← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 17326

الرد على الكاتب المفتون

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (239 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

المتعصبين لبدعتي المأتم والمولد. وفي تعصبهم لهاتين البدعتين بالباطل دليل على قلة مبالاتهم ببغض الله تعالى لمن يبتغي سنن الجاهلية ويعمل بأعمالهم السيئة. البرهان الخامس والعشرون: قول النبي ﷺ : «بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم» رواه الإمام أحمد وابن أبن شيبة من حديث ابن عمر ﵄ وصححه أحمد شاكر في تعليقه على مسند الإمام أحمد, وقد ذكر البخاري بعضه في صحيحه معلقاً فقال في: «باب ما قيل في الرماح» من «كتاب الجهاد» ويذكر عن ابن عمر عن النبي ﷺ : «جعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري» وروى أبو داود منه قوله: «من تشبه بقوم فهو منهم» وإسناده إسناد أحمد وابن أبي شيبة. قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية إسناده جيد. قال: وقد احتج أحمد وغيره بهذا الحديث. قال: وهذا الحديث أقل أحواله أنه يقتضي تحريم التشبه بهم وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم كما في قوله: ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾ وقال أيضاً: قوله ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم» موجب هذا تحريم التشبه بهم مطلقاً انتهى. وقد روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن طاوس مرسلاً أن النبي ﷺ قال: «إن الله بعثني بالسيف بين يدي الساعة وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذل والصغار على من خالفني ومن تشبه بقوم فهو منهم» وهذا المرسل الصحيح يشهد للحديث الموصول عن ابن عمر ﵄ ويؤيده, وقال سعيد بن منصور في سننه قال إسماعيل بن عياش عن أبي عمير الصوري عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله

стр. 72

بعثني بسيفي بين يدي الساعة وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذل والصغار على من خالفني ومن تشبه بقوم فهو منهم» وهذا المرسل يشهد أيضاً للحديث الموصول عن ابن عمر ﵄. وفي حديث ابن عمر ﵄ دليل على المنع من بدعتي المأتم والمولد من وجهين أحدهما أن الله تعالى جعل الذلة والصغار على من خالف أمر النبي ﷺ . ويدخل في ذلك من خالف الأمر الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃. ومن ذلك العمل بالمحدثات والأعمال التي ليس عليها أمر النبي ﷺ , ومنها إقامة الولائم في المآتم والاحتفال بالمولد النبوي واتخاذه عيداً لأن النبي ﷺ قد نهى عن المحدثات على وجه العموم وحذر منها غاية التحذير ووصفها بالشر والضلالة وأخبر أنها في النار وأمر بردها وهذا يشمل بدعتي المأتم والمولد وغيرهما من المحدثات في الإسلام, فمن عمل بشيء منها ولم يُبَالِ بنهي النبي ﷺ عنها وتحذيره منها وأمره بردها فله نصيب من الذلة والصغار بقدر مخالفته لأمر النبي ﷺ وارتكابه لنهيه. وقد يعجل ذلك للمخالف وقد يؤجل, فليحذر المؤمن الناصح لنفسه من جميع الأقوال والأعمال التي قد تضره في العاجل أو في الآجل وتكون سبباً لعقوبته في الدنيا والآخرة. الوجه الثاني: أن العمل ببدعتي المأتم والمولد فيه تشبه بأهل الجاهلية من المشركين والنصارى. وقد تقدم بيان ما فيهما من التشبه بهم في البرهان الرابع والعشرين, وفي حديث ابن عمر ﵄ أبلغ تحذير من التشبه بأعداء الله تعالى, وفيه أيضاً أوضح دليل على المنع من بدعتي المأتم والمولد وغيرهما من أمور أهل الجاهلية وسننهم, وفيه أيضاً

стр. 73

أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى أمثاله من المفتونين ببدعتي المأتم والمولد. البرهان السادس والعشرون: ما رواه الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ليس منا من تشبه بغيرنا» قال الترمذي: هذا حديث إسناده ضعيف, قلت وما تقدم من حديث ابن عمر ﵄ وما أرسله طاوس والحسن يشهد له ويقويه ففي كل من هذه الأحاديث التشديد في التشبه بأعداء الله تعالى, ويشهد له أيضاً ما سيأتي في حديث المسور بن مخرمة ﵄. قال ابن مفلح في قوله: «ليس منا» هذه الصيغة تقتضي عند أصحابنا التحريم انتهى. وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى التشبه بالكفار منهي عنه بالإجماع انتهى. وفي حديث عبد الله بن عمرو ﵄ وما حكاه شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية من الإجماع على النهي عن التشبه بالكفار أوضح دليل على المنع من بدعتي المأتم والمولد لما فيهما من التشبه بأهل الجاهلية من المشركين والنصارى واتباع سننهم وذلك حرام, وقد تقدم تقرير ذلك في البرهان الرابع والعشرين والبرهان الخامس والعشرين. وفي الحديث أيضاً وما ذكر معه من الإجماع أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى أمثاله من المفتونين ببدعتي المأتم والمولد. البرهان السابع والعشرون: قول النبي ﷺ : «هدينا مخالف لهديهم» يعني المشركين. رواه الحاكم في مستدركه من حديث ابن جرير عن محمد بن قيس بن مخرمة عن المسور بن مخرمة ﵄ وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي في

стр. 74

تلخيصه, وقد رواه البيهقي في سننه من طريق الحاكم, ورواه الشافعي في مسنده من حديث ابن جرير عن محمد بن قيس بن مخرمة مرسلاً. قال: خطب رسول الله ﷺ - فذكر الحديث وفيه أن رسول الله ﷺ قال: «هدينا مخالف لهدي أهل الأوثان والشرك». وفي هذا الحديث دليل على المنع من بدعتي المأتم والمولد لأنهما من المحدثات في الإسلام وقد قال رسول الله ﷺ : «كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وقد تقدم هذا الحديث في البرهان السادس عشر والبرهانين بعده, والبدع والضلالات كلها مخالفة لهدي رسول الله ﷺ الذي هو خير الهدي, وما خالف هديه فهو مردود لقوله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وقد ذكرت في البرهان الرابع والعشرين أن بدعة المأتم من النياحة, والنياحة من أمر الجاهلية, وأما بدعة المولد فهي مأخوذة من عمل النصارى في مولد المسيح, وما كان من سنن المشركين والنصارى فالعمل به حرام لقول النبي ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم». وفي الحديث أيضاً أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى أمثاله من المفتونين ببدعتي المأتم والمولد. البرهان الثامن والعشرون: ما ثبت عن النبي ﷺ في عدة أحاديث أنه حصر الأعياد الزمانية في سبعة أيام وهي يوم الجمعة ويوم الفطر ويوم الأضحى ويوم عرفة وأيام التشريق الثلاثة, فمن هذه الأحاديث ما رواه مالك في الموطأ والشافعي في مسنده من طريق مالك عن ابن شهاب عن عبيد بن السباق أن رسول الله - صلى الله

стр. 75

عليه وسلم - قال: في جمعة من الجمع: «يا معشر المسلمين إن هذا يوم جعله الله عيداً فاغتسلوا ومن كان عنده طيب فلا يضره أن يمس منه وعليكم بالسواك» وقد رواه ابن ماجه والطبراني من حديث صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن عبيد بن السباق عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره بنحوه, قال في الزوائد. في إسناده صالح بن الأخضر لينه الجمهور وباقي رجاله ثقات, قلت وله شاهد من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في جمعة من الجمع: «معاشر المسلمين إن هذا يوم جعله الله لكم عيداً فاغتسلوا وعليكم بالسواك» رواه الطبراني في الأوسط والصغير, قال الهيثمي: ورجاله ثقات. ولبعضه شاهد من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن يوم الجمعة يوم عيد فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا قبله أو بعده» رواه الإمام أحمد والبخاري في الكنى وابن خزيمة في صحيحه والحاكم في مستدركه وصححه. وقال أحمد محمد شاكر في تعليقه على مسند الإمام أحمد إسناده صحيح, والأحاديث التي جاء فيها النص على أن يوم الجمعة عيد من أعياد المسلمين كثيرة وقد تركت ذكرها خشية الإطالة, وفيما ذكرته ههنا كفاية إن شاء الله تعالى. ومما جاء في عيدي الفطر والأضحى ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم عن أنس ﵁ قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال: «ما هذان اليومان» قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية فقال رسول الله ﷺ : «إن الله قد أبدلكم بهما خيراً منها يوم الأضحى ويوم الفطر» قال الحاكم صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي في تلخيصه.

стр. 76

ومما جاء في عيد الأضحى أيضاً وفي يوم عرفة وأيام التشريق ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم ي مستدركه عن عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن يوم النحر ويوم عرفة وأيام التشريق هن عيدنا أهل الإسلام وهن أيام أكل وشرب» قال الترمذي حديث حسن صحيح وقال: الحاكم صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي في تلخيصه. فهذه أعياد المسلمين الزمانية, وأما أعيادهم المكانية فهي منحصرة في مواضع الحج ومشاعره, فالكعبة والمسجد الحرام والصفا والمروة وموضع السعي بينهما عيد للحجاج والمعتمرين. وعرفات ومزدلفة ومنى أعياد للحجاج في أيام الحج, فمن اتخذ عيداً مكانياً سوى مواضع الحج والعمرة أو اتخذ عيداً زمانياً سوى السبعة الأيام التي تقدم ذكرها في الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ فقد ابتدع في الدين وتشبه بالنصارى والمشركين واستدرك على الشريعة الكاملة وخالف الأمر الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين, وما أعظم ذلك وأشد خطره لأن الله تعالى يقول: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ وما أكثر المخالفين للأمر الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ وخصوصاً في ابتداع الأعياد المكانية والزمانية, فأما الأعياد المكانية فكثيرة جداً, وقد افتتن بها جمهور المنتسبين إلى الإسلام وذلك باتخاذهم القبور مساجد وأعياداً يجتمعون عندها ويشدوه الرحال إليها من الأماكن القريبة والبعيدة ويفعلون عندها من منكرات الأقوال والأفعال ما لا يحصيه إلا الله تعالى, وقد عاد كثير منها شراً من اللات والعزى وغيرهما من أوثان أهل الجاهلية.

стр. 77

وأما الأعياد الزمانية فكثيرة جداً, ومن أعظمها فتنة وأكثرها انتشاراً في الأقطار الإسلامية بدعة الاحتفال بالمولد النبوي واتخاذه عيداً مضاهياً لعيد الفطر وعيد الأضحى, وقد افتتن بهذه البدعة كثير من المنتسبين إلى العلم فضلاً عن العوام, وقد تلاعب الشيطان ببعض المنتسبين إلى العلم وزين لهم اللغو في هذه البدعة والتعصب لها والدفاع عنها بالشبه والأباطيل الملفقة, وزاد اللغو والجراءة الهوجاء ببعضهم فزعموا أن الاحتفال بالمولد مطلوب شرعاً وزعموا أيضاً أنه مشروع في الإسلام, وهذا من الكذب على الله وعلى رسوله ﷺ , وزعموا أيضاً أن الاحتفال سنة حسنة محمودة مباركة, وهذا من الاستدراك على الشريعة الكاملة فقد قال الله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً﴾ وهذه الآية الكريمة من آخر القرآن نزولاً لأنها أنزلت على النبي ﷺ في حجة الوداع وهو واقف بعرفة, ولم يكن النبي ﷺ وأصحابه ﵃ يفعلون بدعة المولد ولم يكن لها ذكر في زمانهم, وإنما أحدثت بعد زمان النبي ﷺ بنحو من ستمائة سنة, وما كان بهذه المثابة فهو خارج عن الدين الذي أكمله الله لهذه الأمة, وخارج عن النعمة التي أتمها عليهم, وخارج عن دين الإسلام الذي رضيه لهم, وغايته أن يكون من الاستدراك على النبي ﷺ لأن الله تعالى قد شرع على لسانه سبعة أعياد زمانية فجاء المفتونون بالمولد النبوي فجعلوه عيداً يحتفلون به أعظم مما يحتلفون بالأعياد المشروعة للمسلمين, وهذا عين المشاقة لله ولرسوله ﷺ واتباع غير سبيل المؤمنين من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان وقد قال الله تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً﴾.

стр. 78

وفي الأحاديث الدالة على تعيين الأعياد المشروعة للمسلمين وحصرها في سبعة أيام أوضح دليل على المنع من الاحتفال بالمولد النبوي واتخاذه عيداً, وكذلك غيره من الأعياد المبتدعة في الإسلام مثل ليلة المعراج وليلة النصف من شعبان وما يجعل لميلاد بعض الصالحين أو من يظن صلاحهم. وكذلك ما يجعل لثورة المنازعين للملوك والرؤساء وانتصار بعضهم على بعض - ويسمونه اليوم الوطني - وكذلك ما يجعل لولاية بعض الملوك - ويسمونه عيد الجلوس - إلى غير ذلك من الأعياد المبتدعة في الإسلام فكلها أعياد باطلة مردودة لقول النبي ﷺ : «إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» ولقوله أيضاً: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» أي مردود. وفي الأحاديث التي تقدم ذكرها أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى أمثاله من المفتونين ببدعة المولد النبوي المجادلين بالباطل في تقرير هذه البدعة والدفاع عنها. البرهان التاسع والعشرون: ما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه حدثنا وكيع عن مالك بن مغول عن طلحة - يعني ابن مصرف - قال قدم جرير على عمر فقال: هل يناح قِبَلكم على الميت قال: لا. قال: فهل تجتمع النساء عندكم على الميت ويطعم الطعام قال: نعم فقال: تلك النياحة. وفي هذا الأثر دليل على المنع من إقامة الولائم في المآتم لأن عمر ﵁ قد عدّ ذلك من النياحة وقد قال: رسول الله ﷺ : «إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه» رواه الإمام أحمد والترمذي وابن حبان في صحيحه من حديث ابن عمر ﵄ وقال: الترمذي هذا حديث حسن صحيح غريب, قال: وفي الباب عن الفضل بن العباس وأبي ذر وأبي هريرة انتهى ولفظه عند ابن حبان

стр. 79

«إن الله جعل الحق على لسان عمر يقول به» وروى الإمام أحمد أيضاً وأبو داود وابن ماجه والحاكم في مستدركه عن أبي ذر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله وضع الحق على لسان عمر يقول به» قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين وقال الذهبي في تلخيصه: على شرط مسلم. وروى الإمام أحمد أيضاً وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه» وروى الإمام أحمد أيضاً والترمذي وابن ماجه والبخاري في التاريخ والحاكم في مستدركه عن حذيفة بن اليمان ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» قال الترمذي هذا حديث حسن وصححه الحاكم والذهبي. وفي قول عمر ﵁ أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى أمثاله من المفتونين ببدعة المأتم لأن عمر ﵁ قد عدّ الاجتماع إلى أهل الميت وإطعامهم الطعام من النياحة. والنياحة من أمر الجاهلية من كبائر الإثم كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى, ولا يقول بجوازها إلا أحد رجلين إما جاهل بحدود الشرع وإما مكابر لا يبالي بنهي النبي ﷺ عن النياحة وما جاء عنه من التشديد فيها والنص على أنها من أمر الجاهلية. البرهان الثلاثون: ما رواه الإمام أحمد عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: «كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة» وقد رواه ابن ماجه بإسنادين صحيحين أحدهما على شرط البخاري والآخر على شرط مسلم, وبوّب عليه بقوله: «باب ما جاء في النهي عن الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة

стр. 80

الطعام» قال السندي قوله: «كنا نرى, هذا بمنزلة رواية إجماع الصحابة أو تقرير من النبي ﷺ , وعلى الثاني فحكمه الرفع وعلى التقديرين فهو حجة» انتهى. وفي هذا الأثر دليل على المنع من إقامة الولائم في المآتم لإجماع الصحابة ﵃ على أن ذلك من النياحة, والنياحة حرام لأنها من أمر الجاهلية, والدليل على أنها من أمر الجاهلية قول النبي ﷺ : «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن الفخر في الأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة» رواه الإمام أحمد ومسلم من حديث أبي مالك الأشعري ﵁, وروى ابن أبي شيبة في مصنفه عن وكيع بن الجراح عن سفيان عن هلال بن خباب عن أبي البختري قال: «الطعام على الميت من أمر الجاهلية والنوح من أمر الجاهلية» وقد ذكره عبد الرزاق في مصنفه عن الثوري عن هلال بن خباب عن أبي البختري, وروى ابن أبي شيبة أيضاً عن فضالة بن حصين عن عبد الكريم عن سعيد بن جبير قال: «ثلاث من أمر الجاهلية بيتوتة المرأة عند أهل المصيبة ليست منهم والنياحة ونحر الجزور عند المصيبة» وقد رواه عبد الرزاق عن معمر عن ليث عن سعيد بن جبير قال: «ثلاث من عمل الجاهلية النياحة والطعام على الميت وبيتوتة المرأة عند أهل الميت ليست منهم». وإذا علم أن إقامة الولائم في المآتم من أمر الجاهلية فليعلم أيضاً أن التشبه بأهل الجاهلية حرام شديد التحريم. والدليل على ذلك قول النبي ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم» وقوله أيضاً: «ليس منا من تشبه بغيرنا» وقوله أيضاً: «هدينا مخالف لهديهم» يعني المشركين, وقد ذكرت هذه الأحاديث قريباً فلتراجع.

стр. 81

وقد ذكر كثير من الفقهاء أن الاجتماع إلى أهل الميت وصنعهم الطعام للناس بدعة. وقال بعضهم أنها بدعة مستقبحة, واقتصر بعضهم على القول بأن ذلك مكروه, والظاهر أنهم أرادوا بالكراهة كراهة التحريم لأنهم عللوا المنع من ذلك بأنه من النياحة واستدلوا على ذلك بحديث جرير بن عبد الله البجلي الذي تقدم ذكره, والنياحة من الكبائر, والكبائر كلها محرمة. وقد منع الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى من بدعة المأتم, قال ابن أبي شيبة: حدثنا معن بن عيسى عن ثابت بن قيس قال: أدركت عمر بن عبد العزيز يمنع أهل الميت الجماعات يقول ترزون وتغرمون, وقد قال محمد بن سيرين وغيره من أكابر التابعين أن عمر بن عبد العزيز من أئمة الهدى, وقد تقدم قول ابن ماجه في سننه: «باب ما جاء في النهي عن الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام» ثم أورد في الباب حديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁, وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية: وأما صنعة أهل الميت طعاماً يدعون الناس إليه فهذا غير مشروع وإنما هو بدعة انتهى, ونقل العلّامة أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي في كتابه «عون المعبود» قول ابن الهمام في «فتح القدير»: شرح الهداية, يستحب لجيران أهل الميت والأقرباء الأباعد تهيئة طعام لهم يشبعهم يومهم وليلتهم, ويكره اتخاذ الضيافة من أهل الميت لأنه شرع في السرور لا في الشرور وهي بدعة مستقبحة انتهى قال أبو الطيب: ويؤيده حديث جرير بن عبد الله البجلي قال: «كنا نرى الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام من النياحة» أخرجه ابن ماجه. وبوّب «باب ما جاء في النهي عن الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام» وهذا الحديث سنده صحيح ورجاله على شرط مسلم قاله السندي, وقال أيضاً قوله: «كنا نرى» هذا بمنزلة رواية إجماع الصحابة أو تقرير من

стр. 82

النبي ﷺ , وعلى الثاني فحكمه الرفع, وعلى التقديرين فهو حجة, وبالجملة فهذا عكس الوارد, إذ الوارد أن يصنع الناس الطعام لأهل الميت, فاجتماع الناس في بيتهم حتى يتكلفوا لأجلهم الطعام قلبٌ لذلك, وقد ذكر كثير من الفقهاء أن الضيافة لأهل الميت قلبٌ للمعقول لأن الضيافة حقاً أن تكون للسرور لا للحزن انتهى. وقوله إن الضيافة لأهل الميت, معناه من أهل الميت وهي إقامتهم الولائم للعزاء. وقد نقل المباركفوري في كتابه «تحفة الأحوذي» قول ابن الهمام يكره اتخاذ الضيافة من أهل الميت لأنه شرع في السرور لا في الشرور وهي بدعة مستحقة, قال: وقال القاري واصطناع أهل الميت الطعام لأجل اجتماع الناس عليه بدعة مكروهة, بل صح عن جرير ﵁ «كنا نعده من النياحة» وهو ظاهر في التحريم انتهى. ونقل النووي في الروضة وشرح المهذب عن صاحب الشامل أنه قال: وأما إصلاح أهل الميت طعاماً وجمعهم الناس عليه فلم ينقل فيه شيء, قال وهو بدعة غير مستحبة. قال النووي وهو كما قال انتهى. واستدل في «شرح المهذب» على كونه بدعة بحديث جرير بن عبد الله ﵁ الذي تقدم ذكره, وقال: رواه أحمد بن حنبل وابن ماجه بإسناده صحيح. ونقل الشيخ محمد الشربيني الخطيب في «مغني المحتاج, إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج» عن ابن الصباغ وغيره أنهم قالوا: أما إصلاح أهل الميت طعاماً وجمع الناس عليه فبدعة غير مستحب, ثم استدل على كونه بدعة بحديث جرير بن عبد الله ﵁ الذي تقدم ذكره. وقال شمس الدين محمد بن أبي العباس أحمد بن حمزة بن شهاب الدين الرملي في كتابه: «نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج» ويكره كما في

стр. 83

الأنوار وغيره أخذاً من كلام الرافعي والمصنف - يعني النووي - أنه بدعة لأهله صنع طعام يجمعون الناس عليه قبل الدفن وبعده لقول جرير: «كنا نعدّ ذلك من النياحة» انتهى. وقال ابن الحاج في «المدخل»: وأما إصلاح أهل الميت طعاماً وجمع الناس عليه فلم ينقل فيه شيء وهو بدعة غير مستحب, قال وقد سئل مالك ﵀ عن جمع الناس على العقيقة فأنكر ذلك وقال: تشبه بالولائم, قال ابن الحاج: فإذا كان هذا قوله في العقيقة فما بالك به في الطعام الذي اعتاد بعضهم عمله في بيت الميت وجمع الناس عليه, قال: وقال أزهر بن عبد الله من صنع طعاماً لرياء وسمعة لم يستجب الله لمن دعا له ولم يخلف الله عليه نفقة ما أنفق, قال ابن الحاج: وإذا كان هذا في وليمة العرس والختان فما بالك بما اعتاده بعضهم في هذا الزمان من أن أهل الميت يعملون الطعام ثلاث ليالٍ ويجمعون الناس عليه عكس ما حكي عن السلف ﵃, فليحذر من فعل ذلك فإنه بدعة مكروهة انتهى. وقول صاحب الشامل وابن الحاج: إن إصلاح أهل الميت للطعام وجمعهم الناس عليه لم ينقل فيه شيء, وإن أرادا أنه لم ينقل شيء يدل على جواز ذلك فنعم هو كذلك فإنه لم ينقل شيء يدل على جوازه, وإن أرادا أنه لم ينقل شيء يدل على المنع منه فيقال بل قد ورد عن عمر ﵁ أنه عده من النياحة وتقدم ذكر ذلك عنه, وتقدم أيضاً عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ أنهم كانوا يعدونه من النياحة, وهذا حكاية إجماع من الصحابة ﵃ على عده من النياحة, والنياحة حرام وكبيرة من الكبائر, وجميع الآيات والأحاديث التي تقدم ذكرها في البراهين السبعة والعشرين تدل على المنع منه, وقد تقدم بيان ذلك في

стр. 84

الكلام على كل برهان منها فليراجع. وفي الأثر عن جرير ﵁ أنهم كانوا يعدون الاجتماع إلى أهل الميت وصنعهم الطعام من النياحة, وما ذكر بعده عن أبي البختري وسعيد بن جبير أنهما قالا في إقامة الولائم في المآتم: إنه من أمر الجاهلية, وما ذكر أيضاً عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يمنع من ذلك, وما ذكر أيضاً من أقوال العلماء في عد ذلك من البدع, وقول بعضهم إنها بدعة مستقبحة وأنها من قلب المعقول, كل ذلك فيه أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى أمثاله من المفتونين ببدعة المأتم. وفي كل برهان من البراهين التي تقدم ذكرها أبلغ رد على تحدي صاحب المقال الباطل على الإتيان ببرهان يدل على المنع من بدعتي المأتم والمولد فكيف وقد اجتمع من البراهين الدالة على المنع من بدعتي المأتم والمولد سبعة وعشرون برهاناً من الكتاب والسنة, وجاء في المنع من بدعة المولد زيادة برهان من السنة, وفي المنع من بدعة المأتم زيادة برهانين من قول عمر ﵁ أن ذلك من النياحة, وما ذكره جرير بن عبد الله ﵁ عن الصحابة ﵃ أنهم كانوا يعدون ذلك من النياحة, وبهذا تصير البراهين على المنع من بدعة المولد ثمانية وعشرين برهاناً, وعلى المنع من بدعة المأتم تسعة وعشرين برهاناً, ولا يخفى على طالب العلم أنه يكفي للمنع من كل واحدة من البدعتين برهان واحد فكيف وقد اجتمع على المنع من كل منهما عدد كثير من البراهين. فليتق الله صاحب المقال الباطل وليتأمل الآيات والأحاديث التي ذكرتها حق التأمل وليراجع الحق فإن الرجوع إلى الحق نبل وفضيلة كما أن التمادي في الباطل والإصرار عليه نقص ورذيلة ومن خفت عليه دلالة البراهين المذكورة على المنع من بدعتي المأتم والمولد أو خفي عليه شيء منها فليعلم أنه إنما أتي من سوء فهمه للآيات والأحاديث. وليعرف

стр. 85

قدر نفسه ولا يتطاول على الذين هم أعلم بالكتاب والسنة منه, ومن ظهرت له دلالتها على المنع من البدع ولم يقتنع بذلك فلا شك أنه مكابر محاد لله ولرسوله ومتبع غير سبيل المؤمنين. فصل قال صاحب المقال الباطل: إني لم آت في كلمتي ما يخالف العقيدة الصحيحة. والجواب: أن يقال إن صاحب المقال الباطل قد خالف الأدلة الدالة على المنع من بدعتي المأتم والمولد وهي كثيرة جداً في الكتاب والسنة, وقد ذكرت منها ثلاثين دليلاً فيما تقدم. ومن خالف أدلة الكتاب والسنة ونبذها وراء ظهره ولم يعبأ بها فلا شك أنه قد خالف العقيدة الصحيحة, وهي طاعة الله تعالى وطاعة رسوله ﷺ وتحكيم الكتاب والسنة في محل النزاع قال الله تعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً﴾ وقال تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً﴾ وقال تعالى: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً﴾ وقال تعالى: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً﴾. وقد كان رسول الله ﷺ يحذر في خطبه من محدثات الأمور ويبالغ في التحذير منها ويصفها بالشر والضلالة ويقول إنها في النار ويأمر بردها, وكل من بدعتي المأتم والمولد من محدثاتها الأمور الداخلة في عموم ما حذر منه رسول الله

стр. 86

- ﷺ وأمر برده, فمن امتثل أمر الرسول ﷺ باجتناب المحدثات وامتثل أمره بردها فقد استقام على العقيدة الصحيحة. ومن خالف أمره وارتكب نهيه ولم يبال بتحذيره من المحدثات فهو مخالف للعقيدة الصحيحة شاء أم أبى. فصل وقال صاحب المقال الباطل إنه سيظل يطالب خطباء المساجد وخطيب المسجد الحرام بالذات بأن يتركوا الأمور الخلافية وأن يعظوا ويأمروا وينهوا ويخاطبوا الناس عن المنكرات المجمع عليها ويدعوهم إلى الخيرات. منعاً للبلبلة وتشويش الأذهان وإعطاء فكرة سيئة عن الإسلام, ثم أورد قول النبي ﷺ : «الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور متشابهات فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه». والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال: إن خطباء المساجد وخطيب المسجد الحرام بالذات لم ينهوا الناس عن الأمور الخلافية كما قد زعم ذلك صاحب المقال الباطل وإنما كانوا ينهون الناس عما هو مخالف لكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ من البدع ومنكرات الأقوال والأفعال, ومن رزقه الله السلامة من تقليد الآباء والشيوخ فيما يفعلونه من العادات المبتدعة التي وجدوا آبائهم وشيوخهم يعملون بها لم يخف عليه أن خطباء المساجد وخطيب المسجد الحرام بالذات لم يخرجوا عن الطريق المستقيم وإنما كانوا ينهون الناس عن الأمور المحرمة التي لا خلاف في تحريمها, وأما من أعماه التقليد للآباء والشيوخ فإنه لا بد أن يرى الحق في صورة الباطل أو على الأقل في صورة الأمور الخلافية, وأن يرى الباطل في صورة الحق كما هو الواقع من أهل اللغو في بدعتي المأتم

стр. 87

والمولد, وقد دعاهم الغلو في هاتين البدعتين إلى التعصب لهما والدفاع عنهما بالشبه الملفقة والجدال بالباطل. الوجه الثاني: أن يقال كل ما خالف الكتاب والسنة فهو من المنكرات بالإجماع قال الله تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ ولا يخفى على طالب العلم أن رسول الله ﷺ لم يأمر ببدعتي المأتم والمولد ولم يفعلهما ولم يقر أحداً على فعلهما, ولا يخفى أيضاً أنهما إنما أحدثتا بعد زمان رسول الله ﷺ بمدة طويلة, وكل أمر ليس عليه أمر رسول الله ﷺ فهو مردود على صاحبه كائناً من كان, وفاعله متعرض للوعيد الشديد المذكور في الآية الكريمة من سورة النور. الوجه الثالث: أن يقال إن البلبلة وتشويش الأذهان وإعطاء الفكرة السيئة عن الإسلام هي في الحقيقة واقعة من المصرِّين على فعل الأمور المبتدعة المخالفة لكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم, وهؤلاء المخالفون للكتاب والسنة وما كان عليه الصحابة ﵃ لم يكتفوا بالإصرار على فعل البدع بل ضموا إلى ذلك الدفاع عنها بالشبه والأباطيل والحجج الداحضة, وهذا عين المشاقة لله ولرسوله ﷺ واتباع غير سبيل المؤمنين. وقد قال الله تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً﴾. فأما خطباء المساجد الذين ينهون الناس عن البدع التي قد دل الكتاب والسنة على المنع منها ويأمرون الناس بلزوم الكتاب والسنة وما كان عليه الصحابة ﵃ فهؤلاء قد أحسنوا غاية الإحسان

стр. 88

وقاموا بما يجب عليهم من النصيحة للمسلمين ودعوتهم إلى الخير وأمرهم بالمعروف ونهيم عن المنكر, ومن لام هؤلاء على ما قاموا به من جهاد أهل البدع هو الملوم على الحقيقة. الوجه الرابع: أن يقال كل ما خالف الكتاب والسنة فهو من الحرام البيّن وليس من الأمور المشتبهة, ومن ذلك العمل ببدعتي المأتم والمولد لأن بدعة المأتم من النياحة, والنياحة من الكبائر, والكبائر كلها من الحرام البينّ, وأما بدعة المولد فإنها من الزيادة على الأعياد التي شرعها الله تعالى على لسان نبيه محمد ﷺ , والزيادة على الأمر المشرع من الحرام البينّ لأنها تستلزم الاستدراك على الشريعة الكاملة وذلك من أعظم الأشياء حرمة وأشدها خطراً, ومن زاد على الأمر المشروع فقد تعرض للوعيد الشديد لأن الله تعالى يقول: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم﴾ فوصف الزائدين على الأمور المشروعة بالظلم وتوعدهم بالعذاب الأليم, فليحذر المصرُّون على بدعتي المأتم والمولد وغيرهما من البدع من هذا الوعيد الشديد. فصل وقال صاحب المقال الباطل في الأول من تعليقاته الخاطئة, إن الاحتفال بالمولد النبوي أو تقديم الطعام في المآتم ليس من شعائر الدين ولا أتصور أن أحداً يعتبرها عبادة أو سنة أو عملاً دينياً يثاب فاعله ويعاقب تاركه. والجواب: أن يقال قد اعترف صاحب المقال الباطل أن بدعتي المولد والمأتم ليستا من شعائر الدين, وهذا الاعتراف يتضمن الاعتراف

стр. 89

بأنهما من البدع, والبدع كلها شر وضلالة وكلها في النار كما جاء ذلك في الحديث الثابت عن النبي ﷺ , وقد كان النبي ﷺ يحذر من البدع غاية التحذير ويأمر بردها على وجه العموم, وقد تقدمت الأحاديث بذلك فلتراجع. وأما قوله ولا أتصور أن أحداً يعتبرها عبادة أو سنة أو عملاً دينياً يثاب فاعله ويعاقب تاركه. فجوابه: أن يقال قد زعم بعض المفتونين ببدعة المولد أن الاحتفال به مطلوب شرعاً وأنه مشروع في الإسلام وأنها بدعة حسنة محمودة, وزعم بعضهم أنه سنة مباركة, ونقل عن السيوطي أنه قال: إن عمل المولد من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها, وقد رددت على هذه الأقوال الباطلة في كتابي المسمى «الرد القوي, على الرفاعي والمجهول وابن علوي, وبيان أخطائهم في المولد النبوي» فليراجع الكتاب فإن فيه رداً على صاحب المقال الباطل وعلى غيره من المفتونين ببدعة المولد النبوي. وأما بدعة المأتم فقد قال صاحب المقال الباطل في مقاله الأول المنشور في جريدة الندوة الصادرة في اليوم الثاني من شهر ربيع الثاني سنة ١٤٠٥ هـ وهو المقال الذي قد رددت عليه في القسم الأول من هذا الكتاب, قال فيه عن أهل الميت الذين يقيمون المأدبة في المأتم أنهم يطعمون الفقير والفقيرات, وفي كلامه هذا رد على قوله أنه لا يتصور أن أحداً يعتبرها عبادة أو سنة أو عملاً دينياً يثاب فاعله فإن إطعام الفقراء عبادة وعمل ديني يثاب فاعله ولكنه لم يشرع لأهل الميت في أيام المصيبة وإنما المشروع في حقهم أن يصنع لهم الطعام لقول النبي ﷺ لما جاء نعي جعفر: «اصنعوا لآل جعفر طعاما فإنه قد جاءهم ما

стр. 90

يشغلهم» رواه الشافعي وأحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارقطني والحاكم والبيهقي من حديث عبد الله بن جعفر ﵄ وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وصححه أيضاً الحاكم والذهبي. وروى الإمام أحمد وابن ماجه أيضاً عن أسماء بنت عميس ﵂ نحو حديث ابنها عبد الله بن جعفر ﵄. فصل وقال صاحب المقال الباطل إن ما يمكن أن يجري ضمن الاحتفال بالمولد أو المآتم من قراءة للقرآن أو ذكر لله أو صلاة على رسوله بالطريقة المشروعة فتلك هي العبادة التي يجب أن تكون وفق ما شرع الله. والجواب: أن يقال إن الله تعالى لم يأمر بالاحتفال بالمولد النبوي ولا بالمآتم ولم يأمر بذلك رسول الله ﷺ ولم يفعله ولم يقر أحداً على فعله ولم يفعل ذلك الصحابة ﵃, ولم يرد في الشريعة الكاملة ما يدل على تخصيص ليلة المولد النبوي وأيام المصائب بقراءة القرآن وذكر الله تعالى والصلاة على النبي ﷺ , وعلى هذا فمن خصص ليلة المولد أو أيام المصائب بأعمال ليس عليها أمر النبي ﷺ فأعماله مردودة لقول النبي ﷺ : «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» وفي هذا الحديث الصحيح أبلغ رد على قول صاحب المقال إن ما يمكن أن يجري ضمن الاحتفال بالمولد أو المآتم من قراءة للقرآن أو ذكر لله أو صلاة على رسوله أنها عبادة يجب أن تكون وفق ما شرع الله. وأيضاً فإن النبي ﷺ قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم

стр. 91

ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» ولم يكن من سنة رسول الله ﷺ ولا من سنة الخلفاء الراشدين المهديين تخصيص ليلة المولد النبوي وأيام المصائب بقراءة القرآن وذكر الله تعالى والصلاة على رسوله ﷺ ولا من سنة الخلفاء الراشدين المهديين فهو من الأعمال المحدثة التي يجب ردها عملاً بالحديث الصحيح. فصل وقال صاحب المقال الباطل والبدعة المنكرة كما عرّفها فقهاء الإسلام: «هي كل طريقة مخترعة في الدين تضاهي الشريعة» وحفلات المولد أو المآتم ليست من الدين أبداً, ومقارنة صنع الطعام في المآتم بالنياحة مقارنة غير صحيحة. والجواب عن هذا من وجوه أحدها: أن يقال إن صاحب المقال الباطل قد اعترف أن حفلات المولد والمآتم ليست من الدين أبداً, ويلزم على هذا الاعتراف منه أن يعترف أنها حفلات محدثة في الإسلام, وإن لم يعترف بهذا فكلامه متناقض. والكلام المتناقض مطروح ومردود على قائله. الوجه الثاني: أن أقول قد ذكرت فيما تقدم أن الله تعالى شرع لهذه الأمة سبعة أعياد زمانية على لسان نبيه محمد ﷺ وهي يوم الجمعة ويوم الفطر ويوم الأضحى ويوم عرفة وأيام التشريق الثلاثة, وقد أحدث الناس أعياداً زمانية لم يأمر الله بها ولا رسوله ﷺ ولم يعمل بها أحد من الصحابة ﵃, ومنها الاحتفال بالمولد النبوي واتخاذه عيداً مضاهياً للأعياد المشروعة. بل إن كثيراً من

стр. 92

الجهال في مشارق الأرض ومغاربها يحتفلون بالمولد النبوي أعظم مما يحتفلون بعيد الفطر وعيد الأضحى. وذلك من إضلال الشيطان لهم وتعظيمه لبدعة المولد في نفوسهم كما أخبر الله عنه أنه قال: ﴿ولأضلنهم﴾ وقد بلغ من إضلال الشيطان لبعض المفتونين ببدعة المولد أن جعلوها من الدين, فزعم بعضهم أن الاحتفال بالمولد مطلوب شرعاً وأنه مشروع في الإسلام, وزعموا أيضاً أنها بدعة حسنة محمودة, وزعموا أيضاً أنها سنة مباركة, وزعموا أيضاً أنها من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها. وقد ذكرت هذه الأقوال الباطلة مع الرد عليها في كتابي المسمى بـ «الرد القوي» , على الرفاعي والمجهول وابن علوي. وبيان أخطائهم في المولد النبوي» فلتراجع هناك, ولا يخفى ما في هذه الأقوال الباطلة من المعارضة لأمر النبي ﷺ برد المحدثات والأعمال التي ليس عليها أمره وعدم المبالاة بنهي النبي ﷺ عن المحدثات ومبالغته في التحذير منها وقد قال الله تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾. الوجه الثالث: أن يقال لا يخفى ما في الاجتماع إلى أهل الميت وصنعهم الطعام للناس من المضاهاة لحفلات النكاح التي شرعها الله تعالى على لسان نبيه محمد ﷺ ,وشتان ما بين أيام الفرح والسرور وأيام المصائب والأحزان, وقد ذكرت فيما تقدم قريباً عن ابن الهمام أنه قال في اتخاذ الضيافة من أهل الميت أنها بدعة مستقبحة, وذكرت أيضاً ما ذكره صاحب «عون المعبود» عن كثير من الفقهاء أنهم قالوا إن الضيافة من أهل الميت قلبٌ للمعقول وعللوا ذلك بأن الضيافة إنما تكون للسرور لا للحزن.

стр. 93

وأما قول صاحب المقال الباطل إن مقارنة صنع الطعام في المآتم بالنياحة مقارنة غير صحيحة. فجوابه: أن يقال هذا قول باطل مردود بما رواه ابن أ [ي شيبة عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يعد الاجتماع إلى أهل الميت وإطعام الطعام من النياحة, ومردود أيضاً بما رواه الإمام أحمد وابن ماجه عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ أنه قال: «كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة» وهذا حكاية إجماع من الصحابة ﵃ على عدّ الحفلات التي تقام في المآتم من النياحة, وقد قال النبي ﷺ : «إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه» وفي رواية «إن الله جعل الحق على لسان عمر يقول به» وقال ﷺ : «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» وقد ذكرت هذه الأحاديث قريباً فلتراجع. وإذا علم هذا فليلعم أيضاً أن اطّراح قول الخليفة الراشد الذي جعل الله الحق على لسانه وقلبه وعدم المبالاة به ليس بالأمر الهيّن, وكذلك اطّراح ما حكاه جرير بن عبد الله ﵁ عن الصحابة ﵃ ليس بالأمر الهيّن, ويلزم على اطّراح قول عمر ﵁ اطّراح قول النبي ﷺ : «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» واطّراح قوله أيضاً: «إن الله جعل الحق على لسان عمر يقول به» وما لزم عليه اطّراح قول النبي ﷺ فهو قول سوء يجب رده على قائله والتحذير من الاغترار به, وكذلك اطّراح قول عمر ﵁ وما ذكره جرير بن عبد الله ﵁ عن الصحابة ﵃ لا شك أنه قول سوء يجب رده على قائله والتحذير من الاغترار به.

стр. 94

وبعد فهل يقول رجل له عقل ودين في قول عمر ﵁ حيث عدّ الاجتماع إلى أهل الميت وإطعام الطعام من النياحة إن هذه مقارنة غير صحيحة, وهل يقول رجل له عقل ودين في قول جرير بن عبد الله البجلي ﵁: «كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة» إنها مقارنة غير صحيحة, كلّا إن الذي له عقل ودين لا يستسيغ تخطئة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ ولا تخطئة غيره من الصحابة ﵃ ولا يستجيز ذلك, ومن المعلوم الذي لا يشك فيه عاقل له علم ومعرفة بالصحابة ﵃ أنهم كانوا أعلم الأمة بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وبما هو موافق لهدي رسول الله ﷺ وما هو مخالف له, وعلى هذا فمن خالف إجماعهم على عد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام من النياحة فإنه يخشى عليه من الوعيد الذي توعد الله به من شاق الرسول واتبع غير سبيل المؤمنين. فصل وقال صاحب المقال الباطل, ثانيا: أن الصفة التي تنطبق على حفلات المولد أو الطعام في المآتم أنها عادات اجتماعية كحفلات الزواج والأعياد والتكريم والقدوم من السفر وتخضع مقاييسها والحكم عليها على ضوء ما يجري فيها فإن جرى فيها حرام فهي حرام, وإن خلت من المعاصي وجرى فيها خير فإنها تكون خيراً, وهذا ما قاله كثير من العلماء. والجواب: عن هذا من وجوه أحدها أن يقال إن الاحتفال بالمولد قد جعله الجهال عيداً مضاهياً للأعياد التي شرعها الله تعالى على لسان رسوله محمد ﷺ وهو من المحدثات والأعمال التي ليس

стр. 95

عليها أمر النبي ﷺ , أي أنه ﷺ لم يحتفل بمولده ولم يأمر بالاحتفال به ولم يقر أحداً على الاحتفال به, بل إنه لم يكن يفعل في زمانه وزمان أصحابه ﵃ وإنما حدث الاحتفال به بعد زمان رسول الله ﷺ بنحو من ستمائة سنة, وفي الاحتفال بالمولد النبوي مشابهة تامة للنصارى فإنهم كانوا يحتفلون بمولد المسيح ويعظمونه, وما كان بهذه المثابة فهو داخل في عموم ما حذر منه رسول الله ﷺ وأمر برده حيث قال في حديث العرباض بن سارية ﵁: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وقال في حديث جابر بن عبد الله ﵄: «أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة» وقال في حديث عائشة ﵂: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» أي مردود. وأما الطعام الذي يصنعه أهل الميت للناس فهو من المحدثات والأعمال التي ليس عليها أمر النبي ﷺ , وفيه مضاهاة لما شرعه الله تعالى على لسان رسوله محمد ﷺ من عمل الولائم في النكاح, وفيه أيضاً مخالفة لسنة رسول الله ﷺ مع أهل الميت فإنه ﷺ قد أمر أهله أن يصنعوا الطعام لأهل الميت ولم يأمر أهل الميت أن يصنعوا الطعام للناس. ففي صنعهم الطعام للناس مخالفة لهدي رسول الله ﷺ الذي هو خير الهدي وأحسنه. وفيه أيضاً قلبٌ للمعقول, فإن المعقول أن يصنع الطعام لأهل الميت للتخفيف عنهم من حرّ المصيبة, وفيه أيضاً مشابهة أهل الجاهلية في سننهم وأفعالهم, وقد تقدم قول أبي البختري

стр. 96

وسعيد بن جبير أن الطعام على الميت من أمر الجاهلية. وهو أيضاً من النياحة كما نص على ذلك الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁. وذكره جرير بن عبد الله البجلي ﵁ عن الصحابة ﵃. وما كان بهذه المثابة فهو داخل في عموم ما حذر منه رسول الله ﷺ وأمر برده. الوجه الثاني: أن يقال إن الحكم في جميع الأمور مردود إلى الكتاب والسنة لا إلى آراء الناس واستحساناتهم ومقاييسهم وعاداتهم التي وجدوا عليها آباءهم وشيوخهم الذين ليسوا من ذوي البصائر في الدين. وقد تظافرت الأدلة من الكتاب والسنة على المنع من بدعتي المولد والمأتم من غير اشتراط أن يجري فيهما شيء حرام. وقد تقدم بيان ذلك في الكلام على البراهين التي تقدم ذكرها, وكل ما خالف الكتاب والسنة فهو مردود على قائله كائناً من كان. الوجه الثالث: أن يقال إن الحكم على بدعتي المولد والمأتم بالمنع ليس مرتبطاً بما يجري فيهما من حرام كما قد زعم ذلك صاحب المقال الباطل, والدليل على هذا أن رسول الله ﷺ حذر أمته من المحدثات على وجه العموم وأمر بردها من غير تفصيل بين ما يجري فيه شيء من المحرم وما لا يجري فيه شيء من ذلك, ولو كان التفصيل شيئاً لازماً لبنيه رسول الله ﷺ لأمته لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع. وإذا جرى في بدعة من البدع شيء من المحرمات فلا شك أن المنع منها يكون أكد مما لم يجر فيه شيء محرم. فصل وقال صاحب المقال الباطل وأي خير أكرم وأفضل من ذكر الله,

стр. 97

ألم يقل الصادق المصدق: «لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة ونزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده». والجواب: أن يقال إن ذكر الله تعالى مرغب فيه في كل وقت قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً﴾ وقد ورد الترغيب في الإكثار منه في الأوقات الفاضلة كشهر رمضان وعشر ذي الحجة. فأما ليلة المولد النبوي وأيام المصائب فسبيلها سبيل سائر الليالي والأيام التي ليست بفاضلة. إذ لم يرد عن النبي ﷺ أنه كان يخصها بشيء من العبادات والأذكار دون سائر الليالي والأيام. و العبادات مبناها على التوقيف والاتباع لا على الهوى والابتداع, فلا يجوز لأحد أن يخرج عن المنهج الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃. بل الواجب على كل أحد أن يسلك سبيلهم ويقتفي أثرهم في كل شيء من أمور الدين فقد جاء عن النبي ﷺ أنه سئل عن الفرقة الناجية من هذه الأمة فقال: «ما أنا عليه وأصحابي» رواه الترمذي وغيره من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ وقال الترمذي حديث حسن غريب. وروى الطبراني نحوه من حديث أنس ﵁. فصل وقال صاحب المقال الباطل: وهكذا فإن الاحتفال بالمولد النبوي أو خلافه أو إطعام الطعام في المآتم لا علاقة له بالدين ولا العبادة ولا الشريعة ولا البدعة. والجواب: عن هذا من وجوه أحدها: أن يقال إن الدين والعبادة والشريعة ترجع إلى مسمى واحد لأن الدين هو العبادة التي جاء الأمر بها

стр. 98

في الكتاب أو السنة وهو الشريعة التي شرعها الله تعالى على لسان رسوله محمد ﷺ فالتفريق بين الدين والعبادة والشريعة من أجل اختلاف أسمائها تفريق لا داعي له ولا حاصل تحته. الوجه الثاني: أن يقال إن الاحتفال بالمولد النبوي وإطعام الطعام في المآتم ليسا من الدين الذي أكمله الله لعباده, وما كان كذلك فلا بد أن يكون داخلاً في مسمى المحدثات التي قد نهى عنها رسول الله ﷺ وبالغ في التحذير منها وأمر بردها بدون استثناء شيء منها. وقد جاء النص عنه ﷺ في ثلاثة أحاديث صحيحة أنه قال: «وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وجاء النص عنه أيضاً أنه قال: «وشر الأمور محدثاتها» وجاء النص عنه أيضاً أنه قال: «وكل ضلالة في النار» وقد تقدم ذكر هذه النصوص قريباً فلتراجع (١). وهذه النصوص الثابتة عن النبي ﷺ عامة لجميع الأعمال التي ليس عليها أمر النبي ﷺ وهي كثيرة جداً عند المفتونين بالبدع, ومنها الاحتفال بالمولد النبوي وإطعام الطعام في المآتم. الوجه الثالث: أن يقال من زعم أن الاحتفال بالمولد النبوي وإطعام الطعام في المآتم لا علاقة لهما بالبدعة فلا شك أنه قد خالف النص الثابت عن النبي ﷺ أنه قال: «كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» وقوله أيضاً: «وشر الأمور محدثاتها» وما خالف النصوص الثابتة عن النبي ﷺ فهو قول سوء يجب رده على قائله. وقد توعد الله تعالى من خالف أمر النبي ﷺ بأشد الوعيد فقال تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون

стр. 99

عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى أتدري ما الفتنة. الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك. الوجه الرابع: أن يقال إن الاحتفال بالمولد النبوي قد جعله الجهال عيداً مضاهياً لعيدي الفطر والأضحى وغيرهما من الأعياد المشروعة للمسلمين. وما كان زائداً على الأعياد المشروعة ومضاهياً لها فلا يقول عاقل له حظ من العلم إنه لا علاقة له بالبدعة, وأما إطعام الطعام في المآتم فهو من النياحة بنص الخليفة الراشد عمر بن الخطاب الذي قال فيه رسول الله ﷺ : «إن الله جعل الحق على لسان عمر يقول به» وقال فيه أيضاً: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» وجاء في حديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁ أنه قال: «كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة» وهذا حكاية إجماع من الصحابة ﵃ على عد إطعام الطعام في المآتم من النياحة, وعلى هذا فلا يقول عاقل له حظ من العلم إنه لا علاقة لهذا العمل بالبدعة. فصل وقال صاحب المقال الباطل: وهكذا أيضا فإن الاستدلال بآية ﴿شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾ وحديث: ﴿من أحدث في أمرنا هذا فهو رد﴾ لا يصح الاستدلال بهما في موضوعنا بحال من الأحوال. وقد قال صاحب المقال الباطل في التعليق الأول ما نصه, إنني اعتبر كل الأحاديث والآيات الواردة في الرد عليَّ أو التي رددها خطيب

стр. 100

الجمعة بالمسجد الحرام وكلها حول الابتداع في الدين خارجة عن موضوعنا ومقحمة عليه. والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال: لا يخفى على من له حظ من العلم والفهم ما في كلام المردود عليه من المكابرة في إنكار الاستدلال بالآية والحديث المذكورين على المنع من بدعتي المولد والمأتم, وما فيه أيضاً من المكابرة في قوله: إن كل الأحاديث والآيات الواردة حول الابتداع في الدين خارجة عن موضوعه ومقحمة عليه, أي إنها على حد زعمه لا تدل على المنع من بدعتي المولد والمأتم, ولا يخفى ما في كلامه أيضاً من المعارضة لقول النبي ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» فهذا الحديث الصحيح يبطل قول المردود عليه ويجتثه من أصله لأنه يدل على أن كل ما خرج عن سنة رسول الله ﷺ وسنة الخلفاء الراشدين من الأعياد والاحتفالات فهو من المحدثات والبدع والضلالات التي يجب ردها, ومن ذلك الاحتفال بالمولد النبوي وإطعام الطعام في المآتم فيجب المنع من هاتين البدعتين لأنهما خارجتان عن سنة رسول الله ﷺ وسنة الخلفاء الراشدين المهديين, ولا يستطيع صاحب المقال الباطل ولا غيره من المفتونين بالبدع أن يدخلوهما في سنة رسول الله ﷺ ولا في سنة الخلفاء الراشدين المهديين. الوجه الثاني أن يقال إن الاستدلال بقول الله تعالى: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾ وقول النبي ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» يأتي على

стр. 101

البدع كلها, ومنها الاحتفال بالمولد النبوي وبدعة إطعام الطعام في المأتم لأن كلاً من هاتين البدعتين قد أحدثت بعد زمان رسول الله ﷺ وليستا من الأفعال التي كان عليها أمر رسول الله ﷺ , وقد ذكرت قريباً قول النووي في الكلام على قول النبي ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» أنه صريح في رد كل البدع والمخترعات وأنه ينبغي حفظه واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال به, وذكرت أيضاً قول الحافظ ابن حجر أن فيه رد المحدثات وأن النهي يقتضي الفساد لأن المنهيات كلها ليست من أمر الدين فيجب ردها, وإذا تعارض قول النووي وابن حجر وقول صاحب المقال الباطل وأمثاله من المفتونين بالبدع فلا شك أن قوله وأقوال أمثاله في تقرير البدع وتأييدها بالشبه هو المطّرح المردود. الوجه الثالث: أن يقال ما زعمه صاحب المقال من أنه لا يصح الاستدلال بالآية والحديث في موضوعه - أي إنه لا يصح الاستدلال بهما على المنع من بدعتي المولد والمأتم على حد زعمه - وكذلك قوله إن كل الأحاديث والآيات الواردة حول الابتداع في الدين خارجة عن موضوعه ومقحمة عليه - أي إنه ليس فيها دليل على المنع من بدعتي المولد والمأتم على حد زعمه - وهذا القول منه مبني على مجرد الدعوى التي لا تستند إلى دليل من كتاب ولا سنة, وما ليس عليه دليل فحقه الرد والاطّراح ولا عبرة به. الوجه الرابع: أن يقال إن المحققين من العلماء قد أنكروا الاحتفال بالمولد النبوي وصرحوا أنه بدعة ولا يجوز فعله, وقد ذكرت أقوالهم في ذلك في كتابي المسمى بـ «الرد القويم, على الرفاعي والمجهول وابن علوي, وبيان أخطائهم في المولد النبوي» فليراجع

стр. 102

هناك, وأما الاحتفال بالمأتم وإطعام الطعام فيه فهو مخالف لهدي رسول الله ﷺ حيث أنه قد أمر أهله أن يصنعوا طعاماً لأهل الميت ولم يأمر أهل الميت أن يصنعوا الطعام للناس, وقد أنكر المحققون من العلماء صناعة الطعام من أهل الميت وصرحوا أنه بدعة وقال بعضهم: إنه بدعة مستقبحة, ونص أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ على أنه من النياحة وقال جرير بن عبد الله البجلي ﵁ إنهم كانوا يعدونه من النياحة, وقال أبو البختري وسعيد بن جبير إنه من أمر الجاهلية, وقد ذكرت كلام العلماء فيه قريباً فليراجع ففيه وفيما ذكره العلماء في المنع من بدعة المولد أبلغ رد على زعم المردود عليه أن الآيات والأحاديث الواردة حول الابتداع في الدين خارجة عن موضوعه ومقحمة عليه. فصل وقال صاحب المقال الباطل ثالثاً: لا أجد في حديث «اصنعوا لآل جعفر طعاماً فإنه قد أتاهم ما يشغلهم» أية دلالة على تحريم صنع الطعام من آل جعفر لأنفسهم ولضيوفهم من المعزين والمواسين, ولا يعني أهل الميت أصلاً ولا يخاطبهم, بل هو مجرد حث لغيرهم من الأقارب والجيران على مكرمة من مكارم الأخلاق لمساعدة من نزلت بهم مصيبة الموت وهي سنة في حق الأقارب والجيران وليست في حق الأولين ولا ذنب للآخرين, فإذا لم يقدم أحد من الأقارب والجيران الطعام لأهل الميت ماذا يصنعون, هل يظلون وضيوفهم من المعزين والمواسين جياعاً, أم يصنعون طعاماً, وإذا فعلوا وأكلوا وأكل الناس معهم سيكونون آثمين, وما هو الدليل.

стр. 103

والجواب: أن يقال أما صنع أهل الميت الطعام لأنفسهم فلم يأت عن النبي ﷺ دليل يدل على المنع منه. وأما الاجتماع عند أهل الميت وصنعهم الطعام للناس فهو من المحدثات التي ليس عليها أمر النبي ﷺ ولم يفعلها أحد من الصحابة ولا التابعين وتابعيهم بإحسان. وكل عمل ليس عليه أمر النبي ﷺ فهو مردود لقول النبي ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه من حديث عائشة ﵂, وفي رواية لأحمد ومسلم والبخاري تعليقاً مجزوماً به «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» , وقد تقدم قول عمر ﵁ أن الاجتماع إلى أهل الميت وإطعام الطعام من النياحة. وتقدم أيضاً قول جرير بن عبد الله البجلي ﵁: «كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة» وتقدم أيضاً قول أبي البختري وسعيد بن جبير أنه من أمر الجاهلية, وفي هذا مع ما ذكرت قبله من الحديث الصحيح وقول عمر وجرير بن عبد الله ﵄ أوضح دليل على المنع من بدعة المأتم, ومن لم يفقه هذا الدليل الواضح فليستعذ بالله من الطبع على القلب. فصل وأما قول صاحب المقال الباطل: أما دليلنا على الجواز فإنه ما رواه أبو داود في سننه عن عاصم بن كليب عن أبيه عن رجل من الأنصار قال خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة فلما رجع استقبله داعي امرأته - أي زوجة الميت - فأجاب ونحن معه فجيء بالطعام فوضع يده ثم وضع القوم فأكلوا. وفي هذا الحديث دلالة صريحة على جواز ما يصنعه أهل الميت من طعام ودعوة الناس إليه سواء بقصد طلب

стр. 104

الثواب للميت أو إكراماً للضيف. فالجواب عنه من وجوه أحدها: أن يقال إن الكاتب قد حَرَّفَ كلمة في الحديث وزاد فيه جملة أفسدت اللفظ وغَيَّرت المعنى, فأما الكلمة التي وقع فيها التحريف فهي قوله: «داعي امرأته» والذي في سنن أبي داود «داعي امرأة» بالتنكير لا بالإضافة, وقد وقع هذا التحريف في «مشكاة المصابيح» , ولعله وقع من بعض النساخ بعد المؤلف, وأما الجملة التي أفسدت اللفظ وغيّرت المعنى فهي قوله - أي زوجة الميت - وقد سبقه إلى هذه الزيادة التي قد غيّرت المعنى على القارئ حيث قال في شرح المشكاة - أي زوجة المتوفى -وسأذكر لفظ الحديث عند أبي داود وغيره ليتضح خطأ صاحب المقال الباطل ومن سبقه إلى التحريف في الحديث والتفسير الباطل في بيان المراد بالمرأة. الوجه الثاني: أن يقال قد جاء في حديث جيد الإسناد أن الميت الذي خرج النبي ﷺ معه كان من الأنصار, وجاء فيه وفي أحاديث أخر ما يدل على أنه أبو الدحداح الذي تصدق بحديقته وقال النبي ﷺ في حقه: «كم من عذق مدلى في الجنة لأبي الدحداح» وأما المرأة التي دعت النبي ﷺ وأصحابه إلى الطعام فهي امرأة من قريش وهي أخت سعد وعامر ابني أبي وقاص ﵄ وعنها. فأما الدليل على أن الميت من الأنصار فقد رواه الإمام أحمد في مسنده عن محمد بن فضيل عن عاصم بن كليب عن أبيه عن رجل من الأنصار قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار وأنا غلام مع أبي فجلس رسول الله ﷺ على حفيرة القبر فجعل يوصي الحافر ويقول: «أوسع من قبل الرأس وأوسع من قبل الرجلين لرب عذق له في الجنة» وروى الإمام

стр. 105

أحمد أيضاً عن محمد بن جعفر عن شعبة وحجاج عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة ﵁ قال صلى رسول الله ﷺ على ابن الدحداح, قال حجاج أبي الدحداح ثم أتى بفرس عري فعقله رجل فركبه فجعل يتوقص به ونحن نتبعه نسعى خلفه قال: فقال رجل من القوم إن النبي ﷺ قال: «كم من عذق معلق أو مدلى في الجنة لأبي الدحداح» قال حجاج في حديثه قال رجل معنا: عند جابر بن سمرة في المجلس قال رسول الله ﷺ : «كم من عذق مدلى لأبي الدحداح في الجنة» وقد رواه مسلم والطبراني في الكبير بنحوه, وفي رواية للطبراني عن جابر بن سمرة ﵁ قال صلينا على ابن الدحداح رجل من الأنصار فلما فرغنا أتى رجل رسول الله ﷺ بفرس حصان فركبه حين رجع من الجنازة. وروى البيهقي في سننه عن عاصم بن كليب عن أبيه عن رجل من الأنصار قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ بجنازة وأنا غلام مع أبي فجلس على حفرة القبر وجعل يومي إلى الحفار ويقول: «أوسع من قبل الرأس أوسع من قبل الرجلين ورب عذق له في الجنة». وقد ذكر ابن سعد في: «الطبقات الكبرى» جملة من نساء الأنصار اللاتي بايعن رسول الله ﷺ وذكر منهن أمامة بنت محرث بن زيد بن ثعلبة, قال: وأمها سلمى بنت أبي الدحداحة صاحب العذق المذلل في الجنة, ويستفاد من قول ابن سعد أن البشارة بالعذق المذلل في الجنة إنما وردت في حق أبي الدحداح ولم ترد في حق غيره, وقد علم مما تقدم من الأحاديث أن أبا الدحداح هو الميت الذي جاء ذكره في حديث عاصم بن كليب الذي رواه أبو داود وغيره. وأما الدليل على أن المرأة التي دعت النبي ﷺ وأصحابه إلى الطعام حين رجع من الجنازة كانت من قريش فقد رواه

стр. 106

الإمام أحمد عن معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق عن زائدة عن عاصم بن كليب عن أبيه أن رجلاً من الأنصار أخبره قال خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة فلما رجعنا لقينا داعي امرأة من قريش فقال: يا رسول الله إن فلانة تدعوك ومن معك إلى طعام فانصرف فانصرفنا معه فجلسنا مجالس الغلمان من آبائهم بين أيديهم ثم جيء بالطعام فوضع رسول الله ﷺ يده ووضع القوم أيديهم ففطن له القوم وهو يلوك لقمته لا يجيزها فرفعوا أيديهم وغفلوا عنا ثم ذكروا فأخذوا بأيدينا فجعل الرجل يضرب اللقمة بيده حتى تسقط ثم أمسكوا بأيدينا ينظرون ما يصنع رسول الله ﷺ فلفظها فألقاها فقال: «أجد لحم شاة أخذت بغير إذن أهلها» فقامت المرأة فقالت يا رسول الله: إنه كان في نفسي أن أجمعك ومن معك على طعام فأرسلت إلى البقيع فلم أجد شاة تباع وكان عامر بن أبي وقاص ابتاع شاة أمس من البقيع فأرسلت إليه أن ابتغي لي شاة فلم توجد فذكر لي أنك اشتريت شاة فأرسل بها إليَّ فلم يجده الرسول ووجد أهله فدفعوها إلى رسولي فقال رسول الله ﷺ : «اطعموها الأسارى» إسناده صحيح رجاله كلهم من رجال الصحيح سوى كليب بن شهاب الجرمي والد عاصم وهو ثقة وثقه أبو زرعة وابن سعد وقال رأيتهم يستحسنون حديثه ويحتجون به, وذكره ابن حبان في ثقات التابعين وقال: يقال إن له صحبة, وقد روى له أهل السنن والبخاري في جزء رفع اليدين. وقال أبو داود في الباب الثالث من «كتاب البيع»: حدثنا محمد بن العلاء أخبرنا ابن إدريس أخبرنا عاصم بن كليب عن أبيه عن رجل من الأنصار قال خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة فرأيت رسول الله ﷺ وهو على القبر يوصي الحافر: «أوسع من

стр. 107

قبل رجليه أوسع من قبل رأسه فلما رجع استقبله داعي امرأة فجاء وجيء بالطعام فوضع يده ثم وضع القوم فأكلوا فنظر آباؤنا رسول الله ﷺ يلوك لقمة في فمه ثم قال: «أجد لحم شاة أخذت بغير إذن أهلها» فأرسلت المرأة قالت: يا رسول الله إني أرسلت إلى البقيع يشترى لي شاة فلم أجد فأرسلت إلى جار لي قد اشترى شاة أن أرسل إليَّ بها بثمنها فلم يوجد فأرسلت إلى امرأته فأرسلت إليَّ بها فقال رسول الله ﷺ : «أطعميه الأسارى» وقد رواه البيهقي في «دلائل النبوة» من طريق أبي داود بمثل روايته. ورواه الدارقطني في سننه من طريق ابن إدريس عن عاصم بن كليب عن أبيه عن رجل من الأنصار فذكر أوله بنحو رواية أبي داود وقال فيه فلما انصرف تلقاه داعي امرأة من قريش فقال: إن فلانة تدعوك وأصحابك وذكر بقيته بنحو رواية أحمد, ورواه الدارقطني أيضاً حدثنا علي بن محمد بن عبيد حدثنا ابن أبي خيثمة حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا عبد الواحد بن زياد عن عاصم بن كليب عن أبيه قال حدثني رجل من الأنصار قال خرجت مع أبي وأنا غلام مع رسول الله ﷺ , ثم ذكر نحوه وقال فيه قالت: فبعثت إلى أخي عامر بن أبي وقاص وقد اشترى شاة من البقيع فلم يكن أخي ثمَّ فدفع أهله الشاة إليَّ. إسناده صحيح, أما علي بن محمد بن عبيد فقال فيه الخطيب البغدادي: كان ثقة أميناً حافظاً عارفاً, ونقل الخطيب عن طلحة بن محمد بن جعفر أنه قال فيه الحافظ الثقة, وترجم له الذهبي في «تذكرة الحفاظ» وقال فيه الحافظ الإمام وذكر قول الخطيب فيه وأقره وأما ابن أبي خيثمة فهو أحمد بن زهير بن حرب قال فيه الخطيب البغدادي كان ثقة عالماً متقناً حافظاً بصيراً بأيام الناس راوية للأدب. قال: وذكره الدارقطني فقال: ثقة مأمون, وترجم له الذهبي في «تذكرة الحفاظ»

стр. 108

وقال فيه الحافظ الحجة الإمام, وذكر قول الخطيب فيه وأقره, وأما موسى بن إسماعيل التبوذكي وعبد الواحد بن زياد فهما من رجال الصحيحين, وأما عاصم بن كليب فقد روى له مسلم وأهل السنن, وأبوه تقدم الكلام في توثيقه. وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه المسمى بـ «الإصابة» روينا في الجزء الثاني من حديث أبي العباس بن مكرم بإسناده عن عاصم بن كليب عن أبيه حدثني رجل من الأنصار قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة وأنا غلام مع أبي يومئذ - فذكر الحديث في قصة المرأة التي أضافتهم بالشاة وأن النبي ﷺ أخذ لقمة فلاكها ولم يسغها فقالت المرأة: أرسلت إلى البقيع فلم أجد شاة تباع وكان أخي عامر بن أبي وقاص عنده شاة فدفعها أهلها إلى رسولي وهو غائب, الحديث. وقد تبين من سياق هذه الأحاديث أن الميت الذي خرج النبي ﷺ معه وأخبر أن له عذقاً في الجنة هو أبو الدحداح الأنصاري وأن المرأة التي دعت النبي ﷺ وأصحابه إلى الطعام كانت قرشية وهي أخت سعد وعامر ابني أبي وقاص ولم تكن أم الدحداح التي هي زوجة الميت, ففي هذا أبلغ رد على من زعم أن صاحبة الطعام زوجة الميت والله أعلم. الوجه الثالث: أن صاحب المقال الباطل قد اختصر الحديث اختصاراً أخلَّ به وأوهم أن رسول الله ﷺ ومن معه أكلوا طعام المرأة, وليس الأمر كذلك لأن رسول الله ﷺ لفظ اللقمة من فيه من حين ابتدأوا في الأكل فرفع القوم أيديهم وأخذوا بأيدي غلمانهم عن الطعام وألقوا ما كان معهم ثم إن رسول الله

стр. 109

- ﷺ أمر المرأة أن تطعمه الأسارى. وقد تقدم بيان ذلك في حديث عاصم بن كليب. فصل وزعم صاحب المقال الباطل أن رسول الله ﷺ لم يقل لمخالفه أنت جاهل أو إنك تقول بغير علم. والجواب أن يقال إن رسول الله ﷺ قد قال لأبي ذر الغفاري ﵁ لما عَيَّر رجلاً بأمه: «إنك امرؤ فيك جاهلية» وعاب الذين أفتوا بغير علم وشدد في الإنكار عليهم, فأما حديث أبي ذر ﵁ فقد رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود عن أبي ذر ﵁ قال: كان بيني وبين رجل كلام وكانت أمه أعجمية فنلت منها فذكرني للنبي ﷺ فقال لي: «أساببت فلاناً» قلت: نعم, قال: «أفنلت من أمه» قلت: نعم, قال: «إنك امرؤ فيك جاهلية» قلت: على حين ساعتي هذه من كبر السن قال: «نعم» هذا لفظ البخاري في «كتاب الأدب» من صحيحه. وفي رواية لمسلم قلت: يا رسول الله من سب الرجال سبوا أباه وأمه قال: «يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية» وفي رواية له أخرى بعد قوله: «إنك امرؤ فيك جاهلية» قال: قلت على حال ساعتي من الكبر قال: «نعم على حال ساعتك من الكبر». وفي قوله ﷺ لأبي ذر ﵁: «إنك امرؤ فيك جاهلية ما هو أبلغ وأنكى من القول أنت جاهل. وفي الحديث دليل على أنه يجوز وصف المخالف للسنة بصفة الجهل». وأما إنكار النبي ﷺ على الذي أفتوا بغير علم

стр. 110

ووصفه إياهم بالعي الذي هو الجهل وعدم العلم فقد رواه أبو داود والدارقطني والبيهقي من حديث جابر ﵁ قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلاً منا حجر فشجه في رأسه ثم احتلم فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم فقالوا ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء فاغتسل فمات فلما قدمنا على النبي ﷺ أخبر بذلك فقال: «قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده» وقد رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم في مستدركه والدارقطني والبيهقي في سننيهما من حديث ابن عباس ﵄ مختصراً وصححه الحاكم والذهبي. قال ابن الأثير في «النهاية» وابن منظور في «لسان العرب»: العي الجهل قال أبو الطيب شمس الحق العظيم آبادي في «عون المعبود» والمعنى أن الجهل داء وشفاؤه السؤال والتعلم, وقال الخطابي في هذا الحديث من العلم أنه عابهم بالفتوى بغير علم وألحق بهم الوعيد بأن دعا عليهم وجعلهم في الإثم قتلة له انتهى. وفي هذين الحديثين وحديث أبي ذر ﵁ أبلغ رد على صاحب المقال الباطل الذي قد بذل وسعه في معارضة العلماء الذي يحذرون من بدعتي المأتم والمولد وغيرهما من أنواع البدع والمخالفات. فصل وزعم صاحب المقال الباطل أن المنافقين لم يحرموا من بر النبي ﷺ وعطفه. قال: ولم يسلط عليهم لسانه وقسوته.
следующие страницы →