتجاج بها على وجْهٍ نحوي، أو لتوجيهها؛ وهذه أمثلة من ذلك:
- المثال الأول: قوله: "إن العامل إذا أُضْمِر ضغف عملُه، وإذا تقدّم معمولُه عليه ضعف عملُه أيضا، تقول: "لزيد ضربت"، ولا يجوز: "ضربت لزيد" إلا في ضرورة، وتقول: "ضربت زيدا"، فإنْ قدمْتَ "زيدا" جاز رفعُه على الابتداء لضعف عاملِه بتأخيره عنه؛ ومنه: (وَكلٌّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى) على قراءة ابن عامر".
- المثال الثاني: قوله عند آية: (وَمَا ظَنُّ الذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ اِلْكَذِبَ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ): "أبو حيان: العاملُ في "يَومَ" "ظنُّ" المصدرُ، على قراءةِ الجمهور بالرفع. وأَما على قراءةِ " ظنَّ": ماضيا هو بمعنى "يظن" لعملِه في المستقبل. ع: "وعلى القراءتين لا يصحُّ عملُه في "يوم"؛ لأن يوم القيامة لا ظنَّ فيه، إنما فيه اليقينُ، بل العامل محذوفٌ تقديرُه على قراءةِ الجمهور: ما حالُهم يوم القيامة؟، وعلى القراءة الشاذة: ما جزاؤُهم؟ ".
- المثال الثالث: قوله عند قوله تعالى: (مَا هَذَا بَشَرًا): "وقراءَ ةُ الجمهُورِ على لغةِ أهْلِ الحجازِ في عَمَلِ "مَا". وقراءةُ ابنِ مسْعودٍ برفْعِ (بشرًا) على لُغَةِ بني تميم".
وقد يؤيد وجها نحويا بقراءة؛ فمنه ترجيجه أن معنى "مثل" في قوله تعالى: (مَّثَلُ الْجَنَّةِ)، أي "صفة" -وفاقا لأبي حيان-، لا "شبه"، كما قال الفارسي، محتجا لذلك بأن قراءة "أمثال" تؤيد أنه بمعنى صفة؛ لأن "شبه" مصدر، وهو لا يثنى ولا يجمع.
стр. 123
وهو لا يمانع أن يفاضل بين القراءات أيها أبلغ، كقوله عند قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ اِلسِّجْنُ): "قرأَ يعقوبُ بفتحِ السِّينِ على أنّه مصْدرٌ، وقراءَةُ الجماعةِ بكسْرها أدْخَلُ في الشِّدَّةِ؛ لأنَّه اسْمُ مفعول يدُل على قبْحِ المكانِ المُعَدِّ لذلك".
وقد يوجه القراءة على مقتضى الاختلاف، كقوله في (خَيْرٌ): "هو على قراءة الغيبة في (يَجْمَعُون) فَعْلٌ، وعلى قراءة الخطاب فيه أَفْعَل. وقوله في: (نُدْخِلْهُ): "قول الزمخشري: "هو على قراءة الغَيْبة التفاتٌ"، هو على مذهب السكّاكي في مثل هذا؛ لأن المعنى " تلك حدودُنا، ومنْ يطعْنا"؛ وخالَفَه غيرُه. وأمّا على قراءة التكلُّم، فكونُه التفاتاً بَيِّن".
ومما يميز تعامل المؤلف مع القراءات، أنه يحاذي قصيد الشاطبي، ويتتبع بعض مشكلاته، ويتعهده مرارا بالتفسير، وهذه أمثلة من ذلك:
- المثال الأول: قوله عند قوله تعالى: (وَلِتَسْتَبِينَ): "قول الشاطبي:
.................................. يَسْتَبِينَ صُحْبَةٌ ذَكَّرُوا وِلا
مشكل؛ لأن ضد التذكير التأنيث، لكنْ نافعٌ من الباقين قرأ بتاء الخطاب ونصب (سَبيلَ) وغيره بتاء التأنيت، ورفع (سبيل). وجواب هذا الإشكال، أن الشاطبي اعتبرَ اللفظ، وهو واحد في الخطاب والتأنيث. وجواب آخر، وهو أن يكون المعنى: "ولتستبين أمتك"، والتاء للتأنيث".
- المثال الثاني: قوله عند قوله جل وعز: (أَرْجِهِ): "قول الشاطبي:
وَعَى نَفَرٌ أَرْجِئْهُ بِالْهَمْزِ سَاكناً .............................
стр. 124
يوهم أن قراءة الباقين بالهمز غير ساكن؛ وجوابه أن القراءة ما دخلت عليه الباء، وهو الهمز".
غير أن هذا التوفيق في استغلال القراءات، لا يمنع أن هناك بعض المآخذ على المؤلف، ولعل أكبرها، هو ما نقله عن شيخه ابن عرفة من أن المقصود بالأحرف السبعة، القراءات السبع، من دون أن ينبه على ضعف هذا الرأي ومخالفته لما انعقد عليه رأي الجمهور.
وتتخلل "الكبير" مناقشات تتعلق بقضايا قرائية من قبيل: هل السبع متواتر؛ وهو مضمَّنُ سؤالٍ وُجِّه لابن عرفة فأجاب عنه، وحشَدَ له الخلاف، ونقله البسيلي برمته.
وقد تعامل البسيلي مع مصادر قرائية مهمة، من قَبيلِ "الهداية" للمهدوي، و "لامية" الشاطبي، و "مشكل إعراب القرآن" لمكي بن أبي طالب القيسي، و "التبيان" العكبري، و "القصيدة الحصرية في قراءة نافع" للحصري الضرير.
٣ - عنايته ببعض علوم القرآن:
من خلال:
أ - التعريف بعلم التفسير في اللغة والاصطلاح .
ب - جمع القرآن:
حيث عقد فصلا في إثبات أنه تهيأ لثلة من الصحابة أن يجمعوا القرآن في عهد النبي ﷺ ، واستظهر لذلك بكلام المازري وعياض وابن عبد البر في المسألة، كل ذلك في
стр. 125
معرض الرد على قول ابن عطية إنه كانَ القُرْآنُ في مدةِ رسُولِ اللهِ ﷺ مُتَفَرّقاً في صُدُورِ الرِّجال.
ج - المكي والمدني:
يميز تعامل البسيلي مع هذا العلم القرآني المنيف، سمات بارزة، منها:
(أ) أنه لا يكتفي بسرد الخلاف في كون السورة أو الآية مكية أو مدنية، بل يحاول اعتمادا على ضوابط علمية أن يرجح نوعها؛ فمن ذلك صنيعُه مُفْتَتَح سورة الأنفال، حيث قال: "الزمخشري: مدنية. ابن عطية: إلا قوله: (وَإِذْ يَمْكُرُ بكَ الذِينَ كَفرُوا).
قال شيخنا: سببُ القولين أنها ليلة خروجه ﷺ مهاجرا إلى مكة، فَمَنْ رأى أن اسمَ الهجرةِ إنما يصدُقُ بعد استقرارِه ﷺ بالمدينة قال: هي مكية، ومَنْ جَعَلَه مِنْ حِينِ خروجِه قال: مدنية".
مثال آخر عند سورة الرعد، حيث قال: "نقل ابن عطية هلْ هذهِ السورةُ مكيةٌ أوْ مدنيةٌ؟. والأرجح أنها مدنية؛ لأنه إذا تعارض التقدم والتأخر، عمل على المتأخر لاستلزامه المتقدم".
(ب) أنه لا يسلم باطّرادِ الأقوال بمكيةِ أو مدنيةِ السورة وقد يردُّها، اعتمادا على قرينة راجحة أو ضابط علمي مختص:
مثاله أنه رد قول ابن عطية في سورة القصص إنها مكية إلا قوله: (إِنَّ الذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّك إلَى مَعَادٍ)، لأنها نزلت بالجُحْفة، في وقت هجرته ﷺ إلى المدينة. ورأى فيه نظرا لقولهم: ما نزل قبل الهجرة مكي وإن نزل بغير مكة. وما نزل بعد الهجرة مدني وإن لم ينزل بالمدينة؛ ولذا قال الزمخشري هي مكية، ولم يستثنِ.
стр. 126
(ج) أنه قد يحدد عند استثناء المكي من المدني أو العكس، مكان نزول المستثنى، دليلا على استثنائه، كقوله في الآية قبل إنها نزلت بالجحفة.
(د) أنه يتوسل بمعرفة المكي والمدنى إلى توجيه المتشابه القرآني، أوْ رَدِّ تأويل؛ فمن الأول ما وقع له عند قوله تعالى: (هذا البلد آمنا)، حيث قال: "وفي سورةِ البقَرةِ (بلداً)؛ لأنَّ هذه مكية، وآيةُ البقرةِ مدنية، والمَكِّيُّ متقَدِّمٌ".
ومن الثاني رده لقول من قال في قوله تعالى: (وَرَفَعنَا لَكَ ذِكْرَكَ): معناه، "جعلنا اسمك مقارنا لاسمنا في الأذان والخطبة"، بأن الأذان شرع بالمدينة والسورة مكية.
(هـ) أنه يكتفي بعدِّ الأقوال، عند اتساع الخلاف إلى قدر يعسر معه الترجيح، كما فعل بُداءةَ سورة الحج، عند قوله: "حكى ابنُ عطيةَ والزَّمخشري في كونِها مكيةً أوْ مدنيةً سبعةَ أقوالٍ".
(و) أنه يجعل المكي والمدني قرائن في أولية النزول، مثلما فعل عند قول الله جل وعز: (هل أتاك حديث موسى)؛ حيسا نقل أن هذا -والله أعلم- أول ما نزل من قصص موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، لأن السورة مكية.
(ز) أنه يذكر ضوابط معرفة المكي والمدني للتمييز بينهما، وهذا قدر زائد على نقل الأقوال:
ومنه قوله: "الأكثر في المكي من القرآن العزيز، الوعد والوعيد والبراهين على الحشر والنشر ونحو ذلك، وأكثر الأحكام في المدني".
стр. 127
د - أسباب النزول:
نصَّ المؤلف في مناسباتٍ مختلفة على سبب نزول الآية، عندما يكون لها سبب واحد، كذِكْرِه عند قوله تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْه)، أن الآية نزلت في قتل حمزة والتمثيل به.
وقد يذكر للآية سببين، فيحمل ذلك على تكرار النزول، كما نص العلماء، مثاله قوله عند قوله تعالى: (وَمَا كانَ لِمُومِن وَلا مُومِنَةٍ إذَا قَضَى الله ورسولُه أمْرًا أنْ تَكونَ لهم الخِيَرَةُ من أمرهم): "لأن زينب لمَّا خطَبها رسول الله ﷺ لزيد، امتنعت هي وأخوها عبد الله، فنزلت الآية فأذعنت وامتثلت أمره. وكذلك أم كلثوم بنت عقبة لما وهبت نفسها للنبي وقَبلَهَا، وزوَّجها لزيد كرهت ذلك هي وأخوها، فالمخالفة منهم قد وقعت، فيلزم عليه إماَ الخلف في الخبر أو كونُ المخالِفِ له غير مومن، فتعَيَّنَ كونُه نهياً، كذا قال ابن عرفة".
وقد ينص على مكان نزول الآية، كبيانه أن آية (إِنَّ الذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّك إِلَى مَعَادٍ)، نزلت بالجُحْفة.
وقد يحكى اتفاقَ المفسرين في سبب نزول ما، كصنيعه عند قوله : (إن المسلمين والمسلمات ... ): " ... قد قال المفسرون: سبب نزولها أَن نساء النبي ﷺ قلن له: "قد ذكر الله تعالى في كتابه الرجال ولم يذكر النساء"؛ فنزلت الآية".
وقد يمنعه تحريه أن ينساق وراء جمهور المفسرين في قضية ما، فتراه يحقق أقوالهم ولا يقبل منها إلا ما أيدته النصوص وشواهد الحال، فمن ذلك أنه تعقب اتفاقهم على أن قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) نزل في الوليد بن
стр. 128
عقبة بن أبي معيط، بأنه لا يصح؛ لأنه كان في زمن النبي ﷺ ابن ثمانية أعوام أو عشرة، فكيف يبعثه رسولا إلى الكفار.
وأحيانا يكون إيراد سبب النزول مقدمة تحصيل معنى معين فحسب، من غير أن يكون السبب بعينه مقصودا، كما وقع له عند ذكر سبب نزول قوله تعالي: (إِنْ يَّعْلَم اِللَّهُ في قلُوبِكُمْ خَيْرا).
هـ - النسخ:
ذكَر البسيلي اختلاف الأصوليين في الاستدلال له بقوله تعالى: (ما ننسخ). ثم عرَض لاصطلاح المتقدمين والمتأخرين في النسخ، عند قوله تعالى: (ليس عليك هداهم). حيث أورد قول ابن عطية: "نُسخ ذلك بآيات (إنما الصدقات للفقراء) الآية"، ثم بين أنه على اصطلاح المتقدمين من أن ذلك نسخ، والمتأخرون يقولون: العام إن عمل به ثم ورد بعده الخاص فهو ناسخ، وإذا كان قبل العمل به فهو تخصيص لا نسخ. وهذه قاعدة في الفرق بين النسخ والتخصيص.
وهو يستشكل قول اليهود الذي نقله القرآن على لسانهم في قوله تعالى: (حتى ياتينا بقربان تأكله النار)، بأنهم أنكروا النسخ حسبما تقرر في أصول الفقه، وهذا القول منهم إقرار بالنسخ؛ لاقتضائه أن شريعتهم تنسخ إذا أتاهم رسول بقربان تأكله النار. ثم يجيب عن ذلك.
والبسيلي يتثبت في دعوى النسخ، وقد يردها تنزيلا للقواعد الأصولية، كصنيعه في تعقب قول ابن عطية عند قوله تعالى: (وما أدري ما يفعل بي ولا بكم): "هي
стр. 129
منسوخة في أحد التأويلات"، حيث رده بوجهين أحدهما أنه خبر، والخبر لا ينسخ.
وفضائل القرآن:
يرتبط التدليل على فضل آية أوآيات أو سورة بعينها عند البسيلي بعلة من العلل يوقِفُ القارئ عليها، فهو في استدلاله على فضل سورة يس يعلل ذلك بما فيها من تقرير الحشر بأضفى مما في غيرها. فيورد قوله ﷺ : "إن لكل شيء قلبا وقلب القرآن يس"، ثم يردفه بقول الغزالي: "وذلك لأن الإيمان يحصل بالاعتراف بالحشر، وهو مقرر في هذه السورة بأبلغ مما في غيرها، فلذا جعلت قلبا".
وعندما يُسْلِمُه التفسير إلى خواتم سورة الحشر: (هُوَ الله الذِي لَا إِلَهَ إِلا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَهَادَة) إلى آخر السورة، يستظهر أنها هي المقصودة في قوله ﷺ : "من قال حين يصبح: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ثلاث مرات، ثم قرأ ثلاث آيات من سورة الحشر، وُكِّلَ به سبعون ألف ملك يستغفرون له، وإن مات في يومه ذلك مات شهيدا".
ز - تكرار القصص في القرآن:
حاول البسيلي توجيه التكرار لقصة واحدة في القرآن، في موطنين:
- الأول: عند قوله: "وقدْ ذُكِرتْ قصةُ موسى في القرآنِ بألفاظٍ مخْتلفة، فإما أنْ يكونَ الواقعُ جميع ذلكَ وذُكِرَ مفرَّقاً في سُوَرٍ، أوْ نُقلَ بالمعنى".
- الثاني: عند سوقه لسؤال ورد على ابن عرفة من بلد قفصة عن تكرير القصص في القرآن في مواضع بألفاظ مختلفة. فكان أن نقل عن شيخه أوجها ثلاثة:
أ - أن الوفود كانت تاتي أفواجا، فيحضر بعضهم القصة ويسمعها دون بعض، فكررت ليعلمها الجميع.
стр. 130
ب - أنه ليس كل الناس يحفظ كل القرآن، فكررت لتقع في البعض المحفوظ.
ج - أن ذلك مبالغة في القصِّ والتحذير.
ح - مناسبات القرآن:
ألَمَّ بها يسيرا، دون أن تغدو ميسما منهجيا يطبع تفسيره، مثلما فعل البقاعي مثلا؛ وهذه أمثلة لما أورده منها:
١ - عند قوله تعالى: (وَءَايَةٌ لهُمُ أَنَا حَمَلْنَا ذُرِّيَّاتِهِمْ في اِلْفُلْكِ اِلْمَشْحُونِ)؛ حيث قال: "مناسبتها لما قبلها من ثلاثة أوجه".
٢ - عند قوله تعالى: (تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)؛ حيث قال: "وجهُ مناسَبتهِ ظاهرٌ، وهو أنَّهُ تعالى أخبَرَ عنهمْ في قولهِ: (وَإذَا مَسكُمُ الضُّرُّ في الْبَحْرِ) إلى آخرها، بأنهم في حالةِ مسَّهم الضُّر وحَّدُوا الله تعالى وَلجؤوا إليه، فلما نجاهم كفروا، فناسَب في هذه الآية ذكرُ نفيِ نقيضِ فعْلِهم في حالة الإنجاء".
٣ - عند التنبيه على قوله تعالى: (عَدُوًّا وَحَزَناً)؛ إذ قال: "منَاسبٌ لِمَا مَرَّ في قولِه: (وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي) فالحزنُ مُصَرحٌ به، والخوفُ مِنْ لازِم قولهِ (عَدُوًّا)؛ لأنَّ الخوفَ أكثَرُ مَا يُتوقَّعُ مِنَ العدُو".
٤ - عند النكتة الخاصة بقول الله جل وعز: (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزقَ) الآية؛ حيث قال: "ذكَرَ ابن عطية في ربْطِها بما قبلَها ذَمَّ الأغنياء من الكفار. وقرّر بعضُهم ربطَها بوجه آخر، وهو أنها شِبْهُ دليلٍ لما قبلَها، وهو أنه تعالى خَلَقَ من اتّصف بقوله: (الذِينَ يُوفُونَ بعَهْدِ الله) إلى آخره، وخَلَقَ مَنِ اتصف بقوله: (الذِينَ يَنقُضُون) إلى آخر الصفات، وكل ذلك بفضلِه وعدلِه، فكذلك بسْطُ الرزق وتقديرُه".
стр. 131
ط - الأحرف السبعة:
هذا المبحث من مقدمات البسيلي لتفسيره، حين عرض لمعنَى حديثِ "إِنَّ هذَا القُرْآنَ أُنزِلَ على سبْعةِ أحرُفٍ"، ثم نسب لشيخه ابن عرفةَ تفسيرها بالقراآتِ السَّبْعِ المشهورة. وإيراد هذا الرأي على ضعفه دون تعقيب، محل نظر.
ي - مقدار ما فسر النبي ﷺ من القرآن:
حيث عرض بالتفسير لمَا رُوِيَ عنْ عائشة: "مَا كانَ رَسُولُ الله ﷺ يفسِّر من القُرآن إلاَّ آياً بِعَدَدٍ عَلَّمَهُ إيَّاهُنَّ جبريلُ"، ثم توقف في تأويله ورد معنَاهُ إلى مغَيَّبَاتِ القرآنِ وتفسيرِ مجملِه ونحوِ ذَلك، مِمَّا لَا سبيلَ إليهِ إلاّ بتَوْقيفٍ من اللهِ تعَالَى.
ك - العلوم التي يحتاج إليها المفسر:
هذان المبحثان من زوائد "نكت وتنبيهات"، تصدَّرا الكتاب؛ لخصهما البسيلي بإحكام عن أبي حيان.
ل - طبقات المفسرين:
خص هذا المبحث بمقدمة ذكر فيها أن صَدْرَ المفَسِّرِينَ عليُّ ابنُ أبي طَالبٍ، ثم عبدُ اللهِ بنُ عبَّاس، وعنه أَخَذ، ثم عبدُ اللهِ بنُ مسْعودٍ وأُبَيُّ بنُ كعبٍ وزيْدُ بنُ ثابتٍ، وعبدُ اللهِ بنُ عمرِو بنِ العَاصِي؛ ثم مِنَ التابعين الحسن بنُ أبي الحسَنِ ومُجَاهِدُ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، وعَلْقَمَةُ، ثم عِكْرِمةُ والضحَّاكُ بنُ مُزَاحم والسُّدِّيُّ. ثُمَّ حَمَلَ التفسيرَ عُدُولُ كُلِّ خَلَفٍ، وأَلَّفَ الناس فيهِ كعبدِ الرزاقِ، والمفضَّلِ وعلي بنِ أبي طَلْحَةَ والبخاري وغيْرِهم. ثُمَّ إِنَّ محمدَ بنَ جريرٍ الطبري جَمَعَ أَشْتَاتَ التفسيرِ، وقَرَّبَ البَعِيدَ، وشفَى في الإِسْنَادِ. وأما أبُو بكرٍ النقَّاش، وأبو جعفرٍ النَّحَّاسُ، فكثيرًا ما استدْرَكَ الناسُ عليْهِما، وتَبِعَهُما مكيُّ بنُ أبي طالبٍ؛ وأبو العباسِ المهْدَوِيُ مُتْقَنُ التَّأليفِ".
стр. 132
ثم ترجم لمفسرين متأخرين، منهم الزمخشري وابن عطية والفخر الرازي وابن بزيزة التونسي وابن عرفة.
والملاحظ أنه في هذا المبحث -عدا الترجمة لهؤلاء الذين أدار كتابه على النقل عنهم أو انتقادهم- عالة على ابن عطية، ولا مزية له فيه إلا النقل.
٤ - اعتماده على الحديث النبوي:
أفرد البسيلي أحاديث لها صلة وثقى بحقل الدراسات القرآنية، فتكلم على كل واحد منها على حدة، وجعلها مقدمات موجزة ترتبط بإشكالات محورية:
- الأشكال الأول: قدر ما فسره النبي ﷺ من القرآن، وهو مرتبط بحديث عائشة رضى الله عنها: "مَا كانَ رَسُولُ الله ﷺ يُفسِّر من القُرآن إلا آياً بعَدَدٍ عَلَّمَهُ إياهُنَّ جبريلُ".
- الإشكال الثاني: معنى نزول القرآن على سبعة أحرف، ويرتبط بحديث "إِنَّ هذَا القُرْآنَ أُنزِلَ على سبْعةِ أحرُفٍ".
- الإشكال الثالث: الرد على الملحدين في شبهاتهم حول جمع القرآن وعدد من جمعه حفظا على عهد النبي ﷺ ، ويرتبط هذا الإشكال بالخبر الذي فيه: "جَمَعَ القرِآنَ عَلَى عهْدِ رسُولِ اللهِ ﷺ أَرْبَعَةٌ كلُّهمِ منِ الأنْصَارِ: أُبَيُّ بنُ كعْبٍ، ومُعَاذُ بن جَبَل، وزيْدُ بنُ ثَاِبتٍ، ورجلٌ منَ الأنصارِ يُكْنَى أبَا زيْدٍ، وهُوَ مِن قولِ أنسِ بنِ مَالك".
وهذا الإيراد الاستشكالي يلقي الضوء على رغبة البسيلي الظاهرة والمبطنة، في تلافي تعارض القرآن مع الحديث، إذ يراهما كمفسر متكاملين متعاضدين على خدمة المعنى، من ذلك أنه قال عند قوله تعالى: (وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ اَلْمَوْتَ): "الجمعُ
стр. 133
بين هذا وبين حديث "لاَ تَتَمَنَّوا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَسَلُوا الله العَافِيةَ"، بأنّ ذلك كان أولَ الإسلام وقلّةِ المسلمين، فنُهُوا عن تمنِّي لقاءِ العدو، ولأدائِه إلى هلاكهم. أو المعنى في الآية: كنتم تمنون الشهادة؛ أو نزلتْ هذه قبل النهي".
وحين يحتمل حديث مشهور معنى غير مقبول، بطريق التأويل الفاسد، يتوسل إلى دفع التعارض بتأويل الحديث أو بيان معناه الوجيه، فعندما قرر البسيلي أنه لا يثبت حكم بالمرائي النومية، عرج على قوله: "من رآني فقد رآني حقا، فإن الشيطان لا يتمثل بي"، فبين وجه الحق فيه، لكيلا ينخرم ما قرره بإيراد من معترض فهم الحديث على غير الوجه السليم. وحين استدل بعضهم على جواز خط الرمل، بحديث "أن نبيئا من الأنبياء كان يخط، فمن صادف خطه فذاك"، ذكر البسيلي أن الحديث مخرج عند مسلم في كتاب الطاعون، ثم ألمع إلى أن عياضا حكى فيه قولين: في كتاب الصلاة، في حديث "الخط باطل"، وفي باب نسخ الكلام في الصلاة، عن معاوية بن الحكم، وأن ابن العربي أنكره في "أحكام القرآن"، واتفق مع ابن رشد في "الأجوبة" على أن الحديث على معنى الاستبعاد والفرض، وليس المراد أن أحدا يصادف خط ذلك النبي، فهو من فرض المحال.
وإيراده للحديث محكوم باعتبارات، فهو يورده تارة لتحديد مصطلح فقهي، كما فعل عند سوق الخلاف في ترادف القبول والإجزاء، حيث استدل في السياق بحديث "لا يقبل الله صلاة بغير طهور". أو لتفسير لفظة قرآنية كما هو الحال عند قوله تعالى: (ولقد همَّت به)، حيث ساق قول رسول الله ﷺ : "منْ هَمَّ بحسنةٍ فلمْ يعملْها كُتِبَتْ له حسنةٌ، ومن هَمَّ بسيِّئةٍ فلمْ يعملْها ... "الحديث".
وهو يستدل بالحديث لإثبات قضايا مختلفة، فقد استدل على جواز أن يقال "زيد رب الدار" وشبهه، بقول النبي ﷺ : "رب الدابة أولى بمقدمها"، وبقوله أيضا: "أن تلد الأمة ربتها". واستدل على أن من السلام أنواعا أحدها سلام الرحمة، وهو
стр. 134
السلام على الموتى في قبورهم، بقوله ﷺ : "السلام عليكم دار قوم مومنين".
وعلى أن الأرض تحدث أخبارها حقيقة يوم القيامة، استدل عن طريق التنظير بقوله ﷺ "فإنَّهُ لا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المؤَذِّنِ جِنٌّ وَلاَ إِنسٌ وَلاَ شيءٌ إلا شَهِدَ له يوم القيامة".
ويستحضر المؤلف الأحاديث الصحاح عند ردوده على المخالفين، فمن ذلك أنه رد قول ابن عطية أنَّ مَنْ خُيِّرَ بين شيئين يُعَدُّ متَنَقِّلا، بحديث "كلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ". وتعقَبَ ابنَ خليل السكوني في ما وقع له في شرحه للكشاف، من أن السلطان لو أمره إذا دعى إلى معصية فإنه يجب اتباعه، وعدَّه خطأ صُراحا؛ وقال: "حديث مسلم في كتاب الإمارة يرد عليه".
ومن المهم بيان أن البسيلي يتحرى صحة الأحاديث التي يوردها، ولا ينص دائما على أصولها، وقد يسمى راوي الحديث أو يقطعه، وقد يكتفي بالتنبيه على ما في الحديث من انقطاع أو ضعف، بقوله "في صحته نظر"، كما وقع له في حديث "أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك"، ولا ذكر للأسانيد عنده إلا لماما.
والملاحظ أنه حين ينقل الحديث عن عالم به، كابن الصلاح، لا ينص على درجة صحته، اعتمادا على مصدره، كقوله: "وروى ابنُ الصَّلاحِ في "علوم الحديث"، في بابِ "روايةِ الأبناءِ عنِ الآباء"، حديثاً يقتضي اتِّصافَ اللهِ بالحنانِ. وحَكى في سَنَدٍ متَّصل إلى عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁، أَنَّ " الحنَّانَ هوَ الذي يُقْبِلُ على مَنْ أعرضَ عنه، والمَنَّانَ هُو الذي يبْدأ بالنَّوَالِ قبلَ السؤال".
ولكن حين يتعلق الأمر بالنقل عن مفسر غير محدث كالفخر، فإن البسيلي كان يتحرى درجة صحة الأحاديث التي ينقلها عنه، فعند قوله تعالى: (فَقالَ إِني سقِيمٌ)، نقل عن الفخر قوله: "حديث "لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كِذبات"، غير صحيح". ثم رد عليه البسيلي بأنه في صحيح مسلم، ثم زاد على ذلك التصريح بأن
стр. 135
الفخر في الحديث ضعيف، والحديث في مسلم في كتاب المناقب في فضائل الأنبياء، وخرجه أيضا في أحاديث الشفاعة: "فياتي الناس إلى إبراهيم ... فذكر كذباته". ومما يدل على ما مر أنه عندما ينقل الحديث عن المفسرين، فإنه يحاول أن يجد له مصدرا إضافيا ليتأكد منه، مثاله أن نقل عن ابن عطية قوله: "وفعَلَ ذلك نبيُّنا ﵇ قبلَ البعثةِ، حكاهُ النَّقَاشُ، وخرَّجهُ الترمذي"؛ فزاد البسيلي: "ونقلَهُ عِيَاضُ في "الشِّفا " ذكَر أنَهُ انتظر موعدَه ثلاثةَ أيامٍ، وذَكَرَهُ ابنُ ماجة حديثاً". إلا أن هذا الحديث ليس عند ابن ماجة، بل انفرد به من بين أصحاب الكتب الستة أبو داود في "سننه" (٤/ ٢٩٩؛ رح: ٤٩٩٦)؛ كتاب الأدب، بابٌ في العِدَة.
وعدا هذا فإنه لم يغتر بأحاديث فضائل السور، فلم يوردها رغم متابعته لمفسرين أوردوها كالزمخشري. وما طغى به القلم من الأحاديث الضعيفة التي أوردها -على قلتها- جاءت في فضائل الأعمال لا الأحكام، كحديث الترمذي: "مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ: أعُوذُ بالله السمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَيْطَانِ الرجِيمٍ ثلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَرَأَ ثَلاَثَ آيَاتٍ مِنْ سُورَةِ الحشرِ، وُكِلَ بِهِ سَبْعُون ألْف مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُون لَهُ، وَإِنْ مَاتَ في يَوْمِهِ ذَلِكَ مَاتَ شَهِيدًا"، ولربما خرج من العهدة في هذا الحديث، إذ ذكر أنه عند الترمذي وابن حنبل، ومن أسند لك فقد أحالك على تتبع أحوال الرواة حسبما هو مقرر في علم مصطلح الحديث.
ومن المفيد الإشارة إلى أن نكت البسيلي قد تضمنت في أحوال نادرة، إشارات عرضية إلى قضايا تتعلق بالصناعة الحديثية؛ كمناقشة قضية تعداد الأحاديث المتواترة، وهل يصح أنها لا تتجاوز حديثين كما عند أبى عمرو بن الصلاح؟. ومسألة نقل الحديث بالمعنى؛ وما هو الأصح من الحديث؛ بيد أن هذه ووصيفاتها إلماعات خافتة، لا تجعل من البسيلي محدثا ولا تطبع كتابه بطابع التفسير بالمأثور، وإن كان -حقا- قد تلافى ما يقع فيه غالب أهل التفسير بالرأي المقبول من تساهل في تحري الصحة في الأحاديث التي يستشهدون بها.
стр. 136
ومما يدل على اهتمام المؤلف بتصحيح أحاديث الأحكام، اعتماده على كتب وقع التسليم لها عند أهل الفن، كأحكام عبد الحق الأزدي الإشبيلي، وبيان وهمه وإيهامه، لابن القطان الفاسي؛ حيث صرع برجوعه إليهما في الحديث الذي نقله الزمخشري آخر سورة الواقعة، وهو "مَن قَرَأ سُورَةَ الوَاقِعَةِ كُل ليلةٍ لم تُصِبْهُ فَاقَةٌ أَبَدًا"، فقال: "أخرجه عبد الحق في "الأحكام" وصححه، وضعفه ابن القطان".
وقد تعامل البسيلي مع الصحاح، البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة ... ؛ ولكنه كان بكتاب مسلم أحفل، وبه أعرف، وبشروحه المغربية أشد ولعا، لا يحتاج ذلك إلى كد في تبينه، فقد نقل عن صحيح ابن الحجاج غير مرة، أكثر من غيره؛ فمن ذلك قوله في مواطن متباينة: "في صَحِيحِ مسْلِم: جَمَعَ القرآنَ عَلَى عهْدِ رسُولِ اللهِ"؛ " ... وحديث "من اغتصب شبرا من أرض، طوقه الله من سبع أرضين"، صحيح أخرجه البخاري ومسلم ... ". "ومن النَسبة للأمِّ محمد بن الْحَنَفِيَّة؛ وفي "صحيح مسلم": "كان ﷺ يحمل أمامةَ بنتَ زينب بنتِ رسول الله ﷺ على رقبتِه في الصلاة". وفي "مسلم" أيضاً، في كتاب الطب "عن زينب بنت أم سلمة". " ... والحديث في مسلم في كتاب المناقب في فضائل الأنبياء، وخرجه أيضا في أحاديث الشفاعة: "فياتي الناس إلى إبراهيم ... فذكر كذباته".
وأما اهتمامه بشروح المغاربة على مسلم فبادٍ أيضا تعضده النقول المتوافرة التي تطرز الكتاب وتوشي تضاعيفه.
والقول الفصل الناتج عن تتبع تصريف البسيلي للحديث، يُنْبي عنْ تَحَرٍّ منه لإيراد الصحيح، وتتبعه في مظانه، مع الخروج من العهدة عند النقل عن المحدثين كابن
стр. 137
الصلاح، والتعويل على مكين عارضتهم، بخلاف حين ينقل عن غيرهم ممن وجهتُه غيرُ الحديث كالزمخشري والفخر؛ وهو ينقل عن كتب الحديث المعتمدة، ويغلِّب الأخذ عن صحيح مسلم؛ وقد يشير إلى الكتاب والراوي من غير اطراد، وهو أكثر تحريا للصحة، حين يكون الحديث دليلا يسوقه للرد على مخالف. وبين يديك جدول سقنا فيه جملا مما ضمنه من الحديث في كتابه، أخذناها اعتباطا من غير روية ولا اختيار، لندلل عند التمييز بين صحيحها وضعيفها على غلبة الصحة على ما يورده المؤلف، وأن ما ساقه من ضعيف، لا يعدو أن يكون خرج من عهدته بالإحالة على مصدره من كتب السنة، أو أن الحديث ليس غير شاهد أو متابع قدَّم المؤلف عليه ما هو أصح منه ثم ذكره عقيبه؛ أو نقله اغترارا بمأخذه كما مر.
الأحاديث الصحيحة:
- من رآنى فقد فقد رآنى ...
- لا حسد إلا في اثنتين
- إنما الأعمال بالنيات
- من كذب على متعمدا ...
- لا يتقبل الله صلاة ...
- الحمد لله حمدا يوافي نعمه ...
- الحمد لله حمدا كثيرا طببا ...
- من همَّ بحسنة ...
- أنزل القرآن على سبعة أحرف ...
- من اغتصب شبرا من أرض ...
- رَبُّ الدابة أولى بمقدمها
- أن تلد الأمة ربتها ...
- السلام عليكم دار قوم مؤمنين ...
- لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات ...
- فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن ...
- لا تتمنوا لقاء العدو ...
- سبقت رحمت غضبي ...
- إن من الشعر لحكمة
- إن نبيا من الأنبياء كان يخط ...
- ... أنه جعل العظم زادهم ...
- ... إنه ليخطر بين المرء وقلبه، فيقول: ....
...
الأحاديث الضعيفة
- من قال حين يصبح: أعوذ بالله السميع ...
- ما كان رسول الله ﷺ يفسر من القرآن ...
- أعط السائل ولو أتاك على فرس.
- إن لكل شيء قلبا، وقلب القرآن يس.
стр. 138
ومما يمت بصلة لما مر:
- الاعتماد على الأخبار الصحيحة، ورد الإسرائيليات والأخبار التي لا مستند لها:
ظهر من خلال نكت البسيلي أنه كان يتحرى مجانبة الأخبار والقصص التي لا أصل لها، خاصة إذا انضافت إلى ذلك ضميمةُ مسِّها بمنصب النبوة، أو تعلقت بالعقائد، مثال ذلك ما وقع له عند قوله تعالى: (وَلاَ في اِلسَّمَاَءِ)، حيث قال: "وفى آية الشورى، لم يقل "ولا في السماء"، فقال صاحب "برهان القرآن": إنما قال هنا (وَلاَ في السَّمَاءِ)؛ لأن نمرودا صعد إلى جهة السماء، وآية الشورى ليس فيها ذلك". ثم تعقب ذلك بقوله: "وهذا يحتاج إلى خبر صحيح".
وأوضحُ منه أن ابن عطية حين قال عند تفسير قوله تعالى: (وَتُخْفِي في نَفْسِكَ): "إن النبي ﷺ وقع منه استحسان لزينب وهي في عصمة زيد. وكان حريصا على أن يطلقها زيد فيتزوجها هو، ثم إن زيدا لما أخبره بأنه يريد فراقها، ويشكو منها غلظة قولٍ وعصيانَ أمرٍ وأذى باللسان وتعظُّما بالشرف، قال له (اتق الله)، أي: فيما تقول عنها، و (أمسك عليك زوجك) وهو يخفي الحرص على طلاق زيد إياها. وهذا هو الذي كان يخفي الحرص على طلاق زيد إياها. وهذا هو الذي كان يخفي في نفسه، ولكنه لزم ما يجب من الأمر المعروف". تصدى له البسيلي فقال: "كلامُ ابن عطية هنا لا يَحِلُّ كتْبه؛ لاقتضائه التّنقيص بلِ الصواب والحق أن الله أوحى إليه أن يتزوجها. وما نقله ابن عطية لم يَرِدْ في حديث صحيح، وإنما ذكره المفسرون".
стр. 139
ولا يمنعه إكبار الفخر، من أن يتعقبه في سوق الأخبار الضعيفة، مثاله قوله: "تكلم الفخر في "الأربعين" على أصل السماء، وأتى في ذلك بأخبار غريبة لا يصح منها شيء".
٥ - منهجه في عرض القضايا الفقهية:
يأتي في ناصية القول، تقرير أن البسيلي فقيه ومؤلف في الفقه أيضا، فقد حاذى مختصر ابن عرفة في الفقه، بمجلدات كثيرة، ونقل مترجموه أنه شرح المدونة؛ وعليه، فقد طبع تعامله مع الفقه، سمات بارزة، أهمها:
(١) أنه مالكي في الفروع:
ذكر ذلك مترجموه، وصرح في مقدمة "مختصر محاذي مختصر ابن عرفة"، أنه وضعه تأليفا في الفقه المالكي، فنص على مذهبه؛ وهو أمر من الظهور في كتابه، بحيث يستغني عن التصريح به، فقد ورد ذكر مالك ﵀ في "نكته" ما يربو على ٢٨ مرة؛ وهذا جردها:
" ... قول مالك في "المدونة" ... "؛ "وفى مذهب مالك ... "، " ... وهو مذهب مالك في "المدونة"؛ " ... وهو الصحيح لقول مالك ... "؛ "والمشهور من مذهب مالك ... "؛ "قال مالك في كتاب الرجم من "المدونة" ... "؛ " ... هذا مذهب مالك وجماعة"؛ "وقال مالك في الأسير ... "؛ "وقد اختلف قول مالك
стр. 140
في مسألة ... "؛ "قال مالك ... "؛ " ... كما قال مالك في "المدونة" ... "؛ "قال مالك في "المدونة" ... "؛ "ووقع الاستحسان لمالك ... "؛ " ... وقال به مالك"؛ " ... وهو مذهب مالك"؛ " ... وهو قول مالك"؛ " ... ولذا قال مالك"؛ " ... عند مالك"؛ "وأجمع المالكية ... "؛ " ... وكذلك قال مالك"؛ " ... ومن هذا المعنى قول مالك ... "؛ "واستدل المالكية ... "؛ " ... وبه احتج المالكية"؛ "وقد سئل مالك ... "؛ "وعلى هذا يشكل قول مالك ... "؛ "واضطرب فيه قول مالك ... "؛ "لكن مذهب مالك ... "؛ "ولذلك قال مالك في كتاب الوصايا من "العتبية".
(٢) أنه لا يذكر الخلاف العالي إلا لماما، ويعتمد ذكر الخلاف النازل داخل المذهب:
- المثال الأول، قول البسيلي عند قوله تعالى: (وَأَدْنى أَلَّا تَرْتَابُوْا): "الشاهد إذا رأى خطَّه ولم يذكرِ الشهادةَ لم يؤدِّها، لِمَا دخل عليه من الرِّيبَة. وفيه ثلاثة أقوال:
стр. 141
(أ) قال في "المدونة": "يُؤديها ولا ينتفع"، وذلك في الدَّين والطَّلاق". قلت: وفائدةُ أدائِها، احتمالُ حكم القاضي بها، ويدلُّ على أنَّ كل مجتهدٍ مصيب.
(ب) في "كتاب محمد": لا يؤديها.
(ج) قال مُطَرِّف وابن الماجِشُون والمغيرة: "يؤدِّيها وتنفع، إذا لم يشُك في كتابه؛ وبهذا العمل".
- المثال الثاني، قول البسيلي عند قوله تعالى: (ذَاتِ حَمْل): "قولُ ابنِ عطيةَ: "العَلَقَةُ هي الدَّمُ العَبيطُ"، يعنى الطريَّ، خلافُ قولِ الفقهاءِ؛ لأنَّهُم فرَّقوا بينَ العلقةِ والدَّم المجتمع. قال ابنُ القاسم في الأَمَةِ: إذا وضَعتْ مِنْ سيدِها دماً مجتمعاً كانتْ به أمَّ ولدَ.
وقال أشهبُ: لَا، حتى تضعَ علقةً. والعلقةُ هيَ القطعةُ الملْتحمةُ التي إذا جُعلتْ في ماءٍ سخن لمْ تنقطعْ، بخلافِ الدَّم المجتمع. وعَكَس عياض في "الإكمال"، نقلَ قولِ ابنِ القاسمِ وأشهب".
وهذان المثالان -ولهما نظائر كثيرة- دالة على علو نفس البسيلي في الفقه، وهو ما هيأه لاستنباط الفوائد الحكمية، وحزّ المفصل في تبيان مقاصد آيات الأحكام، مما يظهر بالتتبع لنكته وتنبيهاته.
(٣) غلبة مؤلفات المدرسة القيروانية والأندلسية على مصادره الفقهية:
فنقوله عن الأوليين، أكثر كما يظهر بالمقارنة؛ فقد نقل من كتب الأفارقة، عن رسالة ابن أبى زيد، ونظائر أبى عمران، وتهذيب البراذعي وأسولة المازري،
стр. 142
وأحكام ابن عبد الحق، وشرح الجلاب للتلمساني، ومختصر ابن عرفة الفقهي.
ومن كتب الأندلسيين في الفقه، استفاد من أحكام ابن العربي، واستذكار ابن عبد البر، وبيان ابن رشد ومقدماته، وتنبيهات عياض.
وتبدو المصادر الفقهية المشرقية أقل، كمدونة ابن القاسم، وتلقين ومعونة القاضي.
٦ - طريقة استغلاله لمفاهيم علم أصول الفقه:
يظهر تمكن البسيلي من علم الأصول، من خلال القضايا الأصولية التي عالجها طي كتابه؛ كقضية النسخ وبعض مباحثه، و "هل الترك فعل أم لا؟ "، و "هل يرد في القرآن ما لا يفهم" وقضية "هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة أم لا؟ "، والاستحسان، وشرع من قبلنا هل هو شرع لنا، وهل الاستثناء من النفي إثبات، ودلالات الأمر عند الأصوليين، وهل الأمر بالشيء نهيٌ عن ضده؟،
стр. 143
وهل وقع تكليف ما لا يطاق، والاختلاف في حد القياس، والخلاف في "هل كل مجتهد مصيب" ... وغيرها من القضايا.
ويميز موقف البسيلي من أصول الفقه، أمور تالية:
- أنه متأثر بمدرسة المتكلمين في أصول الفقه:
ويبدو ذلك من خلال أمرين:
(أ) أنه ينقل عن كتبهم: كمعالم الرازي ومحصوله، وتحصيله للسراج الأرموي، وحاصله للتاج الأرموي، ومستصفى الغزالي، وشرح الحاصل لابن سرور، ومحصول ابن العربي ...
(ب) أنه يتناول قضايا مشتركة بين علم أصول الفقه، وعلم أصول الدين؛ من قبيل:
- التحسين والتقبيح العقلي.
- الخلاف في زيادة الإيمان ونقصانه.
- شيئية المعدوم.
- الخلاف في تعليل أفعال الله.
- الخلاف في ورود ما لا يفهم في القرآن.
- الخلاف في خطاب الكفار بفروع الشريعة.
- هل الأمر يستلزم الإرادة.
- الخلاف في عصمة الأنبياء من الصغائر.
إلا أن الغالب على البسيلي تعامله المدرسي مع هذا العلم، فقلما يشي توظيفه لمعطياته بموقف قاطع من الخلاف في مباحثه، يظهر ذلك من خلال أنه يجعل الآية موضوع النكتة دالة على جواز الشيء، وآية أخرى دالة على منعه؛ فيختفي موقفه،
стр. 144
ويكون الأمر أشبه بتمرين عقلي على عزو الأقوال ومعرفة الخلاف دون ترجيح أو اختيار.
٧ - اعتماده على النحو واللغة:
لا تكاد نكتة أو تنبيه، على امتداد الكتاب من أن تخلو من مناقشة أو ملمح نحوي أو لغوي، وقد اعتمد البسيلي في ذلك على مصادر أصيلة أو خاصة بإعراب القرآن، وأحال على أعمدة اللغة والنحو في المدرستين الكوفية والبصرية.
ويمكن إجمال الخصائص التي طبعت تعامل المؤلف مع النحو واللغة في النقط التالية:
(أ) بيان معاني المفردات اللغوية وأصل اشتقاقها:
وقد تكون هذه المفردات قرآنية صرفة، أو أغربة وردت طي كتب التفسير، كما سيظهر في الأمثلة:
- قول البسيلي عند قوله تعالى: (وَلَقدَ اَخَذْناَهُم بالْعَذَابِ): "الزمخشري: وأخذهُمُ اللهُ بالسِّنيِن حتى أكَلُوا العِلْهِزَ؛ قلت: العلهز هَوَ الدَّمُ المخْتلطُ بالشعر، وقيل: هو القُرَاد".
- قوله عند قوله تعالى: (أَرْجِهِ): "قالوا: أي أَخِّرْه، فَظاهرُه التَرادُفُ.
ع: "أرجه" تأخيرٌ معَ الطَّمعِ في إِعْلالِهِ؛ لأنَّهُ مشتقٌّ منَ الرجاء، بخلافِ "أخِّرْه".
стр. 145
- قول المؤلف عند قول الله تبارك (وَأَنّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ): "هو التناول عن قريب".
- قول البسيلي عند قوله تعالى (أقسَطُ): "وقول الزمخشري: أقسط من قاسط؛ يُرَدُّ بأنَّ الاشتقاق من الفعل لا من اسم الفاعل. وقول ابن عطية: انظرْ هل هو مِن "قسُط" بالضم، لا يصحّ؛ إذْ لم يقلْ أحدٌ فيه".
- قول المؤلف عند قول الله جل وعز (وَلاَ تَهِنُوْا): "قولُ ابن عطية: هو من "وَهَنَ"، ومنه " المومِنُ هَيِّنٌ لَيِّنٌ"؛ لم يتعقبه أبو حيان. ويُرَدُّ بأنَّ "وهن" معتلّ الفاء، و "هيِّن" معتل العين، فالمادة مختلفةٌ".
(ب) بيان الجوانب الصرفية.
- قوله عند قوله تعالى (الشهَوَات): "قولُ أبي البقاء: حُرِّكت الهاء لأنه اسمٌ غيرُ صفة؛ يوهِمُ منْعَ الإسكان، وهو جائزٌ؛ لأنه جمعُ "شهوة " معتل اللام؛ وليست لاَمَ أمْرٍ فيجوز فيها ثلاثة أوجه، منها وجهان يرجعان إلى واحد، وهما إِتْبَاعُ العين الفاءَ وفتحُ العين، حسبما بيَّنَه ابنُ عصفور في باب التثنية والجمع.
وقال ابن مالك:
وَمِثْلُ خُطْوَةٍ وسِدْرَةٍ أَتَتْ ... في جَمْعِهَا لُغى ثَلاَث رُوِيَت"
- قول البسيلي عند قوله جل وعز (بِغَيْرِ عَمَدٍ): أبو حيان: "عَمَد" اسم جمع لا جمع، ومن قال إنه جمع، أراد أنه يفيد ما يفيده الجمع، لا أنه جمع حقيقة". ثم قال: "ومفرده "عماد""، وهو خلاف قوله أولا لاقتضاء هذا أنه جمع.
والجواب أن مفرده "عماد"، لم يُبْنَ الجمعُ عليه".
следующие страницы →