ومِنْ فهْرَسَةِ اللبلي: "قال أحمدُ بنُ محمدِ بنِ خِلِّكَان في تاريخهِ: الإمامُ فخرُ الدِّين، هو أبو عبدِ اللَّهِ محمدُ بنُ عمرَ بنِ الحسينِ بن الحسن بن عليِّ البَكْريُّ الطبَرِسْتَانِي الأصْلِ، الرَّازي الموْلِد، المعروف بابن الخطيب.
стр. 247
ولد في خامس عشرين من شهر رمضان سنة أربع وأربعينَ وخمسمائةٍ بالرَّي، وتُوفي يومَ عيدِ الفِطْر، سنةَ ستٍّ وستِّمائةِ بِهَرَاة، مِنْ أعمالِ خُرَاسَان، ودُفِنَ آخرَ النهارِ بالجبل الْمُصَاقِبِ من قريةَ مزداخان.
أخَذَ الأصُولَ عنْ والدِه، وأَخَذَ والدُه عنْ أبي القاسِمِ سليمان بنِ ناصرٍ الأنْصَارِي".
وذَكَرَ لي شيخُنَا الخُسْروشاهي بِدِمشق أَشْيَاءَ مِنْهَا، أنه ما كان يُنْفِقُ إِلا مِن نَسخه. وأخْبَرَني ابنُ الطباخ بالقاهرة، أنَّ بعضَهُمْ كانَ
стр. 248
يَحضُرُ تدريسَ ابنِ الخطِيبِ، ويقعُدُ بَعيداً، فَقَال له ابنُ الخطِيبِ: لِمَ تَبْعُدُ عنا؟. فقال: مجلسُكَ البحْرُ، وأَنَا امْرُؤٌ لَا أُحْسنُ السَّبْحَ فأخشى الغَرَق؛ فقَرَّبَهُ منْه. وأخْبَرَني بها أَيْضاً، أنَّه كان يقْرأُ على ابنِ السَّكَّاك النَّحْوَ، يذهبُ إليهِ بعدَ فراغِ مجلسِه، فَعظُم على ابنِ السَّكَّاك مجيئُهُ، وقال له: أنت إمامٌ حقُّك أنْ يُؤْتى إليكَ. فقَال لهُ ابنُ الخطِيب: هذا الذِي أفعلُه هو الواجِبُ. قال ابنُ السَّكَّاك: بَحَثَ مَعِي الإمامُ في كتاب "المفصَّل"، ففي الجزءِ الأوَّلِ ربما يكونُ مثْلِي أوْ دُوني يسِيراً، وأمَّا الجزءُ الثَّاني فإِنَّه كانَ يحُلُّ لي المشْكلاتِ التي كات تَعْتَاصُ علَيَّ.
قال ابنُ الطباخ: وكانَ الإمامُ ابنُ الخطِيبِ على فضْلِهِ شِيعِيًّا (١) يَرَى محبَّةَ
(فصل فيمَن جَمَع القُرآنَ)
ابنُ عَطيَّة: "كَانَ القُرْآنُ في مدةِ رسُولِ اللَّهِ ﷺ مُتَفَرِّقا في صُدُورِ الرجالِ".
قُلتُ: في صَحِيحِ مسْلِم: "جَمَعَ القرآنَ عَلَى عهْدِ رسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعَةٌ كلُّهم من الأنْصَارِ: أُبَيُّ بنُ كعْبٍ، ومُعَاذُ بن جَبَلٍ، وزَيْدُ بنُ ثَاِبتٍ،
стр. 259
ورجلٌ منَ الأنصارِ يُكْنَى أَبَا زَيْدٍ"، وهُوَ مِن قولِ أنسِ بنِ مَالك".
قَال الْمازَرِي: "هَذَا الحديثُ مِمَّا ذَكَرَهُ بعض الملحِدَةِ في مَطَاعنِهَا، وحاوَلَتْ بذلك القدْحَ في الثِّقَةِ بنَقْلِ القُرآنِ ولا مُسْتَرْوحَ لها في ذلك؛ لأنَّا لوْ سلَّمْنا الأمرَ كمَا ظنُّوا وأنه لم يُكْمِلِ القرآنَ سوى أربعةٍ فقط، فقدْ حَفِظَ جميعَ أجْزَائِهِ مِئُونَ لَا يُحْصَوْنَ. وليس
ينْسُبُونَهُ إِلى السِّحْرِ، وتَارَةً ينسُبُونهُ إِلَى أَسَاطِيرِ الأولِين، ونحْنُ نَعلمُ مِنْ عادةِ العَرَبِ شدةَ حِرْصِهَا عَلَى الكَلاَمِ البَلِيغِ وتَحَفُّظِهَا لَه، ولَمْ يكُنْ لَهَا شُغْلٌ سِوَى ذَلك. فَلَوْ لم يكُنْ للصَّحَابَةِ بَاعِثٌ عَلَى حِفْظِ القُرْآنِ سِوَى مَا ذَكَرْنَاهُ، لَكَانَ مِن أَدَلِّ الدَّلائلِ على أَن هذا الحديثَ ليسَ على ظاهِرِه، وأَنهُ مُتَأَوّلٌ.
وَطَريقٌ آخرُ: وهُو مَا ثَبَتَ في الأخبارِ بنَقْلِ الثِّقَاتِ، مِنْ كَثْرَةِ مَنْ حَفِظَ القُرْآنَ في زَمَنِ النبيِّ ﷺ . وقَدْ عَدَدْنَا مَنْ حَفِظْنَاه منْهُمْ، وَسَمَّيْنَا نحوَ خمسةَ عَشَرَ صاحِباً مِمن نُقِلَ عنه حِفْظُ جميعِ القرآنِ في كتابِنَا الْمُتَرْجَمِ بِـ "قطْعِ لِسَانِ النَّابح في المتَرْجَمِ بالوَاضِحِ"، وهو كتابٌ نَقَضْنَا فيه كلامَ رجُلٍ وَصَفَ نفسَه بأنه كانَ مِنْ علماءِ المسْلِمِين، ثم ارْتَدَّ وأَخَذَ يُلَفِّقُ قَوَادِحَ في الإسْلامِ، فَتَقَضيْنَا أقوالَه في هذا الكتابِ وأشْبَعْنا القولَ في هذِه المسألةِ وبَسَطْناهُ في أوْراقٍ، وقدْ أشَرْنَا فيهِ إِلَى تَأويلاتٍ للحديثِ المذْكُورِ، وَذَكَرْنَا اضْطِرَابَ الرِّوايَةِ فِي هَذَا الْمَعْنَى؛ فَمِنْهُم مَنْ
стр. 262
زَادَ فِي هَذَا الْعَدَدِ ومِنْهُم منْ نَقَصَ عنْهُ، ومِنْهُم مَنْ أَنْكَرَ أَنْ يَجْمَعَهُ أَحَدٌ، وأَنَّه قَدْ يُتَأَوَّلُ عَلَى أَن المرَادَ بِهِ لم يجمعْهُ بجميعِ قِراءَاتِهِ السَّبْع وفِقْهِهِ وأحكامِه ومنْسُوخِه سِوَى أرْبَعَةِ؛ ويُحْتَمَلُ أيضاً أنْ يُرَادَ بِهِ أنَّهُ لمْ يذْكرْ أَحَدٌ عَن نفسِه أنهُ أكمَلَهُ في حياةِ النَّبِيِّ ﷺ سِوَى هؤلاءِ الأرْبَعَةِ؛ لأَن مَنْ أكْمَلَهُ إذ ذَاكَ غَيْرَهُم كانَ يَتَأَوَّل نزولَ القرآنِ مَا دَامَ ﷺ حيّاً، فقدْ لا يسْتَجِيزُ النُّطْقَ بأَنَّهُ أكمَلَه، وهؤلاء اسْتَجَازُوا ذلِك، ومُرَادُهُم أنهم أكمَلُوا الحاصِلَ منهُ، ويحتمل أَيْضاً أنْ يَكونَ مَنْ سِوَاهُمْ لم ينْطِقْ بإكْمَالِه خوفَ الرِّياءِ واحْتِيَاطاً عَلَى حُسْنِ النِّيَّةِ كَفِعْلِ الصَّالِحِين في كثيرٍ من اَلعبادات، وأَظْهَرَ هؤُلاءِ ذلِكَ لأَمْنِهِم على أنفسِهم.
وكَيف تعرفُ النَّقَلَةُ أنه لم يُكْمِلْه سوى أربعةٍ والصَّحَابةُ متفرِّقونَ في البلادِ؟. هَذَا أيْضاً لَا يُتَصَورُ حتَّى يلْقَى الناقِلُ كلَّ رجلٍ منهم فيخبِرَهُ عنْ نفسِه أنه لم يُكْمِلِ القُرْآنَ، وهذَا بعِيدٌ عادةً. وكيفَ وقدْ نَقَلَ الرُّوَاةُ إكمالَ بعضِ النِّسَاء لقراءتِه!؛ وقدِ اشتهرَ حديثُ عائشةَ وقولُها: "كنْتُ جَارِيَةً حديثةَ السِّنِّ لا أَقرأُ كثيراً من القرآنِ". وأيضاً لم يُذْكَرْ في هذه الأربعةِ أبو بكرٍ وعمر، وكيفَ يحفظُ القرآنَ مَنْ سِوَاهما دُونَهُماَ؟!.
стр. 263
وأيضاً يحتملُ أنْ يكونَ أنسٌ أخبَرَ عن علْمِه، أو أرادَ مَنْ أكمَلَه مِنَ الأنصارِ وإِنْ كانَ قدْ أكملَه مِنَ المهاجرين خلقٌ كثيرٌ".
قلت: وهذا تأويلُ أبي عُمَرَ في "الاستيعاب"؛ انظُره في حرفِ القَافِ عند ذِكْرِهِ قَيْسَ بنَ السكن.
عياض: "لوْ لمْ يكنْ في بيانِ الغَرَضِ منْ هذَا الحديثِ ورَفْعِ
стр. 264
إشْكالِهِ إلاّ مَا تَوَاتَرَ بِهِ الْخَبَر، أنَّهُ قُتِلَ يومَ اليمامَةِ في خلافَةِ أبي بكرٍ سبعُونَ مِمَّنْ جَمَعَ القُرْآنَ، وهي سنة وفَاةِ النبِيِّ ﷺ وأَوَّلُ سِنِّي خلافةِ أبي بكرٍ ... فانْظُرْ مَن بِقيَ مِمَّنْ جَمَعَهُ مِمَّنْ لم يُقْتَلْ فيها ومِمَّن لم يحضُرْها وبَقِيَ بالمدينةِ ومكَّةَ وغيرِهِما مِنْ أرضِ الإسلامِ حِينئِذٍ! ".
стр. 265
(فصل)
ابنُ عطيَّة عنْ مَكِّيِّ: "ترتيبُ الآيِ في السُّوَر ووضْعُ البسمَلَةِ في الأوائِلِ هو مِنَ النبيِّ ﷺ ".
قلْتُ: ويحتملُ أن يكون ذلِكَ باجتهادٍ منهُ ﷺ أوْ بِوَحْيٍ.
стр. 266
(الاستعاذة)
قُدِّمت عَلَى البسْمَلَةِ لتَكونَ تَطْهِيراً للْقَلْبِ واللِّسانِ مِنْ ذِكْرِ غير اللهِ تَعَالَى، ليَصْلُحَ لذكْرِ اسمِ اللَّهِ. ولأَن دفعَ المولم آكدُ مِنْ جَلْبِ الْمُلائِمِ.
فإنْ قُلتَ: لم تَرَكَ تقديمَ المستَعَاذِ بِهِ ليُفيدَ الحصْرَ معَ تقديمِ اسْمِ اللَّهِ؟.
قلتُ: لِمَا قُلناهُ مِنْ أن تقديمَ الاسْتِعَاذَةِ للتطهُّرِ قبلَ ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ.
ولفْظُ أَعُوذُ خبر في معنى الدعاء، أي: اللهم أعذني. وعبر بالمضارع المقتضي للتجدد، لتكرر وسوسة الشيطان للإنسان مدة حياته.
وانظر هل تكون الاستعاذة في الجنة أو لا؟؛ والأول أظهر، لما ورد من أن أهل الجنة يقرؤون القرآن، وفيه (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ
стр. 267
الرَّجِيمِ).
وحكم الاستعاذة: قيل الوجوب، وقيل الندب؛ علي اختلاف الأصوليين في صيغة "افعل" مجردة عن القرائن. وظاهر "المدونة" قول ثالث بالتخيير؛ لقوله فيها: "ومن قرأ في غير صلاة، تعوذ قبل القراءة إن شاء"؛ وبعض القراء يتعوذ بعد القراءة؛ لظاهر (فَإِذَا قَرَأتَ)، وبعضهم قبل وبعد؛ فالأقوال ثلاثة.
ولما كان كل ما نهى الله عنه مستعاذا منه، وذلك إما اعتقادات قلبية -والمتكفل بذلك مسائل علم الكلام-؛ وإما أعمال بالجوارح -والمتكفل بذلك مسائل الفقه وأصوله-، اندرج تحت تفسير الاستعاذة علي التفصيل ما لا يحصره العد من المسائل، ولا يحصل استيفاء ذلك إلا في مدة طويلة.
وجعل المستعاذ به، الاسم الدال علي الذات وجميع صفاتها وهو الله. وآكد الصفات في هذا المقام صفتا العلم والقدرة، إذ بهما يحصل دفع الشيطان.
فإن قلت: من جعل اسم اللَّه مشتقا غير مرتجل، يلزمه كون القديم
стр. 268
مسبوقا بغيره، ضرورة أن المشتق منه سابق على المشتق. فالجواب: أن المشتق اللفظ لا مدلوله. أو نقول: ليس المراد هنا الاششقاق حقيقة، الذي هو إنشاء فرع من أصل، بل مجازا وهو تقارب الألفاظ والمعاني.
المهدوي في "شرحه" على كتابه في القراءات المسمى بـ "الهداية": "ما روي عن حمزة من أنه كان يخفي التعوذ ويظهر البسملة في أول سورة الحمد، فوجهه التفرقة بينهما؛ إذ التعوذ ليس من القرآن بإجماع، والبسملة عنده آية من القرآن، فكره أن يظهر التعوذ مع إظهار البسملة، فيتوهم السامع أنه جعله من أم القرآن كما جعل (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) آية منها، وأخفاه ليكون قد أزال اللبس، وفعل ما أمره الله به من التعوذ".
قلت: وإلى هذا أشار الشاطبي بقوله:
وَإِخْفَاؤُهُ فَصْلٌ أَبَاهُ وُعَاتُنَا ... وَكَمْ مِنْ فَتىً كالْمَهْدَوِي فيهِ أَعْمَلَا
стр. 269
يعني: روى إخفاء التعوذ عمن رمز له بالفاء والألف، وهما حمزة ونافع، وهذا أول رمز وقع في نظمه. والواو في "وعاتنا" للفصل. ثم قال: "وكم من فتى" أي: أن جماعة من العلماء اختاروا الإخفاء واحتجوا له كالمهدوي وغيره. وأما قوله: "فصل أباه وعاتنا"، فيحتمل أن يريد أنه فصل من فصول القراءة كرهه أشياخنا وحفاظنا، ويحتمل -وهو الظاهر- أن يكون إشارة منه إلى وجه الإخفاء، وهو الفصل بين ما هو من القرآن وما ليس منه، كما نقلناه عن المهدوي. فجملة "إخفاؤه فصل" ابتدائية، وجملة "أباه وعاتنا" فعلية، هي صفة الفصل على الاحتمال الأول، وهي مستأنفة على الاحتمال الثاني، وأبوا على الإخفاء لأن الجهر إظهار لشعار القراءة. وقوله "فيه أعملا"، أي: أعمل فكره.
فإن قلت: الاستعاذة في معنى النفي، و "الشيطان الرجيم" أخص من مطلق "الشيطان"، ونفي الأخص أعم من نفي الأعم. قلت: هو نفي أعم لا نفي أخص، بمعنى أن الوصف بـ "الرجيم" بعد الاستعاذة والمستعاذ به ومنه.
والشيطان في اللغة يطلق على كل عاتٍ متمردٍ من الجنِّ والإنسِ
стр. 270
والدواب، والعرب تسمي الحيات شيطانا، وبه فسر بعضهم قوله تعالى ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥)﴾ أي الحيّات، نقله الفرَّاء.
واختلف في الجن والشياطين على القول بوجودهما؛ وهو مذهب أهل الحق. قيل: هما نوع واحد، والشياطين متمردة الجن. ثم قال المتكلمون إنها أجسام لطيفة قادرة على التشكل. وزعمت الفلاسفة أنها لا متحيزة ولا قائمة بمتحيز، وأكثرهم على أنها مخالفة بالنوع لأرواح البشر، ومنهم من يقول: الأرواح البشرية إذا فارقت أبدانها كانت شديدة الانجذاب إلى ما يشاكلها إن خيرة فخيرة، وإن شرية فشرية، وتعينها على الخير أو الشر، متعلقة بها ضربا من التعلق، وهى الشياطين.
وأوائل الفلاسفة والمعتزلة أنكروا الشياطين قائلين: إن كانت
стр. 271
بلطافة الهواء لم تقو على شيء من الأفعال وأفسد تركيبها أدنى سبب، وإن كثفت لزم رؤيتها. والجواب: عدم لزوم الرؤية ما لم يخلقها اللَّه سبحانه.
стр. 272
(البسملة)
الفخر: "قيل: كلُّ العلوم في الكتب الأربعة: التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، والجميع في الفرقان، وذلك كله في سورة الفاتحة منه، وعلومها كلها في البسملة، وجميع ذلك كله في حرف الباء من (بسم اللَّه).
وبيان ذلك: أن المقصود من جميع العلوم، إنما هو الوصول إلى اللَّه تعالى، وهذا هو معنى الباء؛ لدلالتها على الإلصاق، فتضمحل عندها جميع العبارات، وتتلاشى بحقيقتها جميع الإشارات؛ وهي متعلقة بمقدر اسم أو فعل متقدم عليها أو متأخر، فالأوجه
стр. 273
أربعة؛ وجاء مقدما في (اقرأ باسم ربك) ومؤخرا في (بسم الله مجراها) ".
الزمخشري: الأصلُ تأخيرُ المقدّم؛ "لأنّ الأهمّ من الفعل والمتعلّق به هو المتعلق به، لأنهم كانوا يبْدؤون بأسماء آلهتهم، فيقولون: "باسْم اللات، باسم العزَّى"، فوجَب أن يقصد به الموحّدُ معنى اختصاص اللَّه تعالى بالابتداء، وذلك بتقديمه وتأخير الفعل، كما في قوله (إياك نعبد)، حيث صرَّح بتقديم الاسم إرادة الاختصاص". ثم قال: "وأمّا (اقرأ باسم) فتقديم الفعل فيه أوْقَعُ؛ لأنها أولُ سورة نزلت، فكان الأمْرُ بالقراءة أهمّ".
الفخر: "العماد: إذا قدَّرنا العاملَ في (بسم اللَّه) متقدماً على اسم اللَّه فهو الأصل؛ لأنّ الأصل أن يتقدم العاملُ على المعمول، ولا تفوتُنا البداية في نطقنا بـ بسم اللَّه، فيحصُلُ لنا المقصودان: التقدير على الأصل، والبداية بـ بسم
стр. 274
اللَّه في اللفظ؛ ولأن العامل إذا أُضْمِر ضعُف عملُه، وإذا تقدّم معمولُه عليه ضعف عملُه أيضا، تقول: "لزيد ضربت"، ولا يجوز: "ضربت لزيد" إلا في ضرورة، وتقول: "ضربت زيدا"، فإنْ قدَّمْتَ "زيدا" جاز رفعُه على الابتداء لضعف عاملِه بتأخيره عنه؛ ومنه: [المتقارب]
ْ "فَثَوْبٌ لَبِسْتُ وَثَوْب أَجُرْ"
﴿وَكُلٌّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ "على قراءة ابن عامر".
قال: "واستدلالُ الزمخشري بـ (إياك نعبد) يُردُّ بأنّ العاملَ فيه
стр. 275
ظاهر، فتبَين في اللفظ قصْدُ الاختصاص. وأمّا (بسم اللَّه مجراها) فيحتمل تعلّق "بسم اللَّه" بـ "اركبوا" ويكون (مجُراها ومُرْسَاهَا) منصوبين على الظرف، أي اركبوا ملتبسين ببسم اللَّه وقتَ إجرائها وإرسائها، وأنْ يتعلق "بسم اللَّه " بمحذوف، خبر لـ (مجراها)، والتقديم أولى؛ لقول القُشيري: "يقول المحقّقون: ما رأينا شيئا إلا رأينا اللَّه بعدَه"، فقال له الشيخ أبو سعيد بنُ أبي الخير: "هذا مقام المريدين، وإنما يقول المحققون: ما رأينا شيئا إلا رأينا اللَّه قبلَه". وبيان ذلك أن الصّعود من المخلوق إلى الخالق، إشارةً إلى برهان الإِنّ، والنزول من الخالق إلى المخلوق إشارةً إلى برهان اللِّمَ
стр. 276
وهو أشرف".
واعلم أن ما يثبت قرآنا شرطه القطع، والأحاديث في البسملة آحاد، فلا يتمسك بها في ذلك، فالأولى ترك الكلام في المسألة؛ لأن الحق إن كان الثبوت فالنافي أسقط آية، وإن كان النفي فالمثبت زاد آية، وكلاهما كفر.
قال القاضي الباقلاني: "الخطأ في هذه المسألة وإن لم يبلغ حد التكفير لكثرة القائل بكل قولٍ من القولين، فلا أقل من التفسيق".
стр. 277
قال ابن الحاجب: "وقوة الشبهة من الجانبين منعت من التكفير".
وجعل الفخر المسألة اجتهادية، للمخطئ فيها أجر وللمصيب أجران، فقال: "تواتر أن اللَّه سبحانه أنزلها على رسوله -يعني في أوائل السور- كتبت في المصحف، وإنما الخلاف في أن لها حكم القرآن فيصلى بها ولا يقرأها الجنب ولا يمسها المحدث". قال: "وهذه أحكام اجتهادية لا قطعية، فسقط ما يقول به القاضي".
قلت: فيما قاله نظر، والظاهر أن المسألة علمية لا عملية.
فإن قلت: كل ما هو قرآن متواتر، وينعكس بعكس النقيض: كل ما ليس بمتواتر لا يكون قرآنا، والبسملة لم تتواتر في أوائل السور قرآنا فليست بقرآن.
стр. 278
فالجواب: أن المشترط تواتره في المحل دون تواتر كونه قرآنا فيه، وهذا الشرط حاصل، لأن جماعة من القراء السبع أثبتوها في أوائل السور، والقراءات السبع متواترة؛ لا يقال: يلزم على هذا تكبير ابن كثير قرب الختم قرآنا لتواتر محله؛ لأنه لا يلزم من وجود الشرط وجود المشروط وفيه نظر. ومن أثبتها من السبع معارض لمن لم يثبتها، والْحَقُّ أنَّ منْ قَرَأَهَا منْهم إنما قَصَدَ التبرُّكَ، لا كونَها آيةً.
стр. 279
وجعل مَكِّي ذكر "الرحمن الرحيم" في الفاتحةِ دليلا على أنَّ البسْمَلَةَ ليستْ آيةً منْهَا، وَإِلاَّ لَزِمَ تجاوُرُ آيتيْنِ بمعنىً واحدٍ.
ورَدَّه أبو حيان في "البحر"، بأَن تَكْرَارَ صِفَتَيِ "الرَّحمنِ الرحيم" تَنْبِيهٌ على عِظَمِ قدرِهِما وتأكُّدِ أمرِهِما.
ونَقَلَ السُّهيلي في كتابهِ المسمَّى بـ "الرَّوْض الأُنُف"، أَن