← Тафсир

Тафсир · id 1731

نكت وتنبيهات في تفسير القرآن المجيد

البسيلي

Полный текст (901 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

سُورَةُ الْأَحْقَافِ ٣ - ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾: قول ابن عطيَّة: أي بالواجب الحسَن الذي قد حَقَّ أن يكون"، عبارةٌ اعتزالية، وإنْ أراد الوجوبَ الشَرعي لا العقلي. وقول الزمخشري: "إن سببَ الحكمة والمصلحة" اعتزال، على أصل المعْتزلة في مراعاة الأصْلح، وأنّ أفعالَه تعالى معلّلة، وَقدْ بيَّنا عدمَ تعليلِها لاقتضائه العجْز؛ إذْ لا يفعل الشرَّ لتحصيل الغرض إلاّ من عجز عن تحصيلِه دونَه، والله تعالى قادر على كل شيء، فيفعلُ الشيءَ دون تحصيلِ سببه، وأحكامُه تعالى عندنا معلّلة شرعا لا عقْلا.

стр. 737

وقول الطيبيّ: "معنى بالحق أي بالثواب"؛ إن أراد الثّواب الشرعي لا العقلي فهو مذهبُنا، وأمّا المعتزلة فيقولون بالتحسين والتقبيح، وأنّ اللَّه تعالى يجب عليه عقلا أن يُثيبَ الطائع؛ فمعنى كلام الطيبي أن اللَّه تعالى خلق السماوات والأرض بسبب الثواب والعقاب شرعا. ع: "ويحتمل غير ما قالوه، وهو أن الحقَّ تارة يُراد به ضدُّ الباطل، وهو الأمر الثابت الموجود، وتارة يرادُ به الصدقُ وهو ضدُّ الكذب؛ فالأول لا يصحُّ حمل الآية عليه، لتناوُله دينَ المومنين والكافرين؛ لأن كلاّ منهما موجود ثابت، فيلزم كون الكفر حَقّا، وهذا لم يقُلْه أحد، فتُحْمَل الآية على المعنى الثاني، أي ما خلقناهما إلا بالصدق، وهو (حم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) هو صدق، لإخبار الرسل به عن الملائكة عن اللَّه، وَيتوقف ذلكَ عليَ وجود الباري ووحدانيته، ويدل على ذلك عقلا السماوات والأرض. ٤ - ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾: استدلالٌ بنفي اللازم العقلي؛ لأنّ من لوازم المعبود عقلا العلم بكونه خالقا، وليس اللازمُ نفسَ الخلق، لأنه يلزم عليه قِدَمُ العالم. - ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ﴾: استدلالٌ بنفي اللازم الجُعْلي وهو قسمان: تواترٌ وهو الكتب

стр. 738

السابقة وآحاد، وهو قوله (أَوَ اَثَارَة مِّنْ عِلْمٍ). ولم يقل "أم لهم شرك في الأرض"؛ لأنّ خلقَ السماوات أعظم. واستدل بعضُهم بهذه الآية على جوازِ خَطِّ الرمل، ولحديث "أن نبيئا من الأنبياء كان يخط، فمن صادف خطه فذاك"، خرَّجه مسلم في كتاب الطاعون، وحكى فيه عياض قولين في كتاب الصلاة، في حديث "الخَطُّ بَاطِلٌ"، وفي باب نسخ الكلام في الصلاة، عن معاويةَ بنِ الحكم؛ وأنكره ابن العربي في "أحكام القرآن" له، وابنُ

стр. 739

رشد في "الأجوبة"؛ قالا: الحديث على معنى الاستبعاد والفرض، وليس المرادُ أن أحداً يصادف خط ذلك النبي، فهو من فرْضِ المُحال. قال ابن رشد: "ولا يحلُّ الجلوسُ لمن يخُطُّه، ولا السلامُ عليه حين خطّه، ولا أخذ الأجرة عليه". ٧ - ﴿هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾: قول ابن العربي: "يقال: السحر حقيقة ولا يقال له حَقٌّ، خلاف قولهم "السحر حقّ والعين حقّ". الفخر: "تعلُّم السِّحر واجب، ليُعلَم كيفيةُ الحكمِ فيه"، يريد؛ لأن

стр. 740

تصوّر الشيء شرطُ الحكْم عليه؛ ولأبي فراس الحمداني -وذَكَرَه الزمخشري في سورة البقرة-: عَرَفْتُ الشَّرَّ لَا لِلشـ ... رِّ لَكِنْ لِتَوَقِّيه وَمَن لا يَعْرفِ الشرَّ من الـ ... ناس يقعْ فيهِ وفي قواعد الشيخ عز الدين بن عبد السلام جواز تعلمه. ٩ - ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾: قول ابن عطيَّة: "هي منسوخة في أحد التأويلات" يُرَدُّ بوجهين:

стр. 741

- الأول أنه خبر، والخبر لا ينسخ. - الثاني: أن "ما" النافية، إنما تنفي الحال لا الاستقبال، وهو ﷺ لا يدري في الحال ما يُفعل به ولا بهم، فلمّا أعْلم بذلك صار دَارياً. وتقديمُ نفسِه للتشريف. ١٥ - ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾:

стр. 742

ابن عطيهْ: "للأمّ ثلاثه أرْباع البرِّ، وللأب ربعُه". عياض: "للأب ثلُثه وللأم ثلُثاه". انظر "سراج المريدين" لابن العربي، في الاسم الثامن والتسعين.

стр. 743

ابن أبي زيد في "رسالته": "ويطيع أبويه ولو كانا كافرين، ولو كانا مشركين"، يريد فيما لا معصية فيه لله تعالى. وِفي "المدونة": "لا يغسل المسلم أباه الكافر ولا يدخله قبره، إلا أن يخاف أنْ يضيعَ فلْيُوَارِهِ". ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كَرْهًا﴾: أي من الإحساس به.

стр. 744

﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾: قول ابن عطية: "الحمل والفصَالُ كالطّهر والحيض، فبقَدْر ما يُنتقص من أحدهما يزداد في الآخر" غيرُ صحيح؛ ويلزم عليه إنْ تحَاكم إلينا نساءُ زماننا في الرضاع، أنْ يُحكم لهن بأحد وعشرين شهرا، لأنّ أمَدَ حملهن تسعَةُ أشهر، وليس كذلك، فالحكم لهنّ بحوْليْن كاملين. والآية لم تتضمنْ مطلقَ الحمل بل الحمل الشرعي، وأقلُّ الحمل الشرعيِّ ستةُ أشهر، فإذا وضَعَتْه لأقلّ منها فهو للثاني لا للأول، فالحمل والفصال يكونان أكثرَ من ثلاثة أشهر، والذي في الآية أقلّه شرعا. وسُمِّيَ أمد الرضاع فصالا من باب تسمية الشيء باسم ضدِّه للملابسة التي بينهما، وهى مشاركةُ الفصال لآخر زمَنِ الرضاع، كقول ابن التلمساني في قولهم "جرى الميزَابُ"، "وإنما جرى الماء فيه، لكنْ بينهما ملابسة". ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾:

стр. 745

أكثر النحويين أن حتَّى حرف غاية، وحكى ابن خروف في "شرح كتاب سيبويه" قولا بأنَّ حتّى الجارَّةَ هي التي تلزمُها الغايةُ، وأما غيرُها فَلاَ. ١٩ - ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ﴾: في زيادة الإيمان ونقصه، ثالثُها يزيد ولا ينقص؛ وسكتوا عن الكفر فلم يذْكروا فيه خلافاً، وظَاهرُ الآية أنه كالإيمان في الزيادة والنقص؛ لأنّ لفظ الدرجات يعمُّهما لصدْقه على منازلِ النعيم ومنازل العذاب.

стр. 746

الزمخشري: "يقال في النعيم درجات وفيِ العذاب دَرَكَاتٌ"، فجعله ابن عطية القدْرَ المشترك بينهما، وهو التفاوت، فيكون مبهما؛ وجعله الزمخشري خالصا فيكون مبَيَّناً، والبيان أوْلى من الإبهام، لكنْ يلزَمُ الزمخشريَّ المجازُ أو التغليبُ لاستعمال اللفظة هنا في النعيم والثواب معا. وسُئل المازري في "أسولته" عن الجن هل ينعمون في الدار الآخرة بدخول الجنة أم لا؟، فأجاب بأنهم ينعمون بذلك، وكذلك قال عياض في "المدارك"، لما عرَّفَ بمحمد بنِ عبد اللَّه بنِ عبد الحكم، قال: "سئل هل للجن جزاءٌ في الآخرة عن عملهم، فقال نعم؛ واحتج بقوله تعالى (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ) الآية".

стр. 747

وحكى الزمخشري عن أبي حنيفة أن اِلجنَّ مكلَّفُون، وأنهم ينعمون بالثواب كما يعذبون، وفي الحديث "أنَّهُ جَعَل العَظْمَ زَادَهُمْ، والرَّوْثَ زَادَ دَوَابِّهِمْ".

стр. 748

وذكر أبو نعيم في "الحلية" عن سهْل ابن عبد اللَّه التُّسْتَري أنه رآهم يأكلون العظم والرَّوْث. ٢١ - ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ﴾: عُرْفُ القرآن الكريم في ذِكْرِ ما فيه تسليةٌ للنبي ﷺ ، التعبيرُ بلفظ

стр. 749

"اذكر"، وأما ما هو إنذارٌ لأمته فيعبِّر عنه بلفظ "اتل" مثل (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ). ﴿وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ﴾: أي تضافرت بالإنذار، فيوخذ منه الترجيح بالعدد في باب الشهادة، وتقريرُه أن الآية دلَّتْ على أنّ اشتراك المماثل مع مماثله في قول مفيدٌ، وكل مفيد مرجّح، فاشتراكُ الأمثال مرجّح؛ بيان الصغرى أن قوله تعالى (وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ) بمعنى تضافرت بالإنذار، وهو مماثل لهم في إنذار قومه أيضا، فدل عَلى أن العدد يفيد. ٢٣ - ﴿قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾: الذي لا يعرض له التبدل عند اللَّه. ﴿وَلَكِنِّي﴾: شرطُ الاستدراك بـ "لكن" مخالفةُ ما بعدَها لما قبلها، وتقريرُه أن الاستدراكَ فيها مِن لازم ماَ قبلَها، لأنّ لازمَ التبليغ علمُ المبَلّغ إليهم بما يسمعون، فأخبَر عنهم أنَّهُم جاهلون، أي الجهلَ المركب؛ لأن الجهل البسيط مشتركٌ بينهم وبين غيرِهم من المومنين، علموا وهؤلاء لم يعلموا.

стр. 750

٢٤ - ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ﴾: أي السحاب الذي يسيّره الريح. ٣١ - ﴿وَآمِنُوا بِهِ﴾: أي وحِّدُوه. وقد اختار المقْترح وابن التّلمساني والمتأخرون أنّ الوحدانيةَ يصحُّ إثباتُها بالسمع. ﴿مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾: الزمخشري: "أشار بالتّبعيض إلى أن الإسلامَ إنما يَجُبُّ الذنوبَ التي بين

стр. 751

العبد ورِبِّه، لا التي بينه وبين الناس". انتهى. فالذِّمِّيُّ إذا سرق ثم أسلم، فإنه يُطالب بذلك ولا يَجُبُّه الإسلام؛ لأنّ ذلك ليس نقضاً للعهد عندنا إذْ ليس بغصْب، فلو كان أخذ شيئا جهارا ثم أسلم لجبَّه الإسلام، كالحربيِّ يأخذ شيئا فهذا نقضٌ للعهد. ابن عصفور في "شرح الإيضاح": "التبعيض في (مِّن ذُنُوبكُم) السابقة على الإسلام هي التي تغفر، لا ما يحدثُ بعده". ٣٥ - ﴿أُولُو الْعَزْمِ﴾: ذكر ابن عطية فيهم إبراهيم. وقوله "إِنَّهُ صبَرَ على النار" صوابه "على

стр. 752

الرمي بالمنجنيق في النار"؛ لأنَّها صارتْ عليه برداً وسلاما. ﴿سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾: لم يقلْ تعالى "ساعة من ليل"، وإنْ كانت العرب تؤرِّخ به؛ لأنّ ساعات النهار يعقُبُها ظلامُ الليل، وساعات الليل يعقبها ضياء النهار، فلُبْثُ ساعة منَ الليل يعقُبُها الفرَج، ومن النهار بخلافه.

стр. 753

سُورَةُ الْقِتَالِ ١ - ﴿أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾: إما لا تَقَرُّرَ لها بوجْه، أو لها تقرر، لكنْ لا ثوابَ لها. الفخر: "الخلافُ في خطاب الكفار بفروع الشريعة إنما تظهرُ ثمرتُه في تضْعيف العذاب عليهم في الدار الآخرة". وقال ابن بشير وابن رشد: "تظهر ثَمَرتُه في مسائل من الفقه؛ منها: مسألةُ جبْرِ المسلم زوجتَه النصرانيةَ على الاغتسال من الحيض؛ ومسألة الخَليطَيْن أحدُهما كافر، ولكلٍّ منهما دون النصاب منفرداً فإذا اجتمعا صَارَا نِصاباً". وحكى اللخْميّ عن المغيرة أنّ الكافر إنْ زنا يُحَدُّ حدَّ البكر؛ وحكى عنه أيضا أنه إذا طلّق امرأته بالثلاَث ثم أسلم، لم تحل له إلاَ بعدَ زوج. وحكى ابن رشد الخلاف في عِدَّةِ الكافرة هل ثلاث حِيَضٍ أو حيضة واحدة.

стр. 754

وقال المازري: "إذا قدِمَ المسافر نهارا في رمضانَ لا يجوز له وطْؤُ زوجته المسلمة. واختلفوا في النصرانية"، قال: "وأشياخُنا يُجْرُون ذلكَ على الاختلاف: هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة أم لا؟ ". ٢ - ﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾: أي إيمانهم أو الذي نزل.

стр. 755

٧ - ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾: في مواطن أخر. ١٠ - ﴿وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾: في الجنس لا في الصنف. ١١ - ﴿لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾: أي لا ناصر؛ فلا يناقض قوله (ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ)، وهي في قوة سالبة كلية، وتلك موجبة جزئية. ١٢ - ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ﴾: أسندَ إدخالَهُم الجنةَ إلى نفسه تشريفاً لهم، وقال في الكافرين (النَّارُ مَثْوًى لَهُمْ)، وعبَّر عنهم بالاسم المقتضي الثبوتَ والدوامَ واللّزومَ؛ وعبَّر عن

стр. 756

إيمان المومنين بالفعل، إشارةً إلى الاكتفاء منهم بمطلقِ إيمانٍ ومطلقِ عملٍ. ٢٣ - ﴿فَأَصَمَّهُمْ﴾: لم يقل "فأصمَّ آذانَهم"، كما قال (وَأَعْمى أَبْصَارَهُمْ)؛ لأنّ العمى يكونُ في البَصَرِ وفِي البصيرة، فبيَّن المرادَ منهما، وأما الصَّمَمُ فمَحَلُّه شيءٌ واحدٌ وهو الأذن. فإن قلت: ما الجمع بين هذه وبين قوله (فَإنَّهَا لَا تَعْمَى الاَبْصَارُ) فنفى في تلك ما أثبت في هذه!. فالجوابُ أن البصر شيئْان حسِّي ومعنوي، فالحسِّيُّ رؤيةُ المخلوقات وعجائبِها، والمعنوي الاستدلالُ على الوحدانية، وهو الإبصارُ النّافع، والأولُ شرطٌ في الثاني، وقدْ يحصُل عنه وقدْ لا يحصُل، فالمنْفِيُّ هناك عن أبصارهم العَمَى الحسي، واتصافها بالإبصار النافع، والمثْبَت هنا العمى المعنوي، بمعنى أنَّهُم ينظرون فلا ينتفعون بنظرهم، فكأنهم ليس لهم إدراكٌ ألبَتَّةَ، فالمثبت غير المنفي. ٢٤ - ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ﴾: لم يقل "يتفكرون ولا يتذكرون"؛ لأنّ هذيْن استحضار في متوقّعٍ في

стр. 757

الماضي تُنُوسى، والتدبُّر استحضارُ أمْرٍ مستقبَل متوقّع مجيئُه؛ والكفارُ لم يكن لهم شعورٌ بالقرآن بوجْهٍ، لنزولِه شيئا بعد شيء. ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾: "قلوب" جمع كثرة، و "أقفال" جمع قلة، والقليلُ إذا وُزِّعَ على الكثير لا يعُمه، والجوابُ من وجهين: (أ) - أن كلّ قلبٍ عليه أقفال. (ب) -: أن " أقفال" مصدرٌ لا جمعٌ، بدليل قراءة كسر الهمز من (أسرَارَهُمْ)، قُرِئ بفتح الهمزة وبكسرِها، إمّا جمع "سِرّ"، أو مصدر، وهو أبلغ؛ لأنّ إدراكَ المعنى يستلزمُ إدراك اللفظ. ٣٠ - ﴿فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾: يؤخذ منه شهادةُ الشاهدِ على خطِّه، هذه فائدةٌ فقهية؛

стр. 758

ويؤخذ منه أيضا فائدةٌ منطقية، وهى إفادةُ الرسم معرفة المعرّف. فإن قلت: الرؤية تُغْني عن السِّيما، لأنّ رؤيةَ البصر أبلغ، فكيف أكَّدَ الأقوى بالأضعف؟. فقولُ الشاهدِ: هذا هو الذي شهِدتُ عليه؛ هو أبلغُ من معرفتِه إياه بصفاته. فالجوابُ: أن السِّيما لدوام المعرفة في المستقبل، أو كان أولاً يعرفهم بالسيما، ثم عَرَفَهم بالرؤية التي هي أبلغ. - ﴿فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾: أي مقتضاه، كقول الأصوليين لحن الخطاب. وقد أطال أبو علي القالي في "الأمالي" الكلامَ في لفظ اللحن، وقال: "لحن القول" ولم يقل

стр. 759

"لحن الكلام"، ليتناولَ الكلمةَ المفردة. وقولُ ابنِ عطية: "احتجَّ بها من أوْجَبَ الحدَّ في التعريض بالقذف"؛ ووجهُهُ أنّ هؤلاء قالوا قولاً ظاهرُه الإسلام وباطنُه الكفر، فحكم لهم بحكم النفاق، فكذا المعَرِّض بالقذف، يقول قولاً ظاهرُه غيرُ القذف وباطنُه القذف. يُرَدُّ بقلب النكتة، فتكون حجة لعدم الحد؛ لأن القذفَ نظيرُ الكفر، والتعريض نظير النفاق، فَكمَا أن المنافق يُعتبر ظاهرُه، فكذلك المعرِّضُ بالقذف، يعتبر ظاهرُ لفظِه. فإن قلت: المنافقُ لا يُصَلَّى عليه إذا مات. قلت: وكذلك المعرِّض بالقذف لا تُقبل شهادتُه، ويكونُ تعريضُه جرْحَةً وإنْ لم يحدّ.

стр. 760

٣٦ - ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾: هنا شرطيتان لما تتقرر في علم المنطق، من أن الشرطيةَ تتعدّد بتَعَدُّد أجزاء تَاليهَا، ومفهوم الأولى من الشرطيتين معمل؛ لأنهم إذا لم يومنوا ويتقوا لا أجرَ لهم؛ والثانية لا مفهوم لها، لأنهم إذا لم يومنوا لا يسألون أموالهم. فإن قلت: بل يُسألونها؛ لأنّ مالَ الحربي مباح. قلت: لا يقال فيه أنه يسأل ماله وإنْ كان مباحا، بل يقال: مالُه غيرُ محفوظ؛ لأنه غيرُ مكلَّف، والمومن إذا لم يملكْ نصابَ الزكاة لا يُسأل مالَه، فإن ملَك نصابا وجبتْ عليه الزكاة. أو يكونُ المفهوم في الآية أحْرى، لأنه إذا لم يسأل المومن المتقي ماله مع أنه مكلف فأحرى الكافر غير المكلف؛ أو نقول بخطاب الكفار بالفروع.

стр. 761

فإن قلت: إنما المفهوم "لم يوتكم أجوركم" مع أنه لا أجرَ هُنَالك بوجْه؟. قلت: السالبةُ لا تقتضي وجودَ الموضوع.

стр. 762

سُورَةُ الْفَتْحِ ١ - ﴿إِنَّا فَتَحْنَا﴾: قال صاحب "المفتاح في علم البيان": "التأكيد بـ "إن" في هذه الآية، لتعْظِيمِ المخاطب". ٢ - ﴿مَا تَقَدَّمَ﴾: نقل ابن عطية عن سُفيان: "ما تقدَّم قبلَ النبوّة وما تَأَخَّر ما لم

стр. 763

يعلمه"، ونقله عياض في "الشفا" عن أحمد بن نصر قال: "وتكونُ "ما" الأولى موصولةً، والثانية واوُها للحال، أي: ما تقدَّم من ذنبك حالةَ كونِه لمْ يتأخر منه شيءٌ عن النبوءة". ٣ - ﴿نَصْرًا عَزِيزًا﴾: قول الزمخشري: "أي: عزيزاً صاحبُه". يريد: حذف المضاف وأُقيمَ المضاف إليه مَقَامَه، وهو الضمير المستتر. ٤ - ﴿السَّكِينَةَ﴾: هي العِلْمُ والداعِي. الفخر في "المُحَصَّل": "قال رؤساء

стр. 764

المعتزلة: لولا العلم والدّاعي لَصَحَّ الاعتزالُ وتَمَّتِ الدَّسَّةُ. ٦ - ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾: عبَّر بالدائرة إشارةً إلى أن ما حَلَّ بهم من العذاب لا ينتهي؛ لأنَّ الدائرةَ كما تَقَرَّرَ في الهندسة لا طَرَفَ لها ولا آخر. ٨ - ﴿شَاهِدًا﴾: قولُ ابن عطية: "إنْ أُريدَ بالشهادة التحمّل، فهي حالٌ محصَّلة، وإنْ أريد به الأداء فهي حالٌ مقَدَّرة؛ لأنَّ الأداءَ يوم القيامة، فهو مستقبل متأخّر عن زمن الإرسال". قلت: فإنْ قلت: بلْ هي حالٌ مقدَّرة مطلقا، لأن تحملَ الشهادة متأخر عن الإرسال؛ لأنه يرسل إليهم أولا، ثم يدعوهم إلى الإيمان، فإمّا أن يطيعوا أولا، فحينئذ يشهد عليهم. قلت: ليس المراد بـ "أرسلنا" ابتداء الإرسال، بل حالة اتِّصافه

стр. 765

بالرسالة، وهو متصفٌ بها دائما، لكن تقسيم ابن عطية الشهادة إلى تحمل وأداء، أمّا بالتحمّل فهي حقيقةٌ لغوية، وفي الأداء حقيقةٌ اصطلاحية. فإنْ قلت: استعمل لفظ "شاهدا" في حقيقته ومجازه؛ لأنه شاهد على من رآه وعاصَرَه حقيقةً وعلى الأمم السابقة بالسَّمَاع. قلت: بل الكلُّ حقيقة، لنَصِّ ابن رشد على أن شهادة السماع إنما تَصْدُقُ على ما لم يُحَصَّل فيه العلم، وأما إذا كان السماع فاشياً مُحَصِّلا للعلم، فلا يقال في الشهادة المستنِدة إليه أمَّا شهادةُ سماع، كعِلْمِنا بوجود مكةَ وشبهها.

стр. 766

فإن قلت: هذه حقيقة شرعية لا لغوية، وكلامُنا في اللغوية، قلت: بل الكلام في الشرعية. ٩ - ﴿لِتُؤْمِنُوا﴾: راجعٌ لقوله (شَاهداً)، أي يشهد على من آمن وعلى من كفر. ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾: راجعٌ لقوله (وَمُبَشِّراً)؛ لأنه إذا بشَّرَهم فالواجبُ أن يعظموه وينصُرُوه.

стр. 767

﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾: راجعٌ لقوله (وَنَذيراً)؛ لأن الإنذارَ يوجبُ الهيْبة وهي سببُ التّوقير. ١٠ - ﴿فَمَنْ نَكَثَ﴾: في الآية حذفُ التقابل، أىِ فإنما ينكُثُ على نفسه وسنُعذِّبُه عذابا أليما، ومن أوفى بما عاهد عليه اللَّه، فإنما ثوابهُ لنفسه، وسنوتيه أجرا عظيما. ١١ - ﴿وَأَهْلُونَا﴾: قلتُ لشيخنا ابن عرفة: هو جمعُ "أهل" بالواو والنون، وشرطُه عند النحاةِ في الجامد العَلَمية؛ فأجاب: لعل ذلك على تلميح الصفة؛ لأنه من التَأهُّل فهو مشتق، والمشتق لا تُشترط فيه العَلَمية. وقال أبو حيان في "شرح تسهيل الفوائد" لابن مالك: "فأما أهْلُون، فجمع أهل، وأهل ليس بعَلَم ولا وصف، ويحسُن جمعُه بالواو والنون شذوذاً، لأنه قد يُستعمَل استعمال "مستحق"، تقول: هو أهل كذا

стр. 768

وأهل له، جرى في الجمع مجْرى مستحق"، قال: (ومثل جمع أهل على أهلون جمع مَرْء على مَرْئين في قول الحسَن: "أحسنوا مَلأكمْ أيها المرْءُون"، وهو شَاذّ. ابنِ عصفور في "مقربه"، -في أوائل جمع التكسير-: هذا وأرَضُون وحَرُّونَ (٨٤٢) وإوَزُّونَ، من شذوذ الجمع، وفي سورة المائدة (مِنَ اَوْسَطِ مَا تطُعِمُونَ أَهْلِيكُمُ).

стр. 769

١١ - ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: أي من ترْك خروجكم للجهاد. فيدُلُّ أن التّرْكَ فعل، والصحيح أنه ليسَ بفعل، وإلا لزم عدمُ وجود العالم أو عدمُ حدوثه؛ هذا عند المتكلمين، وأمّا عند الفقهاء، فالصحيحُ أنه فعل كما في مسَألة مَنْ مَرَّ بصيد في الحِبالة فتركه حتَّى مات، ومسألة من رأى أعمى يقَعُ في مَهوَاةٍ فتركه، وغيرِ ذلك من المسائل. ١٣ - ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾: قول ابن عطية: "المراد: وأنتم كذلك، فأنتم ممن أُعِدَّتْ لهمُ السّعير"؛ هو قياسُ الضمير، حُذِفَتْ فيه إحدى القضيتين، لدَلالة السياق عليها، وتقريره: أنتم غيرُ مومنين باللَّه ورسوله، وكلُّ من لم يومن باللَّه ورسولَه أعتَدْنَا له سعيرا، فأعتدْنَا لكم سعيرا. وذكر وصف الكفر إشارة لقياس العكس، وأنهم استحقوا السعير بوصف الكفر. ١٤ - ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾:

стр. 770

الزمخشري: "يغفرُ ويعذبُ بمشيئته، ومشيئتُه تابعةٌ لحكمتِه، وحكمتُه المغفرةُ للتائب، وتعذيبُ المصرِّ. الطيبي: "بل حكمتُه تابعةٌ لمشيئته". ابن عرفة "ليستْ إحداهما تابعةً للأخرى، بل كل واحدة مستقلةٌ بنفسها؛ لكنْ إنْ أُريدَ بالحكمة المصالح الدنيوية، فهي تابعةٌ للمشيئة، وإنْ أريد بها صفة المعنى، فليست تابعةً للمشيئة". ١٥ - ﴿إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ﴾: يدل أن الخروجَ للجهاد لا يُنَافيه قصْدُ الغنيمة. ١٨ - ﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ﴾: قول ابن عطية: "هو تعليلٌ للرضى إنْ رَجَعَ لصفة الفعل، وإنْ رجع لصفة المعنى وهو الإرادة لم يكنْ تعليلاً له". تقريره: أنه إذا رجع

стр. 771

لصفة الفعل كان متأخرا عن بيعتهم، وإذا رجع لصفة المعنى لم يصحَّ تعليلُه بالبيعة لتأخُّرِها عنه. فإن قلت: "إذ" ظرف زمان لما مضى، فيقتضي تقدم البيعة في الزمان. قلت: التقدم أعمُّ من التقدم الزماني أو الأزلي، كقول المنطقييين في الضرورةِ إمَّا تشمل الأزليةَ والزمانيةَ. ﴿تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾: قال أبو عمر في "شرح الموطأ" -بعد أن حكى أن الصحابة حين حج عمر اختلفوا في الشجرة ما هي وأين هي؟! - "لا ينبغي التعريفُ بموضعها خشيةَ أن تُعبَدَ، وقال ﷺ : "لاَ تَتخِذُوا قَبْرِي وَثَناً يُعْبَدُ".

стр. 772

﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾: يقتضي لفظ "على" أن السكينة عَمَّتْهُم؛ فهذه أبلغُ من آية (أَنزَلَ السكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُومِنِينَ). ١٩ - ﴿يَأْخُذُونَهَا﴾: قول أبي حيان: "هي حالٌ مؤكّدة"، يُرَدُّ بأنها مبيّنة لقول الفقهاء: إذا خرج سَرِيَّتَان للجهاد، فسبقتْ إحداهُما فغنِمَت، فالغنيمة مشتركةٌ بينهما. فالثانية أخذتها حسّاً والأولى أخذتها حُكماً. ولما أسْند في الآية الأخذ للفاعل والأصل الحقيقة، دَلَّ على أنّ الأخذَ حقيقة، فدلَّ على أن الذين ياخذون الغنيمةَ هم المباشرون لها خاصّةً، وكذلك كان في فتح خَيْبَرَ، إنما أخذ الغنيمة مَن حضرها، لكنْ يرد على هذا أن الآية سيقت امتنانًا على المومنين، وهذا لا يُناسب اختصاص من حضر الغنيمة بأخذها. ٢٦ - ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ﴾: إن قلت: الحمية هي الداعي، فكيف تكون من جعلهم -إما كسبا على مذهب أهل السنة، وإما استقلالا عند المعتزلة- وهو خلاف

стр. 773

الإجماع؟ لاتفاق أهل السنة والمعتزلة على أن الداعي خلق لله تعالى؛ ولذلك قال المعتزلة: لولا العلم والداعي، لصح الاعتزال، وتمت الدسة. فالجواب من أوجه: (أ) - أن الحميَّةَ ليست هي الداعي، بل حَمَلَها المفسرون على الأفعال الظاهرة، مِنَ الكَتْبَ والمحْوِ في وثيقة صلح الحديبية، وذلك من فعل العبد إمّا كسْباً عندنا أو استقلالا عند المعتزلة. (ب) - أنه لَمَّا دَلَّ الدليلُ العقلي على أن الداعي مخلوق لله تعالى، وخالفَ ذلك ظاهرَ الآية، وجبَ تأويلُها بأنها من إطلاقِ اسم المسبّب على السبب؛ لأن الداعي سببٌ في الأفعال الظاهرة. (ج) - تقرّر في الأصول ثلاثةُ أمور: الفعل، والداعي للفعل، والقصد إلى الفعل. فأما الفعل فيُختلف فيه بين أهل السنة القائلين بالكسب، والمعتزلة القائلين باستقلال العبد بفعلِه، والْمُجْبِرَةِ القائلين بنفي الكسب.

стр. 774

فأما الداعي فمتفقٌ عليه كما مَرَّ، والقصد إلى الفعل محلُّه القلب، وهو من فعل العبد، فالجعْلُ في الآية بمعنى القصد إلى الفعل. (د) - جعل بمعنى صَيَّرَ، وفاعله ضمير عائد على الله تعالى. و "الذين" مفعول أول، والجملة مفعول ثان. ﴿وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾: إعادة حرف "على" إشارة إلى أن السكينة مقولة بالتشكيك، وأنها على الرسول أعظم. ﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾: أي بالجعل الشرعي والإرادة الأزلية؛ لأن ذواتهم اقتضت ذلك لتساوي الذوات؛ وفي "القوت" لأبي طالب المكي كلام حسن في هذا المعنى. ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾: هي كلية لا كل؛ لتعلق علمه تعالى بالجزئيات.

стр. 775

٢٧ - ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾: جعله أبو حيان حالا مقَدَّرة، بناءً على قصْرِ مُسَمَّى الدخول على قطعِ المسافة، ويحتمل كوْنها محصّلة، بناء على أن الاستقرارَ دخولٌ؛ وهو أحدُ القولين في الحالف لَا دَخَلَ بيتاً وهو كائنٌ فيه، أنه إنْ لم يبرحْ مكانَه حنث. ودلّت الآية على أن الحِلاقَ والتقصيرَ نُسُكٌ، وهو مذهبُنا؛ وقيل تحللٌ كقصِّ الأظفار وإزالةَ الوسخ والشَّعَثِ؛ وقيل نسُكٌ في الحجِّ دون العمرة، وتقريرُ الأخذ من الآية أنها خرجتْ مخرجَ الثناء عليهم، وإنما يكونُ الثناءُ بما هو نُسٌكٌ، وكذلك حديث "يَرْحَم اللَّه المحَلِّقينَ"، قال في الرابعة: "وَالمقَصِّرِينَ". ٢٨ - ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ﴾:
следующие страницы →