← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 17326

الرد على الكاتب المفتون

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (239 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الإمام أحمد عن معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق عن زائدة عن عاصم بن كليب عن أبيه أن رجلاً من الأنصار أخبره قال خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة فلما رجعنا لقينا داعي امرأة من قريش فقال: يا رسول الله إن فلانة تدعوك ومن معك إلى طعام فانصرف فانصرفنا معه فجلسنا مجالس الغلمان من آبائهم بين أيديهم ثم جيء بالطعام فوضع رسول الله ﷺ يده ووضع القوم أيديهم ففطن له القوم وهو يلوك لقمته لا يجيزها فرفعوا أيديهم وغفلوا عنا ثم ذكروا فأخذوا بأيدينا فجعل الرجل يضرب اللقمة بيده حتى تسقط ثم أمسكوا بأيدينا ينظرون ما يصنع رسول الله ﷺ فلفظها فألقاها فقال: «أجد لحم شاة أخذت بغير إذن أهلها» فقامت المرأة فقالت يا رسول الله: إنه كان في نفسي أن أجمعك ومن معك على طعام فأرسلت إلى البقيع فلم أجد شاة تباع وكان عامر بن أبي وقاص ابتاع شاة أمس من البقيع فأرسلت إليه أن ابتغي لي شاة فلم توجد فذكر لي أنك اشتريت شاة فأرسل بها إليَّ فلم يجده الرسول ووجد أهله فدفعوها إلى رسولي فقال رسول الله ﷺ : «اطعموها الأسارى» إسناده صحيح رجاله كلهم من رجال الصحيح سوى كليب بن شهاب الجرمي والد عاصم وهو ثقة وثقه أبو زرعة وابن سعد وقال رأيتهم يستحسنون حديثه ويحتجون به, وذكره ابن حبان في ثقات التابعين وقال: يقال إن له صحبة, وقد روى له أهل السنن والبخاري في جزء رفع اليدين. وقال أبو داود في الباب الثالث من «كتاب البيع»: حدثنا محمد بن العلاء أخبرنا ابن إدريس أخبرنا عاصم بن كليب عن أبيه عن رجل من الأنصار قال خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة فرأيت رسول الله ﷺ وهو على القبر يوصي الحافر: «أوسع من

стр. 107

قبل رجليه أوسع من قبل رأسه فلما رجع استقبله داعي امرأة فجاء وجيء بالطعام فوضع يده ثم وضع القوم فأكلوا فنظر آباؤنا رسول الله ﷺ يلوك لقمة في فمه ثم قال: «أجد لحم شاة أخذت بغير إذن أهلها» فأرسلت المرأة قالت: يا رسول الله إني أرسلت إلى البقيع يشترى لي شاة فلم أجد فأرسلت إلى جار لي قد اشترى شاة أن أرسل إليَّ بها بثمنها فلم يوجد فأرسلت إلى امرأته فأرسلت إليَّ بها فقال رسول الله ﷺ : «أطعميه الأسارى» وقد رواه البيهقي في «دلائل النبوة» من طريق أبي داود بمثل روايته. ورواه الدارقطني في سننه من طريق ابن إدريس عن عاصم بن كليب عن أبيه عن رجل من الأنصار فذكر أوله بنحو رواية أبي داود وقال فيه فلما انصرف تلقاه داعي امرأة من قريش فقال: إن فلانة تدعوك وأصحابك وذكر بقيته بنحو رواية أحمد, ورواه الدارقطني أيضاً حدثنا علي بن محمد بن عبيد حدثنا ابن أبي خيثمة حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا عبد الواحد بن زياد عن عاصم بن كليب عن أبيه قال حدثني رجل من الأنصار قال خرجت مع أبي وأنا غلام مع رسول الله ﷺ , ثم ذكر نحوه وقال فيه قالت: فبعثت إلى أخي عامر بن أبي وقاص وقد اشترى شاة من البقيع فلم يكن أخي ثمَّ فدفع أهله الشاة إليَّ. إسناده صحيح, أما علي بن محمد بن عبيد فقال فيه الخطيب البغدادي: كان ثقة أميناً حافظاً عارفاً, ونقل الخطيب عن طلحة بن محمد بن جعفر أنه قال فيه الحافظ الثقة, وترجم له الذهبي في «تذكرة الحفاظ» وقال فيه الحافظ الإمام وذكر قول الخطيب فيه وأقره وأما ابن أبي خيثمة فهو أحمد بن زهير بن حرب قال فيه الخطيب البغدادي كان ثقة عالماً متقناً حافظاً بصيراً بأيام الناس راوية للأدب. قال: وذكره الدارقطني فقال: ثقة مأمون, وترجم له الذهبي في «تذكرة الحفاظ»

стр. 108

وقال فيه الحافظ الحجة الإمام, وذكر قول الخطيب فيه وأقره, وأما موسى بن إسماعيل التبوذكي وعبد الواحد بن زياد فهما من رجال الصحيحين, وأما عاصم بن كليب فقد روى له مسلم وأهل السنن, وأبوه تقدم الكلام في توثيقه. وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه المسمى بـ «الإصابة» روينا في الجزء الثاني من حديث أبي العباس بن مكرم بإسناده عن عاصم بن كليب عن أبيه حدثني رجل من الأنصار قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة وأنا غلام مع أبي يومئذ - فذكر الحديث في قصة المرأة التي أضافتهم بالشاة وأن النبي ﷺ أخذ لقمة فلاكها ولم يسغها فقالت المرأة: أرسلت إلى البقيع فلم أجد شاة تباع وكان أخي عامر بن أبي وقاص عنده شاة فدفعها أهلها إلى رسولي وهو غائب, الحديث. وقد تبين من سياق هذه الأحاديث أن الميت الذي خرج النبي ﷺ معه وأخبر أن له عذقاً في الجنة هو أبو الدحداح الأنصاري وأن المرأة التي دعت النبي ﷺ وأصحابه إلى الطعام كانت قرشية وهي أخت سعد وعامر ابني أبي وقاص ولم تكن أم الدحداح التي هي زوجة الميت, ففي هذا أبلغ رد على من زعم أن صاحبة الطعام زوجة الميت والله أعلم. الوجه الثالث: أن صاحب المقال الباطل قد اختصر الحديث اختصاراً أخلَّ به وأوهم أن رسول الله ﷺ ومن معه أكلوا طعام المرأة, وليس الأمر كذلك لأن رسول الله ﷺ لفظ اللقمة من فيه من حين ابتدأوا في الأكل فرفع القوم أيديهم وأخذوا بأيدي غلمانهم عن الطعام وألقوا ما كان معهم ثم إن رسول الله

стр. 109

- ﷺ أمر المرأة أن تطعمه الأسارى. وقد تقدم بيان ذلك في حديث عاصم بن كليب. فصل وزعم صاحب المقال الباطل أن رسول الله ﷺ لم يقل لمخالفه أنت جاهل أو إنك تقول بغير علم. والجواب أن يقال إن رسول الله ﷺ قد قال لأبي ذر الغفاري ﵁ لما عَيَّر رجلاً بأمه: «إنك امرؤ فيك جاهلية» وعاب الذين أفتوا بغير علم وشدد في الإنكار عليهم, فأما حديث أبي ذر ﵁ فقد رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود عن أبي ذر ﵁ قال: كان بيني وبين رجل كلام وكانت أمه أعجمية فنلت منها فذكرني للنبي ﷺ فقال لي: «أساببت فلاناً» قلت: نعم, قال: «أفنلت من أمه» قلت: نعم, قال: «إنك امرؤ فيك جاهلية» قلت: على حين ساعتي هذه من كبر السن قال: «نعم» هذا لفظ البخاري في «كتاب الأدب» من صحيحه. وفي رواية لمسلم قلت: يا رسول الله من سب الرجال سبوا أباه وأمه قال: «يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية» وفي رواية له أخرى بعد قوله: «إنك امرؤ فيك جاهلية» قال: قلت على حال ساعتي من الكبر قال: «نعم على حال ساعتك من الكبر». وفي قوله ﷺ لأبي ذر ﵁: «إنك امرؤ فيك جاهلية ما هو أبلغ وأنكى من القول أنت جاهل. وفي الحديث دليل على أنه يجوز وصف المخالف للسنة بصفة الجهل». وأما إنكار النبي ﷺ على الذي أفتوا بغير علم

стр. 110

ووصفه إياهم بالعي الذي هو الجهل وعدم العلم فقد رواه أبو داود والدارقطني والبيهقي من حديث جابر ﵁ قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلاً منا حجر فشجه في رأسه ثم احتلم فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم فقالوا ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء فاغتسل فمات فلما قدمنا على النبي ﷺ أخبر بذلك فقال: «قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده» وقد رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم في مستدركه والدارقطني والبيهقي في سننيهما من حديث ابن عباس ﵄ مختصراً وصححه الحاكم والذهبي. قال ابن الأثير في «النهاية» وابن منظور في «لسان العرب»: العي الجهل قال أبو الطيب شمس الحق العظيم آبادي في «عون المعبود» والمعنى أن الجهل داء وشفاؤه السؤال والتعلم, وقال الخطابي في هذا الحديث من العلم أنه عابهم بالفتوى بغير علم وألحق بهم الوعيد بأن دعا عليهم وجعلهم في الإثم قتلة له انتهى. وفي هذين الحديثين وحديث أبي ذر ﵁ أبلغ رد على صاحب المقال الباطل الذي قد بذل وسعه في معارضة العلماء الذي يحذرون من بدعتي المأتم والمولد وغيرهما من أنواع البدع والمخالفات. فصل وزعم صاحب المقال الباطل أن المنافقين لم يحرموا من بر النبي ﷺ وعطفه. قال: ولم يسلط عليهم لسانه وقسوته.

стр. 111

والجواب عن هذا من وجهين أحدهما: أن يقال إن النبي ﷺ لم يكن يبر المنافقين ويعطف عليهم كما زعم ذلك صاحب المقال الباطل, وإنما كان يعاملهم بما أمره الله به من جهادهم والغلظة عليهم, قال الله تعالى في سورة التوبة وسورة التحريم: ﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾ قال عطاء نسخت هذه الآية كل شيء من العفو والصفح. ذكره البغوي في تفسيره. قال: واختلفوا في صفة جهاد المنافقين, قال ابن مسعود: بيده فإن لم يستطع فبلسانه وإن لم يستطع فبقلبه, وقال: لا تلق المنافقين إلا بوجه مكفهر وقال ابن عباس: باللسان وترك الرفق وقال الضحاك: بتغليظ الكلام وقال الحسن وقتادة: بإقامة الحدود عليهم, قال ابن كثير: وقد يقال: إنه لا منافاة بين هذه الأقوال لأنه تارة يؤاخذهم بهذا وتارة بهذا بحسب الأحوال انتهى. وذكر القرطبي في تفسيره عن ابن عباس ﵄ أنه قال: أمر بالجهاد مع الكفار بالسيف ومع المنافقين باللسان وشدة الزجر والتغليظ. وقد روى الإمام أحمد والطبراني عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ خطبة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «إن فيكم منافقين فمن سميت فليقم, ثم قال: قم يا فلان قم يا فلان قم يا فلان حتى سمى ستة وثلاثين رجلاً ثم قال: إن فيكم أو منكم فاتقوا الله» وفي رواية الطبراني: «فسلوا الله العافية» قال فمر عمر على رجل ممن سمى مقنع قد كان يعرفه قال مالك: قال فحدثه بما قال رسول الله ﷺ فقال بعداً لك سائر اليوم. وفي هذا الحديث ما مع تقدم ذكره من الآية الكريمة وأقوال المفسرين من الصحابة والتابعين أبلغ رد على من زعم أن رسول الله ﷺ كان يبر المنافقين ويعطف عليهم. وقد فضح الله المنافقين في سورة براءة وغيرها من السور ونهى

стр. 112

رسوله ﷺ عن الاستغفار لهم والصلاة عليهم والقيام على قبورهم, قال سعيد بن جبير قلت لابن عباس ﵄: سورة التوبة, قال التوبة هي الفاضحة ما زالت تنزل ومنهم ومنهم حتى ظنوا أنها لم تبق أحداً منهم إلا ذكر فيها, رواه البخاري ومسلم. وما كان رسول الله ﷺ ليبر ويعطف على أناس قد حذره الله منهم في قوله تعالى: ﴿هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنّى يؤفكون﴾ وقال فيهم: ﴿سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين﴾ وقال فيهم: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون, ها أنتم أولآء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنّا وإذا خلو عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور, إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً إن الله بما يعملون محيط﴾. فإن احتج المفتون على ما زعمه من بر المنافقين والعطف عليهم بما ورد في قصة عبد الله بن أبي بن سلول حين مات وأن رسول الله ﷺ أمر به أن يخرج من قبره وأنه نفث عليه من ريقه وألبسه قميصه وصلى عليه. فالجواب: أن يقال ليس في قصة عبد الله بن أبي ما يتعلق به أهل الباطل لأن رسول الله ﷺ إنما فعل مع عبد الله بن أبي ما فعل إكراماً لابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي لأن عبد الله بن عبد الله كان من فضلاء الصحابة وخيارهم. وقد استأذن رسول الله - صلى الله عليه

стр. 113

وسلم - في قتل أبيه فلم يأذن له, وقال لأبيه أنت الذليل ورسول الله ﷺ هو العزيز, ولما مات أبوه جاء إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله إنك إن لم تأته لم نزل نعيّر بهذا فأتاه رسول الله ﷺ فوجده قد أدخل في حفرته فأمر به فأخرج منها وتفل عليه من ريقه وألبسه قميصه, وكان هذا قبل أن ينهاه ربه عن الصلاة على المنافقين والقيام على قبورهم ثم إن الله تعالى أنزل عليه: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره﴾ فكان بعد نزول هذه الآية لا يصلي على أحد من المنافقين ولا يقوم على قبره, وفي هذه الآية الكريمة أبلغ رد على من زعم أن رسول الله ﷺ كان يبر المنافقين ويعطف عليهم. الوجه الثاني: أن يقال إن رسول الله ﷺ لم يكن موصوفاً بالقسوة كما زعم ذلك صاحب المقال الباطل, وإنما كان موصوفاً باللين والرأفة والرحمة للمؤمنين وبالشدة والغلظة على الكافرين والمنافقين, قال الله تعالى: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ وقال تعالى: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ وفي صحيح البخاري ومسند الإمام أحمد عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاصي فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة فقال: أجل والله إنه لموصوف في التوراة بصفته في القرآن: ﴿يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً﴾ وحرزاً للأميين وأنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل لست بفظ ولا غليظ ولا سخاب بالأسواق ولا يدفع السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويغفر ولن يقبضه حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله فيفتح به

стр. 114

أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً, قال عطاء لقيت كعباً فسألته فما اختلفا في حرف إلا إن كعباً يقول بلغته أعيناً عمومى وآذاناً صمومى وقلوباً غلوفى, هذا لفظ أحمد. فهذه صفة رسول الله ﷺ مع المؤمنين. وأما مع الكافرين والمنافقين فقد أمره الله بالشدة والغلظة عليهم فقال تعالى: ﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾ وقال تعالى: ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم﴾ وقال تعالى: ﴿أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين﴾. وفيما ذكرته من الآيات وحديث عبد الله بن عمرو ﵄ أبلغ رد على من وصف رسول الله ﷺ بالقسوة. فصل وقال صاحب المقال الباطل ألم يقل بعض العلماء إن البدع ليست كلها سيئة, وقالوا إن هناك بدعة سيئة وبدعة حسنة حتى في الدين. والجواب عن هذا من وجوه أحدها: أن يقال وهل يظن صاحب المقال الباطل أن أقوال بعض العلماء في تحسين بعض البدع يجب الأخذ بها ولا تجوز مخالفتها وأنها تجرى مجرى النصوص من الكتاب والسنة, كلّا بل إن الكتاب والسنة هما الميزان الذي توزن به أقوال الناس وأعمالهم, فما وافقهما فهو مقبول, وما خالفهما فهو مردود على صاحبه كائناً من كان, وإذا عرضنا أقوال القائلين بتحسين بعض البدع على الكتاب والسنة وجدناها مخالفة للنصوص الثابتة عن النبي ﷺ في التحذير من البدع على وجه العموم والأمر باجتنابها بدون استثناء منها. وما خالف أقوال الرسول ﷺ فهو مخالف لكتاب الله

стр. 115

لأن الله تعالى قال في صفة رسوله ﷺ : ﴿وما ينطق عن الهوى, إن هو إلا وحي يوحى﴾ وقال تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب﴾ وقال تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ وقال تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً﴾ وقال تعالى: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً﴾ وفي هذه الآيات أبلغ رد على من عمل بشيء من البدع وعلى من استحسن شيئاً منها ولم يلتفت إلى النصوص الثابتة عن النبي ﷺ في التحذير منها والأمر بردها. الوجه الثاني: أن يقال ما ذكره صاحب المقال الباطل عن بعض العلماء في تحسين بعض البدع فهو قول باطل مردود بالنصوص الثابتة عن النبي ﷺ في التحذير من البدع والأمر باجتنابها بدون استثناء شيء منها, فالأول من النصوص قوله ﷺ : ﴿عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» رواه الإمام أحمد وأهل السنن وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه من حديث العرباض بن سارية ﵁ وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وصححه الحاكم والذهبي, وقال ابن عبد البر في كتابه «جامع البيان العلم وفضله»: حديث عرباض بن سارية في الخلفاء الراشدين حديث ثابت صحيح. وفي هذا الحديث النص على أن كل محدثة بدعة وأن كل بدعة ضلالة, وفي هذا أبلغ تحذير من البدع على وجه العموم, وفيه أيضاً أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى كل من زعم أن البدع ليست كلها سيئة وأن هناك بدعة حسنة حتى في

стр. 116

الدين, وقد قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في الكلام على حديث العرباض بن سارية ﵁, قوله ﷺ : «كل بدعة ضلالة» من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيء وهو أصل عظيم من أصول الدين وهو شبيه بقوله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذاما ليس منه فهو رد» فكل من أحدث شيئاً ونسبه إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة, والدين بريء منه, وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات أو الأعمال أو الأقوال الظاهرة والباطنة انتهى. الثاني: من النصوص قوله ﷺ في خطبته: «أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة» رواه الإمام أحمد ومسلم وابن ماجه والدارمي من حديث جابر بن عبد الله ﵄, وقد رواه النسائي بإسناد جيد ولفظه «إن أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» ففي هذا الحديث النص على أن الأمور شر محدثاتها وأن كل محدثة بدعة وأن كل بدعة ضلالة وأن كل ضلالة في النار, وفي هذا النص أبلغ تحذير من البدع على وجه العموم, وفيه أيضاً أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى كل من زعم أن البدع ليست كلها سيئة وأن هناك بدعة حسنة حتى في الدين, وقد روى ابن ماجه عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ نحو حديث جابر ﵁, ورواه ابن وضاح وابن عبد البر وغيرهما موقوفاً على ابن مسعود ﵁, وعلى تقدير صحة وقفه فله حكم المرفوع لأنه لا يقال من قبل الرأي وإنما يقال عن توقيف, وحديث جابر يشهد له ويقويه.

стр. 117

الثالث: من النصوص قوله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه رد» رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه من حديث عائشة ﵂, وفي رواية لأحمد ومسلم والبخاري تعليقاً مجزوما به «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» , قال النووي في شرح مسلم: قال أهل العربية الرد هنا بمعنى المردود ومعناه فهو باطل غير معتد به. قال: وهذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام وهو من جوامع كلمه ﷺ فإنه صريح في رد كل البدع والمخترعات. وقال أيضاً وهذا الحديث مما ينبغي حفظه واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال به انتهى. وقال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري»: هذا الحديث معدود من أصول الإسلام وقاعدة من قواعده فإن معناه من اخترع في الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله فلا يلتفت إليه, ثم ذكر قول النووي أن هذا الحديث مما ينبغي أن يعتنى بحفظه واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال به كذلك, قال: وقال الطرقي هذا الحديث يصلح أن يسمى نصف أدلة الشرع, قال الحافظ: وفيه رد المحدثات وأن النهي يقتضي الفساد لأن المنهيات كلها ليست من أمر الدين فيجب ردها انتهى. قلت: وفي النص على رد المحدثات والأعمال التي ليس عليها أمر النبي ﷺ أبلغ تحذير من البدع على وجه العموم, وفيه أيضاً أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى كل من زعم أن البدع ليست كلها سيئة وأن هناك بدعة حسنة حتى في الدين. الوجه الثالث: أن القول بتحسين بعض البدع حتى في الدين يستلزم الاستدراك على الشريعة المحمدية, وما استلزم الاستدراك على

стр. 118

الشريعة الكاملة فهو قول سوء يجب رده على قائله, وقد قال الشاطبي في كتاب «الاعتصام» إن المستحسن للبدع يلزمه أن يكون الشرع عنده لم يكمل بَعْدُ فلا يكون لقوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ معنى يعتبر به عندهم انتهى. وذكر الشاطبي أيضاً ما رواه ابن حبيب عن ابن الماجشون قال: سمعت مالكاً يقول: «من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمداً ﷺ خان الرسالة لأن الله يقول: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ فما لم يكن يومئذ ديناً فلا يكون اليوم ديناً» وذكره الشاطبي في موضع آخر من كتاب «الاعتصام» ولفظه قال: «من أحدث في هذه الأمة شيئاً لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول الله ﷺ خان الرسالة» وذكر بقيته بمثل ما تقدم انتهى. الوجه الرابع أن القول بتحسين بعض البدع حتى في الدين يستلزم رد النصوص الثابتة عن النبي ﷺ في التحذير من البدع والأمر بردها, وما استلزم الرد للنصوص الثابتة عن النبي ﷺ فهو قول سوء يجب رده على قائله. الوجه الخامس: أن القول بتحسين بعض البدع حتى في الدين يفتح باب التشريع في الدين والعمل بما لم يأذن به الله, وقد ذم الله تعالى من فعل ذلك وتوعدهم بأشد الوعيد فقال تعالى: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم﴾ وفي هذه الآية الكريمة أبلغ رد على من استحسن شيئاً من البدع وعلى من زعم أن البدع ليست كلها سيئة وأن هناك بدعة حسنة حتى في الدين.

стр. 119

فصل وقال صاحب المقال الباطل: ألم يرد على لسان أحد الصحابة رضوان الله عليهم «نعمت البدعة هذه, ألم يُحْدِث سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ جمع الناس في صلاة التراويح وجعلها عشرين ركعة ولم يكن ذلك موجوداً في عهد الرسول ولا عهد أبي بكر وهل قام الصحابة وهم مثله في العلم والفقه والمقام من رسول الله وهاجموه وقالوا له لماذا تشرع لنا من الدين ما لم يأذن به الله, وصلاة التهجد في رمضان فقط وفي جماعة هل شرعها الرسول هكذا أو هل فعلها أصحابه. والجواب عن هذا من وجوه أحدها: أن يقال أما اجتماع الناس على إمام واحد في قيام رمضان فليس ببدعة ولم يُحْدِثه عمر ﵁ كما زعم ذلك صاحب المقال الباطل, وإنما هو سنة سنها رسول الله ﷺ فقد صلى بالناس جماعة في شهر رمضان ثلاث ليال ثم ترك ذلك مخافة أن تفرض صلاة الليل على أمته فيعجزوا عنها, وقد جاء في ذلك عدة أحاديث. منها ما رواه مالك وأحمد والبخاري ومسلم واللفظ له وأبو داود والنسائي عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ خرج من جوف الليل فصلى في المسجد فصلى رجال بصلاته فأصبح الناس يتحدثون بذلك فاجتمع أكثر منهم فخرج رسول الله ﷺ في الليلة الثانية فصلوا بصلاته فأصبح الناس يذكرون ذلك فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة فخرج فصلوا بصلاته فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ فطفق رجال منهم يقولون الصلاة فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ حتى خرج لصلاة الفجر فلما قضى الفجر أقبل على الناس ثم تشهد فقال: «أما بعد فإنه لم يخف عليَّ

стр. 120

شأنكم الليلة ولكني خشيت أن تفرض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عنها» وفي رواية لهم وذلك في رمضان. ومنها ما رواه الإمام أحمد أيضاً وأهل السنن عن أبي ذر ﵁ قال: صمنا مع رسول الله ﷺ رمضان فلم يقم بنا شيئاً من الشهر حتى بقي سبع فقام بنا حتى ذهب نحو من ثلث الليل ثم لم يقم بنا الليلة الرابعة وقام بنا الليلة تليها حتى ذهب نحو من شطر الليل قال: فقلنا يا رسول الله لو نفلتنا بقية ليلتنا هذه قال: «إن الرجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف حسب له بقية ليلته» ثم لم يقم بنا السادسة وقام بنا السابعة قال: وبعث إلى أهله واجتمع الناس فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح, قال: قلت وما الفلاح قال السحور, هذا لفظ أحمد وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وفي قوله ﷺ : «إن الرجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف حسب له بقية ليلته» دليل على أن الاجتماع على إمام واحد في قيام رمضان سنة وليس ببدعة. ومنها ما رواه الإمام أحمد والنسائي أيضاً بإسناد جيد عن نعيم بن زياد أبي طلحة الأنماري قال: سمعت النعمان بن بشير ﵄ على منبر حمص يقول: قمنا مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان ليلة ثلاث عشرين إلى ثلث الليل ثم قمنا معه ليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل ثم قمنا معه ليلة سبعة وعشرين حتى ظننا أن لا ندرك الفلاح وكانوا يسمونه السحور. وإذا علم ما جاء في هذه الأحاديث من صلاة النبي ﷺ بالناس ثلاث ليال في رمضان, وما جاء في حديث أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الرجل إذا قام مع

стр. 121

الإمام حتى ينصرف حسب له بقية ليلته» فليعلم أيضاً أن ما فعله عمر ﵁ من جمع الناس على إمام واحد في قيام رمضان هو السنة لأمرين أحدهما أن النبي ﷺ قد صلى بالناس ثلاث ليال في رمضان ثم قطع ذلك خشية أن يفرض القيام على أمته, وما فعله النبي ﷺ فهو سنة وليس ببدعة. الأمر الثاني: أن رسول الله ﷺ قال: «إن الرجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف حسب له بقية ليلته» وفي رواية الترمذي «كتب له قيام ليلة» ونحوه في رواية للنسائي, وهذا الحديث ظاهر في الترغيب في صلاة القيام في رمضان مع الجماعة وإكمال الصلاة مع الإمام. وفي هذا أوضح دليل على سنية الاجتماع على إمام واحد في قيام رمضان. وفي الحديث أيضاً مع ما جاء في الأحاديث الثلاثة من صلاة النبي ﷺ بالناس ثلاث ليال في قيام رمضان أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى غيره من الذين يزعمون أن عمر ﵁ هو الذي أحدث جمع الناس في صلاة التراويح وأن ذلك لم يكن موجوداً في عهد الرسول ﷺ . ومما يرد به عليهم أيضاً حيث جابر بن عبد الله ﵄ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ في شهر رمضان ثمان ركعات وأوتر فلما كانت القابلة اجتمعنا في المسجد ورجونا أن يخرج إلينا فلم نزل فيه حتى أصبحنا ثم دخلنا فقلنا: يا رسول الله اجتمعنا في المسجد ورجونا أن تصلي بنا فقال: «إني خشيت أو كرهت أن يكتب عليكم» رواه أبو يعلى ومحمد بن نصر وابن خزيمة في صحيحه والطبراني في الصغير. ومما يرد به عليهم أيضاً ما رواه البيهقي في سننه عن ثعلبة ابن أبي مالك القرظي قال: خرج رسول الله ﷺ -

стр. 122

ذات ليلة في رمضان فرأى ناساً في ناحية المسجد يصلون فقال: «ما يصنع هؤلاء» قال قائل: يا رسول الله هؤلاء ناس ليس معهم قرآن وأبي بن كعب يقرأ وهم معه يصلون بصلاته قال: «قد أحسنوا أو قد أصابوا» ولم يكره ذلك لهم, قال البيهقي: هذا مرسل حسن, وقد روي موصولاً بإسناد ضعيف من حديث أبي هريرة ﵁, رواه أبو داود والبيهقي في سننيهما ومحمد بن نصر المروزي في «قيام الليل» وروى محمد بن نصر أيضاً وأبو يعلى والطبراني في الأوسط عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: جاء أبي بن كعب ﵁ في رمضان فقال: يا رسول الله كان مني الليلة شيء قال: «وما ذاك يا أُبي» قال: نسوة داري قلن إنا لا نقرأ القرآن فنصلي خلفك بصلاتك فصليت بهن ثمان ركعات والوتر فسكت عنه وكان شبه الرضا. قال الهيثمي رواه أبو يعلى والطبراني بنحوه في الأوسط وإسناده حسن. وهذا الحديث والحديث قبله يعضدهما المرسل الحسن الذي رواه البيهقي ويشهد لكل من الأحاديث الثلاثة ما تقدم في حديث عائشة وأبي ذر والنعمان بن بشير ﵃ أن رسول الله ﷺ صلى بالناس ثلاث ليال في رمضان, ويشهد لها أيضاً حديث جابر الذي صححه ابن خزيمة, ويشهد لها أيضاً قوله ﷺ في حديث أبي ذر ﵁: «إن الرجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف حسب له بقية ليلته». الوجه الثاني: أن يقال على سبيل الفرض والتقدير لو أن عمر ﵁ هو الذي أحدث جمع الناس في صلاة التراويح ولم يكن مسبوقاً بفعل النبي ﷺ وقوله وتقريره لكان صنيعه في جمع الناس على إمام واحد سنة يعمل بها كما يعمل بالسنن الثابتة عن

стр. 123

النبي ﷺ . والدليل على ذلك قول النبي ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ» فهذا النص الصحيح يدل على أن ما فعله عمر ﵁ من جمع الناس على إمام واحد في قيام رمضان فهو سنة وليس ببدعة. ويدل على ذلك أيضاً ما رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه والبخاري في تاريخه والحاكم في مستدركه عن حذيفة بن اليمان ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» قال الترمذي: هذا حديث حسن وصححه الحاكم والذهبي, وروى الترمذي والحاكم أيضاً عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ نحوه. ويدل على ذلك أيضاً ما رواه الإمام أحمد والترمذي وابن حبان في صحيحه عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله تعالى جعل الحق على لسان عمر وقلبه» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب, قال وفي الباب عن الفضل بن العباس وأبي ذر وأبي هريرة انتهى, ولفظه عند ابن حبان «إن الله جعل الحق على لسان عمر يقول به» وروى الإمام أحمد أيضاً وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه» وروى الإمام أحمد أيضاً وأبو داود وابن ماجه والحاكم في مستدركه عن أبي ذر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله وضع الحق على لسان عمر يقول به» قال الحاكم صحيح على شرط الشيخين. وقال الذهبي على شرط مسلم.

стр. 124

وقد أجمع الصحابة ﵃ وفيهم من الخلفاء الراشدين عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب ﵄ على إقرار ما فعله عمر ﵁ من جمع الناس على إمام واحد في قيام رمضان, والصحابة ﵃ لا يجتمعون على شيء من البدع وإنما يجتمعون على السنة, وقد ذكر الإمام محمد بن نصر المروزي في كتاب «قيام الليل» عن أبي إسحاق الهمداني قال: خرج علي بن أبي طالب ﵁ في أول ليلة من رمضان والقناديل تزهر في المساجد وكتاب الله يتلى فجعل ينادي نَوَّر الله لك يا ابن الخطاب في قبرك كما نوّرت مساجد الله بالقرآن. وقد قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى سَنَّ رسول الله ﷺ وخلفاؤه من بعده سنناً الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستكمال لطاعة الله وقوة على دين الله ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في شيء خالفها, من عمل بها مهتد ومن انتصر بها منصور ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا, رواه أبو بكر الخطيب من طريق الزهري عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى, وقد ذكره الشاطبي في كتاب «الاعتصام» فقال: ومن كلامه الذي عني به وبحفظه العلماء, وكان يعجب مالكاً جداً - فذكر كلام عمر الذي رواه الخطيب ثم قال -: وبحق ما كان يعجبهم فإنه كلام مختصر جمع أصولاً حسنة من السنة, منها قوله ليس لأحد تغييرها ولا تبديها ولا النظر في شيء خالفها, قطعٌ لمادة الابتداع جملة, وقوله من عمل بها مهتد - إلى آخر الكلام - مدحٌ لمتبع السنة وذم لمن خالفها بالدليل الدال على ذلك وهو قول الله سبحانه: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا﴾. ومنها ما سنه

стр. 125

ولاة الأمر من بعد النبي ﷺ فهو سنة, لا بدعة فيه البتة, وإن لم يعلم في كتاب الله ولا سنة نبيه ﷺ نص عليه على الخصوص فقد جاء ما يدل عليه في الجملة وذلك نص حديث العرباض بن سارية ﵁ حيث قال فيه: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور» فقرن ﵇ كما ترى - سنة الخلفاء الراشدين بسنته وأن من اتباع سنته اتباع سننهم وأن المحدثات خلاف ذلك ليست منها في شيء لأنهم ﵃ فيما سنوه إما متبعون لسنة نبيهم ﵇ نفسها. وإما متبعون لما فهموا من سنته ﷺ في الجملة والتفصيل على وجه يخفى على غيرهم مثله, لا زائد على ذلك. ومن الأصول المضمنة في أثر عمر بن عبد العزيز أن سنة ولاة الأمر وعملهم تفسير لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ لقوله: «الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستكمال لطاعة الله وقوة في دين الله» وهو أصل مقرر في غير هذا الموضع. فقد جمع كلام عمر بن عبد العزيز ﵀ أصولاً حسنة وفوائد مهمة انتهى كلام الشاطبي رحمه الله تعالى. الوجه الثالث: أن يقال إنما سمى عمر ﵁ ما فعله من جمع الناس على إمام واحد في قيام رمضان بدعة من أجل أن النبي ﷺ لم يستمر على فعله ولأنه لم يكن يفعل في زمان أبي بكر ﵁ فلهذا قال عمر بن الخطاب ﵁ فيه ما قال، وقد صرح الشاطبي في كتاب «الاعتصام» أن عمر بن الخطاب ﵁ إنما سمى قيام الناس في ليالي رمضان بدعة على المجاز. وقال في موضع آخر من كتاب «الاعتصام» وأما قسم المندوب فليس من البدع

стр. 126

بحال وتبيين ذلك بالنظر في الأمثلة التي مثّل لها بصلاة التراويح في رمضان جماعة في المسجد فقد قام بها رسول الله ﷺ في المسجد واجتمع الناس خلفه - ثم ذكر الشاطبي حديث أبي ذر ﵁ في قيام النبي ﷺ بالناس ثلاث ليال في العشر الأواخر من رمضان وذكر أيضاً حديث عائشة ﵂ في ذلك وفيه أنهم لما اجتمعوا في الليلة الثالثة أو الرابعة لم يخرج إليهم رسول الله ﷺ فلما أصبح قال: «قد رأيت صنيعكم فلم يمنعني من الخروج إلا أني خشيت أن يفرض عليكم» وقد ذكرت هذين الحديثين في الوجه الأول وذكرت معهما حديث النعمان بن بشير ﵄, بنحو حديث أبي ذر ﵁ ثم قال الشاطبي بعد ذكره لحديث عائشة ﵂ فتأملوا ففي هذا الحديث ما يدل على كونها سنة فإن قيامه أولاً بها دليل على صحة القيام في المسجد جماعة في رمضان, وامتناعه بعد ذلك من الخروج خشية الافتراض لا يدل على امتناعه مطلقاً لأن زمانه كان زمان وحي وتشريع فيمكن أن يوحى إذا عمل به الناس بالإلزام, فلما زالت علة التشريع بموت رسول الله ﷺ رجع الأمر إلى أصله وقد ثبت الجواز فلا ناسخ له, وإنما لم يقم ذلك أبو بكر ﵁ لأحد أمرين, إما لأنه رأى أن قيام الناس آخر الليل وما هم عليه كان أفضل عنده من جمعهم على إمام أول الليل, ذكره الطرطوشي, وإما لضيق زمانه ﵁ عن النظر في هذه الفروع مع شغله بأهل الردة وغير ذلك مما هو أوكد من صلاة التراويح, فلما تمهد الإسلام في زمن عمر ﵁ ورأى الناس في المسجد أوزاعاً - كما جاء في الخبر - قال: لو جمعت الناس على قارئ واحد لكان أمثل, فلما تم له ذلك نبه على أن قيامهم آخر الليل أفضل, ثم اتفق السلف على صحة ذلك وإقراره, والأمة لا تجتمع على ضلالة,

стр. 127

وقد نص الأصوليون أن الإجماع لا يكون إلا عن دليل شرعي. فإن قيل فقد سماها عمر ﵁ بدعة وحسنها بقوله: «نعمت البدعة هذه» وإذا ثبتت بدعة مستحسنة في الشرع ثبت مطلق الاستحسان في البدع. فالجواب إنما سماها بدعة باعتبار ظاهر الحال من حيث تركها رسول الله ﷺ واتفق أنها لم تقع في زمان أبي بكر ﵁, لا أنها بدعة في المعنى, فمن سماها بدعة بهذا الاعتبار فلا مشاحة في الأسامي. وعند ذلك فلا يجوز أن يستدل بها على جواز الابتداع بالمعنى المتكلم فيه لأنه نوع من تحريف الكلم عن مواضعه انتهى. وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه «اقتضاء الصراط المستقيم» فأما صلاة التراويح فليست بدعة في الشريعة بل هي سنة بقول رسول الله ﷺ وفعله فإنه قال: «إن الله فرض عليكم صيام رمضان وسننت لكم قيامه» ولا صلاتها جماعة بدعة, بل هي سنة في الشريعة, بل قد صلاها رسول الله ﷺ في الجماعة في أول شهر رمضان ليلتين بل ثلاثاً وصلاها أيضاً في العشر الأواخر في جماعة مرات وقال: «إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة» لما قام بهم حتى خشوا أن يفوتهم الفلاح, رواه أهل السنن, وبهذا الحديث احتج أحمد وغيره على أن فعلها في الجماعة أفضل من فعلها في حال الانفراد, وفي قوله هذا ترغيب في قيام شهر رمضان خلف الإمام وذلك أوكد من أن يكون سنة مطلقة, وكان الناس يصلونها جماعة في المسجد على عهده ﷺ ويقرهم, وإقرارها سنة منه ﷺ انتهى.

стр. 128

وقد ذكر الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه «جامع العلوم والحكم» قول عمر ﵁ لما جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد في المسجد وخرج ورآهم يصلون كذلك فقال: «نعمت البدعة هذه» وروي عنه أنه قال: «إن كانت هذه بدعة فنعمت البدعة» ومراده أن هذا الفعل لم يكن على هذا الوجه قبل هذا الوقت ولكن له أصل في الشريعة يرجع إليه, فمنها أن النبي ﷺ كان يحث على قيام رمضان ويرغب فيه وكان الناس في زمنه يقومون في المسجد جماعات متفرقة ووحداناً, وهو ﷺ صلى بأصحابه في رمضان غير ليلة ثم امتنع من ذلك معللاً بأنه خشي أن يكتب فيعجزوا عن القيام وهذا قد أُمِنَ بعده ﷺ , وروي عنه ﷺ أنه كان يقوم بأصحابه ليالي الأفراد في العشر الأواخر, ومنها أنه ﷺ أمر باتباع سنة الخلفاء الراشدين. وهذا قد صار من سنة الخلفاء الراشدين فإن الناس اجتمعوا عليه في زمن عمر وعثمان وعلي ﵃ انتهى. الوجه الرابع: أن يقال إن صلاة الليل في رمضان وفي غيره ليس للركعات فيها عدد معين لا يزاد عليه ولا ينقص منه, فأقلها ركعة وأكثرها لا حد له. ولا ينكر على من زاد في عدد الركعات ولا على من اقتصر على القليل منها, والأفضل في هذا ما كان موافقاً لفعل النبي ﷺ , وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يصلي في الليل ثلاث عشرة ركعة منها الوتر وركعتا الفجر. وجاء في بعض الروايات في الصحيحين أنه كان يصلي ثلاث عشر ركعة سوى ركعتي الفجر. واختلفت الرواية في عدد الركعات التي كان الصحابة رضي الله

стр. 129

عنهم يقومون بها في رمضان. فروى مالك في الموطأ والبيهقي من طريقه عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد ﵁ أنه قال أمر عمر بن الخطاب أبي بن كعب وتميماً الداري أن يقوما للناس إحدى عشرة ركعة, قال: وقد كان القارئ يقرأ بالمئين حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر. إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد رواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن يحيى بن سعيد القطان عن محمد بن يوسف - وهو ابن عبد الله بن يزيد الكندي المدني الأعرج - أن السائب أخبره أن عمر جمع الناس على أبيّ وتميم فكانا يصليان إحدى عشرة ركعة يقرآن بالمئين يعني في رمضان. إسناده صحيح على شرط الشيخين. وروى مالك في الموطأ والبيهقي من طريقه عن يزيد بن رومان أنه قال: كان الناس يقومون في زمان عمر بن الخطاب ﵁ في رمضان بثلاث وعشرين ركعة. في إسناده انقطاع لأن يزيد بن رومان لم يدرك عمر ﵁, وروى البيهقي بإسناد صحيح عن السائب بن يزيد ﵁ قال: كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب ﵁ في شهر رمضان بعشرين ركعة. قال: وكانوا يقرءون بالمئين وكانوا يتوكئون على عصيهم في عهد عثمان بن عفان ﵁ من شدة القيام. قال البيهقي: ويمكن الجمع بين الروايتين فإنهم كانوا يقومون بإحدى عشرة ثم كانوا يقومون بعشرين ويوترون بثلاث. وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى قيام رمضان لم يوقت النبي ﷺ فيه عدداً معيناً بل كان هو ﷺ لا يزيد في رمضان ولا غيره على ثلاث عشرة ركعة, لكن كان يطيل الركعات فلما جمعهم عمر على أبي بن كعب كان يصلي بهم عشرين ركعة ثم يوتر

стр. 130

بثلاث وكان يخفف القراءة بقدر ما زاد من الركعات لأن ذلك أخف على المأمومين من تطويل الركعة الواحدة. ثم كان طائفة من السلف يقومون بأربعين ركعة ويوترون بثلاث وآخرون قاموا بست وثلاثين وأوتروا بثلاث, وهذا كله سائغ فكيفما قام في رمضان من هذه الوجوه فقد أحسن, والأفضل يختلف باختلاف أحوال المصلين فإن كان فيهم احتمال لطول القيام فالقيام بعشر ركعات وثلاث بعدها كما كان النبي ﷺ يصلي لنفسه في رمضان وغيره هو الأفضل. وإن كانوا لا يحتملونه فالقيام بعشرين هو الأفضل وهو الذي يعمل به أكثر المسلمين فإنه وسط بين العشر وبين الأربعين, وإن كان بأربعين وغيرها جاز ذلك, ولا يكره شيء من ذلك, وقد نص على ذلك غير واحد من الأئمة كأحمد وغيره, ومن ظن أن قيام رمضان فيه عدد موقت عن النبي ﷺ لا يزاد فيه ولا ينقص منه فقد أخطأ انتهى. الوجه الخامس أن يقال: من استحسن بدعتي المأتم والمولد أو غيرهما من المحدثات في الإسلام واستدل على جواز ما استحسنه منها بفعل عمر بن الخطاب ﵁ حين جمع الناس على إمام واحد في قيام رمضان فإنه لا يخلو من أحد أمرين, إما كثافة الجهل بحيث لا يعرف الفرق بين المحدثات التي حذر النبي ﷺ منها وأمر بردها ونص على أنها شر وضلالة وأنها في النار. وبين فعل الخليفة الراشد الذي أمر النبي ﷺ بالاقتداء به وأخبر أن الله جعل الحق على لسانه وقلبه وقرن سنته بسنته وأمر الأمة بالتمسك بها والعض عليها بالنواجذ, ومن كان بهذه المثابة من الجهل فإنه لا يجوز له الخوض فيما لا علم له به لأن الله تعالى قد نهى عن ذلك بقوله: ﴿ولا تَقْفُ ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولاً﴾.

стр. 131

الأمر الثاني: أن يكون عالماً بدخول بدعتي المأتم والمولد في عموم المحدثات التي حذر منها رسول الله ﷺ وأمر بردها ولكنه قد وجد أهله وشيوخه وأهل بلده يعملون بهاتين البدعتين ويستحسنونهما وقد تربى على ما وجد عليه أهله وشيوخه وأهل بلده من البدع وأَلِفَها وأحبها فهو لذلك يتعصب لها ويبذل غاية وسعه في الدفاع عنها وينكر على العلماء والخطباء الذين يحذرون منها ويستدلون على المنع منها بالنصوص الثابتة عن النبي ﷺ في ذلك, وهذا هو الظاهر من حال صاحب المقال الباطل وأشباه له كثيرين من أهل بلده وغير بلده, وما أشد الخطر في هذا لأن الله تعالى يقول: ﴿ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾ وقال تعالى: ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾ وقال تعالى: ﴿أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون﴾ وقال تعالى مشدداً على الذين يخالفون أمر الرسول ﷺ : ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى في الكلام على هذه الآية: أتدري ما الفتنة؟. الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك, ثم جعل يتلو هذه الآية: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً﴾ وفيما ذكرته من الآيات أبلغ تحذير من رد الحق واتباع الهوى ومخالفة ما جاء عن النبي ﷺ , والآيات في هذا المعنى كثيرة جداً ولقد أحسن الشاعر حيث يقول: يقضى على المرء في أيام محنته ... حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن وأبلغ من هذا قول الله تعالى: ﴿ومن يعش عن ذكر الرحمن

стр. 132

نقيض له شيطاناً فهو له قرين, وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون﴾. قال ابن القيم رحمه الله تعالى في «بدائع الفوائد» حَذَارِ حَذَارِ من أمرين لهما عواقب سوء, أحدهما رد الحق لمخالفة هواك فإنك تعاقب بتقليب القلب ورد ما يرد عليك من الحق رأساً ولا تقبله إلا إذا برزَ في قالب هواك. قال تعالى: ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة﴾ فعاقبهم على رد الحق أول مرة بأن قلبت أفئدتهم وأبصارهم بعد ذلك. والثاني التهاون بالأمر إذا حضر وقته فإنك إن تهاونت به ثبطك الله وأقعدك عن مراضيه وأوامره عقوبة لك. قال تعالى: ﴿فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخرج فقل لن تخرجوا معي أبداً ولن تقاتلوا معي عدواً إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين﴾ فمن سلم من هاتين الآفتين والبليتين العظيمتين فلتهنه السلامة انتهى. الوجه السادس: أن يقال من قاس بدعتي المأتم والمولد أو غيرهما من المحدثات في الإسلام على فعل عمر ﵁ حين جمع الناس على إمام واحد في قيام رمضان فقياسه من أفسد القياس وهو من جنس قياس الذين قالوا: ﴿إنما البيع مثل الربا﴾ وهل يستجيز مسلم له عقل ودين أن يقول إن بدعتي المأتم والمولد أو غيرهما من المحدثات في الإسلام من جنس سنة الخليفة الراشد الذي وضع الله الحق على لسانه وقلبه وأمر النبي ﷺ بالاقتداء به والتمسك بسنته والعض عليها بالنواجذ, كلا إن المسلم الذي له عقل ودين لا يستجيز هذا القول الباطل والقياس الفاسد. وإنما يستجيز ذلك من أعماه التقليد لأهل البدع وأصمه, وقد قال الله تعالى: ﴿فإنها لا تعمى الأبصار ولكن

стр. 133

تعمى القلوب التي في الصدور﴾ وروى الإمام أحمد وأبو داود عن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «حبك الشيء يعمي ويصم». الوجه السابع: أن يقال إن صاحب المقال الباطل قد أخطأ خطأ كبيراً وزل زلة شنيعة في هذه الجملة السيئة من كلامه وذلك أنه صرح في مقاله السيء أن عمر ﵁ أحدث جمع الناس في صلاة التراويح وأنه بذلك قد شرع في الدين ما لم يأذن به الله وأن الصحابة ﵃ تركوا الإنكار عليه فلم يقوموا عليه ولم يهاجموه ويقولوا له: لماذا تشرع لنا من الدين ما لم يأذن به الله؟ وما أعظم هذه الجراءة على أمير المؤمنين. وما أعظم إلحاقه بأهل البدع والمحدثات والذين يشرعون من الدين ما لم يأذن به الله, ولكن الأمر في الكاتب كما قيل: «من أمن العقوبة أساء الأدب». وأي أدب أسوأ من الطعن على أمير المؤمنين الخليفة الراشد الذي أخبر النبي ﷺ أن الله تعالى قد وضع الحق على لسانه وقلبه وأمر النبي ﷺ أمته بالاقتداء به وقرن سنته بسنته وأمر الأمة بالتمسك بها والعض عليها بالنواجذ, ومع هذا فإن صاحب المقال الباطل لم يحترمه ولم يحترم أقوال الرسول صلى الله ﷺ ونصوصه الدالة على تعظيم عمر ﵁ وتفضيله على سائر الصحابة بعد أبي بكر ﵁, والله المسئول أن يقيض للكاتب ولأشباهه من ذوي الجراءة على رد الحق وتقرير الباطل والتهجم على الخليفة الراشد وانتهاك حرمته من يأخذ على أيديهم عن هذه الإساءة ويأطرهم على الحق. الوجه الثامن: أن يقال إن هذه الجملة السيئة من كلام الكاتب قد اشتملت على تقرير قاعدتين خبيثتين, إحداهما التسوية بين المحدثات التي حذر منها رسول الله ﷺ وأمر بردها وأخبر أنها شر

стр. 134

وضلالة, وبين سنة الخليفة الراشد في جمع الناس على إمام واحد في قيام رمضان, والثانية تهوين أمر المحدثات في المآتم والمولد وغيرها من البدع ومعارضة الناهين عنها, وقد قال رسول الله ﷺ : «ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً» رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن من حديث أبي هريرة ﵁ وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. الوجه التاسع: أن يقال إن كلام الكاتب قد تضمن الطعن على الصحابة ﵄ ورميهم بالمداهنة في ترك الإنكار على عمر ﵁ ما زعم الكاتب أنه قد أحدثه وشرعه من الدين مما لم يأذن به الله, وذلك حين جمع الناس على إمام واحد في قيام رمضان, والصحابة ﵃ عموماً وعمر ﵁ على وجه الخصوص منزهون عن هذا الإفك والبهتان, فأما عمر ﵁ فإنه لم يحدث في قيام الليل شيئاً لم يسبقه به رسول الله ﷺ ويسنه لأمته بالقول منه والفعل والتقرير كما سبق بيان ذلك في الوجه الأول. ولم يشرع عمر ﵁ من الدين شيئاً لم يأذن به الله, حاشاه من هذا الإفك المبين, وأما الصحابة ﵃ فإنهم منزهون عن المداهنة والسكوت عن إنكار المنكرات وخصوصاً الإحداث في الدين والزيادة في شرع الله, ومن ظن بهم المداهنة والسكوت عن إنكار المنكر فقد ظن بهم ظن السوء. وقد روي من عدة طرق أن عمر ﵁ نهى الناس عن المغالاة في مهور النساء والزيادة فيها على أربعمائة درهم فقالت له امرأة ليس ذلك لك يا عمر إن الله يقول: ﴿وآتيتم إحداهن قنطاراً من ذهب﴾ - وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود ﵁ فقال عمر ﵁: «إن امرأة خاصمت عمر فخصمته» وفي رواية أنه قال:

стр. 135

«امرأة أصابت ورجل أخطأ» وفي رواية أنه قال: «كل الناس أفقه من عمر» وروى الإمام أحمد والبخاري وأبو داود عن أبي وائل قال: جلست إلى شيبة بن عثمان فقال: جلس عمر بن الخطاب في مجلسك هذا فقال: لقد هممت أن لا أدع في الكعبة صفراء ولا بيضاء إلا قسمتها بين الناس قال: قلت ليس ذلك لك قد سبقك صاحباك لم يفعلا ذلك فقال هما المرءآن يقتدي بهما, هذه إحدى الروايتين عند أحمد وإسناده صحيح على شرط الشيخين ونحوه في رواية البخاري والرواية الأخرى عند أحمد. وفي رواية أبي داود عن أبي وائل شقيق بن سلمة عن شيبة - يعني ابن عثمان - قال: قعد عمر بن الخطاب ﵁ في مقعدك الذي أنت فيه فقال: لا أخرج حتى أقسم مال الكعبة قال: قلت ما أنت بفاعل قال: بلى لأفعلن قال: قلت ما أنت بفاعل قال لِمَ قلت: لأن رسول الله ﷺ قد رأى مكانه وأبو بكر ﵁ وهما أحوج منك إلى المال فلم يخرجاه فقام فخرج. وروى محمد بن سعد في «الطبقات» عن عبيد الله بن عباس قال: كان للعباس ﵁ ميزاب على طريق عمر ﵁ فلبس عمر ﵁ ثيابه يوم الجمعة وقد كان ذبح للعباس فرخان فلما وافى الميزاب صب فيه ماء فيه من دم الفرخين فأصاب عمر ﵁ فأمر عمر ﵁ بقلعه ثم رجع عمر ﵁ فطرح ثيابه ولبس غيرها ثم جاء فصلى بالناس فأتاه العباس فقال: والله إنه للموضع الذي وضعه رسول الله ﷺ فقال عمر ﵁ للعباس ﵁: فأنا أعزم عليك لما صعدت على ظهري حتى تضعه في الموضع الذي وضعه رسول الله ﷺ ففعل ذلك العباس ﵁. وفي هذه الآثار بيان ما كان عليه عمر ﵁ من مزيد

стр. 136

الإذعان للحق إذا بلغه ذلك عن الله تعالى أو عن رسوله ﷺ , وما كان عليه أيضا من المسارعة إلى الاقتداء برسول الله ﷺ والتمسك بسنته, وفيها أيضاً بيان ما كان عليه الصحابة ﵃ من بيان الحق لعمر ﵁ فضلاً عن غيره من الناس وأنهم كانوا لا يداهنون أحداً في بيان الحق والرد على من خالفه. وفيها أيضاً أبلغ رد على من رمى الصحابة ﵃ بالمداهنة والسكوت عن بيان الحق والإنكار على من خالفه. وإذا علم هذا فهل يقول مسلم له عقل إن عمر ﵁ قد شرع من الدين ما لم يأذن به الله وأنه قد أحدث في قيام الليل حدثاً لم يسبقه إليه رسول الله ﷺ , كلا لا يقول ذلك مسلم عاقل وإنما يقوله من يتشبه بالروافض في الطعن على الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ والانتهاك لحرمته, وكذلك لا يقول مسلم عاقل إن الصحابة ﵃ داهنوا عمر ﵁ ولم ينكروا ما زعم الكاتب أنه أحدثه وشرعه في الدين, وإنما يقول ذلك أعداء الصحابة ومن يتشبه بأعدائهم من أهل البدع الذين قد ملئت قلوبهم غيظاً على أهل السنة الذين ينكرون البدع ويحذرون منها. الوجه العاشر: أن يقال إن الصحابة ﵃ قد أجمعوا على إقرار ما أمر به عمر ﵁ من جمع الناس على إمام واحد في قيام رمضان وعملوا بذلك في عهده وعهد الخليفتين الراشدين عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب ﵄. وعمل بذلك المسلمون في عهد الصحابة وبعد عهدهم إلى زماننا, ولم ينقل عن أحد من الصحابة ﵃ أنه أنكر صنيع عمر ﵁ لأنهم كانوا يعلمون أنه لم يبتدع في الدين شيئاً لم يكن مسبوقاً إليه, وإنما كان متبعاً لفعل رسول الله ﷺ حين صلى بالناس ثلاث ليال في رمضان

стр. 137

ثم ترك ذلك خشية أن تفرض صلاة الليل على أمته فيعجزوا عنها. وكانوا يعلمون أيضاً أن عمر ﵁ كان عاملاً بقول رسول الله ﷺ : «إن الرجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف حسب له بقية ليلته» ومن كان متبعاً لفعل رسول الله ﷺ وعاملاً بقوله وتقريره فهو محسن غاية الإحسان, وما على المحسنين من سبيل. الوجه الحادي عشر: أن يقال إن صاحب المقال الباطل قد انتقص عمر ﵁ وبخسه حقه وذلك في زعمه أن الصحابة ﵃ كانوا مثل عمر ﵁ في العلم والفقه والمقام من رسول الله ﷺ , وهذا قول باطل مردود على قائله, فإنه ليس بعد أبي بكر الصديق ﵁ أحد يداني عمر ﵁ في العلم والفقه والمقام من رسول الله ﷺ فضلاً عن أن يكون فيهم من يماثله, والأدلة على ذلك كثيرة جداً, فأما تفوقه في العلم فقد جاء فيه أحاديث كثيرة, منها قول النبي ﷺ : «إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه» رواه ابن عمر وأبو ذر وأبو هريرة والفضل بن العباس ﵃ عن النبي ﷺ , وقد تقدم تخريج هذه الأحاديث في الوجه الثاني فلتراجع هناك, وجاء في حديث ابن عمر ﵄ عند أحمد والترمذي وابن حبان قال ابن عمر ما نزل بالناس أمر قط فقالوا فيه وقال فيه عمر بن الخطاب إلا نزل القرآن على نحو مما قال عمر ﵁. ومنها قوله ﷺ : «لقد كان فيما قبلكم من الأمم ناس محدثون فإن يك في أمتي أحد فإنه عمر» رواه الإمام أحمد والبخاري من حديث أبي هريرة ﵁ وهذا لفظ البخاري, وروى الإمام

стр. 138

أحمد أيضاً ومسلم والترمذي نحوه عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ وقال الترمذي حديث صحيح. قال ابن وهب تفسير «محدثون» ملهمون, ذكره مسلم في صحيحه بعد إيراده لحديث عائشة ﵂, وقال الترمذي حدثني بعض أصحاب سفيان قال: قال سفيان بن عيينة «محدثون» يعني مفهمون. ومنها ما رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بينا أنا نائم أتيت بقدح لبن فشربت منه حتى إني لأرى الري يخرج من أظفاري ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب» قال: من حوله فما أولت ذلك يا رسول الله قال: «العلم» وقد رواه الطبراني في الكبير ولفظه أن رسول الله ﷺ قال: «رأيت أني أعطيت عساً مملوءاً لبناً فشربت حتى تملأت حتى رأيته يجري في عروقي بين الجلد واللحم ففضلت فضلة فأعطيتها عمر بن الخطاب فأولوها» قالوا يا نبي الله هذا علم أعطاكه الله فملأك منه ففضلت فضلة فأعطيتها عمر بن الخطاب فقال: «أصبتم» قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. وقد رواه الحاكم في مستدركه بنحوه وقال صحيح على شرط الشيخين: ووافقه الذهبي في تلخيصه. وما جاء في هذا الحديث والأحاديث قبله فكله من خصائص عمر ﵁ دون غيره من الصحابة ﵃. ومنها ما رواه الطبراني في الكبير عن زيد بن وهب قال: قال عبد الله - يعني ابن مسعود ﵁ «إن عمر كان أعلمنا بالله وأقرأنا لكتاب الله وأفقهنا في دين الله» قال الهيثمي رواه الطبراني بأسانيد ورجال أحدها رجال الصحيح.

стр. 139

ومنها ما رواه الطبراني في الكبير أيضاً من طريق أسد بن موسى حدثنا وكيع عن الأعمش عن أبي وائل قال: قال عبد الله - يعني ابن مسعود ﵁ «لو أن علم عمر وضع في كفة ميزان ووضع علم أهل الأرض في كفة لرجح علمه بعلمهم» قال وكيع قال الأعمش: فأنكرت ذلك فأتيت إبراهيم فذكرته له فقال: وما أنكرت من ذلك فو الله لقد قال عبد الله أفضل من ذلك قال: «إني لأحسب تسعة أعشار العلم ذهب يوم ذهب عمر» قال الهيثمي رواه الطبراني بأسانيد ورجال هذا رجال الصحيح غير أسد بن موسى وهو ثقة وقد روى الحاكم في مستدركه رواية أبي وائل عن عبد الله وقال على شرط الشيخين ووافقه الذهبي في تلخيصه. ومنها ما رواه الطبراني في الأوسط عن علي ﵁ أنه قال: «إذا ذكر الصالحون فحي هلا بعمر ما كنا نبعد أصحاب محمد ﷺ أن السكينة تنطق على لسان عمر» قال الهيثمي إسناده حسن, وروى الطبراني أيضاً في الكبير عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر» قال الهيثمي إسناده حسن, وروى الطبراني أيضاً عن طارق بن شهاب ﵁ قال: «كنا نتحدث أن السكينة تنزل على لسان عمر» قال الهيثمي رجاله ثقات. وروى الطبراني أيضاً في الكبير من طريق عاصم - وهو ابن أبي النجود - عن زر عن عبد الله - وهو ابن مسعود ﵁ أنه قال: «إذا ذكر الصالحون فحي هلا بعمر - فذكر الحديث وفيه - وأيم الله إني لأحسب بين عينيه ملكاً يسدده ويرشده» قال الهيثمي رواه الطبراني من طرق وفي بعضها عاصم بن أبي النجود وهو حسن الحديث وبقية رجالها رجال الصحيح.

стр. 140

وفيما ذكرته من الأحاديث والآثار أبلغ رد على من زعم أن الصحابة ﵃ كانوا مثل عمر ﵁ في العلم والفقه. وأما تفوق عمر ﵁ على الصحابة سوى أبي بكر الصديق في المقام من رسول الله ﷺ وعلو المنزلة عنده فقد جاء فيه أحاديث كثيرة. منها ما رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه عن حذيفة ﵁ قال: كنا عند النبي ﷺ جلوساً فقال: «إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي» وأشار إلى أبي بكر وعمر. وقد رواه ابن حبان في صحيحه ولفظه «إني لا أرى مقامي فيكم إلا قليلاً فاقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» ورواه الحاكم في مستدركه مختصراً وصححه ووافقه الذهبي على تصحيحه, وقال الحاكم هذا حديث من أجل ما روي في فضائل الشيخين - يعني أبا بكر وعمر ﵄. ومنها ما رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن عمرو بن العاص ﵁ أن رسول الله ﷺ بعثه على جيش ذات السلاسل قال: فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك قال: «عائشة» قلت: من الرجال قال: «أبوها» قلت: ثم مَنْ قال: «عمر» فعد رجالاً, زاد البخاري في رواية له فسكت مخافة أن يجعلني في آخرهم. ومنها ما رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم في مستدركه عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لعائشة أي أصحاب رسول الله ﷺ كان أحب إلى رسول الله قالت: أبو بكر قلت: ثم مَنْ قالت: عمر قلت: ثم مَنْ قالت: أبو عبيدة بن الجراح قلت: ثم مَنْ قال: فسكتت. هذا لفظ الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح, وقال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي في تلخيصه.

стр. 141

ومنها ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن عمر ﵁ قال: استأذنت رسول الله ﷺ في العمرة فأذن لي وقال: «لا تنسنا يا أُخَيَّ من دعائك» فقال كلمة ما يسرني أن لي بها الدنيا. هذا لفظ أبي داود, وفي رواية له أنه قال: «أشركنا يا أُخَيَّ في دعائك» قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح, وفي رواية لأحمد أنه قال: «يا أُخَيَّ أشركنا في صالح دعائك ولا تنسنا» فقال عمر: ما أحب أن لي بها ما طلعت عليه الشمس لقوله «يا أُخَيَّ». ومنها ما رواه الترمذي والحاكم عن عبد الله بن حنطب ﵁ قال: كنت مع رسول الله ﷺ فنظر إلى أبي بكر وعمر ﵄ فقال: «هذان السمع والبصر» هذا لفظ الحاكم وقال صحيح الإسناد وقال الذهبي حسن. ومنها ما في مستدرك الحاكم أيضاً عن ابن عباس ﵄ في قوله : ﴿وشاورهم في الأمر﴾ قال أبو بكر وعمر ﵄. قال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي في تلخيصه. ومنها ما رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: صلى رسول الله ﷺ صلاة الصبح ثم أقبل على الناس فقال: «بينا رجل يسوق بقرة إذ ركبها فضربها فقالت: إنا لم نخلق لهذا إنما خلقنا للحرث» فقال الناس: سبحان الله بقرة تكلم فقال: «فإني أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر» وما هما ثَمَّ «وبينما رجل في غنمه إذ عدا الذئب فذهب منها بشاة فطلب حتى كأنه استنقذها منه فقال له الذئب: هذا استنقذتها مني فمن لها يوم السبع يوم لا راعي لها غيري» فقال الناس: سبحان الله ذئب يتكلم قال: «فإني أومن بهذا

стр. 142

أنا وأبو بكر وعمر» وما هما ثَمَّ هذا لفظ البخاري في «كتاب أحاديث الأنبياء» وقد رواه الترمذي مفرقاً في موضعين من مناقب أبي بكر وعمر ﵄ وقال في كل منهما حسن صحيح. ومنها ما رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وابن ماجه عن ابن أبي مليكة قال: سمعت ابن عباس ﵄ يقول وضع عمر بن الخطاب على سريره فتكنفه الناس يدعون ويثنون ويصلون عليه قبل أن يرفع وأنا فيهم قال: فلم يرعني إلا برجل قد أخذ بمنكبي من ورائي فالتفتّ إليه فإذا هو عليّ فترحم على عمر وقال: ما خلفت أحداً أحب إليّ أن ألقى الله بمثل عمله منك وأيم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك وذاك أني كنت أكثر أسمع رسول الله ﷺ يقول: «جئت أنا وأبو بكر وعمر ودخلت أنا وأبو بكر وعمر وخرجت أنا وأبو بكر وعمر» فإن كنت لأرجو أو لأظن أن يجعلك الله معهما. وقد روى عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد المسند عن أبي معمر عن ابن أبي حازم قال: جاء رجل إلى علي بن حسين فقال: ما كان منزلة أبي بكر وعمر من النبي ﷺ فقال: منزلتهما الساعة. وروى أبو نعيم في الحلية من حديث شعبة عن سلمة بن كهيل عن أبي الزعراء أو عن زيد بن وهب أن سويد بن غفلة دخل على علي بن أبي طالب ﵁ في إمارته فقال: يا أمير المؤمنين إني مررت بنفر يذكرون أبا بكر وعمر ﵄ بغير الذي هما أهل له من الإسلام فنهض إلى المنبر وهو قابض على يدي فقال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لا يحبهما إلا مؤمن فاضل ولا يبغضهما ويخالفهما إلا شقي مارق فحبهما قربة وبغضهما مروق, ما بال أقوام يذكرون أخوي رسول الله ﷺ ووزيريه وصاحبيه وسيدي قريش وأبوي

стр. 143

المسلمين فأنا بريء ممن يذكرهما وعليه معاقب. وروى الترمذي عن محمد بن سيرين أنه قال: ما أظن رجلاً ينتقص أبا بكر وعمر يحب النبي ﷺ . قال الترمذي حديث حسن غريب. وفيما ذكرته من الأحاديث والآثار أبلغ رد على من انتقص الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ وبخسه حقه من علو المنزلة في العلم والفقه والمقام من رسول الله ﷺ ، والأحاديث في فضائل عمر ﵁ وخصائصه التي اختص بها دون غيره من الصحابة ﵃ كثيرة جداً, ومن أعظمها وأشرفها أن القرآن قد نزل بموافقته في أسرى بدر وفي تحريم الخمر وفي اتخاذ مقام إبراهيم مصلى وفي الحجاب وفي قوله للنبي ﷺ حين آلى من نسائه, إن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل وأنا وأبو وبكر والمؤمنون معك فنزلت هذه الآية: ﴿وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير﴾. ومنها أن الشيطان كان يخاف من عمر ﵁ وإذا سلك عمر ﵁ فجّاً سلك الشيطان فجّاً غير فجّه, ومنها أنه كان أشد هذه الأمة في دين الله. ومنها أنه عُرِض على النبي ﷺ في المنام وعليه قميص يجره وأوّل النبي ﷺ ذلك بالدين, ومنها قول النبي ﷺ : «لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب» إلى غير ذلك من المناقب الجليلة والخصال الحميدة التي قد امتاز بها عمر ﵁ دون غيره, وفيها أبلغ رد على من انتقصه وبخسه حقه. ومن أشرف الخصال الحميدة التي قد امتاز بها عمر ﵁ على جميع الخلفاء والملوك بعده أنه كان مضرب المثل في العدل وحسن

стр. 144

السيرة والأخذ بالحزم في جميع أموره فليس أحد ممن بعده يماثله في هذه الخصال الحميدة. ومن أعظم الخصائص التي اختص بها هو وأبو بكر الصديق ﵄ دون سائر الأمة دفنهما مع رسول الله ﷺ , وكفى بهذه المجاورة شرفاً لهما. وقد تقدم قول علي بن الحسين أن منزلة أبي بكر وعمر ﵄ من النبي ﷺ منزلتهما الساعة, وفي هذا رد على من انتقص عمر ﵁ وبخسه حقه من علو المنزلة والمقام من رسول الله ﷺ . وأما قول صاحب المقال الباطل: وصلاة التهجد في رمضان فقط وفي جماعة هل شرعها الرسول هكذا أو هل فعلها أصحابه؟. فجوابه أن أقول: قد ذكرت الأحاديث الثابتة في صلاة النبي ﷺ بالناس جماعة في ثلاث ليال من ليالي رمضان ثم إنه ترك الصلاة بهم وعلل ذلك بأنه خشي أن تفرض عليهم صلاة الليل فيعجزوا عنها, وذكرت أيضاً قول النبي ﷺ : «إن الرجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف حسب له بقية ليلته» وذكرت أيضاً ما رواه البيهقي وغيره أن رسول الله ﷺ رأى ناساً في ناحية المسجد يصلون مع أبي بن كعب ﵁ فقال: «قد أحسنوا أو قد أصابوا» ولم يكره ذلك لهم, فهذا يدل على مشروعية الصلاة جماعة في قيام رمضان, وفي كل من فعل النبي ﷺ وقوله وتقريره دليل مستقل على مشروعية الصلاة جماعة في قيام رمضان. وباجتماع هذه الأمور يزداد الأمر في المشروعية تأكيداً وحثّاً على العمل بهذه السنة. ومن الأدلة أيضاً على مشروعية الصلاة جماعة في قيام رمضان قول

стр. 145

النبي ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ» وقوله ﷺ : «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» وقوله ﷺ : «إن الله تعالى جعل الحق على لسان عمر يقول به» وقد ذكرت هذه الأحاديث والأحاديث التي قبلها في الوجه الأول والوجه الثاني فلتراجع. فكل حديث منها يدل بمفرده على مشروعية الصلاة جماعة في قيام رمضان, ويدل على ذلك أيضاً إجماع الصحابة ﵃ على الصلاة جماعة في قيام رمضان, وفيهم الخلفاء الراشدون عمر وعثمان وعلي ﵃. وإجماع الصحابة ﵃ حجة قاطعة, وفي اجتماع هذه الأدلة أبلغ رد على من أنكر مشروعية الصلاة جماعة في قيام رمضان. وإذا علم هذا فليعلم أيضاً أنه لا ينكر مشروعية الصلاة جماعة في قيام رمضان إلا أحد رجلين, إما جاهل لا علم له بشيء من الأحاديث الدالة على المشروعية وإما رجل يتعامى عن الحق ويجادل بالباطل في معارضة الحق ورده ويحاول التلبيس على ضعفاء البصيرة. وهذه الصفة الذميمة تنطبق على صاحب المقال الباطل وعلى أشباه له في بلده وغير بلده. فصل وقال صاحب المقال الباطل: ألم يحدث عمر إيقاع الطلاق الثلاث في مجلس واحد وبلفظ واحد ثلاثاً بعد أن كان يعتبر طلقة واحدة في عهد الرسول وأبي بكر. والجواب عن هذا من وجوه أحدها: أن يقال إن إلزام عمر
следующие страницы →