← Тафсир

Тафсир · id 1731

نكت وتنبيهات في تفسير القرآن المجيد

البسيلي

Полный текст (901 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

التلمساني في مَحَامِلها. ﴿أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾: ولم يقلْ: "مِنْ عند الله"؛ لأن قولَه "بعلم اللَّه" إشارةٌ إلى علمِه بقولِهم (افْتَرَاهُ)، مع دلالتِه على أنه مِن عند اللَّه، وإلى هذا أشار بقولِه (وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ)، لأنه إذا لم يكن إِلهٌ غيرُه تعين كونُه مِن عنده، وكأنه احتراسٌ وتكميل، إذْ لا يلزمُ مِن إنزاله بعلمه كونُه مِن عنده إلا بعد ثبوتِ الوحْدانية.

стр. 457

١٦ - ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: تأسيس؛ لاقتضاءِ اسْمِ الفاعلِ الثُّبوتَ، و (حبِطَ) فعلٌ لا يقْتضيه. ١٧ - ﴿مِنَ الْأَحْزَابِ﴾: أفادَ التَّنْصيصَ على الكفّارِ المعاصرين للنبيّ ﷺ . ﴿فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾: النَّارُ خبرٌ مقدم ليُفيد الحصرَ بخلافِ العكْس. ١٨ - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾: وقع هذا اللفظُ في مواضع، وذلك يقْتضي تساوي جميعِها. ﴿عَلَى رَبِّهِمْ﴾: ذكر الرَّبّ هنا دون اسْمِ الجلالة المذْكورِ في أولِ الآيةِ، لاستشْعارِ العبدِ الوقوفَ بين يدي الرَّبِّ المحسنِ إليه المُنْعِمِ عليه وعرْضَه عليه، لاقتضاء لفظ الرَّبِّ ذلك.

стр. 458

٢١ - ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾: إشارةٌ إلى أن الخُسرانَ في الآخرةِ أشدُّ منه في الدنيا؛ لأنه في الدنيا قد يجدُ مَن ينصرُه. وفي هذه الآية إلى آخرِها حذفُ التقابُلِ، وذَكر أوّلاً لازمَ الخلودِ في النار وهو الضلالُ ولمْ يذْكرِ الْملزوم؛ وقد ذكره ثانياً في قوله (أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) ولم يذكرِ اللازم. ٣٤ - ﴿إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ﴾: تأسيسٌ؛ لأنَّ الناصحَ قد ينصحُ مَن لا يريد نصحَه، لكونِه مأموراً بالنُّصح. ٤١ - ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾: قال المفسرون: إِنّ نوحاً ﵇، كان إذا أراد إجْراءها قال بسم الله، وإذا أراد إمْساكها -وهو المراد بقوله تعالى (مرساها) - قال (بسم الله). وكان بعض الشّيوخ يقول: الذي يقتضيه لفظُ الآية أنه كان إذا أراد إجراءها قال: "بسم اللَّه مُجراها"، وإذا أراد إمساكها وإرساءها، قال: "بسم الله مُرساها".

стр. 459

﴿إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: لم يقلْ "إن ربي على كلّ شيء قدير"؛ لدلالةِ أولِ الآيةِ على ذلك. ٤٢ - ﴿وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾: أبْلغُ مِن قوله "ولا تكن مع المُغْرقين". ٤٣ - ﴿سَآوِي﴾: السِّينُ إِما للتّحقيق أو للاستقْبال. ﴿بَيْنَهُمَا﴾: أيْ بين نوحٍ وولدِه، لا بين ولدِ نوحٍ والجبل لأنّه غيرُ عاصم، لقوله تعالى (لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ). ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾: أبْلغُ مِن "فكان غريقاً". ٤٤ - ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي﴾: قدَّمَ إِبْلاعَ الأرضِ لأنه أهمُّ، والأصلُ تقديمُ إقلاعِ السماءِ.

стр. 460

﴿وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾: قال المفسّرون: قولُه (وَقُضِيَ الْأَمْرُ) عامٌّ في إِنْجاء مَن آمن وغرقِ مَن كفر. وكان بعض الشّيوخ يقول: في الآيةِ اللفُّ والنَّشْرُ الموافق، (وَغِيضَ الْمَاءُ) راجعٌ إلى قوله (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ)، وقولُه (وَقُضِيَ الْأَمْرُ) لقولِه (وَيَا سَمَاءُ اقْلِعِي). ﴿وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: يدُلُّ على شُؤْم الظلم وأنه أَشدُّ من الكفْر. ٤٥ - ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ﴾ الآية: نقل ع سؤالَ الزمخشري وجوابَه، ثمّ نقل عن بعضِ شُيوخه أنه استقرأ جميعَ ما وَقع في القرآن مِنْ أمثالِ هذه الآية، فوجده ثلاثةَ أقسامٍ: - قسمٌ تكون المصلحةُ فيه عائدةً على المنادَى، فلا يؤْتى بـ "الفاء"، ولا بـ "قال" وذلك نحو قوله تعالى (فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى) الآية. - وقسمٌ تكون فيه المصلحةُ عائدةً على المنادِي ولا بُعْدَ فيه، فيوتَى فيه

стр. 461

بـ "قال" دون الفاء، وذلك نحو قوله تعالى -حكايةً عن زكرياء ﵇ (إِذْ نَادى رَبهُ نِدَاءً خَفِيًّا قَالَ رَبِّ) الآية، فالمصلحة فيه عائدة على المنادِي، ولا بُعْدَ في التجاء العبد إلى ربه. - والثالث أن تكون المصلحة عائدة على المنادِي؛ وفيه بُعد، كما في هذه الآية؛ لأن الله تعالى قد أمَرَه بحمْل أهلِه ونجّاهم، وولدُه من أهله مع أنه قد غرق، فالمصلحة فيها غرابة وبُعْد، فهذا القسم يوتى فيه بـ "الفاء" و "قال" معاً. ٤٧ - ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ﴾ الآية: الفرْقُ بيْن هذه وبيْن آيةِ (وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِي)، هو أنّ مُتَعَلّقَ الاستعاذَةِ في هذِه قدْ حصَل: وهو سؤالُهُ عنْ حالِ ابنِهِ، فلذلك أتى بلفْظٍ يدُلُّ على الاستعاذَةِ في الحالِ وفي الاسْتقْبالِ؛ وفي تلكَ لما فهِم مِنْ حالِهم أنهم يرْجُمونه أخْبرَهم أنه تقدم له اسْتعاذةٌ من ذلك. ٥٢ - ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾: تكلمَ ابنُ عطيّةَ هنا في "التوبةِ"، وفي كلامِه تناقضٌ؛ لأنه جعَلَ نفْسَ إِيمانِ الكافرِ توبةً، ثم عرَّفَ التوبةَ وجعلَ مِنْ لوازِمِها الندَمَ، وهذا غيرُ لازمٍ في إِسْلامِ الكافر.

стр. 462

٥٣ - ﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ﴾: يُحتَمَلُ أنهم نفَوْا مُطلَقَ بيِّنةٍ وهي المعْجزة، أوْ نفَوْا معجزةً موْصوفةً بالبيان. ﴿وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾: جُملة مؤَكِّدة للتي قبلَها؛ لأنَّهم إِذا لمْ يتْرُكوا آلهتَهم لمْ يومِنوا. ٥٤ - ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾: نَسَبوهُ إِلى الجُنونِ وأنه مِنْ قِبَلِ آلِهَتِهم، وهذا مِنْ جُرْأَتهم. ٥٧ - ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ الآية: ذكَر الزّمخشري هنا سؤالاً وجوابَهُ، وأنّه إنمَا يَرِدُ على أن التبْليغَ قبْلَ التولِّي، وأما على أنه قبلَه وبعدَه فلا يَرِدُ.

стр. 463

ويُرَدُّ جوابُه بأنَّ الحَرَجَ المنْفِيَّ إِنْ كان قبلَ التَّبليغِ فباطلٌ، إذْ ليسَ قبلَ التّبليغِ حرجٌ؛ وإن كان بعدَ التّبليغِ فتحْصيلُ الحاصل، لأنّه قدْ بلَّغَ فلا حَرَجَ عليه. ٦١ - ٦٢ - ﴿وَإِلَى ثَمُودَ﴾ إلى قوله ﴿مُرِيبٍ﴾: يدُلُّ أنٌ الأمْرَ بالشيءِ نهْيٌ عن ضدِّه؛ لأنَّه أمَرَهم بعبادةِ اللَّهِ فأجابوه بقوْلِهم (أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا)، إلا أنْ يُقال: أجابوه عنْ قولِه (مَالَكُم مِّنِ إلَهٍ غيره). ٦٣ - ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾: لما ذَكَرَ الشّيخُ ابنُ عَرَفَةَ سؤالَ الزمخشري وجوابَه في قولِه (إِن كُنتُ)، نقَل عن بعضِ شيوخِه أن جوابَ

стр. 464

نوحٍ مِنْ بابِ المقابلةِ، مثل (وَمَكَرواْ وَمَكَرَ الله)؛ لأنَّ قولَهم (قدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا) إلى قولِهم (وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا) أَتوْا فيه بثلاثة شُكوكٍ: - الأولُ "قد"؛ لأنها للتوقُّعِ المعروضِ للشكِّ. - الثاني (مَرْجُوّاً)؛ لأنّ الرّجاءَ معْروضٌ للشكّ. - الثالثُ تصْريحُهم بقولِهم (وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ). فأجابهم بقولِه (إِنْ كُنْتُ) على معنى المقابلةِ، وقابَلَ قولَهم (يَا صَالحُ) بقوله (يَا قَوْمِ). وقال ابنُ عطيّة في هاءِ ﴿بَيِّنَةِ﴾ أنها للمبالَغة كعَلَّامَةٍ ونسَّابةٍ. زادَ ع عن بعضِ شُيُوخه أَنها لِمَا هو أخصُّ وهو الوحْدةُ؛ وإِذا كانتِ البيّنةُ الواحدةُ معجزةً فأحْرى ما زادَ.

стр. 465

٦٤ - ﴿وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾: تعقبَ أبو حيّان كَلاَمَ الزمخشريّ في تعلُّقِ "لكم". ع - مُقَرِّراً كلامَ أبي حيان في التَّعلُّقِ المعنويِّ -: "يحتَمِلُ تعلُّقُ "لكم" ثلاثةَ أوْجه: - الأولُ أنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ، أي: هذه لكم. - الثاني أنْ يتعلَّقَ بـ "نَاقَةُ". - الثالث أن يتعلقَ بـ "آيةُ"، كما قاله الزمخشري. ٦٦ - ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾: التفاتٌ منَ التَّكَلُّمِ، وهوَ (أَمرُنَا)؛ وما بعْدَه إلى الْغَيْبَةِ. ٦٧ - ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾: الحُكْمُ على الأَعَمِّ وهو الظُّلمُ يسْتلزِمُ الحكمَ على الأَخَصِّ وهو الشِّرْكُ.

стр. 466

وتذْكِيرُ الفعل معَ أَن الفاعلَ مؤَنَّثٌ، إِمَّا للفصْلِ أوْ لكونِ التأنيثِ غيرَ حقيقيٍّ، أوِ الصيحةُ بمعنى الصياحِ. وجمعُ الديارِ معَ الصيحةِ وإِفْرادُها معَ الرجفةِ؛ لأن الرَّجفةَ أشَدُّ، فتُرَدُّ الديارُ كدارٍ واحدةٍ. ٧٤ - ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ﴾: قُدِّمَ المجْرورُ لأنَّهُ المقصودُ، ولِشَرَفِ إبْراهيم. ٨٩ - ﴿وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ﴾ الآية: الذي أَصَاب قومَ نوحِ الغَرَقُ، والذِي أَصَابَ قوْمَ هودٍ الصيْحَةُ، والذي أَصابَ قومَ صالحِ الهلاَكُ وقال أقليدس: "الأشياءُ المساويةُ لشيءٍ واحدٍ مُتساوية"، وهذه متَبَاينةٌ، فكيْفَ يُصيبُهم مثْلُها؟. والجوابُ: أَن المُماثَلَةَ في القدْرِ المشتَرَكِ بيْنهما، وهو مُطْلَقُ الإِهلاكِ. ٩٢ - ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾:

стр. 467

الهمزَةُ للاسْتفهامِ بمعْنى الإِنكَارِ، وهمْ لمْ يجْعَلُوا رهطَه أَعَز، بلْ أثبتُوا لهُمُ العِزةَ ونفَوْهَا عنِ اللَّهِ، وإِنَّما يُنْكَرُ على الإنسانِ مَا صَدَرَ منه. والجوابُ أنه إِذا أنكَرَ عليهم جعْلَهُمْ رهطَهُ أَعَزَّ، فأحْرى حصْرَ العزَّةِ فيهمْ. ٩٩ - ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: (فِي هَذِهِ): في الدّنيا. فإِنْ قلتَ: إنما فائدَةُ اللعنةِ توبيخُ الملْعُونِ وذلكَ مَعَ حُضُورِهِ، وهؤلاءِ قدْ غرقوا .... ! فالجوابُ: أن لعْنتَهم ذَمٌّ لهمْ وتفيدُ ثوابِ لاَعِنِهِمْ. ١١٨ - ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾: الجملةُ الثانيةُ مؤسِّسة؛ لأن مفهُومَ الجمْلَةِ الأولى، حصولُ الاختِلافِ الأعَمّ مِنْ دوامه وَعدمِهِ. ومفهومُ الجملةِ الثانيةِ دوامُهُ.

стр. 468

سُورَةُ يوسُف ٢١ - ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ﴾ الآية: إِنْ جُعِلَ قولُهُ قبْلُ (وَشَرَوْهُ) عَلى بابهِ مِنَ الشِّراءِ، دلتْ هذِه وتلْكَ على أنهُ بِيعَ مرتينِ. وإنْ جعِلَ (شرَوْهُ) بمعنى "باعُوهُ" فمرةً واحدةً. وصيغَةُ (أَكْرِمِي) للوجُوب. ٢٢ - ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾: وفي آيةِ القَصَصِ زيادَةُ (واسْتوى). والفرْقُ: أن الصادِرَ منْ موسى بالْوحْيِ والنُّبُوءةِ، فناسَبَ ذِكْرُ القوةِ والاستواء؛ والصادِر منْ يوسُفَ باعتبارِ رُؤْيَاهُ، فناسَبَ ذِكْرُ القوةِ دونَ الاستواء.

стр. 469

﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾: يَدُلُّ أن يوسُفَ منَ المُحْسِنينَ. ٢٣ - ﴿وَرَاوَدَتْهُ﴾: مفَاعَلَةٌ؛ منْها: بالمطالبةِ بالفعْلِ، ومنْه: المطالبة بالتركِ. ﴿الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا﴾: لمْ يقُلِ "امْرَأَةُ العزيزِ"، إِشارةً إلى كَمالِ عِصْمةِ يوسفَ؛ لامتناعِهِ معَ كونِه في بيْتِها وتحتَ حُكْمِها. ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾: قولُ ابنِ عطيةَ: "ليسَ هذا التضْعيفُ للتعْديةِ بلْ للمبالغَةِ"؛ تقريرهُ: أن هذا الفِعْلَ متعَدِّ قبلَ التضعيفِ، تقول: غَلقتُ الباب. ﴿أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾:

стр. 470

يدُلُّ أن الآمِرَ بالشيء كَفاعلِهِ إذا قبِلَهُ المأمورُ؛ لأن العزيزَ قال لامرأتِهِ: (أكرمي مثواه)، فجَعَلَه يوسفُ فاعلاً للإكرامِ. ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾: يدُلُّ على شؤمِ الظالِمِ وعَدَمِ فلاحِهِ وسوءِ عاقِبَتِه وإِنْ حصَلَ مقْصودُهُ. ٢٤ - ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾: سُئِلَ عنها الشيخُ الصَّالح العالِمُ أبو محمدٍ عبدُ العزِيزِ المهْدَويُّ فأجابَ:

стр. 471

"اعْلمْ أن الأنبياء ﵈ مَنَزَّهونَ عنِ الفواحِش، معْصومونَ منَ الكبَائِرِ. وعندَنا عالَمانِ: - عالَمُ العِلمِ والإرادةِ، وهو المُعبَّرُ عنه بالعالمِ العُلْويِّ، المسمَّى بعالَمِ الملَكوتِ. - وَعالَمُ الملكِ والشهادةِ، وهو المعبَّرُ عنه بالعالَم السُّفْليِّ. فالعالَمُ المَلَكُوتِيُّ هو الذي لا يَقْتضي الترْتيبَ ولاَ الزَمانَ ولا المكانَ، وإِنما هو أَمْر ربَّانيٌّ إِراديٌّ، (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)، إِذْ ليسَ في وجودِه تقْديمٌ ولا تأخيرٌ ولاَ زيادةٌ

стр. 472

ولا نَقْصٌ؛ فهذا عبارةٌ عنِ العالمِ الملَكوتيِّ المسْتمرِّ على حقيقةٍ واحدةٍ، وهو الأَزَليُّ الذي لَا كسب فيه، وإنَّمَا الكسْبُ في عالم الملكِ والشَّهَادةِ، المُضَافِ إليه القدرةُ المُصَرِّفَةُ للحكمَةِ، وفيه الترتيبُ والكسْبُ والزمان والمكانُ والأكوانُ والأحكامُ. فعبّر عما ظَهَر في عالَم الأمرِ والإرادةِ المسَمَّى بالعالَمِ الملكوتي بالأَزَلِ، وعبّر عمَّا ظَهَر في اخْترَاعِ القدْرَةِ المُصَرِّفَةِ للحكمةِ المسَمَّى بعالَمِ الملك والشهادةِ بالأبَدِ؛ إذْ في تبايُنِهِمَا ظَهَر الترتيبُ الحُكْمِيُّ والارتباطُ الزمنِيّ، وظَهَر الكسُب وشُرِعتِ الشَّرائعُ، وخرجتْ لا إله إلا الله محمدٌ رسول اللَّه على هذِه النِّسْبة مِنْ معنى العالَميْنِ اللذَيْنِ هما عالَمُ الملْك والشهادةِ، وعالَمُ الملكوتِ والأزَلِ والأبدِ؛ فلذلكَ لا إله إلا الله أزليةٌ لِفَراغِ الخَلْقِ منها، وهيَ صفَةُ عالَمِ المَلَكوت، ومحمدٌ رسُولُ الله أبديَّةٌ، وهي مِنْ صفةِ عالَمِ الملْكِ، فَماَ يظْهَرُ منَ الكسْبِ يعزى إلى الأبد، وما نَزَلَ معَ ترتيبِ الأحكامِ بالكسب يعزى إِلى الأزلِ، ولهذَا المعْنى لمَّا شاهَدَ الخضر ﵇ الغلامَ في دائرَةِ العلْم والإرادَةِ التي هيَ مَلَكوتيَّةٌ، وعَلِمَ أنهُ سيكونُ منْهُ مَا قَصَّ اللَّهُ عليْنا قتَلَهُ، فأنكَر عليهِ موسى ﵇؛ لأنهُ حَكَمَ على

стр. 473

الغُلامِ بحكْمِ عالم الملْك والشَّهادَةِ، قالَ له: أقتلْتَ نَفْساً ... الآية، أي: لَا تقْتُلْهُ حتى تَبْلُغَ الزَّمَنَ الذي يَخْرُجُ منه فيهِ الفعلُ ويفعله، وحينَئذ تُعاقبُهُ عليهِ بالقتلِ؛ فهذا حكمُ الشرائعِ المسَطورةِ والأخبارِ المأْثورَةِ، فقال له: (أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا)، قال له موسى: (إِنْ سَاَلْتُكَ عَنْ شَيءٍ بعْدَهَا) الآية. وليسَ مُرَاد موسى ﵇ إِنْكَار عِلْم، وإنّمَا هو إِنكارُ اختلاف تباين الأحكَام، إذْ أحكامُ عالم الملَكُوتِ تُبايِنُ أحكامَ عالم الملْكِ والشهادةِ، مِنْ جهةِ الشرْط والمشْروطِ؛ لأنَّ حُكمَ عالم الملكوتِ باللَّهِ لا يُقَامُ في عالم الملْك حتى يبْلُغَ الوقتُ ويظْهَرَ مشْرُوطهُ، فمِنْ هاهُنا كانَ إنكارُه. وإنما أسسْتُ هذا لك لأُعَرِّفَكَ مِنْ أينَ كانتْ هِمَّةُ يوسف وهمَّةُ زليخَا، وأن الأنبياءَ ﵈ إنما تولّوا إلى الخلْقِ مِنْ دائرَةِ العلمِ والإرادَةِ التي هي عالم الملكوتِ، إلى دائرةِ الملك والشَّهادةِ؛ فهمَّةُ يوسف ﵇ بزليخا إنما كانتْ مِنْ عالَمِ المَلَكوتِ لأنَّه عاينَ في تلكَ الدائرةِ ملْكا له، وبقي الوقتُ المرتبط بعالم الملكِ والشهادةِ الذي لمْ يبْلُغْ وقتَهُ، فعرَضَ له جبريل -الذي هو مِنْ عالَم الملَكوتِ- في صُورةِ والِدِه الذي هو من عالَمِ

стр. 474

المُلْكِ عاضّاً على أُصبُعِهِ، برهانا له لِيَقَعَ التناسبُ، بيْنَ العوَالِمِ بعضِها ببعْضٍ، فسُجِنَ في دائرةِ العلمِ والإرادَةِ حتَّى بَلَغَ الوقتُ في دائرةِ عالَمِ الملكِ والشهادةِ، ولما وقَعَ السِّجنُ بالأمرِ الإلهيِّ في دائرةِ عالَم الملكوتِ، تمنَّى يوسُف ﵇ السجنَ هنا في دائرةِ الملكِ والشهادةِ على مقْتضى الترتيب الحكميِّ والأمْرِ الشرْعيِّ، وليسَ منْ شأْنِ الأنبياءِ ﵈ التَّعَرُّضُ للبلايا، إِنما شأنهم طلبُ العافيةِ والرِّضا. وهمَّةُ زليخا إنما كانَ باطنُها محبَّة أزليَّة، وظاهرُها شَهْوَانية، فانْحَجَبتْ عنِ المحبةِ الأزلية بالشَّهوةِ الطبيعيةِ، وكذلك لمَّا قالت: (مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ) فكلامُها ظاهرٌ وباطنٌ، فظاهرُهُ خطابٌ للعزيزِ لأنها منْ أهلِه، وأن يوسف ﵇ أَرَادَ بها السُّوءَ، وباطنُهُ في الحقيقةِ خطابٌ للحقِّ؛ كأنها قَالت: يا ربِّ ما جَزاءُ منْ أرادَ بأهلِكَ سوءاً إلا أن يسجن؛ لأن يوسَف ﵇ في الحقيقةِ منْ أهلِ اللهِ، وهي التي أرادَتْ بهِ السُّوءَ؛ لغَلَبَةِ محبة الطبيعةِ على المحبةِ الأزليةِ، فسجَنَ العزيزُ يوسفَ ﵇ -

стр. 475

في سجنِ الحبْسِ، وسَجَنَ الحقُّ زليخا في سجْنِ العَمَى، إذْ حقيقةُ السجن عدَمُ التصَرُّفِ في الأشياءِ، إِلا أنَّه لمَّا كانَ الأصلُ صحيحاً في العالَم الملَكوتي خرجَ يوسف ﵇ منْ سجْنِ الحبسِ، وخرجتْ زليخا من سجْنِ العمَى، وعادتْ إلى الصُّورةِ التي رآها عليها في الدائرةِ الأولى، ولما رجعتْ إلى صورتِها الأولى التي كانتْ عليها، وقَعَ الاتفاقُ بينَ دائرةِ العلمِ والإرادةِ ودائرةِ الملكِ والشهادةِ، فدَخَل بها وطلبها في نفسِها، فأبتْ عليهِ وفرَّتْ بينَ يديْهِ، حتَّى جذَبهَا وقَدَّ القميصَ عليها مِنْ دُبُرٍ، ونُوديَ يا يوسف: جذبةٌ بجَذْبة، وهربةٌ بهربة، وتمْزيقٌ بتمزيق. وكانَ سببُ نُفُورِها منهُ أنها رأتْ برْهانَ ربِّها، وهو رُجوعُها إلى صُورَتِها الأولى: البَصَر بعد العَمَى، والغِنَى بعد الفقْرِ، فهربتْ إلى محبةِ اللَّه تعالى عنْ غيْرِهِ، ولَمْ تزلْ كذلك حتى نُودِيَ

стр. 476

(يَا يوسُفُ) أخبرها أَن رِضَا اللَّهِ في رضاكَ. فعند ذلكَ سَكَنَتْ وطَابَتْ نفْسُها، وتزوَّجها، ووَلَدَتْ لَه اثْني عشَرَ ولداً ذَكَراً كلّهم أنبياءُ مرسلونَ، ومِنْ هذا المعْنى يُفهم "منْ همَّ بحسنةٍ فلمْ يعملْها كُتِبَتْ له حسنةٌ، ومن همَّ بسيئةٍ فلمْ يعملْها ... " الحديث". ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾: ذَكَر المفَسِّرونَ في معْناهُ مَا حاصِلُهُ ثلاثةُ أُمورٍ: البرهانُ بالقَوْل، أوْ بالفعلِ أوْ

стр. 477

بالفِكْر؛ وهو أنها سَتَرَتِ الصَّنَمَ فتذكر هُوَ وخافَ مِنْ رؤيةِ اللَّهِ تعالى لهما. فإنْ قلْت: همُّها بهِ قدْ عُلِمَ منْ قوله (وَرَاوَدَتْه)، فلِمَ أقسمَ عليه؟. ويتأكدُ هذَا السؤالُ على قولِ الزمخشري: "يحْسُنُ الوقفُ على (هَمَّتْ بهِ)، ووجْهُهُ تغايُرُ الهمَّيْن؛ لأن همَّها دائمٌ، وهمّه كانَ خَطْرَةً". فالجوابُ: أَن القسَم لاِستبْعادِ همِّها به لكونهِ نبيئاً معْصوماً، معَ اتِّخاذِها إِياهُ ولَداً. وقولُ ابنِ عطيةَ: "همُّهُ هذا منَ الصغائر المسْتسْهلَةِ"، خطأ؛ لإجماعهمْ على أن ما هو مباحٌ للأنبياءِ إنْ ذُكِرَ على وجْهِ التنقيص بهمْ قُتِلَ قائله. وإنْ ذُكِرَ على معنى التَّسَلِّي أُدِّبَ؛ وهذا كقولِ القائل: إِنه ﵁ رعا الغنَم.

стр. 478

٢٩ - ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾: الصوابُ تقديرُ حذْفِ النِّداء بِالهمزةِ الدَّالَّةِ على القرْبِ. ﴿مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾: لمْ يقلْ: من الخاطئاتِ؛ فجَعَله الفخْر منَ التغْليب. وفي بعضِ نُسَخِه: "أي: منْ جنسِ الخاطئين"، وفي بعضها: "من نسْلِ الخاطئين"، وهذا لا يُناسِب!؛ لأن المقصودَ أَنها مِنَ الخاطئينَ لا منْ نسْلهِم. ٣٠ - ﴿فِي الْمَدِينَةِ﴾: لمْ يقلْ "مِن المدينةِ"، إشارةً إِلى شيَاعِ ذلكَ فيه. ﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: فيه المذْهبُ الكلاَمِيُّ، أيْ مذْهبُ علم الكلامِ؛ وهو إِطلاقُ لفظٍ يشْتمِلُ على صِحةِ دعْوى المُدَّعي، ولوْ

стр. 479

طولِبَ النِّسْوةُ بالدليلِ لأجبْنَ به. ٣١ - ﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا﴾: يحتَمِلُ الكُلَّ ويحْتمِلُ الكليةَ، لكنَّ قولَهُ (وقطعْنَ أيْدِيَهُن) يدُلُّ على الكليةِ، ولوْ قيل: "سِكِّينًا سِكِّينًا"، تعَيَّنَ معنى الكليةِ. ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ﴾: هذا أبْلغُ مِنْ "فلمّا خرجَ"، وإِنْ كانَ هو المطابقَ لقوْلها (اخرُجْ)، لاقْتضاءِ مَا ذُكِرَ أنهنَّ أكبرنهُ بنفْسِ رؤْيتِهِن إيَّاه قبلَ خروجِه. ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾: كونُه بشراً حقيقةٌ لا مجازٌ، فيُرَدُّ قولُ الأصوليِّينَ: "منْ علاماتِ المجازِ صحةُ النَّفْيِ"؛ لأن كونَهُ بشراً حقيقةٌ. وقراءَةُ الجمهُورِ على لغةِ أهْلِ الحجازِ في عَمَلِ "مَا". وقراءةُ ابنِ

стр. 480

مسْعودٍ برفْعِ بشراً على لُغَة بني تميم. وحكى ابنُ مالكٍ في بعضِ كتُبِه لغةً ثالثةً لأهلِ نجد: وهو أن خبرَ "ما" يكونُ مجروراً بالباءِ لزوماً؛ وذلكَ على لغة الحجازِيِّينَ جائزٌ غيرُ لازمٍ. ٣٢ - ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي﴾: إدْخالُ الفاءِ في المقُولِ دونَ القوْلِ وإِنْ كان قولُهنَّ (ما هذا بشراً) سببَ قولِها، إشارَةٌ إلى جَهْلِهِنٌ سببَ محبَّتها. ٣٣ - ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ﴾: قرأَ يعقوبُ بفتحِ السِّينِ على أنه مصْدرٌ، وقراءَةُ الجماعةِ بكسْرها أدْخَلُ في الشِّدةِ؛ لأنه اسْمُ مفعولٍ يدُلُّ على قبْحِ المكانِ المُعَدِّ لذلك.

стр. 481

﴿أَحَبُّ﴾: ليستْ على بابِها منَ الشركةِ، إذْ لمْ يُحبَّ ما طُلب منه؛ فهيَ منْ بابِ: "العسلُ أحْلى من الخلِّ"، فهي فعل لا أفعل. ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾: مِنْ تقديمِ المُسَبَّبِ على السببِ لأنه المقْصودُ الأهمُّ. والجهلُ هنا هو المرَكبُ. ٣٤ - ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾: قيل: "أجابَ" أعم منِ "اسْتجابَ" لإتْيانه في الموافقِ والمخالفِ، و"اسْتجابَ" في الموافق خاصةً. وقيل بالعكسِ؛ فعلى هذا، تكونُ جملَةُ (فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ) تأسيساً، وعلى الأولِ تكونُ تأكيداً. والتأسيسُ أوْلى، فتدُلُّ الآيةُ على القوْلِ الثَّاني.

стр. 482

وقوْلُ الزمخشري: "لمْ يتقدمْ منْ يوسفَ دعاءٌ"، يُرَدُّ بأن قولَهُ (ربِّ السِّجن أحبُّ إليَّ) ... إلى آخِرِه، يدُل بالالتزام على الطلب؛ كما قاله المنطقيُّونَ في قولِ السيِّدِ لعبدِه: "أنا عطشانٌ"، وأَنه أبلغُ من قولهِ "اسْقِني"؛ لدلالتِهِ على حاجتهِ لذلك نصّاً، ودلالةِ "اسْقني" على حاجتِهِ للشُّربِ ظاهراً لا نصّاً، وقدْ لا تقْوى حاجتُهُ لذلك، وقدْ يكونُ شربُهُ لاختبارِ حالِ المَاءِ. ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾: لدُعاءِ الداعي. ﴿الْعَلِيمُ﴾: بإِخْلاصِهِ في دعائِهِ. ٣٥ - ﴿مِنْ بَعْدِ﴾: يقتضي أولَ أزْمنَةِ البَعْديَّةِ، فهو أبْلغُ منْ عدَمِ الإتيانِ بـ منْ.

стр. 483

﴿الْآيَاتِ﴾: الأظْهَرُ أنَّها مِنْ قولِه: (فلمَّا رأَى قَمِيصَهُ) إلى قولِه (مِنَ الْخاطِئِينَ)؛ فالآيةُ الأولى قَدُّ القميصِ، والثانيةُ نسْبة الذنْبِ إليها، والثالثةُ دُخولُها في جملَةِ الخاطئين. ٣٦ - ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ﴾: ابنُ عطية: "يحتملُ دخولَهم جميعاً أوْ مفْتَرِقين". ع: "بناءً على صِدْقِ "دخَل" على الاستقرارِ في المكانِ، أوْ على الانتقالِ إِليه. ومنهُ الخلاف فيمنْ حلفَ لا أدخُلُ على فلانٍ بيتاً، فدخَلَ المحْلُوفُ عليه على الحالف". ﴿نَبِّئْنَا﴾: طلبُوا النَّبَأَ الذي هو أخصُّ منَ الخبَر. ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾:

стр. 484

تعْليلٌ وتفْسير، والأولُ أظهر. ٣٧ - ﴿مِمَّا عَلَّمَنِي﴾: يدل على أن تفسيرَ الرؤيا مِنْ جملةِ عُلوم عَلِمَهَا. ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ﴾: المِلَّة ما اعْتُقِدَ كونُهُ ديناً أعم منْ كونِهِ باطلاً أوْ حقاً. والدِّينُ يُقَيِّدُ كونه حقاً. ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾: هذه الجملةُ إِما مفَسِّرةٌ للتي قبلَها -وهو الأظهر-، أو مستأنفة. ٣٨ - ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ ... ﴾ الآية: بدأَ بإبراهيمَ لأنهُ أبو الكلِّ وأصْلُهم، ثم ما بعدَهُ على الترتيب. ﴿مَا كَانَ لَنَا﴾: يعنى: هو وآباؤُه. ﴿وَعَلَى النَّاسِ﴾: يعني الأممَ الذينَ بُعِثُوا إليهم، وآمنوا بهم.

стр. 485

٣٩ - ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾: أتى بِـ "يَا" دونَ الهمزةِ معَ حصولِ القُرْبِ، إشارَةً إلى بُعْدِ مقامِهِ مِنْ مقامهما. ﴿أَأَرْبَابٌ﴾: جعلَ الفخْرُ الهمزَةَ للاسْتفهامِ في معنى الإنكارِ؛ لأنهمْ كانوا عَبَدَةَ أوْثانٍ. ويحتملُ أنْ يكونَ للاسْتِنْطاق. ﴿أَمِ اللَّهُ﴾: لمْ يقُلْ: "أَمِ الرَّبُّ"؛ لدلالةِ اسْمِ الجلالةِ على الخلقِ والاختراعِ. ٤٠ - ﴿الْقَيِّمُ﴾: ابنُ عطية: "أي: المسْتقيم". ع: "أوِ الظاهرُ القائمُ على غيرِه، وهو مفعولُ "لا يعلمونَ"". ٤١ - ﴿أَحَدُكُمَا﴾: يحتملُ أنه لمْ يعَيِّنْهُ وهو الأظهَرُ، تلَطُّفاً في الجوابِ، ويحتملُ تعيينهُ.

стр. 486

٤٢ - ﴿ظَنَّ﴾: فاعلُهُ ضميرٌ يعودُ على يوسف، أوْ على "الذي" على التَّفْسيريْنِ في الظَّانّ منْ هو؟. ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾: قيل: بِمَا رأيْتَ منْ علمي وإحْساني، وقيلَ: بأنّي مظلومٌ. والصوابُ الأمرانِ معاً. ﴿فَأَنْسَاهُ﴾: ذَكَر المفسّرونَ خلافاً في عَوْد الضميرِ، والصَّوابُ التفريقُ في راجِحِيةِ السّببِ ومرْجوحِيتِه، فهو في الأمْرِ الدّينيِّ راجحٌ، وفي الأمْرِ الدُّنيويّ مرْجوحٌ. ﴿ذِكْرَ رَبِّهِ﴾: على أَن ضميرَ (أنساهُ) لِيوسف، التقْديرُ "أنْ يذْكُرَ ربَّهُ"؛ وعلى أَنه للساقي، فالتقديرُ:

стр. 487

"ذِكْرَ عنْد رِّبه". ٤٣ - ﴿أَرَى﴾: للتصوير؛ لِتَقَدُّمِ رؤيتِهِ؛ كقولِهِ تعالى: (فتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً). ﴿سِمَانٍ﴾: مَن نصَبَ جعَلَ المُخرَجَ منهنَّ غيرَ سِمَانٍ، ومنْ خَفَضَ فعلى العكسِ. وانظرْ فرْقَ الزمخشري. ٤٥ - ﴿نَجَا﴾: عَبَّرَ هنا بالماضي، وفي التي قبلَها باسمِ الفاعِل؛ لأن الماضي يقتضي الحُصُولَ والثُّبوت، فناسب هَاهنا. وفيما تقدمَ النجاةُ مظْنونةٌ، لاسيَماَ على قولِ من قالَ إِن تفسيرَ الرؤيا لمْ يكن بوحي. ٤٨ - ﴿ثُمَّ يَأْتِي﴾: أتى بـ "ثُمَّ" المقتضيةِ للمهْلة باعتبارِ المكانِ لا الزمانِ، إِذْ لا مهلةَ بينَ

стр. 488

السبْعِ وعامِ الإغاثَةِ. ٦٢ - ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ﴾: معطوفٌ على قولِه (فإن لمْ تَأتُوني بهِ)، لأن جملةَ (سَنُرَاوِدُ) منْ قولِ إخوتِه. وقرئَ بجمعِ القلةِ وجمعِ الكثرةِ؛ فالقلَّةُ باعتبارِ المثْلينِ، والكثرةُ باعتبارِ المقولِ لهم. ٦٧ - ﴿مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾: لم يقلْ "متعدِّدةٍ"؛ لأنهُ أراد تباعُدَ ما بينهَا، لأنهُ أدْخَل في مُرادِه. ٧٢ - ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾: أُخِذَ منه جوازُ الجُعل، مُنضَمّاً إلى أن شرعَ مَن قبلَنا شرعٌ لنا. وكان ابنُ عبد السَّلام يقول: "لا يؤخذُ منه؛ لأن قائلَ هذه المقالةِ عَلِمَ

стр. 489

موضِعَ الصُّواعِ، ولا يجوزُ عندنا أنْ يجعلَ الإنسانُ شيئاً في مكانٍ ثم يجعل جُعْلا لمن يستخْرجُه". ع: "وكنا نجيبُهُ باحتمالِ أن يكونَ القائلُ غيرَ عالم بموضعِ الصُّواع". والحِملُ إنْ كان معلوماً عندهم فبَيِّنٌ، وإِلا فإنْ كانَ شرعُهم مخالفاً لشرعِنا فبَيِّنٌ أيضاً. قال في "المدونة": "لا يجوزُ له أن يقولَ: أبيعُك قَدْرَ مِلْءِ هذه الغرارة، أوْ أبيعُك هذه الغرارةَ ومثْلَ ملئِها مَعَها؛ لأن ملأها مجهولٌ"، والذي في الآيةِ جُعْلٌ، وشرطهُ علْمُ المجْعولِ به. وأخَذَ منها ابنُ العربي جوازَ الإجارَةِ -قائلاً: "إِنما خالفَ فيها الأصمُّ"- وجوَّزَ الجعل والحمالةَ من قولِه (وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ).

стр. 490

قلت: إنْ قيل الإجارةُ والجعالَةُ لا يجتمعانِ، فلا يَصحُّ أخْذُهما معاً من الآيةِ، بلْ أحدُهما. فالجوابُ أنَّ الواقعَ في القصةِ جُعْلٌ، وقال في "المدونة": "كلُّ مَا جازَ فيه الجعلُ جازتْ فيهِ الإجارَةُ". ٨٠ - ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ ... ﴾ الآية: هذا عشر يوم السبت، سابع شهر شعبان، منْ عامِ ستّة وثمانينَ وسبعِمِائةٍ؛ وابْتَدَأَ قراءَةَ العشرِ والحدِيث مِنْ هَذَا اليَوْم، الفقيهُ أبُو عبدِ الله بنُ مُسافِر، عِوَضا عَن سَيدي عِيسَى الغُبْرِينبي. الفاءُ في "فلمَّا" عاطفةٌ، إما على جملةِ (معاذَ اللَّهِ)؛ لقُرْبِها، وإما على جملةِ (قَالُوا جَزَاؤُهُ)، ليَكُونَ المعطوفُ والمعْطوفُ عليهِ منْ مَقُولِهِمْ. أوْ تكونُ الفاءُ للاسْتئنافِ. ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا﴾: خاطبَ إخْوتَه دونه، مَعَ أنهُ مِمنْ أخَذَ عليه يَعْقُوبُ الميثاقَ؛ لأنه بقوله (فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ) إلى آخره، أَخْرَجَ نفسَه منْهُم.

стр. 491

﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾: قدّمَ المجرورَ لأنَّهُ المقْصودُ لا مطلق الإذْنِ. ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾: أي: بغيرِ إِذْنِ الأب؛ لأنهُ بحكمٍ من اللَّهِ. ٨١ - ﴿ارْجِعُوا﴾: للوجوب. ﴿فَقُولُوا﴾: للإرْشادِ. ﴿وَمَا كُنَّا﴾: الواوُ إِمَّا عاطفةٌ، أوْ واوُ الحَال. ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾: اعْتذارٌ، أي: لوْ علِمْنا أَن الأمر يؤُولُ لِمَا وقعَ، لَما شهِدْنا عليه.

стр. 492

وهذا مُشْكلٌ على مذْهبِنا في الشهادةِ على القَريبِ، قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ) إلى قولِه (أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ). ٨٣ - ﴿بَلْ سَوَّلَتْ﴾: إِضْرابُ إبطالٍ عنْ سَمَاعِ قولِهم، وفَوَّضَ الأمرَ إِلى اللَّهِ تعالى، أوِ انتقالٌ، انتقَلَ عنْ سَماعِ قولِهم إلى تذْكيرِهم بتفْريطِهم في يوسف. ٨٥ - ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ﴾: هذَا منَ الحلِفِ على أَمْرٍ مظْنونٍ. وفيهِ في شرْعِنا خلافٌ، ومُختارُ ابنِ الحاجِبِ المنع؛ لقولِه: "قلتُ: والظَّاهرُ أن الظن كذلك"، أي: غَمُوسٌ كالشكِّ. ١١٠ - ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾: دكَرَ ابنُ عطية في "الظنِّ" هلْ هو على بابِهِ أوْ بمعنى

стр. 493

اليقين؟. ع: "إنْ كانَ المُكَذِّبونَ أكثَرَ منَ المُصَدِّقينَ، فالظنُّ بمعنى اليقين".

стр. 494

سُورَةُ الرَّعْد ابتدأنا تفسيرها في يوم الثلاثاء رابع عشرين من شعبان، عام ستة وثمانين وسبعمائة. نقل ابن عطية هلْ هذهِ السُّورةُ مكيةٌ أو مدنية؟. ع: "الأرجح أنها مدنية؛ لأنه إذا تعارض التقدم والتأخر، عمل على المتأخر لاستلزامه المتقدم". ١ - ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: يدل على وقوع تكليف ما لا يطاق؛ لأنْ أُمِرَ الناسُ بالإيمان بمحمد ﷺ وبما جاء به، ومن جملة ما جاء به أن أكثر الناس لا يومنون بما جاء به، فقد

стр. 495

أمروا أن يومنوا بأن لا يومنوا، كما في قضية أبي جهل. ٢ - ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ﴾: البناء على اسم الجلالة يفيد الاختصاص والعظمة والقدرة. ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾: أبو حيان: "عَمَد" اسم جمع لا جمع، ومن قال إنه جمع، أراد أنه يفيد ما يفيده الجمع، لا أنه جمع حقيقة". ثم قال: "ومفرده "عماد""، وهو خلاف قوله أولا لاقتضاء هذا أنه جمع.
следующие страницы →