← Тафсир

Тафсир · id 1731

نكت وتنبيهات في تفسير القرآن المجيد

البسيلي

Полный текст (901 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

٨ - ﴿لِيَكُونَ﴾: قال أكثرُ المفسرين: هي لام العاقبة، وقَرّرُوا وجْهه؛ وجعلَها الزمخشريُّ هي لام التعليل، وقرر وجهَه. ع: هي لام "كي" التي للتعليل، وتقريرُه أنّ فعلَ الإنسان ينقسم باعتبار الكسب وباعتبار الخلق إلى القسمين المذكورين، فتَعَذَّرَ هنا الكسب؛ لأن الالتقاطَ غير مكسوب. قال ابن عطية: "الالتقاط هو الأخذ عن غير قصد"، فتكون للتَّعليل باعتبار المعنى الثاني.

стр. 597

﴿عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾: منَاسبٌ لمَا مَرَّ في قولِه: (وَلاَ تَخَافي وَلاَ تَحْزَنِي)، فالحزنُ مُصَرَّحٌ به، والخوفُ مِن لازِمِ قولهِ (عَدُوًّا)، لأن الخوفَ أكثَرُ مَا يُتوقَّعُ مِنَ العدُوِّ. ١١ - ﴿لِأُخْتِهِ﴾: لمْ يقلْ "لابنتِها"؛ إِمَّا لأنهُ كانَ أخاهَا مِنْ أبيها، أوْ تعليقاً للطلبِ على الوصْفِ المنَاسِبِ لهُ، لاقتضَاءِ وصْفِ الأُخُوةِ الحنَانَ والشفقةَ. ١٤ - ﴿وَاسْتَوَى﴾: لم يذكر في قوله في يوسف (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ). أَمَّا مناسبةُ ذكرِهِ هنَا، فَلِصُدُورِ الوكْزِ منْ موسى، وإنما يكون معَ الاسْتواءِ بخلافِ المُرَاوَدَةِ.

стр. 598

٢٧ - ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ﴾: يُؤخَذُ منهُ تقدِيمُ سمَاعِ الشهادَةِ منَ الوَلِيِّ، لأنَّهُ البائعُ قبلَ السماعِ منَ الزوج. ٢٩ - ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾: يترجَّحُ كونُ الأجلِ العشْر، بأنَّ "ال" إنْ كانتْ للعهْدِ عادتْ على أقْربِ مذْكورٍ وهوَ العشرُ -كمَا في عَوْدِ الضميرِ- وإنْ كانتْ للعمومِ، فإما بمعنى الكُلِّ وإما بمعنى الكُلِّيةِ، وعلى كلِّ تقديرٍ، فالعشرُ مُرَادةٌ؛ أَمَّا علَى الأولِ فظاهرٌ، وأما على الثاني فلِصِدْقِ الكليةِ على ما وقعَ بهِ الاتْمامُ وهوَ الاثْنانِ. ٣٣ - ﴿إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾: فيها سؤَالانِ: - الأولُ: أن إلقاءَ الجملةِ مؤَكدةً بـ (إنَّ)، إنما يكونُ لإنْكارِ المخَاطَبِ أوْ لتوهُّمِ إنكارِهِ، والمخاطَبُ هنا هوَ اللَّهُ تعالى، وهوَ عالمٌ بِقَتْلِهِ.

стр. 599

- السُّؤالُ الثاني: كيفَ قال (فَأخافُ)، وقدْ قالَ (لَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ). وجوابُ الأولِ أنهُ أكدَ بإن إخبارَهُ عنْ خوفِه، فأكد الجملةَ بهذا الاعتبارِ، من التعبيرِ عن الخوفِ الحاصِلِ في نفسِهِ على معنى المبالغَةِ، لَا خوفَ الإنكارِ عليهِ، لعلمهِ تعالى بمَا في نفسِهِ أيضاً. وجوابُ الثاني: أنهُ فهِمَ قولهُ (لاَ تخفْ) مُقَيَّداً لا مُطلقاً على أحدِ التفْسيرينِ في ذلكَ. ٣٤ - ﴿أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾: هو معْنى قولِهِ (واحْلُلْ عُقْدةً مِّن لِّسَانِي)؛ لأنها في بعضِ الحروفِ. ٣٦ - ﴿مُفْتَرًى﴾: ذكَرَ الزمخشريُّ فيه ثَلاثَةَ احتمالاتٍ، ويحتمل رابعاً، أي: مخترعا لم تسبقْ إليه، بدليل (ومَا سَمِعْنَا بهَذَا) أي الآيات

стр. 600

لَمَّا كذبوا بها، جعَلوها كشيءٍ واحدٍ مذكور. ٣٧ - ﴿وَقَالَ مُوسَى﴾: قُرِئَ بالواوِ على حكايةِ المعنى، وبغيرِ واوٍ على حكايةِ اللفْظ. وانظر الزمخشري. ٣٩ - ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾: الاستكْبارُ اسْتعْلاءُ امْرئٍ على غيرهِ معَ حقارة المسْتعلِي للْمسْتعْلَى عليهِ. ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾: إِما سلبٌ، أي: اسْتكبروا بغيرِ سببٍ، فيرجع إلى نفسِ الاسْتكبارِ؛ أوْ عُدُول، أيْ: بسببٍ هُوَ غيرُ حقٍّ، فيرجعُ إلى متعلقِ الاستكبارِ، وهو أظْهَرُ.

стр. 601

﴿وَظَنُّوا﴾: الأرْجحُ حملُهُ على بابِهِ، وإِذا ذُمَّ عليْه فأحْرى على الاعْتقادِ المُصَمّم. ٤٣ - ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾: يدُلُّ أَن العُلُومَ تَذْكيريَّةٌ. والترتيبُ في بَصَائِرَ وَ (هُدىً) (ورحمةً)؛ لأن مَنْ تبصَّرَ بهِ اهتدى بهِ، ومنِ اهتدى بهِ رُحِمَ به. ٤٤ - ﴿الْأَمْرَ﴾: أيْ: أمرَ موسى، مِنْ إلقاءِ العَصَا وغيرِهِ. ٤٥ - ﴿وَلَكِنَّا﴾: وجْهُ الاسْتدراكِ، أي: أَنتَ لَمْ تحضرْ لذلكَ الذي جَرى لموسى، لكنْ أنتَ رسولٌ، فعلمْتَ ذلكَ مِنْ قِبَلِنَا.

стр. 602

٤٧ - ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ﴾: "لوْلا" هُنَا حرْفُ وُجُودٍ لامتناعٍ. فإنْ قلتَ: شرْطُ ما تدْخُلُ عليهِ أنْ يكونَ موْجوداً لَا مقدَّرَ الوجودِ، وهو في الآية مقدر الوجود. فالجوابُ أن "لولا" هنا دخَلتْ على مقدرٍ محذُوفٍ، أي: لوْلاَ سبب أنْ تصيبهُمْ. ٦٣ - ﴿الْقَوْلُ﴾: إِنْ قلت: لِمَ جَعَلَ التذَكُّرَ علَّةً للقولِ الذي هُوَ أَعَمُّ مِنَ الكلامِ؟. قلت: إنمَا جُعِلَ علَّةً له مِنْ حيثُ كونُهُ جزءَ كلام، ومَا لَزِمَ الجزءَ لزِمَ الكُل. ٦٧ - ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾: التوبةُ هنا الإقلاعُ عنِ الشِّرْكِ، والإيمانُ التصْديقُ بنبُوةِ محمدٍ ﷺ ، فهو تأسيسٌ.

стр. 603

﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾: العطفُ يقتضي مغايرَةَ العمَلِ للإيمانِ، إِلاَّ أنْ يُفَسَّرَ بالنوافلِ. وللمعتزِلَةِ في كونها من الإيمانِ قوْلانِ. فإنْ قلت: الأصلُ فيما فُصِلَ بأمَّا أنْ يتقدمهُ مجملٌ كقوله: "جاءَ القومُ، أمَّا الصُّلَحَاء فأكرمتهم، وأمَّا الطُّلَحَاء فأهنتهُمْ". وَلاَ بُدَّ مِنْ صدقِ المُفَضَّل على كلِّ قسمٍ، فلا تقولُ: "جاءَ القومُ، أمَّا الكلابُ فضربتهُمْ، وأَما الَدَّوابُّ فعلفتهم"؛ ولَمْ يتقدمْ هنا غيرُ قوله تعالى (فَعَميَتْ عَلَيْهِمُ الأنبَاءُ) وهو لا يَحْسُنُ لِمَا ذكرنا. قلت: هو تفصيلٌ لقولهِ تعالى (أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسناً) الآية، أَوْ لِمفهومِ (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ)؛ لأن المبعوثَ إليهم منهمْ منْ آمنَ وعملَ صالحاً، ومنهمْ منْ لمْ يومنْ.

стр. 604

سُورَةُ الْعَنْكَبُوت ٤ - ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾: لمْ يقلْ "مَا يعملونَ"، لاسْتلزامِ الحكم العمَل؛ لأن الحاكمَ عاملٌ دونَ عكسٍ. ٨ - ﴿وَوَصَّيْنَا﴾: هوَ أبلغُ مِنْ "أمَرْنَا"؛ لاقتضاءِ "وَصَّى" التَّكرارَ، بخلافِ "أَمَرَ". ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ﴾ الآية: شبهُ احتراسٍ. ١٢ - ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا﴾: أي: سبيلَناَ الواضحَ البَيِّنَ لنا ولغيْرنا، ولذا لَمْ يقولوا "اتَّبعونَا" وإنْ كانوا هُمُ الحاملينَ.

стр. 605

﴿إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾: تأسيسٌ لقولهِ (ومَا هُمْ بحَامِلينَ)؛ لأنهمْ قالوا (ولْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ). الزمخشري: "هذا إنْكار منهمْ للحشْرِ، فقال تعالى (وَمَا همْ بحاملينَ مِنْ خَطَايَاهُم) رَدّاً لظاهرِ قولهمْ (إنَّهُمْ لَكَاذبُونَ) في إنكارهم الحشر، بلْ هم غير حاملين خطاياهم، والحشر حق". وفي الآية رد على ابن قتيبة أنّ الكذبَ إنما يتعلق بالماضي، وأمَّا

стр. 606

ما يتعلق بالمستقبل فخُلْفٌ لا كذب؛ وتقريرُ الردِّ أن اللَّه كذّبهم في قولهم (وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ) وعلَّقوا ذلك على اتِّباعِهم سبيلَهم؛ والصحيحُ أن الكذب هو "الإخبار بالأمر على خلاف ما هو" أعمّ مِن أن يكون متَعلَّقُه ماضياً أو مستقبلا. ٢٢ - ﴿وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾: وفي آية الشورى، لم يقل "ولا في السماء"، فقال صاحب "برهان القرآن": "إنما قال هنا (وَلاَ فِي السَّمَاءِ)؛ لأن نمرودا صعد إلى جهة السماء، وآية الشورى ليس فيها ذلك".

стр. 607

ع: "وهذا يحتاج إلى خبر صحيح؛ والفرق عندي بين الآيتين قَصْدُ الإطناب في هذه، لتَقَدُّم قوله (يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ) فعلَّق ذلك على المشيئة التي لا كسْب للعبد فيها، فناسَبَ الإطناب؛ وأما في آية الشورى فتقدَّمَها قوله (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ)، فعلَّقَ ذلك على كسبِ أيديهم، وعقَّبه بذِكْر العَفو، فناسب ذكر الأرض خاصّة". ٥٢ - ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا﴾: الواقعُ في آياتِ القرآنِ تقديم (شهيداً) إلا في هذه الآية، ووجْه تقديم الظرف هنا أنه الأهمُّ لتقدّم ذكر المجادلة المقتضِية للبيِّنة.

стр. 608

٥٣ - ﴿لَجَاءَهُمُ﴾: لم يقل "لعاجلهم" مع كونه المناسبَ لـ "يستعجلونك"، لئلا يُتَوهم أن سببَ نزول العذاب بهم هو استعجالُهم.

стр. 609

سُورَةُ الرُّوم ٣٠ - ﴿حَنِيفًا﴾: فسروا الحنيفَ بالمائل، ولم يذكروا مُتَعَلَّقَ الميل، وهو باعتبار فروع الشرائع، فإنّ شريعتَنا مائلةٌ باعتبار الفروع؛ لأنّ فروعَها أخفُّ من فروع غيرِها؛ واتّفق الكلُّ على الوحدانية. ٥٥ - ﴿مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾: هذا مُتَعَلَّق القسَم، ووجْه الرّدّ عليهم بقول الذين أوتوا العلم، أنّ المجرمين حصروا لُبْثهم في ساعة، فردُّوا عليهم بأنَّ لبثهم غيرُ محصور ولا موَقَّت، بل هو إلى يوم القيامة، وهو غيرُ معلوم.

стр. 610

سُورَةُ لُقْمَان ٦ - ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: عُدولٌ يقتضي وجود الموضوع، أي بشيء وهو غير علم، والمراد بـ "العلم" ما يستنبط بالعقل وبـ "الهدى" ما يستفاد من الغير وبـ "الكتاب" الدليل السمعي من القرآن والسنة. ٧ - ﴿وَلَّى مُسْتَكْبِرًا﴾: يقتضي سماعه الآيات تتلى وقوله (كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا): نَفَى السماعَ النافع. ١٧ - ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾:

стр. 611

قول ابن عطية: "يريد بعد امتثَالِه في نفسِه"، اعتزال. ٣٤ - ﴿عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾: وجْه حُكم الحصرِ في عِلْمُ الساعَةِ تقديمُ الظرف، وفي (يُنَزِّلُ الْغَيْثَ) من مفهوم (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ ماذَا تَكْسُب غَداً)، فإنه إذا لم يَدْرِ ما له فيه كسب، فأحْرى ما لا كسب له فيه، وهو إنزالُ الغيث.

стр. 612

سُورَةُ تَنْزِيل ٢ - ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: نَفَى الريب عن (تنزيل الكتاب)، وفي البقرة (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ ريْبَ فِيهِ)، نفى الريب عن الكتاب، فدلَّ مجموعُ الآيتين على نفْي الريب عن الكتاب وعن تنزيله. ويحتمل عَوْدُ ضميرِ "فيه" هنا على "الكتاب". ٤ - ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ﴾: الآية كالدليل للتي قبلها؛ لدلالة قوله (لِتُنذِرَ) على رسالته، فاستدل على ذلك بأنَّ مرسله خالق كل شيء، ومن ذلك ما ياتي من المعجزات.

стр. 613

﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾: مِن جمْلة ما بينهما أعمالُ العباد، فهى خلقٌ للَّه تعالى كما يقوله أهل السنة. وتثنية الضمير يدل أن ليس بين السماوات خرق. ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾: ظرفٌ للمخلوق دون الخالق، كقوله "قتل زيد عمراً يوم الجمعة في المسجد"، إذا كان عمرو داخله وزيد خارجه. والمراد بالأيام تقديرها، لأن الزمان إنما وُجِدَ بعد خلق السماوات. ﴿وَلِيٍّ﴾: هو مَن يكون مِن جهة من يشفع فيه، ولا شفيعَ أعَمُّ مِن كونِه من جهتِه أوْ لا، فالعطف تأسيس. فإن قلت: "شفيع" و "قتيل" أخصُّ من شافع، ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم.

стр. 614

قلت: الذي يحتاج إليه في هذا المقام، هو الشّديد الشفاعةِ لا مطلَقُها. ٥ - ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾: ذكر ابن عطيَّة ست تأويلات، والزمخشري ثمانية. ١٣ - ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾: قولهم: أي لو شئنا هدايةَ كلِّ نفس لهديناها. يرد عليه أن تَعلُّقَ المشيئة بالهداية إنْ كان تنجيزيا لزم تحصيل الحاصل، وإن كان صَلاحيا لزِمَ تناهي الإرادة القديمة لتناهي متعلقاتها، وهي النفوس؛ وما ثبت لأحد المتلازمين ثبت للآخر.

стр. 615

سُورَةُ الأحْزَابِ ٤ - ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ﴾: الظّاهرُ أنّ امتناعَ ذلك سمعاً، وتقريرُ الزمخشري امتناعَه عقلاً، بأنّه "إنْ فعَل بأحدهما مثلَ ما فَعل بالآخر فتحصيلُ الحاصل، وإلا لزم اتصافُ الجملةِ بالنّقيضين، وهو كونُه مريداً كارهاً عالماً ظانًّا"، هوَ بناءً على قاعدة المعتزلة مِنْ أنَّ الصفة إذا قامتْ بجزء من الذاتِ أوجبتِ الحكمَ لجميع الذات -حسبما ذكروه في باب النظر- فإذا قام العلمُ بأحد القلبين أوجب للذات كلها كونَها عالمةً، وإذا قام الجهل بالقلب الآخر، أوجب للذات كلِّها كونها جاهلةً، فيجتمعُ النقيضان. فإن قلت: وقوله "إن فعل بأحدهما مثل ما فعل بالآخر، فتحصيل الحاصل"

стр. 616

لازمٌ في حاستَي السمع وحاستي البصر؛ لأن الحاصل من إحداهما مثل الحاصل من الأَخرى. قلت: أمَّا على مذهب الأشعري في إدراكِ الحواسِّ أنّه من قبيل العلوم فلازم. وأمَّا على قول غيرِه أنها مُوصِلَةٌ إلى القلب كالطَّاقات له، وليست صفةُ الإدراكِ قائمةً بها بلْ بالقلب، فلا يلزم. ويؤخذ من الآية منْعُ تزويجِ نَسَمَة مِنْ سُرَّتها إلى فوق صورةُ امرأتين، وإلى أسفل صورةُ امرأة واحدة؛ لأنهما أختان، بدليل اختلافِ أخلاقِهما كما حكاه عياضُ في "مداركه" في التي تزوجها الشافعي، ولو كانت واحدةً لكان لها قلبان.

стр. 617

٥ - ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾: صيغة "افعل" هنا للوجوب؛ لرجوع ذلك لحفظ الأنساب، وهو أحد الكليات الخمس. وقول الفخر هي للإرشاد، يُرَدُّ بأنَّه في اصطلاح الأصوليين خاصٌّ بالأمور الدنيوية، حسبما قرَّره ابن التِّلمساني. ولَمَّا كان "ادعوهم" بمعنى انسُبوهم، تعدّى باللام. ولفظُ الآية في الذكور والإناث، وهو عمومٌ خرج على سَبب، وفيه خلاف.

стр. 618

ومن النِّسبة للأمِّ محمد بن الْحَنَفِية؛ وفي "صحيح مسلم": "كان ﷺ يحمل أمامةَ بنتَ زينب بنتِ رسول اللَّه ﷺ على رقبتِه في الصلاة". وفي "مسلم" أيضاً، في كتاب الطب "عن زينب بنت أم سلمة"، والظاهر أن ذلك لخصوصيةٍ فلا يُقاسُ عليه. ﴿هُوَ أَقْسَطُ﴾:

стр. 619

وقع لعياض في "الإكمال": "قسط بمعنى عدل، وتعقَّبه بعض الأندلسيين قائلا: سمعْتُهم يرْوونه كذلك فأنكرتُه عليهم فأصلحوه؛ وقال صاحب "المثل السائر" -ضياء الدين أبو الفتح المعروف بابن الأثير- في فصل الفصاحة: "قد يُعَبَّرُ عن الكلمة بغير موضوعِها العربيِّ، كقولِ البحتري: شَرْطيَ الإنصافُ إنْ قيل اشترطْ ... وصديقي بَرٌّ إذا صَافى قَسَطْ أي عدل. وإنما موضوعُ هذا اللفظ بمعنى "جَارَ".

стр. 620

﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ﴾: يدُلُّ أنّ ولدَ الملاعنة لا يُنسب لأمِّه. ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ الآية: يدل أن الطلاقَ لا يلزم بمجرد اللفظ دون نية. ابن رشد في "جامع البيان": "ورُفِع الحرجُ بهذه الآية عمَّن نَسَب الرجلَ إلى مواليه، أو إلى أنه أخٌ للمسلمين إذا لم يعلمْ أباه. وأوجب عليه الحرجَ إذا تعمّده عالماً أنه غيرُ أبيه".

стр. 621

وقيل: معناها رفعُ الإثم عمن تعمَّد نسبةَ الرجل إلى غير أبيه قبل أن يَعرف نهيَ الله عن ذلك، وأوجب الحرجَ على من تعمد مخالفةَ أمر اللَّه بعد أن علِم. فالخطأ الذي رفع الله فيه الحرج بهذه الآية وبالحديث على وجوهٍ منها: - أن يفعل المحظور ظانًّا أنه مباح. - ومنها أن يفعلَه في وقتٍ يظنُّه مباحاً فيه، كمَن أفطر في شهر رمضان ظانًّا أن الشمس قد غربت، وكمنْ يطأ الحائض ظانًّا أنها قد طهرت. - ومنها: أن يفعله دون قصد إليه ولا إرادةٍ له، كالذي يرْمي الحجر حيث يجوز له، فيصيبُ به إنساناً فيقتله". ٦ - ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا﴾: قولُ الزمخشري: "هو استثناءٌ من أعمِّ العام"، تقريرُه أن المستثنى منه عام في جميعِ وجوهِ المنفعة، من وصية أو هبة أو صدقة أو غيرِ ذلك،

стр. 622

وهو أعم من قوله (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ) لعمومِه في وجوه الميراث فقط؛ فالعامُّ هم المومنون والمهاجرون لعمومهم في جميعِ أفرادهم، والأعمُّ أحوالُهم من الإرث والعطايا المتنوعة للهبة والصدقة والحبس والوصية، لأن العام في الأشخاص المشهورُ أنه مطلق في الأحوال والأزمنة، فهذا الاستثناء متصلٌ. ابن التلمساني: "الاستثناء قسمان: - إخراج ما لولاه لوجب دخوله. - وإخراج ما لولاه لصح دخوله". فالاستثناء من أشخاص المومنين والمهاجرين هو مِنْ إخراج ما لولاه لوجب دخوله. والاستثناء من أحوالهم هو من إخراج ما لولاه لصلَح دخوله. والفرق بين الأعم والعام بَيِّنٌ في الأصول. وقد تكرر هذا المعنى للزمخشري

стр. 623

بعد هذا في قوله تعالى (لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النبِيء إلاَّ أَنْ يُّوذَنَ لَكُمُ)، وفي سورة يوسف في قوله تعالى (إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ)، وفي سورة هود في قوله تعالى (لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنَ امْرِ اللَّه إلا مَن رحِمَ)، ومن ذلك حديث "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل". الطيبي: "أراد الزمخشري أنه استثناءٌ مُفَرغٌ في الثُّبوت". وقاعدة

стр. 624

المفَرَّغ أنه إنما يكون في النفي. ١٥ - ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ﴾: أي حين القتال، وهؤلاء رجعوا قبل القتال؛ ومَنْ حلف ألا يولي الدُّبُرَ في قتاله لم يحنث برجوعه قبل القتال. والجواب: إما أنهم رجعوا حين القتال عند استواء الصَّفَّيْنِ، أو أنهم عاهدوا ألا يرجعوا عن نصرة اللَّه ورسوله، فرجوعُهم عنها قبل القتال وبعدَه سواء. ١٦ - ﴿إِنْ فَرَرْتُمْ﴾: لوْ لم يُوتَ به لاَحْتمل كونَْ عدمِ نفعِ الفرارِ لعدم وقوعِه منهم؛ لأنّ السّالبة لا تقتضي وجودَ موضوعِها.

стр. 625

﴿مِنَ الْمَوْتِ﴾: تعلقه بـ "فررتم" يؤدي إلى تناقض أولِ الآية وهو (لنْ يَنفَعَكُمُ) مع آخرها وهو (لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا) فقد نفعهم. ٢٨ - ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ﴾: الظاهرُ أنه وعْد بالتخيير لا تخْيير؛ وأجمع المالكية على أنها إذا اختارت المُقام فلا طلاق بتخييرها كما قيل خارج المذهب؛ ويستشْكِل

стр. 626

على الخلاف عندنا فيمن خُيِّرَ بين شيئين هل يُعَدُّ منْتقلا، لأن على كونِه يعد منتقلا كان يلزمُ الطلاق، وهذا وجهُ القولِ به. والجواب أن التخيير أمر جُعْلي جعَله الزوجُ بيد المرأة، ولا يتعلق الحكمُ إلا بما تبرِزه ويظهرُ للوجود، ولم يجعلْ بيدها ما في قلبِها. ومسائلُ مَنْ خُيِّرَ بين شيئين قاصرةٌ على المخَيَّر دون غيره، وليس التخيير فيها جعليا فتعلق باللفظ والنية، وهنا لم يجعل لها الزوج إلا ما تلفظ به. وقول الفخر: "تبليغُه ﷺ لفظَ الآية واجبٌ لا معناها"، يُردُّ بأن تبليغ لفظِها يستلزم تبليغَ معناها، وذلك يستلزم وجوبَ التخيير، فقال (يُضَاعَفْ) إشارةً إلى كمال الرحمة والكرم، كما أنَّ الكريم الحَيِيَّ عند النفع يُظهر نفسَه وفعلَه، وعند الضرر لا يُظهر نفسه.

стр. 627

٣٢ - ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ﴾: قولُ الزمخشري: "المقصود تفضيلُ المجموع على المجموع"، يُرَدُّ بأنَّ الضمائر والمجموع كلية لا كل على الصحيح. فإن قلت: قولك "ليس أحدٌ من الناس كزيد" أبلغُ من قولك "ليس زيد أحد من الناس"؛ لاقتضاء الأولِ ثبوتَ صفةِ الفضل له أصلا، واقتضاءِ الثاني عُرُوضَهَا له. قلت: الفضيلة لنساء النبي ﷺ ، إنما تثبت لهن من أجله، فهي عارضةٌ لهن. فإن قلت: قال النحويون: تقول "ما كان أحدٌ مثلَك" و "ما مثلك أحد". وقال القرافي: قولك " ليس أحد مثلك دائماً" لا ينعكس، فلا تقول "ليس

стр. 628

مثلك أحد دائماً". وأَوْرَدَ على ذلك قولَ المنطقيين أن السالبة الدائمة تنعكس كنفسها. قلت: التحقيق في ذلك أنه إنْ أُريد نفيُ الحقيقة لم تنعكس، وإن أريد نفىُ الصفة انعكست؛ وكذا قولُ النحويين في قولك "ما كان أحد مثلك"، إن أريد نفي الحقيقة لم يجز، وإن أريد نفي الصفة جاز. ٣٣ - ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾: قولُ الشاطبي: وَقَرْنَ افْتَحْ إِذْ نَصُّوا. ........ إشارة إلى أنها لغة منصوصٌ عليها، وهي لغة من قال "قرِرت" بكسر الراء، "أقَرُّ" بفتح القاف. ابن عطية: "وهي لغة ذكرها أبو عبيد في "الغريب

стр. 629

المصنف" والزَّجَّاج". والظاهر أن هذا الأمرَ بملازمة بيوتهن ليس نهياً عن مطلَق الخروج، بل عن خروج التبرج، فالجملة المعطوفة وهي (لَا تَبَرَّجْنَ) في معنى الجملة المعطوفِ عليها. وأما بكاءُ عائشة ﵂ في آخرِ عمرها على خروجها يوم الجمل، فهو ورعٌ منها لا أنها فعلتْ منهياً عنه، وسَوْدَةُ أخذت بظاهر

стр. 630

الآية، وهو أن النهي عن مطلق الخروج. ﴿تَبَرَّجْنَ﴾: دخل على النهي لا العكس، فلا مفهوم له. ٣٥ - ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾: قال شيخنا ابن عرفة: "كان بعضهم يقرِّر وجه الترتيب في هذه المعطوفات بثلاثة أمور: الظَّاهر والأظْهر، والسّبب والمسبّب، والتّعدي والقُصُور؛ فقدّم الإسلام لظهوره وخفاءِ الإيمان. وقدّم الإيمان على القنوت لأنه أظهر من القنوت؛ لأن "القانت هو القائمُ بالطاعة الدائمُ عليها"، قاله الزمخشري؛ فيُعْرف إيمانُ الإنسان بمجرّد مخالطته، ولا يُعلم أنه قانتٌ إلا بدوام مخالطته؛ ولأنّ القنوتَ مشروطٌ بالإسلام، ورتبةُ الشرط أن يكون مقدّماً على المشْروط.

стр. 631

وقدَّم القانتين على الصادقين والصابرين؛ لأنّ الصادقَ هو الذي يصدُق في نيته وقوله وعمله، والصّابر الذي يصبر على فعل الطاعة وعن المعاصي، فحُصُولُ وصْف القنوت لهم مع الإسلام، سببٌ في اتِّصافهم بالصدق والصّبر، ورتبةُ المسبّب أن يكون بعد سببه. أو نقول: القنوت عبارة عن مطلق الطاعة؛ والصدق عبارة عن مطابقة الأمر، فيرجعُ لامتثال المأمورات؛ والصبر اجتناب المنهيات، لأنه منع النفس عن شهواتها، وكلُّها مُتَعَلَّقاتُ الطاعة، فَذَكَرَهَا بعدَها كالتفسير بعد الإجمال. ثم قال (والْخَاشِعِينَ)، إشارةً إلى أن منْ حصلت له هذه الأوصاف، لا ينبغي له أن يثق بعمله، بل لا يزالُ خائفاً خاشعًا؛ لأن هؤلاء مع فعلِهم هذا كلِّه متَّصفون بالخوف والخشوع. وأخَّر (المتصدقين) إمَّا لأن ما قبلَه أوصافٌ قاصرةٌ، وهو وصفٌ بطاعة متعدية للغير، وإمَّا لِما في حديثِ أولِ كتابِ الطهارة من "صحيح مسلم" من أن "الصدقة برهان"، فهي كالدليل على صحةِ ما تقدم من الطاعات، ورتبةُ

стр. 632

الدليل أن يكون بعْدَ المدلول. وأخَّر الصيام لأنه أمرٌ عَدَمي راجعٌ لترْك الأكل والشرب والاستمتاع، وجميعُ ما قبلَه أمرٌ وُجُودي، والوجودُ أشرف من العدم. فقَدَّم الصومَ على حفظ الفروج؛ لأن الصومَ تركٌ غيرُ دائم في زمانٍ ما وهو النهار فقط، وحفظُ الفروج تركٌ دائم في كل الأزمان، فالصومُ أقرب إلى الوجود، وحفظُ الفروج أبْعدُ منه. وأخَّرَهَا عن المتصدقين لأن الصدقات مَظِنَّةُ الغنى، ومنْ حصَل له الغنى فهو متمكن من شهوتَيْ بطنِه وفرجه، فأفادَ أنهم مع ذلك يتركون شهوةَ بطونهم بالصوم، وشهوةَ فروجهم بحفظها عن المحارم، فجاء هذا شبه الاحتراس والتكميل. وأخَّرَ الذاكرين اللَّه كثيرا، إشارةً إلى قوله ﷺ : "من كان آخر قوله لا إله إلا اللَّه دخل الجنة"؛ أو لأنه كالعلّة الغائِيّةِ التي قال الحكماء فيها: "أولُ الفكرة آخرُ العمل"، فأفاد أن فعلَهم ذلك كلَّه إنما كان لذكرِهم اللَّه تعالى واستحضارِهم مقامَ الهيبة والإجلال.

стр. 633

المقترح في "الأسرار العقلية": "لا ثواب في الذكر العَرِيِّ عن النية، وهو كصوت ما لا يعقل". قلت: ويدل عليه قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات". والذكر في الآية يحتملُ الذكرَ اللساني والذكر القلبي أو هما معاً. ونذكر بحث الشيخ بن عبد السلام مع الشريف التلمساني. الزمخشري: "إن قلت: أي فرقٍ بين عطف الإناث على الذكور وعطفِ الزوجين على الزوجين؟ "، يريد: أي فرق بين عطف مجموعِ كلِّ صنفٍ من هذه المزدوجات من إناث وذكور على مجموعِ الصنفِ الآخر وبين عطف إناثِ كلِّ صنف على ذَكَرِه؟. فأجاب: "لأن عطف الإناث على الذكور عطف ذَوَاتٍ، وعطف المجموع

стр. 634

على المجموع عطف صفات". قال: "معناه أن الجامعين لهذه الطاعات أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً". انتهى. ويُرَدُّ عليه بقوله تعالى (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ) الآيةِ، فليس المراد ألا يأخذها إلا من اجتمعت فيه هذه الأوصاف، بلْ كلُّ نوع من هذه المذكورات له فيها حظِ؛ وكذلك قال مالكِ فيمن أوصى بثلث ماله للعلماء والفقراء والمجاهدينِ والصلحاء، أَنه لا يُقْصَرُ على من جمع هذه الأوصاف، بل للعالم حظ منها وإن كان غنياً غير مجاهد، وكذلك الفقير وإن لم يكن عالماً ولا مجاهداً، وكذلك المجاهد

стр. 635

وإن لم يكن عالماً ولا فقيراً. لا يقال: لَمَّا رَتَّبَ عليه الأجرَ الأخصَّ وهو العظيمُ وَجَبَ قصْرُهُ على الأخصِّ وهو مَنْ جمع الأوصافَ كلَّها؛ لأن فضل اللَّه تعالى واسع. وقال في ذكر مريم بنت عمران (وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِين) فأدخلَها في وصف الذكور، ولم يقل "وكانت من القانتات"، وذلك تشريف لها وتعظيم. وهنا لم يكْتَفِ بوصف الذكور عن وصف الإناث، مع أن الجمع يتناولهن على جهة التغليب. فإن قلت: قد قال المفسرون: سبب نزولها أَن نساء النبي ﷺ قلن له: "قد ذكر اللَّه تعالى في كتابه الرجال ولم يذكر النساء"؛ فنزلت الآية. قلت: التصريح بذكرهن أَدْخَلُ في مقام التَّطْمِين لنفوسهن. ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً﴾: قيل: كيف تتقرر المغفرةُ لهن مع قوله تعالى (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ)؟ وهذه الأوصاف كلُّها محصِّلةٌ للثواب المذْهِب للذنوب، فلم يبْقَ ما يُغفر.
следующие страницы →