← Тафсир

Тафсир · id 1731

نكت وتنبيهات في تفسير القرآن المجيد

البسيلي

Полный текст (901 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

- أحدهما: أن عملَه فيه، عملُ المفعول لا عملُ الظرف. - الثاني: التقدير: "اذكروا حالَكم إذْ تصعدون". ١٥٤ - ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ﴾: الزمخشري: "هو صفةٌ لـ "طائفة"، و "يظنون" صفة أخرى؛ أو حال بمعنى "ظانين"؛ أو استئنافٌ للبيان للجملة قبلَها، و "يقولون" بدلٌ من "يظنون". ابن هشام في "المغني": "كأنه نسِيَ المبتدأ فلم يجعل له خبرا، أو رآه محذوفا، أي: "ومعكم طائفةٌ صفتُهم كيتَ وكيتَ". والظاهر أن الجملةَ الأولى خبر، وسَوَّغَ الابتداءَ بالنكرة ثَمَّ

стр. 352

صفةٌ مقدّرة، أي: "وطائفة مِن غيركم"، مثل "السَّمْنُ مَنَوَانِ بدرهم"، أي: مَنَوَانِ منه، أو اعتمادُه على واو الحال، كقوله في الحديث: "دَخَلَ ﵊ وَبرْمَةٌ عَلَى النارِ". - ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ﴾: الآية إما تكذيبٌ للقضية المتقدمة، بصِدْقِ نقيضها، وإمّا إبطالٌ لإحدى مقدِّمَتَيِ القياس، وهي الكبرى. فالمَعنى على الأول أنهم قالوا: لوْ كان لنا من الأمر شيءٌ لَمَا خرجْنا، ولو لم نخرج ما قُتِلنَا. فأُبْطِل ذلك كلُّه بِأنْ قيل لهم: بل لو كان لكم من الأمر شيء لخرجتم. والمعنى على الثاني -وهو منع الكبرى وإبطالُها- وهي: "كلما لم نخرُجْ لم نُقتَلْ"، فصدق

стр. 353

الأخص من نقيضها؛ لأن كونَهم في بيوتهم، أخصُّ مِن قولهم ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمْرِ شَىْء﴾، فإذا رُتِّبَ الموتُ على كونهم في بيوتهم، فأحْرَى أن يترتبَ على عدمِ خروجهم. وقولُ ابن عطية: "هذا من المنافقين قولٌ بأن للإنسان أجلَيْنِ"؛ يُردُّ بأنه منهم وقوفٌ على العادة، فقال: "والملازمة في شرطيتِهم عادية لا عقلية". ﴿وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾: "التمحيص" تخليصُ شيء من شيء وتصفيتُه، فَنَايسَبَ تعليقُه بالمقصود من الإنسان وهو القلبُ. وأما "الابتلاء" فراجع إلى علم الله تعالى، فناسَب تعليقُه بالأعم وهو الصدرُ.

стр. 354

١٥٥ - ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ﴾: الفخر: "احتج به الكَعْبيّ من المعتزلة، على أنّ الشر لا يقعُ من اللَّه". قلت: يجَاب بأن نسبتَه إلى الشيطان على معنى الأدب مع اللَّه تعالى؛ أوِ الحصرُ راجعٌ للتبعيض. وقول الزمخشري: "هو كقوله تعالى (وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) "، بناء على أن المعنى: "مما كسبوا من الشر"، ويُحتَمَلُ أنْ يُرادَ الخيرُ والشر، والمقصود هو الشر.

стр. 355

١٥٦ - ﴿كَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾: قول الفخر: "هذا يردُّ قولَ الكرامية: مجردُ النطق بالشهادتين كافٍ، وإنْ لم يعتقد بقلبه"، يُرَدُّ بأنَّ هؤلاء اعتقدوا النقيض، وقولُ الكرَّامية فيمن لم يعتقد شيئاً. ﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾: ذُكِرا معاً إشارةً إلى التسوية، أي: كما شاهدتم الإحياءَ دون سبب، فكذلك الإماتة. ١٥٧ - ﴿أَوْ مُتُّمْ﴾: لم يقَيَّدْ بقوله "في سبيل الله" كما قُيِّدَ المعطوفُ عليه؛ ليتناول من مات قبل حضورِ القتال، ومن مات بعدُ دون قتال. وحُذِف من الثاني لدلالة الأول. ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾: قُدِّمت على "الرحمة"؛ لأن "المغفرة" راجعةٌ لدفْعِ المولِمِ، وهو آكدُ.

стр. 356

﴿خَيْرٌ﴾ هو على قراءة الغيبة في (يَجْمَعُونَ) فَعْلٌ، وعلى قراءة الخطاب فيه أَفْعَل. فإن قلت: كيف خُوطِب من مات؟. قلت: هي حكايةُ حالٍ ماضية؛ وبَدَأَ بالقتل تهْيِيجاً على القتال. ١٥٩ - ﴿لِنْتَ لَهُمْ﴾: لم يقل: "كنتَ لهم ليِّنا"؛ إشارةً إلى توسُّط حالِه في ذلك، أو لأنّ المطلوبَ لِينُهُ لهم دون مَن لم يومن. ﴿فَاعْفُ﴾: الفاءُ هي للسبب لا عاطفةٌ؛ إذْ لا يُعطَف الإنشاءُ على الخبر. ودلَّتِ المعطوفاتُ على أنهم ثلاث فرق:

стр. 357

- فريقٌ فرُّوا ولم يرجعوا، فأُمِرَ بالعفو عنهم. - وفريق رجَعوا بعد أن فروا، فأُمِرَ بأنَّ يستغفر لهم. - وفريق ثبَتوا ولم يفِرُّوا، فأُمِرَ بمشاورتهم؛ وإنْ كان الفخر قال: "المشاوَرون أبو بكر وعمر"، مع أنّ عمرَ لم يثْبُتْ، لكن منصبَه معلومٌ. وقول ابن عطية: "مَن لا يستشير أهلَ العلم والدين، فإنّ عزلَه واجب بلا خلاف"، غيرُ صحيح؛ ولم يقلْه غيره. وهذه المسألة مذكورةٌ في باب الإمامة من علم أصول الدين، وفي كتُب الحديث وفي كتب الفقه؛ وقد ذكروا فيها إذا صَدَرَ عن الإمام ما هو أشدُّ من عدم مشاورة أهل العلم والدين؛ ولم يوجِبُوا عزلَه بذلك. ١٦٨ - ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: قول الزمخشري: "إنْ قلت: فقد كانوا صادقين في دفعهِمُ القتلَ عن أنفسِهم

стр. 358

بالقعود"؛ ثم أجاب بوجهين: - "الأول: أن النجاةَ من القتل يجوز كونُ سببِها القعودُ وغيرُه. وقد يكون الوقوفُ والمقاتلةُ سبباً في النجاة". يُرَدُّ بأنَّ قوله (لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا) موجبة جزئية، وإنما نقيضُها سالبةٌ كلّية، وأما السّالبة الجزئية فلا تناقِضُها بوجه. فإن قلت: إنما نَفَوا القتلَ، فلِمَ ذُكِرَ في الردِّ عليهم الموتُ؟. فالجواب أن الموت أعم، فعجزُهم عن دفعه يستلزم عجزَهم عن دفعِ الأخص منه.

стр. 359

وقال "ادرءوا" ولم يقل "لا تموتون" إشارةً إلى لزوم الموت لهم. ١٦٩ - ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾: قول ابن عطية: "أراد قراءةَ الغيبة بضمِّ الباء"، إنما يحسُن على عدم تواتر السبع". ١٧٢ - ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا﴾ الآية: هو على التوزيع: مِنهم من بلغ درجةَ الإحسان كأبي بكر وعمر، ومنهم من لم يبلغْ ذلك، فهو مُتَّقٍ. ١٧٣ - ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾: يشبه قَلْبَ النكتة، وهو الاحتجاجُ بدليلِ الخصم على نقيضِ دعْواه. وذكر ابن عطية هنا، الخلافَ في زيادة الإيمان. والتحقيقُ فيه: أن ما

стр. 360

يُنجي من الخلود في النار لا يزيدُ ولا ينقص، والإيمان الكامل يزيد وينقص. لا يقال: زيادتُه ملْزومةٌ لاجتماعِ الأمثال في المحلِّ الواحد؛ لأن الإيمانَ عَرَضٌ لا يبْقى زمانين فيخلِفَ بعضُه بعضا؛ قاله إمامُ الحرمين في "الإرشاد". ١٧٧ - ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: وقال في التي قبلها (عَذَابٌ عَظِيمٌ)؛ لأن كفرَ مَن سارعَ أشدُّ. ١٧٨ - ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾: تمييزٌ مناسب للإملاء؛ لأنه بحسب ظاهرِ الأمر إكرامٌ لهم،

стр. 361

فناسَبَ الإهانةَ والإذلال. ١٧٩ - ﴿يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾: يقتضي أن الخبيثَ أقلُّ، خلافَ قوله (وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبيثِ)، لكنها شرطيةٌ لا تدلُّ على الحصول. ويؤخذُ منه مذهبُ أبي حنيفةَ أن الأصلَ في الناس العدالة؛ وفي مذهب مالك، أن الصفقة المحتملة للصحة والفساد، تُحْمَل على الصحّة ما لم يكن الفسادُ أغلبُ. وقد يقال: الآية في أهل العصر الأول والغالبُ عدالتُهم، ومفهومُه: حتى يتقرر بحصول معرفة المومن من الكافر، ولا يزالون مختلطين بالسكنى والمعاشرة وغيرِ ذلك!. ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾: يدل على أن المتقي أخص من المؤمن، وهو مذهب مالك في

стр. 362

"المدونة"، في مسألة متعة المطلقة؛ لأنه استدل بقوله تعالى (حَقّاً عَلَى المتقِينَ) على عدم وجوبها. ١٨٠ - ﴿يَبْخَلُونَ﴾: عبر بالمضارع لتجدد البخل، بخلاف الكفر في قوله (كَفَرُوا). ١٨١ - ﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾: أكدوا نسبة الفقر إلى الله، دون نسبة الغنى إليهم، كأنه عندهم جلي لا ينكر. ﴿سَنَكْتُبُ﴾: عبر بالمستقبل؛ لأن المرادَ لازِمُ الكَتْب وهو الجزاء، وذلك مستقبل، بخلاف قوله (سَمِعَ). ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ﴾: نسبة القتل إليهم مجاز، أو على حذف مضاف، أي: "قتل آبائهم"،

стр. 363

فيتعارض الإضمار والمجاز، ثالثها الاستواء. ١٨٣ - ﴿حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ﴾: فهمه مشكل، لإنكار اليهود النسخ. ١٨٦ - ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ الآية: ترتيب هذه المعطوفاتِ خلافُ ترتيب الأصوليين الكليات الخمس، قالوا: حفظُ الأديان، ثم النفوس، ثم العقول، ثم الأنساب، ثم الأموال. هكذا رتبها الآمدي وابن الحاجب. وقال ابن التلمساني: "الأديان، ثم النفوس، ثم الأنساب، ثم الأعراض، ثم

стр. 364

العقول ثم الأموال". ولا شك أنّ حفظَ النفوس آكدُ من حفظ الأعراض، إذْ فيها حَدُّ القذف أو الأدب، وفي النفوس القصاصُ في الدنيا، والعقابُ في الآخرة. وقال ابنُ عباس وغيرُه، بخلود القاتل عمداً ولا تنفعُه التوبة. ﴿وَتَتَّقُوا﴾: أي: تبْتغون بصبْركم وجْهَ الله لا التجَلُّدَ والحَمِيةَ في الباطل. وجواب الشرط محذوف تقديره: تؤجروا أجرا عظيما. ﴿فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾: فالمذكورُ دليلُ الجوابِ وعلَّتُه.

стр. 365

١٨٧ - ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾: إنْ قلت: لو عُكِس الترتيبُ كان العطفُ تأسيساً؛ لأن عدمَ كتمانِه يحصُل بذكْرِه ولوْ غيرَ مبين، فذِكْرُه مبيّناً أخصُّ. فالجواب أنه رُوعي في ذلك قاعدةُ كونِ نفْىِ الأعمِّ يستلزم نفيَ الأخصّ، وثبوت الأخص يستلزم ثبوتَ الأعمّ. ﴿وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾: إنْ قلت: وراءُ الظهر هو الوجه، فيقتضي أنهم طَرَحُوهُ أمامَهم؛ فالجوابُ أنّ هذه الإضافة من باب إضافة "خاتم حديد". ١٨٩ - ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: حكى ابن عطية عن الباقلانى، أن هذا العموم مخصوص بالواجب

стр. 366

والمستحيل، بناء على صدق لفظ "شيء" عليه، وهو قول بعض الأصوليين؛ وأكثرهم منع ذلك، كابن التلمساني والمقترح. وقال تاج الدين في "الحاصل"، والسراج في "اختصار المحصول": "اتفق أهل السنة والمعتزلة على أن المعدوم المستحيل لا يطلق عليه "شيء"، وإنما اختلفوا في المعدوم الممكن". وحكى الشيرازي في "شرحه لابن الحاجب" الإجماع على منعه في المستحيل، وحكى الأصبهاني -شارح ابن

стр. 367

الحاجب- أن المستحيل "شيء"؛ قاله في باب العام والخاص، لما ذكر ابن الحاجب التخصيص بالعقل، فذكر الأصبهاني هذه الآية، وهي مخصوصة بواجب الوجود وبالمستحيل. وقال الشيرازي أيضا في قول ابن الحاجب: "القياس حمل معلوم على معلوم": وإنما لم يقل "حمل شيء" ليدخل المعدوم الممكن عندنا، والمستحيل عندنا وعند المعتزلة". وأما الحال فليست بشيء باعتبار ذاتها، إذ ليست بموجودة ولا معدومة، وهى باعتبار ما هي تابعة له "شيء". ١٩٠ - ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾: احتج من قال: "إن الخلق غير المخلوق" بإضافته إليه؛ إذ الشيء لا يضاف

стр. 368

إلى نفسه. ودليل من قال إنه هو: أنه لو كان غيره لزم قدم العالم إن قلنا إن ذلك الخلق لا يفتقر إلى خلق آخر، أو التسلسل إن افتقر. والتحقيق أنه في الشرع يطلق تارة على "المخلوق" كقوله تعالى (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ)، وتارة على "الإنشاء والاختراع والتكوين" كهذه الآية. ١٩١ - ﴿مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾: قال شيخنا ابن عرفة: "سُئِلْتُ عن فهم الآية على مذهب أهل السنة في نفي العلة والغرض والتحسين والتقبيح؛ فأجبتُ بأنَّ المعنى: ما خلقْتَ هذا مخالفاً لما أنبأتْنا به الرسلُ عنك، من الحشر والنشر والإعادة والثواب والعقاب، بل هو موافقٌ لذلك ودليلٌ عليه، لَا أنه لأجلِه وعِلَّة فيه؛ ومثلُ هذه الآية (مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ) ولها نظائر. والارتباطُ في ذلك عندنا عادي شرعي، وأفعاله تعالى غيرُ معلّلة. ولابن

стр. 369

سلامة هنا كلام ضعيف. ١٩٢ - ﴿مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾: ذكر أبو حيان في إعراب "من" ثلاثة أوجه، ويحتمل رابعا، وهو أن يكون مبتدأ، والخبر "تُدْخِلِ" وحده، على الوجه الضعيف في قوله: [رجز] ............. كلُّه لم أصنع بالرفع، وفي قوله: [المتقارب] فَثَوْبٌ لَبِسْتُ وَثَوْبٌ أَجُر.

стр. 370

١٩٣ - ﴿ذُنُوبَنَا﴾: قول الزمخشري: "الذنوب الكبائر، والسيئات الصغائر"، صوابه العكس، وإلا كان العطف تكرارا؛ لأن مغفرة الكبائر تستلزم مغفرة الصغائر، إذ الصغائر مغفورة باجتناب الكبائر، ويؤيد هذا قوله (لأُكَفِّرَنَّ عَنهمْ سَيِّئاتِهمْ وَلأدْخِلَنهُم جَناتِ)، فالمراد بالسيئات الكبائر، والمغفرة الستر، فلا يلزم منها المحو، فلذا زِيدَ (وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا) لفائدة محو الذنوب من أصل، والله تعالى يستر على العبد في الدنيا معصيته، ثم يعاقبه عليها في الآخرة. والداعي بالمغفرة فقط، يقصد بها الستر في الدنيا والآخرة، وإن طلب في دعائه التكفير، فقد سأل الستر في الدنيا والمحو في الآخرة. ١٩٥ - ﴿لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ﴾: يدل أن الإيمان عمل. وقول أبي طالب مكي،

стр. 371

وصاحب موازنة الأعمال وغيرهما: "لا يوزن الإيمان؛ لأنه لو وزن لرجح جميع السيئات"، وذكر في ذلك حديثا. قال شيخنا: "الصواب أنه يوزن، ولا

стр. 372

يلزم منه رجحانه لجميع السيئات، والمسألة علمية، فلا يحتج فيها بخبر الآحاد، والحديث المشار إليه لم يصححه أحد؛ وحديث "مَنِ اغْتَصَبَ شِبْراً مِنْ أَرْضٍ، طَوقَهُ اللَّهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ"، صحيحٌ أخرجه البخاري ومسلم، ومع ذلك لا يُحتَجُّ به على كون الأرضين سبعا. ٢٠٠ - ﴿وَرَابِطُوا﴾: ابن عطية عن ابن المواز: (المرابط) هو الذي يشْخص من

стр. 373

الثغور ليُرابط فيه مدّة، فأمّا سكان الثغور دائما بأهْلِيهِم، فليسوا مرابطين". قلت: لما نقل هذا الباجي، في أواخر كتاب الجهاد قال: "الظاهر أن الإقامة بالأهل لا تنافي الرباط". قال الشيخ ابن عرفة: "وهو الصحيح؛ لقول مالك في "المدونة": "لا بأس أن يخرج الرجل بأهله إلى مثل السواحل، لا إلى دار الحرب في الغزو، إلا أن يكون في عسكر عظيم لا يخاف عليهم".

стр. 374

قلت: لا يلزم من جواز خروجه بأهله كونه مرابطا. والظاهر إن كان قصده الرباط لا غيره أن يكون مرابطا. قال شيخنا: "وكان السلطان أبو الحسن المريني إذا خرج للجهاد، يأمر من عنده زوجة بإخراجها معه". قال: "وإذا كان يؤجر على اللقمة يجعلها في فم امرأته -كما في الصحيح-، فأحرى أن يؤجر على مجاهدته عنها، وكذا في الرباط يكون حرصه على السلامة من العدو أشد، لأنه يناضل عن نفسه وعن حريمه وعن المسلمين".

стр. 375

سُورَةُ النسَاء ١ - ﴿مِنْ نَفْسٍ﴾ هي لابتداء الغاية فقط، دون انتهائها؛ لأنّ العَرَضَ لا يبْقى. واختلافُ خلْقهم مع كونِهم من نفس واحدة، يُبْطل القولَ بالطبيعة؛ خلاف ما قاله الفخر. ﴿كَثِيرًا﴾ الكثرة مفْهومةٌ من لفظ "بث"، ووُصِف بها الرجال دون النساء، فالحذفُ من الثاني لدلالة الأول، أوْ لأنّ ذلك تذكيرٌ بالنعمة، ومِن شأن العرب حبُّ كثرةِ الرجال دون النساء؛ ولذا قال رجالا ولم يقل

стр. 376

"ذكورا"، فيشملُ الصغارَ لأنهم كانوا يتَقَوَّوْن بالرجال في الحروب. وقال نساء ولم يقل "إناثا" لأن التمتعَ بالبالغات منهنّ. ٢ - ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى﴾ من إقامة المسبّب مقام سبَبه، أي: احفظوا أموالَهم عليهم لتُعطوها لهم إذا كبروا، فأوْقع "الإيتاء" وهو المسبّب مقامَ سببه وهو "الحفظ". ١١ - ﴿فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ لم يقلْ "في أبنائكم"؛ لصِدْقِ "الابن" على التبنّي، وليسَ مُراداً هنا. ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ أي: حالَ اجتماعِهما معه، وإلاّ لزِم أن يكون له الثلثان؛ لأنّه حظُّهما حالَ انفرادِهما.

стр. 377

١٢ - ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ خاصٌّ بالأحرار؛ لأن العبد لا يرث. و (وَمَا تَرَكَ) مخصوص بالوَلاء. و "أزواج" مخصوص بالكتابيات والإماء، إذ لا يرث المسلم الكافر. والأمة إنما يرثها سيدها لا زوجها، ولا يقال هو مخصوص أيضا بالنكاح الفاسد، لأنه إن كان فيه الميراث فهي، وإلا فليس بنكاح وليست بزوجة. ﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ قدَّم جواب الشرط عليه، وأخَّر عن الذي بعده، لأنّ جوابه كالمقتضي، وعدم الشرط كالمانع، وهو متأخِّر عن المقتضي. فالحكم اقتضى أنّ للأزواج من أزواجهن النصف، ووجود الولد مانع منه. ويجاب أيضا، بأنَّ هذا الحكم مشروط بوصف العدمي، وهو عدم الولد، والعدم متقدم على الوجود، فأخر عنه لفظا.

стр. 378

﴿فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾: يتناولُ ولدَ الزِّنا وولدَ الرِّشْدة. ﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ﴾: لا يتناولُ ولدَ الزنا؛ لأنه إنما يُنسب لأمه لا لأبيه. ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ﴾: إنْ قلت: هلاَّ قيل "أحد" مكان (رجل)، ليتناول الكبيرَ والصغير، والذكرَ والأنثى؟. فالجواب: أنه تنبيهٌ على الصّورة النادرة. وجوابُ السهيلى بأن "بعدَه (مِن بَعْدِ وَصِية)، والصبيُّ لا تصحُّ منه"، يُرَدُّ بصحتها من المميز في "المدونة" في كتاب الوصايا الأول: "تجوز وصيةُ الصبي ابنِ عشْرِ سنين فأقل مما يُقاربها، إذا أصابَ وجه الوصية، وبصحَّةِ الإتيان أوّلاً باللفظ العام"، ثم ذَكَرَ بعضَ صُوره.

стр. 379

وذكرَ ابن عطية هنا، "الفريضة الحمارية"، وأنها زوجٌ وأم وإخوة لأم، وإخوة شقائق؛ وكذا في "رسالة ابن أبي زيد"، وقال الفرَّاض وابن الحاجب: أمّ أو جدة مع بقية من ذُكِرَ. ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾: يدل أن الشركةَ المطلقة تقتضي التساوي، كما في كتاب السَّلَم الثالث من "المدونة": "إنِ ابْتاع رجلان عبداً، فسألهما رجلٌ أن يُشاركاه فَفَعَلا، فهو بينهم أثْلاثا"، خلافَ قوله في كتاب القراض: "إنْ أقرضه على أنّ له شركاءَ في المال -لم يُسَمِّه- كان على

стр. 380

قَرَاضِ مثلِه إن عمل". ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ قولُ ابن عطية: "المضارةُ إنما هي في أكثرَ من الثلث، وأما الثلث، فالمشهور من مذهب مالك: إنْ ضارَّ فيه تمضي الوصية. وقيل: تُرَدُّ وإنْ كانت في الثلث"، صوابُه العكسُ؛ لأن المشهور أنه إنْ قصَدَ الضرر، بطلت الوصية؛ قال في كتاب الوصايا الثاني من "المدونة" -ما نصُّه-: "وإذا أوصى بثُلثه لوارثٍ وقال: فإنْ لم يُجِزْه باقي الورثة فهو في السبيل؛ لم يجز ذلك، وهو من الضرر. وكذلك لو أوصى لوارث بعبْدٍ وقال: فإن لم يجيزوا فهو حُر؛ فإنها تبطل، ويورث إن لم يجيزوا؛ ولو قال: عبدي حر أو في السبيل، أو داري أو فرسي في السبيل، إلا أنْ يشاء ورثتي أن يُنَفِّذُوا ذلك لابني، فذلك نافذٌ صحيحٌ على ما أوصى". ففرَّق بين تقديمِه الوارثَ على الأجبي وعكسه، فجعل تقديمَه الوارثَ في لفظِه قرينةً في إرادة الضرر، فتبطُل الوصيةُ كلُّها.

стр. 381

﴿عَلِيمٌ﴾: بمن يُوَفّي بما أمرَه به. ﴿حَلِيمٌ﴾: عمَّن خالفَ وعصى، فلا يُعاجِلُه بالعقوبة، ١٣ - ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ (تلك) مبتدأ، (حدود اللَّه) خبره؛ لو جهين: (أ) - أن الحدودَ أُضِيفت إلى اسم اللَّه تعالى تعظيماً لها، فهي الجزءُ المستفادُ من الجملة. (ب) - أنها أعمُّ، وكذا الخبر يكونُ أعم من المبتدإ. ﴿نُدْخِلْهُ﴾:

стр. 382

قول الزمخشري: "هو على قراءة الغَيْبة التفاتٌ"، هو على مذهب السكّاكّي في مثل هذا؛ لأن المعنى "تلك حدودُنا، ومنْ يطعْنا". وخالَفَه غيرُه. وأمّا على قراءة التكلُّم، فكونُه التفاتاً بَيِّن. وفي الآية حذفُ المقابل، فتأمَّلْه. ١٤ - ﴿وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ تأسيسٌ؛ لأن تاركَ المندوب عاصٍ حسبما قاله المازري في كتاب النكاح من "المعلم"، في حديث "مَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى

стр. 383

أَبَا الْقَاسِمِ". وبيانُ كونِه تأسيسا، أنّ العصيان أعمُّ من ترك الواجب والمندوب، ولا يلزم من ثبوت الأعم ثبوت الأخص، فكان ذِكْرُ الأخَصِّ بعدَه تأسيسا. وتقريرُ هذه الآية على مذهبنا، أن المرادَ بالمعصية وتعدِّي الحدودِ الكفرُ، والمرادُ بالخلودِ طولُ الإقامة لَا التأبيدُ. وأيضا إن الآية دليلٌ لأهل السنة؛ لأن قولَه (وَمَنْ يُطِع)، فِعلٌ في سياق الثبوت، فهو مطلقٌ يَصْدُقُ بأدنى طاعة، فيتناولُ العاصي لأنه مطيعٌ بإيمانه، فَتَعَينَ حملُ قولِه (وَمَن يعْصِ) على الكافر، لئلا يتناقض؛ لكِنْ يُعارَضُ هذا بلزوم مثلِه في (ومن يعص) بِعَيْنِ ما ذَكَرَهُ. وقولُ ابنْ عطية: "يُراعَى لفظ "مَنْ" ثم معناها، ولا يجوز العكس"،

стр. 384

غيرُ صحيح. بل يجوز، لكنٌ الأولَ أكثر. وقد وقع هذا الكلامُ لابن عطية في مواضعَ مِن كتابه. ١٥ - ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ تُخْرَجُ الذّمّية، قال مالك في كتاب الرجم من "المدونة": "وإنْ زنا مسلم بذمية، حُدَّ هُوَ، ورُدَّت إلى أهل دينها، فإن شاءوا رجْمَها لم أمنعْهم". ابن العربي: "ولا تدخلُ الأَمَةُ كما لم يدخُل العبدُ في قوله تعالى (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجَالِكُمْ). ويُسْتَكْشَفُ شهودُ الزِّنا؛ لأن المقصودَ الستر، فيُسْأَلون عن المكان والزمان والحال، وكذا يُسأل شهودُ السرقة؛ لأنّ أكثر الناس لا يفرقون بين السرقة والاختلاس، والتعدّي والغصْب، والنهب والخيانة، والغِيلَةِ والحِرَابة؛ وأحكامُها مختلفة".

стр. 385

وقول أبي عمران في "النظائر":"لا يُستكشف شهودُ السرقة" غلط؛ وشرطُه اتحادَهم في زمن الأداء كشهود الزنا، غلطٌ منه أيضا. ابن عطية: "قيل: الشهود الأربعة في الزنا، اثنان على الرجل واثنان على المرأة، وهو ضعيف". قلت: تقديرُ ضعفِه، أنه لوْ شهِد اثنان على رؤية الرجل، واثنان على إقرار المرأة، حُدُّوا حَدَّ القذف، وكذلك لو شهد الأربعةُ على إقرارِهِمَا. قال: "لا خلافَ في البكر أنَّه يُجلد. واختُلِف في نفْيِه وتغْريبِه، فقال الخلفاءُ الأربعةُ ومالك والشافعي: لا يُنفَى. وقال جماعةٌ: يُنفى. وقيل: نفيُه سجنُه. ولا تُنفى المرأةُ ولا العبدُ، هذا مذهب مالك وجماعة".

стр. 386

قلت: ما قالَه غَلَط؛ لأنّ في كتاب الرجم من "التهذيب" ما نصُّه: "ولا نَفْيَ على النساء ولا على العبيدِ ولا تغْريب، ولا يُنفى الحرُّ إلاَّ في الزنا أو في حِرَابَةٍ، فيُسْجَنَان جميعاً في الموضع الذي يُنْفَيَان إليه، يُسجن الزاني سنةً، والمحارِبُ حتى تُعْرَفُ توبتُه". ٢٠ - ﴿مَكَانَ زَوْجٍ﴾: أفادَ عَوْدَ ضميرِ إِحْدَاهُن، ويسمى الاسْتِخْدَام. ٢٥ - ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ قال ابن عطية: "وقال أشهب في "المدونة": جائزٌ للعبد المسلم

стр. 387

أن يتزوجَ أَمَةً كتابية". يُرَدُّ بأنَّ ابنَ يونس واللخمي إنما نَقَلا عنه جوازَ التمادي على ذلك بعد الوقوع، فينبغى لابنِ عطيةَ أن ينقله كذلك. ٢٦ - ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾: اختلف الأصوليون: هل يَرِدُ في القرآن ما لا يُفهم؟. وهذا الخلاف إنما هو في اللفظ، وأما المعنى القديم فيستحيلُ فيه ذلك.

стр. 388

﴿وَيَهْدِيَكُمْ﴾: إن فُسِّرتْ بالهداية الأعمّية لزم التكْرَارُ؛ لأنّ ذلك نفسُ التبيين، وإِنْ فُسِّرت بالأخصية يلزم الخلْفُ في الخبر؛ لأن الكافر وعصاةَ المومنين غيرُ مهْديين. ٢٧ - ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ قول ابن عطية: "هو تكرار للتأكيد"، يرد بوجهين: (أ) - أن البيانيين فرّقوا بين قولك "زيد يقوم" وقولك "يقوم زيد"، فقوله (وَاللَّهُ يُرِيدُ) أخص من قوله "يريد اللَّه"، فهو تأسيس. (ب) -: أن الأول تضمَّن مشروعيةَ التوبة، والثاني إخبارٌ بقبولها، وأنّ

стр. 389

ذلك واجبٌ شرعا لا عقلا. وردّه أبو حيان بأنَّ معْمولَ الإرادة أولاً هو التكاليفُ، أي: "يريد الله تكاليفكم وليبين لكم". قال المختصِر: "في هذا نظر"؛ يريد: لأن التوبة متعلقة بالفعل وراجعة إليه، والتقدير: "يريد اللَّه تكاليفكم وليبين لكم ويتوب عليكم"، فكأنه معمول له. ٣٤ - ﴿تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾: أي: تعلمون أو تخافونه ووقع.

стр. 390

وكذا قوله (وَإِنْ خِفْتُمْ ... حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا)، لم يقل "حكمين من أهلهما"، وإن كان أخصر؛ لأن المراد أن يكون كل واحد من الحكمين من أهل أحد الزوجين لا من أهلهما معا. ٣٦ - ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾: إن قلت: العبادةُ متأخرةٌ عن التوحيد الذي من لوازِمِه نفْيُ الشريك، والمقدَّم على المقدّم مُقَدَّم. فالجواب من وجهين: (أ) - المراد بالشرك هنا الرياء لا الكفر. (ب) - أفاد حصول الدلالة مرتين، بالمطابقة وباللزوم. وجواب ثالث: وهو أن نفي الشريك أحد صور العبادة لا متقدم عليها،
следующие страницы →