← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 17330

إيضاح المحجة في الرد على صاحب طنجة

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (194 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فصل وفي صفحة «٢٩ - ٣٢»: قرر المصنف أن المطر الذي يكون مع الدجال هو المطر الصناعي, وأن ما يكون معه من جبل الخبز ونهر الماء هو ما يحمله في العربات الحاملة للماء والعربات الحاملة للخبر وماكينات العجين والخبر والطبخ وما إليها مما هو موجود الآن لدى سائر الدول لاستعمالها في الحروب, وان ذلك كله بالأسباب العادية التي أجراها الله تعالى على يد غيره واخترعها الإفرنج قبل ظهوره فاستعملها هو لدعوته. والجواب أن يقال: إن الأمور التي تكون مع الدجال من الأمور الغيبية فلا يقال فيها بمجرد الرأي وإنما ينتهى فيها إلى ما جاء عن المعصوم صلوات الله وسلامه عليه. والذي يظهر من الأحاديث أن ما يجريه الله تعالى على يدي الدجال يكون من خوارق العادات لا من الأسباب العادية التي تعرفها الناس ويستعملونها, وذلك أعظم الفتنة, فأما الأمور التي قد سبقه بها غيره وعرفها الناس فليس في إتيانه بها أمر خارق يفتتن به الناس. وقد جاء في الحديث الصحيح «أنه يأمر السماء أن تمطر فتمطر, ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت فتروح سارحة القوم عليهم أطول ما كانت ذرى وأسبغه ضروعاً وأمده خواصر».

стр. 72

رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن إلا النسائي من حديث النواس بن سمعان الكلابي ﵁. وهذا شيء خارق للعادة لا من الأسباب العادية التي يعرفها الناس ويستعملونها. وقد دل هذا الحديث على أن السماء تمطر بمجرد أمره لها أن تمطر, لا بآلات يستعملها ذلك. ودل الحديث أيضاً على أن الأرض تنبت النبات في الحال من غير آلة يستعملها لذلك, وإن السارحة تروح من يومها وهي طويلة الذرى سابغة الضروع ممتدة الخواصر. وفي الحديث أيضاً أنه «يلبث في الأرض أربعين يوماً يوم منها كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة». وهذا شيء خارق للعادة. وفي الحديث أيضاً أنه يمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك, فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل, وأنه يدعو رجلا ممتلئاً شباباً فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض, ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه يضحك. وفي الحديث الآخر أن له حماراً يركبه عرض ما بين أذنيه أربعون ذراعاً. وهو حديث صحيح وقد تقدم ذكره. وهذا كله من خوارق العادات, لا من الأسباب التي يعرفها الناس ويستعملونها. ولهذا كانت فتنة الدجال أعظم فتنة تكون في الدنيا, كما في سنن ابن ماجة عن أبي أمامة الباهلي ﵁ أن رسول الله

стр. 73

- ﷺ قال: «لم تكن فتنة في الأرض منذ ذرأ الله ذرية آدم أعظم من فتنة الدجال, وإن الله لم يبعث نبياً إلا حذر أمته الدجال». وفي المسند وصحيح مسلم عن هشام بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق أكبر من الدجال». وفي رواية «أمر أكبر من الدجال». ولما كانت فتنته أعظم الفتن أمر النبي ﷺ بالاستعاذة منها في كل صلاة, وحذر منه وأنذر في عدة أحاديث. وفي المسند وسنن أبي داود عن عمران بن حصين ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من سمع بالدجال فلينأ عنه» - وفي رواية لأحمد: يقولها ثلاثا - فو الله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه مما يبعث به من الشبهات». ولو كان ما مع الدجال من الأسباب العادية التي يعرفها الناس ويستعملونها لكان شأنه كشأن سائر الدول التي تصنع المخترعات العجيبة وتستعملها ولم يكن للتحذير منه بخصوصه كبير فائدة. فصل وفي صفحة (٣٣ - ٣٤): تأول المصنف ما جاء في حديثي ابن مسعود وأبي هريرة ﵄ أن رسول الله ﷺ قال «من اقتراب الساعة انتفاخ الأهلة» على آلات الرصد التي يرى بها الهلال عند أول ظهوره. ولا يخفى: أن الحديث ضعيف, ولو صح لكان محمولا على ظاهره. لا على وجود آلات الرصد إذ لا غرابة في ذلك والله أعلم.

стр. 74

فصل وقال في صفحة (٣٨) ما نصه: ومن ذلك زينة الأرض وحضارتها بتعبيد الطرق وإحداث الشوارع وإضاءتها بالأنوار ووجود الأبنية الطويلة ذات الطبقات المتعددة وغير ذلك من أنواع الزينة والحضارة. وقد ذكر الله تعالى ذلك من أشراط الساعة الدالة على قربها جداً فقال تعالى (حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس). والجواب: أن يقال إن هذه الآية ليست واردة في أشراط الساعة كما زعمه المصنف, وإنما هي مثل ضربه الله تعالى لزهرة الحياة الدنيا وزينتها وسرعة انقضائها وزوالها: بالنبات الذي يخرجه الله تعالى من الأرض بالماء الذي ينزله من السماء. ولهذه الآية نظائر في سورة الكهف وسورة الزمر وسورة الحديد وقد ذكرتها فيما تقدم.

стр. 75

فصل وقال المصنف في صفحة (٥٠) ما نصه: إخباره ﷺ بالإهمال الواقع من النجديين للمدينة المنورة الذي سيؤول بها إلى الخراب. روى أحمد وأبو داود من حديث معاذ بن جبل قال قال رسول الله ﷺ : «عمران بيت المقدس خراب يثرب وخراب يثرب خروج الملحمة وخروج الملحمة فتح القسطنطينية وفتح القسطنطينية خروج الدجال». فعمران بيت المقدس قد ابتدأ وظهر إن لم يكن تم بإنشاء دولة اليهود فيه فإنهم عمروه ولا زالوا جادين في عمارته. والمدينة المنورة في طريق الخراب, لمحاربة القرنيين لها وسعيهم في القضاء عليها بعدم التفاتهم إليها وإلى إصلاحها, مع إهمالهم لأهلها ومعاكستهم لمن يريد الإقامة بها وصرفهم النظر عن سكانها وعدم مساعدتهم ومد يد المعونة إليهم, لتخرب ولا يبقى بها ساكن ولا مجاور لسيد الخلق ﷺ , بغضاً منهم في جانبه الشريف واعتقاداً منهم - قبحهم الله - أن زيارته وتعظيمه بدعة وضلال, فهم يسعون لذلك في خرابها حتى ينصرف الناس عن المجاورة والزيارة. وخرابها كما ترى من أشراط الساعة. والجواب عن هذا من وجوه: أحدها: أن ما ذكره عن النجديين من الإهمال للمدينة وأهلها إلى آخر كلامه الذي أقذع فيه فكله كذب وبهتان.

стр. 76

وكل من رأى حال المدينة وأهلها في هذا الزمان يعلم حقاً جراءة هذا الصوفي على الكذب والبهتان وإسرافه في ذلك, وقد قيل: لي حيلة فيمن ينمُّ ... وليس في الكذاب حيله من كان يخلق ما يقو ... ل فحيلتي فيه قليله وقال بعض السلف يفسد الكذاب والنمام في ساعة ما لا يفسد الساحر في سنة. والكذب من كبائر الإثم وقد قال الله تعالى (إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب). وقال تعالى (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا) وقال تعالى (إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين) قال أبو قلابة هي والله لكل مفتر إلى يوم القيامة. وروى الإمام أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة, وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا. وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار, وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا». وروى ابن حبان في صحيحه عن أبي بكر الصديق رضي الله

стр. 77

عنه قال قال رسول الله ﷺ : «عليكم بالصدق فإنه مع البر, وهما في الجنة. وإياكم والكذب فإنه مع الفجور, وهما في النار». وروى الطبراني في الكبير بإسناد حسن عن معاوية بن أبي سفيان ﵄ قال قال رسول الله ﷺ «عليكم بالصدق فإنه يهدي إلى البر, وهما في الجنة وإياكم والكذب فإنه يهدي إلى الفجور وهما في النار». وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما عمل الجنة؟ قال «الصدق إذا صدق العبد بر وإذا بر آمن, وإذا آمن دخل الجنة» قال يا رسول الله وما عمل النار قال «الكذب: إذا كذب العبد فجر وإذا فجر كفر وإذا كفر دخل» يعني النار. وروى الإمام أحمد أيضا والبخاري في صحيحه عن سمرة بن جندب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال «أتاني الليلة آتيان وإنهما ابتعثاني - فذكر الحديث وفيه - فانطلقت معهما فأتينا على رجل مستلق لقفاه, وإذا آخر قائم عليه بكلوب من حديد, وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه فيشرشر شدقه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه - قال - ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول, فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصح الأول كما كان, ثم يعود فيفعل به مثل ما فعل به المرة الأولى - قال - قلت سبحان الله ما هذان؟ - قال - قالا لي: انطلق انطلق- الحديث وفي آخره - وأما الرجل الذي أتيت عليه يشرشر شدقه إلى قفاه وعيناه إلى قفاه

стр. 78

ومنخراه إلى قفاه فإنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق». وروى الترمذي في جامعه عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال «إذا كذب العبد تباعد عنه الملك ميلا من نتن ما جاء به»: قال الترمذي هذا حديث حسن جيد غريب. وروى الإمام أحمد عن أبي أمامة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب» وروى البزار وأبو يعلى نحوه من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁. وروى الإمام أحمد أيضا عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: يا أيها الناس إياكم والكذب فإن الكذب مجانب للإيمان. ورواه البيهقي مرفوعا وقال: الصحيح أنه موقوف. وروى مالك عن صفوان بن سليم مرسلا قال قيل: يا رسول الله أيكون المؤمن جبانا؟ قال نعم, قيل: أيكون المؤمن بخيلا؟ قال: نعم قيل له: أيكون المؤمن كذابا قال: لا. وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال «آية المنافق ثلاث. إذا حدث كذب, وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان» وفي رواية لمسلم: «آية المنافق ثلاث وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم» ورواه الإمام أحمد ولفظه قال: «ثلاث من كن فيه فهو منافق, وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: من إذا حدث كذب, وإذا وعد أخلف, وإذا اؤتمن خان إسناده صحيح على شرط مسلم.

стр. 79

وفي الصحيحين والمسند والسنن عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان, وإذا حدث كذب, وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر». وروى أبو يعلى وأبو الشيخ الأصبهاني عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «ثلاث من كن فيه فهو منافق, وإن صام وصلى وحج واعتمر وقال إني مسلم: إذا حدث كذب, وإذا وعد أخلف, وإذا اؤتمن خان». وقال الحسن البصري رحمه الله تعالى كان يقال: أس النفاق الذي بني عليه: الكذب. والأحاديث في ذم الكذب والتحذير منه كثيرة, وفيما ذكرته كفاية. ومما يؤسف له صدور الكذب والبهتان من المصنف مع دعواه لنفسه مرتبة الكمال في آخر كتابه, وأنه من القائمين بكتاب الله الداعين إليه سراً وعلانية فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. الوجه الثاني: أن المدينة كانت في زمان ولاية الترك عليها كسائر القرى المتأخرة في أنواع العمارة والتنظيم؛ وكان السكان فيها قليلا والخراب في بيوتها كثيراً لقلة من يمر بها في غير وقت الحج. ولما ولي عليها أهل نجد جعلوها هي ومكة, نصب أعينهم

стр. 80

وموضوع عنايتهم, فكانوا يهتمون بهما وبأهلهما أعظم من اهتمامهم بعاصمة ملكهم التي كانوا يسكنون فيها وبأهلها حتى صارت المدينة الآن من المدن الكبار في السعودية, متباعدة الأطراف كثيرة السكان معموراً أكثرها بأحسن العمارة الحديثة ومنظمة بأحسن التنظيم. وقد زاد النجديون في المسجد النبوي منذ سنوات أكثر من مثله في ولاية الترك على المدينة, ولا يزال مع ذلك يضيق بالمصلين فيه, والخيرات في المدينة كثيرة جداً وأهلها في نعمة عظيمة ورخاء من العيش وافر وأمن وطمأنينة. وقد كثر الوافدون إليها في كل وقت, وخصوصاً لما عبدت الطرق إليها فلا تزال في كثير من الأوقات مزدحمة بالسكان والوافدين. فإن كان المصنف لم يرها في الوقت الحاضر فليقدم إليها ولينظر إليها حتى يعلم بطلان ما قاله فيها وفي أهلها وفيمن لهم الأمر فيها. الوجه الثالث: أن عمران بيت المقدس, الذي جاء ذكره في حديث معاذ بن جبل ﵁, ليس هو بتضخيم البناء وزخرفته وتنظيمه على الأشكال الحديثة كما توهمه المصنف, وإنما عمرانه بظهور الإيمان وطاعة الله تعالى فيه؛ وإزالة الشرك والبدع وسائر المنكرات منه, وهذا لم يكن إلى الآن, وسيكون ذلك فيما بعد إذا كانت الخلافة في الأرض المقدسة قبل خروج الدجال ونزول عيسى ﵊.

стр. 81

كما في حديث أبي أمامة الباهلي ﵁ عن النبي ﷺ في ذكر الدجال, وفيه: فقالت أم شريك بنت أبي العكر: يا رسول الله فأين العرب يومئذ؟ قال «هم قليل, وجلهم يومئذ ببيت المقدس, وإمامهم رجل صالح. فبينما إمامهم قد تقدم يصلي بهم الصبح إذ نزل عليهم عيسى بن مريم ﵊ فرجع ذلك الإمام ينكص يمشي القهقرى ليقدم عيسى يصلي, فيضع عيسى يده بين كتفيه ثم يقول له: تقدم فصل فإنها لك أقيمت, فيصلي بهم إمامهم ...» الحديث. رواه ابن ماجه. وروى الإمام أحمد وأبو داود والبخاري في تاريخه والحاكم في مستدركه عن عبد الله بن حوالة الأزدي ﵁ قال: وضع رسول الله ﷺ يده على رأسي - أو على هامتي- ثم قال: «يا ابن حوالة إذا رأيت الخلافة قد نزلت الأرض المقدسة فقد دنت الزلازل والبلابل والأمور العظام, والساعة يومئذ أقرب إلى الناس من يدي هذه من رأسك» قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه, ووافقه الذهبي في تلخيصه. وقد قال الله تعالى: (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله). وقال تعالى (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها). وفي هاتين الآيتين دليل على أن العمارة في الحقيقة إنما هي بالإيمان وإعلاء كلمة الله. وأن الخراب كل الخراب بضد ذلك.

стр. 82

ويدل على ذلك أيضاً حديث علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «يوشك أن يأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه, ولا يبقى من القرآن إلا رسمه, مساجدهم عامرة وهي خراب من الهدى, علماؤهم شر من تحت أديم السماء, من عندهم تخرج الفتنة وفيهم تعود» رواه البيهقي في «شعب الإيمان» , وذكره الإمام أحمد في كتاب الصلاة مختصراً. وذكر الإمام أحمد أيضاً عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال توشك القرى أن تخرب وهي عامرة, قيل: وكيف تخرب وهي عامرة؟ قال: إذا علا فجارها أبرارها, وساد القبيلة منافقها. ورواه أبو موسى المديني في كتاب «دولة الأشرار». وإذا علم هذا فاليهود لم يعمروا بيت المقدس كما زعمه المصنف, وإنما هم مخربون له, ولا زالوا جادين في تخريبه حتى تنزل الخلافة فيه وتطهره منهم ومن إخوانهم من المشركين والمنافقين. الوجه الرابع: أن بغض الرسول ﷺ من نواقض الإسلام فمن أبغضه, أو أبغض شيئاً مما جاء به, فهو كافر, وقد حكى شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى الاتفاق على هذا. ومع هذا فقد زعم هذا الصوفي الملحد في آيات الله تعالى أن النجديين يبغضون الرسول ﷺ , ويعتقدون أن زيارته ومجاورته وتعظيمه بدعة وضلال.

стр. 83

والجواب عن هذه الفرية أن نقول: سبحانك هذا بهتان عظيم. وقد قال بهذه الفرية قبله غير واحد من سلفه وأشباهه من أهل الزيغ والإلحاد, ورد عليهم المحققون من أهل نجد وغيرهم بما يشفي ويكفي. وقد قال الله تعالى (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً). وعن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من ذكر امرأً بشيء ليس فيه, ليعيبه به, حبسه الله في نار جهنم حتى يأتي بنفاذ ما قال فيه» رواه الطبراني, قال المنذري: وإسناده جيد. وفي رواية له «أيما رجل أشاع على رجل مسلم بكلمة وهو منها بريء, يشينه بها في الدنيا, كان حقاً على الله أن يذيبه يوم القيامة في النار حتى يأتي بنفاذ ما قال». وعن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «من قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال» رواه الإمام أحمد وأبو داود والطبراني وزاد: «وليس بخارج». وكلام المصنف في زيارة النبي ﷺ وتعظيمه: فيه إجمال. فإن كانت الزيارة بغير سفر فلا خلاف في جوازها, وليس أحد من علماء النجديين يمنع منها, فضلا عن أن يعتقدوها بدعة وضلالا كما زعمه المصنف كذباً وافتراء عليهم.

стр. 84

وإن كانت الزيارة تحتاج إلى سفر فهي داخلة فيما نهى عنه الرسول ﷺ من شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة كما في الصحيحين والمسند والسنن - إلا الترمذي - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام, ومسجد الرسول ﷺ , ومسجد الأقصى» هذا لفظ البخاري, وفي رواية لمسلم «إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد: مسجد الكعبة, ومسجدي, ومسجد إيلياء». قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» قوله لا تشد الرحال بضم أوله بلفظ النفي والمراد النهي عن السفر إلى غيرها قال الطيبي: هو أبلغ من صريح النهي, كأنه قال لا يستقيم أن يقصد بالزيارة إلا هذه البقاع, لاختصاصها بما اختصت به, وكنى بشد الرحال عن السفر لأنه لازمه, وخرج ذكرها مخرج الغالب في ركوب المسافر, وإلا فلا فرق بين ركوب الرواحل والخيل والبغال والحمير والمشي في المعنى المذكور, ويدل عليه قوله في بعض طرقه: «إنما يسافر» انتهى. وفي الصحيحين وغيرهما عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد: مسجد الحرام, ومسجد الأقصى, ومسجدي» هذا لفظ البخاري, ولفظ مسلم: «لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا, والمسجد الحرام, والمسجد الأقصى».

стр. 85

ورواه ابن ماجه في سننه من حديث أبي سعيد وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ قال «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: إلى المسجد الحرام, وإلى المسجد الأقصى, وإلى مسجدي هذا». وروى الطبراني في الصغير عن علي ﵁ عن النبي ﷺ قال «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا, والمسجد الحرام, والمسجد الأقصى». وفي الموطأ والمسند وسنن النسائي عن بصرة بن أبي بصرة ﵁ أنه قال لأبي هريرة ﵁ وقد أقبل من الطور -: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه لما خرجت, سمعت رسول الله ﷺ يقول «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام, ومسجدي هذا, والمسجد الأقصى». وقد رواه الإمام أحمد أيضاً وأبو داود الطيالسي والبخاري في التاريخ الكبير من حديث أبي بصرة ﵁, بنحوه. وقد تحصل من ألفاظ هذه الأحاديث ثلاث صيغ: النفي, والنهي, والحصر, وكل واحدة من هذه الصيغ تفيد أنه لا يجوز السفر إلى زيارة شيء من القبور ولا المساجد والأماكن المعظمة سوى المساجد الثلاثة. وباجتماع هذه الصيغ الثلاث يزداد المنع شدة, والله أعلم. وإذا كان شد الرحال إلى زيارة القبور معصية للنبي ﷺ فما ذنب النجديين إذا نهوا عن ذلك واعتقدوه بدعة وضلالا عن

стр. 86

الصراط المستقيم, فليس النجديون بمخطئين في نهيهم عن الزيارة البدعية, وإنما المخطئ الأثيم من أجازها وارتكب ما نهى عنه الرسول ﷺ من شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة, فخالف بذلك قول الله تعالى (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب). وأما تعظيم النبي ﷺ : فإن كان ذلك بما أمر الله به, من طاعته ومحبته واحترامه وتوقيره واتباع أوامره واجتناب نواهيه, فذلك واجب على كل مسلم, وجميع المؤمنين من النجديين وغيرهم على هذا المذهب, وليس أحد من مؤمني أهل نجد يخالف في هذا؛ فضلا عن أن يعتقدوه بدعة وضلالا كما زعم ذلك المصنف كذباً وافتراء عليهم. وإن كان تعظيمه ﷺ بما نهى عنه من اللغو فيه وإطرائه كما أطرت النصارى عيسى بن مريم, واتخاذ قبره عيداً والالتجاء إليه في قضاء الحاجات وتفريج الكربات وإغاثة اللهفات كما يفعله كثير من المفتونين بالقبور, فذلك ضلال عن الصراط المستقيم. ومن اعتقد ذلك بدعة وضلالا فهو المصيب, ومن أنكر عليه فهو التائه الضال, والله أعلم. وأما تسمية المصنف للنجديين بالقرنيين, فمراده أنهم هم قرن الشيطان الذي أخبر النبي ﷺ بطلوعه. وسيأتي الجواب عن هذا إن شاء الله تعالى عند قوله في صفحة (٧٦): «ولما طلع قرن الشيطان بنجد». والله المستعان؛ وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 87

فصل وقال المصنف في صفحة (٥١) ما نصه: روى الطبراني في الكبير والحاكم في المستدرك, من حديث عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي قال: قال رسول الله ﷺ «سيكون بعدي سلاطين, الفتن على أبوابهم كمبارك الإبل, لا يعطون أحداً شيئاً إلا أخذوا من دينه مثله». فسلاطين الفتن هم الموجودون في هذا العصر لا من كان قبلهم, بدليل قوله ﷺ : «على أبوابهم كمبارك الإبل» لأن هذا وصف السيارات ومواقفها, ولم يوجد ذلك إلا في عصرنا هذا على أبواب ملوك الوقت الذين هم منشأ الفتن القائمة الآن في سائر الأقطار الإسلامية كما هو معلوم. ويؤيد ذلك أيضاً ذكره لبعضهم ووصفه ﷺ أصحابه بالوصف الذي لم يكن موجوداً قبل وقتنا هذا, فروى الطبراني في الكبير من مرسل عبد الله بن رباح قال قال رسول الله ﷺ «يوشك أن يؤمر عليهم الرويجل فيجتمع إليه قوم محلقة أقفيتهم بيض قمصهم, فإذا أمرهم بشيء حضروا» فالقوم المحلقة أقفيتهم هم العصريون المتفرنجون الذين يلبسون القمص تحت الملابس الإفرنجية أيضاً ويحلقون أقفيتهم تشبهاً بالكفار, وهم الملتفون حول سلاطين الوقت أهل الفتن. أما من كان قبل هذا العصر فلم يكن فيهم قوم محلقة أقفيتهم ولا على أبوابهم كمبارك الإبل.

стр. 88

والجواب عن هذا من وجهين: أحدهما: أن حديث عبد الله بن الحارث بن جزء ضعيف جداً لأن في إسناده «حسان بن غالب» قال الدارقطني ضعيف متروك, وكذا قال الذهبي والهيثمي أنه متروك, وذكره ابن حبان فقال: شيخ من أهل مصر يقلب الأخبار, ويروي عن الأثبات الملزقات لا تحل الرواية عنه إلا على سبيل الاعتبار. وفيه أيضاً «ابن لهيعة» , وهو ضعيف. وعلى هذا فليس هذا الحديث بشيء ولا يعتد به. الوجه الثاني: لو قدرنا صحة هذا الحديث فهو عام لسلاطين الفتن في هذا الوقت ولم كان قبلهم من زمان بني أمية إلى يوم القيامة وليس فيه ما يدل على تخصيص أهل هذا العصر بذلك. وأما استدلال المصنف على ما ذهب إليه بقوله على أبوابهم كمبارك الإبل, وأن هذا وصف السيارات ومواقفها على أبواب ملوك الوقت فهو استدلال في غاية البعد والتكلف, إذ ليس بين الإبل وبين السيارات شيء من المشابهة. وأيضاً فإنه قال في الحديث «الفتن على أبوابهم كمبارك الإبل» والمبارك: آثار الإبل في الأرض لا أجسام الإبل والمعنى أن الفتن على أبوابهم كثيرة تشبه في كثرتها آثار الإبل التي تناخ عند أبوابهم. ولو كان الأمر على ما ذهب إليه المصنف لقال على أبوابهم كالإبل البروك أو الإبل المناخة.

стр. 89

وأما الحديث الآخر الذي ذكره المصنف عن عبد الله بن رباح. فصوابه: «عبد الله بن وراح» براء ثقيلة ثم حاء مهملة, هكذا ضبطه الحافظ ابن حجر في «الإصابة». وهو معدود في الصحابة فحديثه متصل وليس بمرسل. وقد ظهر مصداق حديثه في زمنه بل فيه نفسه وفي جزء بن سهيل السلمي ﵁: قال جبير بن نفير: كان عبد الله بن وراح قديماً له صحبة, وحدثنا أن النبي ﷺ قال «يوشك أن يؤمر عليكم الرويجل, فيجتمع عليه قوم محلقة أقفيتهم بيض قمصهم, فإذا أمرهم بشيء حضروا» ثم إن عبد الله بن وراح ولي على بعض المدن, فاجتمع إليه قوم من الدهاقين محلقة أقفيتهم بيض قمصهم, فكان إذا أمرهم بشيء حضروا فيقول: صدق الله ورسوله. رواه الطبراني, قال الهيثمي: ورجاله ثقات. وعن جبير بن نفير أيضاً قال: قال ابن حوالة ﵁ كنا عند رسول الله ﷺ فشكوا إليه الفقر والعري وقلة الشيء, فقال النبي ﷺ «أبشروا فوالله لأنا لكثرة الشيء أخوف عليكم من قلته, والله لا يزال هذا الأمر فيكم حتى يفتح لكم جند بالشام وجند بالعراق وجند باليمن حتى يعطي الرجل المائة فيسخطها» قال عبد الله بن حوالة: ومتى نستطيع الشام مع الروم ذات القرون؟ فقال رسول الله ﷺ : «ليفتحها لكم ويستخلفكم فيها حتى تظل العصابة منهم, البيض قمصهم, المحلقة أقفاؤهم,

стр. 90

قياماً على الرويجل الأسيود منكم, ما أمرهم بشيء فعلوه, وإن بها اليوم رجالا لأنتم أحقر في أعينهم من القردان في أعجاز الإبل» رواه الطبراني بإسنادين قال الهيثمي: رجال أحدهما رجال الصحيح غير نصر بن علقمة وهو ثقة. وقد رواه البيهقي بنحوه وزاد: قال أبو علقمة نصر بن علقمة سمعت عبد الرحمن بن جبير ابن نفير يقول: فعرف أصحاب رسول الله ﷺ نعت هذا الحديث في جزء بن سهيل السلمي, وكان على الأعاجم في ذلك الزمان, فكانوا إذا رجعوا من المسجد نظروا إليه وإليهم قياماً حوله, فيعجبون لنعت رسول الله ﷺ فيه وفيهم, ورواه ابن عساكر في تاريخه وثابت بن قاسم في الدلائل بنحوه وزادا - بعد قوله وكان على الأعاجم -: وكان أسود قصيراً, فكانوا يرون تلك الأعاجم وهم حوله قيام, لا يأمرهم بشيء إلا فعلوه, فيتعجبون من هذا الحديث. وفي هذا الحديث والذي قبله رد لما ذهب إليه المصنف في معنى حديث عبد الله بن وراح ﵁, وان المراد به العصريون المتفرنجون الذين يلبسون القمص تحت الملابس الإفرنجية ويحلقون أقفيتهم تشبهاً بالكفار. وفيهما أيضاً رد لقوله إن الوصف المذكور في حديث عبد الله بن وراح ﵁ لم يكن موجوداً قبل وقتنا هذا, وأن من كان قبل هذا العصر لم يكن فيهم قوم محلقة أقفيتهم.

стр. 91

فصل وفي صفحة (٥٢): ذكر المصنف إنشاء دولة اليهود, وأن دولتهم إنما كونها لهم الإنجليز والأمريكان, وأن الله تعالى أخبر بذلك في قوله تعالى (ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس) قال: فالحبل هو العهد والسبب, والناس هم الإنجليز والأمريكان. ثم ذكر أن النبي ﷺ أشار إلى ذلك في حديث معاذ السابق قريباً حيث قال «عمران بيت المقدس خراب يثرب» الحديث. قال: وبيت المقدس ما عمر تمام العمارة إلا بعد إنشاء دولة اليهود. والجواب عن حديث معاذ وكلام المصنف عليه قد تقدم قريباً (في صفحة ٨٠) فليراجع. وأما قوله إن الناس الذين قال الله تعالى فيهم (وحبل من الناس) هم الإنجليز والأمريكان. فهو من القول في القرآن بمجرد الرأي, وذلك حرام. وجوابه: أن يقال إن الآية عامة لكل من كان اليهود تحت ولايتهم في قديم الدهر وحديثه, من ملوك اليونان والروم

стр. 92

والفرس فيما قبل الإسلام, ثم ملوك المسلمين بعد ذلك, وغيرهم من ملوك النصارى الذين كانت طوائف اليهود عندهم, فإنهم بعد ضرب الذلة عليهم لم يكونوا يأمنون إلا بحبل من الله, وهو عقد الذمة لهم وضرب الجزية عليهم, وحبل من الناس أي أمان منهم لهم. وليست الآية نازلة في الإنجليز والأمريكان, ولا خاصة فيهم, كما توهمه المصنف.

стр. 93

فصل وفي صفحة (٥٤ - ٥٥): تخبيط كثير في شأن المصريين زعم فيه المصنف أنهم هم الذين قال فيهم النبي ﷺ «لا تزال طائفة على الحق ظاهرين على من ناوأهم, كالإناء بين الأكلة, حتى يأتي أمر الله وهم كذلك». وأنهم الذين قال فيهم النبي ﷺ «لتقاتلن المشركين حتى يقاتل بقيتكم الدجال على نهر الأردن أنتم شرقيه وهم غربيه» قال: وهذا قد تحقق الآن في المصريين مع الإنجليز والفرنسيين واليهود والأمريكان. ثم ذكر تخبيطاً كثيراً حاصله تأييد ما ذهب إليه من أن المصريين هم الطائفة المنصورة, وأنهم هم الذين يقاتلون الدجال وجنده اليهود. قال: وفي هذا بشارة لهم بالإيمان والعصمة من فتنة الدجال وأن الله تعالى سيظهر لهم كرامة, وهي كلام الشجر والحجر معهم فيقول الشجر والحجر للمؤمن: يا عبد الله هذا كافر ورائي فتعال فاقتله. قال: والمؤمن من جيش مصر والاتحاد العربي فدل على بقاء إيمانهم في ذلك الوقت, وأن فتنته غير ضارة بهم إلا من شاء الله خذلانه. والجواب عن هذا من وجوه: أحدها: أن يقال ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني, ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال, وإذا عرضنا أعمال الكثيرين

стр. 94

من المصريين الآن على ما يأمر به الإيمان ويقتضيه وجدنا بينهم وبين الإيمان كما بين المشرق والمغرب, بل أبعد من ذلك بكثير. الوجه الثاني: أن الطائفة المنصورة هي الفرقة الناجية من الثلاث والسبعين فرقة, وقد سئل النبي ﷺ عن الفرقة الناجية من هم؟ فقال: «هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» , وهذا يدل على بعد المصريين عن وصف الطائفة المنصورة غاية البعد, وذلك لمخالفتهم لمنهاج الرسول ﷺ وبعدهم عما كان عليه هو وأصحابه غاية البعد. وبيان ذلك من وجوه: ١ - أحدها: أن الله تعالى بعث رسوله ? بالتوحيد, وأمره بمحق الأوثان وجميع المعتقدات التي يتعلق بها المشركون من دون الله تعالى. وقد خالف المصريون هذا فغلوا في القبور غلواً عظيماً, واتخذوا كثيراً منها أوثانا تعبد من دون الله, ولا سيما مشهد البدوي ومشهد الحسين والرفاعي والدسوقي والحنفي ونفيسة وزينب وأمثالهم من المعتقدين المعبودين من دون الله. وقد رأيت في بعض الصحف المصرية منذ سنوات أن الزوار للبدوي في يوم مولده بلغوا خمسمائة ألف تقريباً, وأنه تزوج في ذلك المجمع عشرة آلاف تقريباً, وختن فيه من الأطفال أكثر من ذلك, يرجون بذلك البركة من البدوي. وهذا هو نفس ما بعث النبي ? بمحقه ومجاهدة أهله. ولولا خشية الإطالة لذكرت كثيراً مما يفعله المصريون عند

стр. 95

القبور وغيرها من المواضع التي يعتقدون فيها النفع والضر, وما يصرفونه لبعض الأموات من خصائص الربوبية والألوهية. ٢ - ثانيها: أن المصريين قد نبذوا حكم الشريعة وراء ظهورهم, واعتاضوا عنه بالقوانين الوضعية التي هي من حكم الطاغوت والجاهلية, وزعموا أن الحكم بالشريعة يؤخرهم عن اللحاق بدول الكفر من الإفرنج وأضرابهم. وقد قال الله تعالى (من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون). وقال تعالى (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون) وقال تعالى (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون) وقال تعالى (أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون) وقال تعالى (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما). ٣ - ثالثها: افتتانهم بالاشتراكية الخبيثة التي شرعها لهم الشيوعيون, وزعمهم كذبا وزوراً أنها من دين الإسلام. وهي من أعظم الظلم الذي حرمه الله تعالى في كتابه وعلى لسان رسوله ?. ٤ - رابعها: قتالهم لأهل اليمن بغير سبب شرعي, وضربهم بالقنابل, وإلقائها أيضاً على المستضعفين في القرى من شيوخهم ونسائهم وأطفالهم. وهذا من أعظم البغي والعدوان.

стр. 96

٥ - خامسها: تركهم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالكلية. ٦ - سادسها: تقليدهم لدول الإفرنج, واتباع سننهم حذو النعل بالنعل في كل شيء حتى في قبائحهم ورذائلهم. ٧ - سابعها: انتهاكهم لكثير مما حرمه الله ورسوله, وقد تواترت الأخبار بما فشى وظهر عندهم من كبائر الإثم, ولا حاجة إلى تفصيل أنواع ذلك, إذ لا فائدة في ذكرها وهي معلومة عند كل عاقل نبيه. وإذا كان الأمر كما ذكرنا عنهم - مع أنه أعظم مما ذكرنا بكثير - وعلم أنهم بعيدون غاية البعد عما كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه, فهل يقول عاقل بعد هذا إنهم هم الطائفة المنصورة؟ كلا, لا يقول هذا عاقل, وإنما يقوله من أعمى الله بصيرته. الوجه الثالث: أن المصنف نقض ما ادعاه في المصريين, فقال في صفحة (٨٢) من كتابه ما نصه: وبسبب هؤلاء الملاحدة المارقين انتشر الكفر والإلحاد حتى بين طلبة علم الدين فصاروا أكفر من طلبة المدارس, وألحد من رؤوس هؤلاء الزنادقة, تقليداً لهم وعملا بدعايتهم, وصار معهد القرويين معهداً للإلحاد والكفر بالله ومحاربة القرآن والسخرية من العقائد الإسلامية, والاستهانة بالدين وبأشرف الخلق ﷺ , مع تعظيم شأن الملاحدة ومشاهير الكفار, حتى صاروا يمنعون المدرس أن يستدل بالقرآن أو يذكر النبي ﷺ باسم الرسالة, ويأمرونه

стр. 97

إذا ذكره أن يقول: «قال محمد» فقط بل صار المدرس منهم ينادي بأن تفكيره هداه إلى أن دين الإسلام غير صحيح, وأنه حر في عقيدته, في أمثال هذا مما هو معروف. أما الصلاة فهم أبعد الناس منها وهي أبغض شيء إليهم, وهكذا كان حال طلبة الأزهر بالنسبة إلى الصلاة, فكنت ترى الناس يصلون وهم يأكلون ويمزحون ويمرحون ويضحكون. انتهى كلامه. فانظر إلى ما ذكره عن طلبة الأزهر من تضييع الصلاة والاستخفاف بشأنها, وإذا كان هذا حال الطلبة فما الظن بغيرهم؟ وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال «بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة» رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن وغيرهم من حديث جابر بن عبد الله ﵄, وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ولفظ مسلم. «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة». وروى الإمام أحمد وابنه عبد الله والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارقطني والآجري عن بريدة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. وصححه أيضا ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي في تلخيصه. والأحاديث في تكفير تارك الصلاة كثيرة جدا وليس هذا موضع ذكرها.

стр. 98

وقال عمر بن الخطاب ﵁: لا إسلام لمن ترك الصلاة وفي رواية: لاحظ في الإسلام لمن ترك الصلاة. رواه مالك وغيره. والآثار عن الصحابة في تكفير تارك الصلاة كثيرة جداً, وليس هذا موضع ذكرها. وإذا كان طلبة الأزهر قد أضاعوا عمود الإسلام وأعظم أركانه بعد الشهادتين فهم لما سوى ذلك من شعائر الإسلام أشد تضييعا!! وقد روى مالك في الموطأ أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى عماله: إن أهم أموركم عندي الصلاة من حفظها وحافظ عليها حفظ دينه, ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع. وروى أبو نعيم في الحلية من طريق الأوزاعي قال كتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى إلى عماله: اجتنبوا الاشتغال عند حضرة الصلاة فمن أضاعها فهو لما سواها من شعائر الإسلام أشد تضييعا. وإذا علم هذا فمن أبطل الباطل أن يقال فيمن أضاع الصلاة واستخف بها إنهم هم الطائفة المنصورة!! وقال المصنف أيضاً في صفحة (٨٤) ما نصه: حدثني شيخنا شيخ الديار المصرية وعالمها الشيخ محمد بخيت قال: لما قامت الحركة الوطنية عقب الحرب العظمى السابقة, واتحد هؤلاء المارقون مع الأقباط ليطالبوا بالاستقلال كان مقر اجتماعهم وقطبهم الجامع الأزهر ومنه كانت تنظم المظاهرات فكان يعمر بالأقباط, والقسس منهم يصعدون إلى المنبر خطباء مناوبة مع

стр. 99

المصريين قال وذات يوم كان المسمى مصطفى القاياتي, وهو من المدرسين في الأزهر - هو القائل إن سعداً أفضل من النبي ﷺ وإنه جاء بما لم يأت به النبي ﷺ وإنه رسول الوطنية - كان هذا اللعين حاضراً معهم؛ فأخذ الصليب ووضعه في محراب الأزهر, وقام لعنه الله خطيباً, فدعا إلى اتحاد الإسلام والنصرانية القبطية؛ ودعا الحاضرين إلى صلاة ركعتين جميعاً - مع وضع الصليب في المحراب - وكبر وصلى ركعتين والصليب أمامه يصلي له ولله معا في زعمه, لعنه الله تعالى. قال المصنف وقد شاهدت كثيراً من اجتماعاتهم في الأزهر وخطبهم, فكان الأزهر يكون كأعظم سوق مختلطاً باليهود والنصارى والملاحدة والفسقه, والخطباء منهم يعلون المنابر واحداً تلو الآخر. انتهى كلامه. وإذا كان الجامع الأزهر - الذي هو قطب العلم والدين عند المصريين, والذي هو الموضع المرموق المحترم عند المصريين وعند غيرهم من الدول الإسلامية - قد انتكس إلى هذه الحالة السيئة التي ذكرها المصنف عن مشاهدته ومشاهدة شيخه محمد بخيت, فكيف يصح مع هذا أن يقال إنهم على الإيمان وإنهم الطائفة المنصورة؟! هذا لا يقوله من يعلم ما يقول. وقال المصنف أيضاً في صفحة (١٠٨ - ١٠٩) ما نصه: وقد نبذت الدولة التركية أواخر أيام إسلامها الحكم بالفقه الإسلامي المأخوذ من الشريعة أو من القواعد المنسوبة إليها

стр. 100

على الأقل, وصارت تحكم بالقانون المأخوذ عن الأنجاس الأرجاس الذين قال الله فيهم (إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل) , واتخذت ذلك في بلادها والبلاد التي كانت تحت حكمها - ومنها الديار المصرية - فإنها أول من أسست المحاكم الأهلية, فكفرت بذلك كفراً صراحاً, في حال ادعائها الإسلام وحماية حماه, ووجود الخلافة الإسلامية فيها, قبل أن تعلن الكفر والانسلاخ من الإسلام. انتهى كلامه. فانظر إلى تكفيره الدولة التركية لما حكمت بالقوانين ونبذت الحكم بالشريعة المحمدية وراء ظهورها, وانظر إلى حكمه للمصريين بالإيمان وأنهم هم الطائفة المنصورة!! مع أنهم قد حكموا بالقوانين ونبذوا حكم الشريعة وراء ظهورهم. وهذا تناقض قبيح واتباع للهوى, ونظر إلى الأتراك بعين البصيرة وإلى المصريين بعين العمى. ويلزمه أن يحكم في حق المصريين بما حكم به في حق الأتراك, لاتحاد سبب الحكم في كل من الدولتين, وإن لم يفعل فهو داخل في حكم هذه الآية: (ومن أضل ممن تبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين). الوجه الرابع: أن الطائفة المنصورة هم أهل السنة والجماعة. وجزم البخاري في صحيحه أنهم أهل العلم, وقال أيضاً: «باب قول الله تعالى (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) وما أمر النبي ﷺ بلزوم الجماعة» وهم: أهل العلم.

стр. 101

وقال الترمذي في جامعه: قال محمد بن إسماعيل قال علي بن المديني هم أصحاب الحديث. وكذا قال ابن المبارك وأحمد بن سنان وابن حبان وغيرهم, وبوب عليه ابن حبان في صحيحه فقال: «ذكر إثبات النصرة لأصحاب الحديث إلى قيام الساعة» ثم ساق ما يدل على ذلك. وقال يزيد بن هارون وأحمد بن حنبل: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم, رواه عنهما الحاكم في «علوم الحديث» , وقال القاضي عياض: إنما أراد أحمد أهل السنة والجماعة ومن يعتقد مذهب أهل الحديث. وعن علي بن المديني رواية أنهم العرب, واستدل بحديث «لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة». قال والمراد بالغرب الدلو, أي العرب لأنهم أصحابها لا يستقي بها أحد غيرهم ذكره يعقوب بن شيبة ونقله عنه صاحب «المشارق» وغيره. قلت: ويؤيد ذلك ما رواه ابن ماجه من حديث أبي أمامة الباهلي ﵁, وسيأتي ذكره قريباً إن شاء الله تعالى. وقال النووي: يحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين, منهم شجعان مقاتلون, ومنهم فقهاء, ومنهم محدثون, ومنهم زهاد, وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر, ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير. ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين, بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض انتهى. وقد اختلف في محل هذه الطائفة, فقال ابن بطال أنها تكون في بيت المقدس, كما رواه الطبراني من حديث أبي أمامة رضي

стр. 102

الله عنه قيل: يا رسول الله أين هم؟ قال: «بيت المقدس». وقال معاذ ﵁: هم بالشام. وفي كلام الطبري ما يدل على أنه لا يجب أن تكون في الشام أو في بيت المقدس دائماً, بل قد تكون في موضع آخر في بعض الأزمنة. قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: قلت يشهد له الواقع وحال أهل الشام وأهل بيت المقدس من أزمنة طويلة لا يعرف فيهم من قام بهذا الأمر بعد شيخ الإسلام ابن تيمية وأصحابه - في القرن السابع وأول الثامن - فإنهم في زمانهم على الحق يدعون إليه ويناظرون عليه ويجاهدون فيه, وقد يجيء من أمثالهم بعد بالشام من يقوم مقامهم بالدعوة إلى الحق والتمسك بالسنة؛ والله على كل شيء قدير. ومما يؤيد هذا أن أهل الحق والسنة في زمن الأئمة الأربعة وتوافر العلماء في ذلك الزمان وقبله وبعده, لم يكونوا في محل واحد, بل هم في غالب الأمصار: في الشام منهم أئمة, وفي الحجاز, وفي مصر وفي العراق, واليمن, وكلهم على الحق, يناضلون ويجاهدون أهل البدع, ولهم المصنفات التي صارت أعلاماً لأهل السنة والحجة على كل مبتدع. فعلى هذا فهذه الطائفة قد تجتمع وقد تفترق, وقد تكون في الشام وقد تكون في غيره, فإن حديث أبي أمامة وقول معاذ لا يفيد حصرها بالشام, وإنما يفيد أنها تكون في الشام في بعض الأزمان لا في كلها.

стр. 103

قلت: الظاهر من حديث أبي أمامة وقول معاذ أن ذلك إشارة إلى محل هذه الطائفة في آخر الزمان, عند خروج الدجال ونزول عيسى بن مريم ﵊. والدليل على ذلك: ما رواه ابن ماجه من حديث أبي أمامة ﵁ في ذكر الدجال, وفيه فقالت أم شريك بنت أبي العكر: يا رسول الله فأين العرب يومئذ؟ قال «هم قليل, وجلهم يومئذ ببيت المقدس, وإمامهم رجل صالح, فبينما إمامهم قد تقدم يصلي بهم الصبح إذ نزل عليهم عيسى بن مريم ﵊, فرجع ذلك الإمام ينكص يمشي القهقرى ليقدم عيسى يصلي, فيضع عيسى يده بين كتفيه ثم يقول له تقدم فصل فإنها لك أقيمت, فيصلي بهم إمامهم» الحديث. ويدل له أيضاً: ما روه الإمام أحمد وأبو داود والبخاري في تاريخه والحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن حوالة الأزدي ﵁ قال: وضع رسول الله ﷺ يده على رأسي - أو على هامتي - ثم قال: «يا ابن حوالة» إذا رأيت الخلافة قد نزلت الأرض المقدسة, فقد دنت الزلازل والبلابل والأمور العظام, والساعة يومئذ أقرب إلى الناس من يدي هذه من رأسك» قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه, ووافقه الذهبي في تلخيصه. وفي المسند أيضاً وجامع الترمذي عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ «ستخرج نار من حضرموت

стр. 104

- أو من نحو بحر حضرموت - قبل يوم القيامة, تحشر الناس, قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا؟ فقال: عليكم بالشام» قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث ابن عمر ﵄. وفي المسند أيضاً وسنن أبي داود ومستدرك الحاكم عن أبي الدرداء ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «فسطاط المسلمين يوم الملحمة الكبرى بأرض يقال لها الغوطة, فيها مدينة يقال لها دمشق؛ خير منازل المسلمين يومئذ» قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه, ووافقه الذهبي في تلخيصه. ولفظ أبي داود «أن فسطاط المسلمين يوم الملحمة بالغوطة, إلى جانب مدينة يقال لها دمشق, من خير مدائن الشام». قال المنذري في «تهذيب السنن» قال يحيى بن معين - وقد ذكروا عنده أحاديث من ملاحم الروم فقال يحيى - ليس من حديث الشاميين شيء أصح من حديث صدقة بن خالد عن النبي ﷺ أنه قال «معقل المسلمين أيام الملاحم دمشق» انتهى. ففي هذه الأحاديث دليل على أن جل الطائفة المنصورة يكون بالشام في آخر الزمان, حيث تكون الخلافة هناك, ولا يزالون هناك ظاهرين على الحق حتى يرسل الله الريح الطيبة فتقبض كل من في قلبه إيمان, كما جاء في الأحاديث الصحيحة أن النبي ﷺ قال «حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك» قال معاذ: «وهم بالشام» يعني أنهم يكونون بالشام حين يأتي أمر الله وهو هبوب الريح الطيبة.

стр. 105

فأما في زماننا وما قبله فهذه الطائفة متفرقة في أقطار الأرض كما يشهد له الواقع من حال هذه الأمة منذ فتحت الأمصار في عهد الخلفاء الراشدين إلى اليوم, ولا يختص بها مصر من أمصار المسلمين دون المصر الآخر. ولكنها تكثر في بعض الأماكن أحيانا ويعظم شأنها ويظهر أمرها ببركة الدعوة إلى الله تعالى وتجديد الدين, كما وقع ذلك في الشام في زمان شيخ الإسلام ابن تيمية وأصحابه رحمة الله عليهم, وكما وقع ذلك في الجزيرة العربية في زمان شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وأولاده وأحفاده رحمة الله عليهم أجمعين, ولم يزل أهل الجزيرة العربية في بركة من تجديدهم إلى اليوم. الوجه الخامس: أن الذين يقاتلون في الملاحم التي ستكون في آخر الزمان ويقاتلون الدجال أيضا هم العرب: من سكان الجزيرة العربية. وليسوا بالذين ينتسبون إلى العربية, وهم بعيدون من أرضها, ولم يتحقق نسبهم إليها. والدليل على ذلك: ما رواه الحاكم في مستدركه عن حسان بن عطية عن ذي مخمر - رجل من أصحاب النبي ﷺ وهو ابن أخي النجاشي - أنه سمع رسول الله ﷺ يقول «تصالحون الروم صلحاً آمناً حتى تغزون أنتم وهم عدواً من ورائهم, فتنصرون وتغنمون وتنصرفون حتى تنزلوا بمرج ذي تلول, فيقول قائل من الروم: غلب الصليب, ويقول قائل من المسلمين: بل الله غلب, فيتداولانها بينهم فيثور المسلم إلى صليبهم وهو منهم غير

стр. 106

بعيد فيدقه, فيثور الروم إلى كاسر صليبهم فيقتلونه, ويثور المسلمون إلى أسلحتهم فيقتتلون, فيكرم الله تلك العصابة من المسلمين بالشهادة, فيقول الروم لصاحب الروم: كفيناك حد العرب, فيغدرون فيجتمعون للملحمة, فيأتونكم تحت ثمانين غاية تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً» قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه, ووافقه الذهبي في تلخيصه. والمقصود من هذا الحديث قول الروم لصاحبهم: كفيناك حد العرب, وأنهم يغدرون ويجتمعون للملحمة, وهذا يدل على أن الملحمة الكبرى تكون بين العرب وبين الروم, واسم العرب إذا أطلق فإنما يراد به سكان الجزيرة العربية لا غيرهم. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ, فإذا تصافوا قالت الروم: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم, فيقول المسلمون: لا والله لا نخلي بينكم وبين إخواننا فيقاتلونهم, فينهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبداً, ويقتل ثلثهم أفضل الشهداء عند الله, ويفتح الثلث لا يفتنون أبداً فيفتتحون قسطنطينية, فبينما هم يقتسمون الغنائم قد علقوا سيوفهم بالزيتون إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح قد خلفكم في أهليكم, فيخرجون - وذلك باطل - فإذا جاؤا الشام خرج, فبينما هم يعدون للقتال يسوون الصفوف إذ أقيمت الصلاة فينزل عيسى بن مريم ﷺ فأمهم, فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح في الماء, فلو

стр. 107

تركه لانذاب حتى يهلك ولكن يقتله الله بيده, فيريهم دمه في حربته». وروى ابن ماجه والطبراني والحاكم في مستدركه عن عمرو بن عوف ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول: «لا تقوم الساعة حتى تكون رابطة من المسلمين ببولان, يا علي - قال المزني يعني علي بن أبي طالب ﵁ قال: لبيك يا رسول الله, قال: اعلم أنكم ستقاتلون بني الأصفر, ويقاتلهم من بعدكم من المؤمنين, ثم يخرج إليهم روقة المسلمين أهل الحجاز الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم حتى يفتح الله عليهم قسطنطينية ورومية بالتسبيح والتكبير» الحديث. قال ابن الأثير وابن منظور: فيخرج إليهم روقة المؤمنين أي خيارهم وسراتهم, وهي جمع رائق, من راق الشيء: إذا صفا وخلص. وفي هذا الحديث والحديث قبله: دليل على أن أهل الجزيرة العربية هم الذين يقاتلون في الملاحم ويقاتلون الدجال. وفي الصحيحين ومسند الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في بني تميم: «هم أشد أمتي على الدجال» وبنو تميم: قبيلة كبيرة من قبائل العرب في الجزيرة العربية. وفي المسند أيضا عن عكرمة بن خالد قال: حدثني فلان من أصحاب النبي ﷺ قال: نال رجل من بني تميم عند رسول الله ﷺ يوما فقال: «لا تقل لبني تميم إلا خيرا فإنهم أطول الناس رماحا على الدجال» إسناده صحيح على شرط مسلم.

стр. 108

وروى البزار في مسنده عن أبي هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ - وذكر بني تميم فقال - «هم ضخام الهام, ثبت الأقدام, نصار الحق في آخر الزمان, أشد قوماً على الدجال». وفي سنن ابن ماجه عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال خطبنا رسول الله ﷺ فكان أكثر خطبته حديثا حدثناه عن الدجال - فذكر الحديث بطوله وفيه - فقالت أم شريك بنت أبي العكر: يا رسول الله فأين العرب يومئذ؟ قال «هم قليل, وجلهم يومئذ ببيت المقدس, وإمامهم رجل صالح فبينما إمامهم قد تقدم يصلي بهم الصبح إذ نزل عليهم عيسى بن مريم, فرجع ذلك الإمام ينكص يمشي القهقرى ليقدم عيسى يصلي, فيضع عيسى يده بين كتفيه ثم يقول: تقدم فصل فإنها لك أقيمت, فيصلي بهم إمامهم, فإذا انصرف قال عيسى ﵇: افتحوا الباب؛ فيفتح ووراءه الدجال, معه سبعون ألف يهودي كلهم ذو سيف محلى وساج, فإذا نظر إليه الدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء, وينطلق هاربا, ويقول عيسى ﵇: إن لي فيك ضربة لن تسبقني بها, فيدركه عند باب اللد الشرقي فيقتله فيهزم الله اليهود؛ فلا شيء مما خلق الله يتوارى به يهودي, إلا أنطق الله ذلك الشيء, لا حجر ولا شجر ولا حائط ولا دابة - إلا الغرقدة فإنها من شجرهم لا تنطق - إلا قال: يا عبد الله المسلم هذا يهودي فتعال اقتله».

стр. 109

قال الجوهري: الساج الطيلسان الأخضر والجمع سيجان. وقال ابن منظور في «لسان العرب» الساج الطيلسان الضخم الغليظ, وقيل هو الطيلسان المقور ينسج كذلك, وقيل هو طيلسان أخضر, وقال ابن الأعرابي: السيجان الطيالسة السود واحدها. ساج. والغرقد هو العوسج, قال النووي: الغرقد نوع من شجر الشوك معروف ببلاد بيت المقدس, وهناك يكون قتل الدجال واليهود, وقال أبو حنيفة الدينوري: إذا عظمت العوسجة صارت غرقدة. وفي هذه الأحاديث دليل على أن العرب هم الذين يقاتلون الدجال وجنده اليهود, وفيها رد لما زعمه المصنف في غيرهم من بني الأقباط وأصناف الأعاجم, والله أعلم. الوجه السادس: أن المصريين لم ينتصروا على الإنجليز ومن أعانهم في حربهم مع المصريين كما زعم ذلك المصنف, وإنما قامت الروس بحمايتهم ومنع الإنجليز ومن معهم من محاربتهم بعد أن أخذوا منهم بعض النواحي وكادوا يستسلمون للإنجليز بدون قيد ولا شرط. وقد كافأ المصريون صنيع الروس معهم بقبول مذهبهم الخبيث في الاشتراكية ودعاء المسلمين إلى قبول هذا المذهب الخبيث.

стр. 110

فصل وقال المصنف في صفحة (٦٣ - ٦٤) ما ملخصه: إخباره ﷺ بتعلم اللغات الإفرنجية واختلاف ألسن العرب بحسب الدول المستعمرة لبلادهم, فطائفة تتكلم بالفرنسية, وأخرى بالإسبانية وأخرى بالإنجليزية, وأخرى بالروسية, وغيرها من ألسن الدول المستعمرة. روى الطبراني في الأوسط والكبير من حديث سلمان الفارسي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إذا ظهر القول وخزن العمل, واختلفت الألسن, وتباغضت القلوب, وقطع كل ذي رحم رحمه, فعند ذلك لعنهم الله فاصمهم وأعمى أبصارهم». وقد ذكر المصنف هذا الحديث أيضا بهذا اللفظ في صفحة (١٠٥) ونسبه للأوسط فقط. ثم قال: فاختلاف الألسن المذكورة في الحديث إنما المراد به اختلاف ألسن العرب باللغات الإفرنجية, وإلا فاختلاف ألسن الخلق موجود من يوم نشر الله نسل آدم ﵇ في الأرض. ثم قال عن اللغة العربية إنها هي أساس الإسلام. والجواب عن هذا من وجوه: أحدها: أن الحديث الذي أورده قد وقع فيه تحريف في الكلمة التي استدل بها على تعلم اللغات واختلاف الألسن. والظاهر
следующие страницы →