← Тафсир

Тафсир · id 1731

نكت وتنبيهات في تفسير القرآن المجيد

البسيلي

Полный текст (901 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

عقلي دالٍّ على وحدانيته تعالى، وهو (اِنَّ اللَّه يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ). ٤١ - ﴿إِنْ أَمْسَكَهُمَا﴾: أي: فلا راد لهما ولا ممسك. ابن عطية: "إنْ" الأولى بمعنى "لو"؛ والمعروف إتيان "لو" بمعنى "إنْ" لا العَكس. ٤٢ - ﴿مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾: أي من المحق في الأمم. ابن رشد، في كتاب الإيلاء من "البيان" وفي "المقدمات":

стр. 667

"من حلف لا وطئ زوجتَه أكثرَ من ستة أشهر، فهو مُولٍ؛ وإنْ قال: إن وطئتُها لأكثرَ مِن أربعة أشهر، فكلُّ مملوك أملكُه حُرّ، فإنه إذا وطئها تنعقد عليه اليمين، ولا يكون مُوليا" قال: "وهذا مثلَ ما لو قال: واللَّهِ لا آكل أحدَ هذين الرغيفين، فأكَل أحدَهما فإنه لا يحنث، بل تنعقد عليه اليمين في الآخر، فإذا أكله حنث".

стр. 668

سُورَةُ يس من جامع "العتبية": "لا ينبغي لأحد أن يتسمى بياسين". ابن رشد: "الكراهةُ مراعاةً للخلاف؛ إذْ قيل إنه من أسماء اللَّه تعالى،

стр. 669

وقيل من أسماء القرآن، فعلى هذا لا يجوز التسمية به؛ وقال ابن عباس: معناه بالحبشية يا إنسان، وقال مجاهد: هو مفتاح افتتح الله به كتابه، فعلى هذا يجوز التسمية به". ٢٠ - ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ﴾: وفي سورة القصص (وَجَاءَ رَجُلٌ). ع: "كان شيخنا أبو عبد الله محمد بن سلامة يجيب بأنَّ تقديم "رجل" في تلك لئلا يظن نبينا ﷺ ، أن الذي جاء هو فرعون أو بعض أعداء

стр. 670

موسى فيحزن لذلك؛ وأما في هذه الآية فتقدُّمُ ذكر المرسلين يَنْفِي هذا الاحتمال". ٢٢ - ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ﴾: من قرأ بسكون الياء في قوله (مَا لِي لَا أَرَى الْهُدْهُدَ) وبفتحها في هذه، يفرق بأن السكون يشبه الوقف والابتداء بما بعده؛ ولو ابتدأ هنا

стр. 671

بقوله (لا أعبد) فتح بخلاف الآية الأخرى. الزمخشري: "نبينا ﷺ ، فُضِّل على كل رسول، فضْلا عن حبيب النجّار". الطيبي: "وفي بعض نسخه: فضلا على". قال: "فـ "عن" تقتضي السلب، والثاني لا فضل له، و "على" تقتضي ثبوت الفضيلة للثاني".

стр. 672

ع: "رأيت تأليفا للقرافي، ذكر فيه أنه بحث عن إعراب "فضلا" في قول الفخر في "المعالم": "لو كان احتمال الاشتراك مساويا لاحتمال الانفراد، لما أفادت الدلائل السمعية الظن، فضلا عن اليقين". وزعم أنه ما وجد من يعربها، وسمعت الشيوخ يقولون: هي مصدرٌ موضوعٌ موضع الحال، بمعنى مفعول، مثل: "قتله صبرا"، أي: مصبورا، فقوله "فضلا عن اليقين"، أي مفضولة، وإلا فلا يصح أن يقال: "فضلت اليقين فضلا" لما يلزم عليه من كون الظن أفضل من اليقين.

стр. 673

٢٠ - ﴿اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾: وقال مومن آل فرعون "اتبعوني"، ففرق الفخر بأنَّ هذا الرجل جاءهم ناصحا وما رأوا سيرته، ومومن آل فرعون كان فيهم معلوم السيرة عندهم. ٢٩ - ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾: قال ابن عطية: "قراءة الرفع إنما تصح على أن "كان" تامة". ع: "قالوا: الفعل تابع للفاعل في تذكيره وتأنيثه، ما لم يفصل بينهما بإلا، فلا يجوز التأنيث إلا شاذا كقوله:

стр. 674

وَمَا بَقِيَتْ إِلَّا الضُّلُوعُ الْجَرَاشِعُ قال: "ورأيت نقدا على "المقرب" لابن عصفور، لابن الضائع في قول ابن عصفور: "إذا فصل بين الفعل والفاعل، تعين التذكير". قال ابن الضائع: "ما لم يكن جوابا عن سؤال، كقولك لمن قال: من قام من النساء؟. فتقول: ما قامت إلا هند". ع: "فيحتمل كون الآية من ذلك جوابا عن سؤال مقدّر، كأنّ قائلا يقول: كيف كان آخرتهم؟. فقيل: إن كانت أي الآخرة إلا صيحة واحدة -وهذا يقتضيه كلام الزمخشري لقوله: "لأن المعنى ما وقع شيء إلا صيحة"- فقدّر الفاعل مذكرا، فإذا تقدم السؤال عنه مؤنثا كان هو مؤنثا.

стр. 675

٣٠ - ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾: قول ابن عطية: "فسر بعضهم قراءةَ التنوين بأنَّ الحسرةَ من العباد أنفسِهم، وهو بعيد". يعني: لو كانت منهم لأُضيفتْ إليهم. وغالب استعمال لفظ العباد في الطائعين، وأتى هنا على خلاف ذلك، لكنّه غيرُ مضاف لله تعالى. ٣٩ - ﴿كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾: قول الزمخشري: "لو قال: كل مملوكٍ لي قديمٍ حرٌّ، عُتِقَ عليه ما له عنده

стр. 676

سنة"، هو مذهب أبي حنيفة؛ لأنه حنفي. الفخر: "أما في الوصية فيُعتبر العُرف، فإنْ لم يكنْ عُرفٌ اجتُهد في ذلك بخلاف التبتيل". ع: "ليس في مذهبنا فيها نصّ، والمعتبر في ذلك العرف كما قال". ٤٠ - ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾: عبر في سَابِقُ بالاسم، وفي (تُدْرِكَ) بالفعل؛ لأن القمر أسرع سيرا من الشمس، فكانت السَّبْقيةُ ملازمةً له. الزمخشري: "ولا يسبق الليل النهار: يعني آية الليل آية النهار، وهما النَّيِّران". قال: "فإن قلت: لم جُعلت الشمسُ غيَر مدركة والقمرُ غيرَ سابق؟. قلت: لأن الشمس لا تقطع فلكها إلا في سنة، والقمرُ يقطع فلكه في شهر، فكانت الشمسُ جديرةً أن توصف بالإدراك لتباطئ سيرِها عن سير

стр. 677

القمر، والقمر خليقا بأنَّ يوصف بالسبق لسرعة سيره". ٤١ - ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾: مناسبتها لما قبلها من ثلاثة أوجه: (أ): أنه لما ذَكَرَ الأرض التي هي مكان الحيوانات، ذَكَرَ هنا أنه جعل للإنسان مع ذلك سُلُوكاً في البحر، كما في البرِّ كما قال (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) وكذا قال هنا (وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْله مَا يَرْكَبُونَ) أي الإبل، فإنها سُفُنُ البَرَارِي. (ب): أنه لما بيّن سباحةَ الكواكب ذَكَر ما هو مثله، وهو سباحةُ الفلك. (ج): أنه لما ذكر ما هو ضروريّ للإنسان من المكان والزمان، ذَكَر الحَاجيَّ، وذَكَر من الأول اثنين، ومن الثاني اثنين. وأما قولُه في القِسْم الأولَ (وَجَعَلْنَا فِيهَا جَناتٍ من نَخِيلٍ وأَعْنَابٍ) وإن كان منْ غيرِ

стр. 678

الضّروري لكنه تَبَعٌ له، وأما سُفُن البحر والبَرّ فمقصود لا تَبَع. (ز): وإنما ذكر ذرياتهم دونهم لأنه أبلغ في الامتنان عليهم، وأَدْخَلُ في التَّعْجِيبِ من قدرته، في حمل أعقابهم إلى يوم القيامة في سفينة نوح. قلت: ولأن الحمل حاصل في الذرية لا بد منه؛ وأما فيهم، فكثير من الناس لا يركب الفلك. ولما كان الأكل عامّاً قال فيما تقدم (فَمِنْهُ يَاكُلُونَ). خ: "ولأن الموجودين كانوا كفارا، فكانَ الحمْلُ لما في أصْلاَبِهِم من المومنين هو المقصود، كحَمْل وِعَاءٍ لما فيه". والفلك تجمع تارة وتفرد أخرى، والحركة فيها مختلفة في المعنى، وإن تماثَلَتْ صورةً؛ مثاله "سجد يسجد سجودا" للمصدر، وهم قومٌ سُجُودٌ في جمع ساجد، فحركة المصدر أصلية إذا قلنا إن الفعل مشتق من المصدر، وحركة الجمع فيه متغيرة؛ لأن الجمع يشتق من الواحد، والمشتق يلحقه تغيير في حرف أو حركة أو في مجموعهما، فساجد لَمَّا أردنا أن نشتق منه لفظ جمع غيَّرْناه،

стр. 679

فالسجود للمصدر، والجمع ليس بمشترك. فإن قلت: ما واحد الفلك جمعا؟. قلت: إما فلكة أو غيرها مما يستعمل كواحد النساء. سؤال: قال هنا (حَمَلْنَا ذُرِّيَّاتِهِمْ)، مَنَّ عليهم بحمل ذرياتهم، وقال (إنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَاِريَةِ) فَمَنَّ عليهم بحمل أنفَسهم. جوابه: أن المقصود هنا كمال المنفعة وهو الشَّحْن؛ لأنه ذُكرَ في معرض الامتنان، والمقصود في تلك النجاة، وكلما كانت الفلك أخفّ كَانت أشدّ جرْيا، وحملُهم دون ذرياتهم أخفّ على الفلك، وأيضا دفْعُ الضرر عن الذرية بإنجائهم لا يستلزم دفعَ الضرر عنهم في أنفُسهِم، بخلاف جلْب النفع للذرية يستلزم نفعَ الآباء. قلت: كمَن حَلَفَ لا نَفَع فلانا بشيء، فنفع ابنَه حنث. ومثله في "المدونة".

стр. 680

قال: فإن قلت: قال تعالى (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) ولم يقل "وحملنا ذرياتهم" مع أن المقصود الامتنان. قلت: لما قال (فِي البَرِّ وَالبَحْرِ) عَمَّ الجميع؛ لأن ما مِن أحد إلا وحُمِلَ في برٍّ أو بحر، وأما الحمل في البحر فلا يعُمّ. وفي قوله (الْمَشْحُون) فائدةٌ أخرى أيضا، وهي الردُّ على الطبائعيين القَائلين: إنما حَمَلَ المَاءُ الفلك لخفّتها. فإن قالوا ذلك لامتناع الخلاء رُدَّ بإثباته، فَتَعَيَّنَ أنّ حفظَ الثّقيل فوقَ الماء إنما هو بالفاعل المختار. وسؤال آخر: قال فيما تقدم (وَآِيَةٌ هُمُ الاَرْضُ)، (وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ) ولم يقل هنا "وآية لهم الفلك تحملهم". جوابه أن حمْلَهم في الفلك هو العجب، أما نفسُ الفلك فليس بعَجَب؛ لأنه كبَيْتٍ مبْني من خشب، ونفْسُ الأرض عجب، وكذا نفس الليل، لا قدرةَ لغير لله عليهما.

стр. 681

٤٣ - ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾: فيه رد على قول الطبيعي: حمل الماء السفينة بمقتضى الطبيعة. لأن المجوف لا يرسب، وفيه إشارة إلى أن الإنسان في حال النعمة لا يأمن النقمة. - ﴿فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ﴾: يمنعهم الغرق. - ﴿وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾: بعد الوقوع فيه، كقوله (لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شيْئاً وَلاَ يُنقِذُونِ). فإنْ قلت: لِمَ لَمْ يقل: "ولا منقذ"؛ كما قال ... (صَريخَ)، أو يقول "فلا يصرخون" كقوله (يُنقِذُونِ). قلت: يحتمل كونُه من حذْف التقابل.

стр. 682

٤٧ - ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾: خ: "إنْ قلت: المطابقُ "أَنُنْفقُ". قلت: إذا أُمرُوا بالإنفاق الدَّاخلِ فيه الإطعامُ وغيرُه، فلمْ يأتوا بأقلِّ الإنفاقِ -وهو الإطعَامُ- كانَ أبلغَ في مخالفتهم؛ كالقائل لغيره: أعْط زيدا دينارا. فيقول: لا أعطيه درهما". ٤٨ - ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: أي إنْ كنتم صادقين فَأَخْبِرُونا متى هذا الوعد؟؛ لأنّ "متى" استفهام لا يصلُح جزاء. ٥١ - ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾: خ: "وفي أخرى (فَإذَا هُمْ قيَامٌ) ولا منافاة؛ لأن الماشيَ قائم، والمشي أيضا لا ينافي النَظر. وجَواب آخر: وهو أنّ سرعةَ الأمر يومئذٍ، كأنَّ ذلك في زمان واحد، كقول القائل:

стр. 683

مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ معاً ٥٨ - ﴿مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾: مناسبةُ ذكرِ الرَّبِّ الرحيم أنَّ الربَّ هو المالك، وسلامُ السيد المالكِ على عبدهِ رحمةٌ منه له، كسلام الوالد على ولده؛ وأمَّا سلامُ الوَلد على أبيه فتوقيرٌ له وتعظيمٌ. ومِن أنواعِ السلام سلامُ الموادعة والمتَارَكة، وهو السلامُ على الجاهل، قال تعالى (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ)، وقال (فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ). وسلامُ الرحمة السلامُ على الموتى في قبورِهمْ، كما ورد: "السلامُ عليكمْ دَارَ قَوْمٍ موَمِنينَ"، أي أهل دار.

стр. 684

٥٩ - ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ﴾: ذكر الزمخشري وجهين: "إمّا امتازوا عن المومنين أو بعضهم من بعض"، ويحتمل وجها ثالثا قاله خ: "وهو أن المرادَ امتيازُهم بسِيما، وهو سوادُ وجوهِهِم. وهو أمْرُ تكوين". ٦٠ - ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾: خ: "اختلف الناس في إخراج الذنب المذنبَ من الإيمان؟. سببه وقُوعُ نَظَرِ الخصمين على أمرين متباينين، فالذنبَ الذي بالجسد لا بالقلب لا يخرجِ، بل قد يزيد في الإيمان، والذنب الذي بالقلب يُخَافُ معه الخروجُ عن رِبْقة الإيمان. وكذلك اختلافُهم في عصمة الأنبياء ﵈، والأشبه أن

стр. 685

الجسدي جائزٌ عليهم، والقرآنُ دليلٌ عليه، والقلبي لا يجوز عليهم". ٦٥ - ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾: خ: "وجْهُ الترتيب أنهم حين يقالُ لهم "بما كنتم تكفرون؟ " -إذا أنكروا كفرهم- شهِدَت عليهم أرجلُهم، وأيضا لما قال (أَلَم اَعْهَدِ اِلَيْكُمْ) سكتوا وخرسوا، وتكلمتْ أعضاؤُهم. فإنْ قلت: لم أَسْند فعلَ الختم إلى نفسه، والكلامَ والشهادةَ إلى الأيدي والأرجل؟. فالجواب: أنه لو قيل "وننطق أيديهم وأرجلهم"؛ لقيل: إن ذلك منهم كان جبْراً وقهرا، والإقرارُ بالإجبار غيرُ مقبول. فإن قلت: لِمَ جَعَلَ الكلامَ للأيدي والشهادةَ للأرجل؟.

стр. 686

فالجواب أن الأفعال تسند إلى الأيدي، قال تعالى (وَمَا عَملَتْهُ أَيْدِيهِمْ)، فالأيدي عاملة، والشاهدُ غيرُ العامل. فإن قلت: لمَ لَمْ يجعل الشهود من الملائكة والصديقين. فالجواب أنهم أعداء لهم، وشهادة العدوّ على عدوّه لا تقبل، فجَعَلَ الشاهدَ عليهم منهم". قلت: عداوة الدِّين لا تقْدَحُ في قبول الشهادة. قال: "فإن قلت: الأيدي والأرجل صَدَرَت الذنوبُ منها فهي فاسقة، وشهادةُ الفاسق لا تقبل!. فالجواب أن نقولَ في رَدِّ شهادتها، لأنها إنْ كذبت في مثل ذلك اليوم مع ظهور الأمر، ولا بد من أَن يكون ذنبا في الدنيا، وإن صدقت

стр. 687

في ذلك اليوم فقد صدر منها الذنب في الدنيا؛ وهذا كمن قال للفاسق: "إن كذبتَ في نهار هذا اليوم فعبدي حر". فقال الفاسق: "كذبتُ في نهار هذا اليوم"؛ فقد وجد الشرط وترك الجزاء. وإن كذب في قوله "كذبت"، فقد كذب في نهار ذلك اليوم، فوجد الشرط أيضا؛ بخلاف ما لو قال في اليوم الثاني: "كذبتُ أمسِ في نهارِ اليومِ الذي علّقتَ عتقَ عبدِكَ على كذبي فيه". إشارة: الختْمُ لازمٌ للكفار، ففي الدنيا على قلوبهم وفي الآخرة على أفواههم، فلم يَبْقَ إلا قولهم بأعضائهم. قلت: ويُجاب أيضا عن الأسولة المتقدمة بأحد الوجهين اللذين ذكرهما خ، وهو "أن الكلامَ والشهادةَ كنايةٌ عن ظهور الأمر، بحيث لا يُسمعَ معه إنكار، وليس ثَم كلامٌ ولا شهادةٌ". قال: "وهذا كما يقول القائل: الحيطان تبكي على صاحب الدار، إشارةً إلى ظهور الحزن".

стр. 688

٦٦ - ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾: خ: "عُرْفُ القرآن إذا ذَكَرَ متمسّك الجبرية ذَكَرَ متمسّك القَدَرية، وبالعكس، وكذا هنا لما قال: (وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بمَا كَانُوا يَكْسبُونَ) (اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ) -وكان ذلكَ متمسك القدرية، حيث أسند الكسب والكفر إليهم- عقب ذلك بما يدلُّ على أنّ كفرهم وكسبَهم بمشيئة الله تعالى، يسلب القوة العقلية كما يسلب القوة الحسية، حتى لو شاء لَمَسخَ المكلَّف على مَكَانَتِهِ، وأقامه بحيث لا يتحرك يَمْنَةً ويسرة، ولا يقْدِرُ على المضِيِّ والرجوع. وقدّم الطمس والإعماء على المسخ، وذلك من حسن الترتيب والتدريج، فإنه لما قال (لَطَمَسْنا عَلَى أعْيُنهِمْ) فقد يقال: الأعمى يهتدي إلى الطريق بأمارات عقلية أو حسية غير حسِّ البصر كالأصوات وحس اللمس، فقال: (لَوْ نَشَاءُ لمَسَخْنَاهُمْ) وسَلبنَا قُوّتهم الكلية، فلا يهتدون إلى الصراط بوجْهِ من الوجوه.

стр. 689

وقدّم المضي على الرجوع، لأنه أهون من المضي؛ إذ المضيُّ لا يقتضي تقدُّمَ سلوك الطريق بخلاف الرجوع، فكأنه قال: "لا يسَتطيعون مُضيّاً ولا أقل من ذلكَ". قلت: فالعطف تأسيس لا تأكيد. ٦٨ - ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ﴾: خ: "قد مَرَّ أنّ قوله (أَلمَ اَعْهَدِ اِلَيْكُمْ) الآية، قطع الأعذار بسبق الإنذار. وشَرَعَ هنا في قطع عذرَ آخَر، وهو أن الكافر يقول: لم يكن لُبْثُنا في الدنيا إلا يسيرا، ولو عمرتنا لما قصّرنا. فقال: ألا تعقلون أنكم كلما دخلتم في السن ضعُفتم، وقد عمرناكم مقدارَ ما تتمكنون من النظر؛ كما قال تعالى (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ) وعلمتم أنّ الزمانَ كلما مَر عليكم ازداد ضعفُكم فعصيتم زمان الإمكان". ٦٩ - ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾: خ: "لما ذكر أصل الوحدانية في قوله (ألَمَ اَعْهَدِ اِلَيْكُمْ) الآية، إلى قوله (وَأَنُ اعْبُدُونِي)، ثم ذكر أصل الحشر في قوله (اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا

стр. 690

كُنتُمْ تَكْفُرُونَ)، وقوله (الْيَوْمَ نَخْتمُ) إلى غير ذلك، ذكر هنا الأصل الثالث وهو الرسالة. وقوله (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ)، إشارة إلى أنه مُعَلَّم من عند اللَّه، يعلّمه ما أراد، ولما كان تحدِّيه ﷺ بالقرآن، وكان الكفار ينسبونه إلى الشعر، خصّ الشعر بنَفْي التعليم، مع أن الكفار كانوا ينسبون له السحر والكهانة، لكنهم إنما ينسبون إليه السحر عندما يفعل ما لا يقدرُ عليه غيرُه كشقّ القمر وتكلّم الحصى والجذع وغير ذلك، والكهانةَ عند إخبَاره بالغيب، فلم يقل "وما علمناه الكهانة والسحر" لما قلناه؛ لأن المقصد في هذا المقام ما كانوا يقْدَحون به في القرآن، والشعر هو الكلام الموزون الذي قصد إلى وزنه قصدا أوليا، فقَصْدُ المعنى دون الوزن ليس شعراً كقوله تعالى (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ)، فالشارع لفظه تَبَعٌ لمعناه، والشاعر بالعكسَ، المعنى عنده تَبَعٌ للفظ، لأنه يقصد لفظا به

стр. 691

يصحُّ وزنُ الشعر وقافيتُه، فيحتاج إلى التحَيُّل بمعنىً ياتي به لأجل ذلك اللفظ. وقد يوجد في كلام الناس في الأسواق ما يكون موزونا واقعا في بحْرٍ منْ بحور الشعر، ولا يسمى المتكلم به شاعراً ولا الكلام شعرا لعدم القصد إلى اللفظ أولا.

стр. 692

لطيفة: قوله ﷺ : "إنَّ مِنَ الشِّعْر لَحكْمَةً"، أي قد يقصد الشاعر اللفظ فيوافقُه معنىً حكمي، كَما أن الحكيم قَد يقصد معنىً يوافقه وزنٌ شعري، لكن الحكيم بسبب ذلك الوزن لا يصيِر شاعرا، والشاعر بسبب ذلك الذكر يصير حكيما، حيث ذكر النبي ﷺ "أن منَ الشِّعْرِ حكْمَةً"، ونفى اللَّه تعالى كون النبي ﷺ شَاعرا، وذلكَ لأن اللفظَ قالَبُ المعنى، والمعنى قلبُ اللفظ وروحُه، فإذا وُجدَ القلبُ لم ينظر إلى القالب، فيكون الحكيم الموزون كلامه، والشاعر المقتصر كلامه حكيما". ٧٥ - ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾: خ: "قيل: أي الأصنام جُنْدٌ للعابدين؛ وعلى هذا ففيه معنىً لطيف، وهو أنّ من حضر ثم عجَزَ عن النُّصْرَة يكون في غاية الضعف، بخلاف من لم يحضر ولم يتأَهَّبْ لذلك".

стр. 693

٧٧ - ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ﴾: خ: "لمّا ذَكَرَ دليلا من الآفاق على وجوب عبادته بقوله (أَوَلَمْ يَرَوا انا خَلَقْنَا لَهُم مِّما عَملَتَ اَيْدِينَا أَنْعَاماً)، ذَكَر دليلا من الأنفس، وهو أشمل وأكمل، وأَتَمُّ وألزم، إذْ لا يغيب أحد عن نفسِه. وقولُه (مِن نُّطْفَةٍ) إشارة إلى وجه الدلالة، أي: خلق من نطفة متشابهة الأجزاء، وهو مختلف الصور، فدلّ على اختيار الفاعلِ وقدرتِه، كقوله تعالى (تُسْقى بمَاء واحدٍ)؛ وتَمَّمَ هذا المعنى بقوله (فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ)، أي: القوة الناطقة والقوة الفاهمة لا تقتضيهما النطفة، فأنواع النطق والفهم أعجب وأغرب من أنواع الخلق والجسم، فقوله (خَصِيمٌ مُبِينٌ) أي ناطق، وإنما ذكر الخصيم مكان الناطق؛ لأنه أعلى أحوال الناطق، فإن الناطق مع نفسه لا يبين كلامه كما يبينه وهو متكلم مع غيره، إذا لم يكن خصما لا يجتهد في البيان كما يجتهد إذا كان كلامه مع خصمه؛ فقوله (مُبِينٌ) إشارة إلى قوة عقله؛ لأن العاقلَ عند الإيهَام أعلى درجةً منه عند عدمه، فقوله من (نُطْفَة) إشارة إلى أدنى ما كان عليه؛ وقوله (خَصِيمٌ مُبِينٌ) إشارة إلى أعلى ما حصل عليه، كقوله تعالى (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الانسَانَ مِن سُلَاَلَة مِّن طِين) إلى قوله (ثُمَّ أَنشَاْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ) صَيَّرْناهُ ناطقا عاقلا، كقوله هنا (مُبِينٌ).

стр. 694

٧٦ - ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾: إشارة إلى شأن الحشر. واعلمْ أن منكريه منهم من لم ينكرْ بشبهة بل مجرد الاستبعاد، وادَّعى الضرورة وهم الأكثرون، قال تعالى حكايةً عنهم في كثير من الآيات (وَقَالُوا أَئذَا ضَلَلْنَا فِي الاَرْضِ ... )، (أَئذَا متْنَا وَكُنَّا تُرَاباً. .. )، (أئنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِين أَئذَا متْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ... ) وكذا هنا (مَنْ يُّحْيي الْعِظَامَ وَهِيَ رَميمٌ) على طريق الاستبعاد، فبدأ أولا بإبطال استبعادهم بقوله (وَنَسيَ خَلْقَهُ)، إذ خلق الناطق العاقل من نطفة قذرة لم تكن محل الحياة أصلا، فلا يستبعد إعادة النطق والعقل إلى محل كانا فيه؛ وأما استبعادهم من جهة تفرق الأجزاء فرده بكون المعيد قادرا عالما. وقوله (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً) أي جعل قدرتنا كقدرتهم، ونسي خلْقَه العجيب، وبَدْأه الغريب؛ ومنهم من ذَكَرَ شبهة وإنْ كان آخرُها يعود إلى الاستبعاد، وهي على وجهين:

стр. 695

- أحدهما: أنه بعد العدم لم يُبق شيئا، فكيف يحكم على العدم بالوجود؟. وأجاب تعالى عن هذه الشبهة بقوله: (الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ)، أي: كما خلق الإنسان ولم يكن شيئا مذكورا، فكذلك يعيده وإن لم يبق شيئا مذكورا. - والوجه الثاني: أن من تفرقت أجزاؤه في الجهات وفي أبدان السباع وغيرها، كيف يُجمع؟. وأبعد من هذا أن إنسانا إذا أكل إنسانا فصار أجزاء المأكول في أجزاء الآكل، فإن أعيد فأجزاء المأكول إمّا أن تُعاد إلى بدن الآكل فلا يبقى للمأكول أجزاء يخلق منها أعضاء، وإما أن تعاد إلى بدن المأكول فلا يبقى الآكل أجزاء؛ فقال تعالى في إبطال هذا الوجه من الشبهة (وَهُوَ بكُلِّ خَلْقٍ عَليمٌ)؛ ووجْهُه أنّ في الآكل أجزاءَ أصليةً وأجزاء فضْلية، وفَي المأكول كذلكَ، فإذا أكل إنسان إنسانا صار الأصلي من أجزاء المأكول فضليا من أجزاء الآكل. والأجزاء الأصلية للآكل ما كان له قبل الأكل، والله بكل خلق عليم، يعلم الأصلي من الفضلي، فيجمع الأجزاء الأصلية للآكل، وينفخ فيه من روحه، وكذلك يجمع أجزاءه المتفرقة في الأماكن.

стр. 696

قلت: واستدل المالكية على أن العظام من أجزاء كلِّ حيوان تابعٌ للحمه؛ فمتى حَكَمْنَا للَحْم بالطهارة حكمنا بذلك للعظم، لأنه مما تَحُلُّه الحياة، لقوله تعالى (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ). والظاهر إضافةُ الحياة إلى نفسِ العظام، لكن في الآية (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا)، فأضاف الإحياء إلى الدار الآخرة، والإنشَاء إلى الدنيا، والإنشاء تركيبٌ لا إحياء، لكن اجتمعت الأمة على أن العودة في حلول الحياة كالبَدْأَة، فيكون معنى إنشائها هاهنا إحياؤها، والبلاغة تقتضي تغيير اللفظ وإن اتحد المعنى. انتهى من ابن بشير، وانظر ابن عبد السلام. ٨٠ - ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾: خ: "عاد إلى تقرير ما تقدّم من دفع استبعادهم وإبطالِ إنكارهم وعنادهم. وقدَّم ذكر النار في الشجر على ذَكر خلقَ الأكبر وهو خلقُ السماوات والأرض، لأنّ استبعادَهم كان بالصريح واقعا على الإحياء حيث قالوا: (مَنْ يُّحْيِي الْعِظَامَ)، ولم يقولوا "من يجمعها ويؤلفها". والنار في الشجر

стр. 697

تناسب الحياة، أي: لا تستبعدوا إحياء العظام وإيجادَ حرارة فيها، فإنّ النار في الشجر الأخضر الذي يقطُرُ منه الماء أعجبُ وأغرب؛ وإن استبعدتم خلقَ الجسم فقد خلق اللَّه السماوات والأرض، ثم أكَّدَ بيانَ ذلكَ بقوله (إِنَّمَا أَمْرُهُ) الآية، فبيّن فسادَ تمثيلهم وقياسهم الغائب على الشاهد. واستدل المعتزلة بقوله (شَيْئاً) على أن المعدوم شيء؛ لأنه قبل القول له "كن" غير كائن، وهو في تلك الحالة شيء، لقوله (إذَا أَرَادَ شَيْئاً). والجواب: أي: شيئا حين تَعَلُّقِ الإرادة، وهو حينئذ موجود. فإن قلت: يلزم إيجاد الموجود؛ فنقول: نحن نجيب عن هذا الإشكال فِي موضعه. قلت: وكان شيخنا ابن عرفة يجيب عنه بأنه موجودٌ بإرادة وجوده لا بغيرها، فلا يلزمُ إرادةُ وجود الموجود؛ وبهذا كان يجيب أيضاً على سؤال واردٍ على تعلق القدرة بالممكن حين إيجاده، وهو أنّه إنْ كان حينئذ معدوما لزم اجتماعُ الوجود والعدم، وإنْ كان موجودا لزم اجتماع الوجود والعدم باختيار أنه موجود بتلك القدرة لا بغيرها. خ: "استدل بها الكرامية على حدوث إرادته تعالى من وجهين:

стр. 698

- أحدهما: أنه جعل لها زمانا، لأن "إذا" ظرف زمان، وكل زمان حادث. - الثاني: أنه تعالى جعل إرادته متصلةً بقوله "كُنْ"، وقولَه "كن" متصلا بكون الشيءِ ووقوعِه، لأنّ الفاء في (فَيَكُونُ) للتعقيب، لكنّ الكونَ حادثٌ، وما قبل الحادث متصلاً به حادث، والفلاسفة وافقوهم في ذلك من وجه آخر فقالوا: إرادتُه متصلةٌ بأمره، وأمرُه متصل بالكون، لكنّ إرادتَه قديمةٌ، فكذا مكوناتُه. وجوابُهما أن المفهوم من قوله (إِذَا أَرَادَ) من حيث اللغة، إذا تعلقت إرادته بالشيء؛ لأن أداة الشرط إذا دخلت على الماضي صيَّرتْه مستقبلا، ونحن نقول: مفهوم قولنا "أراد ويريد وعلم ويعلم"، يجوز أن يدْخُلَه الحدوث، وأن للَّه صفة قديمة هي الإرادة، فتلك الصفة إذا تعلقت بشيء نقول "أراد ويريد"، وقبل التعلق لا نقول "أراد"، وإنما نقول: له إرادة وهو بها مريد. فالإرادة أمر ثابت، إن تعلقت بوجود شيء قيل: أراد وجوده أو يريد وجوده؛ وهذا معنى قول أهل السنة: تعلق الإرادة حادث. وقال المعتزلة والكرامية: كلام اللَّه تعالى حروف وأصوات، وهو حادث؛ أما أنه حادث، فلما مرَّ من الوجهين: أحدهما أنه زماني؛ والثاني أنه متصل بكون حادث.

стр. 699

والجواب أن الكلام ينطلق على معنيين: أحدهما ما عند المتكلم، والثاني ما عند السامع؛ ثم إن أحدهما ينطلق عليه أنه هو الآخر، فالكلام الذي عند اللَّه هو صفة له ليس بحرف، والذي عند السامع حرف وصوت، وأحدُهما الآخرُ، وبيانه أن من قال لغيره؛ عندي كلام أقوله لك غدا. ثم إن السامع أتاه غدا وسأله عن الكلام الذي كان عنده أمس، فيقول له: أريد أن تحضر عندي اليوم؛ فهذا الكلام أطلق عليه المتكلم أنه كان عنده أمس، ولم يكن عند السامع بحرف وصوت، ويطلق عليه أن هذا الذي سمعت هو الذي كان عندي، والصوت لم يكن عند المتكلم أمس، ولا الحرف؛ لأن الكلام الذي عنده جاز أن يذكره باللسان العربي أو غيره من اللغات، وحروف اللغات مختلفة، والكلام الذي عنده وَوَعَدَهُ به واحد. فقوله: هذا ما كان عندي أمس من الكلام؛ أي: هذا يؤدي إليك ما كان عندي. وهذا أيضا مجاز؛ لأن الذي عنده ما انتقل إليه، وإلا علم ذلك وحصل عنده به علم مستفاد من السمع أو البصر في القراءة والكتابة أو الإشارة. الزمخشري: "كُنْ" كناية عن سرعة التكوين، وليس ثَمَّ قولٌ".

стр. 700

قال شيخنا ابن عرفة: "كلامه هذا يحتمل كونُه على أصْلِ مَن نَفَى صفةَ الكلام، ويحتمل أن يريد أن إيجاد الحادث لا يتوقف على صفة الكلام، إنما يتوقف على صفتي القدرة والعلم حسبما تقرر في علم الكلام". ٨٣ - ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾: لما تقرر الوحدانية والإعادة، وأنكروها، وجعلوا للَّه تعالى شريكا، نزَّهَ سبحانه نفسه عن الشريك، وأخبر أنه بيده ملكوتُ كل شيء، وكلُّ شيء ملكُه، فكيف يكون الملوك شريكا للمالك؟. قلت: كما لا يكونُ ولداً له؛ حسبما أشار إليه في قوله في سورة مريم (وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣))، وبهَ احتج الماَلكية على عتق الولد عليَ أَبيه. ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: رد لإنكارهم الإعادة.

стр. 701

خ: "قوله ﷺ : "إن لكل شيء قلبا وقلب القرآن يس"، قال فيه الغزالي: وذلك لأن الإيمان يحصل بالاعتراف بالحشر، وهو مقرر في هذه السورة بأبلغ مما في غيرها، فلذا جعلت قلبا". خ: "وقد اشتملت على تقرير الأصول الثلاثة بأقوى البراهين؛ ابتدأتْ بيان الرسالة بقوله (إنَّكَ لَمنَ الْمُرْسَلينَ) وقدَّمَ دليلَها بقوله (وَالْقُرْآن الْحَكيم)، وبقوله بعدُ (لتُنذرَ قَوْماً) الآية، وختمَ السورةَ ببيان الوحدانيةَ والحشَر بقوله (الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ)، إشارة إلى التوحيد؛

стр. 702

وقولُه (وإِلَيْه تُرْجَعُونَ) إشارة إلى الحشر. وليس في هذه السورة إلا هذه الأحوال الثلاَثة ودلائلها وتوابع ذلك، ومن حصل له ذلك فقد حصل نصيب قلبه وهو التوحيد والتصديق، فلما كان فيها أعمال القلب لا غير، سماها قلبا". وأما وظيفة اللسان وهو القول، فكما في قوله تعالى (وَمَنَ اَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إلَى الله) الآية. وقوله (وَقُولُوا قَوْلاً سديداً) و (بالْقَوْل الثابتِ) وَ (أَلْزَمَهُمْ كَلمَةَ التَّقْوى) و (إِلَيْه يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطيِّبُ)، إلى غير ذلك. وأما وظيفة الأركان وهو العمل،َ فكما في قوله (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) و (اعْمَلُوا صَالِحاً) وغير ذلك.

стр. 703

ومن الحديث تلقينُها عند النَّزْعِ (١)، وقراءتُها عند رأسه لضعف لسانِه، لكنَّ قلبَه مقْبلٌ على اللَّه، فيزدادُ بها قوة".

стр. 704

سُورَةُ وَالصَّافَّاتِ ٨٩ - ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾: قول الفخر: "حديثُ" لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات"، غير صحيح". يرد بأنَّه في "صحيح مسلم"، لكنه في عنعنته، أي الزبير عن جابر، وقد ضعفوه؛ والفخر في الحديث ضعيف، والحديث في مسلم في كتاب المناقب في فضائل الأنبياء، وخرجه أيضا في أحاديث الشفاعة: "فياتي الناس إلى إبراهيم

стр. 705

فذكر كذباته". ٩١ - ﴿فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾: ليس من الاستدلال على عدم الألوهية بعدم الأكل، إذ ليست من لوازمها، بل هو بيان لكونهم أخفض درجة من الأجسام التي تأكل. ولما لم يجيبوا قوله (أَلَا تَاكُلُونَ)، قال: (مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ)، أي
следующие страницы →