Полный текст (279 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وظاهر الرواية الأولى أنه لا يجوز تشييد المساجد وتضخيم بنائها لأن النفقة في ذلك من التبذير والسرف المذموم.
والأصل في هذا ما تقدم عن النبي ﷺ من قوله وفعله.
وما تقدم عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وعن غيره من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين فهؤلاء هم القدوة وفيهم الأسوة الحسنة.
وأما التشييد والزخرفة فهما من أفعال اليهود والنصارى وقد قال النبي ﷺ : «من رغب عن سنتي فليس مني» أخرجاه في الصحيحين من حديث أنس ﵁. وقال ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم» رواه الإمام أحمد وأبو داود من حديث ابن عمر ﵄ وصححه ابن حبان وغيره.
فصل
النوع الحادي والعشرون: من التشبه بأعداء الله تعالى ترك الصلاة في النعال والخفاف بالكلية لما رواه أبو داود والبيهقي في سننيهما والحاكم في مستدركه عن شداد بن أوس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم».
ورواه الطبراني في معجمه الكبير ولفظه: «صلوا في نعالكم ولا تشبهوا باليهود» قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وفي هذا الحديث رد على الموسوسين الذين لا يصلون في النعال ولا في الخفاف ولا يدخلون المساجد فيها إما بالكلية كما في بعض
стр. 177
الأماكن وإما إلى موضع الصلاة كما في أماكن أخر، وهذا من الغلو والتعمق والرغبة عما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ فإنهم كانوا يدخلون المساجد في النعال والخفاف ويصلون فيها كما في الصحيحين عن أبي مسلمة سعيد بن يزيد الأزدي قال: سألت أنس بن مالك ﵁ أكان النبي ﷺ يصلي في نعليه؟ قال: نعم ورواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي والدارمي والترمذي والنسائي وقال الترمذي: حديث حسن صحيح والعمل على هذا عند أهل العلم. قال: وفي الباب عن عبد الله بن مسعود وعبد الله بن أبي حبيبة وعبد الله بن عمرو وعمرو بن حريث وشداد بن أوس وأوس الثقفي وأبي هريرة وعطاء رجل من بني شيبة.
وفي الصحيحين أيضًا عن همام بن الحارث قال: رأيت جرير بن عبد الله ﵁ بال ثم توضأ ومسح على خفيه ثم قام فصلى فسئل فقال رأيت النبي ﷺ صنع مثل هذا. هذا لفظ البخاري.
وفي الصحيحين أيضًا عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: وضأت النبي ﷺ فمسح على خفيه وصلى. هذا لفظ البخاري.
وقال أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا شعبة عن النعمان بن سالم عن ابن أوس وكان أوس -يعني ابن حذيفة الثقفي- جده قال: أشار إلي جدي أن أناوله نعليه وهو يصلي فناولته فلبسهما وهو يصلي فلما صلى قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلي في نعليه. إسناده صحيح على شرط مسلم وقد رواه ابن ماجه في سننه عن أبي بكر بن أبي شيبة حدثنا غندر عن شعبة فذكره بنحوه.
стр. 178
وروى ابن ماجه أيضًا عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لقد رأينا رسول الله ﷺ يصلي في النعلين والخفين.
وقد رواه الإمام أحمد في مسنده وفيه قصة وهي أن عبد الله بن مسعود ﵁ أتى أبا موسى الأشعري في منزله فحضرت الصلاة فقال أبو موسى: تقدم يا أبا عبد الرحمن فإنك أقدم سنًا وأعلم قال: لا بل تقدم أنت فإنما أتيناك في منزلك ومسجدك فأنت أحق قال فتقدم أبو موسى فخلع نعليه فلما سلم قال: ما أردت إلى خلعهما أبالوادي المقدس أنت لقد رأيت رسول الله ﷺ يصلي في الخفين والنعلين.
وفي المسند أيضًا وسنني أبي داود وابن ماجه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلي حافيًا ومنتعلاً.
في المسند أيضًا عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يصلي قائمًا وقاعدًا وحافيًا ومنتعلاً.
وروى أبو نعيم في «الحلية» من حديث مكحول عن مسروق عن عائشة ﵂ قالت: رأيت رسول الله ﷺ يصلي حافيًا ومنتعلاً وينصرف عن يمنه وعن شماله.
وفي سنن أبي داود عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بينما النبي ﷺ يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره فلما رأى النبي القوم ألقوا نعالهم فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال: «ما حملكم على إلقائكم نعالكم»؟ قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا فقال رسول الله ﷺ : «إن جبريل ﵇ أتاني فأخبرني أن فيهما قذرًا -وقال-
стр. 179
إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذرا أو أذى فليمسحه وليصل فيهما» ورواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي والدارمي والحاكم بنحوه. وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وروى رزين عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يصلي بنعليه وفيهما قذر فأخبره جبريل فحذفهما وأتم صلاته.
وفي مستدرك الحاكم عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ لم يخلع نعليه في الصلاة قط إلا مرة واحدة خلع فخلع الناس فقال: «مالكم»؟ قالوا: خلعت فخلعنا فقال: «إن جبريل أخبرني أن فيهما قذرًا أو أذى» قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وفي سنن الدارقطني عن ابن عباس ﵄. ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ قال: الصلاة في النعلين وقد صلى رسول الله ﷺ في نعليه فخلعهما فخلع الناس فلما قضى الصلاة قال: «لم خلعتم نعالكم»؟ قالوا: رأيناك خلعت فخلعنا قال: «إن جبريل ﵇ أتاني فقال إن فيهما دم حلمة».
فهذا ما تيسر إيراده من الأحاديث الدالة على أن الصلاة في النعال والخفاف سنة عن رسول الله ﷺ أمر بها وفعلها هو وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين ولهذا لما قيل للإمام أحمد رحمه الله تعالى: أيصلي الرجل في نعليه؟ قال: إي والله، فأما الصلاة في الخفاف فلا يزال العمل بها باقيًا في كثير من البلاد الإسلامية حتى الآن.
стр. 180
وأما الصلاة في النعال فقد عفى أثرها في هذه الأزمان حتى صارت في بعض الأماكن من قبيل البدع ومنكرات الأفعال. وبعض المنتسبين إلى الإسلام ينكرون الصلاة في النعال والخفاف معًا.
ولما ذكر بعض أهل السنة لبعض المنتسبين إلى العلم من أولئك ما هم عليه من البدع والمنكرات قال له: وأنتم تفعلون أمرا منكرًا وهو الصلاة في الخفاف.
قلت: وهذا دليل على استحكام غربة الدين في زماننا حتى عاد المعروف عند الأكثرين منكرًا والمنكر معروفًا والسنة بدعة والبدعة سنة.
ومن غلو الموسوسين وتعمقهم أنهم يمنعون غيرهم من دخول المساجد في النعال والخفاف وينكرون ذلك عليهم أشد الإنكار ولو رأوا أحدًا يدخل المساجد في نعليه أو خفيه لاستعظموا ذلك واشتد إنكارهم على فاعله وإنما يحملهم على هذا جهلهم بالسنة وما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين من التيسير وترك التعسير.
وحجة الموسوسين على المنع من دخول المساجد بالنعال والخفاف أنها مظنة للتلوث بالنجاسة. وقد جاءت السنة بكشف هذه الشبهة كما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول لله ﷺ قال: «إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذرا أو أذى فليمسحه وليصل فيهما» رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي والدارمي وأبو داود السجستاني والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وفي سنن أبي داود ومستدرك الحاكم أيضا عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا وطئ أحدكم بنعله الأذى فإن التراب له
стр. 181
طهور». قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وأقره الذهبي في تلخيصه. وفي رواية لأبي داود: «إذا وطئ الأذى بخفيه فطهورهما التراب» وله أيضًا عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ نحوه.
فصل
النوع الثاني والعشرون: من التشبه بأعداء الله تعالى استقذار الأكل بالأيدي واعتياد الأكل بالملاعق ونحوها من غير ضرر بالأيدي وكذلك الجلوس للطعام على الكراسي ونحوها مما يتكئ الجالس عليه ويتمكن في جلوسه. وكذلك ترتيب سماطات الطعام وأوانيه على الزي الإفرنجي وكل هذا مخالف لهدي رسول الله ﷺ الذي هو أكمل الهدي على الإطلاق.
فأما هديه ﷺ في الأكل فقد كان يأكل بثلاث أصابع ويلعقها إذا فرغ.
كما في المسند وصحيح مسلم وسنني أبي داود والدارمي عن كعب ابن مالك ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يأكل بثلاث أصابع ويلعق يده قبل أن يمسحها»، وفي رواية لمسلم: «كان يأكل بثلاثة أصابع فإذا فرغ لعقها»، ورواه الدارمي أيضًا بنحوه.
وفي المسند وصحيح مسلم وسنن أبي داود وجامع الترمذي عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ «كان إذا أكل طعامًا لعق أصابعه الثلاث» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
стр. 182
ورواه الدارمي في سننه ولفظه عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا أكل أحدكم فليلعق أصابعه الثلاث» إسناده صحيح على شرط مسلم.
وقد أمر رسول الله ﷺ بلعق الأصابع والصحفة ورغب في ذلك كما في الصحيحين والمسند وسنن أبي داود وابن ماجه والدارمي عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أكل أحدكم طعامًا فلا يمسح يده حتى يَلعقها أو يُلعقها».
وفي رواية لأحمد: «إذا أكل أحدكم فلا يمسح يده بالمنديل حتى يلعقها أو يلعقها» ورواه أبو داود بنحوه.
قال الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على المسند: هذا الحديث مما يتحدث فيه المترفون المتمدنون عبيد أوروبا في بلادنا يستنكرونه والمؤدب منهم من يزعم أنه حديث مكذوب لأنه لا يعجبه ولا يوافق مزاجه فهم يستقذرون الأكل بالأيدي وهي آلة الطعام التي خلقها الله وهي التي يثق الآكل بنظافتها وطهارتها إذا كان نظيفًا طاهرًا كنظافة المؤمنين.
أما الآلات المصطنعة للطعام فهيهات أن يطمئن الآكل إلى نقائها إلا أن يتولى غسلها بيده فأيهما أنقى؟ ثم ماذا في أن يلعق أصابعه غيره إذا كان من أهله أو ممن يتصل به ويخالطه إذا وثق كل منهما من نظافة صاحبه وطهره ومن أنه ليس به مرض يخشى أو يستقذر انتهى كلامه.
وفي المسند وصحيح مسلم عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ -
стр. 183
أمر بلعق الأصابع والصحفة وقال: «إنكم لا تدرون في أي طعمكم البركة».
وفي رواية لأحمد: «ولا يرفع الصحفة حتى يلعقها أو يلعقها فإن آخر الطعام فيه البركة».
وفي رواية لمسلم: «إذا وقعت لقمة أحدكم فليأخذها فليمط ما كان بها من أذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه فإنه لا يدري في أي طعامه البركة».
وفي رواية له: «ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعقها أو يلعقها» وفي رواية له أخرى: «إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه حتى يحضره عند طعامه فإذا سقطت من أحدكم اللقمة فليمط ما كان بها من أذى ثم ليأكلها ولا يدعها للشيطان فإذا فرغ فليلعق أصابعه فإنه لا يدري في أي طعامه تكون البركة» وقد رواه الترمذي وابن ماجه بنحوه مختصرًا.
وفي المسند وصحيح مسلم وسنن أبي داود وجامع الترمذي عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا سقطت لقمة أحدكم فليمط عنها الأذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان» وأمرنا أن نسلت القصعة قال: «فإنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وقد رواه الدارمي في سننه مختصرا ولفظه قال رسول الله ﷺ : «إذا سقطت لقمة أحدكم فليمسح عنها التراب وليسم الله وليأكلها» إسناده صحيح على شرط مسلم.
стр. 184
وفي المسند وصحيح مسلم وجامع الترمذي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا أكل أحدكم فليلعق أصابعه لا يدري في أيتهن البركة».
وفي رواية لمسلم: «وليسلت أحدكم الصحفة».
وفي المسند وجامع الترمذي وسنني ابن ماجه والدارمي وتاريخ البخاري عن نبيشة الخير مولى رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: «من أكل في قصعة ثم لحسها استغفرت له القصعة» قال الترمذي: هذا حديث غريب.
وفي سنن الدارمي عن الحسن قال: كان معقل بن يسار ﵁ يتغدى فسقطت لقمته فأخذها فأماط ما بها من أذى ثم أكلها فجعل أولئك الدهاقين يتغامزون به فقالوا له: ما ترى ما يقول هؤلاء الأعاجم يقولون: انظروا إلى ما بين يديه من الطعام وإلى ما يصنع بهذه اللقمة فقال: إني لم أكن لأدع ما سمعت لقول هؤلاء الأعاجم: «إنا كنا نؤمر إذا سقطت من أحدنا لقمة أن يميط ما بها من الأذى وأن يأكلها» إسناده صحيح على شرط مسلم.
وقد رواه ابن ماجه في سننه بنحوه وعنده قال: إني لم أكن لأدع ما سمعت من رسول الله ﷺ لهذه الأعاجم «إنا كنا نأمر أحدنا إذا سقطت لقمته أن يأخذها فيميط ما كان فيها من أذى ويأكلها ولا يدعها للشيطان» إسناده صحيح على شرط مسلم.
وقد اشتملت هذه الأحاديث على عدة فوائد وآداب من آداب الأكل:
стр. 185
الأولى: مشروعية الأكل باليد بخلاف ما عليه المتشبهون بالإفرنج وأضرابهم من الأكل بالملاعق واستقذار الأكل بالأيدي. وفعل أعداء الله وأشباههم أولى بالاستقذار من فعل المسلمين. وذلك أن أحدهم يدخل الملعقة أو بعضها في فيه ثم يخرجها وقد علق اللعاب بها فيغمسها في الطعام بما علق بها ثم يدخلها في فيه مرة أخرى وهكذا يفعل إلى أن يفرغ من أكله وأما الأصابع فإن الآكل بها لا يدخلها في فيه وإنما يدخل اللقمة فقط وتكون الأصابع من خارج فيه فلا يعلق بها اللعاب كما يعلق بالمعلقة.
والقول في أكل اللحم بالأشواك التي أحدثها أهل المدينة من الإفرنج ومن يتشبه بهم كالقول في الأكل بالملاعق سواء فكلاهما أولى بالاستقذار من الأكل بالأيدي. والأكل بهما خلاف هدي رسول الله ﷺ الذي هو الغاية في النظافة والنزاهة والبعد عما يكره ويستقذر.
وقد أجاز بعض الفقهاء الأكل بالملاعق وبعضهم كره ذلك قال الآمدي السنة أن يأكل بيده ولا يأكل بملعقة ولا غيرها ومن أكل بملعقة وغيرها أخل بالمستحب وجاز.
وقال الحجاوي في الإقناع: ولا بأس أن يأكل بمعلقة قال البهوتي في شرحه ربما يؤخذ من قول الإمام أكره كل محدث كراهيتها.
قلت: والصحيح أن الأكل بالملاعق مكروه لأنه من فعل الجبابرة والمترفين ومن فعل طوائف الإفرنج وأشباههم من الكفرة. فأما إن كان في اليد ضرر يمنع من الأكل بها أو كان الطعام لينا جدا بحيث لا تمسكه اليد فلا كراهة في الأكل بالملعقة حينئذ والله أعلم.
стр. 186
الثانية: استحباب الأكل بثلاث أصابع قال النووي: ولا يضم إليها الرابعة والخامسة إلا لعذر بأن يكون مرقا وغيره مما لا يمكن بثلاث وغيره ذلك من الأعذار انتهى.
الثالثة: استحباب لعق الأصابع والصحفة بعد الطعام ليحصل للآكل ما في الطعام من البركة. ولعق الصحفة ولحسها هو سلتها بالإصبع ولعق ما يعلق بالإصبع منها كما هو معروف ومعمول به عن المتمسكين بالسنة.
قال الخطابي: سلت الصحفة تتبع ما يبقى فيها من الطعام ومسحها بالإصبع ونحوه وقد بين النبي ﷺ العلة في لعق الأصابع وسلت الصحفة وهو قوله فإنه لا يدري في أي طعامه يبارك له يقول لعل البركة فيما علق بالأصابع والصحفة من لطخ ذلك الطعام.
وقد عابه قوم أفسد عقولهم الترفه وغير طباعهم الشبع والتخمة وزعموا أن لعق الأصابع مستقبح أو مستقذر كأنهم لم يعلموا أن الذي علق بالإصبع أو الصحفة جزء من أجزاء الطعام الذي أكلوه وازدردوه فإذا لم يكن سائر أجزاءه المأكولة مستقذرا لم يكن هذا الجزء اليسير منه الباقي في الصحفة واللاصق بالأصابع مستقذرا كذلك.
وإذا ثبت هذا فليس بعده شيء أكثر من مسه أصابعه بباطن شفتيه وهو ما لا يعلم عاقل به بأسا إذا كان الماس ولممسوس جميعا طاهرين نظيفين وقد يتمضمض الإنسان فيدخل إصبعه في فيه فيدلك أسنانه وباطن فمه فلم ير أحد ممن يعقل أنه قذارة أو سوء أدب فكذلك هذا لا فرق بينهما في منظر حس ولا مخبر عقل انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
стр. 187
وههنا أمر ينبغي التنبيه عليه وهو أنه إذا اجتمع على الأكل من الصحفة اثنان فأكثر فكل يلعق ما يليه منها ولا يعاب على من لم يلعق ما يلي غيره.
الفائدة الرابعة: استحباب أكل اللقمة الساقطة بعد إماطة ما علق بها من أذى قال النووي هذا إذا لم تقع على موضع نجس فإن وقعت على موضع نجس تنجست ولابد من غسلها إن أمكن فإذا تعذر أطعمها حيوانًا ولا يتركها للشيطان انتهى.
وما تضمنته هذه الفوائد فكله مستقبح ومستقذر عند أهل المدينة الإفرنجية ومن يتشبه بهم من جهال المسلمين وسفهائهم الذين هم اتباع كل ناعق فهم يستقذرون الأكل باليد ويستقذرون لعقها ويستقذرون لعق الصحفة ويستقذرون أكل اللقمة الساقطة. وهؤلاء عن سنن الأكل وآدابه بمعزل وقد قال النبي ﷺ : «من رغب عن سنتي فليس مني» متفق عليه من حديث أنس ﵁.
وكثير من المتشبهين بأعداء الله تعالى لم يقفوا عند حد الاستقباح والاستقذار للعمل بالسنة الثابتة في لعق الأصابع والصحفة بل أقدموا على إنكار الأحاديث الواردة في ذلك وزعموا أنها مكذوبة.
وقد تقدم ما ذكره الشيخ أحمد محمد شاكر عنهم. وهذا جراءة منهم قبيحة وكفى بذلك خذلانا لهم إذ قد جمعوا بين ثلاثة أمور منكرة:
أولها: الرغبة عن سنة رسول الله ﷺ .
وثانيها: التشبه بأعداء الله تعالى.
وثالثها: إنكار الأحاديث الصحيحة بمجرد الهوى والتشهي والاتباع
стр. 188
لأعداء الله تعالى وأعداء رسوله ﷺ وأعداء المؤمنين وما أشبه هؤلاء بالذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
الفائدة الخامسة: إثبات وجود الشياطين وأنهم يأكلون. وفي ذلك رد على من أنكر وجودهم كالفلاسفة ومن نحا نحوهم من ملاحدة الإفرنج وزنادقة هذه الأمة وما أكثرهم في زماننا لاكثرهم الله.
السادسة: جواز مسح اليد بالمنديل ونحوه بعد لعقها.
السابعة: استغفار القصعة لمن لحسها إن صح الحديث بذلك. وهذا مما لا ينكره مسلم. ونظير ذلك حنين الجذع اليابس شوقًا إلى رسول الله ﷺ وكذلك تسبيح الحصى في يده. ونظيره أيضًا قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾.
وقريب من ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأرْضُ﴾.
وأما هديه ﷺ في الجلوس للأكل فقد كان يجلس مستوفزًا غير متمكن. وفي صحيح مسلم وسنن أبي داود وغيرهما عن أنس بن مالك ﵁ قال رأيت النبي ﷺ مقعيًا يأكل تمرًا.
وفي رواية لمسلم قال أتى رسول الله ﷺ بتمر فجعل النبي ﷺ يقسمه وهو محتفز يأكل منه أكلاً ذريعًا. وفي رواية أكلا حثيثًا.
قال الجوهري الإقعاء عند أهل اللغة أن يلصق الرجل إليتيه بالأرض وينصب ساقيه ويتساند إلى ظهره.
стр. 189
وفي الحديث أنه ﷺ أكل مقعيًا. وقال أيضًا ورأيته محتفزًا أي مستوفزًا.
وقال صاحب القاموس احتفز استوفز وتضام في جلوسه واستوى جالسًا على وركيه انتهى.
وفي سنني أبي داود وابن ماجه عن عبد الله بن بسر ﵁ قال: كان للنبي ﷺ قصعة يقال لها الغراء يحملها أربعة رجال فلما أضحوا وسجدوا الضحى أتي بتلك القصعة يعني وقد ثرد فيها فالتفوا عليها فلما كثروا جثى رسول الله ﷺ فقال أعرابي: ما هذه الجلسة قال النبي ﷺ : «إن الله جعلني عبدًا كريمًا ولم يجعلني جبارًا عنيدًا» وذكر تمام الحديث. وهذا لفظ أبي داود.
ولفظ ابن ماجه قال: أهديت للنبي ﷺ شاة فجثى رسول الله ﷺ على ركبتيه يأكل فقال أعرابي ما هذه الجلسة فقال: «إن الله جعلني عبدًا كريمًا ولم يجعلني جبارًا عنيدًا» قال النووي: إسناده جيد. وقال الحافظ ابن حجر إسناده حسن. ونقل الحافظ عن ابن بطال أنه قال: إنما فعل النبي ﷺ ذلك تواضعًا لله تعالى.
وروى الإمام أحمد في الزهد عن الحسن مرسلا قال كان رسول الله ﷺ إذا أتى بطعام أمر به فألقي على الأرض وقال: «إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد».
وروى أبو داود وابن ماجه في سننيهما والحاكم في مستدركه عن ابن عمر ﵄ قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يأكل الرجل وهو منبطح على وجهه» هذا لفظ ابن ماجه.
стр. 190
وفي رواية أبي داود والحاكم «وهو منبطح على بطنه» قال الحاكم صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وروى الإمام أحمد والشيخان وأبو داود الطيالسي والدارمي وأهل السنن إلا النسائي عن أبي جحيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إني لا آكل متكئًا».
وفي المسند وسنني أبي داود وابن ماجه عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: ما رئي رسول الله ﷺ يأكل متكئًا ولا يطأ عقبيه رجلان.
وقد اختلف في صفة الاتكاء. فقيل: أن يتمكن في الجلوس للأكل على أي صفة كان وقيل: أن يميل على أحد شقيه. وقيل أن يعتمد على يده اليسرى من الأرض ذكر هذه الأقوال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري».
قال وأخرج ابن عدي بسند ضعيف: «زجر النبي ﷺ أن يعتمد الرجل على يده اليسرى عند الأكل» قال مالك: هو نوع من الاتكاء قال الحافظ: وفي هذا إشارة من مالك إلى كراهة كل ما يعد الآكل فيه متكئًا ولا يختص بصفة بعينها انتهى.
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى فسر الاتكاء بالتربع. وفسر بالاتكاء على الشيء وهو الاعتماد عليه وفسر بالاتكاء على الجنب. والأنواع الثلاثة من الاتكاء. فنوع منها يضر بالآكل وهو الاتكاء على الجنب فإنه يمنع مجرى الطعام الطبيعي عن هيئته ويعوقه عن سرعة نفوذه إلى المعدة ويضغط المعدة فلا يستحكم فتحها للغذاء.
وأما النوعان الآخران فمن جلوس الجبابرة المنافي للعبودية ولهذا
стр. 191
قال آكل كما يأكل العبد. قال وإن كان المراد بالاتكاء الاعتماد على الوسائد والوطاء الذي تحت الجالس فيكون المعنى إني إذا أكلت لم أقعد متكئًا على الأوطية والوسائد كفعل الجبابرة ومن يريد الإكثار من الطعام لكني آكل بلغة كما يأكل العبد انتهى وهذا القول الأخير هو الذي قرره الخطابي ورد ما سواه.
قال في «معالم السنن»: يحسب أكثر العامة أن المتكئ هو المائل المعتمد على أحد شقيه لا يعرفون غيره وكان بعضهم يتأول هذا الكلام على مذهب الطب ودفع الضرر عن البدن إذ كان معلوما أن الآكل مائلا على أحد شقيه لا يكاد يسلم من ضغط يناله في مجاري طعامه فلا يسيغه ولا يسهل نزوله معدته وليس معنى الحديث ما ذهبوا إليه وإنما المتكئ ههنا هو المعتمد على الوطاء الذي تحته وكل من استوى قاعدا على وطاء فهو متكئ. والاتكاء مأخوذ من الوكاء فالمتكئ هو الذي أوكى مقعدته وشدها بالقعود على الوطاء الذي تحته والمعنى: إني إذا أكلت لم أقعد متمكنًا على الأوطية والوسائد فعل من يريد أن يستكثر من الأطعمة ويتوسع في الألوان ولكني آكل علقة وآخذ من الطعام بلغة فيكون قعودي مستوفزًا له انتهى.
قال الحافظ ابن حجر: واختلف السلف في حكم الأكل متكئا. فزعم ابن القاص أن ذلك من الخصائص النبوية.
وتعقبه البيهقي فقال قد يكره لغيره أيضا لأنه من فعل المتعظمين وأصله مأخوذ من ملوك العجم قال: فإن كان بالمرء مانع لا يتمكن معه من الأكل إلا متكئًا لم يكن في ذلك كراهة انتهى. وقول البيهقي هو
стр. 192
الصحيح وأما قول ابن القاص فليس بشيء إذ من المعلوم أن الأمة أسوة نبيها في الأحكام إلا ما ثبت بالدليل اختصاص النبي ﷺ به دون الأمة. ولم يقم دليل على اختصاصه ﷺ بكراهة الاتكاء حال الأكل فعلم أن أمته تبع له في ذلك.
ويؤيد هذا أن الاتكاء حال الأكل من فعل الجبابرة والمتعظمين من ملوك الأعاجم وغيرهم ومن فعل الإفرنج وغيرهم من أعداء الله تعالى ومن فعل المترفين المتشبهين بأعداء الله تعالى. والمسلمون مأمورون بمخالفة هذه الأصناف كلها ومنهيون عن التشبه بهم فعلم أن الاتكاء للأكل مكروه لجميع المسلمين إلا أن تدعو إلى ذلك ضرورة كما قرر ذلك البيهقي والله أعلم.
إذا علم هذه فمن الاتكاء المذموم الجلوس على الكراسي حال الأكل كما يفعل ذلك المترفون من الإفرنج ومن يأخذ بأخذهم من جهال المسلمين في هذه الأزمان. ولا شك في كراهة هذا الجلوس لقول النبي ﷺ : «لا آكل متكئًا» ولقوله ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم» ولقوله ﷺ : «من رغب عن سنتي فليس مني».
فالواجب على المسلمين اتباع هدي نبيهم ﷺ والعض على سنته بالنواجذ والبعد كل البعد عن مشابهة أعداء الله تعالى والله الموفق.
فصل
النوع الثالث والعشرون: من التشبه بأعداء الله تعالى الإشارة بالأصابع عند السلام.
стр. 193
وكذلك الإشارة بالأكف مرفوعة إلى جانب الوجه فوق الحاجب الأيمن كما يفعل ذلك الشرط وغيرهم.
وكذلك ضرب الشرط بأرجلهم عند السلام ويسمون هذا الضرب المنكر والإشارة بالأكف التحية العسكرية وهي تحية مأخوذة عن الإفرنج وأشباههم من أعداء الله تعالى وهي بالهزء والسخرية أشبه منها بالتحية ولكن ما الحيلة فيمن غيرت طباعهم المدنية الإفرنجية وأثرت فسادًا كثيرًا في أخلاقهم وأفعالهم حتى صاروا يستحسنون من أفعال الإفرنج وغيرهم من الأعاجم ما يستقبحه أولو العقول السليمة والفطر المستقيمة. وهذه التحية المستهجنة من جملة المنكر الذي ينبغي تغييره والنهي عنه لحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم» رواه الأمام أحمد وأبو داود وصححه ابن حبان وغيره من الحفاظ.
وفي جامع الترمذي عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «ليس منا من تشبه بغيرنا لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى فإن تسليم اليهود الإشارة بالأصابع وتسليم النصارى الإشارة بالأكف».
وروى الحافظ أبو يعلى والطبراني في الأوسط والبيهقي في شعب الإيمان عن جابر رضي قال: قال رسول الله ﷺ : «تسليم الرجل بإصبع واحدة يشير بها فعل اليهود» قال الهيثمي رجال أبي يعلى رجال الصحيح وقال المنذري رواته رواة الصحيح.
وفي رواية للبيهقي: «لا تسلموا تسليم اليهود والنصارى فإن تسليمهم إشارة بالكفوف والحواجب» قال البيهقي إسناده ضعيف.
стр. 194
قلت له شاهد مما تقدم وما يأتي وهو ما رواه النسائي بسند جيد عن جابر ﵁ مرفوعًا: «لا تسلموا تسليم اليهود فإن تسليمهم بالرءوس والإشارة» وفي مستدرك الحاكم من حديث ابن جريج عن محمد بن قيس بن مخرمة عن المسور بن مخرمة ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «هدينا مخالف لهديهم» يعني المشركين قال الحاكم صحيح على شرك الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وقد رواه الشافعي في مسنده من حديث ابن جريج عن محمد بن قيس بن مخرمة مرسلا ولفظه: «هدينا مخالف لهدي أهل الأوثان والشرك»
إذا علم هذا فقد اختص الله ﵎ المسلمين بأفضل التحيات وأكملها وأزكاها وهو السلام الذي علمه الله ﵎ لآدم أبي البشر حين نفخ فيه الروح وأخبره أنه تحيته وتحية ذريته من بعده كما في الصحيحين والمسند عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا فلما خلقه قال: اذهب فسلم على أولئك نفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يحيونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك فقال: السلام عليكم فقالوا: السلام عليك ورحمة الله فزادوه ورحمة الله» الحديث.
وقد شرع الله ﵎ لهذه الأمة أن يسلم بعضهم على بعض بهذه التحية المباركة الطيبة فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾.
стр. 195
قال سعيد بن جبير والحسن البصري وقتادة والزهري يعني فليسلم بعضكم على بعض.
وفي جامع الترمذي عن أبي تميمة الهجيمي عن رجل من قومه قال: طلبت النبي ﷺ فذكر الحديث وفيه- فقال يعني النبي ﷺ : «إذا لقي الرجل أخاه المسلم فليقل السلام عليكم ورحمة الله وبركاته».
وفيه أيضا عن أبي تميمة الهجيمي عن أبي جري جابر بن سليم الهجيمي ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ فقلت: عليك السلام فقال: «لا تقل عليك السلام ولكن قل السلام عليكم».
وبهذا السلام المبارك الطيب يسلم الرب ﵎ على المؤمنين إذا دخلوا الجنة كما قال تعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ وقال تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾.
وروى ابن ماجه في سننه وابن أبي حاتم والبغوي في تفسيرهما عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رءوسهم فإذا الرب تعالى قد أشرف عليهم من فوقهم فقال: السالم عليكم يا أهل الجنة قال وذلك قول الله تعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾».
وبهذا السلام المبارك الطيب تسلم الملائكة على المؤمنين إذا دخلوا الجنة كما قال تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾.
وقد تقدم ذكر تسليمهم على آدم بهذا السلام المبارك الطيب.
стр. 196
وكما أن السلام هو تحية المسلمين فيما بينهم في الدنيا فكذلك هو تحيتهم فيما بينهم في الدار الآخرة كما قال تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ﴾ وقال تعالى: ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ﴾.
وإذا علم فضل السلام وأنه تحية المسلمين في الدارين فليعلم أيضًا أنه لا أسفه رأيًا ممن رغب عن ذلك واستبدل عنه بإشارات الإفرنج وضربهم بالأرجل.
والله المسئول أن يوفق ولاة أمور المسلمين لمنع هذه الأفعال المخالفة للشريعة المحمدية.
فصل
النوع الربع والعشرون: من التشبه بأعداء الله تعالى قيام الشرط وغيرهم من أعوان الملوك وخدامهم على الملوك وهم قعود وقيام الرجال للداخل عليهم على وجه التعظيم له والاحترام.
وقد ورد النهي عن ذلك والتشديد فيه كما في صحيح مسلم عن أبي الزبير عن جابر ﵁ قال: اشتكى رسول الله ﷺ فصلينا وراءه وهو قاعد وأبو بكر يسمع تكبيره فالتفت إلينا فرآنا قيامًا فأشار إلينا فقعدنا فصلينا بصلاته قعودًا فلما سلم قال: «إن كدتم آنفا لتفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا» الحديث وقد رواه ابن ماجه في سننه بإسناد مسلم.
стр. 197
ورواه البخاري في «الأدب المفرد» عن عبد الله بن صالح قال حدثني الليث قال حدثني أبو الزبير عن جابر ﵁ فذكره بمثله وإسناده حسن وقد بوب عليه البخاري بقوله: «باب قيام الرجل للرجل القاعد». ثم قال البخاري رحمه الله تعالى في الأدب المفرد «باب من كره أن يقعد ويقوم له الناس».
حدثنا موسى -يعني ابن إسماعيل التبوذكي- قال حدثنا أبو عوانة عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر ﵁ قال صرح رسول الله ﷺ من فرس بالمدينة على جذع نخلة فانفكت قدمه فكنا نعوده في مشربة لعائشة ﵂ فأتيناه وهو يصلي قاعدا فصلينا قياما ثم أتيناه مرة أخرى وهو يصلي المكتوبة قاعدا فصلينا خلفه قياما فأومأ إلينا أن اقعدوا فملما قضى الصلاة قال: «إذا صلى الإمام قاعدا فصلوا قعودا وإذا صلى قائما فصلوا قياما ولا تقوموا والإمام قاعد كما تفعل فارس بعظمائهم» إسناده صحيح رجاله كلهم من رجال الصحيحين.
وقد رواه أبو داود في سننه عن عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير ووكيع عن الأعمش فذكره بنحوه. وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
وفي المسند وسنني أبي داود وابن ماجه عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال خرج علينا رسول الله ﷺ متوكئا على عصا فقمنا إليه فقال: «لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضها بعضًا» قال المنذري في «الترغيب والترهيب»: إسناده حسن فيه أبو غالب واسمه حزور ويقال نافع ويقال سعيد بن الحزور فيه كلام طويل ذكرته في مختصر السنن وغيره والغالب عليه التوثيق وقد صحح له الترمذي وغيره.
стр. 198
قلت وقد وثقه الدارقطني وقال ابن مفلح في «الآداب»: أبو غالب مختلف فيه وحديثه حسن. وقد بوب أبو داود على هذا الحديث وعلى حديث معاوية الآتي بقوله: باب الرجل يقوم للرجل يعظمه بذلك.
وقال البخاري رحمه الله تعالى في «الأدب المفرد»: حدثنا موسى بن إسماعيل -يعني التبوذكي- قال حدثنا حماد بن سلمة عن حميد عن أنس ﵁ قال ما كان شخص أحب إليهم رؤية من النبي ﷺ وكانوا إذا رأوه لم يقوموا إليه لما يعلمون من كراهيته لذلك. إسناده صحيح على شرط مسلم وقد رواه الإمام أحمد والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب. وبوب الترمذي على هذا الحديث وعلى حديث معاوية الآتي بقوله: باب كراهية قيام الرجل للرجل.
وقال أبو داود في سننه: حدثنا موسى بن إسماعيل -يعني التبوذكي- حدثنا حماد -يعني ابن سلمة- عن حبيب بن الشهيد عن أبي مجلز قال: خرج معاوية ﵁ على ابن الزبير وابن عامر فقام ابن عامر وجلس ابن الزبير فقال معاوية لابن عامر: اجلس فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أحب أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار» إسناده صحيح على شرط مسلم.
وقد رواه الترمذي في جامعه فقال حدثنا محمود بن غيلان حدثنا قبيصة -يعني ابن عقبة- حدثنا سفيان-يعني الثوري- عن حبيب ابن الشهيد عن أبي مجلز قال خرج معاوية فقام عبد الله بن الزبير وابن صفوان حين رأوه فقال: اجلسا سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من سره أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار» قال الترمذي: وفي الباب عن أبي أمامة ﵁ وهذا حديث حسن.
стр. 199
قلت رجاله كلهم من رجال الصحيحين فهو على هذا صحيح على شرط الشيخين. ثم رواه الترمذي عن هناد عن أبي أسامة حماد بن أسامة عن حبيب ابن الشهيد عن أبي مجاز بكسر الميم وإسكان الجيم واسمه لاحق بن حميد السدوسي عن معاوية ﵁ عن النبي ﷺ نحوه وهذا الإسناد صحيح على شرط الشيخين وقد رواه الإمام أحمد في مسنده من طرق عن حبيب بن الشهيد وأسانيده كلها صحيحة.
وقال البخاري رحمه الله تعالى في «الأدب المفرد»: باب قيام الرجل للرجل تعظيما. حدثنا آدم -يعني ابن أبي إياس- قال حدثنا شعبة وحدثنا حجاج -يعني ابن منهال- قال حدثنا حماد -يعني ابن سلمة- قال حدثنا حبيب بن الشهيد قال سمعت أبا مجلز يقول: إن معاوية ﵁ خرج وعبد الله بن عامر وعبد الله بن الزبير قعود فقام ابن عامر وقعد ابن الزبير وكان أرزنهما قال معاوية ﵁ قال النبي ﷺ : «من سره أن يمثل له عباد الله قيامًا فليتبوأ بيتًا في النار» إسناداه صحيحان على شرط مسلم.
قال ابن الأثير في قوله: «من سره أن يمثل له الناس قياما فليتبوأ مقعده من النار» أي: يقومون له قياما وهو جالس يقال مثل الرجل يمثل مثولا إذا انتصب قائمًا وإنما نهي عنه لأنه من زي الأعاجم ولأن الباعث عليه الكبر وإذلال الناس.
وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في الكلام على قول النبي ﷺ : «إذا صلى الإمام جالسًا فصلوا جلوسًا وإذا صلى الإمام قائمًا فصلوا قيامًا ولا تفعلوا كما يفعل أهل فارس بعظمائها».
стр. 200
في هذا الحديث أنه أمرهم بترك القيام الذي هو فرض في الصلاة وعلل ذلك بأن قيام المأمومين مع قعود الإمام يشبه فعل فارس والروم بعظمائهم في قيامهم وهم قعود.
ومعلوم أن المأموم إنما نوى أن يقوم لله لا لإمامه وهذا تشديد عظيم في النهي عن القيام للرجل القاعد. ونهي أيضا عما يشبه ذلك وإن لم يقصد به ذلك.
وفي الحديث أيضا نهي عما يشبه فعل فارس والروم وإن كانت نيتنا غير نيتهم لقوله: «فلا تفعلوا». فهل بعد هذا في النهي عن مشابهتهم في مجرد الصورة غاية انتهى.
وقال النووي فيه النهي عن قيام الغلمان والتباع على رأس متبوعهم الجالس لغير حاجة.
وأما القيام للداخل إذا كان من أهل الفضل والخير فليس من هذا بل هو جائز قد جاءت به أحاديث وأطبق عليه السلف والخلف.
قلت في آخر هذا الكلام نظر فإن النبي ﷺ كان أفضل الخلق وخيرهم ومع هذا فقد نهى أصحابه عن القيام له إذا خرج عليهم وأخبرهم أن ذلك من فعل الأعاجم يعظم بعضهم بعضا.
وقال أنس ﵁: لم يكن شخص أحب إليهم من النبي ﷺ وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك.
ولما قام ابن عامر لمعاوية ﵁ لما خرج عليهم أمره أن
стр. 201
يجلس وحدثهم بما سمع من النبي ﷺ من التشديد في ذلك. وهذه أحاديث صحيحة فيجب العمل بها.
ومن قال: إنها محمولة على القيام على الملوك وهم قعود وما أشبه ذلك فقد أبعد النجعة وخالف ما دلت عليه هذه الأحاديث من النهي عن القيام للداخل ونحوه على وجه التعظيم والاحترام.
وقد رد ابن القيم رحمه الله تعالى على من قال بهذا القول فقال في تهذيب السنن على قول المنذري.
وقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي الزبير عن جابر ﵁ أنهم لما صلوا خلفه ﷺ قيامًا وهو قاعد فأشار إليهم فقعدوا فلما سلم قال: «إن كدتم آنفا لتفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا».
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: حمل أحاديث النهي -يعني حديث معاوية وحديث أبي أمامة- على مثل هذه الصورة ممتنع فإن سياقها يدل على خلافه وأنه ﷺ كان ينهى عن القيام له إذا خرج عليهم ولأن العرب لم يكونوا يعرفون هذا وإنما هو من فعل فارس والروم.
ولأن هذا لا يقال له: قيام للرجل إنما هو قيام عليه.
ففرق بين القيام للشخص المنهي عنه والقيام عليه المشبه لفعل فارس والروم والقيام إليه عند قدومه الذي هو سنة العرب وأحاديث الجواز تدل عليه فقط انتهى.
وذكر ابن القيم أيضا حديث معاوية ﵁ ثم قال: وفيه رد
стр. 202
على من زعم أن معناه: أن يقوم الرجل للرجل في حضرته وهو قاعد فإن معاوية روى الخبر لما قاما له حين خرج.
قال: وأما الأحاديث المتقدمة فالقيام فيها عارض للقادم مع أنه قيام إلى الرجل للقائه لا قيام له وهو وجه حديث فاطمة فالمذموم القيام للرجل.
وأما القيام إليه للتلقي إذا قدم فلا بأس به وبهذا تجتمع الأحاديث والله أعلم انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
والأحاديث التي أشار إليها أنها قد تقدمت ستأتي في القسم الثالث وهي حديث عائشة ﵂ في قيام النبي ﷺ لزيد بن حارثة، وقوله للأنصار: «قوموا إلى سيدكم» وحديث عائشة ﵂ في قيام النبي ﷺ إلى فاطمة إذا دخلت عليه وقيامها إليه إذا دخل عليها.
إذا علم هذا فالقيام على ثلاثة أقسام:
أحدها: القيام على الرجل وهو قاعد كما يفعله الشرط وغيرهم من أعوان الملوك مع الملوك وهذا هو الذي ورد النهي عنه في حديث جابر ﵁ الذي تقدم ذكره ولا أعلم نزاعًا في كراهته والمنع منه.
ويستثنى من هذا مسألة واحدة وهي ما إذا قدم على الإمام رسل من الأعداء وخيف منهم أن يغدروا به فلا بأس أن يقوم بعض أعوانه على رأسه بالسلاح كما فعل المغيرة بن شعبة ﵁ في صلح الحديبية فإنه كان قائما بالسلاح على رأس رسول الله ﷺ حين قدم عليه رسل قريش.
والحديث بذلك في صحيح البخاري ومسند الإمام أحمد وغيرهما.
стр. 203
القسم الثاني: القيام للداخل ونحوه إعظامًا له واحترامًا لا لقصد المعانقة أو المصافحة. وفي كراهة هذا والمنع منه نزاع بين العلماء والصحيح المنع منه لما تقدم عن أبي أمامة وأنس ومعاوية ﵃ في ذلك. وأحاديثهم وإن كانت واردة في هذا القسم فعمومها يشمل القسم الأول أيضا لأن كلا منهما من أفعال الأعاجم وتعظيم بعضهم بعضًا. والمسلم منهي عن التشبه بالأعاجم وقد قال النبي ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم» وفي الحديث الآخر: «ليس منا من تشبه بغيرنا».
وقد فرق بعض العلماء بين القيام لأهل الفضل والفقه وبين القيام لغيرهم فأجازوه لأهل الخير ومنعوه لغيرهم وهذا تفريق لا دليل عليه. وقد تقدم رد ما قاله النووي في ذلك.
قال إسحاق بن إبراهيم: خرج أبو عبد الله على قوم في المسجد فقاموا له فقال: لا تقوموا لأحد فإنه مكروه.
وقال أحمد أيضا في رواية مثنى: لا يقوم أحد لأحد.
وقال ابن حنبل: قلت لعمي ترى للرجل أن يقوم للرجل إذا رآه قال: لا يقوم أحد لأحد إلا الولد لوالده أو لأمه فأما لغير الوالدين فلا. نهى النبي ﷺ عن ذلك.
وظاهر هذه الروايات أنه لا فرق بين القيام لأهل الفقه والدين وبين القيام لغيرهم. وقد روي عن الإمام مالك نحو هذا قال ابن القاسم في «المدونة»: قيل لمالك الرجل يقوم للرجل له الفضل والفقه قال: أكره ذلك ولا بأس بأن يوسع له في مجلسه.
стр. 204
قال: وقيام المرأة لزوجها حتى يجلس من فعل الجبابرة وربما يكون الناس ينتظرونه فإذا طلع قاموا فليس هذا من فعل الإسلام.
وقال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري»: محصل المنقول عن مالك إنكار القيام ما دام الذي يقام لأجله لم يجلس ولو كان في شغل نفسه فإنه سئل عن المرأة تبالغ في إكرام زوجها فتتلقاه وتنزع ثيابه وتقف حتى يجلس فقال: أما التلقي فلا بأس به وأما القيام حتى يجلس فلا فإن هذا من فعل الجبابرة وقد أنكره عمر بن عبد العزيز انتهى.
قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: أبو بكر والقاضي ومن تبعهما فرقوا بين القيام لأهل الدين وغيرهم فاستحبوه لطائفة وكرهوه لأخرى والتفريق في مثل هذا بالصفات فيه نظر.
قال: وأما أحمد فمنع منه مطلقا لغير الوالدين فإن النبي ﷺ سيد الأئمة ولم يكونوا يقومون له فاستحباب ذلك للإمام العادل مطلقا خطأ.
وقصة ابن أبي ذئب مع المنصور تقتضي ذلك.
وما أراد أبو عبد الله -والله أعلم-إلا لغير القادم من سفر فإنه قد نص على أن القادم من السفر إذا أتاه إخوانه فقام إليهم وعانقهم فلا بأس به.
وحديث سعد يخرج على هذا وسائر الأحاديث فإن القادم يتلقى لكن هذا قام فعانقهم والمعانقة لا تكون إلا بالقيام.
وأما الحاضر في المصر الذي قد طالت غيبته والذي ليس من عادته المجيء إليه فمحل نظر. فأما الحاضر الذي يتكرر مجيئه في الأيام كإمام المسجد أو السلطان في مجلسه أو العالم في مقعده فاستحباب القيام له خطأ بل المنصوص عن أبي عبد الله هو الصواب انتهى.
стр. 205
وقصة ابن أبي ذئب التي أشار إليها الشيخ قد ذكرت له مع المهدي وأنه لما حج دخل مسجد النبي ﷺ فلم يبق أحد إلا قام إلا ابن أبي ذئب فقال له المسيب بن زهير: قم هذا أمير المؤمنين فقال ابن أبي ذئب: إنما يقوم الناس لرب العالمين، فقال المهدي: دعه فلقد قامت كل شعرة في رأسي. ذكره الخطيب في تاريخه.
وقد سئل الشيخ أيضًا عن النهوض الذي يعده الناس من الإكرام والاحترام عند قدوم شخص معتبر هل يجوز أم لا؟ وإذا كان يغلب على ظن المتقاعد عن ذلك أن القادم يخجل أو يتأذى باطنه وربما أدى ذلك إلى بغض ومقت وعداوة.
فأجاب -رحمه الله تعالى-: لم يكن من عادة السلف على عهد النبي ﷺ وخلفائه الراشدين أن يعتادوا القيام للداخل المسلم كما يردون ﵇ كما يعتاد كثير من الناس بل قد قال أنس بن مالك ﵁: لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله ﷺ وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهته لذلك. ولكن ربما قاموا للقادم من مغيبه تلقيا له، كما روي عن النبي ﷺ أنه قام لعكرمة. وقال للأنصار لما قدم سعد ابن معاذ قوموا إلى سيدكم, وكان سعد متمرضًا بالمدينة وكان قد قدم إلى بني قريظة شرقي المدينة.
والذي ينبغي للناس أن يعتادوا ما كان السلف عليه على عهد رسول الله ﷺ فإنهم خير القرون وخير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد فلا يعدل أحد عن هدي خير الخلق وهدي خير القرون إلى ما دونه وينبغي للمطاع أن يقرر ذلك مع أصحابه بحيث إذا رأوه لم يقوموا
стр. 206
ولا يقوم لهم في اللقاء المعتاد. فأما القيام لمن قدم من سفر ونحو ذلك تلقيًا له فحسن.
وإذا كان من عادة الناس إكرام من يجيء بالقيام ولو ترك ذلك لاعتقد أن ذلك بخس لحقه أو قصد لخفضه ولم يعلم العادة الموافقة للسنة فالأصلح أن يقام له، لأن في ذلك إصلاح ذات البين وإزالة للتباغض والشحناء.
وأما من عرف عادة القوم الموافقة للسنة فليس في ترك ذلك إيذاء له وليس هذا القيام هو القيام المذكور في قوله ﷺ : «من سره أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار» فإن ذلك أن يقوموا له وهو قاعد ليس هو أن يقوموا لمجيئه إذا جاء ولهذا فرقوا بين أن يقال قمت إليه وقمت له.
والقائم للقادم قد ساواه في القيام بخلاف القائم للقاعد.
وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ لما صلى بهم قاعدًا في مرضه وصلوا قيامًا أمرهم بالقعود وقال: «لا تعظموني كما تعظم الأعاجم بعضها بعضًا» فقد نهاهم عن القيام في الصلاة وهو قاعد لئلا يتشبهوا بالأعاجم الذين يقومون لعظمائهم وهم قعود.
وجماع ذلك أن الذي يصلح اتباع عادة السلف وأخلاقهم والاجتهاد في ذلك بحسب الإمكان فمن لم يعتد ذلك أو لم يعرف أنه العادة وكان في ترك مقابلته بما اعتاده الناس من الإكرام مفسدة راجحة فإنه يدفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما كما تحصل المصلحة بتفويت أدناهما انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
وقال أيضا في الفتاوى المصرية: ينبغي ترك القيام في اللقاء المتكرر
стр. 207
المعتاد ونحوه لكن إذا اعتاد الناس القيام وقدم من لا يرى كرامته إلا به فلا بأس به فالقيام دفعًا للعداوة والفساد خير من تركه المفضي إلى الفساد وينبغي مع هذا أن يسعى في الاصطلاح على متابعة السنة انتهى.
القسم الثالث: القيام إلى القادم لمعانقته أو مصافحته أو إنزاله عن دابته ونحو ذلك من المقاصد الجائزة. وهذا القيام جائز قد فعله رسول الله ﷺ وفعله أصحابه بحضرته، كما في جامع الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: قدم زيد بن حارثة المدينة ورسول الله ﷺ في بيتي فأتاه فقرع الباب فقام إليه رسول الله ﷺ عريانًا يجر ثوبه والله ما رأيته عريانا قبله ولا بعده فاعتنقه وقبله. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
قولها: عريانا تريد أنه ﵊ كان ساترا ما بين سرته وركبته ولكن سقط رداؤه عن عاتقه فكان ما فوق سرته وما تحت ركبته عريانا. قال الطيبي: وكان هذا من شدة فرحه حيث لم يتمكن من تمام التردي بالرداء حتى جره وكثيرا ما يقع مثل هذا انتهى.
وروى البيهقي وغيره أن رسول الله ﷺ لما دخل عليه عكرمة بن أبي جهل مسلمًا مهاجرًا قام إليه فرحا بقدومه.
وروى أبو داود والترمذي والنسائي عن عائشة ﵂ قالت: ما رأيت أحدًا كان أشبه سمتًا وهديًا ودلا برسول الله ﷺ من فاطمة ﵂ كانت إذا دخلت عليه قام إليها فأخذ بيدها وقبلها وأجلسها في مجلسه وكانت إذا دخل عليها قامت إليه وأخذت بيده وقبلته وأجلسته في مجلسها قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
وفي الصحيحين وغيرهما عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن
стр. 208
أهل قريظة لما نزلوا على حكم سعد بن معاذ ﵁ أرسل إليه النبي ﷺ فجاء على حمار فقال النبي للأنصار: «قوموا إلى سيدكم».
وفي رواية لأحمد عن عائشة ﵂ قالت: قال أبو سعيد فلما طلع قال رسول الله ﷺ : «قوموا إلى سيدكم فأنزلوه» فقال عمر ﵁: سيدنا الله قال: «أنزلوه» فأنزلوه. الحديث قال الحافظ ابن حجر سنده حسن.
قلت: وفي هذه الرواية بيان المراد من الأمر بالقيام إلى سعد ﵁ ففيه رد على من استدل به على جواز القيام المنهي عنه.
قال الحافظ ابن حجر: هذه الزيادة -يعني قوله فأنزلوه- تخدش في الاستدلال بقصة سعد على مشروعية القيام المتنازع فيه انتهى.
وفي الصحيحين وغيرهما في قصة كعب بن مالك ﵁ لما تاب الله عليه قال: وانطلقت إلى رسول الله ﷺ فإذا رسول الله ﷺ جالس في المسجد وحوله الناس فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني الحديث.
فهذا وما أشبهه من القيام جائز كما دلت عليه هذه الأحاديث وهو قيام إلى الشخص لا له والقيام إلى الشخص من فعل العرب. القيام له أو عليه من فعل العجم. وقد تقدم قول ابن القيم رحمه الله تعالى أن المذموم القيام للرجل.
وأما القيام إليه للتلقي إذا قدم فلا بأس به.
وقد روي عن أحمد رحمه الله تعالى ما يوافق هذا.
стр. 209
قال أبو جعفر محمد بن أحمد بن المثنى: أتيت أحمد بن حنبل فجلست على بابه أنتظر خروجه فلما خرج قمت إليه فقال لي: أما علمت أن النبي ﷺ قال: «من أحب أن يتمثل الناس له قياما فليتبوأ مقعده من النار» فقلت له: إنما قمت إليك لا لك فاستحسنه.
فصل
النوع الخامس والعشرون: من التشبه بأعداء الله تعالى ما يفعله كثير من الجهال من التصفيق في المجالس والمجامع عند رؤية ما يعجبهم من الأفعال وعند سماع ما يستحسنونه من الخطب والأشعار وعد مجيء الملوك والرؤساء إليهم. وهذا التصفيق سخف ورعونة ومنكر مردود من عدة أوجه.
أحدها: أن فيه تشبهًا بأعداء الله تعالى من المشركين وطوائف الإفرنج وأشباههم.
فأما المشركون فقد قال الله تعالى عنهم: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾.
قال أهل اللغة وجمهور المفسرين: المكاء الصفير، والتصدية: التصفيق، وبهذا فسره ابن عمر وابن عباس ﵃. فأما ابن عمر ﵄ فرواه ابن جرير عنه وفيه أنه حكى فعل المشركين فصفر وأمال خده وصفق بيديه.
وروى ابن أبي حاتم عنه ﵁ أنه قال: إنهم كانوا يضعون خدودهم على الأرض ويصفقون ويصفرون.
стр. 210
وأما ابن عباس ﵄ فرواه ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الفرج ابن الجوزي عنه. ولفظ ابن أبي حاتم قال: كانت قريش تطوف بالبيت عراة تصفر وتصفق والمكاء الصفير والتصدية التصفيق.
وكذا روي عن مجاهد ومحمد بن كعب وأبي سلمة بن عبد الرحمن والضحاك والحسن وقتادة وعطية العوفي وغيرهم. قال ابن عرفة وابن الأنباري: المكاء والتصدية ليسا بصلاة ولكن الله تعالى أخبر أنهم جعلوا مكان الصلاة التي أمروا بها المكاء والتصدية فألزمهم ذلك عظيم الأوزار.
وروى الإمام أحمد والنسائي والبيهقي من حديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ أخبر قريشا أنه أسري به إلى بيت المقدس قالوا: ثم أصبحت بين ظهرانينا قال: «نعم» قال: فمن بين مصفق ومن بين واضع يده على رأسه متعجبا للكذب.
وأما الإفرنج وأضرابهم من أعداء الله تعالى فقد ذكر المخالطون لهم أن التصفيق من أفعالهم في محافلهم إذا أعجبهم كلام أو فعل من أحد صفقوا تعجبًا وتعظيمًا لذلك القول أو الفعل. وقد أخذ سفهاء المسلمين عنهم هذا الفعل السخيف تقليدًا لهم وتشبها بهم.
وقد تقدم حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم» وتقدم أيضا حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس منا من تشبه بغيرنا لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى».
стр. 211
وفي هذين الحديثين دليل على المنع من التصفيق لما فيه من التشبه بأعداء الله تعالى.
ويدل على المنع منه أيضا قوله ﷺ : «خالفوا المشركين» متفق عليه من حديث ابن عمر ﵄.
وكذلك قوله ﷺ : «هدينا مخالف لهديهم» -يعني المشركين- رواه الحاكم في مستدركه من حديث ابن جريج عن محمد بن قيس بن مخرمة عن المسور بن مخرمة ﵄ وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.
ورواه الشافعي في مسنده من حديث ابن جريج عن محمد بن قيس بن مخرمة مرسلا ولفظه: «هدينا مخالف لأهل الأوثان والشرك».
ومن المقرر عند الأصوليين أن الأمر بالشيء نهي عن ضده وعلى هذا فالأمر بمخالفة المشركين هو في الحقيقة نهي عن موافقتهم والتشبه بهم فيما يفعلونه من التصفيق وغيره من زيهم وأفعالهم السيئة. وكذلك إخباره ﷺ بأن هدي المسلمين مخالف لهدي أهل الشرك يقتضي منع المسلمين من التصفيق وغيره من أفعال المشركين والله أعلم.
وقد روي أن التصفيق من أعمال قوم لوط فروى ابن عساكر في تاريخه عن الحسن مرسلاً أن رسول الله ﷺ قال: «عشر خصال عملها قوم لوط بها أهلكوا وتزيدها أمتي بخلة» فذكر الخصال ومنها التصفيق.
الوجه الثاني: أن التصفيق من خصائص النساء لتنبيه الإمام إذا نابه شيء في صلاته كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «إنما
стр. 212
التصفيق للنساء» رواه مالك وأحمد والشيخان وأبو داود والنسائي من حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁.
وقد أتى ﷺ في هذه الجملة الوجيزة بالحصر والاستغراق والاختصاص فدل على أنه لا مدخل فيه للرجال بحال. وعلى هذا فمن صفق من الرجال فقد تشبه بالنساء فيما هو من خصائصهن.
وقد لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي والبخاري وأهل السنن إلا النسائي من حديث ابن عباس ﵄ وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وروى ابن ماجه في سننه بإسناد حسن عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ : «لعن المرأة تتشبه بالرجال والرجل يتشبه بالنساء» ورواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي بنحوه وصححه ابن حبان والحاكم والنووي وغيرهم وقال الحاكم على شرط مسلم ولم يخرجاه وأقره الذهبي في تلخيصه.
وروى الإمام أحمد أيضا عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليس منا من تشبه بالرجال من النساء ولا من تشبه بالنساء من الرجال» في إسناده رجل مبهم وبقية رجاله ثقات وقد رواه الطبراني فأسقط الرجل المبهم قال الهيثمي: فعلى هذا رجال الطبراني كلهم ثقات.
قلت: ورواه أبو نعيم في الحلية من طريق الإمام أحمد وقد أسقط الرجل المبهم ورجاله كلهم ثقات.
الوجه الثالث: أن النبي ﷺ أنكر على الرجال لما صفقوا في
стр. 213
الصلاة لأنهم فعلوا فعلاً لا يجوز للرجال فعله ولا يليق بهم وإنما يليق بالنساء وقد قرن الإنكار ببيان العلة في ذلك فقال إنما التصفيق للنساء.
فهذه الجملة تفيد منع الرجال من التصفيق ألبتة وأنه ينبغي الإنكار على من صفق منهم.
الوجه الرابع: أن التصفيق لم يكن من هدي رسول الله ﷺ ولا من هدي أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين ولم يكن من عمل التابعين وتابعيهم بإحسان وإنما حدث في المسلمين في أثناء القرن الرابع عشر من الهجرة النبوية لما كثرت مخالطة المسلمين للإفرنج وأعجب جهال المسلمين بسنن أعداء الله وأفعالهم الذميمة.
وقد روى الإمام أحمد وأهل السنن من حديث العرباض بن سارية ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وصححه ابن حبان والحاكم وقال: ليس له علة ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وفي رواية للحاكم: «عليكم بما تعرفون من سنة نبيكم والخلفاء الراشدين المهديين وعضوا على نواجذكم بالحق» قال: الحاكم صحيح على شرطهما جميعًا ولا أعرف له علة ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وقد كان رسول الله ﷺ يخطب أبلغ الخطب ويخطب البلغاء بحضرته وينشد فحول الشعراء عنده أفخم الشعر وأجزله ولم ينقل أن أحدًا من أصحابه صفق عند سماع خطبة ولا قصيدة.
стр. 214
وكذلك الخلفاء الراشدون بعده كانوا يخطبون أبلغ الخطب ويخطب عندهم البلغاء وتنشد عندهم الأشعار الجيدة ولم ينقل عنهم ولا عن غيرهم من الصحابة والتابعين أنهم كانوا يصفقون عند التعجب والاستحسان وإنما نقل عن كفار قريش أن بعضهم صفقوا تعجبًا لما أخبرهم رسول الله ﷺ أنه أسري به إلى بيت المقدس. فهؤلاء هم سلف المصفقين عند التعجب والاستحسان وسلفهم الآخر الإفرنج وأشباههم من أعداء الله تعالى. وكل امرئ يهفو إلى ما يناسبه. ومن تشبه بقوم فهو منهم.
ولهم أيضا سلف ثالث من شر السلف وهم قوم لوط فقد روى ابن عساكر في تاريخه عن الحسن البصري مرسلا أن رسول الله ﷺ قال: «عشر خصال عملها قوم لوط بها أهلكوا وتزيدها أمتي بخلة» فذكر الخصال ومنها التصفيق.
وللمصفقين أيضا سلف رابع من شر السلف وهم جهال المتصوفة ومبتدعوهم.
قال الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله تعالى: إذا طرب أهل التصوف لسماع الغناء صفقوا ثم ساق بإسناده إلى أبي علي الكاتب قال: أن ابن بنان يتواجد وكان أبو سعيد الخراز يصفق له.
قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: والتصفيق منكر يطرب ويخرج عن الاعتدال ويتنزه عن مثله العقلاء ويتشبه فاعله بالمشركين فيما كانوا يفعلونه عند البيت من التصدية وهي التي ذمهم الله بها فقال: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾. فالمكاء الصفير والتصدية
стр. 215
التصفيق. قال وفيه أيضا تشبه بالنساء والعاقل يأنف من أن يخرج عن الوقار إلى أفعال الكفار والنسوة انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في «قواعد الأحكام»: وأما الرقص والتصفيق فخفة ورعونة مشبهة لرعونة الإناث لا يفعلهما إلا أرعن أو متصنع كذاب كيف يتأتى الرقص المتزن بأوزان الغناء ممن طاش لبه وذهب قلبه؟ وقد قال ﵇: «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» ولم يكن أحد من هؤلاء الذين يقتدى بهم يفعل شيئا من ذلك -إلى أن قال-: وقد حرم بعض العلماء التصفيق على الرجال بقوله ﷺ : «إنما التصفيق للنساء». ولعن ﵊ المتشبهات من النساء بالرجال والمتشبهين من الرجال بالنساء. ومن هاب الإله وأدرك شيئا من تعظيمه لم يتصور منه رقص ولا تصفيق ولا يصدر التصفيق والرقص إلى من غبي جاهل ولا يصدران من عاقل فاضل.
ويدل على جهالة فاعلهما أن الشريعة لم ترد بهما في كتاب ولا سنة ولم يفعل ذلك أحد من الأنبياء ولا معتبر من أتباع الأنبياء وإنما يفعل ذلك الجهلة السفهاء الذين التبست عليهم الحقائق بالأهواء وقد مضى السلف وأفاضل الخلف ولم يلابسوا شيئًا من ذلك انتهى.
وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى وأما اتخاذ التصفيق والغناء والضرب بالدفوف والنفخ في الشبابات والاجتماع على ذلك دينًا وطريقًا إلى الله تعالى وقربة فهذا ليس من دين الإسلام وليس مما شرعه لهم نبيهم محمد ﷺ ولا أحد من خلفائه ولا استحسن ذلك أحد من أئمة المسلمين بل ولم يكن أحد من أهل الدين يفعل ذلك على عهد
следующие страницы →