← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 17325

الإيضاح والتبيين لما وقع فيه الأكثرون من مشابهة المشركين

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (279 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

في الآخرة إنما يلبس الحرير من لا خلاق له»، رواه أبو داود الطيالسي في مسنده. ورواه الإمام أحمد بنحوه وزاد قال الحسن فما بال أقوام يبلغهم هذا عن نبيهم فيجعلون حريرًا في ثيابهم وبيوتهم؟ الحديث الخامس عشر عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: أتى النبي ﷺ أعرابي عليه جبة من طيالسة مكفوفة بديباج أو مزرورة فقام النبي ﷺ مغضبًا فأخذ بمجامع جبته فاجتذبه وقال: «ألا أرى عليك ثياب من لا يعقل»؟، رواه الإمام أحمد والبخاري في الأدب المفرد والحاكم في مستدركه، وقال: صحح الإسناد ووافقه الذهبي في تلخيصه. الحديث السادس عشر عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كساني النبي ﷺ حلة سيراء فخرجت فيها فرأيت الغضب في وجهه فشققتها بين نسائي أخرجاه في الصحيحين والإمام أحمد في مسنده. وفي رواية لأحمد ومسلم وأبي داود والنسائي، قال: أهديت لرسول الله ﷺ حلة سيراء فبعث بها إليّ فلبستها فعرفت الغضب في وجهه فقال: «إني لم أبعث بها إليك لتلبسها إنما بعثت بها إليك لتشققها خمرًا بين النساء». وفي رواية لأحمد وأبي داود الطيالسي أن النبي ﷺ قال لعلي ﵁: «لست أرضى لك ما أكره لنفسي»، قال: فأمرني فشققتها بين نسائي خمرًا. الحديث السابع عشر عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: أقبل رجل من البحرين إلى النبي ﷺ فسلم فلم يرد عليه وكان في يده

стр. 142

خاتم من ذهب وعليه جبة حرير فألقاهما ثم سلم فرد ﵇ رواه البخاري في الأدب المفرد والنسائي في سننه. الحديث الثامن عشر عن معاذ بن جبل ﵁ قال: رأى رسول الله ﷺ جبة مجيبة بحرير فقال: «طوق من نار يوم القيامة» رواه البزار والطبراني في الأوسط قال المنذري: ورواته ثقات. الحديث التاسع عشر عن جويرية ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من لبس ثوب حرير في الدنيا ألبسه الله يومًا أو ثوبًا من النار يوم القيامة»، رواه الإمام أحمد والطبراني، وفي رواية: «من لبس ثوب حرير في الدنيا ألبسه الله يوم القيامة ثوب مذلة من النار أو ثوبًا من النار»، ورواه البزار عن حذيفة ﵁ موقوفًا: «من لبس ثوب حرير ألبسه الله يومًا من نار ليس من أيامكم ولكن من أيام الله الطوال». الحديث العشرون عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «قال الله : من ترك الخمر وهو يقدر عليه لأسقينه منه في حظيرة القدس ومن ترك الحرير وهو يقدر عليه لأكسونه إياه في حظيرة القدس» رواه البزار قال المنذري: وإسناده حسن. الحديث الحادي والعشرون عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من سره أن يسقيه الله الخمر في الآخرة فليتركها في الدنيا ومن سره أن يكسوه الله الحرير في الآخرة فليتركه في الدنيا» رواه الطبراني في الأوسط قال المنذري: ورواته ثقات إلا شيخه المقدام بن داود وقد وثق. الحديث الثاني والعشرون عن علي بن أبي طالب ﵁ قال

стр. 143

قال رسول الله ﷺ : «إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: إذا كان المغنم دولا والأمانة مغنما والزكاة مغرمًا وأطاع الرجل زوجته وعق أمه وبر صديقه وجفا أباه وارتفعت الأصوات في المساجد وكان زعيم القوم أرذلهم وأكرم الرجل مخافة شره وشربت الخمور ولبس الحرير واتخذت القيان والمعازف ولعن آخر هذه الأمة أولها فليرتقبوا عند ذلك ريحًا حمراء أو خسفًا أو مسخًا» رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب. الحديث الثالث والعشرون عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من اقتراب الساعة اثنتان وسبعون خصلة» فذكرها ومنها أن يكون الحرير لباسًا وقال في آخره: «فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء وخسفًا ومسخًا وقذفًا وآيات» رواه أبو نعيم في الحلية. الحديث الرابع والعشرون: عن عروة بن رويم عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا عملت أمتي خمسًا فعليهم الدمار إذا ظهر فيهم التلاعن وشربوا الخمور ولبسوا الحرير واتخذوا القينات واكتفى الرجال بالرجال والنساء بالنساء»، رواه البيهقي وأبو نعيم في الحلية. الحديث الخامس والعشرون: عن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يبيت قوم من هذه الأمة على طعام وشراب ولهو فيصبحون قد مسخوا خنازير وليخسفن بقبائل فيها وبدور فيها حتى يصبحوا فيقولوا خسف الليلة ببني فلان خسف الليل بدار بني فلان وأرسلت عليهم حصباء حجارة كما أرسلت على قوم لوط وأرسلت عليهم الريح العقيم

стр. 144

فتنسفهم كما نسفت من كان قبلهم بشربهم الخمر وأكلهم الربا ولبسهم الحرير واتخاذهم القينات وقطيعتهم الرحم»، رواه أبو داود الطيالسي والحاكم في مستدركه وأبو نعيم في الحلية وصححه الحاكم ووافقه الذهبي في تلخيصه. الحديث السادس والعشرون: عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «يكون في أمتي خسف ومسخ وقذف» قالت عائشة ﵂ يا رسول الله وهم يقولون: لا إله إلا الله فقال: «إذا ظهرت القينات وظهر الزنا وشربت الخمر ولبس الحرير كان ذا عند ذا»، رواه ابن أبي الدنيا. الحديث السابع والعشرون: عن علي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «تمسخ طائفة من أمتي قردة وطائفة خنازير ويخسف بطائفة ويرسل على طائفة الريح العقيم بأنهم شربوا الخمر ولبسوا الحرير واتخذوا القيان وضربوا بالدفوف» رواه ابن أبي الدنيا. الحديث الثامن والعشرون: عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يكون في هذه الأمة خسف ومسخ وقذف في متخذي القيان وشاربي الخمر ولابسي الحرير» رواه الطبراني. الحديث التاسع والعشرون: عن عبادة بن الصامت ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده ليبيتن أناس من أمتي على أشر وبطر ولعب ولهو فيصبحوا قردة وخنازير باستحلالهم المحارم واتخاذهم القينات وشربهم الخمر وبأكلهم الربا ولبسهم الحرير»، رواه عبد الله ابن الإمام أحمد.

стр. 145

الحديث الثلاثون: عن صالح بن دريك رفع ذلك إلى النبي ﷺ أنه قال: «ليستحلن ناس من أمتي الحرير والخمر والمعازف وليأتين الله على أهل حاضر منهم عظيم بجبل حتى ينبذه عليهم ويمسخ آخرون قردة وخنازير» رواه ابن أبي الدنيا. الحديث الحادي والثلاثون: عن الحسن مرسلاً أن رسول الله ﷺ قال: «عشر خصال عملها قوم لوط بها أهلكوا وتزيدها أمتي بخلة» فذكر الخصال ومنها لباس الحرير رواه ابن عساكر في تاريخه. وقد كمل بهذا العدد مع ما تقدم أربعة وخمسون حديثًا في منع الذكور من لبس الحرير وسواء في ذلك الكبير منهم والصغير لعموم المنع. وقد حكى الإجماع على تحريم الحرير على الرجال وإباحته للنساء غير واحد من العلماء منهم ابن عبد البر والقاضي عياض والحافظ الذهبي وصرح بتكفير من استحله من الرجال. قال الشيخ أبو محمد المقدسي في المغني: القسم الثاني ما يختص تحريمه بالرجال دون النساء وهو الحرير والمنسوج بالذهب والمموه به فهو حرام لبسه وافتراشه في الصلاة وغيرها ولا نعلم في لبس ذلك على الرجال اختلافًا إلا لعارض أو عذر قال ابن عبد البر هذا إجماع انتهى. وقال القاضي عياض انعقد الإجماع بعد ابن الزبير ومن وافقه على

стр. 146

تحريم الحرير على الرجال وإباحته للنساء، ذكر ذلك في الكلام على قول ابن الزبير ﵄: ألا لا تلبسوا نساءكم الحرير فإني سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : «لا تلبسوا الحرير فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة» رواه مسلم وغيره. وقال الحافظ الذهبي: من استحل لبس الحرير من الرجال فهو كافر وإنما رخص فيه الشارع لمن به حكة أو جرب أو غيره وللمقاتلين عند لقاء العدو. وأما لبس الحرير للزينة في حق الرجال فحرام بإجماع المسلمين انتهى. وقد زعم بعض العلماء: أنه يجوز إلباس الصبيان الحلي والحرير قال بعضهم في يوم العيد، وقال بعضهم مطلقًا وعللوا ذلك بأنه لا تكليف عليهم، وأنهم محل الزينة، وهذا قول باطل مردود بقول النبي ﷺ : «أحل الذهب والحرير لإناث أمتي وحرم على ذكورها»، وهذا يعم الكبير والصغير وقد فهم الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين عموم المنع لكبار الذكور وصغارهم كما في سنن أبي داود عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كنا ننزعه عن الغلمان ونتركه على الجواري. وروى الأثرم عن حذيفة وابن مسعود ﵄ نحوه. ولما رأى عمر بن الخطاب ﵁ على ابن الزبير ﵄ ثوبًا من حرير مزقه عليه فقال الزبير أفزعت الصبي فقال: لا تكسوهم الحرير. وروى البخاري في التاريخ الكبير عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ دخل على عمر رضي الله عنه

стр. 147

ومعه بني له عليه قميص حرير فعمد إلى القميص فشقه وقال: اذهب به إلى أمك. وأما تعليل المجيزين له بأنه لا تكليف على الصبيان وأنهم محل للزينة فإنه تعليل ضعيف بل ساقط لمخالفته لعموم أحاديث المنع. قال الشيخ أبو محمد المقدسي في المغني ويتعلق التحريم بتمكينهم من المحرمات كتمكينهم من شرب الخمر وأكل الربا وغيرهما. وكونهم محل الزينة مع تحريم الاستمتاع بهم يقتضي التحريم لا الإباحة بخلاف النساء انتهى. وقوله: يتعلق التحريم بتمكينهم من المحرمات معناه أنه يحرم على وليهم أن يمكنهم منها. وإذا مكنهم فالإثم عليه لا عليهم لأنهم غير مكلفين. قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الهدي أصح القولين أنه يحرم على الولي أن يلبسه الصبي لما ينشأ عليه من صفات أهل التأنيث. وقال أيضًا في تحفة الودود بأحكام المولود. ويجنبه -أي يجنب الولي الصبي- لبس الحرير فإنه مضعف له مخبب للطبيعة كما يجنب اللواط وشرب الخمر والسرقة والكذب وقد قال النبي ﷺ : «حرم الحرير والذهب على ذكور أمتي وأحل لإناثهم». والصبي وإن لم يكن مكلفًا فوليه مكلف لا يحل له تمكينه من المحرم فإنه يعتاده ويعسر فطامه عنه وهذا أصح قولي العلماء. واحتج من لم يره حرامًا عليه بأنه غير مكلف فلم يحرم لبسه للحرير كالدابة وهذا من أفسد القياس فإن الصبي وإن لم يكن مكلفًا فإنه مستعد للتكليف ولهذا

стр. 148

لا يمكن من الصلاة بغير وضوء ولا من الصلاة عريانا ولا نجسًا ولا من شرب الخمر واللواط والقمار انتهى. ويستثنى من المنع في حق الكبار والصغار العلم في الثوب إذا لم يزد على أربع أصابع لما تقدم في حديث عمر ﵁ ومثل ذلك لبنة الجيب وسجف الفراء ونحوها إذا كان ذلك بقدر أربعة أصابع فأقل، لحديث أسماء بنت أبي بكر ﵄ أنها أخرجت جبة رسول الله ﷺ مكفوفة الجيب والكمين والفرجين بالديباج رواه مسلم وأهل السنن إلا الترمذي. فأما المنسوج من الحرير وغيره كثوب منسوج من قطن وحرير أو من وبر وحرير أو من صوف وحرير. فقد قال كثير من العلماء: إن الحكم للأغلب منهما. فبعضهم يعتبر ذلك بالوزن فإن كان الحرير أقل وزنا لم يحرم عندهم وإن كان أكثر حرم. وبعضهم يعتبر القلة والكثرة بالظهور فإن كان الحرير أكثر ظهورًا حرم وإن كان أقل لم يحرم. وهذه الاعتبارات لا دليل على شيء منها وما لم يكن عليه دليل فليس عليه تعويل ويردها حديث النهي عن الحرير إلا موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع. ومعلوم أن هذه القدر لا يبلغ عشر الثوب لا وزنا ولا ظهورًا. ومن أباح أكثر من أربع أصابع فقد أباح ما نهى عنه رسول الله ﷺ . ويردها أيضًا حديث النهي عن القسي، وقد تقدم قول علي ﵁ أنها ثياب مضلعة فيها حرير أمثال الأترنج فدل على أنها ليست بحرير

стр. 149

صرف. وما فيها من الحرير يحتمل أنه أكثر مما معه من الخلط ويحتمل أنه أقل ومع ذلك فقد نهى عنها رسول الله ﷺ من غير أن يأمر فيها باعتبار وزن ولا ظهور. فدل على أنه لا اعتبار بشيء من ذلك؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع، ويردها أيضا حديث النهي عن السيراء وقد تقدم في حديث أنس ﵁ أن السيراء هي المضلعة بالقز، يعني: أنها ليست بحرير صرف والقول فيها كالقول في القسي سواء. ويردها أيضًا أحاديث النهي عن الخز، وقد تقدم في أحد الأقوال أنه حرير مخلوط بغيره وليس في أحاديث النهي عنه أمر باعتبار وزن ولا ظهور فدل على أنه لا اعتبار بشيء من ذلك ومن اعتبر شيئًا لم يؤمر باعتباره فقد تكلف والله أعلم. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: استدل بالنهي عن لبس القسي على منع لبس ما خالطه الحرير من الثياب لتفسير القسي بأنه ما خالط غير الحرير فيه الحرير ويؤيده عطف الحرير على القسي في حديث البراء ووقع كذلك في حديث علي عند أبي داود والنسائي وأحمد بسند صحيح على شرط الشيخين من طريق عبيدة بن عمرو عن علي ﵁ قال: «نهاني النبي ﷺ عن القسي والحرير»، ويحتمل أن تكون المغايرة باعتبار النوع فيكون الكل من الحرير كما وقع عطف الديباج على الحرير في حديث حذيفة الماضي قريبًا ولكن الذي يظهر من سياق طرق الحديث في تفسير القسي أنه الذي يخالط الحرير لا أنه الحرير الصرف فعلى هذا يحرم لبس الثوب الذي خالطه الحرير، وهو قول بعض الصحابة كابن عمر والتابعين كابن سيرين.

стр. 150

وذهب الجمهور إلى جواز لبس ما خالطه الحرير إذا كان غير الحرير الأغلب وعمدتهم في ذلك ما تقدم في تفسير الحلة السيراء وما انضاف إلى ذلك من الرخصة في العلم في الثوب إذا كان من حرير كما تقدم تقريره في حديث عمر ﵁. قال ابن دقيق العيد: وهو قياس في معنى الأصل لكن لا يلزم من جواز ذلك جواز كل مختلط وإنما يجوز منه ما كان مجموع الحرير فيه قدر أربع أصابع لو كانت منفردة بالنسبة لجميع الثوب فيكون المنع من لبس الحرير شاملاً للخالص والمختلط وبعد الاستثناء يقتصر على القدر المستثنى وهو أربع أصابع إذا كانت منفردة ويلتحق بها في المعنى ما إذا كانت مختلطة انتهى. وهذا الذي قرره ابن دقيق العيد هو الصواب وعليه يدل ظاهر الحديث الصحيح عن عمر بن الخطاب ﵁ في تحريم الحرير سوى أربع أصابع، والله أعلم. فإن قيل: قد روى الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما عن ابن عباس ﵄ أنه قال: إنما نهى رسول الله ﷺ عن الثوب الحرير المصمت فأما الثوب الذي سداه حرير ليس بحرير مصمت فلا نرى به بأسًا. فالجواب أن هذا الحديث قد عارضه ما هو أقوى منه من حيث الأصل والشواهد وهو الحديث الذي رواه الإمام أحمد وابن أبي شيبة وابن ماجه عن علي ﵁ أنه أهدي لرسول الله ﷺ حلة مكفوفة بحرير إما سداها وإما لحمتها فأرسل بها إليّ فأتيته فقلت: يا رسول الله! ما أصنع

стр. 151

بها ألبسها؟ قال: «لا ولكن اجعلها خمرًا بين الفواطم»، هذا لفظ ابن ماجه وإسناده حسن. وفي رواية ابن أبي شيبة أهدي لرسول الله ﷺ حلة مسيرة بحرير إما سداها أو لحمتها فأرسل بها إلي فقلت: ما أصنع بها ألبسها؟ قال: «لا أرضى لك إلا ما أرضى لنفسي ولكن اجعلها خمرًا بين الفواطم». وفي رواية الإمام أحمد أهديت له حلة من حرير فكسانيها قال علي ﵁: فخرجت فيها فقال النبي ﷺ : «لست أرضى لك ما أكره لنفسي قال: فأمرني فشققتها بين نسائي خمرًا». وأصل هذا الحديث مخرج في الصحيحين من حديث زيد بن وهب عن علي ﵁ قال: كساني النبي ﷺ حلة سيراء فخرجت فيها فرأيت الغضب في وجهه فشققتها بين نسائي. وأخرجه مسلم أيضًا من حديث أبي صالح الحنفي عن علي ﵁ وزاد فقال: «إني لم أبعث بها إليك لتلبسها إنما بعثت بها إليك لتشققها خمرًا بين النساء». فهذا الحديث الصحيح يرد حديث ابن عباس ﵄ من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه ﷺ نهى عليًا ﵁ عن لبس الحلة المسيرة بالحرير المخلوط بغيره، فهذا يرد قول ابن عباس ﵄ أنه إنما نهى عن الحرير المصمت. ويرد أيضًا قوله: أن ما سدي بالحرير فلا بأس به. الثاني: أنه ﷺ صرح بكراهته لنفسه ولغيره لبس الثوب المسير بخلط من حرير في سداه أو في لحمته ففيه إشارة إلى أن الثوب الذي

стр. 152

سداه كله حرير أو لحمته كلها حرير أولى بالكراهة والنهي. وفي النص على الكراهة رد على من قال: إنه لا بأس به. الثالث في غضبه ﷺ على علي ﵁ لما لبس الحلة المسيرة دليل على تحريم ذلك على الرجال والله أعلم. وفي رواية الإمام أحمد رحمه الله تعالى فائدة حسنة وهي إطلاق الوصف على الثوب بما فيه من خلط رفيع وإن كان أقل مما معه. وفي هذا الحديث وحديث النهي عن القسي رد على ابن العربي المالكي في قوله: إن النهي عن الحرير حقيقة في الخالص. ويرد حديث ابن عباس ﵄ أيضا بالحديث المتفق على صحته عن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ : «نهى عن الحرير إلا هكذا إصبعين». وفي رواية لمسلم: «إلا موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع» فظاهر هذا الحديث النهي عن لبس الحرير مطلقًا سواء كان مصمتا أو سدى أو لحمة إلا ما استثني من قدر أربع أصابع فما دون. ويرد حديث ابن عباس ﵄ أيضًا بقوله ﷺ : «أحل الذهب والحرير لإناث أمتي وحرم على ذكورها»، فإن ظاهره يقتضي تحريم الحرير على الذكور سواء كان مصمتا أو سدى أو لحمة سوى ما استثني من العلم ونحوه. ويرد حديث ابن عباس ﵄ أيضًا بأحاديث النهي عن الخز فإن الأصح فيه كما قال الحافظ ابن حجر: أنه حرير مخلوط بغيره.

стр. 153

وظواهر الحديث التي تقدمت في النهي عن الحرير والتغليظ فيه تؤيد حديث علي ﵁، وتؤيد حديث ابن عباس ﵄، إذ لم يفرق فيها بين مصمت ومخلوط ولو كان بينهما فرق مؤثر لبينه النبي ﷺ ما بين الرخصة في العلم إذا لم يزد على أربع أصابع، والله أعلم. وقد اختلف في علة تحريم الحرير على الرجال على أقوال: أحدها: أنها التجبر والتكبر والفخر والخيلاء وقد روي هذا عن ابن عباس ﵄ ففي مسند الإمام أحمد عن شعبة بن دينار مولى ابن عباس ﵄ أن المسور بن مخرمة ﵄ دخل على ابن عباس يعوده من وجع عليه برد استبرق فقال: يا أبا عباس ما هذا الثوب؟ قال: وما هو؟ قال: الاستبرق. قال: والله ما علمت به وما أظن النبي ﷺ نهى عن هذا حين نهى عنه إلا للتجبر والتكبر ولسنا بحمد الله كذلك فلما خرج المسور قال: انزعوا هذا الثوب عني، وقد رواه أبو داود الطيالسي في مسنده بنحوه. الثاني: أن العلة السرف. الثالث: أنها كسر قلوب الفقراء. الرابع: أن العلة التشبه بالنساء لكون الحرير من ملابسهن الخاصة بهن. وأيضا فإنه ثوب رفاهية وزينة ولبسه يورث الأنوثة والتخنث ضد الشهامة والرجولة فيليق ذلك بالنساء دون الرجال. قال ابن القيم رحمه الله تعالى لبس الحرير يكسب القلب صفة من صفات الإناث ولهذا لا تكاد تجد من يلبسه في الأكثر إلا ويظهر على شمائله من التخنث والتأنث والرخاوة ما لا يخفى حتى لو كان من أشهم

стр. 154

الناس وأكبرهم فحولية ورجولية فلا بد أن ينقصه لبس الحرير منها، وإن لم يذهبها مرة، ومن غلظت طباعه وكثفت عن فهم هذا فليسلم للشارع الحكيم. انتهى. وهذا القول أقوى مما قبله وأقوى منه القول الخامس: وهو أن العلة التشبه بالكفار والدليل على ذلك قول النبي ﷺ : «فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة» وقوله ﷺ للأعرابي: «ألا أرى عليك ثياب من لا يعقل»؟ يعني: ثياب الكفار الذين لا يعقلون. وقوله ﷺ : «إنما يلبس الحرير من لا خلاق له»، وقد تقدمت هذه الأحاديث قريبًا. وقد ورد التعليل بهذه العلة في لبس الثياب المعصفرة كما في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: رأى رسول الله ﷺ عليَّ ثوبين معصفرين فقال: «إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها» رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي ومسلم والنسائي. إذا تقرر هذا فليعلم أن افتراش الحرير والديباج محرم كلبسه نص على ذلك الإمام أحمد رحمه الله تعالى ومثل ذلك الاتكاء عليه والاستناد إليه؛ لأن ذلك من فعل الجبابرة والمترفين ولا يجوز التشبه بهم. قال المروذي قال أبو عبد الله: افتراش الديباج كلبسه قال: وكره افتراش الحرير. وقال البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه. باب افتراش الحرير، وقال عبيدة: هو كلبسه. وعبيدة هذا بفتح العين هو ابن عمر السلماني قال الحافظ ابن حجر وصله الحارث بن أبي أسامة من طريق محمد ابن سيرين قال: قلت لعبيدة افتراش الحرير كلبسه؟ قال: نعم ثم ساق البخاري رحمه الله تعالى في الباب حديث حذيفة ﵁ قال: «نهانا النبي ﷺ أن نشرب في آنية الذهب والفضة وأن نأكل فيها وعن

стр. 155

لبس الحرير والديباج وأن نجلس عليه»، ورواه الدارقطني في سننه بنحوه. وروى الإمام أحمد أن أبا أمامة ﵁ دخل على خالد بن يزيد فألقى له وسادة فظن أنها حرير فتنحى وقال: قال رسول الله ﷺ : «لا يستمتع بالحرير من يرجو أيام الله». قال أبو البركات ابن تيمية رحمه الله تعالى فهم أبو أمامة ﵁ دخول الافتراش في عمومه. اهـ. وروى ابن وهب في جامعه عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: «لأن أقعد على جمر الغضا أحب إليَّ من أن أقعد على مجلس من حرير»، ورواه الحاكم في مستدركه بنحوه. وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه. وقد ذكر شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى عن الحنفية أنهم قالوا في تعليل المنع من لباس الحرير في حجة أبي يوسف ومحمد على أبي حنيفة في المنع من افتراشه وتعليقه والتسر به؛ لأنه من زي الأكاسرة والجبابرة والتشبه بهم حرام قال عمر ﵁: إياكم وزي الأعاجم انتهى. وقد سئل ابن عقيل رحمه الله تعالى هل يجوز أن يتخذ النساء السفر والمطارح والمخاد وغير ذلك حريرًا فقال: لا بل ملابس فقط. نقله عن ابن القيم رحمه الله تعالى في بدائع الفوائد وأقره. وذكر الحافظ ابن رجب عنه أنه ذكر في الفنون أن النساء لا يجوز لهن استعمال الحرير إلا في اللبس دون الافتراش والاستناد.

стр. 156

قلت: ووجه ذلك أن النساء إنما أبيح لهن لبس الحرير لحاجتهن إلى التزين للأزواج وليس كذلك افتراش الحرير والاستناد إليه؛ لأنه ليس من التزين الذي أبيح لهن فيبقى على المنع. ومثل ذلك استعمال الذهب والفضة فإنه يجوز للنساء أن يتحلين بهما لحاجتهن للتزين للأزواج ولا يجوز لهن اتخاذ الأواني منهما ولا الأكل والشرب فيهما؛ لأن ذلك ليس من التزين الذي أبيح لهن والله أعلم. فصل النوع الثامن عشر: من التشبه بأعداء الله تعالى تحلي الرجال بساعات الذهب والفضة وتحلي الرجال والنساء بساعات الحديد. والدليل على ذلك ما رواه البخاري في كتاب اللباس من صحيحه عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الذهب والفضة والحرير والديباج هي لهم في الدنيا ولكم في الآخرة». وما رواه الإمام أحمد وأهل السنن إلا ابن ماجه عن عبد الله بن بريدة عن أبيه ﵁ أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ وعليه خاتم من شبه فقال: «مالي أجد منك ريح الأصنام؟»، فطرحه ثم جاء وعليه ختم من حديد. فقال: «مالي أرى عليك حلية أهل النار؟»، فطرحه فقال: يا رسول الله! من أي شيء أتخذه؟ قال: «اتخذه من ورق ولا تتمه مثقالاً»، هذا لفظ أبي داود. وفي رواية الترمذي ثم جاءه وعليه خاتم من صفر بدل قوله من شبه

стр. 157

وزاد ثم أتاه وعليه خاتم من ذهب فقال: «مالي أرى عليك حلية أهل الجنة». قال الترمذي: هذا حديث غريب. وصححه ابن حبان واحتج به الإمام أحمد رحمه الله تعالى فيما رواه الأثرم عنه كما سيأتي قريبًا. فدل على صحته عنده، وله شواهد يأتي ذكرها قريبًا إن شاء الله تعالى. قال الخطابي رحمه الله تعالى إنما قال في خاتم الشبه أجد منك ريح الأصنام؛ لأن الأصنام كانت تتخذ من الشبه. قال: ويقال معنى حلية أهل النار أنه زي بعض الكفار وهم أهل النار. قلت: الذي يفيد ظاهر الحديث أن الحديد حلية الكفار في نار جهنم ويؤيد ذلك قوله في خاتم الذهب: إنه حلية أهل الجنة، ففيه الأخبار عن حلية كل من الفريقين في الدار الآخرة والله أعلم. وفي هذا الحديث دليل على المنع من التحلي بساعات الشبه والحديد؛ لأنه إذا منع من التختم بهما فلأن يمنع من التحلي بالساعات المتخذة منها بطريق الأولى والأحرى. وإذا تحلى الرجل بشيء من الساعات المتخذة منهما فقد جمع بين التشبه بالنساء والتشبه بأهل النار، ولا يجوز التشبه بأهل النار ولا بالنساء وقد لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء، وفي قوله ﷺ : «ولا تتمه مثقالاً» دليل على أنه لا يجوز للرجل أن يتحلى من الفضة بزنة مثقال فما فوقه. فأما ما دون ذلك فيجوز في الخاتم ولا يجوز فيما يلبس في الذراع لما في ذلك من التشبه بالنساء. وقد قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى في مسنده: حدثنا يحيى بن

стр. 158

سعيد عن ابن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ ابن النبي ﷺ رأى على بعض أصحابه خاتمًا من ذهب فأعرض عنه فألقاه واتخذ خاتمًا من حديد فقال: «هذا شر هذا حلية أهل النار»، فألقاه فاتخذ خاتمًا من ورق فسكت عنه. إسناده جيد وقد حسن الترمذي حديث عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده في بعض المواضع من جامعه وصححه في بعضها. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وأحسن كل الإحسان في ذلك أي في تصحيح حديثه. قلت: وصحح حديثه أيضًا الحاكم في مستدركه ووافقه الذهبي على ذلك في تلخيصه. وروى الحاكم في مستدركه عن إسحاق بن راهويه أنه قال: إذا كان الراوي عن عمرو بن شعيب ثقة فهو كأيوب عن نافع عن ابن عمر ﵄. وروي أيضا عن الإمام أحمد أنه قال: قد صح سماع عمرو بن شعيب عن أبيه شعيب وصح سماع شعيب من جده عبد الله بن عمرو ﵄. وذكر الدارقطني في سننه عن شيخه أبي بكر النيسابوري مثل ذلك. وقال الترمذي في جامعه: قال محمد بن إسماعيل -يعني البخاري- رأيت أحمد وإسحاق وذكر غيرهما يحتجون بحديث عمرو بن شعيب قال محمد وقد سمع شعيب بن محمد من عبد الله بن عمرو ﵄. وقال الدارقطني في سننه حدثنا محمد بن الحسن النقاش أخبرنا

стр. 159

أحمد بن تميم قال: قلت لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري شعيب والد عمرو بن شعيب سمع من عبد الله بن عمرو؟ قال: نعم قلت له: فعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده يتكلم الناس فيه قال: رأيت علي بن المديني وأحمد بن حنبل والحميدي وإسحاق بن راهويه يحتجون به قال: قلت فمن يتكلم فيه يقول ماذا؟ قال يقولون: إن عمرو بن شعيب أكثر أو نحو هذا. قلت وهذا ليس بقادح لأن عمرو بن شعيب ثقة فلا يضره إكثاره. وذكر صاحب التهذيب عن البخاري أنه قال: رأيت أحمد وعلي بن المديني وإسحاق بن راهويه وأبا عبيد وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ما تركه أحد من المسلمين قال البخاري من الناس بعدهم؟ قلت: وقد احتج الإمام أحمد في رواية الأثرم بحديث عمرو بن شعيب الذي تقدم ذكره آنفا وأومأ إليه في رواية مهنا كما سيأتي فدل على ثبوته عنده. وقد رواه البخاري في الأدب المفرد بإسناد جيد فقال حدثنا إسماعيل -يعني ابن أبي أويس-قال حدثني سليمان -يعني: ابن بلال- عن ابن عجلان فذكره بنحو رواية الإمام أحمد. ورواه الإمام أحمد أيضًا من وجه آخر فقال حدثنا سريج -يعني ابن النعمان- حدثنا عبد الله بن المؤمل عن ابن أبي مليكة عن عبد الله بن عمرو ابن العاص ﵄ أنه لبس خاتمًا من ذهب فنظر إليه رسول الله ﷺ كأنه كرهه فطرحه ثم لبس خاتما من حديد فقال: «هذا

стр. 160

أخبث وأخبث» فطرحه ثم لبس خاتما من ورق فسكت عنه. إسناده صحيح. ابن أبي مليكة من رجال الصحيحين وسريج من رجال البخاري. وأما عبد الله بن المؤمل فقد اختلف الأئمة فيه وقد ذكر المنذري عن ابن معين أنه وثقه في ورايتين وضعفه في رواية وقال: ابن سعد ثقة وصحح له ابن خزيمة وابن حبان وغيرهما. قلت: وعلى هذا فحديثه صحيح على شرط ابن خزيمة وابن حبان. وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا عفان حدثنا حماد أنبأنا عمار بن أبي عمار أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ رأى في يد رجل خاتما من ذهب فقال: «ألق ذا» فألقاه فتختم بخاتم من حديد فقال: «ذا شر منه» فتختم بخاتم من فضة فسكت عنه. رجاله كلهم ثقات إلا أن عمار بن أبي عمار لم يدرك عمر ﵁ ففيه انقطاع ولكن له شاهد مما تقدم عن بريدة وعبد الله بن عمرو ﵃. وروى البيهقي في «شعب الإيمان» عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن خاتم الذهب وعن خاتم الحديد». ورواه الطبراني في الأوسط قال الهيثمي: ورجاله ثقات. وقال البخاري في التاريخ الكبير حدثنا يحيى بن إسماعيل قال: حدثنا يحيى بن صالح قال حدثنا محمد بن مهاجر عن كيسان مولى معاوية قال: خطب معاوية الناس فقال: يا أيها الناس إن النبي ﷺ «نهى عن تسع -وأنا أنهى عنهن- النوح والشعر والتبرج والتصاوير وجلود السباع والغناء

стр. 161

والذهب والحرير والحديد» إسناده جيد وقد حسنه السيوطي في الجامع الصغير. وروى البخاري أيضًا في التاريخ الكبير والبزار والطبراني عن مسلم ابن عبد الرحمن ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ وجاءه رجل وعليه خاتم من حديد فقال: «ما طهر الله كفا فيها خاتم من حديد» حسنه السيوطي في الجامع الصغير وقال الهيثمي فيه شميسة بنت نبهان لم أعرفها وبقية رجاله ثقات. قلت: وفيه عباد بن كثير الرملي ضعفه ابن معين وأبو حاتم وغيرهما وقال ابن المديني كان ثقة لا بأس به وذكر المنذري عن ابن عيينة أنه كان ينهى عن ذكره إلا بخير، قال: وقال أبو مطيع: كان عندنا ثقة أخرج من قبره بعد ثلاث سنين فلم يفقد منه إلا شعيرات. قلت: وأقل الأحوال في حديثه أن يكون من قبيل الحسن والله أعلم. وهذه الأحاديث تؤيد حديث بريدة ﵁ وكما تدل بمنطوقها على المنع من لبس خاتم الحديد، فكذلك هي دالة بمفهوم الأولى على المنع من لبس ساعات الحديد لأنها أكبر من الخواتم. وعلة المنع كون الحديد حلية أهل النار وهم الكفار والمسلم منهي عن التشبه بأعداء الله تعالى. وللمنع في حق الرجال علة أخرى وهي التشبه بالنساء في لبسهن الأساور بل وفي تحليهن بالساعات في هذه الأزمان. ومن المعلوم أن الحلية من خصائص النساء كما قال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾. وقد أبيح للرجال من الحلية النزر اليسير من الفضة كالخاتم وقبيعة

стр. 162

السيف وحلية المنطقة ونحو ذلك مما روي عن النبي ﷺ وعن أصحابه ﵃ أنهم ترخصوا فيه وما سوى ذلك فهو باق على المنع لقول النبي ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» رواه الأمام أحمد ومسلم والبخاري تعليقا مجزوما به من حديث عائشة ﵂. ومن الممنوع منه تحلي الرجل في ذراعه بسوار أو ساعة أو غير ذلك من سائر أنواع الحلية لأن التحلي في هذا الموضع من خصائص النساء. فإن ادعى بعض المتشبهين بالنساء أنهم لا يقصدون الزينة بلبس الساعات في أيديهم وإنما يقصدون بها معرفة الوقت. قيل: هذه الدعوى لا تزيل عنهم وصف التشبه بالنساء إذ لا فرق بين وضع الساعة في ذراع الرجل ووضعها في ذراع المرأة ولا فرق أيضًا بين من يقصد بلبسها الزينة ومن يقصد بذلك معرفة الوقت لأن كلا منهما متشبه بالنساء فهما سواء في علة المنع. ومن كان مقصوده معرفة الوقت فله مندوحة عن التشبه بالنساء فيضع الساعة في جيبه ونحوه من المواضع المعدة لوضع الأشياء فيها والله الموفق. وقد جعل كثير من الناس دعوى معرفة الوقت حيلة لهم على استحلال التزين بالساعات والتشبه بالنساء والحيل لا تبيح المحرمات. وقد روى ابن بطة بإسناد جيد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل». وقد زعم بعض الناس أن لبس الساعات المتخذة من الحديد ونحوه لا بأس به للذكور وعللوا ذلك بأن الحديد ليس بحلية وشبهتهم هذه

стр. 163

مردودة بقول النبي ﷺ للرجل الذي لبس خاتما من حديد: «مالي أرى عليك حلية أهل النار» وقوله ﷺ للرجل الآخر لما اتخذ خاتما من حديد: «هذا شر هذا حلية أهل النار». ففي هذين الحديثين النص على دخول ما لبس من الحديد في مسمَّى الحلية. فهو حلية أهل النار كما أن الذهب والفضة واللؤلؤ حلية أهل الجنة قال الله تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾. وقال تعالى: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾. الأساور جمع أسورة واحدها سوار وهو ما يجعل في الأيدي من الحلي حكاه ابن كثير في تفسيره عن ابن عباس ﵄ وقتادة وغير واحد. وقال مرتضى الحسيني في تاج العروس هو ما تستعمله المرأة في يديها. قلت: وعلى هذا فالساعة داخلة في مسمَّى السوار إذا لبست في اليد. السوار ممنوع في حق الذكور من أي نوع كان من أنواع الحلية لما في لبسهم له من التشبه بالنساء والله أعلم. فإن قيل إن النبي ﷺ قال للخاطب الذي لم يجد صداقًا: التمس ولو خاتما من حديد رواه مالك والشافعي وأحمد والشيخان وأهل السنن من حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁ فدل على جواز لبس خاتم الحديد فكذلك الساعة منه قياسًا على الخاتم. قيل قد أجاب عن هذا الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» فقال: لا حجة فيه لأنه لا يلزم من جواز الاتخاذ جواز اللبس فيحتمل أنه أراد وجوده لتنتفع المرأة بقيمته.

стр. 164

قلت: ويمكن الجمع بين ما في حديث سهل وما في حديث بريدة وما بعده من الأحاديث بأن يحمل المنع على ما كان حديدًا صرفًا. ويحمل الجواز على ما لويت عليه فضة فقد روى أبو داود والنسائي في سننيهما والبخاري في تاريخه عن إياس بن الحارث بن المعيقيب عن جده معيقيب ﵁ قال كان خاتم النبي ﷺ من حديد ملويّ عليه فضة، قال: فربما كان في يدي قال: وكان المعيقيب على خاتم النبي ﷺ . وعلى هذا فيحتمل أن النبي ﷺ أمر الخاطب بالتماس خاتم مما يجوز لبسه وهو ما لويت عليه فضة وسماه حديدًا اعتبارًا بأصله. ويحتمل أنه أمره بالتماس خاتم من حديد صرف لأن المرأة يمكنها لبسه بعد ما يلوى عليه ذهب أو فضة وبهذا تجتمع الأحاديث وينتفي عنها التعارض والله أعلم. ويحتمل أن يكون ما في حديث سهل وحديث معيقيب منسوخا بحديث بريدة وما بعده من الأحاديث الدالة على المنع من لبس الحديد بالكلية. وهذا الاحتمال أقوى مما قبله وقد أومأ إليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى في رواية أبي طالب فقال: كان للنبي ﷺ خاتم من حديد عليه فضة فرمى به فلا يصلى في الحديد والصفر. قلت المعروف من ورع الإمام أحمد رحمه الله تعالى وشدة تثبته أنه لا يقول مثل هذا إلا عن أثر ثابت عنده. وعلى هذا فيكون طرح النبي ﷺ لخاتم الحديد الذي عليه فضة

стр. 165

كطرحه لخاتم الذهب سواء فكل منهما يدل طرحه على المنع منه ونسخ ما تقدم من جواز لبسه. ويؤخذ منه المنع من لبس الحديد الصرف بطريق الأولى والأحرى. وقد يستدل لما ذكره الإمام أحمد رحمه الله تعالى بالحديث الذي رواه الزهري عن أنس بن مالك ﵁ أنه رأى في يد رسول الله ﷺ خاتما من ورق يوما واحدا ثم إن الناس اصطنعوا الخواتيم من ورق ولبسوها فطرح رسول الله ﷺ خاتمه فطرح الناس خواتيمهم رواه الإمام أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي. وقد قيل: إن الزهري وهم في هذا الحديث من خاتم الذهب إلى خاتم الورق. وقال آخرون: لا وهم يفه وتأولوه. ومسلك التأويل في هذا أولى من مسلك التوهيم ولاسيما في حق الزهري وأمثاله من أكابر الأئمة المعروفين بمزيد الحفظ والإتقان. والأقرب في هذا أن يحمل ما رواه الزهري على ما ذكره الإمام أحمد في رواية أبي طالب أنه كان للنبي ﷺ خاتم من حديد عليه فضة فرمى به. وأخبار أنس ﵁ عن الخاتم المطروح بأنه من ورق لا ينفي أن يكون باطنه حديدًا وتكون الفضة ملوية عليه كما في حديث معيقيب ﵁ فلعل أنسًا ﵁ سماه ورقا اعتبارا بظاهره والله أعلم. وقد قال ابن هانئ: سألت أبا عبد الله -يعني أحمد بن حنبل- عن خاتم الحديد فقال: لا نلبسه. وقال الإمام أحمد في رواية مهنا: أكره خاتم الحديد لأنه حلية أهل

стр. 166

النار. وسأله الأثرم عن خاتم الحديد ما ترى فيه؟ فذكر حديث عمرو بن شعيب أن النبي ﷺ قال لرجل: «هذه حلية أهل النار». وابن مسعود ﵁ قال: لبسة أهل النار. وابن عمر ﵄ قال: «ما طهرت كف فيها خاتم من حديد» وقال النبي ﷺ : في حديث بريدة ﵁ لرجل للبس خاتما من صفر: «أجد منك ريح الأصنام» فما اتخذ يا رسول الله؟ قال: «فضة» انتهى كلام الإمام أحمد رحمه الله تعالى. ونص أيضا في رواية إسحاق وجماعة على كراهة خاتم حديد وصفر ونحاس ورصاص للرجل والمرأة فيحتمل أنه أراد كراهة التنزيه ويحتمل أنه أراد كراهة التحريم وهو أظهر لما تفيده التعاليل التي ذكرها في رواية مهنا والأثرم. ويستفاد ذلك أيضا من نصه في رواية أبي طالب على أنه لا يصلى في الحديد والصفر ولو كانت الكراهة فيهما للتنزيه لم يمنع من الصلاة فيهما والله أعلم. وقد ذكر شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى عن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة أنه قال في «الجامع الصغير»: ولا يتختم إلا بالفضة. ثم ذكر الشيخ عن الحنفية أنهم قالوا هذا نص على أن التختم بالحجر والحديد والصفر حرام للحديث المأثور أن النبي ﷺ رأى على رجل خاتم صفر فقال: «مالي أجد منك ريح الأصنام»؟. ورأى على رجل خاتم من حديد فقال: «مالي أرى عليك حلية أهل النار»؟. قال الشيخ: ومثل هذا كثير في مذهب أبي حنيفة وأصحابه انتهى.

стр. 167

والقول في ساعة الحديد والصفر والنحاس كالقول في الخاتم منها سواء. وهذا إنما هو في حق النساء فهي مكروهة في حقهن كراهة تحريم على الأظهر لما في الصفر والنحاس من ريح الأصنام ولما في التحلي بالحديد من التشبه بأهل النار، والمسلم منهي عن التشبه بأعداء الله تعالى. وقد ورد النهي عن التشبه بأهل النار كما في سنن ابن ماجه عن أبي ذر ﵁ قال مر بي النبي ﷺ وأنا مضطجع على بطني فركضني برجله وقال: «يا جنيدب إنما هي ضجعة أهل النار» وفي سننه أيضا عن أبي أمامة ﵁ قال: مر النبي ﷺ على رجل نائم في المسجد منبطح على وجهه فضربه برجله قال: «قم أو اقعد فإنها نومة جهنمية». وستفاد أيضا المنع من التشبه بأهل النار من قوله ﷺ للرجل: «مالي أرى عليك حلية أهل النار»؟ ومن قوله أيضا في حديث عبد الله بن عمرو ﵄: «هذا شر هذا حلية أهل النار» فظاهر هذين الحديثين إنكار التختم بالحديد من أجل أنه حلية أهل النار ولا يجوز للمسلم أن يتشبه بهم والله أعلم. وأما الرجال فلا يجوز لهم لبس الساعات بالكلية لما في ذلك من التشبه بالنساء وقد لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي والبخاري وأهل السنن إلا النسائي من حديث ابن عباس ﵄، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

стр. 168

وروى الإمام أحمد أيضا وأبو داود والنسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه عن أبي هريرة ﵁ قال: «لعن رسول الله ﷺ الرجل يلبس لبسة المرأة والمرأة تلبس لبسة الرجل» قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وأقره الذهبي في تلخيصه وصححه أيضا النووي وغيره. وروى الإمام أحمد أيضا والطبراني وأبو نعيم في «الحلية» عن عبد الله ابن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليس منا من تشبه بالرجال من النساء ولا من تشبه بالنساء من الرجال» قال الهيثمي: رجال الطبراني كلهم ثقات. قلت: وكذا رجال أبي نعيم وأما إسناد أحمد ففيه رجل مبهم وبقية رجاله ثقات. وإذا كانت الساعة من حديد ونحوه فللمنع منها في حق الرجال علتان التشبه بالنساء والتشبه بأهل النار وهذا مما يزيد المنع تأكيدًا والله أعلم. وقد رأينا المتحلين بالساعات من الرجال يضعونها في اليسار تقليدا للإفرنج وذلك أن أعداء الله تعالى يعظمون اليسار كما يعظم المسلمون اليمين فهم يأكلون باليسار ويشربون باليسار وكتابتهم وكتبهم منكوسة من جهة اليسار ولبسهم للساعات في اليسار وهم أول من لبسها وتحلى بها. وقد قلدهم كثير من جهال المسلمين في تعظيم اليسار بالأكل والشرب بها والتحلي فيها بالساعات وغير ذلك مما تبعوهم فيه وهؤلاء قد جمعوا بين التشبه بالنساء والتشبه بالأحياء من الكفار وبالأموات منهم وهم أهل النار فالله المستعان. وقد تقدم في أول الكتاب قول شيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية

стр. 169

رحمه الله تعالى: إن الشريعة إذا نهت عن مشابهة الأعاجم دخل في ذلك ما عليه الأعاجم الكفار قديما وحديثا ودخل في ذلك ما عليه الأعاجم المسلمون مما لم يكن عليه السابقون الأولون. قلت ولبس الساعات في الأيدي هو مما أحدثه الأعاجم الكفار من الإفرنج وأشباههم من أعداء الله تعالى فلا يجوز للمسلم أن يتشبه بهم في لبس هذه الحلية لقول النبي ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم» وللحديث الآخر: «ليس منا من تشبه بغيرنا» وقد تقدم ذكر هذين الحديثين في أول الكتاب وفي أثنائه مرارًا والله الموفق. فصل النوع التاسع عشر: من التشبه بأعداء الله تعالى تصوير ذوات الأرواح ونصب الصور في المجالس والدكاكين وغيرها. قد عظمت البلوى بهذه المشابهة الذميمة وفشت صناعة الصور وبيعها في جميع الأقطار الإسلامية وافتتن باقتنائها واقتناء الجرائد والمجلات والكتب التي فيها ذلك كثير من المنتسبين إلى العلم من معلمين ومتعلمين فضلا عن غيرهم وصار نصبها في المجالس والدكاكين عادة مألوفة عند كثير من الناس بل إنه قد اتخذ نصب صور الملوك والوزراء والكبراء رسميًّا في كثير من المجالس الرسمية فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وهذا المنكر الذميم أعني صناعة الصور ونصبها في المجالس وغيرها موروث عن قوم نوح ثم عن النصارى من بعدهم. وكذلك عن

стр. 170

مشركي العرب فإنهم كانوا يصنعون الصور وينصبونها ولكن كان عملها واتخاذها قليلاً عندهم بالنسبة إلى النصارى. وقد صور مشركو قريش في جوف الكعبة صورًا منها صورة إبراهيم وصورة إسماعيل وصورة مريم في حجرها عيسى فالمصورون من هذه الأمة والمتخذون للصور متشبهون بقوم نوح وبالنصارى وبمشركي العرب وبأمم الكفر في زماننا ومن تشبه بقوم فهو منهم. والكلام في ذم التصاوير وتحريم صناعتها واتخاذها مبسوط في كتابي «إعلان النكير على المفتونين بالتصوير» فليراجع هناك. فصل النوع العشرون: من التشبه بأعداء الله تعالى ما ابتلي به كثير من المسلمين قديما وحديثا من تشييد المساجد وزخرفتها والتباهي بها. وقد عاد تشييد الماضين وزخرفتهم ومباهاتهم كل شيء بالنسبة إلى تشييد أهل زماننا وزخرفتهم ومباهاة بعضهم بعضًا. وهذا من أشراط الساعة كما في حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد» رواه الإمام أحمد والدارمي وأهل السنن إلا الترمذي وصححه ابن حبان. ولفظ النسائي: «من أشراط الساعة أن يتباهى الناس في المساجد» وقال البخاري في صحيحه: قال أنس ﵁: «يتباهون بها ثم لا يعمرونها إلا قليلاً».

стр. 171

قال ابن حجر: هذا التعليق هذا التعليق رويناه موصولاً في مسند أبي يعلى وصحيح ابن خزيمة من طريق أبي قلابة أن أنسًا ﵁ قال: سمعته يقول: «يأتي على أمتي زمان يتباهون بالمساجد ثم لا يعمرونها إلا قليلاً» ثم قال: تنبيه. قوله: ثم لا يعمرونها المراد به عمارتها بالصلاة وذكر الله وليس المراد بنيانها انتهى. وروى الطبراني من حديث ابن مسعود ﵁: «أن من أعلام الساعة وأشراطها أن تزخرف المحاريب وأن تخرب القلوب». وروى أبو نعيم في «الحلية» من حديث مكحول عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «للساعة أشراط» قيل: وما أشراطها؟ قال: «غلو أهل الفسق في المساجد وظهور أهل المنكر على أهل المعروف» قال أعرابي: فما تأمرني يا رسول الله قال: «دع وكن حلسًا من أحلاس بيتك» وقد ظهر مصداق هذه الأحاديث في زماننا ظهورًا جليًّا وهذا يدل على اقتراب الساعة. وقد وردت الأحاديث بالترغيب في الاقتصاد في بناء المساجد وذم تشييدها وزخرفتها وبيان أن التشييد والزخرفة من فعل اليهود والنصارى. قال البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه «باب بنيان المسجد» وقال أبو سعيد ﵁ كان سقف المسجد من جريد النخل. وأمر عمر ﵁ ببناء المسجد، وقال: «أكن الناس من المطر وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس». وقال أنس ﵁: يتباهون بها ثم لا يعمرونها إلا قليلاً.

стр. 172

وقال ابن عباس ﵄: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى. ثم ساق البخاري بإسناده عن نافع أن عبد الله يعني ابن عمر ﵄ أخبره أن المسجد كان على عهد رسول الله ﷺ مبنيا باللبن وسقفه الجريد وعمده خشب النخل فلم يزد فيه أبو بكر ﵁ شيئا وزاد فيه عمر ﵁ وبناه على بنيانه في عهد رسول الله ﷺ باللبن والجريد وأعاد عمده خشبًا ثم غيره عثمان ﵁ فزاد فيه زيادة كثيرة وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصة وجعل عمده من حجارة منقوشة وسقفه بالساج. وقد روى هذه الحديث أبو داود في سننه قال والقصة الجص. وقال ابن حجر في الفتح: قال ابن بطال وغيره هذا يدل على أن السنة في بنيان المسجد القصد وترك الغلو في تحسينه فقد كان عمر ﵁ مع كثرة الفتوح في أيامه وسعة المال عنده لم يغير المسجد عما كان عليه وإنما احتاج إلى تجديده لأن جريد النخل كان قد نخر في أيامه ثم كان عثمان والمال في زمانه أكثر فحسنه بما لا يقتضي الزخرفة ومع ذلك فقد أنكر بعض الصحابة عليه وأول من زخرف المساجد الوليد بن عبد الملك ابن مروان وذلك في أواخر عصر الصحابة وسكت كثير من أهل العلم عن إنكار ذلك خوفا من الفتنة انتهى. وروى ابن أبي الدنيا والبيهقي من طريقه عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن قال: لما بنى رسول الله ﷺ المسجد أعانه عليه أصحابه فقال: «ابنو عريشًا كعريش موسى» فقلت للحسن: ما عريش موسى؟ قال: إذا رفع يديه بلغ العريش يعني السقف. وهذا مرسل.

стр. 173

وروى البيهقي أيضا من حديث حماد بن سلمة عن أبي سنان عن يعلى بن شداد بن أوس عن عبادة ﵁ أن الأنصار جمعوا مالا فأتوا به النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله ابن هذا المسجد وزينه إلى متى نصلي تحت هذا الجريد فقال: «ما بي رغبة عن أخي موسى، عريش كعريش موسى» قال الحافظ ابن كثير: هذا حديث غريب من هذا الوجه. قلت: وقد احتج به الإمام أحمد رحمه الله تعالى وما ذلك إلا لثبوته عنده قال في رواية المروذي: قد سألوا النبي ﷺ أن يكحل المسجد قال: «لا عريش كعريش موسى» قال أبو عبد الله: إنما هو شيء مثل الكحل يطلى به أي فلم يرخص النبي ﷺ فيه. انتهى كلام الإمام أحمد رحمه الله تعالى. وفي سنن أبي داود وصحيح ابن حبان عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أمرت بتشييد المساجد» قال ابن عباس ﵄: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى. وروى البخاري في صحيحه قول ابن عباس ﵄ تعليقا مجزومًا به وتقدم ذكره. قال الخطابي وغيره التشييد رفع البناء وتطويله. قلت: وفي قوله «ما أمرت بتشييد المساجد» نوع من التوبيخ والتأنيب لمن فعل ذلك من هذه الأمة. قال علي القاري ما معناه، أن تشييد المساجد وتزيينها بدعة لأنه لم يفعله رسول الله ﷺ وفيه موافقة لأهل الكتاب انتهى. وقال الخطابي: قوله لتزخرفنها معناه لتزيننها وأصل الزخرف الذهب

стр. 174

يريد تمويه المساجد بالذهب ونحوه ومنه قولهم: زخرف الرجل كلامه إذا موهه وزينه بالباطل والمعنى أن اليهود والنصارى إنما زخرفوا المساجد عندما حرفوا وبدلوا وتركوا العمل بما في كتبهم يقول: فأنتم تصيرون إلى مثل حالهم إذا طلبتم الدنيا بالدين وتركتم الإخلاص في العمل وصار أمركم إلى المراءاة بالمساجد والمباهاة بتشييدها وتزيينها انتهى. وقوله: ونحوه يعني من كل ما تزين به المساجد من الأصباغ والنقوش فهو أعم من تمويهها بالذهب واللام في قوله: لتزخرفنها لام القسم والنون للتأكيد يعني أن التشبه باليهود والنصارى في زخرفة المساجد واقع في هذه الأمة ولابد. وقد استند ابن عباس ﵄ في قوله: لتزخرفنها إلى آخره على ما رواه عن النبي ﷺ أنه قال: «أراكم ستشرفون مساجدكم بعدي كما شرفت اليهود كنائسها وكما شرفت النصارى بيعها» رواه ابن ماجه. وله أيضا عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما ساء عمل قوم قط إلا زخرفوا مساجدهم» قال ابن حجر رجاله ثقات إلا جبارة بن المغلس شيخه يعني: ابن ماجه ففيه مقال. قلت: وحديث ابن عباس ﵄ في إسناده جبارة بن المغلس، وفيه أيضًا ليث وهو ابن أبي سليم، وفيه مقال، وبقية رجاله ثقات. وذكر المروذي في كتاب «الورع» عن أبي الدرداء ﵁ أنه قال: «إذا حليتم مصاحفكم وزخرفتم مساجدكم فعليكم الدمار» وروى أبو نعيم في «الحلية» عن أبي هريرة ﵁ أنه قال:» إذا زوقتم مساجدكم وحليتم مصاحفكم فالدمار عليكم». وذكر المروذي في كتاب "الورع" عن أبي فزارة عن مسلم البطين

стр. 175

قال: مر علي ﵁ بمسجد التيم وهو مشرف فقال: هذه بيعة التيم؟ قلت: هذا إنكار من علي ﵁ على الذين شرفوا مسجدهم وفي ضمن هذا الإنكار توبيخ لهم وتأنيب على التشبه بالنصارى في جعلهم المسجد مشرفًا كالبيعة. وقال سعيد بن منصور حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن إسماعيل بن عبد الرحمن بن ذؤيب قال دخلت مع ابن عمر ﵄ مسجدًا بالجحفة فنظر إلى شرفات، فخرج إلى موضع فصلى فيه، ثم قال لصاحب المسجد: إني رأيت في مسجدك هذا يعني الشرفات شبهتها بأنصاب الجاهلية فمر بها أن تكسر. إسناده جيد. وإذا كان هذا قول علي وابن عمر ﵄ في تشريف المسجد فكيف لو رأيا ما يفعله كثير من الناس في زماننا من تضخيم بناء المساجد وتشريفها بالشرفات الكثيرة وزخرفتها بالأصباغ والألوان المختلفة وتبذير الأموال الكثيرة في ذلك فالله المستعان. قال المروذي أيضًا: ذكرت لأبي عبد الله -يعني الإمام أحمد بن حنبل- مسجدًا قد بني وأنفق عليه مال كثير فاسترجع وأنكر ما قلت. وقال المروذي أيضًا قلت لأبي عبد الله إن ابن أسلم الطوسي لا يجصص مسجده ولا بطوس مسجد مجصص إلا قلع جصه فقال أبو عبد الله هو من زينة الدنيا. قلت: وهذا يقتضي أنه لا ينبغي تجصيص المساجد فضلاً عن زخرفتها وتزيينها بالأصباغ والألوان المختلفة.

стр. 176

وظاهر الرواية الأولى أنه لا يجوز تشييد المساجد وتضخيم بنائها لأن النفقة في ذلك من التبذير والسرف المذموم. والأصل في هذا ما تقدم عن النبي ﷺ من قوله وفعله. وما تقدم عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وعن غيره من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين فهؤلاء هم القدوة وفيهم الأسوة الحسنة. وأما التشييد والزخرفة فهما من أفعال اليهود والنصارى وقد قال النبي ﷺ : «من رغب عن سنتي فليس مني» أخرجاه في الصحيحين من حديث أنس ﵁. وقال ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم» رواه الإمام أحمد وأبو داود من حديث ابن عمر ﵄ وصححه ابن حبان وغيره. فصل النوع الحادي والعشرون: من التشبه بأعداء الله تعالى ترك الصلاة في النعال والخفاف بالكلية لما رواه أبو داود والبيهقي في سننيهما والحاكم في مستدركه عن شداد بن أوس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم». ورواه الطبراني في معجمه الكبير ولفظه: «صلوا في نعالكم ولا تشبهوا باليهود» قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه. وفي هذا الحديث رد على الموسوسين الذين لا يصلون في النعال ولا في الخفاف ولا يدخلون المساجد فيها إما بالكلية كما في بعض

стр. 177

الأماكن وإما إلى موضع الصلاة كما في أماكن أخر، وهذا من الغلو والتعمق والرغبة عما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ فإنهم كانوا يدخلون المساجد في النعال والخفاف ويصلون فيها كما في الصحيحين عن أبي مسلمة سعيد بن يزيد الأزدي قال: سألت أنس بن مالك ﵁ أكان النبي ﷺ يصلي في نعليه؟ قال: نعم ورواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي والدارمي والترمذي والنسائي وقال الترمذي: حديث حسن صحيح والعمل على هذا عند أهل العلم. قال: وفي الباب عن عبد الله بن مسعود وعبد الله بن أبي حبيبة وعبد الله بن عمرو وعمرو بن حريث وشداد بن أوس وأوس الثقفي وأبي هريرة وعطاء رجل من بني شيبة. وفي الصحيحين أيضًا عن همام بن الحارث قال: رأيت جرير بن عبد الله ﵁ بال ثم توضأ ومسح على خفيه ثم قام فصلى فسئل فقال رأيت النبي ﷺ صنع مثل هذا. هذا لفظ البخاري. وفي الصحيحين أيضًا عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: وضأت النبي ﷺ فمسح على خفيه وصلى. هذا لفظ البخاري. وقال أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا شعبة عن النعمان بن سالم عن ابن أوس وكان أوس -يعني ابن حذيفة الثقفي- جده قال: أشار إلي جدي أن أناوله نعليه وهو يصلي فناولته فلبسهما وهو يصلي فلما صلى قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلي في نعليه. إسناده صحيح على شرط مسلم وقد رواه ابن ماجه في سننه عن أبي بكر بن أبي شيبة حدثنا غندر عن شعبة فذكره بنحوه.

стр. 178

وروى ابن ماجه أيضًا عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لقد رأينا رسول الله ﷺ يصلي في النعلين والخفين. وقد رواه الإمام أحمد في مسنده وفيه قصة وهي أن عبد الله بن مسعود ﵁ أتى أبا موسى الأشعري في منزله فحضرت الصلاة فقال أبو موسى: تقدم يا أبا عبد الرحمن فإنك أقدم سنًا وأعلم قال: لا بل تقدم أنت فإنما أتيناك في منزلك ومسجدك فأنت أحق قال فتقدم أبو موسى فخلع نعليه فلما سلم قال: ما أردت إلى خلعهما أبالوادي المقدس أنت لقد رأيت رسول الله ﷺ يصلي في الخفين والنعلين. وفي المسند أيضًا وسنني أبي داود وابن ماجه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلي حافيًا ومنتعلاً. في المسند أيضًا عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يصلي قائمًا وقاعدًا وحافيًا ومنتعلاً. وروى أبو نعيم في «الحلية» من حديث مكحول عن مسروق عن عائشة ﵂ قالت: رأيت رسول الله ﷺ يصلي حافيًا ومنتعلاً وينصرف عن يمنه وعن شماله. وفي سنن أبي داود عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بينما النبي ﷺ يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره فلما رأى النبي القوم ألقوا نعالهم فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال: «ما حملكم على إلقائكم نعالكم»؟ قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا فقال رسول الله ﷺ : «إن جبريل ﵇ أتاني فأخبرني أن فيهما قذرًا -وقال-

стр. 179

إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذرا أو أذى فليمسحه وليصل فيهما» ورواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي والدارمي والحاكم بنحوه. وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه. وروى رزين عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يصلي بنعليه وفيهما قذر فأخبره جبريل فحذفهما وأتم صلاته. وفي مستدرك الحاكم عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ لم يخلع نعليه في الصلاة قط إلا مرة واحدة خلع فخلع الناس فقال: «مالكم»؟ قالوا: خلعت فخلعنا فقال: «إن جبريل أخبرني أن فيهما قذرًا أو أذى» قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه. وفي سنن الدارقطني عن ابن عباس ﵄. ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ قال: الصلاة في النعلين وقد صلى رسول الله ﷺ في نعليه فخلعهما فخلع الناس فلما قضى الصلاة قال: «لم خلعتم نعالكم»؟ قالوا: رأيناك خلعت فخلعنا قال: «إن جبريل ﵇ أتاني فقال إن فيهما دم حلمة». فهذا ما تيسر إيراده من الأحاديث الدالة على أن الصلاة في النعال والخفاف سنة عن رسول الله ﷺ أمر بها وفعلها هو وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين ولهذا لما قيل للإمام أحمد رحمه الله تعالى: أيصلي الرجل في نعليه؟ قال: إي والله، فأما الصلاة في الخفاف فلا يزال العمل بها باقيًا في كثير من البلاد الإسلامية حتى الآن.

стр. 180

وأما الصلاة في النعال فقد عفى أثرها في هذه الأزمان حتى صارت في بعض الأماكن من قبيل البدع ومنكرات الأفعال. وبعض المنتسبين إلى الإسلام ينكرون الصلاة في النعال والخفاف معًا. ولما ذكر بعض أهل السنة لبعض المنتسبين إلى العلم من أولئك ما هم عليه من البدع والمنكرات قال له: وأنتم تفعلون أمرا منكرًا وهو الصلاة في الخفاف. قلت: وهذا دليل على استحكام غربة الدين في زماننا حتى عاد المعروف عند الأكثرين منكرًا والمنكر معروفًا والسنة بدعة والبدعة سنة. ومن غلو الموسوسين وتعمقهم أنهم يمنعون غيرهم من دخول المساجد في النعال والخفاف وينكرون ذلك عليهم أشد الإنكار ولو رأوا أحدًا يدخل المساجد في نعليه أو خفيه لاستعظموا ذلك واشتد إنكارهم على فاعله وإنما يحملهم على هذا جهلهم بالسنة وما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين من التيسير وترك التعسير. وحجة الموسوسين على المنع من دخول المساجد بالنعال والخفاف أنها مظنة للتلوث بالنجاسة. وقد جاءت السنة بكشف هذه الشبهة كما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول لله ﷺ قال: «إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذرا أو أذى فليمسحه وليصل فيهما» رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي والدارمي وأبو داود السجستاني والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه. وفي سنن أبي داود ومستدرك الحاكم أيضا عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا وطئ أحدكم بنعله الأذى فإن التراب له
следующие страницы →