← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 17325

الإيضاح والتبيين لما وقع فيه الأكثرون من مشابهة المشركين

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (279 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وقال المروذي في كتاب الورع: قرئ على أبي عبد الله أحمد بن حنبل وأنا أسمع عن يحيى بن سعيد عن أبي عبيدة قال: دعي حذيفة ﵁ إلى شيء قال: فرأى شيئا من زي الأعاجم قال: فخرج وقال: «من تشبه بقوم فهو منهم»، فهذا المروي عن حذيفة ﵁ يؤيد القول بأن علة المنع التشبه بالكفار ويفيد بظاهره أنه لا فرق بين الاتخاذ للاستعمال وبين الاتخاذ للزينة من غير استعمال. وقد روي عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى نحو ذلك فذكر القاضي أبو الحسين في الطبقات في ترجمة علي بن أبي صبح السواق قال: كنا في وليمة فجاء أحمد بن حنبل فنظر إلى كرسي في الدار عليه فضة فخرج فلحقه صاحب المنزل فنفض يده في وجهه وقال زي المجوس زي المجوس وخرج. وقال صالح بن أحمد كان رجل يختلف مع خلف المخرمي إلى عفان يقال له أحمد بن الحكيم العطار فختن بعض ولده فدعا يحيى وأبا خيثمة وجماعة من أصحاب الحديث وطلب أبي أن يحضر فمضوا ومضى أبي وأنا معه فلما دخل أجلس في بيت ومعه جماعة من أصحاب الحديث ممن كان يختلف معه إلى عفان فكان فيهم رجل يكنى بأبي بكر يعرف بالأحول فقال له: يا أبا عبد الله ههنا آنية الفضة فالتفت فإذا كرسي فقام وخرج وتبعه من كان في البيت وسأل من كان في الدار عن خروجه فأخبروا فتبعه منهم جماعة وأخبر الرجل فخرج فلحق أبي فحلف له أنه ما علم بذلك ولا أمر به وجاء يطلب إليه فأبى وجاء الرجل عفان فقال له الرجل: يا أبا عثمان اطلب إلى أبي عبد الله يرجع فكلمه عفان فأبى أن يرجع ونزل بالرجل أمر عظيم رواه أبو نعيم في الحلية.

стр. 107

وقال أحمد رحمه الله تعالى في رواية صالح إذا كان في الدعوة مسكر أو شيء من منكر آنية المجوس الذهب والفضة أو ستر الجدران بالثياب خرج ولم يطعم. وقال المروذي: قلت لأبي عبد الله فالرجل يدعى فيرى مكحلة رأسها مفضض قال: هذا يستعمل وكل ما استعمل فاخرج منه إنما رخص في الضبة أو نحوها. وهذه الرواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى تفيد أن كل ما صلح للاستعمال من آنية وآلة وغيرهما فاتخاذه من الذهب والفضة لا يجوز وينكر على متخذه ولا تجاب دعوته. ومن لم يعلم به إلا بعد ما دخل دار متخذه فإنه يخرج ولا يطعم. ويستثنى من ذلك خاتم الفضة وقبيعة السيف منها وحلية المنطقة ونحو ذلك مما رخص فيه. وقال المروذي أيضًا قلت لأبي عبد الله دخلت على رجل فأتى بمكحلة رأسها مفضض فقطعتها فأعجبه ذلك فتبسم وأنكر على صاحبها. وقال أيضا: قيل لأبي عبد الله إن رجلاً دعا قوما فجيء بطشت فضة أو إبريق فكسر، فأعجب أبا عبد الله كسره، قلت لأبي عبد الله: فإن وقع إلي إبريق لأبيعه ترى أن أكسره أو أبيعه كما هو؟ قال: اكسره، وقال أيضا سألت أبا عبد الله عن إبريق فضة يباع؟ قال: لا حتى يكسر. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ووجه ذلك أن الصناعة محرمة فلا

стр. 108

قيمة لها ولا حرمة وأيضًا فتعطيل هذه الهيئة مطلوب فهو بذلك محسن وما على المحسنين من سبيل انتهى. وعلى هذه الروايات عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى يخرج الحكم في الصناديق والساعات والأقلام المتخذة من الذهب أو الفضة وفيما سوى ذلك من الأواني والآلات المتخذة منهما فكل ما صلح من ذلك للاستعمال لم يجز اتخاذه لا للذكور ولا للإناث ويكسر إذا أمكن كسره وينكر على متخذه ولا تجاب دعوته. ويستثنى من ذلك الساعات في حق النساء إذا كن يتحلين بها. والعلة في المنع من اتخاذ ما ذكر هي مشابهة الكفار كما علل بذلك حذيفة ﵁ فيما رواه المروذي والخلال عنه وتقدم ذكره. وكما علل بذلك الإمام أحمد رحمه الله تعالى فيما تقدم ذكره في رواية السواق ورواية صالح. وروي عن الشافعي وغيره أنهم عللوا بذلك في أواني الذهب والفضة. وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: كان العلماء يجعلون اتخاذ الحرير وأواني الذهب والفضة تشبها بالكفار ثم ذكر بعض ما ذكرته عن حذيفة وأحمد، والأصل في ذلك ما تقدم من حديث حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الذهب والفضة والحرير والديباج هي لهم في الدنيا ولكم في الآخرة». فأفاد هذا الحديث الصحيح أن من استعمل ما لا يجوز له استعماله من الذهب أو الفضة أو اتخذ ذلك عنده فقد تشبه بأعداء الله تعالى ومن تشبه بقوم فهو منهم.

стр. 109

فصل وأما تختم الذكور بخواتم الذهب فقد ورد التصريح بتحريمه في عدة أحاديث وورد النهي عنه في أحاديث أخر والنهي يقتضي التحريم كما تقدم تقرير ذلك قريبًا، وورد أيضا التغليظ فيه والكراهة الشديدة له وهجر متخذه والإنكار عليه وذلك يقتضي التحريم أيضًا، فأما الأحاديث المصرحة بتحريمه. فالأول منها: عن أبي موسى ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أحل الذهب والحرير لإناث أمتي وحرم على ذكورها»، رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي والترمذي والنسائي وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. الحديث الثاني عن علي بن أبي طالب ﵁ أن نبي الله ﷺ أخذ حريرًا فجعله في يمينه وأخذ ذهبا فجعله في شماله ثم قال: «إن هذين حرام على ذكور أمتي»، رواه الإمام أحمد وأهل السنن إلا الترمذي وصححه ابن حبان، وزاد ابن ماجه في روايته: «حل لإناثهم». الحديث الثالث عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وفي إحدى يديه ثوب من حرير وفي الأخرى ذهب فقال: «إن هذين محرم على ذكور أمتي حل لإناثهم» رواه أبو داود الطيالسي وابن ماجه. الحديث الرابع عن عمر ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يديه صرتان إحداهما من ذهب والأخرى من حرير فقال: «هذان حرام على الذكور من أمتي حلال للإناث» رواه الطبراني.

стр. 110

الحديث الخامس عن مسلمة بن مخلد أنه قال لعقبة بن عامر ﵁ قم فحدث بما سمعت من رسول الله ﷺ فقال: سمعته يقول: «الذهب والحرير حرام على ذكور أمتي حل لإناثهم» رواه الإمام أحمد. الحديث السادس عن زيد بن أرقم ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الذهب والحرير حل لإناث أمتي وحرام على ذكورها»، رواه الإمام أحمد والطبراني. الحديث السابع عن واثلة بن الأسقع ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الذهب والحرير حل لإناث أمتي وحرام على ذكورها» رواه الطبراني. وأما الأحاديث في نهي الرجال عن التختم بالذهب. فالأول منها عن البراء بن عازب ﵄ قال: «نهانا رسول الله ﷺ عن سبع: نهى عن خاتم الذهب أو قال حلقة الذهب»، الحديث متفق عليه. الحديث الثاني عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه «نهى عن ختم الذهب» متفق عليه. الحديث الثالث: عن علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول الله ﷺ : «نهى عن لبس القسي والمعصفر وعن تختم الذهب وعن قراءة القرآن في الركوع»، رواه مالك وأحمد وأبو داود الطيالسي ومسلم وأهل السنن، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

стр. 111

الحديث الرابع عن عمران بن حصين ﵄ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن التختم بالذهب» رواه الترمذي والنسائي وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. الحديث الخامس عن ابن عمر ﵄ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن خاتم الذهب» رواه ابن ماجه. الحديث السادس: عن حذيفة ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن لبس الحرير والذهب وقال هو لهم في الدنيا ولنا في الآخرة»، رواه ابن ماجه وهو في الصحيحين لكن بغير هذا اللفظ كما تقدم ذكره. الحديث السابع عن المقدام بن معدي كرب ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن الحرير والذهب ومياثر النمور» رواه النسائي بهذا اللفظ، ورواه أبو داود مطولاً وفيه قصة وعنده أن المقدام قال لمعاوية بن أبي سفيان ﵄ أنشدك بالله هل تعلم أن رسول الله ﷺ «نهى عن لبس الذهب»، قال: نعم. الحديث الثامن عن حمان بن خالد الهنائي أن معاوية ﵁ عام حج جمع نفرًا من أصحاب رسول الله ﷺ في الكعبة فقال: «أنشدكم بالله هل نهى رسول الله ﷺ عن لبوس الذهب» قالوا: نعم قال: وأنا أشهد رواه النسائي. الحديث التاسع عن عائشة ﵂ قالت: «نهى رسول الله ﷺ عن لبس الحرير والذهب»، رواه الإمام أحمد وأبو نعيم في الحلية من طريقه. الحديث العاشر عن معاوية ﵁ أن رسول الله ﷺ : «نهى

стр. 112

عن الشرب في آنية الذهب والفضة ونهى عن لبس الذهب والحرير» رواه الطبراني. الحديث الحادي عشر عن معاوية ﵁ أن رسول الله ﷺ «نهى عن النوح والشعر والتصاوير وجلود السباع والتبرج والغناء والذهب والخز والحرير» رواه الإمام أحمد والبخاري في تاريخه بأسانيد جيدة. الحديث الثاني عشر عن أبي الكنود قال: أصبت خاتمًا من ذهب في بعض المغازي فلبسته فأتيت عبد الله - يعني ابن مسعود ﵁ فأخذه فوضعه بين لحييه فمضغه وقال: «نهى رسول الله ﷺ أن يتختم بخاتم الذهب، أو قال: بحلقة الذهب» رواه الإمام أحمد. ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده مختصرًا ولفظه أن النبي ﷺ «نهى عن خاتم الذهب أو حلقة الذهب» وليس فيه ذكر الخاتم الذي وجده أبو الكنود. الحديث الثالث عشر عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ : «نهى عن خاتم الذهب وعن خاتم الحديد» رواه الطبراني في الأوسط وقال الهيثمي رجاله ثقات. وأما الأحاديث في التغليظ في التختم بالذهب وكراهته وهجر متخذه والإنكار عليه: فالأول: منها عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ رأى خاتمًا من ذهب في يد رجل فنزعه فطرحه وقال: «يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده» فقيل للرجل بعد ما ذهب النبي ﷺ : خذ

стр. 113

خاتمك انتفع به قال: لا والله لا آخذه أبدًا وقد طرحه رسول الله ﷺ رواه مسلم. الحديث الثاني عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ اصطنع خاتمًا من ذهب فكان يجعل فصه في باطن كفه إذا لبس فصنع الناس ثم إنه جلس عن المنبر فنزعه فقال: «إني كنت ألبس هذا الخاتم واجعل فصه من داخل» فرمى به ثم قال: «والله لا ألبسه أبدًا» فنبذ الناس خواتيمهم رواه مالك وأحمد والشيخان وأهل السنن إلا ابن ماجه. وفي رواية للنسائي كان رسول الله ﷺ لبس خاتمًا من ذهب ثلاثة أيام فلما رآه أصحابه فشت خواتيم الذهب فرمى به فلا ندري ما فعل. الحديث الثالث: عن البراء بن عازب ﵄ أن رجلا كان جالسًا عند النبي ﷺ وعليه خاتم من ذهب وفي يد رسول الله ﷺ مخصرة أو جريدة فضرب بها النبي ﷺ إصبعه فقال الرجل: مالي يا رسول الله؟ قال: «ألا تطرح هذا الذي في إصبعك؟» فأخذه الرجل فرمى به فرآه النبي ﷺ بعد ذلك فقال: «ما فعل الخاتم؟» قال: رميت به قال: «ما بهذا أمرأتك إنما أمرتك أن تبيعه وتستعين بثمنه» رواه النسائي وقال: هذا حديث منكر. قلت: وفي إسناده رجل مبهم. الحديث الرابع: عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ أن النبي ﷺ أبصر في يده خاتمًا من ذهب فجعل يقرعه بقضيب معه فلما غفل النبي ﷺ ألقاه قال: «ما أرانا إلا قد أوجعناك وأغرمناك» رواه النسائي. وفي رواية له عن أبي إدريس الخولاني مرسلاً أن النبي ﷺ رأى

стр. 114

في يد رجل خاتمًا من ذهب فضرب إصبعه بقضيب كان معه حتى رمى به. الحديث الخامس عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يكره عشر خلال وذكر منها التختم بالذهب»، رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي وأبو داود السجستاني والنسائي والحاكم وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه. الحديث السادس عن أبي ذر ﵁ قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أكلتنا الضبع فقال النبي ﷺ : «أنا لغير الضبع أخوف عليكم من الضبع إذا صبت عليكم الدنيا فيا ليت أمتي لا يلبسون الذهب»، رواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن شعبة عن يزيد بن أبي زياد عن زيد بن وهب عن أبي ذر ﵁. ورواه الإمام أحمد عن وكيع عن سفيان عن يزيد بن أبي زياد عن زيد ابن وهب عن أبي ذر ﵁ فذكره بنحوه وزاد فقلت لزيد بن وهب ما الضبع؟ قال: السنة. قال ابن الأثير: الضبع السنة المجدبة وهي في الأصل الحيوان المعروف والعرب تكني به عن سنة الجدب انتهى. الحديث السابع: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ أن النبي ﷺ رأى على بعض أصحابه خاتمًا من ذهب فأعرض عنه فألقاه واتخذ خاتمًا من حديد فقال: «هذا شر هذا حلية أهل النار» فألقاه فاتخذ خاتمًا من ورق فسكت عنه رواه الإمام أحمد والبخاري في الأدب المفرد. الحديث الثامن: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: أقبل رجل من البحرين إلى النبي ﷺ فسلم فلم يرد عليه وكان في يده خاتم من

стр. 115

ذهب وعليه جبة حرير فألقاهما ثم سلم فرد ﵇ ثم قال: يا رسول الله! أتيتك آنفًا فأعرضت عني قال: «إنه كان في يدك جمرة من نار» رواه البخاري في الأدب المفرد والنسائي في سننه. الحديث التاسع عن أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبسن حريرًا ولا ذهبًا»، رواه الإمام أحمد والحاكم في مستدركه وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه. الحديث العاشر عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من لبس الذهب من أمتي فمات وهو يلبسه حرم الله عليه ذهب الجنة» رواه الإمام أحمد. فهذه ثلاثون حديثًا في منع الذكور من لبس الذهب وسواء في ذلك الكبير منهم والصغير لعموم قول النبي ﷺ : «أحل الذهب والحرير لإناث أمتي وحرم على ذكورها». قال مالك رحمه الله تعالى في الموطأ أنا أكره أن يلبس الغلمان شيئا من الذهب؛ لأنه بلغني أن رسول الله ﷺ نهى عن تختم الذهب فأنا أكرهه للرجال الكبير منهم والصغير. وقال النووي في شرح مسلم أجمع المسلمون على إباحة خاتم الذهب للنساء، وأجمعوا على تحريمه على الرجال إلا ما حكي عن أبي بكر بن محمد ابن عمرو بن حزم أنه أباحه، وعن بعض أنه مكروه لا حرام. وهذان النقلان باطلان فقائلهما محجوج بهذه الأحاديث التي ذكرها

стр. 116

مسلم مع إجماع من قبله على تحريمه له مع قوله ﷺ في الذهب والحرير «إن هذين حرام على ذكور أمتي حل لإناثها». قال أصحابنا ويحرم سنن الخاتم إذا كان ذهبًا وإن كان باقيه فضة وكذا لو موه خاتم الفضة بالذهب فهو حرام انتهى كلام النووي. فإن قيل: إنه قد روي عن جماعة من الصحابة ﵃ أنهم لبسوا خواتم الذهب وذلك مما يدل على الجواز. فالجواب من وجهين: أحدهما: ما قاله ابن القيم رحمه الله تعالى إنه إن صح عنهم فلعله لم يبلغهم النهي وهم في ذلك كمن رخص في لبس الحرير من السلف وقد صحت السنة بتحريمه على الرجال وإباحته للنساء انتهى. الثاني: إن تحريم الذهب على الذكور ثابت عن النبي ﷺ من عدة أوجه كما تقدم وما ثبت عن النبي ﷺ لم يجز العدول عنه إلى غيره؛ لأنه لا قول لأحد مع رسول الله ﷺ . قال مجاهد: ليس أحد بعد النبي ﷺ إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي ﷺ رواه البخاري في جزء رفع اليدين بإسناد صحيح. وقال سالم بن عبد الله بن عمر ﵃: «سنة رسول الله ﷺ أحق أن تتبع» رواه البخاري في جزء رفع اليدين بإسناد صحيح. وقال الأوزاعي كتب عمر بن عبد العزيز أنه لا رأي لأحد في سنة سنها رسول الله ﷺ رواه الدارمي في سننه بإسناد جيد. ورواه محمد بن نصر المروزي في كتاب السنة من طريق إسماعيل

стр. 117

ابن عياش حدثنا بشر بن عبد الله بن يسار السلمي وسوادة بن زياد وعمرو بن مهاجر أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى الناس أنه لا رأي لأحد مع سنة سنها رسول الله ﷺ . وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِينًا﴾. وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، فكل قول أو فعل خالف قول الرسول ﷺ أو فعله فهو مردود على قائله كائنا من كان ولا يجوز لأحد أن يعمل به وهذا أمر مجمع عليه. قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد. إذا علم هذا فمثل التختم بالذهب ما فشا في زماننا من التحلي بساعات الذهب أو ما فيه خلط منه أو كان مموها به فيحرم ذلك على الذكور كالتختم بالذهب بل التحلي بساعات الذهب أولى بالتحريم في حق الذكور في التختم بالذهب؛ لأن لابسها من الرجال قد جمع بين أمرين محرمين: أحدهما: لبس ما هو حرام على الذكور بالنص والإجماع. والثاني: التشبه بالنساء في لبسهن الأساور والتشبه بالنساء حرام. وباجتماع هذين المحرمين يكون تحريم ساعات الذهب على الذكور أغلظ من تحريم خواتم الذهب عليهم والله أعلم.

стр. 118

وحكم ساعات الفضة في حق الذكور كحكم ساعات الذهب أو قريب منه لما في تحليهم بهن من التشبه بالنساء. وأيضا فإنه إنما أبيح للرجال من الفضة الخاتم وقبيعة السيف وحلية المنطقة ونحو ذلك مما روي عن النبي ﷺ وعن أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين أنهم ترخصوا فيه وما سوى ذلك فهو باق على المنع لقول النبي ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» رواه الإمام أحمد ومسلم والبخاري تعليقًا مجزومًا به من حديث عائشة ﵂. وقد زعم بعض الناس أنه يجوز للرجال التوسع في لبس الفضة يعني من غير اقتصار على ما روي عن النبي ﷺ وعن أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين أنهم لبسوه واستدل بقول النبي ﷺ : «ولكن عليكم بالفضة فالعبوا بها» رواه الإمام أحمد وأبو داود من حديث أبي هريرة ﵁. ولو تأمل هذا القائل أول الحديث لعلم أنه لا حجة له فيه ولظهر له أن الرخصة في التحلي بالفضة إنما أريد بها النساء خاصة. ولفظ الحديث عند أبي داود عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من أحب أن يحلق حبيبه بحلقة من نار فليحلقه حلقة من ذهب ومن أحب أن يطوق حبيبه سوارًا من نار فليسوره بسوار من ذهب ولكن عليكم بالفضة فالعبوا بها»، فشدد على الرجال في تحلية نسائهم بالذهب ثم رخص لهم أن يلبسوهن من حلي الفضة ما شاءوا. ويدل على أن الرخصة في حديث أبي هريرة ﵁ إنما هي للنساء دون الرجال حديث أخت حذيفة ﵁ وعنها قالت: خطبنا

стр. 119

رسول الله ﷺ فقال: «يا معشر النساء أما لكن في الفضة ما تحلين به أما إنه ليس منكن امرأة تحلت ذهبًا تظهره إلا عذبت به»، رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي. ويدل على ذلك أيضًا حديث أبي هريرة ﵁ قال: كنت قاعدًا عند النبي ﷺ فأتته امرأة فقالت: يا رسول الله سوارين من ذهب قال: «سواران من نار» قالت: يا رسول الله طوق من ذهب قال: «طوق نار» قالت: قرطين من ذهب قال: «قرطان من نار» قال: وكان عليها سواران من ذهب فرمت بهما وقالت: يا رسول الله إن المرأة إذا لم تتزين لزوجها صلفت عنده قال: «ما يمنع إحداكن أن تصنع قرطين من فضة ثم تصفره بزعفران أو بعبير» رواه الإمام أحمد والنسائي، قولها صلفت عنده معناه ثقلت عليه ولم تحظ عنده. ويدل على ذلك أيضا ما رواه الإمام أحمد وأبو نعيم في الحلية من طريقه عن أسماء بنت يزيد ﵂ أنها كانت تخدم النبي ﷺ قالت فبينا أنا عنده إذ جاءته خالتي قالت: فجعلت تسائله وعليها سواران من ذهب فقال لها رسول الله ﷺ : «أيسرك أن عليك سوارين من نار» قالت: قلت: يا خالتاه إنما يعني سواريك هذين قالت: فألقتهما وقالت: يا نبي الله إنهن إذا لم يتحلين صلفن عند أزواجهن فضحك رسول الله ﷺ وقال: «أما تستطيع أن تجعل خوقًا من فضة وجمانة من فضة ثم تخلقه بزعفران فيكون كأنه من ذهب فإنه من تحلى وزن عين جرادة أو خربصيصة كوى بها يوم القيامة». قال الجوهري وابن الأثير الخوق الحلقة. وقال ابن منظور الخوق: الحلقة من الذهب والفضة. وقيل: هي حلقة القرط والشنف خاصة. وقال

стр. 120

ثعلب الخوق حلقة في الأذن، قال ابن منظور: يقال ما في أذنها خرص ولا خوق انتهى. وأما الجمانة فقال الجوهري: حبة تعمل من الفضة كالدرة وجمعها جمان، وقال صاحب القاموس الجمان كغراب اللؤلؤ أو هنوات أشكال اللؤلؤ من فضة الواحدة جمانة انتهى وسيأتي تفسير الخربصيصة قريبًا إن شاء الله تعالى. فهذه الأحاديث الثلاثة مطابقة لحديث أبي هريرة ﵁ ومزيلة لما قد يتوهمه منه من لم يمعن النظر فيه والله أعلم. وقد روى الإمام أحمد وأهل السنن إلا ابن ماجه عن عبد الله بن بريدة عن أبيه ﵁ أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ وعليه خاتم من شبه فقال: «مالي أجد منك ريح الأصنام»؟ فطرحه ثم جاء وعليه خاتم من حديد فقال: «مالي أرى عليك حلية أهل النار»، فطرحه فقال: يا رسول الله! من أي شيء أتخذه قال: «اتخذه من ورق ولا تتمه مثقالاً» قال الترمذي: هذا حديث غريب وصححه ابن حبان. واحتج به الإمام أحمد فيما رواه الأثرم عنه فدل على صحته عنده. وفي قوله: «ولا تتمه مثقالاً» دليل على أنه لا يجوز للرجال التوسع في لبس الفضة. ويدل على ذلك أيضًا ما رواه البخاري في كتاب اللباس من صحيحه عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الذهب والفضة والحرير والديباج هي لهم في الدنيا ولكم في الآخرة». وهذا الحديث من أقوى الأدلة على منع الرجال من التوسع في لبس الفضة لما في ذلك من التشبه بالكفار والله أعلم.

стр. 121

وبعد تحرير هذا الموضع وقفت على كلام للشيخ محمد بن مفلح رحمه الله تعالى قرر فيه ما ذكرته ههنا وأورد فيه أدلة كثيرة على منع الرجال من استعمال كثير الفضة، ولحسن كلامه وكثرة فوائده رأيت أن أسوقه كله ههنا وإن كان في بعض ما ذكره من الأحاديث نوع تكرار مع ما ذكرته. قال أبو البركات ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه المحرر: ويباح للرجل من حلي الفضة الخاتم وقبيعة السيف. قال ابن مفلح في النكت على المحرر: ظاهره تحريم لباس الفضة والتحلي بها إلا ما استثناه وعلى هذا كلام غيره صريحًا وظاهرًا ولم أجد أحدًا احتج لتحريم لباس الفضة على الرجال في الجملة ودليل ذلك فيه إشكال. وحكي عن الشيخ تقي الدين أنه كان يستشكل هذه المسألة وربما توقف فيها. وكلامه في موضع يدل على إباحة لبس الفضة للرجل إلا ما دل دليل شرعي على تحريمه. وقال في موضع آخر لباس الذهب والفضة يباح للنساء بالاتفاق - إلى أن قال- فلما كانت ألفاظه صلوات الله وسلامه عليه عامة في آنية الذهب والفضة وفي لباس الذهب استثنى من ذلك ما خصصته الأدلة الشرعية كيسير الحرير ويسير الفضة في الآنية للحاجة ونحو ذلك فأما لبس الفضة إذا لم يكن فيه لفظ عام بالتحريم لم يكن لأحد أن يحرم منه إلا ما قام الدليل الشرعي على تحريمه فإذا جاءت السنة بإباحة خاتم الفضة كان هذا دليلا على إباحة ذلك وما هو في معناه وما هو أولى منه بالإباحة وما لم يكن كذلك يحتاج إلى نظر في تحليله وتحريمه. انتهى.

стр. 122

كلامه وذلك لأن النص ورد في الذهب والحرير وآنية الذهب والفضة فليقتصر على مورد النص وقد قال الله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾. قلت: قد تقدم ما رواه البخاري في كتاب اللباس من صحيحه عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الذهب والفضة والحرير والديباج هي لهم في الدنيا ولكم في الآخرة». وهذا لفظ عام يدل على منع الرجال من لبس الذهب والفضة والحرير والديباج. ويخص من عمومه ما ثبت عن النبي ﷺ وأصحابه ﵃ أنهم ترخصوا فيه وما سوى ذلك فهو باق على المنع كما تقدم تقريره. ومن ادعى إباحة شيء مما دخل في عموم هذا الحديث الصحيح فعليه إقامة الدليل على تخصيصه من العموم والله أعلم. قال ابن مفلح: ووجه تحريم ذلك أن الفضة أحد النقدين اللذين تقوم بهما الجنايات والمتلفات وغير ذلك، وفيها السرف والمباهات والخيلاء ولا تختص معرفتها بخواص الناس فكانت محرمة على الرجال كالذهب ولأنها جنس يحرم فيها استعمال الإناء فحرم منها غيره كالذهب وهذا صحيح فإن التسوية بينهما في غيره. ولأن كل جنس حرم استعمال إناء منه حرم استعماله مطلقًا وإلا فلا وهذا استقراء صحيح وهو أحد الأدلة، ولأنه ﵊ رخص للنساء في الفضة وحضهن عليها ورغبهن فيها ولو كانت إباحتها عامة للرجال والنساء لما خصهن بالذكر ولأثبت ﵊ الإباحة عامة لعموم الفائدة بل يصرح بذكر الرجال لما فيه من كشف اللبس وإيضاح الحق. وذلك فيما قال الإمام

стр. 123

أحمد حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن منصور عن ربعي عن امرأته عن أخت حذيفة قالت: خطبنا النبي ﷺ فقال: «يا معشر النساء ما منكن امرأة تتحلى ذهبًا تظهره إلا عذبت به»، رواه أبو داود عن مسدد عن أبي عوانة عن منصور. حديث حسن. وربعي هو ابن حراش الإمام. وقال أحمد أيضًا حدثنا عبد الصمد حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار حدثني أسيد بن أبي أسيد عن ابن أبي موسى عن أبيه أو عن ابن أبي قتادة عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: «من سره أن يحلق حبيبته حلقة من نار فليحلقها حلقة من ذهب ولكن الفضة فالعبوا بها لعبًا»، وقوله: «فالعبوا بها لعبًا» يعني النساء؛ لأن السياق فيهمن فقوله: حلوا معاشر الرجال نساءكم بالفضة مطلقًا من غير حاجة ولا يحوج من كره. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قالت امرأة: يا رسول الله! طوق من ذهب قال: «طوق من نار» -إلى أن قال-: «ما يمنع إحداكن أن تصنع قرطين من فضة ثم تصفرهما بالزعفران»، رواه أحمد. ولأنه ﵊ سئل عن الخاتم من أي شيء أتخذه قال: «من ورق ولا تتمه مثقالاً» رواه جماعة منهم النسائي والترمذي، وقال: حديث غريب. وهذا يدل على أنهم كانوا ممنوعين من استعمال الورق وإلا لما توجهت الإباحة إليه وأباح اليسير؛ لأنه نهى عن تتمته مثقالاً ولأن الصحابة ﵃ نقلوا عنه ﵊ استعمال يسير الفضة ليكون ذلك حجة في اختصاصه بالإباحة ولو كانت الفضة مباحة مطلقًا لم يكن في نقلهم استعمال اليسير من ذلك كبير فائدة فقال أنس ﵁:

стр. 124

كانت قبيعة سيف رسول الله ﷺ فضة رواه أبو داود والنسائي والترمذي، وقال: حسن غريب. وقال مزيدة العصري دخل رسول الله ﷺ يوم الفتح وعلى سيفه ذهب وفضة، رواه الترمذي، وقال: غريب، وهذا كقول أنس ﵁ أن قدح النبي ﷺ انكسر فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة. لتكون حجة إباحة اليسير في الآنية. وقد ثبت في الصحاح والسنن من حديث أنس ﵁ أنه ﷺ اتخذ خاتمًا من الفضة انتهى كلام ابن مفلح رحمه الله تعالى. ولقد أجاد وأفاد وقرر الصواب الذي لا شك فيه وأوضح الأدلة على ذلك وأحسن التعقب والتزييف لما خالفه وفي أول تقريره لتحريم الفضة جملة فيها خلل وهي قوله: فإن التسوية بينهما في غيره. ويظهر لي أن في العبارة سقطًا وأن صوابه هكذا: فإن التسوية بينهما في تحريم استعمال الإناء منهما تقتضي التسوية بينهما في غيره والله أعلم. وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام "في قواعد الأحكام": لبس الذهب والتحلي به محرم على الرجال إلا لضرورة وحاجة ماسة، وكذلك الفضة إلا الخاتم وآلات الحرب وكذلك لبس الحرير لا يجوز للرجال إلا لضرورة أو حاجة ماسة. ويجوز لبس الحرير والتحلي بالذهب والفضة للنساء تحبيبا لهن إلى الرجال. فإن حبهن حاث على إيلادهن من يباهي به الرسول الأنبياء وينتفع به الوالد إن عاش بما جرت به العادة من الانتفاع

стр. 125

بالأولاد والأحفاد. وإن مات كان فرطا لأبويه وأجرا وذخرا ووقاية من النار بحيث لا تصيبه إلا تحلة القسم انتهى. فصل وههنا أمر ينبغي التنبيه عليه لوقوعه من كثير من الجهال وهو إلباس الأسنان بأغلفة من ذهب قصدًا للزينة لا من خلل في الأسنان وبعضهم يقلع أسنانه ويبدلها بأسنان ذهب قصدا للزينة وهذا لا يجوز لقول النبي ﷺ : «أحل الذهب والحرير لإناث أمتي وحرم على ذكورها». وإنما أجاز العلماء ربط الأسنان بالذهب إذا كان يخشى سقوطها؛ لأن ذلك مما تدعو إليه الضرورة واستدلوا على ذلك بحديث عرفجة بن أسعد أنه قطع أنفه يوم الكلاب فاتخذ أنفًا من ورق فأنتن عليه فأمره النبي ﷺ فاتخذ أنفًا من ذهب رواه أهل السنن إلا ابن ماجه. وقال الترمذي: هذا حديث حسن قال: وقد روي عن غير واحد من أهل العلم أنهم شدوا أسنانهم بالذهب، وفي هذا الحديث حجة لهم انتهى. وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: ربط الأسنان بالذهب إذا خشي عليها أن تسقط قد فعله الناس فلا بأس به عند الضرورة. فقيد رحمه الله تعالى الجواز بالضرورة فعلم أنه لا يجوز ما لم تدع إليه ضرورة كإبدال الأسنان بالذهب وتغليفها به ونحو ذلك مما يقصد به الزينة لأن الضرورة إذا انتفت فالأصل التحريم والله أعلم. ومن قاس ما لم تدع إليه ضرورة على محل الضرورة وجعل الجميع من باب واحد فقد أبعد النجعة ونادى على كثافة جهله.

стр. 126

وقد روى الأثرم بإسناده عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم قال: من حلى أو تحلى بخربصيصة كوي بها يوم القيامة مغفورا له أو معذبًا، وهذا له حكم المرفوع؛ لأن مثله لا يقال إلا عن توقيف، وقد احتج الإمام أحمد بهذا الحديث في رواية الأثرم. قال الأثرم: قلت أي شيء خربصيصة؟ قال شيء صغير مثل الشعيرة. وقال الهروي وغيره من أهل اللغة الخربصيصة هي الهنة التي تتراءى في الرمل لها بصيص كأنها عين جرادة. وإذا كان الأمر هكذا في التحلي بالخربصيصة التي هي مثل عين الجرادة في الصغر فكيف بالتحلي بما هو أكبر من ذلك بكثير كالساعات والخواتيم والأزارير والأسنان وأغلفتها وغير ذلك من حلي الذهب مما قد كثر استعماله في زماننا واستحله كثير من الجهال فالله المستعان. فصل وأما لبس الحرير فقد ورد التصريح بتحريمه على الذكور فيما رواه عمر وعلي وأبو موسى وعبد الله بن عمرو وعقبة بن عامر وزيد بن أرقم وواثلة بن الأسقع ﵃ وقد تقدمت أحاديثهم قريبًا. ومن الأحاديث الصريحة في التحريم حديث عبد الرحمن بن غنم الأشعري قال: حدثني أبو عامر أو أبو مالك والله يمين أخرى ما كذبني أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الخز والحرير» رواه البخاري تعليقًا وأبو داود موصولاً وهذا لفظه.

стр. 127

ومن الأحاديث في هذا الباب أيضًا حديث علي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يوشك أن تستحل أمتي فروج النساء والحرير» رواه ابن المبارك في الزهد وابن عساكر في تاريخه. ورواه البخاري في التاريخ الكبير ولفظه قال: «يوشك أن يستحلوا الخمر والحرير»، وفي نسخة: «الحر والحرير». ومن الأحاديث في هذا الباب أيضا حديث مكحول عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ عن أبي عبيدة بن الجراح ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أول دينكم نبوة ورحمة ثم ملك ورحمة ثم ملك أعفر ثم ملك وجبروت يستحل فيها الخمر والحرير»، رواه الدارمي في سننه وقال: وقد سئل عن أعفر فقال: يشبهه بالتراب وليس فيه خير. وقال ابن الأثير في النهاية أي ملك يساس بالنكر والدهاء من قولهم للخبيث المنكر عفر والعفارة الخبث والشيطنة ومنه الحديث: «أن الله تعالى يبغض العفرية النفرية هو الداهي الخبيث الشرير ومنه العفريت»، انتهى. وقد رواه أبو داود الطيالسي في مسنده من طريق عبد الرحمن بن سابط عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ عن أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل ﵄ عن النبي ﷺ قال: «إن الله بدأ هذا الأمر بنبوة ورحمة وكائنًا خلافة ورحمة وكائنًا ملكًا عضوضًا وكائنًا عتوا وجبرية وفسادًا في الأرض يستحلون الفروج والخمور والحرير وينصرون على ذلك ويرزقون أبدا حتى يلقوا الله». وورد أيضًا النهي عن الحرير في عدة أحاديث وفي بعضها النهي عنه وعن الديباج والإستبرق والقسي والمعصفر والمياثر. والنهي يقتضي التحريم كما تقدم تقرير ذلك قريبًا، وورد أيضًا التغليظ فيه والكراهة

стр. 128

الشديدة له وهجر لابسه والإنكار عليه وذلك مما يقتضي التحريم أيضًا. فأما أحاديث النهي عنه فقد تقدم ستة منها قريبًا. أولها: حديث حذيفة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تلبسوا الحرير ولا الديباج»، وفي لفظه: «نهانا عن الحرير والديباج» الحديث. رواه الإمام أحمد والشيخان وأهل السنن. ثانيها: حديث معاوية ﵁ أن النبي ﷺ : «نهى عن لبس الذهب والحرير»، رواه الطبراني في الكبير. ثالثها: حديث البراء بن عازب ﵄ المخرج في الصحيحين وغيرهما قال: أمرنا رسول الله ﷺ بسبع ونهانا عن سبع فذكر المأمورات ثم قال: «ونهى عن خواتيم الذهب وعن الشرب في الفضة وعن المياثر والقسي وعن لبس الحرير والديباج والإستبرق». فأما المياثر والقسي فسيأتي الكلام عليهما بعد الحديث الرابع. وأما الحرير فمعروف، وأما الديباج والإستبرق فقال الحافظ ابن حجر أنهما صنفان نفيسان من الحرير. وقال ابن الأثير: الديباج هو الثياب المتخذة من الإبريسم فارسي معرب والإستبرق ما غلظ من الحرير والإبريسم وهي لفظة أعجمية معربة أصلها استبرة. وقال الجوهري الإستبرق الديباج الغليظ. وفي الصحيحين وسنن النسائي عن يحيى بن أبي إسحاق قال: قال لي سالم بن عبد الله ما الإستبرق؟ قلت: ما غلظ من الديباج وخشن منه.

стр. 129

الرابع: حديث علي ﵁ الذي رواه مالك وأحمد وأبو داود الطيالسي وأهل السنن أن رسول الله ﷺ : «نهى عن لبس القسي والمعصفر»، الحديث. وروى الدارقطني في سننه عن أبي بردة قال: انطلقت أنا وأبي إلى علي ابن أبي طالب ﵁ فقال لنا: إن رسول الله ﷺ : «نهى عن آنية الذهب والفضة أن يشرب فيها وأن يؤكل فيها ونهى عن القسي والميثرة وعن ثياب الحرير وخاتم الذهب». وروى الإمام أحمد والنسائي عن مالك بن عمير قال: كنت قاعدًا عند علي ﵁ فجاء صعصعة بن صوحان فسلم ثم قام فقال: يا أمير المؤمنين انهنا عما نهاك عنه رسول الله ﷺ فقال: «نهانا عن الدباء والحنتم والمزفت والنقير ونهانا عن القسي والميثرة الحمراء وعن الحرير والحلق الذهب»، هذا لفظ أحمد. وفي رواية له أيضًا ولمسلم: «نهاني رسول الله ﷺ عن لبس القسي وعن جلوس على المياثر»، قال: فأما القسي فثياب مضلعة يؤتى بها من مصر والشام فيها شبه كذا وأما المياثر فشيء كانت تجعله النساء لبعولتهن على الرحل كالقطائف الأرجوان. ورواه البخاري في صحيحه معلقًا فقال وقال عاصم عن أبي بردة قال: قلت لعلي ﵁ ما القسية؟ قال: ثياب أتتنا من الشام أو من مصر مضلعة فيها حرير أمثال الأترنج والميثرة كانت النساء تصنعه لبعولتهن مثل القطائف يصفونها ثم ساق حديث البراء بن عازب ﵄ قال: «نهانا رسول الله ﷺ عن المياثر الحمر والقسي».

стр. 130

قال الجوهري: القسي ثوب يحمل من مصر يخالطه الحرير، وفي الحديث أنه نهى عن لبس القسي قال أبو عبيد هو منسوب إلى بلاد يقال لها القس قال: وقد رأيتها ولم يعرفها الأصمعي قال: وأصحاب الحديث يقولونه بكسر القاف وأهل مصر بالفتح انتهى كلام الجوهري. وقال الهروي هي ثياب من كتان مخلوط بحرير يؤتى بها من مصر نسبت إلى قرية على شاطئ البحر قريبًا من تنيس يقال لها: القس بفتح القاف وبعض أهل الحديث يكسرها انتهى. وأما المياثر فهي جمع ميثرة بكسر الميم وهو ما كان وطيئًا لينًا مما يجلس عليه ويرتفق به قال الخطابي والهروي وغيرهما من أهل اللغة: هي من مراكب العجم. قال الهروي: وتعمل من حرير أو ديباج وتتخذ كالفراش الصغير وتحشى بقطن أو صوف يجعلها الراكب تحته، وقال أبو عبيد: المياثر الحمر التي جاء النهي عنها كانت من مراكب العجم من ديباج وحرير. قال الحافظ ابن حجر: وعلى كل تقدير فالميثرة وإن كانت من حرير فالنهي فيها كالنهي عن الجلوس على الحرير ولكن تقييدها بالأحمر أخص من مطلق الحرير فيمتنع إن كانت حريرًا ويتأكد المنع إن كانت مع ذلك حمراء. وإن كانت من غير حرير فالنهي فيها للزجر عن التشبه بالأعاجم انتهى. وقد علل بعض السلف النهي عن المياثر الحمر والثياب الحمر بأنها من زينة قارون، قال المروذي: سألت أبا عبد الله عن المرأة تلبس المصبوغ الأحمر فكرهه كراهة شديدة وقال: أما إن تريد الزينة فلا وقال:

стр. 131

يقال: إن أول من لبس الثياب الحمر قارون أو فرعون ثم قرأ: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ قال: في ثياب حمر. وعن مجاهد في قوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ قال في ثياب أرجوان حمر وعن قتادة: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ قال: على ألف بغلة شهباء عليها مياثر الأرجوان. قال الجوهري: الأرجوان صبغ أحمر شديد الحمرة وقال غيره: هو الصوف وقيل: كل شيء أحمر فهو أرجوان ذكره الحافظ ابن حجر قال الجوهري، ويقال أيضًا الأرجوان معرب وهو بالفارسية أرغوان وهو شجر له نور أحمر أحسن ما يكون وكل لون يشبهه فهو أرجوان قال عمرو بن كلثوم: كأن ثيابنا منا ومنهم ... خضبن بأرجوان أو طلينا وقد كثر في زماننا استعمال المياثر الحمر في مجالس الكبراء والمترفين وقد قيل: إن بعضها من الديباج وما كان منه فالجلوس عليه لا يجوز لنهي رسول الله ﷺ عن الجلوس عليه في الحديث الصحيح عن حذيفة ﵁ وتقدم ذكره. وتقدم أيضا أن النهي يقتضي التحريم إلا ما عرفت إباحته، وما كان من غير الديباج فالظاهر أنه لا يجوز الجلوس عليه أيضا لنهي رسول الله ﷺ عن المياثر ولما في ذلك من التشبه بالأعاجم والتشبه بهم حرام والله أعلم. وقد روى الإمام أحمد وأبو داود والحاكم عن عمران بن حصين ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «لا أركب الأرجوان ولا ألبس

стр. 132

المعصفر ولا ألبس القميص المكفف بالحرير» قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه. الخامس: حديث عائشة ﵂ قالت: «نهى رسول الله ﷺ عن لبس الحرير والذهب»، رواه الإمام أحمد وأبو نعيم في الحلية من طريقه. السادس: حديث معاوية ﵁ أن رسول الله ﷺ : «نهى عن النوح والشعر والتصاوير وجلود السباع والتبرج والغناء والذهب والخز والحرير» رواه الإمام أحمد والبخاري في تاريخه. الحديث السابع عن أبي عثمان النهدي قال أتانا كتاب عمر ﵁ ونحن مع عتبة بن فرقد بأذربيجان أن رسول الله ﷺ : «نهى عن الحرير إلا هكذا» وأشار بإصبعيه اللتين تليان الإبهام قال فيما علمنا أنه يعني الأعلام متفق عليه، وهذا لفظ البخاري. ورواه الإمام أحمد وأهل السنن إلا الترمذي بنحوه، وفي رواية أبي داود أن النبي ﷺ : «نهى عن الحرير إلا ما كان هكذا وهكذا إصبعين وثلاثة وأربعة». وفي رواية ابن ماجه أن عمر ﵁: «كان ينهى عن الحرير والديباج إلا ما كان هكذا» ثم أشار بإصبعه ثم الثانية ثم الثالثة ثم الرابعة فقال: «كان رسول الله ﷺ ينهانا عنه». وقد رواه الإمام أحمد ومسلم والترمذي من حديث سويد بن غفلة أن عمر ﵁ خطب بالجابية فقال: «نهى نبي الله ﷺ عن لبس الحرير إلا موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

стр. 133

الحديث الثامن عن أنس بن مالك ﵁ قال: أهدي للنبي ﷺ جبة سندس وكان ينهى عن الحرير فعجب الناس منها فقال ﷺ : «والذي نفس محمد بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا» متفق عليه. الحديث التاسع عن عمران بن حصين ﵄ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن لبس الحرير وعن التختم بالذهب وعن الشرب في الحناتم» رواه النسائي بهذا اللفظ والترمذي مختصرًا، وقال: حديث حسن صحيح. الحديث العاشر عن المقدام بن معدي كرب ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن الحرير والذهب ومياثر النمور» رواه النسائي بهذا اللفظ ورواه أبو داود مطولاً، وفيه قصة وعنده أن المقدام قال لمعاوية بن أبي سفيان ﵄: أنشدك بالله هل تعلم أن رسول الله ﷺ «نهى عن لبس الحرير؟» قال: نعم. الحديث الحادي عشر عن أبي شيخ الهنائي قال: سمعت معاوية وحوله ناس من المهاجرين والأنصار فقال لهم: أتعلمون أن رسول الله ﷺ «نهى عن لبس الحرير؟» قالوا: اللهم نعم، رواه النسائي. الحديث الثاني عشر عن أبي ريحانة ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن عشر وذكر منها أن يجعل الرجل في أسفل ثيابه حريرًا مثل الأعاجم أو يجعل على منكبيه حريرًا مثل الأعاجم» رواه الإمام أحمد وأهل السنن إلا الترمذي.

стр. 134

الحديث الثالث عشر عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: لبس النبي ﷺ يومًا قباء من ديباج أهدي له ثم أوشك أن نزعه فأرسل به إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقيل له: قد أوشك ما نزعته يا رسول الله! فقال: «نهاني عنه جبريل» فجاءه عمر يبكي فقال: يا رسول الله ﷺ كرهت أمرًا وأعطيتنيه فمالي؟ قال: «إني لم أعطكه لتلبسه إنما أعطيتكه تبيعه» فباعه بألفي درهم رواه الإمام أحمد ومسلم والنسائي. وأما الأحاديث في التغليظ في لبس الحرير والكراهة الشديدة له وهجر لابسه والإنكار عليه. فالأول منها ما في الصحيحين والموطأ ومسندي الشافعي وأحمد والسنن إلا الترمذي عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ أن عمر بن الخطاب ﵁ رأى حلة سيراء عند باب المسجد فقال: يا رسول الله لو اشتريت هذه فلبستها يوم الجمعة وللوفد إذا قدموا عليك فقال رسول الله ﷺ : «إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة»، ثم جاءت رسول الله ﷺ منها حلل فأعطى عمر بن الخطاب ﵁ منها حلة فقال: يا رسول الله كسوتنيها وقد قلت في حلة عطارد ما قلت قال رسول الله ﷺ : «إني لم أكسكها لتلبسها» فكساها عمر بن الخطاب ﵁ أخًا له بمكة مشركًا. وفي رواية لمسلم عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: رأى عمر ﵁ عطاردًا التميمي يقيم بالسوق حلة سيراء وكان رجلا يغشى الملوك ويصيب منهم فقال عمر يا رسول الله إني رأيت عطاردًا يقيم في السوق حلة سيراء فلو اشتريتها فلبستها لوفود العرب إذا قدموا عليك

стр. 135

وأظنه قال: ولبستها يوم الجمعة فقال له رسول الله ﷺ : «إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة» فلما كان بعد ذلك أتي رسول الله ﷺ بحلل سيراء فبعث إلى عمر بحلة وبعث إلى أسامة بن زيد بحلة وأعطى علي بن أبي طالب حلة وقال: شققها خمرًا بين نسائك قال: فجاء عمر بحلته يحملها فقال: يا رسول الله بعثت إلي بهذه وقد قلت بالأمس في حلة عطارد ما قلت. فقال: «إني لم أبعث بها إليك لتلبسها ولكني بعثت بها إليك لتصيب بها»، وأما أسامة فراح في حلته فنظر إليه رسول الله ﷺ نظرًا عرف أن رسول الله ﷺ قد أنكر ما صنع فقال: يا رسول الله ما تنظر إلي فأنت بعثت إلي بها فقال: «إني لم أبعثها إليك لتلبسها ولكن بعثت بها إليك لتشققها خمرًا بين نسائك». ورواه الإمام أحمد في مسنده بنحوه. وفي الصحيحين والمسند وسنني أبي داود والنسائي من حديث سالم بن عبد الله عن أبيه نحو حديث نافع عنه. قال الجوهري: السيراء بكسر السين وفتح الياء برد فيه خطوط صفر وقال ابن الأثير: السيراء بكسر السين وفتح الياء والمدنوع من البرود يخالطه حرير كالسيور. وقال الخطابي: السيراء هي المضلعة بالحرير. قلت: وقد جاء تفسير السيراء في حديث أنس بن مالك ﵁ أنه رأى على أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ بردًا سيراء قال: والسيراء المضلع بالقز رواه أبو داود والنسائي. ورواه الحاكم في مستدركه مختصرًا وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. الحديث الثاني عن عمران بن حطان قال: سألت عائشة رضي الله

стр. 136

عنها فقالت: ائت ابن عباس فسله قال: فسألته فقال: سل ابن عمر قال فسألت ابن عمر ﵄ فقال: أخبرني أبو حفص يعني عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة»، فقلت: صدق وما كذب أبو حفص على رسول الله ﷺ رواه الإمام أحمد والبخاري والنسائي وهذا لفظ البخاري. وعند أحمد والنسائي أن عمران بن حطان سأل ابن عباس ﵄ أولاً فقال: سل عائشة فسأل عائشة فقالت: سل ابن عمر فسأل ابن عمر فقال: حدثني أبو حفص أن رسول الله ﷺ قال: «من لبس الحرير في الدنيا فلا خلاق له في الآخرة». وفي صحيح مسلم ومسند الإمام أحمد عن عبد الله مولى أسماء بنت أبي بكر عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنما يلبس الحرير من لا خلاق له» هذا لفظ مسلم. ولفظ أحمد: «من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة». وفي المسند أيضًا عن علي بن زيد قال: قدمت المدينة فدخلت على سالم بن عبد الله وعلي جبة خز فقال لي سالم: ما تصنع بهذه الثياب؟ سمعت أبي يحدث عن عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إنما يلبس الحرير من لا خلاق له». وقد اختلف في تفسير الخز، فقيل: إنه رديء الحرير، وقيل: إنه القسي الذي تقدم ذكره في حديث علي ﵁، وقيل: إنه وبر مخلوط بحرير، وقال ابن الأثير: هو ضرب من ثياب الإبريسم، وقال ابن

стр. 137

حجر: الأصح في تفسير الخز أنه ثياب سداها من حرير ولحمتها من غيره. وقال ابن الأثير: الخز المعروف أولا ثياب تنسج من صوف وإبريسم وهي مباحة، وقد لبسها الصحابة والتابعون فيكون النهي عنها لأجل التشبه بالعجم وزي المترفين، وإن أريد بالخز النوع الآخر فهو حرام؛ لأن جميعه معمول من الإبريسم وعليه يحمل الحديث الآخر قوم يستحلون الخز والحرير. انتهى. وما ذكره من الإباحة في النوع الأول ينتقض بما ذكره من النهي عنه لأن النهي عن الشيء يقتضي تحريمه ما لم يقم دليل على أن النهي للكراهة. وينتقض أيضًا بقوله: إنه من زي العجم والمترفين لأن التزيي بزيهم غير مباح، وقد تقدم حديث من تشبه بقوم فهو منهم. وحديث ليس منا من تشبه بغيرنا، وأقل الأحوال في هذين الحديثين أنهما يقتضيان تحريم التشبه بالأعاجم. وأما ما ذكره عن الصحابة والتابعين من لبس الخز فقد روي ذلك عن جماعة منهم لا عن جميعهم وهو محمول على أنه لم يبلغهم النهي عنه وقد يكون ما لبسوه من الخز الذي ليس فيه حرير. فقد قيل: إن أصل الخز اسم دابة يقال لها الخز سمي الثوب المتخذ من وبره خزًا لنعومته ثم أطلق على ما يخلط بالحرير لنعومة الحرير ذكر هذا القول الحافظ ابن حجر في فتح الباري قال: وعلى هذا فلا يصح الاستدلال بلبسه على جواز لبس ما يخالطه الحرير ما لم يتحقق أن الخز الذي لبسه السلف كان من المخلوط بالحرير. انتهى.

стр. 138

وقد تقدم التصريح بتحريم الخز في الحديث الذي رواه أبو داود عن عبد الرحمن بن غنم الأشعري وهو حديث صحيح. وتقدم النهي عنه فيما رواه الإمام أحمد والبخاري في تاريخه بأسانيد جيدة من حديث معاوية ﵁. وروى الإمام أحمد والبخاري في التاريخ أيضًا وأبو داود بأسانيد جيدة عن معاوية أيضًا ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تركبوا الخز ولا النمار». وفي سنن ابن ماجه بإسناد حسن عن علي ﵁ أنه أهدي لرسول الله ﷺ حلة مكفوفة بحرير إما سداها وإما لحمتها فأرسل بها إلي فأتيته فقلت: يا رسول الله! ما أصنع بها ألبسها؟ قال: «لا، ولكن اجعلها خمرًا بين الفواطم». فهذه الأحاديث الأربعة يشد بعضها بعضًا وفيها كفاية للاحتجاج على تحريم الخز والله أعلم. وفي الصحيحين ومسندي أحمد وأبي داود الطيالسي وسنن النسائي عن عبد الله بن الزبير ﵄ قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : «لا تلبسوا الحرير فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة»، زاد أحمد في بعض الروايات وقال عبد الله بن الزبير: «ومن لم يلبسه في الآخرة لم يدخل الجنة قال الله تعالى ﴿وِلِبَاسُهُم فِيْهَا حَرِيْرٌ﴾». وفي الصحيحين ومسند الإمام أحمد وسنن النسائي عن أبي عثمان النهدي قال: كنا مع عتبة بن فرقد فجاءنا كتاب عمر ﵁ أن

стр. 139

رسول الله ﷺ قال: «لا يلبس الحرير إلا من ليس له منه شيء في الآخرة إلا هكذا»، وقال أبو عثمان بإصبعيه اللتين تليان الإبهام فرأيتهما إزرار الطيالسة حين رأيت الطيالسة. الحديث الثالث عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «من لبس الحرير في الدنيا فلن يلبسه في الآخرة» أخرجاه في الصحيحين ورواه أحمد وابن ماجه بإسناد مسلم. الحديث الرابع عن أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة» رواه مسلم. الحديث الخامس: عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: «من لبس الحرير من أمتي فمات وهو يلبسه حرم الله عليه حرير الجنة» رواه الإمام أحمد. الحديث السادس: عن عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من لبس الحرير في الدنيا حرمه في الآخرة» رواه ابن حبان في صحيحه. الحديث السابع: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة ومن شرب الخمر في الدنيا لم يشربه في الآخرة ومن شرب في آنية الذهب والفضة في الدنيا لم يشرب بها في الآخرة ثم قال: لباس أهل الجنة وشراب أهل الجنة وآنية أهل الجنة» رواه الحاكم في مستدركه وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.

стр. 140

الحديث الثامن: عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من لبس الحرير وشرب في الفضة فليس منا»، رواه الطبراني في الصغير وأبو نعيم في الحلية. الحديث التاسع: عن عقبة بن عامر ﵁ قال: أهدي لرسول الله ﷺ فروج حرير فلبسه ثم صلى فيه ثم انصرف فنزعه نزعًا شديدًا كالكاره له ثم قال: «لا ينبغي هذا للمتقين» متفق عليه. الحديث العاشر: عن أبي هريرة ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يتتبع الحرير من الثوب فينزعه» رواه البخاري في تاريخه. الحديث الحادي عشر: عن أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس حريرًا ولا ذهبًا»، رواه الإمام أحمد والحاكم وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه. الحديث الثاني عشر: عن أبي أمامة أيضًا ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يستمتع بالحرير من يرجو أيام الله»، رواه الإمام أحمد وأبو نعيم في الحلية. الحديث الثالث عشر: عن ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ : «إنما يلبس الحرير من لا خلاق له» رواه الإمام أحمد والنسائي وأبو نعيم في الحلية. الحديث الرابع عشر: عن الحسن بن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا يرجو أن يلبسه

стр. 141

في الآخرة إنما يلبس الحرير من لا خلاق له»، رواه أبو داود الطيالسي في مسنده. ورواه الإمام أحمد بنحوه وزاد قال الحسن فما بال أقوام يبلغهم هذا عن نبيهم فيجعلون حريرًا في ثيابهم وبيوتهم؟ الحديث الخامس عشر عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: أتى النبي ﷺ أعرابي عليه جبة من طيالسة مكفوفة بديباج أو مزرورة فقام النبي ﷺ مغضبًا فأخذ بمجامع جبته فاجتذبه وقال: «ألا أرى عليك ثياب من لا يعقل»؟، رواه الإمام أحمد والبخاري في الأدب المفرد والحاكم في مستدركه، وقال: صحح الإسناد ووافقه الذهبي في تلخيصه. الحديث السادس عشر عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كساني النبي ﷺ حلة سيراء فخرجت فيها فرأيت الغضب في وجهه فشققتها بين نسائي أخرجاه في الصحيحين والإمام أحمد في مسنده. وفي رواية لأحمد ومسلم وأبي داود والنسائي، قال: أهديت لرسول الله ﷺ حلة سيراء فبعث بها إليّ فلبستها فعرفت الغضب في وجهه فقال: «إني لم أبعث بها إليك لتلبسها إنما بعثت بها إليك لتشققها خمرًا بين النساء». وفي رواية لأحمد وأبي داود الطيالسي أن النبي ﷺ قال لعلي ﵁: «لست أرضى لك ما أكره لنفسي»، قال: فأمرني فشققتها بين نسائي خمرًا. الحديث السابع عشر عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: أقبل رجل من البحرين إلى النبي ﷺ فسلم فلم يرد عليه وكان في يده

стр. 142

خاتم من ذهب وعليه جبة حرير فألقاهما ثم سلم فرد ﵇ رواه البخاري في الأدب المفرد والنسائي في سننه. الحديث الثامن عشر عن معاذ بن جبل ﵁ قال: رأى رسول الله ﷺ جبة مجيبة بحرير فقال: «طوق من نار يوم القيامة» رواه البزار والطبراني في الأوسط قال المنذري: ورواته ثقات. الحديث التاسع عشر عن جويرية ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من لبس ثوب حرير في الدنيا ألبسه الله يومًا أو ثوبًا من النار يوم القيامة»، رواه الإمام أحمد والطبراني، وفي رواية: «من لبس ثوب حرير في الدنيا ألبسه الله يوم القيامة ثوب مذلة من النار أو ثوبًا من النار»، ورواه البزار عن حذيفة ﵁ موقوفًا: «من لبس ثوب حرير ألبسه الله يومًا من نار ليس من أيامكم ولكن من أيام الله الطوال». الحديث العشرون عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «قال الله : من ترك الخمر وهو يقدر عليه لأسقينه منه في حظيرة القدس ومن ترك الحرير وهو يقدر عليه لأكسونه إياه في حظيرة القدس» رواه البزار قال المنذري: وإسناده حسن. الحديث الحادي والعشرون عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من سره أن يسقيه الله الخمر في الآخرة فليتركها في الدنيا ومن سره أن يكسوه الله الحرير في الآخرة فليتركه في الدنيا» رواه الطبراني في الأوسط قال المنذري: ورواته ثقات إلا شيخه المقدام بن داود وقد وثق. الحديث الثاني والعشرون عن علي بن أبي طالب ﵁ قال

стр. 143

قال رسول الله ﷺ : «إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: إذا كان المغنم دولا والأمانة مغنما والزكاة مغرمًا وأطاع الرجل زوجته وعق أمه وبر صديقه وجفا أباه وارتفعت الأصوات في المساجد وكان زعيم القوم أرذلهم وأكرم الرجل مخافة شره وشربت الخمور ولبس الحرير واتخذت القيان والمعازف ولعن آخر هذه الأمة أولها فليرتقبوا عند ذلك ريحًا حمراء أو خسفًا أو مسخًا» رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب. الحديث الثالث والعشرون عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من اقتراب الساعة اثنتان وسبعون خصلة» فذكرها ومنها أن يكون الحرير لباسًا وقال في آخره: «فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء وخسفًا ومسخًا وقذفًا وآيات» رواه أبو نعيم في الحلية. الحديث الرابع والعشرون: عن عروة بن رويم عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا عملت أمتي خمسًا فعليهم الدمار إذا ظهر فيهم التلاعن وشربوا الخمور ولبسوا الحرير واتخذوا القينات واكتفى الرجال بالرجال والنساء بالنساء»، رواه البيهقي وأبو نعيم في الحلية. الحديث الخامس والعشرون: عن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يبيت قوم من هذه الأمة على طعام وشراب ولهو فيصبحون قد مسخوا خنازير وليخسفن بقبائل فيها وبدور فيها حتى يصبحوا فيقولوا خسف الليلة ببني فلان خسف الليل بدار بني فلان وأرسلت عليهم حصباء حجارة كما أرسلت على قوم لوط وأرسلت عليهم الريح العقيم

стр. 144

فتنسفهم كما نسفت من كان قبلهم بشربهم الخمر وأكلهم الربا ولبسهم الحرير واتخاذهم القينات وقطيعتهم الرحم»، رواه أبو داود الطيالسي والحاكم في مستدركه وأبو نعيم في الحلية وصححه الحاكم ووافقه الذهبي في تلخيصه. الحديث السادس والعشرون: عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «يكون في أمتي خسف ومسخ وقذف» قالت عائشة ﵂ يا رسول الله وهم يقولون: لا إله إلا الله فقال: «إذا ظهرت القينات وظهر الزنا وشربت الخمر ولبس الحرير كان ذا عند ذا»، رواه ابن أبي الدنيا. الحديث السابع والعشرون: عن علي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «تمسخ طائفة من أمتي قردة وطائفة خنازير ويخسف بطائفة ويرسل على طائفة الريح العقيم بأنهم شربوا الخمر ولبسوا الحرير واتخذوا القيان وضربوا بالدفوف» رواه ابن أبي الدنيا. الحديث الثامن والعشرون: عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يكون في هذه الأمة خسف ومسخ وقذف في متخذي القيان وشاربي الخمر ولابسي الحرير» رواه الطبراني. الحديث التاسع والعشرون: عن عبادة بن الصامت ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده ليبيتن أناس من أمتي على أشر وبطر ولعب ولهو فيصبحوا قردة وخنازير باستحلالهم المحارم واتخاذهم القينات وشربهم الخمر وبأكلهم الربا ولبسهم الحرير»، رواه عبد الله ابن الإمام أحمد.

стр. 145

الحديث الثلاثون: عن صالح بن دريك رفع ذلك إلى النبي ﷺ أنه قال: «ليستحلن ناس من أمتي الحرير والخمر والمعازف وليأتين الله على أهل حاضر منهم عظيم بجبل حتى ينبذه عليهم ويمسخ آخرون قردة وخنازير» رواه ابن أبي الدنيا. الحديث الحادي والثلاثون: عن الحسن مرسلاً أن رسول الله ﷺ قال: «عشر خصال عملها قوم لوط بها أهلكوا وتزيدها أمتي بخلة» فذكر الخصال ومنها لباس الحرير رواه ابن عساكر في تاريخه. وقد كمل بهذا العدد مع ما تقدم أربعة وخمسون حديثًا في منع الذكور من لبس الحرير وسواء في ذلك الكبير منهم والصغير لعموم المنع. وقد حكى الإجماع على تحريم الحرير على الرجال وإباحته للنساء غير واحد من العلماء منهم ابن عبد البر والقاضي عياض والحافظ الذهبي وصرح بتكفير من استحله من الرجال. قال الشيخ أبو محمد المقدسي في المغني: القسم الثاني ما يختص تحريمه بالرجال دون النساء وهو الحرير والمنسوج بالذهب والمموه به فهو حرام لبسه وافتراشه في الصلاة وغيرها ولا نعلم في لبس ذلك على الرجال اختلافًا إلا لعارض أو عذر قال ابن عبد البر هذا إجماع انتهى. وقال القاضي عياض انعقد الإجماع بعد ابن الزبير ومن وافقه على
следующие страницы →