ومنها ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن عمر ﵁ قال: استأذنت رسول الله ﷺ في العمرة فأذن لي وقال: «لا تنسنا يا أُخَيَّ من دعائك» فقال كلمة ما يسرني أن لي بها الدنيا. هذا لفظ أبي داود, وفي رواية له أنه قال: «أشركنا يا أُخَيَّ في دعائك» قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح, وفي رواية لأحمد أنه قال: «يا أُخَيَّ أشركنا في صالح دعائك ولا تنسنا» فقال عمر: ما أحب أن لي بها ما طلعت عليه الشمس لقوله «يا أُخَيَّ».
ومنها ما رواه الترمذي والحاكم عن عبد الله بن حنطب ﵁ قال: كنت مع رسول الله ﷺ فنظر إلى أبي بكر وعمر ﵄ فقال: «هذان السمع والبصر» هذا لفظ الحاكم وقال صحيح الإسناد وقال الذهبي حسن.
ومنها ما في مستدرك الحاكم أيضاً عن ابن عباس ﵄ في قوله : ﴿وشاورهم في الأمر﴾ قال أبو بكر وعمر ﵄. قال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي في تلخيصه.
ومنها ما رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: صلى رسول الله ﷺ صلاة الصبح ثم أقبل على الناس فقال: «بينا رجل يسوق بقرة إذ ركبها فضربها فقالت: إنا لم نخلق لهذا إنما خلقنا للحرث» فقال الناس: سبحان الله بقرة تكلم فقال: «فإني أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر» وما هما ثَمَّ «وبينما رجل في غنمه إذ عدا الذئب فذهب منها بشاة فطلب حتى كأنه استنقذها منه فقال له الذئب: هذا استنقذتها مني فمن لها يوم السبع يوم لا راعي لها غيري» فقال الناس: سبحان الله ذئب يتكلم قال: «فإني أومن بهذا
стр. 142
أنا وأبو بكر وعمر» وما هما ثَمَّ هذا لفظ البخاري في «كتاب أحاديث الأنبياء» وقد رواه الترمذي مفرقاً في موضعين من مناقب أبي بكر وعمر ﵄ وقال في كل منهما حسن صحيح.
ومنها ما رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وابن ماجه عن ابن أبي مليكة قال: سمعت ابن عباس ﵄ يقول وضع عمر بن الخطاب على سريره فتكنفه الناس يدعون ويثنون ويصلون عليه قبل أن يرفع وأنا فيهم قال: فلم يرعني إلا برجل قد أخذ بمنكبي من ورائي فالتفتّ إليه فإذا هو عليّ فترحم على عمر وقال: ما خلفت أحداً أحب إليّ أن ألقى الله بمثل عمله منك وأيم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك وذاك أني كنت أكثر أسمع رسول الله ﷺ يقول: «جئت أنا وأبو بكر وعمر ودخلت أنا وأبو بكر وعمر وخرجت أنا وأبو بكر وعمر» فإن كنت لأرجو أو لأظن أن يجعلك الله معهما.
وقد روى عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد المسند عن أبي معمر عن ابن أبي حازم قال: جاء رجل إلى علي بن حسين فقال: ما كان منزلة أبي بكر وعمر من النبي ﷺ فقال: منزلتهما الساعة.
وروى أبو نعيم في الحلية من حديث شعبة عن سلمة بن كهيل عن أبي الزعراء أو عن زيد بن وهب أن سويد بن غفلة دخل على علي بن أبي طالب ﵁ في إمارته فقال: يا أمير المؤمنين إني مررت بنفر يذكرون أبا بكر وعمر ﵄ بغير الذي هما أهل له من الإسلام فنهض إلى المنبر وهو قابض على يدي فقال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لا يحبهما إلا مؤمن فاضل ولا يبغضهما ويخالفهما إلا شقي مارق فحبهما قربة وبغضهما مروق, ما بال أقوام يذكرون أخوي رسول الله ﷺ ووزيريه وصاحبيه وسيدي قريش وأبوي
стр. 143
المسلمين فأنا بريء ممن يذكرهما وعليه معاقب.
وروى الترمذي عن محمد بن سيرين أنه قال: ما أظن رجلاً ينتقص أبا بكر وعمر يحب النبي ﷺ . قال الترمذي حديث حسن غريب.
وفيما ذكرته من الأحاديث والآثار أبلغ رد على من انتقص الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ وبخسه حقه من علو المنزلة في العلم والفقه والمقام من رسول الله ﷺ ، والأحاديث في فضائل عمر ﵁ وخصائصه التي اختص بها دون غيره من الصحابة ﵃ كثيرة جداً, ومن أعظمها وأشرفها أن القرآن قد نزل بموافقته في أسرى بدر وفي تحريم الخمر وفي اتخاذ مقام إبراهيم مصلى وفي الحجاب وفي قوله للنبي ﷺ حين آلى من نسائه, إن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل وأنا وأبو وبكر والمؤمنون معك فنزلت هذه الآية: ﴿وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير﴾. ومنها أن الشيطان كان يخاف من عمر ﵁ وإذا سلك عمر ﵁ فجّاً سلك الشيطان فجّاً غير فجّه, ومنها أنه كان أشد هذه الأمة في دين الله. ومنها أنه عُرِض على النبي ﷺ في المنام وعليه قميص يجره وأوّل النبي ﷺ ذلك بالدين, ومنها قول النبي ﷺ : «لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب» إلى غير ذلك من المناقب الجليلة والخصال الحميدة التي قد امتاز بها عمر ﵁ دون غيره, وفيها أبلغ رد على من انتقصه وبخسه حقه.
ومن أشرف الخصال الحميدة التي قد امتاز بها عمر ﵁ على جميع الخلفاء والملوك بعده أنه كان مضرب المثل في العدل وحسن
стр. 144
السيرة والأخذ بالحزم في جميع أموره فليس أحد ممن بعده يماثله في هذه الخصال الحميدة.
ومن أعظم الخصائص التي اختص بها هو وأبو بكر الصديق ﵄ دون سائر الأمة دفنهما مع رسول الله ﷺ , وكفى بهذه المجاورة شرفاً لهما. وقد تقدم قول علي بن الحسين أن منزلة أبي بكر وعمر ﵄ من النبي ﷺ منزلتهما الساعة, وفي هذا رد على من انتقص عمر ﵁ وبخسه حقه من علو المنزلة والمقام من رسول الله ﷺ .
وأما قول صاحب المقال الباطل: وصلاة التهجد في رمضان فقط وفي جماعة هل شرعها الرسول هكذا أو هل فعلها أصحابه؟.
فجوابه أن أقول: قد ذكرت الأحاديث الثابتة في صلاة النبي ﷺ بالناس جماعة في ثلاث ليال من ليالي رمضان ثم إنه ترك الصلاة بهم وعلل ذلك بأنه خشي أن تفرض عليهم صلاة الليل فيعجزوا عنها, وذكرت أيضاً قول النبي ﷺ : «إن الرجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف حسب له بقية ليلته» وذكرت أيضاً ما رواه البيهقي وغيره أن رسول الله ﷺ رأى ناساً في ناحية المسجد يصلون مع أبي بن كعب ﵁ فقال: «قد أحسنوا أو قد أصابوا» ولم يكره ذلك لهم, فهذا يدل على مشروعية الصلاة جماعة في قيام رمضان, وفي كل من فعل النبي ﷺ وقوله وتقريره دليل مستقل على مشروعية الصلاة جماعة في قيام رمضان. وباجتماع هذه الأمور يزداد الأمر في المشروعية تأكيداً وحثّاً على العمل بهذه السنة.
ومن الأدلة أيضاً على مشروعية الصلاة جماعة في قيام رمضان قول
стр. 145
النبي ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ» وقوله ﷺ : «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» وقوله ﷺ : «إن الله تعالى جعل الحق على لسان عمر يقول به» وقد ذكرت هذه الأحاديث والأحاديث التي قبلها في الوجه الأول والوجه الثاني فلتراجع. فكل حديث منها يدل بمفرده على مشروعية الصلاة جماعة في قيام رمضان, ويدل على ذلك أيضاً إجماع الصحابة ﵃ على الصلاة جماعة في قيام رمضان, وفيهم الخلفاء الراشدون عمر وعثمان وعلي ﵃. وإجماع الصحابة ﵃ حجة قاطعة, وفي اجتماع هذه الأدلة أبلغ رد على من أنكر مشروعية الصلاة جماعة في قيام رمضان.
وإذا علم هذا فليعلم أيضاً أنه لا ينكر مشروعية الصلاة جماعة في قيام رمضان إلا أحد رجلين, إما جاهل لا علم له بشيء من الأحاديث الدالة على المشروعية وإما رجل يتعامى عن الحق ويجادل بالباطل في معارضة الحق ورده ويحاول التلبيس على ضعفاء البصيرة. وهذه الصفة الذميمة تنطبق على صاحب المقال الباطل وعلى أشباه له في بلده وغير بلده.
فصل
وقال صاحب المقال الباطل: ألم يحدث عمر إيقاع الطلاق الثلاث في مجلس واحد وبلفظ واحد ثلاثاً بعد أن كان يعتبر طلقة واحدة في عهد الرسول وأبي بكر.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها: أن يقال إن إلزام عمر
стр. 146
رضي الله عنه بالطلاق الثلاث لا يعد من المحدثات التي حذر منها رسول الله ﷺ وأمر بردها وإنما هو من السنن التي يجب الأخذ بها لقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ».
وأيضاً فإن النبي ﷺ قد قال: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» ومن الاقتداء بعمر ﵁ العمل بأمره في الإلزام بالطلاق الثلاث.
وأيضاً فإن النبي ﷺ قال: «إن الله تعالى جعل الحق على لسان عمر يقول به» ومن الحق الذي جعله الله على لسان عمر ﵁ إلزامه بالطلاق الثلاث, وفي كل من هذه الأحاديث أبلغ رد على من اعترض على عمر ﵁ وجعل سنته من قبيل المحدثات في الإسلام.
وأيضاً فإن الصحابة ﵄ قد وافقوا عمر ﵁ على الإلزام بالطلاق الثلاث وفيهم من الخلفاء الراشدين المهديين عثمان وعلي ﵄. والصحابة ﵃ لا يجتمعون على شيء من البدع والضلالة, وفي اتفاقهم على العمل بما أمر به عمر ﵁ أبلغ رد على من اعترض على عمر ﵁ وجعل سنته من قبيل البدع.
الوجه الثاني: أن يقال إن ابن حزم قد قرر في كتابه «المحلى» أن الطلاق الثلاث المجموعة سنة وليست بدعة, واستدل على ذلك بأدلة كثيرة من القرآن والسنة ورد على من قال: إن الثلاث المجموعة ترد إلى واحدة فليراجع كلامه في ذلك في «كتاب الطلاق» من كتاب «المحلى»
стр. 147
وعلى ما قرره ابن حزم يكون إلزام عمر ﵁ بالطلاق الثلاث إلزاماً بسنة ماضية قبله.
الوجه الثالث أن يقال من أكبر الخطأ قياس بدعتي المأتم والمولد على سنة عمر ﵁ في الإلزام بالطلاق الثلاث. وهذا القياس الفاسد من جنس قياس الذين قالوا: (إنما البيع مثل الربا) وهو مردود بقول النبي ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وبقوله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» وقد تقدم تخريج هذين الحديثين في البرهان السادس عشر والبرهان التاسع عشر فليراجع هناك.
فصل
وقال صاحب المقال الباطل: ومكبرات الصوت في الأذان والإقامة وقراءة الإمام أليست كل هذه من محدثات الأمور الحسنة أم أنها ضلالة يجب منعها وتحريمها وإدخالها تحت طائلة «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».
والجواب أن يقال إن مكبرات الصوت لا تدخل في حد البدعة لأنها إنما تكبر الصوت فقط وليس فيها زيادة في ألفاظ الأذان ولا الإقامة ولا القراءة. وعلى هذا فإدخالها في حد البدعة خطأ ظاهر, ومن هذا الباب ركوب الطائرات والسيارات في السفر إلى الحج والعمرة, وكذلك وضع الساعات في المساجد لمعرفة أوقات الصلوات فكل هذا من الأمور المباحة ومن النعم التي أنعم الله بها على عباده وليست داخلة في حد
стр. 148
البدعة, ومن زعم أنها من البدع الداخلة تحت عموم النهي فلا شك أنه مصاب في عقله.
فصل
وقال صاحب المقال الباطل: ولقد تساءلت في كلمتي السابقة, وهل كل ما لم يفعله الرسول ولا أصحابه حرام علينا أم أن الأصل في الأعمال هو الحل إلا ما جاء به نص بتحريمه أو النهي عنه, وأزيد على ذلك الآن بأن فقهاء الإسلام لم يتركوا هذا الموضوع بل درسوه وناقشوه وانتهوا إلى أن ترك الرسول لعمل لا يدل على تحريمه واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ ولم يقل ما تركه فانتهوا, وهذا هو الفهم الصحيح لنصوص القرآن والحديث.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال إن النبي ﷺ قد وضع لأمته قاعدة عظيمة تعرض عليها الأعمال فيعرف ما يجوز منها وما لا يجوز فقال ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وقال ﷺ أيضاً: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» أي مردود.
وقد تقدم تخريج هذين الحديثين والكلام عليهما قريباً (١) مع الرد على ما نقله الكاتب عن بعض العلماء أنه قال: إن البدع ليست كلها سيئة فليراجع هنا.
وعلى هذه القاعدة العظيمة مدار الأعمال كلها. فما كان منها
стр. 149
موافقاً لسنة الرسول ﷺ أو سنة الخلفاء الراشدين المهديين فهو من الأعمال التي يجب التمسك بها والعض عليها بالنواجذ, وما لم يكن منها من سنة الرسول ﷺ ولا من سنة الخلفاء الراشدين المهديين فهو من المحدثات التي حذر منها رسول الله ﷺ وأمر بردها وأخبر أنها شر وضلالة. وفي هذه القاعدة العظيمة أبلغ رد على قول الكاتب إن الأصل في الأعمال هو الحل إلا ما جاء نص بتحريمه أو النهي عنه.
الوجه الثاني: أن يقال قد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به» وقد تقدم تخريج هذا الحديث في البرهان العشرين فليراجع هناك, وقد ذكرت في الكلام عليه قول النووي إن الشخص يجب عليه أن يعرض عمله على الكتاب والسنة ويخالف هواه ويتبع ما جاء به ﷺ , وفي هذا الحديث أبلغ رد على قول الكاتب إن الأصل في الأعمال هو الحل إلا ما جاء نص بتحريمه أو النهي عنه.
الوجه الثالث: أن يقال إن القاعدة التي تقدم ذكرها موافقة غاية الموافقة لقول الله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ فكل ما كان من سنة الرسول ﷺ أو من سنة الخلفاء الراشدين المهديين فهو مما أمر الله بأخذه لأن رسول الله ﷺ قد أمر أمته بالتمسك به والعض عليه بالنواجذ, وما كان من محدثات الأمور فهو مما نهى الله عنه لأن رسول ﷺ قد حذر أمته من محدثات الأمور على وجه العموم وأمر بردها ونص على أنها شر وضلالة وأنها في النار.
الوجه الرابع: أن يقال إن في تحذير النبي ﷺ من
стр. 150
محدثات الأمور وأمره بردها نصاً جلياً على النهي عنها والمنع منها, وهذا النص لا يخفى على من له أدنى علم وفهم للأحاديث النبوية, وإنما يخفى على البليد الذي لا نصيب له من العلم والفهم.
الوجه الخامس: أن يقال ما زعم الكاتب أنه الفهم الصحيح لنصوص القرآن والحديث فهو مبني منه على التخرص واتباع الظن, وكيف يكون فهم الكتاب صحيحاً مع مخالفته للقاعدة الشرعية التي تقدم ذكرها في الوجه الأول ومحاولته لتأييد بدعتي المأتم والمولد والجدال عنهما بالباطل واطراح ما ثبت عن النبي ﷺ وعن أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين, فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه حصر أعياد المسلمين الزمانية في سبعة أيام ولم يجعل المولد منها ولا معها, وثبت عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وعن غيره من الصحابة ﵃ أنهم عدوا الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام من النياحة وقال أبو البختري وسعيد بن جبير: إن ذلك من أمر الجاهلية, وقد ذكرت الأحاديث الواردة في ذلك في البرهان الثامن والعشرين والبرهان التاسع والعشرين والبرهان الثلاثين فلتراجع ففيها أبلغ رد على الكاتب وعلى محاولته تأييد بدعتي المولد والمأتم والدفاع عنهما بفهمه الخاطئ.
فصل
وقال صاحب المقال الباطل: ولو أننا زعمنا أن كل ما لم يفعله الرسول ولا أصحابه حرام نكون نحن الذين شرعنا في الدين ما لم يأذن به الله ودخلنا تحت مظلة ﴿ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام﴾ وخاصة في غير الدين كالاحتفال بالمولد النبوي
стр. 151
وحفلات المآتم, ألم يقل الرسول مرة إثر نقاش بينه وبين أصحابه «أنتم أدرى بأمور دنياكم» أو كما قال.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها: أن يقال إن النبي ﷺ قد أمر أمته أن يتمسكوا بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده وحذرهم من محدثات الأمور وأمرهم بردها ونص على أنها شر وضلالة, وقد تقدم تخريج هذه الأحاديث الصحيحة في البرهان السادس عشر والبراهين الثلاثة بعده (١) فلتراجع ففيها أوضح دليل على أن جميع الأعمال التي ليست من سنة النبي ﷺ ولا من سنة الخلفاء الراشدين المهديين ولم يكن عليها أمر النبي ﷺ وأصحابه ﵃ فهي من البدع التي يجب ردها والمنع منها. وعلى هذا فإن المنكرين لمحدثات الأمور لا ينطبق عليهم القول بأنهم قد شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله كما قد توهم ذلك صاحب المقال الباطل, ولا ينطبق عليهم ما جاء في قول الله تعالى: ﴿ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام﴾ وإنما ينطبق ذلك على أهل البدع فهم الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله, وهم الذين افتروا الكذب بما ابتدعوه واستحسنوه من الأعمال التي لم يأمر الله بها ولا رسوله ﷺ . ويشاركهم في أعمالهم السيئة وصفاتهم الذميمة كل من سعى في تأييد البدع وأمور أهل الجاهلية وبذل جهده في إظهار العمل بها في بلاد المسلمين كما قد فعل ذلك الكاتب المفتون بالبدع وأشباه له كثيرون في بلده وغير بلده.
الوجه الثاني: أن يقال إن الكاتب المفتون قد زعم أن إنكار الاحتفال بالمولد النبوي وحفلات المآتم والقول بتحريمها من الشرع في
стр. 152
الدين بما لم يأذن به الله ومما يدخل في قول الله تعالى: ﴿ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام﴾ وهذا من قلب الحقيقة وعكس القضية, وإنه لينطبق على الكاتب قول الله تعالى: ﴿أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون﴾. ولا يخفى على من له أدنى علم ومعرفة أن عموم الأحاديث الواردة في التحذير من البدع والأمر بردها يشمل الاحتفال بالمولد النبوي وحفلات المآتم بطريق الأولى لأن الاحتفال بالمولد النبوي قد جعله الجهال عيداً مضاهياً للأعياد المشروعة للمسلمين, بل إنهم يحتفلون بالمولد أعظم مما يحتفلون بالأعياد المشروعة للمسلمين, وأما حفلات المآتم فإنها من أمور أهل الجاهلية وقد قال النبي ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم» وهي أيضاً من النياحة كما جاء ذلك في النص الثابت عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وعن غيره من الصحابة ﵃. وقد تقدم ذلك في حديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁ فليراجع (١) وليراجع كلام العلماء في ذم حفلات المآتم وقول بعضهم إنها بدعة مستقبحة وأنها قلب للمعقول لأن الضيافة إنما تكون للسرور لا للحزن, وما كان بهذه الصفة الذميمة فإنه لا يشك المسلم العاقل في تحريمه.
الوجه الثالث: أن يقال إن قول النبي ﷺ : «أنتم أعلم بأمر دنياكم» إنما هو وارد في تأبير النخل وذلك من الأمور الدنيوية التي ليس لها تعلق بشيء من أمور الدين وليست داخلة في المحدثات التي حذر منها رسول الله ﷺ وأمر بردها,
стр. 153
وهذا بخلاف الاحتفال بالمولد النبوي وحفلات المآتم فإنهما من المحدثات التي ورد التحذير منها والأمر بردها. فأما الاحتفال بالمولد النبوي فإن الجهال قد اتخذوه عيداً وقربة يتقربون بها إلى الله تعالى, وقد زعم بعض الجهال من الكتّاب المنتسبين إلى العلم - وهم بعيدون غاية البعد عن العلم الموروث عن النبي ﷺ - أن الاحتفال بالمولد النبوي سنة حسنة محمودة, وزعموا أيضاً أنها سنة مباركة, وزعموا أيضاً أن الاحتفال بالمولد مطلوب شرعاً, وزعموا أيضاً أنه مشروع في الإسلام, وزعموا أيضاً أنه يثبت الأفئدة, وكل هذا موجود في كتب لهم منشورة. وقد رددت على هذه المجازفات والأباطيل التي هي من الزيادة في الدين والشرع فيه بما لم يأذن الله به في كتابي المسمى بـ «الرد القوي على الرفاعي والمجهول وابن علوي» فليراجع الرد عليها هناك.
وما ذكرته هنا من مجازفات الجهال وأقوالهم الباطلة في تعظيم الاحتفال بالمولد واتخاذه ديناً فيه أبلغ رد على ما في كلام الكاتب المفتون من التمويه على الجهال وإيهامهم أنه لا محذور في الاحتفال بالمولد النبوي وأن القول فيه من جنس القول في تأبير النخل.
وأما حفلات المآتم فقد ذكرت في الوجه الثاني أنها من أمور أهل الجاهلية ومن النياحة التي هي من كبائر الإثم, وما كان بهذه المثابة فقياسه على تأبير النخل من أفسد القياس, ومن أجاز العمل بالنياحة وأمور أهل الجاهلية فلا شك أنه مصاب في دينه وعقله.
فصل
وقال صاحب المقال الباطل: ما هي ماهية الاحتفال بالمولد
стр. 154
النبوي؟ وماذا يجري فيه؟. إنه اجتماع في ليلة مباركة على أمة محمد, اجتماع نستشعر الحب الإلهي ونتعرض لنفحات الرب, يجتمعون يقرءون القرآن ثم يتلون شيئاً من سيرة الرسول الكريم ومعجزاته ويذكرون الله ويصلون على رسوله ثم يأكلون ويشربون الطيبات من الرزق ثم يخرجون وقد امتلأت نفوسهم بمزيد من الحب لله ولرسوله.
هذا هو الاحتفال الصحيح بالمولد النبوي ولا شيء سواه.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها: أن يقال على سبيل الفرض والتقدير لو أن الاحتفال بالمولد النبوي كان خالياً من منكرات الأقوال والأفعال وكان على وفق الماهية التي ذكرها الكاتب لكان المنع منه متعيناً لأنه لم يكن من سنة رسول الله ﷺ ولا من سنة الخلفاء الراشدين المهديين وإنما هو من المحدثات, وقد حذّر النبي ﷺ من المحدثات وأمر بردها ونص على أنها شر وضلالة فقال ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وقال ﷺ في خطبته يوم الجمعة: «أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة» وقال ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» وقد تقدم تخريج هذه الأحاديث في البرهان السادس عشر والبراهين الثلاثة بعده فلتراجع (١) ففيها أبلغ رد على الكاتب خاصة وعلى جميع الذين يحتفلون بالمولد النبوي ويتخذونه عيداً
стр. 155
ولا يبالون بما هو ثابت عن النبي ﷺ من النهي عن المحدثات ووصفها بالشر والضلالة والأمر بردها, والنصوص الثابتة عن النبي ﷺ في هذا قد جاءت على وجه العموم فيدخل في عمومها الاحتفال بالمولد النبوي وغيره من البدع. ولا فرق في ذلك بين بدعة وبدعة, ومن ادعى خروج الاحتفال بالمولد النبوي من عموم الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في التحذير من البدع والأمر بردها فهو مطالب بأن يأتي بنص من الكتاب أو السنة يدل على جواز الاحتفال بالمولد النبوي وخروجه من عموم المنع من البدع. ولن يجد إلى النص سبيلاً.
الوجه الثاني: أن يقال إن الله تعالى قد شرع للمسلمين سبعة أعياد زمانية وهي يوم الجمعة ويوم الفطر ويوم النحر ويوم عرفة وأيام التشريق الثلاثة. فمن زاد عليها عيداً ثامناً فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله وخالف السنة التي كان عليها رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعون لهم بإحسان, وكل من ابتدع في الدين فبدعته مردودة كائنة ما كانت, ومن هذا الباب ما يفعله الجهال من الاحتفال بالمولد النبوي واتخاذه عيداً يعظمونه أشد من تعظيمهم للأعياد المشروعة للمسلمين ويفرحون به أعظم من فرحهم بالأعياد المشروعة للمسلمين, وهذا من تلاعب الشيطان بهم وتعظيمه للبدع في نفوسهم.
الوجه الثالث: أن يقال إن ماهية الاحتفال بالمولد النبوي ليس لها حد محدود لا يزاد عليه ولا ينقص منه, بل إنها تختلف اختلافاً كثيراً على حسب العوائد في الأقطار التي ينتسب أهلها إلى الإسلام فكل من استحسن منكراً من الأقوال أو الأفعال أدخله في ماهية الاحتفال بالمولد.
وأنا أذكر ها هنا بعض المنكرات التي قد أضفيت إلى ماهية الاحتفال
стр. 156
بالمولد النبوي, فمن ذلك القيام عند ذكر ولادة النبي ﷺ , وقد ذكر ابن علوي في صفحة ٢٧ من رسالته التي سماها: «حول الاحتفال بالمولد النبوي» أن هذا القيام قد استحسنه من استحسنه من أهل العلم. ونقل عن البرزنجي ما ذكره عن بعضهم من استحسان القيام وأن أهل العلم والفضل والتقى قد سنوه, ثم قال ابن علوي في آخر صفحة ٢٨ إن من لم يقم قد يفسر موقفه ذلك بسوء الأدب أو قلة الذوق أو جمود الإحساس. وذكر أيضاً في صفحة ٢٩ أن استحسان القيام عند ذكر ولادة النبي ﷺ قد جرى عليه العمل في سائر الأقطار والأمصار واستحسنه العلماء شرقاً وغرباً انتهى ملخصاً من كلامه, وقد رددت على هذه الأقوال الباطلة في كتابي المسمى بـ «الرد القوي. على الرفاعي والمجهول وابن علوي» فليراجع ذلك في آخر الكتاب المذكور, وهذه السنة من سنن الضلالة التي يكون على المبتدي بها وزرها ووزر من عمل بها بعده, ويكون الوزر أيضاً على من يدعو إليها ويحسنها للجهال كابن علوي وأشباهه من أنصار البدع, وقد ذكرت في «الرد القوي» ما ثبت عن النبي ﷺ من كراهيته للقيام له ونهيه عنه وقوله إن ذلك من فعل الأعاجم, وإذا كان النبي ﷺ قد كره القيام له ونهى عنه وأخبر أنه من فعل الأعاجم فكيف بالقيام عند ذكر ولادته, فهذا أولى بالنهي والمنع لجمعه بين البدعة المستهجنة والتشبه بالأعاجم.
ومن ماهية الاحتفال بالمولد النبوي أيضاً ما ذكره أبو عبد الله ابن الحاج في كتابه «المدخل» أنهم يستعملون فيه الأغاني ومعهم آلات الطرب من الطار المصرصر والشبابه وغير ذلك مما جعلوه آلة للسماع, وذكر أيضاً أنه يفعل فيه أنواع من المنكرات من الغناء والرقص
стр. 157
واستعمال آلات اللهو والطرب واختلاط الرجال والنساء وغير ذلك من المنكرات.
ومن ماهيته أيضاً ما ذكره محمد بن عبد السلام خضر الشقيري في كتابه المسمى بـ «السنن والمبتدعات» أنه تنفق فيه الأموال الباهظة التي تعلق بها التعاليق وتنصب بها السرادقات وتضرب بها الصواريخ ويكون فيها اجتماع الرقاصين والرقاصات والمومسات والطبالين والزمارين واللصوص والنشالين والحاوي والقرداتي وذوي العمائم الحمراء والخضراء والصفراء والسوداء. أهل الإلحاد في أسماء الله والشخير والنخير والصفير بالغابة والدق بالبارات والكاسات والشهيق والنعيق بأح أح يا ابن المره أم أم إن إن سابينها يا رسول الله يا صاحب الفرح المدا آد يا عم يا عم, اللع اللع, كالقرود.
قال محمد بن عبد السلام ما فائدة هذا كله؟ فائدته سخرية الإفرنج بنا وبديننا وأخذ صور هذه الجماعات لأهل أوربا فيفهمون أن محمداً ﷺ - حاشاه حاشاه - كان كذلك هو وأصحابه.
قال: وكيف سكت العلماء على هذا البلاء والشر؟ , بل وأقروه! , ولماذا سكتت الحكومة الإسلامية على هذه المخازي وهذه النفقات التي ترفع البلاد إلى أعلى عليين, فإما أن يزيلوا هذا المنكر وإما وصمتهم بالجهالة انتهى باختصار.
فهذا ما ذكره العالم بماهية الاحتفال بالمولد النبوي في بلاده التي هي من أكبر البلاد التي ينتسب أهلها إلى الإسلام, فأما الماهية التي ذكرها صاحب المقال الباطل فقد يكون الاقتصار عليها نادراً عند المفتونين بالاحتفال بالمولد النبوي, ومع هذا فهي من البدع الداخلة في عموم الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في التحذير من
стр. 158
البدع والأمر بردها, وقد قال أبو عبد الله ابن الحاج في كتابه «المدخل»: المولد إذا خلا من السماع وعمل طعاماً فقط ونوى به المولد ودعا إليه الإخوان فهو بدعة بنفس نيته فقط إذ أن ذلك زيادة في الدين وليس من عمل السلف الماضين, واتباع السلف أولى, بل أوجب من أن يزيد نية مخالفة لما كانوا عليه لأنهم أشد الناس اتباعاً لسنة رسول الله ﷺ وتعظيماً له ولسنته ﷺ ولهم قدم السبق في المبادرة إلى ذلك, ولم ينقل عن أحد منهم أنه نوى المولد ونحن لهم تبع فيسعنا ما وسعهم انتهى.
وقال تاج الدين عمر بن علي اللخمي السكندري المشهور بالفاكهاني - وهو من متأخري المالكية - في كتابه المسمى بـ «المورود, في الكلام على عمل المولد» أما بعد فإنه تكرر سؤال جماعة من المباركين عن الاجتماع الذي يعمله بعض الناس في شهر ربيع الأول ويسمونه المولد هل له أصل في الشرع أو هو بدعة وحدث في الدين وقصدوا الجواب عن ذلك فقلت: وبالله التوفيق, لا أعلم لهذا المولد أصلاً في كتاب ولا سنة ولم ينقل عن أحد من علماء الأمة الذين هم القدوة في الدين المتمسكون بآثار المتقدمين, بل هو بدعة أحدثها البطالون وشهوة نفس اعتنى بها الأكالون. بدليل أنا إذا أدرنا عليه الأحكام الخمسة قلنا: إما أن يكون واجباً أو مندوباً أو مباحاً أو مكروهاً أو محرماً. وليس بواجب إجماعاً ولا مندوباً لأن حقيقة المندوب ما طلبه الشرع من غير ذم على تركه, وهذا لم يأذن فيه الشرع ولا فعله الصحابة ولا التابعون ولا العلماء المتدينون فيما علمت. وهذا جوابي عنه بين يدي الله تعالى إن عنه سئلت, ولا جائز أن يكون مباحاً لأن الابتداع في الدين ليس مباحاً بإجماع المسلمين فلم يبق إلا أن يكون مكروهاً أو حراماً, وحينئذ يكون الكلام فيه في فصلين, والتفرقة بين حالين.
أحدهما: أن يعمله رجل
стр. 159
من عين ماله لأهله وأصحابه وعياله لا يجاوزون في ذلك الاجتماع على أكل الطعام ولا يقترفون شيئاً من الآثام, وهذا الذي وصفناه بأنه بدعة مكروهة إذ لم يفعله أحد من متقدمي أهل الطاعة الذين هم فقهاء الإسلام وعلماء الأنام, والثاني: أن تدخله الجناية وتقوى به العناية حتى يعطي أحدهم الشيء ونفسه تتبعه, لا سيما إن انضاف إلى ذلك شيء من الغناء بآلات الباطل من الدفوف والشبابات واجتماع الرجال مع الشباب المرد والنساء الفاتنات, إما مختلطات بهم أو مشرفات والرقص بالتثني والانعطاف والاستغراق في اللهو ونسيان يوم المخاف, وكذلك النساء إذا اجتمعن على انفرادهن رافعات أصواتهن بالتطريب في الإنشاد والخروج في التلاوة والذكر عن المشروع والأمر المعتاد, وهذا لا يختلف في تحريمه اثنان انتهى المقصود من كلامه والأولى أن يقال في الحالة الأولى بالتحريم لأن رسول الله ﷺ وصف البدع بالشر والضلالة على وجه العموم وأخبر أنها في النار وحذر منها غاية التحذير وأمر بردها من غير تفريق بين بدعة وبدعة, وفي هذا أوضح دليل على تحريم البدع كلها سواء كان معها شيء آخر من المنكرات أو لم يكن. وإذا كان معها شيء آخر من المنكرات كان ذلك أشد لتحريمها وكان الزجر عنها آكد والمنع منها أوجب.
وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في جواب له في صفحة ٢٩٨ من المجلد الخامس والعشرين من مجموع الفتاوى. وأما اتخاذ موسم غير المواسم الشرعية كبعض ليالي شهر ربيع الأول التي يقال إنها ليلة المولد أو بعض ليالي رجب أو ثامن عشر ذي الحجة أو أول جمعة من رجب أو ثامن شوال الذي يسميه الجهال عيد الأبرار فإنها من البدع التي لم يستحبها السلف ولم يفعلوها انتهى.
стр. 160
وقال شيخ الإسلام أبو العباس أيضاً في كتابه «اقتضاء الصراط المستقيم»: لما ذكر اتخاذ مولد النبي ﷺ عيداً. قال: إن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضي له وعدم المانع, ولو كان هذا خيراً محضاً أو راجحاً لكان السلف ﵃ أحق به منا فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله ﷺ وتعظيما له منا, وهم على الخير أحرص. وإنما كمال محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته واتباع أمره وإحياء سنته باطناً وظاهراً ونشر ما بعث به والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان فإن هذه هي طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان انتهى.
وسئل رشيد رضا عن قراءة القصص المسماة بالموالد هل هي سنة أم بدعة ومن أول من فعل ذلك, فأجاب بقوله: هذه الموالد بدعة بلا نزاع, وأول من ابتدع الاجتماع لقراءة قصة المولد النبوي أحد ملوك الشراكسة بمصر انتهى وهذا الجواب مذكور في صفحة ١١١ من الجزء السابع عشر من المنار. وهو أيضاً في صفحة ١٢٤٢ - ١٢٤٣ من المجلد الرابع من فتاوى رشيد رضا.
ولرشيد رضا جواب آخر عن بدعة المولد وهو مذكور في صفحة ٦٦٤ - ٦٦٨ من الجزء التاسع والعشرين من المنار وهو أيضاً في صفحة ٢١١٢ - ٢١١٥ من المجلد الخامس من فتاوى رشيد رضا. قال فيه سئل الحافظ ابن حجر عن الاحتفال بالمولد النبوي هل هو بدعة أم له أصل. فأجاب بقوله أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة ولكنها مع ذلك قد اشتملت على محاسن وضدها. فمن جرد عمله في المحاسن وتجنب ضدها كان بدعة حسنة ومن لا فلا.
стр. 161
قال رشيد رضا وأقول إن الحافظ رحمه الله تعالى حجة في النقل فقد كان أحفظ حفاظ السنة والآثار ولكنه لم يؤت ما أوتي الأئمة المجتهدون من قوة الاستنباط فحسبنا من فتواه ما تعلق بالنقل وهو أن عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من سلف الأمة الصالح من أهل القرون الثلاثة التي هي خير القرون بشهادة الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله, ومن زعم بأنه يأتي في هذا الدين بخير مما جاء به رسول الله ﷺ وجرى عليه ناقلو سنته بالعمل فقد زعم أنه ﷺ لم يؤد رسالة ربه كما قال الإمام مالك رحمه الله تعالى, وقد أحسن صاحب عقيدة الجوهرة في قوله:
وكل خير في اتباع من سَلَف ... وكل شر في ابتداع من خَلَف
وأما قول الحافظ من عمل فيه المحاسن وتجنب ضدها كان عمله بدعة حسنة ومن لا فلا, ففيه نظر, ويعني بالمحاسن قراءة القرآن وشيء من سيرة النبي ﷺ في بدء أمره من ولادته وتربيته وبعثته, والصدقات - وهي مشروعة لا تعد من البدع - وإنما البدعة فيها جعل هذا الاجتماع المخصوص بالهيئة المخصوصة والوقت المخصوص وجعله من قبيل شعائر الإسلام التي لا تثبت إلا بنص الشارع بحيث يظن العوام والجاهلون بالسنن أنه من أعمال القرب المطلوبة شرعاً. وهو بهذه القيود بدعة سيئة وجناية على دين الله تعالى وزيادة فيه تعد من شرع ما لم يأذن به الله ومن الافتراء على الله والقول في دينه بغير علم انتهى المقصود من كلامه.
وذكر أيضاً أن الحفلات المولدية تشتمل على بدع ومفاسد أخرى كالكذب على رسول الله ﷺ في سيرته وأقواله وأفعاله كما هو المعهود في أكثر القصص المولدية التي اعتيد التغني بها في هذه
стр. 162
الحفلات. قال: وأما القيام عند ذكر وضع أمه له ﷺ وإنشاد بعض الشعر أو الأغاني في ذلك فهو من جملة هذه البدع وقد صرح بذلك الفقيه ابن حجر المكي الشافعي انتهى باختصار.
فليتأمل الكاتب ما نقلته عن العلماء العارفين بماهية الاحتفال بالمولد النبوي وتصريحهم بأنه بدعة ولو كان مقصوراً على الاجتماع على أكل الطعام, وليتق الله تعالى ولا يكن داعياً إلى الشر والضلال وعوناً للشيطان على نشر البدع وإظهارها بين المسلمين, ولا ينس قول الله تعالى: ﴿ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا سآء ما يزرون﴾ وقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً» رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن من حديث أبي هريرة ﵁ وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
الوجه الرابع أن يقال لو كان في الاحتفال بالمولد النبوي أدنى شيء من الخير لبينه رسول الله ﷺ لأمته فإنه لا خير إلا وقد دلهم عليه ورغبهم فيه ولا شر إلا وقد نهاهم عنه وحذرهم منه وقد قال ﷺ : «ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بُيّن لكم» رواه الطبراني في الكبير من حديث أبي ذر ﵁, وقال ﷺ : «قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنه بعدي إلا هالك» رواه الإمام أحمد وابن ماجه والحاكم من حديث العرباض بن سارية ﵁.
الوجه الخامس أن يقال إن رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ كانوا أحرص الناس على فعل الخير وأشدهم
стр. 163
مسارعة إلى الأعمال التي تستجلب بها محبة الله تعالى ويتعرض بها لنفحاته, ومع هذا فلم يكونوا يحتفلون بليلة المولد ولا يخصونها بشيء من الأعمال دون سائر الليالي, ولو كان في الاحتفال بالمولد شيء من الخير لسبقوا إليه وقد قال ﷺ : «من رغب عن سنتي فليس مني» رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم والنسائي من حديث أنس بن مالك ﵁. وسئل رسول الله ﷺ عن الفرقة الناجية من هذه الأمة فقال: «ما أنا عليه وأصحابي» رواه الترمذي وغيره من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ وقال الترمذي: حديث حسن غريب.
وفي هذين الحديثين أوضح دليل على أنه لا يجوز الاحتفال بالمولد النبوي لأنه لم يكن من سنة رسول الله ﷺ ولم يفعله الصحابة ﵃.
الوجه السادس: أن يقال ما زعمه الكاتب من استشعار الحب الإلهي والتعرض لنفحات الرب في الاحتفال بالمولد النبوي وأنهم يخرجون من احتفالهم بالمولد وقد امتلأت نفوسهم بمزيد من الحب لله ولرسوله, فكل ذلك من تزيين الشيطان لهم وتلاعبه بعقولهم ليرغبهم في العمل بالبدعة ويهوّن عندهم أمرها ويدعوهم إلى عدم المبالاة بتحذير النبي ﷺ من البدع وأمره بردها.
الوجه السابع أن يقال من عجيب أمر الكاتب زعمه أنه يستشعر الحب الإلهي ويتعرض لنفحات الرب في حين عمله ببدعة المولد, وما علم المسكين أن العمل بالبدع من أعظم الأسباب التي تبعد عن الله تعالى وتستجلب بها الفتنة والعذاب الأليم قال الله تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ قال
стр. 164
الإمام أحمد رحمه الله تعالى في الكلام على هذه الآية. أتدري ما الفتنة؟ , الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك ثم جعل يتلو هذه الآية: ﴿فلا وربك لا يؤمن حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً﴾.
وإذا علم هذا فليعلم أيضاً أن محبة الله تعالى والتعرض لنفحاته إنما تنال بطاعته وطاعة رسوله ﷺ وذلك بالعمل بما أمر الله به ورسوله ﷺ واجتناب ما نهى الله عنه ورسوله ﷺ وتحقيق المتابعة للرسول ﷺ وتحكيمه في كل ما تنازع الناس فيه والتمسك بسنته وتقديم هديه على هدي غيره وعلى أهواء النفوس وشهواتها.
وليس الاحتفال بالمولد النبوي من هدي رسول الله ﷺ ولا من عمل أصحابه ولا من عمل التابعين لهم بإحسان, وإنما هو من هدي بعض الملوك وسننهم. وأول من أحدثه سلطان إربل الملك المظفر أبو سعيد كوكبري بن زين الدين علي بن بكتكين, ذكر ذلك السيوطي في رسالته التي سماها «حسن المقصد, في عمل المولد» وكانت وفاة كوكبري في سنة ثلاثين وستمائة, وقال رشيد رضا إن أول من ابتدع الاجتماع لقراءة قصة المولد النبوي أحد ملوك الشراكسة بمصر.
والمقصود هنا التحذير من الاحتفال بالمولد النبوي لأنه من المحدثات التي حذر منها رسول الله ﷺ ووصفها بالشر والضلالة وأمر بردها والتحذير أيضاً من الاغترار بمزاعم الكاتب وحججه الداحضة في الدفاع عن بدعة المولد والمجادلة عنها بالباطل.
стр. 165
فصل
ثم إن صاحب المقال الباطل لم يقتصر على تحسين بدعتي المولد والمأتم والاحتفال بهما بل ذهب يطالب بتوسيع نطاق البدع ويدعو إلى الاحتفال بالأيام التي كان لها ذكر في التاريخ فقال: إن الاحتفالات ينبغي أن لا تقتصر على المولد النبوي فقط بل وفي كل يوم من أيام الإسلام الخالدة كيوم الهجرة ويوم الإسراء والمعراج ويوم بدر ويوم أحد ويوم فتح مكة وكل يوم كان له أثر طيب على المسيرة الإسلامية, فما أحوجنا إلى أيام إجازة بهذه المناسبات كما يفعل غيرنا من الأمم المتحضرة.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها: أن يقال إن رسول الله ﷺ وأصحابه كانوا أحرص الناس على فعل الخير, ومع هذا فإنهم لم يكونوا يحتفلون بشيء من الأيام التي دعا الكاتب المفتون إلى الاحتفال بها, ولو كان في الاحتفال بها أو بشيء منها أدنى شيء من الخير لكان النبي ﷺ وأصحابه أسبق إليه ممن كان بعدهم, وقد قال رسول الله ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وهذا الحديث الصحيح يدل دلالة واضحة على أنه لا يجوز الاحتفال بشيء من الأيام التي ذكرها الكاتب لأن الاحتفال بها بدعة وضلالة, وأي خير يرجى من البدع والضلالة, ومن لم يتسع له ما اتسع لرسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ فلا وسع الله عليه.
الوجه الثاني: أن يقال إن رسول الله ﷺ قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك
стр. 166
من أجورهم شيئاً ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً» رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن من حديث أبي هريرة ﵁ وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.
قال النووي في شرح مسلم سواء كان ذلك الهدى والضلالة هو الذي ابتدأه أم كان مسبوقاً إليه انتهى.
وإذا علم هذا فليعلم أيضاً أن دعاء الكاتب إلى الاحتفال بالأيام التي كان لها ذكر في تاريخ الإسلام دعاء صريح إلى الضلالة لأن الاحتفال بها مخالف لهدي رسول الله ﷺ وموافق لهدي الأمم التي زعم الكاتب أنها متحضرة - وهم طوائف الإفرنج وغيرهم من أمم الكفر والضلال الذين كانوا يشرعون لأنفسهم ولأتباعهم كل ما استحسنوه من الاحتفالات بالأيام التي كان لها ذكر في تاريخهم وقد حاول الكاتب أن يحذو حذوهم في شرع ما لم يأذن الله به من الاحتفالات والأعياد المخالفة لما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعون لهم بإحسان, وسوف لا يتم للكاتب مقصوده من البدع إن شاء الله تعالى لأن ولاة الأمور في الحرمين الشريفين وفي جميع الجزيرة العربية ليسوا من أهل البدع ولا ممن يؤيد البدع وأهل البدع, وإنما هم من أهل السنة والجماعة, وأهل السنة والجماعة لا يستجيزون إحداث الاحتفالات والأعياد التي لم يكن عليها الأمر في عهد رسول الله ﷺ وعهد أصحابه ﵃.
الوجه الثالث: أن يقال أن الكاتب قد عظّم شأن أمم الكفر والضلال الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق, وذلك حين وصفهم بأنهم أمم متحضرة,
стр. 167
ومفهوم كلامه يدل دلالة ظاهرة على أنه يرى أن المسلمين متصفون بالبداوة. وما ذاك إلا أنهم قد وقفوا عند حدود الشريعة ولم يجاوروها إلى العمل بالاستحسان وما تدعو إليه أهواء النفوس وشهواتها من الاحتفالات التي لم يفعلها رسول الله ﷺ ولا أصحابه ولا التابعون لهم بإحسان. ولو أن الكاتب تأمل أحوال الذين زعم أنهم أمم متحضرة لتبين له أن حضارتهم ومدنيتهم يرجع حاصلها إلى التوسع في استحلال المحرمات وإعطاء النفوس حظها مما تميل إليه من الشهوات واللذات, فليس لهم دين يردعهم عن المحرمات وعن الشرع في الدين بما لم يأذن به الله, وليس لهم من المروءة والشيم ما يمنعهم عن تعاطي الأمور التي تدنس وتشين عند ذوي الأحلام والنهى.
الوجه الرابع: أن يقال إن الكاتب لما لم يجد ما يستند إليه في دعائه إلى توسيع نطاق البدع - وذلك بالاحتفال بالأيام التي كان لها ذكر في تاريخ الإسلام - ذهب يدعو إلى تقليد أمم الكفر والضلال والاستنان بسننهم ليطبق بذلك قول النبي ﷺ : «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً شبراً وذراعاً ذراعاً حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم».
وإذا كان الكاتب لا يرى بأساً بالاقتداء بأمم الكفر والضلال ولا يبالي بمخالفة قول النبي ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وقوله أيضاً: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» فلا شك أنه مصاب في دينه وعقله.
стр. 168
فصل
وقال صاحب المقال الباطل: لقد أثبتت التجربة أن مثل هذه الاحتفالات بفضل ما يتردد فيها من ذكر الله والصلاة على رسول الله تؤثر في القلوب وتحيي الموات فيها وتجدد صلة الإنسان بالله وتجذب إلى الطاعة وتنفر من المعصية بصورة أبلغ وأعمق أثراً وأنفذ إلى قرارة النفس من كثير من الخطب والمواعظ الباردة التي يرسلها بعض الخطباء والوعاظ في المساجد وغير المساجد. وكيف لا يكون ذلك حقيقاً والله يقول: ﴿وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين﴾ ورسوله الكريم ﵊ يقول: «روحوا القلوب ساعة بعد ساعة فإن القلوب إذا كلّت عميت».
والجواب عن هذا من وجوه أحدها: أن يقال إنه لا يجوز من الاحتفالات إلا ما شرعه الله تعالى على لسان رسوله ﷺ وهي الأعياد السبعة التي جاء في الأحاديث الصحيحة أنها أعياد المسلمين. وهي يوم الجمعة ويوم الفطر ويوم النحر ويوم عرفة وأيام التشريق (١) , فأما يوم الجمعة ويوم الفطر ويوم النحر فإنه يشترك في الاحتفال بها جميع المسلمين, وأما يوم عرفة وأيام التشريق الثلاثة فإن الاحتفال بها خاص بالحجاج, فهذه الأيام السبعة هي الأيام التي يحتفل بها المسلمون وليس لهم أعياد سواها, وعلى هذا فمن أحدث في الإسلام عيداً يحتفل به سوى هذه الأعياد المذكورة فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله وخالف الأمر الذي كان عليه
стр. 169
رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعون لهم بإحسان.
الوجه الثاني: أن يقال إن العبادات مبناها على الشرع والاتباع, لا على الرأي والاستحسان والابتداع, قال ابن مسعود ﵁: «اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم وكل بدعة ضلالة» رواه الإمام أحمد في الزهد ومحمد بن نصر المروزي في كتاب السنة, وروى محمد بن نصر أيضاً عنه ﵁ أنه قال: «إنكم اليوم على الفطرة وإنكم ستحدثون ويحدث لكم فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالهدي الأول». وروى الإمام أحمد في الزهد عنه ﵁ أنه قال: «عليكم بالسمت الأول».
والدليل على أن العبادات مبناها على التوقيف ما جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وقوله ﷺ في خطبته يوم الجمعة: «أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة» وقوله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (١) ففي هذه الأحاديث الصحيحة مع ما تقدم عن ابن مسعود ﵁ أبلغ رد على من يريد التوسع في البدع والاحتفالات التي لم تكن من هدي رسول الله ﷺ ولا من عمل أصحابه ﵃.
стр. 170
الوجه الثالث أن يقال: إن التجربة التي ذكرها الكاتب ليست حجة شرعية على جواز التوسع في البدع والاحتفالات التي لم تكن من هدي رسول الله ﷺ ولا من عمل أصحابه ﵃, وإنما هي في الحقيقة من تزيين الشيطان للكاتب وتلاعبه بعقله وعقول أشباهه من الذين لم يهتدوا بهدي رسول الله ﷺ ولم ينتهوا عما نهى عنه من البدع والإحداث في الدين.
وقد أنكر ابن مسعود وأبو موسى الأشعري ﵄ على جماعة من التابعين كانوا يجلسون في المسجد حلقاً ويكبرون الله ويهللونه ويسبحونه ويعدّون التكبير والتهليل والتسبيح بالحصى وعدَّ ابن مسعود ﵁ أفعالهم هذه من البدع وإن كانت في الظاهر من أفعال الخير التي تؤثر في القلوب. وقد رويت القصة في ذلك من عدة طرق, منها ما رواه الطبراني في الكبير عن عمرو بن سلمة قال: كنا قعوداً على باب ابن مسعود ﵁ بين المغرب والعشاء فأتى أبو موسى ﵁ فقال: اخرج إلينا أبا عبد الرحمن فخرج ابن مسعود ﵁ فقال أبا موسى ما جاء بك هذه الساعة قال: لا والله إلا أني رأيت أمراً ذعرني وإنه لخير ولقد ذعرني وإنه لخير قوم جلوس في المسجد ورجل يقول سبحوا كذا وكذا, احمدوا كذا وكذا, قال: فانطلق عبد الله وانطلقنا معهم حتى أتاهم فقال: «ما أسرع ما ضللتم وأصحاب رسول الله ﷺ أحياء وأزواجه شواب وأبنيته لم تغير, أحصوا سيئاتكم فأنا أضمن على الله أن يحصي حسناتكم».
ومنها ما رواه الدارمي عن عمرو بن يحيى قال: سمعت أبي يحدث عن أبيه قال: كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود ﵁ قبل صلاة الغداة فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد فجاءنا أبو موسى
стр. 171
الأشعري ﵁ فقال: أخرج إليكم أبو عبد الرحمن بَعْدُ قلنا: لا فجلس معنا حتى خرج فلما خرج قمنا إليه جميعاً فقال له أبو موسى يا أبا عبد الرحمن إني رأيت في المسجد آنفاً أمراً أنكرته ولم أر والحمد لله إلا خيراً, قال: فما هو فقال: إن عشت فستراه قال: رأيت في المسجد قوماً حلقاً جلوساً ينتظرون الصلاة في كل حلقة رجل وفي أيديهم حصى فيقول كبروا مائة فيكبرون مائة فيقول هللوا مائة فيهللون مائة ويقول سبحوا مائة فيسبحون مائة, قال: فماذا قلت لهم؟. قال: ما قلت لهم شيئاً انتظار رأيك أو انتظار أمرك, قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم شيء, ثم مضى ومضينا معه حتى أتى حلقة من تلك الحلق فوقف عليهم فقال: «ما هذا الذي أراكم تصنعون؟. قالوا: يا أبا عبد الرحمن حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح, قال: فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء ويحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم هؤلاء صحابة نبيكم ﷺ متوافرون وهذه ثيابه لم تبل وآنيته لم تكسر والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد ﷺ أو مفتتحو باب ضلالة» قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير. قال: «وكم من مريد للخير لن يصيبه».
ومنها ما رواه عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد الزهد والطبراني وأبو نعيم في الحلية وأبو الفرج ابن الجوزي واللفظ له عن أبي البختري قال: أخبر رجل عبد الله بن مسعود ﵁ أن قوماً يجلسون في المسجد بعد المغرب فيهم رجل يقول كبروا الله كذا وكذا وسبحوا الله كذا وكذا واحمدوا الله كذا وكذا, قال: عبد الله فإذا رأيتهم فعلوا ذلك فائتني فأخبرني بمجلسهم فجلس فلما سمع ما يقولون قام فأتي ابن مسعود ﵁ وكان رجلاً حديداً فقال: «أنا عبد الله بن مسعود
стр. 172
والله الذي لا إله غيره لقد جئتم ببدعة ظلماء أو لقد فضلتم أصحاب محمد ﷺ علماً, عليكم بالطريق فالزموه ولئن أخذتم يميناً وشمالاً لتضلن ضلالاً بعيداً» وفي رواية الطبراني فأمرهم أن يتفرقوا.
ومنها ما رواه ابن وضاح أن عبد الله بن مسعود ﵁ حدث أن ناساً يسبحون بالحصى في المسجد فأتاهم وقد كوّم كل رجل منهم كومة من حصى فلم يزل يحصبهم بالحصى حتى أخرجهم من المسجد وهو يقول: «لقد أحدثتم بدعة ظلماء أو لقد فضلتم أصحاب محمد ﷺ علماً».
وإنما أنكر ابن مسعود وأبو موسى ﵄ على الذين يتحلقون في المسجد للذكر ويعدون التكبير والتهليل والتسبيح بالحصى لأن فعلهم هذا ليس من الأمر الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ ولهذا عدّ ابن مسعود ﵁ فعلهم من البدع الظلماء والهلكة والضلالة وقال لهم: إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد ﷺ أو مفتتحو باب ضلالة, ولم يزل يحصبهم بالحصى حتى أخرجهم من المسجد. وإذا كان ابن مسعود وأبو موسى قد أنكرا ما فعله هؤلاء من التحلق للذكر وعدّ التكبير والتهليل والتسبيح بالحصى فكيف بالذين يقيمون بدعة المولد كل عام ويحتفلون بهذه البدعة التي ليس لها أصل في الشريعة, وإنما هي من المحدثات والأعمال التي حذّر منها رسول الله ﷺ وأمر بردها؟ وكيف بالذين يحتفلون بالمآتم ويجتمعون فيها على أكل الطعام الذي يصنعه أهل الميت وهو من النياحة والبدعة المستقبحة؟.
فهؤلاء أولى بالإنكار من الذين أنكر عليهم ابن مسعود وأبو موسى
стр. 173
رضي الله عنهما وأولى أن تعد أفعالهم واحتفالاتهم من البدع الظلماء والهلكة والضلالة.
وأعظم من هؤلاء جرماً من لم يكتف بالاحتفال ببدعتي المولد والمأتم, بل ذهب يطالب بتوسيع نطاق البدع والاحتفال بالأيام التي كان لها ذكر في تاريخ الإسلام. فهل يأمن هذا الذي يدعو إلى الضلالة أن يكون له نصيب وافر من قول الله تعالى: ﴿ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا سآء ما يزرون﴾ وقول النبي ﷺ : «ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً».
ولو أن الكاتب تأملَ ما جاء عن ابن مسعود وأبي موسى ﵄ من إنكار الأمر الذي لم يكن عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ وإن كان ظاهره الخير, وتأملَ أيضاً قول الذين أنكر عليهم ابن مسعود ﵁. والله ما أردنا إلا الخير وجواب ابن مسعود ﵁ لهم بقوله: «وكم من مريد للخير لن يصيبه» وتأملَ أيضاً قول ابن مسعود ﵁ لهم: «عليكم بالطريق فالزموه ولئن أخذتم يميناً وشمالاً لتضلن ضلالاً بعيداً» لو أنه تأمل هذا كله لكان حرياً أن يظهر له الخطأ في إصراره على تأييد البدع والمحدثات التي حذر منها رسول الله ﷺ وأمر بردها, وفي مطالبته بتوسيع نطاق البدع والاحتفال بالأيام التي لم يكن النبي ﷺ يحتفل بشيء منها ولم يحتفل بها الصحابة ولا التابعون لهم بإحسان. وإن أصر على رأيه الفاسد ولم تسمح نفسه بالرجوع إلى الحق ولزوم الأمر الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ فلا يأمن أن يكون له نصيب وافر من قول الله تعالى:
стр. 174
﴿ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾.
الوجه الرابع أن يقال على سبيل الفرض والتقدير لو أن التجربة التي ذكرها الكاتب كانت مؤثرة في قلبه وقلوب أشباهه من المفتونين بالاحتفالات المحدثة وأن هذه الاحتفالات تحيي الموات في قلوبهم وتجدد صلتهم بالله وتجذبهم إلى الطاعة وتنفرهم عن المعصية لما كان لهم أن يحتفلوا بما لم يحتفل به رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃, بل الواجب عليهم وعلى غيرهم من الناس أن يتأسوا برسول الله ﷺ في الاحتفالات وفي جميع الأعمال ولا يبتدعوا شيئاً لم يكن عليه الأمر في زمان رسول الله ﷺ وزمان أصحابه ﵃ وإن كانوا يرون أن فيه خيراً لهم لأنه ليس شيء من الأعمال يبتغى فيه الخير إلا وقد سبق إليه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃. فالخير كل الخير في سلوك سبيلهم, والشر كل الشر في سلوك السبل المضلة وهي سبل الأهواء والضلالة والشهوات التي تفضي بسالكيها إلى النار.
الوجه الخامس: أن أقول إن الخطب والمواعظ التي يلقيها الخطباء في المسجد الحرام والمسجد النبوي وغيرهما من المساجد التي قد سمعتُ الخطب فيها ليست على الوصف الذي وصفها به الكاتب هدانا الله وإياه, وإنما هي خطب بليغة جداً لاشتمالها على الدعوة إلى الله تعالى وإخلاص العمل له وتجريد المتابعة للرسول ﷺ والتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين. وتشتمل أيضاً على التذكير بالمعاد والجزاء على الأعمال, وتشتمل أيضاً على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتحذير من البدع والأهواء المضلة ومن فتن الشهوات
стр. 175
والشبهات, وتشتمل أيضاً على الحث على بر الوالدين وصلة الرحم وعلى التآخي في الله تعالى والتعاون على البر والتقوى واجتناب التعاون على الإثم والعدوان, وتشتمل أيضاً على النهي عن المحرمات في المآكل والمشارب والملابس والفروج, إلى غير ذلك مما تشتمل عليه خطبهم من الحكم البليغة والوصايا النافعة فجزاهم الله عن أعمالهم الطيبة ونصائحهم النافعة خير الجزاء وكثّر في المسلمين من أمثالهم.
فأما وصف الكاتب لخطبهم ومواعظهم بالبرودة فهو من قلب الحقائق وعكس القضايا, وقد قيل في المثل المشهور: «لا تعدم الحسناء ذاماً» وقال الشاعر:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالقوم أعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسداً وبغياً إنه لدميم
الوجه السادس أن يقال: إن التذكير الذي ينتفع به المؤمنون يكون بطرق كثيرة, ومن أعظمها نفعاً تذكير الخطباء الناصحين في خطبهم في أيام الجمع والأعياد خاصة. وفي غير ذلك من المناسبات التي تدعو إلى الخطب والتذكير بالقرآن وبما هو ثابت عن النبي ﷺ في الأحاديث الصحيحة. وهذه هي طريقة الخطباء في المسجد الحرام والمسجد النبوي وغيرهما من المساجد التي قد سمعتُ الخطب فيها, وهي طريقة موروثة عن النبي ﷺ فإنه كان يذكّر أصحابه في أيام الجمع والأعياد خاصة وفي غيرها من المناسبات, بل وفي كثير من مجالسه النافعة, يذكرهم بالقرآن وبما أوحاه الله إليه من الحكمة والموعظة الحسنة ويعلمهم ما ينفعهم في الدين والدنيا والآخرة ويحذرهم مما يضرهم في الدين والدنيا والآخرة, فلا خير إلا وقد دل أمته عليه
стр. 176
ورغبهم فيه ولا شر إلا وقد نهاهم عنه وحذرهم منه, فصلوات الله وسلامه عليه دائماً إلى يوم الدين.
فأما حفلات المولد والمآتم وغيرها من الحفلات المحدثة وما يكون فيها من التذكير إن كان له وجود فيها فليس ذلك من سنة رسول الله ﷺ ولا من سنة الخلفاء الراشدين المهديين ولا من عمل الصحابة ﵃, وإنما هي من المحدثات وقد حذر النبي ﷺ من المحدثات على وجه العموم وأمر بردها. وقال ﷺ : «من رغب عن سنتي فليس مني» وفي هذا أبلغ رد على الكاتب وعلى أشباهه من المفتونين بالبدع.
الوجه السابع أن يقال إن الحديث الذي أورده الكاتب جازماً بأن رسول الله ﷺ قد قاله حديث ضعيف جداً ولفظه: «روحوا القلوب ساعة فساعة» رواه أبو داود في المراسيل عن ابن شهاب مرسلاً. ومراسيل ابن شهاب من أضعف المراسيل, والمراسيل لا تصلح للاحتجاج ولا تجوز روايتها على الجزم برفعها إلى النبي ﷺ , وأما قوله: «فإن القلوب إذا كلّت عميت» فهذه الجملة ليست في حديث ابن شهاب ولا أدري من أين جاء بها الكاتب ولعله أتى بها من كيسه.
ولو فرضنا صحة الحديث فليس فيه ما يدل على جواز الاحتفال بالمولد والمآتم ولا على جواز توسيع نطاق البدع والاحتفال بالأيام التي كان لها ذكر في الإسلام, فليس في إيراده ما يتعلق به الكاتب بوجه من الوجوه.
стр. 177
فصل
وقال صاحب المقال الباطل: أجل إن مجالس الذكر أقوى أثراً في الوعظ والإرشاد والاتجاه إلى الله وطاعته واجتناب معاصيه من كلام بعض الخطباء والوعاظ والمنفرين الذين لا يحسنون أساليب الدعوة إلى الله ولا يعرفون من الدين إلا هذا شرك وهذا بدعة.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال: إن رسول الله ﷺ لم يكن يحتفل بمولده ولا بالمآتم ولا بشيء من الأيام التي وقعت في زمانه وكان لها أثر عظيم في تاريخ الإسلام ولم يكن يجعلها مجالس للذكر والوعظ والإرشاد. وكذلك الخلفاء الراشدون وسائر الصحابة ﵃ فإنهم لم يكونوا يفعلون شيئاً من ذلك, ولو كان فيما ذكره الكاتب أدنى شيء من الخير والإصلاح لكان رسول الله ﷺ وأصحابه أسبق إليه من غيرهم وقد قال الله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر﴾ فإن كان الكاتب يرجو الله واليوم الآخر فليتأس برسول الله ﷺ ولا يخالف الأمر الذي كان عليه هو وأصحابه ﵃ فيصيبه الوعيد الذي توعد الله به المخالفين لأمر الرسول ﷺ فقد قال الله تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ فلا يأمن الكاتب أن يكون من المعنيين بهذه الآية وهو لا يشعر.
وأيضاً فإن رسول الله ﷺ قد قال: «من رغب عن سنتي فليس مني» فلا يأمن الكاتب المفتون بالمحدثات التي ليست من سنة رسول الله ﷺ أن يكون ممن انتفى منه رسول الله ﷺ وهو لا يشعر.
стр. 178
الوجه الثاني أن يقال إن مجالس الاحتفال بالمولد والمآتم وغيرها من الاحتفالات المحدثة والتي يطالب الكاتب بإحداثها ليست من مجالس الذكر كما قد زعم ذلك الكاتب, وإنما هي من مجالس البدع والضلالة لدخولها في عموم ما حذر منه رسول الله ﷺ ووصفه بالشر والضلالة وأمر برده. وقد ذكرت الأحاديث الواردة في ذلك في البرهان السادس عشر والبراهين الثلاثة بعده فلتراجع ففيها أبلغ رد على الكاتب المفتون بالتمويه وقلب الحقائق.
الوجه الثالث أن يقال إن الكاتب المفتون قد كرر الاعتراض على الخطباء والوعاظ الناصحين من أجل أنهم كانوا يأتون في خطبهم ومواعظهم بما يشق على قلبه الذي قد أصيب بمرض البدع وعدم المبالاة بمخالفة الأمر الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃, وقد كرر أيضاً الذم لخطبهم البليغة, فتارة يقول ارحمونا عن هذا الكلام الممل - ويعني بالكلام الممل نهيهم عن الاحتفال بالمولد النبوي وقولهم إنه من المحدثات التي حذر منها رسول الله ﷺ . وتارة يقول اتركوا الكلام عن الموائد والمآتم. وما علم الكاتب أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قد نص على أن الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام من النياحة, وعلى هذا إجماع الصحابة ﵃ ذكره عنهم جرير بن عبد الله البجلي ﵁, وتارة يقول ما بال خطباء المساجد عندنا يريدون أن يتحجروا واسعاً ويتدخلوا في خصوصيات الناس ويفتون بأن الولائم التي تقام للعزاء محرمة ومخالفة لسنة رسول الله, وقد تعامى الكاتب عن تحذير النبي ﷺ عن المحدثات على وجه العموم ووصفها بالشر والضلالة والأمر بردها. وتعامى أيضاً عن إجماع الصحابة ﵃ على أن ولائم
стр. 179
العزاء من النياحة, وتارة يقول إن خطيب المسجد الحرام قد شغل جمعتين بالكلام عن الاحتفال بالمولد النبوي وتحريمه وتجريمه, وما علم الكاتب أن النهي عن هذه البدعة مستند إلى تحذير النبي ﷺ عن المحدثات وأمره بردها. وما علم أيضاً أن هذه البدعة قد افتتن بها الجم الغفير من المنتسبين إلى الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها وأن النهي عنها يعد عند أهل العلم من أعظم النصيحة للمسلمين, وتارة يقول إنه من الملاحظ أنه لم يبدأ الخطيب في الكلام عن مآدب المآتم وتحريمها حتى نهض المصلون وتركوا المسجد رغبة عن سماع مثل هذا الكلام.
وما علم الكاتب أنه لا يخرج من المسجد بعد الأذان وهو لا يريد الرجوع إليه إلا منافق, وما علم أيضاً أن الله تعالى قد شبه المعرضين عن سماع التذكرة بالحمر المستنفرة. وتارة يصف الخطب البليغة والمواعظ الحسنة التي يلقيها بعض الخطباء والوعاظ الناصحين بأنها خطب ومواعظ باردة, وتارة يقول في مجالس الاحتفال ببدعتي المولد والمأتم وغيرهما من البدع أنها مجالس ذكر وأنها أقوى أثراً في الوعظ والإرشاد والاتجاه إلى الله وطاعته واجتناب معاصيه من كلام بعض الخطباء والوعاظ المنفرين الذين لا يحسنون أساليب الدعوة إلى الله ولا يعرفون من الدين إلا هذا شرك وهذا بدعة, كذا قال الكاتب في وصف الخطباء والوعاظ الناصحين أنهم منفرون وأنهم لا يحسنون أساليب الدعوة إلى الله تعالى, وكل ما قاله فيهم وفي خطبهم فهو مردود عليه لأنه من المجازفات التي لا تستند إلى شيء من الحقائق, بل إنها في الواقع من قلب الحقائق وعكس القضايا, وإنه لينطبق على الكاتب قول الشاعر:
ومن يك ذا فم مُرٍّ مريض ... يجد مُرّاً به الماء الزلالا
وقول الآخر:
لا يضر البحر أمسى زاخراً ... أنْ رمى فيه غلام بحجر
стр. 180
وهكذا يقال في الكاتب المفتون إن المرض الذي في قلبه من حب بدعتي المولد والمأتم وغيرهما من المحدثات وحب الاحتفال بها قد حال بينه وبين قبول النصائح والمواعظ البليغة التي يلقيها الخطباء الناصحون في الحرمين الشريفين وجعله يتهجم على الخطباء وينفر من خطبهم ويذمها. ولا يخلو في هذا من أحد أمرين إما أنه لا فرق عنده بين الخطباء الناصحين وغير الناصحين. ولا فرق عنده بين الخطب البليغة وغير البليغة. وإما المكابرة لقصد إدحاض الحق ونصر البدع التي قد افتتن بها. وهذا هو الأقرب الأحرى بالكاتب وقد قال الله تعالى: ﴿ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾ فلا يأمن الكاتب أن يكون له نصيب وافر مما جاء في هذه الآية الكريمة.
الوجه الرابع أن يقال: إن اعتراض الكاتب على الخطباء في قولهم في بعض الأشياء هذا شرك وهذا بدعة اعتراض في غير محله لأن الخطباء إذا حكموا على بعض الأشياء بأنها شرك أو بدعة ذكروا الدليل على ذلك من الكتاب أو السنة ومن احتج لقوله بالكتاب أو السنة فليس للاعتراض عليه سبيل.
أقلوا عليهم لا أبا لأبيكمو ... من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا
وأيضاً فإن النهي عن الشرك والبدع أهم من النهي عما سوى ذلك من المحرمات, وقد كان رسول الله ﷺ ينهى عن الشرك والبدع ويحذر منها غاية التحذير في خطبه وغير خطبه, وقد قال الله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر﴾ فمن اعترض على الخطباء الذين يتأسون بالنبي ﷺ في النهي عن الشرك والبدع فلا شك أنه مصاب في دينه وعقله.