← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 17325

الإيضاح والتبيين لما وقع فيه الأكثرون من مشابهة المشركين

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (279 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وروى الإمام أحمد ومحمد بن نصر المروزي عنه ﵁ أنه قال: «اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم وكل بدعة ضلالة». وروى أبو نعيم في الحلية عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: «من كان مستنًا فليستن بمن قد مات أولئك أصحاب محمد ﷺ كانوا خير هذه الأمة أبرها قلوبًا وأعمقها علمًا واقلها تكلفًا قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ ونقل دينه فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم فهم أصحاب محمد ﷺ كانوا على الهدى المستقيم والله رب الكعبة»، وقد روى رزين نحو هذا عن عبد الله بن مسعود ﵁. ومنها اختلاط الرجال بالنساء وقد قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: «إن اجتماع الرجال والنساء لبدعة» رواه الخلال، واختلاط الرجال بالنساء مما يثير الشهوة ويدعو إلى الفتنة والفساد. ولقد ذكر لنا أن بعض السفهاء هناك يغامزون النساء وربما وقع من بعضهم ما هو أعظم من ذلك وأطم وهو الشرك الأكبر ووسائله. وقد حدثني بعض الثقات أن خدام المسجد النبوي إذا كانت ليلة الجمعة أخرجوا ما يلقيه الغوغاء داخل الشباك الذي حول الحجرة من أواني الطيب والكتب الكثيرة، قال: وقد عرض علي بعض الكتب التي تلقى هناك فإذا هي مشتملة على الشرك الأكبر. فبعضهم يسأل المغفرة والرحمة من النبي ﷺ . وبعضهم يسأل منه أن يهب له الأولاد. وبعضهم يطلب منه تيسير النكاح إذا تعسر عليه. إلى غير ذلك من الأمور التي كانوا يفزعون فيها إلى النبي ﷺ -

стр. 72

وينسون الرب الواحد الأحد الصمد المالك المتصرف في خلقه بما يشاء وله الحكمة التامة والحجة البالغة لا معقب لحكمه ولا يُسأل عما يفعل وهم يُسئلون، وقد قال ﵎ لنبيه محمد ﷺ : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا﴾، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة في هذا المعنى. وقد عكس المشركون هذا الأمر فزعموا أن الرسول ﷺ يملك لهم الضر والرشد والإعطاء والمنع، وهذا عين المحادة لله تعالى ولرسوله ﷺ . وهذه الأمور الشركية التي تفعل عند قبر النبي ﷺ وعند غيره من قبور الصالحين أو من يظن صلاحه هي من ثمرات الغلو الذي حذر منه رسول الله ﷺ أمته كما في المسند وسنني النسائي وابن ماجه ومستدرك الحاكم عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «يا أيها الناس إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» هذا لفظ ابن ماجه وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه. ومنها التشويش على من حولهم في المسجد من المصلين والتالين للقرآن. وقد روى مالك في الموطأ عن أبي حازم التمار عن البياضي أن رسول الله ﷺ خرج على الناس وهم يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة فقال: «إن المصلي يناجي ربه فلينظر بما يناجيه به ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن». وروى أبو داود في سننه والحاكم في مستدركه عن أبي سعيد

стр. 73

الخدري ﵁ قال: اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر، وقال: «ألا إن كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضًا ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة -أو قال في الصلاة-» قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه. وقال ابن عبد البر حديث البياضي وأبي سعيد ثابتان صحيحان. وفي المسند من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ اعتكف وخطب الناس فقال: «أما إن أحدكم إذا قام في الصلاة فإنه يناجي ربه فليعلم أحدكم ما يناجي ربه ولا يجهر بعضكم على بعض بالقراءة في الصلاة». وإذا كان المصلي منفردًا ومثله التالي للقرآن في غير صلاة منهيًا عن الجهر الذي يحصل منه تشويش على من حوله من المصلين والتالين للقرآن فنهي أهل الاجتماعات المحدثة والضجيج المنكر في مسجد رسول الله ﷺ وحول قبره يكون بطريق الأولى والله أعلم. ومنها اتخاذ قبر النبي ﷺ عيدًا ومخالفة نهيه عن ذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصبيهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾. ومنها زيارة النساء للقبر الشريف وقبري أبي بكر وعمر ﵄ وذلك لا يجوز لهن لما رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي والترمذي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: «لعن رسول الله ﷺ زوارات القبور» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

стр. 74

قال وفي الباب عن ابن عباس وحسان بن ثابت ﵃. قلت: أما حديث ابن عباس ﵄ فرواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي وأهل السنن أنه ﵁ قال: «لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج». قال الترمذي: حديث حسن وصححه ابن حبان والحاكم. وأما حديث حسان بن ثابت ﵁ فرواه الإمام أحمد والبخاري في التاريخ الكبير وابن ماجه والحاكم من حديث عبد الرحمن بن حسان عن أبيه ﵁ قال: «لعن رسول الله ﷺ زوارات القبور» قال في الزوائد: إسناد حديث حسان بن ثابت صحيح ورجاله ثقات. وهذه الأحاديث دالة على أن زيارة القبور حرام على النساء بل كبيرة من الكبائر؛ لأن اللعن لا يكون إلا عن كبيرة. سواء في ذلك قبر النبي ﷺ وقبر غيره ولم يثبت عن النبي ﷺ ما ينافي هذه الأحاديث أو يخصصها فوجب منع النساء من زيارة قبر النبي ﷺ ومن زيارة غيره من سائر القبور والله أعلم. والمنكرات التي تكون في كثير من الاجتماعات المحدثة عند قبر النبي ﷺ أكثر مما ذكرته. والله المسئول أن ينصر دنيه ويعلي كلمته وأن يوفق ولاة أمور المسلمين لإنكار المنكرات والأخذ على أيدي السفهاء والسير فيهم بسيرة الخليفة الراشد العادل الذي وضع الله الحق على لسانه وقلبه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه.

стр. 75

وقد روى الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه والبخاري في تاريخه والحاكم في مستدركه عن حذيفة بن اليمان ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر»، قال الترمذي: هذا حديث حسن وصححه الحاكم ووافقه الذهبي في تلخيصه، وللترمذي والحاكم أيضًا من حديث ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ نحوه. وفي المسند والسنن من حديث العرباض بن سارية ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة»، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وصححه أيضًا ابن حبان والحاكم وقال: ليس له علة ووافقه الذهبي في تلخيصه. وفي رواية للحاكم: «عليكم بما تعرفون من سنة نبيكم والخلفاء الراشدين المهديين وعضوا على نواجذكم بالحق». قال الحاكم: صحيح على شرطهما جميعًا ولا أعرف له علة ووافقه الذهبي في تلخيصه. قال الخطابي في قوله: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين» فيه دليل على أن الواحد من الخلفاء الراشدين إذا قال قولاً وخالفه فيه غيره من الصحابة كان المصير إلى قول الخليفة أولى انتهى. وهذه الاجتماعات عند قبر النبي ﷺ من محدثات الأمور التي لم تكن في صدر الإسلام فلا ريب أنها داخلة فيما حذر منه رسول الله ﷺ أمته. وكذلك شد الرحال لأجل القبر هو من محدثات الأمور التي لم تكن في صدر الإسلام.

стр. 76

وقد قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى اتفق الأئمة على أنه لو نذر أن يأتي المدينة لزيارة قبور أهل البقيع أو الشهداء أو غيرهم لم يوف بنذره، ومالك والأكثرون قالوا: لا يجوز أن يوفي بنذره فإنه معصية، ولو نذر السفر إلى نفس المسجد للصلاة فيه لم يحرم عليه الوفاء بالإجماع بل يستحب الوفاء وقيل: يجب على قولين للشافعي والوجوب مذهب مالك، وأحمد، ونفي الوجوب مذهب أبي حنيفة. فظهر أن أقوال أئمة المسلمين موافقة لما دلت عليه السنة من الفرق بين السفر إلى المدينة لأجل مسجد الرسول والصلاة فيه والسفر إليها لغير مسجده كالسفر لأجل مسجد قباء أو لزيارة القبور التي فيها. قبر الرسول ﷺ وقبور من فيها من السابقين الأولين وغيرهم رضوان الله عليهم أجمعين. ونقل الشيخ أيضا ما ذكره القاضي إسماعيل بن إسحاق في كتابه المبسوط أنه روي عن مالك أنه سئل عمن نذر أن يأتي قبر رسول الله ﷺ فقال: إن كان أراد مسجد رسول الله ﷺ فليأته وليصل فيه، وإن كان إنما أراد القبر فلا يفعل للحديث الذي جاء: «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد». وذكر الشيخ أيضًا عن أبي عبد الله بن بطة وأبي الوفاء بن عقيل وطوائف كثيرين من المتقدمين أنهم قالوا: إن شد الرحال والسفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين بدعة لم يفعلها أحد من الصحابة ولا التابعين ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين. فمن اعتقد ذلك عبادة وفعلها فهو مخالف للسنة ولإجماع

стр. 77

المسلمين، وذكر ذلك أبو عبد الله أحمد بن حنبل من البدع المخالفة للسنة والإجماع. قال الشيخ رحمه الله تعالى: وما ذكر من الأحاديث في زيارة قبور الأنبياء فضعيفة بالاتفاق بل مالك أمام المدينة كره أن يقول الرجل زرت قبر النبي ﷺ ، وقد صح عنه ﷺ أنه قال: «لا تتخذوا قبري عيدًا وصلوا علي حيثما كنتم» انتهى. فالواجب على المسلمين عامة وعلى علمائهم وولاة أمورهم خاصة إنكار المنكرات التي تفعل في مسجد رسول الله ﷺ وعند قبره والإنكار على من يشد الرحال إلى قبر النبي ﷺ وغيره من القبور والمساجد والأماكن المعظمة سوى المسجد الحرام ومسجد الرسول ﷺ والمسجد الأقصى وإنكار غير ذلك من المنكرات الظاهرة بين المسلمين. وكل أحد ينكر على حسب قدرته كما في الحديث الصحيح عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطيع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان»، رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي ومسلم وأهل السنن، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل».

стр. 78

فصل إذا علم ما ذكرنا فأعياد المسلمين الزمانية منحصرة في سبعة أيام: يوم الجمعة، ويوم الفطر، ويوم الأضحى، ويوم عرفة، وأيام التشريق، والدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم عن أنس بن مالك ﵁ قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال: «ما هذان اليومان»؟ قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية فقال رسول الله ﷺ : «إن الله قد أبدلكم بهما خيرًا منهما يوم الأضحى ويوم الفطر» قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه. وروى أبو داود أيضًا والترمذي والحاكم عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام وهي أيام أكل وشرب»، قال الترمذي: حديث صحيح، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في "تلخيصه". وروى مالك في الموطأ والشافعي في مسنده من طريق مالك عن ابن شهاب عن عبيد بن السباق أن رسول الله ﷺ قال في جمعة من الجمع: «يا معشر المسلمين إن هذا يوم جعله الله عيدًا فاغتسلوا ومن كان عنده طيب فلا يضره أن يمس منه وعليكم بالسواك»، هكذا رواه مالك والشافعي مرسلاً. وقد رواه ابن ماجه والطبراني من حديث صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن عبيد بن السباق عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ ، فذكره بنحوه.

стр. 79

وروى الطبراني أيضًا من طريق مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في جمعة من الجمع: «معاشر المسلمين إن هذا يوم جعله الله لكم عيدًا فاغتسلوا وعليكم بالسواك». وروى الإمام أحمد في مسنده والبخاري في الكنى والحاكم في مستدركه عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن يوم الجمعة يوم عيد فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا قبله أو بعده»، قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وروى الإمام أحمد أيضًا وأبو داود الطيالسي وأهل السنن إلا الترمذي عن إياس بن أبي رملة الشامي قال: شهدت معاوية بن أبي سفيان وهو يسأل زيد بن أرقم. قال: أشهدت مع رسول الله ﷺ عيدين اجتمعا في يوم واحد قال: نعم. قال: فكيف صنع؟ قال: صلى العيد ثم رخص في الجمعة فقال: «من شاء أن يصلي فليصل» ورواه الحاكم في مستدركه وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه. وروى أبو داود وابن ماجه والحاكم أيضا عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «قد اجتمع في يومكم هذا عيدان فمن شاء أجزأه من الجمعة وإنا مجمعون»، قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي في تلخيصه. ولابن ماجه أيضًا من حديث ابن عباس ﵄ مثله، وله أيضا عن ابن عمر ﵄ قال: اجتمع عيدان على عهد رسول الله

стр. 80

- ﷺ فصلى بالناس ثم قال: «من شاء أن يأتي الجمعة فليأتها ومن شاء أن يتخلف فليتخلف». وروى الشافعي في مسنده عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى قال: اجتمع عيدان على عهد النبي ﷺ فقال: «من أحب أن يجلس من أهل العالية فليجلس في غير حرج». وروى مالك في الموطأ والشافعي في مسنده من طريق مالك عن ابن شهاب عن أبي عبيد مولى ابن أزهر قال: شهدت العيد مع عثمان بن عفان ﵁ فجاء فصلى ثم انصرف فخطب وقال: «إنه قد اجتمع لكم في يومكم هذا عيدان فمن أحب من أهل العالية أن ينتظر الجمعة فلينتظر ومن أحب أن يرجع فقد أذنت له». وفي سنن النسائي ومستدرك الحاكم عن وهب بن كيسان قال: اجتمع عيدان على عهد ابن الزبير فأخر الخروج حتى تعالى النهار ثم خرج فخطب فأطال الخطبة ثم نزل فصلى ولم يصل بالناس يوم الجمعة فذكر ذلك لابن عباس ﵄، فقال: أصاب السنة، زاد الحاكم فبلغ ابن الزبير فقال: رأيت عمر بن الخطاب إذا اجتمع عيدان صنع مثل هذا. قال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي في تلخيصه، ورواه أبو داود في سننه من حديث عطاء بن أبي رباح بنحوه. وفي رواية له عن عطاء قال اجتمع يوم جمعة ويوم فطر على عهد ابن الزبير فقال عيدان اجتمعا في يوم واحد فجمعهما جميعًا فصلاهما ركعتين بكرة لم يزد عليهما حتى صلى العصر.

стр. 81

وروى ابن جرير في تفسيره والطبراني في الأوسط عن قبيصة عن ذؤيب قال: قال كعب لو أن غير هذه الأمة نزلت عليهم هذه الآية لنظروا اليوم الذي أنزلت فيه عليهم فاتخذوه عيدًا يجتمعون فيه فقال عمر ﵁: أي آية يا كعب؟ فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فقال عمر ﵁: قد علمت اليوم الذي أنزلت فيه والمكان الذي أنزلت فيه يوم الجمعة ويوم عرفة وكلاهما بحمد الله لنا عيدٌ. وروى الترمذي في جامعه وابن جرير في تفسيره عن عمار بن أبي عمار قال: قرأ ابن عباس ﵄: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾، وعنده يهودي فقال: لو أنزلت هذه الآية علينا لاتخذنا يومها عيدًا فقال ابن عباس ﵄ فإنها نزلت في يوم عيدين في يوم الجمعة ويوم عرفة قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من حديث ابن عباس ﵄. والغرض من سياق حديث عبيد بن السباق وما بعده الدلالة على أن يوم الجمعة عيد من أعياد المسلمين. وأما الأعياد المكانية للمسلمين فهي منحصرة في مواضع الحج ومشاعره المعظمة. فالكعبة والمسجد الحرام عيد للمسلمين، والصفا والمروة وموضع السعي بينهما عيد للحجاج والمعتمرين. وعرفات ومزدلفة ومنى أعياد للحاج في أيام الحج، فمن اتخذ عيدًا مكانيًا سوى هذه الأمكنة أو عيدًا زمانيًا سوى السبعة الأيام التي تقدم ذكرها فقد ابتدع في الدين وتشبه باليهود والنصارى والمشركين، ومن تشبه بقوم فهو منهم وما أكثر المتشبهين بهم في اتخاذ الأعياد المبتدعة من زمانية ومكانية والله المستعان.

стр. 82

فصل النوع السادس: من المشابهة وهو من أقبحها ما ابتلي به كثير من المسلمين من حلق اللحى تقليدًا لطوائف الإفرنج وغيرهم من أعداء الله تعالى، ومن الجهال من ينتفها، ومنهم من يقصها، ومنهم من يحلق العارضين ويقص الذقن. وكل ذلك مخالف لهدي رسول الله ﷺ وهدي الأنبياء قبله وما كان عليه الخلفاء الراشدون وسائر الصحابة والتابعين لهم بإحسان. وقد ورد الوعيد الشديد على هذه الأفعال الذميمة فعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من مثل بالشعر فليس له عند الله خلاق» رواه الطبراني. قال أهل اللغة مثل بالشعر صيره مثلة بأن حلقه من الخدود أو نتفه أو غيّره بالسواد. وحلق اللحى وقصها من سنن الأكاسرة كما روى ابن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب ما ملخصه أن رسول الله ﷺ بعث إلى كسرى يدعوه إلى الإسلام فكتب كسرى إلى باذام وهو نائبه على اليمن أن ابعث إلى هذا الرجل بالحجاز رجلين من عندك جلدين فليأتياني به فبعث باذام قهرمانه وبعث معه رجلا من الفرس فدخلا على رسول الله ﷺ وقد حلقا لحاهما وأعفيا شواربهما فكره النظر إليهما وقال: «ويلكما من أمركما بهذا؟» قال: أمرنا ربنا يعنيان كسرى فقال رسول الله ﷺ : «لكن ربي أمرني بإعفاء لحيتي وقص شاربي».

стр. 83

وروى البيهقي وغيره من طريق ميمون بن مهران عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: ذكر رسول الله ﷺ المجوس فقال: «إنهم يوفون سبالهم ويحلقون لحاهم فخالفوهم» السبال جمع سبلة بالتحريك وهو الشارب. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «جزوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس». وفي الصحيحين عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «خالفوا المشركين وفروا اللحى وأحفوا الشوارب»، هذا لفظ البخاري. ولفظ مسلم: «خالفوا المشركين أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى». وقد جاء في حديث مرسل أن قص اللحى من أعمال قوم لوط. فروى ابن عساكر في تاريخه عن الحسن أن رسول الله ﷺ قال: «عشر خصال عملها قوم لوط بها أهلكوا وتزيدها أمتي بخلة - ذكر الخصال ومنها: قص اللحية وطول الشارب». إذا علم هذا فمن مثل بلحيته بحلق أو نتف أو قص فقد تشبه بأعداء الله تعالى من المجوس وقوم لوط وطوائف الإفرنج وأشباههم، ومن تشبه بقوم فهو منهم. والكلام في التمثيل باللحى مبسوط في كتابي المسمى: «دلائل الأثر على تحريم التمثيل بالشعر»، فليراجع هناك. فصل النوع السابع: من التشبه بأعداء الله تعالى إعفاء الشوارب وما أكثر الواقعين في هذه المشابهة القبيحة.

стр. 84

وقد تقدم أن ذلك من سنن الأكاسرة وقومهم المجوس ومن أعمال قوم لوط. وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «من تشبه بقوم فهو منهم». وفي المسند وجامع الترمذي وسنن النسائي عن زيد بن أرقم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من لم يأخذ شاربه فليس منا» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وصححه أيضا الحافظ الضياء المقدسي وأخرجه في المختارة. وفي هذا الحديث أبلغ تحذير من توفير الشوارب والكلام فيما يتعلق بالشوارب مبسوط في كتابي المسمى بـ «دلائل الأثر». فصل النوع الثامن: من التشبه بأعداء الله تعالى ترك الشيب في الرأس واللحية أبيض ناصعًا لا يغير ذلك وذلك من فعل اليهود والنصارى. وفي الصحيحين والمسند والسنن عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم» هذا لفظهم سوى الترمذي. ولفظ الترمذي: «غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود» ثم قال الترمذي حديث حسن صحيح. وفي رواية للإمام أحمد: «غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى»، وأخرجه ابن حبان في صحيحه بهذا اللفظ. وفي رواية للنسائي: «أن اليهود والنصارى لا تصبغ فخالفوا عليهم فأصبغوا».

стр. 85

وروى الإمام أحمد من حديث أبي أمامة ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ على مشيخة من الأنصار بيض لحاهم فقال: «يا معشر الأنصار حمروا وصفروا وخالفوا أهل الكتاب». قال الحافظ ابن حجر: إسناده حسن. قال: وأخرج الطبراني في الأوسط نحوه من حديث أنس ﵁. قال: وفي الكبير من حديث عتبة بن عبد ﵁: «كان رسول الله ﷺ يأمر بتغيير الشعر مخالفة للأعاجم». قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: قد تبين أن نفس مخالفتهم أمر مقصود للشارع في الجملة، ولهذا كان الإمام أحمد بن حنبل وغيره من الأئمة يعللون الأمر بالصبغ بعلة المخالفة، قال ابن حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: ما أحب لأحد إلا أن يغير الشيب ولا يتشبه بأهل الكتاب لقول النبي ﷺ : «غيروا الشيب ولا تشبهوا بأهل الكتاب»، وقال إسحاق بن إبراهيم: سمعت أبا عبد الله يقول لأبي: يا أبا هاشم اختضب، ولو مرة واحدة فأحب لك أن تختضب ولا تشبه باليهود انتهى. وقد دل حديث أبي أمامة ﵁ على أن تغيير الشيب يكون بالحمرة أو بالصفرة، ويكون أيضًا بالحناء والكتم لما في المسند والسنن عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أحسن ما غيرتم به هذا الشيب الحناء والكتم»، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وصححه أيضًا ابن حبان. وفي رواية للنسائي: «أفضل ما غيرتم به الشمط الحناء والكتم». قال النووي: الكتم بفتح الكاف والتاء المثناة من فوق المخففة هذا هو المشهور وهو نبات يصبغ به الشعر يكون بياضه أو حمرته إلى

стр. 86

الدهمة. وقال ابن حجر العسقلاني: الكتم نبات باليمن يخرج الصبغ أسود يميل إلى الحمرة وصبغ الحناء أحمر فالصبغ بهما معًا يخرج بين السواد والحمرة انتهى. وفي سنني أبي داود وابن ماجه عن ابن عباس ﵄ قال: مر على النبي ﷺ رجل قد خضب بالحناء فقال: «ما أحسن هذا»! قال: فمر آخر قد خضب بالحناء والكتم. فقال: «هذا أحسن من هذا»، قال: فمر آخر قد خضب بالصفرة فقال: «هذا أحسن من هذا كله»، والكلام في هذا وفيما يتعلق بالصبغ بالسواد مبسوط في كتابي المسمى بـ «دلائل الأثر» فليراجع هناك. فصل النوع التاسع: من التشبه بأعداء الله تعالى تقزيع شعر الرأس بحلق جوانبه أو قفاه أو مواضع منه وهو من فعل اليهود والنصارى والمجوس، وكثير من السفهاء في زماننا يجزون شعر الرأس ويتركون في مقدمه قنزعة تشبه عرف الديك، وقد قيل إن هذا من فعل اليهود في زماننا وليس ذلك ببعيد وبالجملة فهذا الفعل القبيح من التمثيل بالشعر وفيه تشويه للخلق. وقد روى أبو داود في سننه عن أنس بن مالك ﵁ أنه رأى غلامًا له قرنان أو قصتان فقال: احلقوا هذين أو قصوهما فإن هذا زي اليهود. وفي مسند الإمام أحمد عن صفية بنت أبي عبيد قالت: رأى ابن

стр. 87

عمر ﵄ صبيًا في رأسه قنازع فقال: أما علمت أن رسول الله ﷺ نهى أن تحلق الصبيان القزع. وروى الإمام أحمد أيضًا والشيخان وأهل السنن إلا الترمذي عن ابن عمر ﵄ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن القزع». والقزع أن يحلق رأس الصبي فيترك بعض شعره. وروى الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ رأى صبيا قد حلق بعض شعره وترك بعضه فنهاهم عن ذلك، وقال: «احلقوه كله أو اتركوه كله». قال النووي: أجمع العلماء على كراهة القزع قال العلماء والحكمة في كراهته أنه تشويه للخلق، وقيل: لأنه زي اليهود انتهى. وروى الطبراني وغيره عن عمر ﵁ مرفوعًا: «حلق القفا من غير حجامة مجوسية»، قال المروذي: سألت أبا عبد الله -يعني أحمد بن حنبل - عن حلق القفا قال: هو من فعل المجوس ومن تشبه بقوم فهو منهم. قال: وكان أبو عبد الله لا يحلق قفاه إلا في وقت الحجامة. وقال المروذي أيضًا قلت لأبي عبد الله يكره للرجل أن يحلق قفاه أو وجهه قال: أما أنا فلا أحلق قفاي وقد روي فيه حديث مرسل عن قتادة فيه كراهية قال: إن حلق القفا من فعل المجوس ورخص في وقت الحجامة. قال: وسمعت مثنى الأنباري يقول: سألت أبا عبد الله عن حلق القفا قال: لا إلا أن يكون في وقت الحجامة.

стр. 88

وذكر الخلال بإسناده عن الهيثم بن حميد قال: حف القفا من شكل المجوس، وعن المعتمر بن سليمان التيمي قال: كان أبي إذا جز شعره لم يحلق قفاه قيل له: لم؟ قال: كان يكره أن يتشبه بالعجم. ومن أقبح القزع ما يفعله كثير من السفهاء في زماننا من حف جوانب الرأس ومعالجة باقيه بالدهن والمشط حتى يصير على شكل ما يفعله كثير من أمم الكفر والضلال في زماننا وما أكثر المتشبهين بهم في هذا الزي القبيح، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «من تشبه بقوم فهو منهم»، وقد تقدم هذا الحديث في أول الكتاب فليراجع. فصل النوع العاشر: من التشبه بأعداء الله تعالى لبس البرنيطة التي هي من لباس الإفرنج ومن شابههم من أمم الكفر والضلال وتسمى أيضًا القبعة، وقد افتتن بلبسها كثير من المنتسبين إلى الإسلام في كثير من الأقطار الإسلامية ولا سيما البلدان التي فشت فيها الحرية الإفرنجية وانطمست فيها أنوار الشريعة المحمدية. ومن ذلك أيضا الاقتصار على لبس السترة والبنطلون. فالسترة قميص صغير يبلغ أسفله إلى حد السرة أو يزيد عن ذلك قليلا وهو من ملابس الإفرنج، والبنطلون اسم للسراويل الإفرنجية، وقد عظمت البلوى بهذه المشابهة الذميمة في أكثر الأقطار الإسلامية. ومن جمع بين هذا اللباس وبين لبس البرنيطة فوق رأسه فلا فرق

стр. 89

بينه وبين رجال الإفرنج في الشكل الظاهر، وإذا ضم على ذلك حلق اللحية كان أتم للمشابهة الظاهرة. ومن تشبه بقوم فهو منهم كما تقدم في حديث عبد الله بن عمر ﵄ وتقدم أيضًا حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «ليس منا من تشبه بغيرنا». وتقدم أيضًا الحديث الذي رواه الإمام أحمد في الزهد عن عقيل بن مدرك قال: أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل قل لقومك: «لا يأكلوا طعام أعدائي ولا يشربوا شراب أعدائي ولا يتشكلوا شكل أعدائي فيكونوا أعدائي كما هم أعدائي». وتقدم أيضًا ما رواه أبو نعيم في الحلية عن مالك بن دينار قال: أوحى الله إلى نبي من الأنبياء أن قل لقومك: «لا تدخلوا مداخل أعدائي ولا تطعموا مطاعم أعدائي ولا تلبسوا ملابس أعدائي ولا تركبوا مراكب أعدائي فتكونوا أعدائي كما هم أعدائي». فإن ادعى المتشبهون بأعداء الله تعالى أنهم إنما يلبسون البرنيطات لتكون وقاية لرءوسهم من حر الشمس ويلبسون البنطلونات والقمص القصار لمباشرة الأعمال. قيل: هذه الدعوى حيلة على استحلال التشبه المحرم والحيل لا تبيح المحرمات، ومن استحل المحرمات بالحيل فقد تشبه باليهود كما في الحديث الذي رواه ابن بطة بإسناد جيد عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل»، والدليل على تحريم التشبه بأعداء الله تعالى ما تقدم من حديث عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو ﵃.

стр. 90

وقد ورد الأمر بمخالفة أهل الكتاب في لباسهم والأمر للوجوب وترك الواجب معصية فروى الإمام أحمد بإسناد حسن عن أبي أمامة ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ على مشيخة من الأنصار -فذكر الحديث وفيه-: فقلنا: يا رسول الله إن أهل الكتاب يتسرولون ولا يتزرون فقال: «تسرولوا واتزروا وخالفوا أهل الكتاب». وروى الإمام أحمد أيضًا وأبو داود الطيالسي ومسلم والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: رأى رسول الله ﷺ علي ثوبين معصفرين فقال: «إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها». وفي رواية لمسلم قال: رأى النبي ﷺ عليَّ ثوبين معصفرين فقال: «أأمك أمرتك بهذا؟» قلت: أغسلهما؟ قال: «بل احرقهما». وفي رواية للنسائي عنه ﵁ أنه أتى النبي ﷺ ، وعليه ثوبان معصفران فغضب النبي ﷺ ، وقال: «اذهب فاطرحهما عنك» قال: أين يا رسول الله؟ قال: «في النار». وهذا الحديث الصحيح صريح في تحريم ثياب الكفار على المسلمين وفيه دليل على المنع من لبس البرنيطات وغيرها من ملابس أعداء الله تعالى كالاقتصار على لبس البنطلونات والقمص القصار وغير ذلك من زي أعداء الله تعالى وملابسهم لوجود علة النهي فيها ... وفي غضب النبي ﷺ على عبد الله بن عمرو ﵄ وأمره بطرح ثوبيه في النار أبلغ زجر عن مشابهة الكفار في زيهم ولباسهم. وكذلك في قوله ﷺ : «أأمك أمرتك بهذا؟» أبلغ ذم وتنفير من التشبه بأعداء الله تعالى والتزيي بزيهم.

стр. 91

وقد جعل الله للمسلمين مندوحة عن مزاحمة أعداء الله تعالى في لباسهم والتشبه بهم فمن أراد وقاية لرأسه ففي لباس المسلمين ما يكفيه. ومن أراد ثيابًا للأعمال فكذلك. ومن أراد ثياباً للزينة والجمال فكذلك، ومن رغب عن زي المسلمين ولم يتسع له ما اتسع لهم من الملابس المباحة فلا وسع الله عليه في الدنيا ولا في الآخرة. قال الشيخ أحمد محمد شاكر في الكلام على حديث عبد الله بن عمرو ﵄. هذا الحديث يدل بالنص الصريح على حرمة التشبه بالكفار في اللبس وفي الهيئة والمظهر كالحديث الآخر الصحيح: «ومن تشبه بقوم فهو منهم». ولم يختلف أهل العلم منذ الصدر الأول في هذا أعني: في تحريم التشبه بالكفار حتى جئنا في هذه العصور المتأخرة فنبتت في المسلمين نابتة ذليلة مستعبدة هجيراها وديدنها التشبه بالكفار في كل شيء والاستخذاء لهم والاستعباد ثم وجدوا من الملتصقين بالعلم المنتسبين له من يزين لهم أمرهم ويهون عليهم أمر التشبه بالكفار في اللباس والهيئة والمظهر والخلق وكل شيء حتى صرنا في أمة ليس لها من مظهر الإسلام إلا مظهر الصلاة والصيام والحج على ما أدخلوا فيها من بدع بل من ألوان من التشبه بالكفار أيضًا، وأظهر مظهر يريدون أن يضربوه على المسلمين هو غطاء الرأس الذي يسمونه القبعة «البرنيطة» وتعللوا لها بالأعاليل والأباطيل، وأفتاهم بعض الكبراء المنتسبين إلى العلم أن لا بأس بها إذا أريد بها الوقاية من الشمس، وهم يأبون إلا أن يظهروا أنهم لا يريدون بها إلا الوقاية من الإسلام. فيصرح كتابهم ومفكروهم بأن هذا اللباس له أكبر

стр. 92

الأثر في تغيير الرأس الذي تحته ينقله من تفكير عربي ضيق إلى تفكير أفرنجي واسع. ثم أبى الله لهم إلا الخذلان، فتناقضوا ونقضوا ما قالوا من حجة الشمس إذ وجدوا أنهم لم يستطيعوا ضرب هذه الذلة على الأمة فنزعوا غطاء الرأس بمرة تكروا الطربوش وغيره ونسوا أن الشمس ستضرب رءوسهم مباشرة دون واسطة الطربوش ونسوا أنهم دعوا إلى القبعة وأنه لا وقاية لرءوسهم من الشمس إلا بها. ثم كان من بضع سنين أن خرج الجيش الإنجليزي المحتل للبلاد من القاهرة والإسكندرية بمظهره المعروف فما لبثنا أن رأيناهم ألبسوا الجيش المصري والشرطة المصرية قبعات كقبعات الإنجليز فلم تفقد الأمة في العاصمتين وفي داخل البلاد منظر جيش الاحتلال الذي ضرب الذلة على البلاد سبعين سنة فكأنهم لم يصبروا على أن يفقدوا مظهر الذل الذي ألفوه واستساغوه وربوا في أحضانه، وما رأيت مرة هذا المنظر البشع منظر جنودنا في زي أعدائنا وهيئتهم إلا تقززت نفسي وذكرت قول عميرة بن جعل الشاعر الجاهلي يذم قبيلة تغلب: إذا ارتحلوا عن دار ضيم تعاذلوا ... عليهم وردوا وفدهم يستقيلها انتهى كلامه رحمه الله تعالى. وما ذكره رحمه الله تعالى من تشبه الجيش المصري والشرطة المصرية بالجيش الإنجليزي ليس هو مما انفرد به المصريون بل قد شاركهم فيه كثير من المسلمين والمنتسبين إلى الإسلام فألبسوا جيوشهم وشرطهم مثل لباس الإفرنج ولم يبالوا بقول النبي ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم»، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 93

وهذا التشبه القبيح والانحراف عن زي المسلمين والتزيي بزي أعداء الله تعالى كله من آثار بطانة السوء كما في الحديث الصحيح عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه وبطانة تأمر بالشر وتحضه عليه فالمعصوم من عصم الله تعالى»، رواه البخاري والنسائي. ولهما أيضًا عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من وال إلا وله بطانتان بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر وبطانة لا تألوه خبالا فمن وقي شرها فقد وقي وهو من التي تغلب عليه منهما». هذا لفظ النسائي. وقد رواه الإمام أحمد بنحوه وعنده في آخره: «من وقي شر بطانة السوء فقد وقي - يقولها ثلاثًا - وهو مع الغالبة عليه منهما». وقد رواه البخاري في الأدب المفرد والترمذي والحاكم وفيه قصة لأبي الهيثم بن التيهان ﵁ وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، وقال الحاكم: صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه. وروى البخاري أيضًا والنسائي عن أبي أيوب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما بعث من نبي ولا كان بعده من خليفة إلا وله بطانتان بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر وبطانة لا تألوه خبالا فمن وقي بطانة السوء فقد وقي». هذا لفظ النسائي.

стр. 94

وإذا علم هذا فالواجب على المسلمين كافة أن يبعدوا كل البعد عن مشابهة أعداء الله تعالى والتزيي بزيهم في اللباس وغيره. ويجب على ولاة الأمور أن ينزعوا لباس الإفرنج عن جيوشهم وشرطهم ويلبسوهم لباس المسلمين. وينبغي لهم أن يحترزوا من شر بطانة السوء ممن يأمرهم بالمنكر ويحضهم عليه ويبعدوهم عنهم غاية البعد، والله المسئول أن يوفق ولاة أمور المسلمين لما فيه الخير والصلاح وأن يأخذ بنواصيهم إلى الحق إنه ولي ذلك والقادر عليه. فصل النوع الحادي عشر: من التشبه بأعداء الله تعالى تبرج النساء وخروجهن بالزينة إلى الأسواق وإبداء زينتهن للرجال الأجانب، وأقبح من ذلك سفور كثير منهن بين الرجال الأجانب في الأسواق وغير الأسواق. وأقبح من ذلك وأقبح لبس كثير منهن مثل لبس نساء الإفرنج قمصًا قصارًا لا تستر إلا من أعلى العضدين إلى أسفل الفخذين وباقي البدن بارز للناظرين. وهؤلاء ينطبق عليهن ما رواه الإمام أحمد ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا».

стр. 95

وما رواه الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سيكون في آخر أمتي رجال يركبون على سروج كأشباه الرحال ينزلون على أبواب المساجد نساؤهم كاسيات عاريات على رءوسهن كأسنمة البخت العجاف العنوهن فإنهن ملعونات لو كان وراءكم أمة من الأمم لخدمن نساؤكم نساءهم كما يخدمنكم نساء الأمم قبلكم». ورواه الطبراني وعنده في أوله: «سيكون في أمتي رجال يركبون نساءهم على سروج كأشباه الرحال». ورواه الحاكم في مستدركه ولفظه: «سيكون في آخر هذه الأمة رجال يركبون على المياثر حتى يأتوا أبواب مساجدهم نساؤهم كاسيات عاريات على رءوسهن كأسنمة البخت العجاف العنوهن فإنهن ملعونات لو كان وراءكم أمة من الأمم لخدمنهم كما خدمكم نساء الأمم قبلكم». فقلت لأبي وما المياثر؟ قال: سروج عظام، قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. قلت: والقائل لأبيه ما المياثر؟ هو عبد الله بن عياش القتباني أحد رواته. وفي هذين الحديثين علم من أعلام النبوة لأنه ﷺ أخبر بوجود النساء الكاسيات العاريات في آخر أمته فوقع الأمر طبق ما أخبر به صلوات الله وسلامه عليه. وقد جاءت الأخبار أيضا عن المتبرجات فيما رواه رزين عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كيف بكم إذا فسق فتيانكم وطغى نساؤكم؟».

стр. 96

وما رواه البخاري في تاريخه عن ابن عباس الحميري عن أبيه ﵁ عن النبي ﷺ قال: «كيف بكم إذا فسق نساؤكم؟». وقد نهى الله ﵎ عن التبرج فقال جل ذكره: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾، وقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فَرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿الْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ الآية. والتبرج هو إظهار المرأة زينتها ومحاسنها للرجال الأجانب. وهو على مراتب أقبحه ما تفعله نساء الإفرنج ومن يتشبه بهن من نساء المسلمين والمنتسبين إلى الإسلام من إبراز كثير من أجسادهن بحضرة الرجال الأجانب. وقد روى أبو نعيم في الحلية من طريق وكيع حدثنا سفيان الثوري عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «المختلعات والمتبرجات هن المنافقات». وروى الحافظ أبو يعلى عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ مثله. وروى البيهقي في سننه عن ابن أبي أذينة الصدفي مرسلاً. وعن سليمان بن يسار مرسلاً: «شر نسائكم المتبرجات المتخيلات وهن المنافقات لا يدخل الجنة منهن إلا مثل الغراب الأعصم».

стр. 97

والكلام في ذم التبرج مبسوط في كتابي المسمي: «بالصارم المشهور على أهل التبرج والسفور»، فليراجع هناك. وقد اعترف بعض عقلاء الإفرنج بما في سفور النساء وتبرجهن من المفاسد والمضرات. قال محمد رشيد رضا حدثني الأمير شكيب أرسلان في جنيف سويسرة عن طلعت باشا التركي أن عظيم الألمان لما زار الأستانة في أثناء الحرب ورأى النساء التركيات سافرات متبرجات عزله على ذلك وذكر له ما فيه من المفاسد الأدبية والمضار الاقتصادية التي تئن منها أوربا وتعجز عن تلافيها وقال له: إن لكم وقاية من ذلك كله ألا وهو الدين الإسلامي أفتزيلونها بأيدكم؟! قلت: وهذا الألماني أعقل من كثير من المنتسبين إلى الإسلام، وقد ذكرت في «الصارم المشهور» عن بعض عقلاء الإيطاليين نحو ذلك فليراجع. فصل النوع الثاني عشر: من التشبه بأعداء الله تعالى ما يفعله كثير من النساء من فرق شعر الرأس من جانبه وجمعه من ناحية القفا كما تفعله نساء الإفرنج، وقد جاء وصفهن بذلك في قوله ﷺ : «مميلات مائلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة»، وفي قوله أيضا على رءوسهن كأسنمة البخت العجاف، وقد فسر بعض العلماء قوله: «مميلات مائلات» بأنهن يمتشطن المشطة الميلاء وهي مشطة البغايا ويمشطن غيرهن تلك

стр. 98

المشطة، وهذه المشطة هي مشطة نساء الإفرنج ومن يحذو حذوهن من المتبرجات الكاسيات العاريات. فصل النوع الثالث عشر: من التشبه بأعداء الله تعالى تعقيد الخرق في رءوس البنات كأنها الزهر وهو من أفعال الإفرنج في زماننا وقد فشا ذلك في المسلمين تقليدًا منهم لأعداء الله تعالى واتباعًا لسننهم الذميمة. فصل النوع الرابع عشر: من التشبه بأعداء الله تعالى ما افتتن به كثير من النساء من لبس ملابس نساء الإفرنج وهي أنواع كثيرة. منها ما يبلغ إلى الركبتين ومنها ما هو فوق ذلك. فصل النوع الخامس عشر: من التشبه بأعداء الله تعالى اتخاذ الأواني كالصحاف والكئوس والملاعق، وغيرها من الذهب والفضة. والأكل والشرب فيها. فصل والنوع السادس عشر: لبس الرجال خواتم الذهب وتحليهم بساعات الذهب والفضة.

стр. 99

فصل و النوع السابع عشر: لبس الرجال ثياب الحرير والديباج وجلوسهم عليه . وقد فشت هذه المنكرات في زماننا ولا سيما في الكبراء والمترفين. والدليل على أن هذه الأفعال من التشبه المذموم ما في الصحيحين والمسند والسنن عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنهم كانوا عند حذيفة ﵁ فاستسقى فسقاه مجوسي فلما وضع القدح في يده رماه به وقال لولا أني نهيته غير مرة ولا مرتين كأنه يقول لم أفعل هذا، ولكني سمعت النبي ﷺ يقول: «لا تلبسوا الحرير ولا الديباج ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة» هذا لفظ البخاري في كتاب الأطعمة. ورواه في كتاب الأشربة من وجه آخر عن ابن أبي ليلى قال: كان حذيفة بالمدائن فاستسقى فأتاه دهقان بقدح فضة فرماه به فقال: إني لم أرمه إلا أني نهيته فلم ينته وإن النبي ﷺ : «نهانا عن الحرير والديباج والشرب في آنية الذهب والفضة وقال: هي لهم في الدنيا وهي لكم في الآخرة». ورواه أيضا في كتاب اللباس بنحوه، وقال فيه: قال رسول الله ﷺ : «الذهب والفضة والحرير والديباج هي لهم في الدنيا ولكم في الآخرة». وقد رواه الدارقطني في سننه ولفظه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: نزلت مع حذيفة على دهقان فأتانا بطعام فطعمنا فدعا حذيفة بشراب فأتاه بشراب في إناء من فضة فأخذ الإناء فضرب به وجهه فساء بالذي صنع به فقال: هل تدرون لم صنعت هذا؟ قلنا: لا قال: نزلنا به في العام

стр. 100

الماضي فأتاني بشراب فيه فأخبرته أن النبي ﷺ : «نهانا أن نأكل في آنية الذهب والفضة وأن نشرب فيهما ولا نلبس الحرير ولا الديباج فإنهما للمشركين في الدنيا وهما لنا في الآخرة». وعلة النهي عما ذكر في هذا الحديث ظاهرة وهي مشابهة الكفار ولهذا قال النبي ﷺ فإنها لهم في الدنيا. قال الإسماعيلي: ليس المراد بقوله في الدنيا إباحة استعمالهم إياه وإنما المعنى بقوله لهم أي هم الذين يستعملونه مخالفة لزي المسلمين. وقال النووي ليس في الحديث حجة لمن يقول: الكفار غير مخاطبين بالفروع؛ لأنه لم يصرح فيه بإباحته لهم وإنما أخبر عن الواقع في العادة أنهم هم الذين يستعملونه في الدنيا وإن كان حرامًا عليهم كما هو حرام على المسلمين انتهى. وقد ورد النهي عن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة في عدة أحاديث عن النبي ﷺ . منها حديث حذيفة المتفق على صحته وقد تقدم ذكره. وقد رواه البخاري في باب افتراش الحرير بلفظ: «نهانا النبي ﷺ أن نشرب في آنية الذهب والفضة وأن نأكل فيها وعن لبس الحرير والديباج وأن نجلس عليه»، ورواه الدارقطني في باب الأطعمة من سننه بنحوه. ومنها ما رواه الدارقطني أيضًا عن أبي بردة قال: انطلقت أنا وأبي إلى علي بن أبي طالب ﵁ فقال لنا: إن رسول الله ﷺ : «نهى عن آنية الذهب والفضة أن يشرب فيها وأن يؤكل فيها ونهى عن القسي والميثرة وعن ثياب الحرير وخاتم الذهب».

стр. 101

ومنها ما رواه الطبراني في الكبير عن معاوية ﵁ أن النبي ﷺ : «نهى عن الشرب في آنية الذهب والفضة ونهى عن لبس الذهب والحرير ونهى عن جلود النمور أن يركب عليها ونهى عن المتعة ونهى عن تشييد البناء». ومنها ما رواه النسائي عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ : «نهى عن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة». ومنها ما في الصحيحين وغيرهما عن البراء بن عازب ﵄ قال: «أمرنا رسول الله ﷺ بسبع ونهانا عن سبع - فذكر السبع الأول ثم قال- ونهانا عن خواتيم الذهب وعن الشرب في الفضة أو قال: أنية الفضة وعن المياثر والقسي وعن لبس الحرير والديباج والاستبرق». وفي رواية لمسلم: «وعن الشرب في الفضة فإنه من شرب فيها في الدنيا لم يشرب فيها في الآخرة». إذا علم هذا فالصحيح من قولي العلماء أن نهي النبي ﷺ على التحريم إلا ما عرفت إباحته، وقد نقل هذا عن مالك والشافعي وهو قول الجمهور واختاره البخاري ﵀، قال في آخر كتاب الاعتصام من صحيحه باب نهي النبي ﷺ على التحريم إلا ما تعرف إباحته، قال الحافظ ابن حجر: أي بدلالة السياق أو قرينة الحال، أو قيام الدليل على ذلك. انتهى. وقد ورد الوعيد الشديد على الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة والوعيد الشديد على الشيء يقتضي تحريمه بل يدل على أنه من الكبائر.

стр. 102

ففي الصحيحين والموطأ ومسندي الشافعي وأحمد وسنن ابن ماجه عن أم سلمة زوج النبي ﷺ ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «الذي يشرب في إناء الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم». وقد رواه أبو داود الطيالسي في مسنده بنحوه. وفي رواية لمسلم: «إن الذي يأكل أو يشرب في آنية الفضة والذهب». وفي رواية له أخرى: «من شرب في إناء من ذهب أو فضة فإنما يجرجر في بطنه نارًا من جهنم». ورواه الطبراني في الكبير بنحوه وزاد إلا أن يتوب. وفي المسند وسنن ابن ماجه عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: «من شرب في إناء فضة فكأنما يجرجر في بطنه نار جهنم». وروى الطبراني في الصغير عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم». وروى الدارقطني وحسنه والطبراني والبيهقي عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «من شرب في إناء ذهب أو فضة أو إناء فيه شيء من ذلك فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم» هذا لفظ الدارقطني. وروى الحاكم في مستدركه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «والذي بعثني بالحق لا تنقضي هذه الدنيا حتى يقع بهم الخسف والمسخ والقذف قال: ومتى ذلك يا نبي الله بأبي أنت وأمي؟ قال: إذا رأيت النساء قد ركبن السروج وكثرت القينات وشهد شهادات الزور

стр. 103

وشرب المسلمون في آنية أهل الشرك الذهب والفضة واستغنى الرجال بالرجال والنساء بالنساء فاستدفروا واستعدوا» وقال: هكذا بيده وستر وجهه. وروى الحاكم أيضا عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة ومن شرب الخمر في الدنيا لم يشربه في الآخرة. ومن شرب في آنية الذهب والفضة في الدنيا لم يشرب بها في الآخرة. ثم قال: لباس أهل الجنة وشراب أهل الجنة وآنية أهل الجنة». قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه. وروى الطبراني في الصغير وأبو نعيم في الحلية عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من لبس الحرير وشرب في الفضة فليس منا». قال ابن مفلح في الفروع: هذه الصيغة تقتضي عند أصحابنا التحريم. وقال الحافظ ابن حجر في الكلام على حديث حذيفة وأم سلمة والبراء ﵃، في هذه الأحاديث تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة على كل مكلف رجلا كان أو امرأة ولا يلتحق ذلك بالحلي للنساء؛ لأنه ليس من التزين الذي أبيح لها في شيء. قال القرطبي وغيره في الحديث تحريم استعمال أواني الذهب والفضة في الأكل والشرب. ويلحق بهما ما في معناهما مثل التطيب والتكحل وسائر وجوه الاستعمالات، وبهذا قال الجمهور.

стр. 104

قلت: وقد ذكر شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى عن الحنفية أنهم قالوا: لا يجوز الأكل والشرب والادهان والتطيب في آنية الذهب والفضة للرجال والنساء للنصوص، ولأنه تشبه بزي المشركين وتنعم بتنعم المترفين والمسرفين انتهى. وقال الحافظ ابن حجر أيضا نقل ابن المنذر الإجماع على تحريم الشرب في آنية الذهب والفضة إلا عن معاوية بن قرة أحد التابعين فكأنه لم يبلغه النهي عن الشافعي في القديم ونص في الجديد على التحريم ومن أصحابه من قطع به عنه وهذا اللائق به لثبوت الوعيد عليه بالنار. وذكر الحافظ أيضا أن الشافعي نص على تحريم اتخاذ الإناء من الذهب أو الفضة. قال الحافظ: وإذا حرم الاتخاذ فتحريم الاستعمال أولى. وقال الحافظ أيضا اختلف في اتخاذ الأواني دون استعمالها والأشهر المنع وهو قول الجمهور ورخصت فيه طائفة وهو مبني على العلة في منع الاستعمال انتهى. وقد ذكر العلماء لمنع الاستعمال عللاً كثيرةً ومن أقواها علتان: كل واحدة منهما تفيد تحريم الاتخاذ من غير استعمال؛ لأن المعنى الذي حرم الاستعمال من أجله موجود في الاتخاذ أيضا فكان حكمه حكم الاستعمال، ولأن الاتخاذ وسيلة في الاستعمال والوسائل لها حكم المقاصد. العلة الأولى: السرف والخيلاء وكسر قلوب الفقراء وهذه العلة هي المشهورة عند كثير من الفقهاء من الحنابلة وغيرهم.

стр. 105

قال الشيخ أبو محمد المقدسي رحمه الله تعالى في المغني ويحرم اتخاذ الآنية من الذهب والفضة واستصناعها؛ لأن ما حرم استعماله حرم اتخاذه على هيئة الاستعمال كالطنبور والمزمار ويستوي في ذلك الرجال والنساء لعموم الحديث. قلت: يعني بذلك حديث حذيفة وحديث أم سلمة. قال: ولأن علة تحريمها السرف والخيلاء وكسر قلوب الفقراء وهذا معنى يشمل الفريقين وإنما أبيح للنساء التحلي للحاجة إلى التزين للأزواج فتختص الإباحة به دون غيره. انتهى. العلة الثانية التشبه بالكفار كما يفيد ظاهر حديث حذيفة ﵁ الذي تقدم في أول الفصل والتشبه بالكفار حرام لحديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس منا من تشبه بغيرنا»، رواه الترمذي. ولحديث عبد الله بن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم». قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: هذا الحديث أقل أحواله أنه يقتضي تحريم التشبه بهم وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم كما في قوله: ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾ انتهى. وهذه العلة أقوى من الأولى لحديث حذيفة المتقدم في أول الفصل. ولما روى الخلال بإسناده عن محمد بن سيرين أن حذيفة ﵁ أتى بيتا فرأى فيه شيئًا من زي العجم فلم يدخله، وقال: «من تشبه بقوم فهو منهم».

стр. 106

وقال المروذي في كتاب الورع: قرئ على أبي عبد الله أحمد بن حنبل وأنا أسمع عن يحيى بن سعيد عن أبي عبيدة قال: دعي حذيفة ﵁ إلى شيء قال: فرأى شيئا من زي الأعاجم قال: فخرج وقال: «من تشبه بقوم فهو منهم»، فهذا المروي عن حذيفة ﵁ يؤيد القول بأن علة المنع التشبه بالكفار ويفيد بظاهره أنه لا فرق بين الاتخاذ للاستعمال وبين الاتخاذ للزينة من غير استعمال. وقد روي عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى نحو ذلك فذكر القاضي أبو الحسين في الطبقات في ترجمة علي بن أبي صبح السواق قال: كنا في وليمة فجاء أحمد بن حنبل فنظر إلى كرسي في الدار عليه فضة فخرج فلحقه صاحب المنزل فنفض يده في وجهه وقال زي المجوس زي المجوس وخرج. وقال صالح بن أحمد كان رجل يختلف مع خلف المخرمي إلى عفان يقال له أحمد بن الحكيم العطار فختن بعض ولده فدعا يحيى وأبا خيثمة وجماعة من أصحاب الحديث وطلب أبي أن يحضر فمضوا ومضى أبي وأنا معه فلما دخل أجلس في بيت ومعه جماعة من أصحاب الحديث ممن كان يختلف معه إلى عفان فكان فيهم رجل يكنى بأبي بكر يعرف بالأحول فقال له: يا أبا عبد الله ههنا آنية الفضة فالتفت فإذا كرسي فقام وخرج وتبعه من كان في البيت وسأل من كان في الدار عن خروجه فأخبروا فتبعه منهم جماعة وأخبر الرجل فخرج فلحق أبي فحلف له أنه ما علم بذلك ولا أمر به وجاء يطلب إليه فأبى وجاء الرجل عفان فقال له الرجل: يا أبا عثمان اطلب إلى أبي عبد الله يرجع فكلمه عفان فأبى أن يرجع ونزل بالرجل أمر عظيم رواه أبو نعيم في الحلية.

стр. 107

وقال أحمد رحمه الله تعالى في رواية صالح إذا كان في الدعوة مسكر أو شيء من منكر آنية المجوس الذهب والفضة أو ستر الجدران بالثياب خرج ولم يطعم. وقال المروذي: قلت لأبي عبد الله فالرجل يدعى فيرى مكحلة رأسها مفضض قال: هذا يستعمل وكل ما استعمل فاخرج منه إنما رخص في الضبة أو نحوها. وهذه الرواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى تفيد أن كل ما صلح للاستعمال من آنية وآلة وغيرهما فاتخاذه من الذهب والفضة لا يجوز وينكر على متخذه ولا تجاب دعوته. ومن لم يعلم به إلا بعد ما دخل دار متخذه فإنه يخرج ولا يطعم. ويستثنى من ذلك خاتم الفضة وقبيعة السيف منها وحلية المنطقة ونحو ذلك مما رخص فيه. وقال المروذي أيضًا قلت لأبي عبد الله دخلت على رجل فأتى بمكحلة رأسها مفضض فقطعتها فأعجبه ذلك فتبسم وأنكر على صاحبها. وقال أيضا: قيل لأبي عبد الله إن رجلاً دعا قوما فجيء بطشت فضة أو إبريق فكسر، فأعجب أبا عبد الله كسره، قلت لأبي عبد الله: فإن وقع إلي إبريق لأبيعه ترى أن أكسره أو أبيعه كما هو؟ قال: اكسره، وقال أيضا سألت أبا عبد الله عن إبريق فضة يباع؟ قال: لا حتى يكسر. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ووجه ذلك أن الصناعة محرمة فلا

стр. 108

قيمة لها ولا حرمة وأيضًا فتعطيل هذه الهيئة مطلوب فهو بذلك محسن وما على المحسنين من سبيل انتهى. وعلى هذه الروايات عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى يخرج الحكم في الصناديق والساعات والأقلام المتخذة من الذهب أو الفضة وفيما سوى ذلك من الأواني والآلات المتخذة منهما فكل ما صلح من ذلك للاستعمال لم يجز اتخاذه لا للذكور ولا للإناث ويكسر إذا أمكن كسره وينكر على متخذه ولا تجاب دعوته. ويستثنى من ذلك الساعات في حق النساء إذا كن يتحلين بها. والعلة في المنع من اتخاذ ما ذكر هي مشابهة الكفار كما علل بذلك حذيفة ﵁ فيما رواه المروذي والخلال عنه وتقدم ذكره. وكما علل بذلك الإمام أحمد رحمه الله تعالى فيما تقدم ذكره في رواية السواق ورواية صالح. وروي عن الشافعي وغيره أنهم عللوا بذلك في أواني الذهب والفضة. وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: كان العلماء يجعلون اتخاذ الحرير وأواني الذهب والفضة تشبها بالكفار ثم ذكر بعض ما ذكرته عن حذيفة وأحمد، والأصل في ذلك ما تقدم من حديث حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الذهب والفضة والحرير والديباج هي لهم في الدنيا ولكم في الآخرة». فأفاد هذا الحديث الصحيح أن من استعمل ما لا يجوز له استعماله من الذهب أو الفضة أو اتخذ ذلك عنده فقد تشبه بأعداء الله تعالى ومن تشبه بقوم فهو منهم.

стр. 109

فصل وأما تختم الذكور بخواتم الذهب فقد ورد التصريح بتحريمه في عدة أحاديث وورد النهي عنه في أحاديث أخر والنهي يقتضي التحريم كما تقدم تقرير ذلك قريبًا، وورد أيضا التغليظ فيه والكراهة الشديدة له وهجر متخذه والإنكار عليه وذلك يقتضي التحريم أيضًا، فأما الأحاديث المصرحة بتحريمه. فالأول منها: عن أبي موسى ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أحل الذهب والحرير لإناث أمتي وحرم على ذكورها»، رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي والترمذي والنسائي وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. الحديث الثاني عن علي بن أبي طالب ﵁ أن نبي الله ﷺ أخذ حريرًا فجعله في يمينه وأخذ ذهبا فجعله في شماله ثم قال: «إن هذين حرام على ذكور أمتي»، رواه الإمام أحمد وأهل السنن إلا الترمذي وصححه ابن حبان، وزاد ابن ماجه في روايته: «حل لإناثهم». الحديث الثالث عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وفي إحدى يديه ثوب من حرير وفي الأخرى ذهب فقال: «إن هذين محرم على ذكور أمتي حل لإناثهم» رواه أبو داود الطيالسي وابن ماجه. الحديث الرابع عن عمر ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يديه صرتان إحداهما من ذهب والأخرى من حرير فقال: «هذان حرام على الذكور من أمتي حلال للإناث» رواه الطبراني.

стр. 110

الحديث الخامس عن مسلمة بن مخلد أنه قال لعقبة بن عامر ﵁ قم فحدث بما سمعت من رسول الله ﷺ فقال: سمعته يقول: «الذهب والحرير حرام على ذكور أمتي حل لإناثهم» رواه الإمام أحمد. الحديث السادس عن زيد بن أرقم ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الذهب والحرير حل لإناث أمتي وحرام على ذكورها»، رواه الإمام أحمد والطبراني. الحديث السابع عن واثلة بن الأسقع ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الذهب والحرير حل لإناث أمتي وحرام على ذكورها» رواه الطبراني. وأما الأحاديث في نهي الرجال عن التختم بالذهب. فالأول منها عن البراء بن عازب ﵄ قال: «نهانا رسول الله ﷺ عن سبع: نهى عن خاتم الذهب أو قال حلقة الذهب»، الحديث متفق عليه. الحديث الثاني عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه «نهى عن ختم الذهب» متفق عليه. الحديث الثالث: عن علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول الله ﷺ : «نهى عن لبس القسي والمعصفر وعن تختم الذهب وعن قراءة القرآن في الركوع»، رواه مالك وأحمد وأبو داود الطيالسي ومسلم وأهل السنن، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
следующие страницы →