← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 17337

الرد القويم على المجرم الأثيم

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (363 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

عن بعض عن النبي ﷺ وسؤال بعضهم بعضاً عن الحديث وما أشكل عليهم فليس بهم حاجة إلى الرواية عن كعب الأحبار ولا عن غيره من التابعين وليس بهم حاجة إلى سؤالهم عن الحديث. الوجه السادس أن يقال ما جاء أن ابن عباس ﵄ سأل كعب الأحبار عن سدرة المنتهى فهو أثر غير ثابت عن ابن عباس ﵄ لأن ابن جرير الطبري رواه من طريق الأعمش عن شمر بن عطية عن هلال بن يساف قال «سأل ابن عباس ﵄ كعباً وأنا حاضر» كذا جاء في هذه الرواية. والأعمش مشهور بالتدليس وهلال بن يساف لم يدرك كعب الأحبار. وأما ما رواه ابن جرير من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية الرياحي عن أبي هريرة أو غيره قال «لما أسري بالنبي ﷺ انتهى إلى السدرة» الحديث. فالكلام عليه من وجوه أحدها أنه لم يثبت عن أبي هريرة ﵁ لأن أبا جعفر الرازي شك فيه هل هو عن أبي هريرة ﵁ أو عن غيره. الوجه الثاني لو فرضنا أنا أبا جعفر الرازي قال عن أبي هريرة وحده ولم يشك فيه فهو مردود بالكلام في إسناده لأن أبا جعفر الرازي والربيع بن أنس قد تكلم فيهما بعض أهل العلم. فأما أبو جعفر فقال أحمد في رواية ابنه عبد الله ليس بقوي في الحديث وكذا قال النسائي والعجلي, وقال ابن معين يكتب حديثه ولكنه يخطئ, وقال عمرو بن علي فيه ضعف وهو من أهل الصدق سيء الحفظ, وقال أبو زرعة شيخ يهم كثيراً, وقال الساجي صدوق ليس بمتقن, وقال ابن خراش صدوق سيء الحفظ, وقال ابن حبان كان ينفرد عن المشاهير بالمناكير لا يعجبني الاحتجاج بحديثه إلا فيما وافق الثقات, وأما الربيع فقال ابن معين كان يتشيع فيفرط, وذكره ابن حبان في الثقات وقال الناس يتقون من حديثه ما كان من رواية أبي جعفر عنه لأن في أحاديثه عنه اضطراباً كثيراً. الوجه الثالث أن يقال لو ثبت ذلك عن أبي هريرة ﵁ فهو موقوف عليه وليس في الرواية ما يدل على أنه رواه عن كعب الأحبار, وأما قول المؤلف تبعاً لأبي رية إن ذلك مما رواه أبو هريرة ﵁ عن كعب الأحبار فلا شك أنه من اتباع الظن والتحامل على أبي هريرة ﵁ وقد قال النبي صلى

стр. 247

الله عليه وسلم «إياكم والظن فإِن الظن أكذب الحديث» متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁. الوجه الرابع أن المؤلف وأبا رية حرفا في آخر الحديث حيث قالا «تغطي الأمة كلها» والذي في تفسير ابن جرير «تغطي المائة كلها». فصل وقال المؤلف في صفحة (٥٥) و (٥٦) ما نصه شهادة الصحابة على كعب بالكذب في الحديث وأخصهم عمر وعلي, وقد نهى عمر كعباً عن الحديث وتوعده بالنفي إلى بلاده وقال له لتتركن الحديث أو لألحقنك بأرض القردة. وكان علي يقول إنه لكذاب (ص ١٠٦ جـ ٨ من البداية والنهاية) وروى البخاري عن الزهدي أن حميد بن عبد الرحمن سمع معاوية يحدث رهطاً من قريش وذكر كعباً فقال إنه من أصدق هؤلاء المحدثين من أهل الكتاب وإن كنا مع ذلك نبلو عليه الكذب, وعن حذيفة وابن عباس. وأخرج ابن خيثمة بسند حسن عن قتادة قال بلغ حذيفة أن كعباً يقول إن السماء تدور على قطب كالرحى فقال كذب كعب إن الله يقول (إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا) ص ٣٢٣ جـ١ من الإصابة لابن حجر, وقال ابن عباس لرجل مقبل من الشام من لقيت قال لقيت كعباً قال وما سمعته يقول قال سمعته يقول إن السموات تدور على منكب ملك فقال كذب كعب, أما ترك يهوديته بعد ثم قرأ (إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا) ص ١٣٩ من كتاب الكافي الشافي لابن حجر العسقلاني, ,وفي مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي توقفهم فيما رواه كعب الأحبار عن الرسول - ص - لأنه أسلم على يد الفاروق وكان يضربه بالدرة ويقول له دعنا من يهوديتك (ص ٣٥ جـ ١ مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي). والجواب أن يقال هذا مما نقله المؤلف من كتاب أبي رية وغير فيه بعض التغيير, والكلام عليه من وجهين أحدهما أن يقال ظاهر كلام المؤلف أن الصحابة كلهم شهدوا على كعب بالكذب في الحديث, وهذا كذب وافتراء من المؤلف تبع فيه أبا رية, ولم أر بإِسناد صحيح ولا ضعيف أن أحداً من الصحابة ﵃ كذب كعباً فيما يرويه من الأحاديث المرفوعة أو الموقوفة على الصحابة ﵃, وإنما كان بعضهم يشك في بعض ما ينقله من كتب أهل الكتاب لأنها تحتمل الصدق

стр. 248

والكذب, وقد ثبت عن معاوية ﵁ أنه ذكر كعب الأحبار فقال إن كان لمن أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب, رواه البخاري وثبت عن ابن مسعود وحذيفة ﵄ أنهما كذبا كعباً في قوله إن السموات تدور على منكب ملك, وثبت عن عبد الله بن سلام ﵁ أنه كذب كعباً حين قال إن ساعة الإِجابة في يوم الجمعة يوم في كل سنة ثم صدقه لما رجع إلى الصواب وقال إنها في كل جمعة, فهذا هو الثابت عن الصحابة ﵃ في حق كعب الأحبار. وقد تقدم أن المراد بالكذب ههنا الخطأ في النقل عن أهل الكتاب وليس المراد به افتراء الكذب. والخطأ في النقل يحتمل أن يكون من كعب ويحتمل أن يكون من الكتب التي ينقل منها. الوجه الثاني أن يقال لم يثبت عن عمر وعلي ﵄ أنهما كذبا كعب الأحبار, وما ذكره المؤلف عن عمر وعلي ﵄ أنهما أخص من كذب كعبا فهو من كيسه وافترائه على عمر وعلي ﵄. وقد تقدم ما رواه مالك في الموطأ أن عمر ﵁ أمر كعبا أن يحكم معه في جزاء الصيد, ولو كان كذاباً لما رضي عمر ﵁ بحكمه في جزاء الصيد الذي لا يحكم فيه إلا العدول المرضيون. وأما قوله وقد نهى عمر كعباً عن الحديث وتوعده بالنفي إلى بلاده وقال له لتتركن الحديث أو لألحقنك بأرض القردة, وكان علي يقول إنه لكذاب (ص ١٠٦ جـ ٨ من البداية والنهاية). فجوابه من وجهين أحدهما أن يقال قد ذكر ابن كثير هذا الأثر في البداية والنهاية ولفظه. قال أبو زرعة الدمشقي حدثني محمد بن زرعة الرعيني حدثنا مروان بن محمد حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن إسماعيل بن عبد الله عن السائب بن يزيد قال سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول لأبي هريرة لتتركن الحديث عن رسول الله ﷺ أو لألحقنك بأرض دوس وقال لكعب الأحبار لتتركن الحديث عن الأول أو لألحقنك بأرض القردة, قال أبو زرعة وسمعت أبا مسهر يذكره عن سعيد بن عبد العزيز نحواً منه ولم يسنده انتهى, وقد أسقط أبو رية قوله «عن الأول» ليوهم من لا بصيرة لهم أن عمر ﵁ نهى كعباً عن الحديث نهياً مطلقا يشمل الحديث عن الأول ويشمل الأحاديث المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه

стр. 249

وسلم والأحاديث الموقوفة على الصحابة ﵃, وهذا من عدم الأمانة في النقل. وقد تابع المؤلف أبا رية على خيانته لغباوته وكثافة جهله. الوجه الثاني أن يقال قد تكلم العلامة المحقق عبد الرحمن بن يحيى المعلمي في كتابه «الأنوار الكاشفة» في سند هذا الخبر وقال إنه غير صحيح, قال ومحمد بن زرعة لم أجد له ترجمة والمجهول لا تقوم به حجة, وكذا إسماعيل إلا أن يكون الصواب إسماعيل بن عبيد الله بالتصغير ابن أبي المهاجر فثقة معروف لكن لا أدري أسمع من السائب أم لا, وفي البداية عقبه قال أبو زرعة وسمعت أبا مسهر يذكره عن سعيد بن عبد العزيز نحواً منه لم يسنده, قال المعلمي وسعيد لم يدرك عمر ولا السائب. هذا ومخرج الخبر شامي, ومن الممتنع أن يكون عمر نهى أبا هريرة عن الحديث البتة ولا يشتهر ذلك في المدينة ولا يلتفت إلى ذلك الصحابة الذين أثنوا على أبي هريرة ورووا عنه وهم كثير منهم ابن عمر وغيره, هذا باطل قطعاً وأبو هريرة كان مهاجراً من بلاد دوس والمهاجر يحرم عليه أن يرجع إلى بلده فيقيم بها فكيف يهدد عمر مهاجراً أن يرده إلى بلده التي هاجر منها, وقد بعث عمر في أواخر إمارته أبا هريرة إلى البحرين على القضاء والصلاة كما في فتوح البلدان للبلاذري ص ٩٢ - ٩٣ وبطبيعة الحال كان يعلمهم ويفتيهم ويحدثهم انتهى. وقال شيخ الإِسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في جواب له في الرد على من تكلم في أبي هريرة ﵁ وهو في المجلد الرابع من مجموع الفتاوى ص ٥٣٢ - ٥٣٩ وكان عمر بن الخطاب ﵁ يستدعي الحديث من أبي هريرة ويسأله عنه ولم ينهه عن رواية ما يحتاج إليه من العلم الذي سمعه من النبي ﷺ ولا توعده على ذلك, ولكن كان عمر يحب التثبت في الرواية حتى لا يجترئ الناس فيزاد في الحديث, ولهذا طلب من أبي موسى الأشعري من يوافقه على حديث الاستئذان مع أن أبا موسى من أكابر الصحابة وثقاتهم باتفاق الأئمة انتهى. وأما قول المؤلف تبعاً لأبي رية وكان علي يقول إنه لكذاب فجوابه أن يقال لم يذكر أبو رية من روى ذلك عن علي ﵁ ولا الكتاب الذي وجد ذلك فيه والظاهر أن ذلك من أكاذيب أبي رية ووضعه, وقد نقل المؤلف ذلك من كتاب

стр. 250

أبي رية وزاد الطين بلة فزعم أنه في كتاب «البداية والنهاية» وهذا من الكذب الذي لا يخفى على من راجع «البداية والنهاية». وأما قوله وروى البخاري عن الزهدي إلى آخره. فجوابه أن يقال كذا قال المؤلف «الزهدي» وصوابه «الزهري» وقد تقدم أن المراد بالكذب في قول معاوية وحذيفة ﵄ الخطأ في النقل عن أهل الكتاب وليس المراد به افتراء الكذب. وأما قوله وأخرج ابن خيثمة. فجوابه أن يقال الصواب ابن أبي خيثمة. وأما ما نقله عن ابن عباس ﵄ وزعم تبعاً لأبي رية أنه في كتاب الكافي الشافي لابن حجر العسقلاني. فجوابه أن يقال هذا خطأ وغباوة من أبي رية ومقلده فإِن ابن حجر لم يذكر هذا الأثر وإنما ذكره الزمخشري في الكشاف غير معزو إلى شيء من كتب الحديث, وقال ابن حجر في «الكافي الشاف, في تخريج أحاديث الكشاف» لم أجده وروى الطبراني من رواية أبي وائل قال جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود ﵁ فقال من أين جئت قال من الشام فذكره مثله إلا أنه لم يقل ما ترك يهوديته انتهى. قلت يحتمل أن الزمخشري أورد الأثر من حفظه فأبدل ابن مسعود ابن عباس والله اعلم. وأما ما نقله المؤلف تبعاً لأبي رية من مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي فقد أجاب عنه العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي في كتابه «الأنوار الكاشفة» فقال لم يسند السبط هذه الحكاية وهو معروف بالمجازفة انتهى. فصل وقال المؤلف في صفحة (٥٦) ما نصه: إسرائيليات كعب الأحبار. ثم ذكر في هذه الصفحة وأثناء صفحة (٥٧) روايات عن كعب الأحبار وليس لها أسانيد صحيحة عن كعب فلا تصح نسبتها إليه لأنه يحتمل أن يكون بعض الكذابين وضعها ونسبها إلى كعب.

стр. 251

فصل وقال المؤلف في صفحة (٥٧) ما نصه: في الصحيحين أن اليد اليهودية دست الحديث في تفضيل الشام, جاء في الصحيحين «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك» روى البخاري «هم بالشام» في رواية أبي أمامة الباهلي أنهم سألوا النبي عنهم قال «هم في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس» وفي مسلم عن أبي هريرة أن النبي - ص - قال «لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة» قال أحمد وغيره هم أهل الشام. والجواب عن هذا من وجهين أحدهما أن يقال أما حديث «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق» الحديث فهو حديث صحيح رواه الإِمام أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وصححه وابن ماجه والبرقاني في صحيحه عن ثوبان ﵁ عن النبي ﷺ وليس هو من دس اليهود كما زعم ذلك المؤلف تبعاً لأبي رية, وقد روى الإِمام أحمد أيضاً والبخاري ومسلم من حديث المغيرة بن شعبة ﵁ عن النبي ﷺ نحوه, وروى الإِمام أحمد والبخاري ومسلم أيضاً عن معاوية بن أبي سفيان ﵄ عن النبي ﷺ نحوه أيضاً, وروى الإِمام أحمد ومسلم أيضاً عن جابر بن سمرة ﵄ عن النبي ﷺ نحو ذلك, وروى الإِمام أحمد أيضاً والترمذي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه عن معاوية بن قرة عن أبيه ﵁ عن النبي ﷺ نحوه وقال الترمذي حسن صحيح, وروى أبو داود الطيالسي والطبراني والحاكم في مستدركه عن عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ نحو وصححه الحاكم والذهبي. وروى الإِمام أحمد وابن ماجه والبزار وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ نحوه. وروى الإِمام أحمد أيضاً وأبو داود والحاكم في مستدركه عن عمران بن حصين ﵄ عن النبي ﷺ نحوه وصححه الحاكم والذهبي وقالا على شرط مسلم, وروى الإِمام أحمد أيضاً ومسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ عن النبي ﷺ نحوه, وروى عبد الله بن الإِمام أحمد والطبراني بإِسناد جيد عن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ نحوه, وروى مسلم عن عقبة بن عامر ﵁ عن النبي ﷺ نحوه.

стр. 252

فهذه أحاديث متواترة في الإِخبار عن الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة, وقد ذكرتها بألفاظها في كتابي «إتحاف الجماعة, بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة» فتراجع هناك في «باب ما جاء في الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة». وإذا علم هذا فمن المجازفة والعداء للأحاديث الصحيحة زعم المؤلف تبعاً لأبي رية أن اليد اليهودية دست حديث ثوبان ﵁ في الصحيحين, وهذه دعوى كاذبة خاطئة ولا يقولها إلا زنديق محاد لله ولرسوله ﷺ . الوجه الثاني أن يقال قد جاء في فضل الشام آيات وأحاديث كثيرة ذكرت بعضها في الرد على المؤلف حينما ذكر في صفحة (٤٤) و (٤٥) بعض الأحاديث التي جاءت في فضل الشام وزعم أنها قيلت إرضاء لبني أمية فلتراجع هناك (١). وأما ما زاده الإِمام أحمد والبخاري بعد روايتهما لحديث معاوية بن أبي سفيان ﵄ عن عمير بن هانئ أنه قال قال مالك بن يخامر قال معاذ وهم بالشام فقال معاوية هذا مالك يزعم أنه سمع معاذاً يقول وهم بالشام, ونحوه ما رواه عبد الله بن الإِمام أحمد والطبراني عن أبي أمامة ﵁ أنهم قالوا يا رسول الله وأين هم قال «ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس» ففيهما إشارة إلى محل الطائفة المنصورة في آخر الزمان عند خروج الدجال ونزول عيسى بن مريم ﵊. ويدل على ذلك ما جاء في حديث أبي أمامة الطويل في ذكر خروج الدجال, ونزول عيسى ﵊ وفيه فقالت أم شريك بنت أبي العكر يا رسول الله فأين العرب يومئذ قال «هم قليل وجلهم ببيت المقدس وإمامهم رجل صالح فبينما إمامهم قد تقدم يصلي بهم الصبح إذ نزل عليهم عيسى بن مريم» رواه ابن ماجه وغيره. ويدل على ذلك أيضاً حديث عبد الله بن حوالة الأزدي ﵁ قال وضع رسول الله ﷺ يده على رأسي أو على هامتي ثم قال «يا ابن حوالة إذا رأيت الخلافة قد نزلت الأرض المقدسة فقد دنت الزلازل والبلابل والأمور العظام والساعة يومئذ أقرب إلى الناس من يدي هذه من رأسك» رواه الإِمام أحمد وأبو داود والبخاري في تاريخه والحاكم في مستدركه وصححه هو والذهبي.

стр. 253

ويدل على ذلك أيضاً ما رواه الإِمام أحمد وأبو داود والحاكم عن أبي الدرداء ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «فسطاط المسلمين يوم الملحمة الكبرى بأرض يقال لها الغوطة فيها مدينة يقال لها دمشق خير منازل المسلمين يومئذ صححه الحاكم والذهبي, قال المنذري في تهذيب السنن قال يحيى بن معين وقد ذكروا عنده أحاديث من ملاحم الروم فقال يحيى ليس من حديث الشاميين شيء أصح من حديث صدقة بن خالد عن النبي ﷺ أنه قال «معقل المسلمين أيام الملاحم دمشق» انتهى. ففي هذه الأحاديث دليل على أن الطائفة المنصورة تكون في الشام في آخر الزمان عند وقوع الملاحم بين المسلمين والروم ولا يزالون هناك ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله تعالى وهم بالشام. والمراد بأمر الله إرسال الريح الطيبة التي تقبض أرواح المؤمنين قبل قيام الساعة كما جاء ذلك في عدة أحاديث صحيحة ذكرتها في كتابي «إتحاف الجماعة» فلتراجع هناك, وليس شيء من ذلك من دس اليهود كما زعم ذلك من لا عقل له ولا دين. وأما قوله وفي مسلم عن أبي هريرة إلى آخره. فجوابه أن يقال هذا من أغلاط أبي رية وأكاذيبه على أبي هريرة ﵁ وقد تبع المؤلف أبا رية على غلطه وكذبه لغباوته وكثافة جهله, وهذا الحديث قد رواه مسلم من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁. وأما قوله قال أحمد وغيره هم أهل الشام. فجوابه أن يقال هذا من كذب أبي رية على الإِمام أحمد رحمه الله تعالى وقد تبع المؤلف أبا رية على كذبه لعدم بصيرته. وقول الإِمام أحمد رحمه الله تعالى في الطائفة المنصورة مشهور وقد ذكره النووي وغيره من أكابر العلماء ورواه الحاكم في «معرفة علوم الحديث» فقال سمعت أبا عبد الله محمد بن علي بن عبد الحميد الآدمي بمكة يقول سمعت موسى بن هارون يقول سمعت أحمد بن حنبل يقول وسئل عن معنى هذا الحديث - يعني قوله ﷺ «لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة» - فقال إن لم تكن هذه الطائفة المنصورة أصحاب الحديث فلا أدري من هم, قال

стр. 254

الحاكم فلقد أحسن أحمد بن حنبل في تفسير هذا الخبر أن الطائفة المنصورة التي يرفع الخدلان عنهم إلى قيام الساعة هم أصحاب الحديث انتهى. قال القاضي عياض إنما أراد أحمد أهل السنة والجماعة ومن يعتقد مذهب أهل الحديث, وعن علي بن المديني أنه قال إنهم العرب واستدل بحديث «لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة» قال والمراد بالغرب الدلو الكبيرة لأن العرب أصحابها لا يستقي بها أحد غيرهم, ذكره يعقوب بن شيبة ونقله عنه صاحب المشارق وغيره ويؤيده عدة أحاديث ذكرتها في كتابي «إتحاف الجماعة» فلتراجع هناك في «باب ما جاء في الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة». فصل وقال المؤلف في صفحة (٥٧) ما نصه وفي صفحة ٦٩ جـ٣ من فتح الباري عن نافع عن ابن عمر عن كعب الأحبار قال تخرج نار تحشر الناس فإِذا سمعتم بها فاخرجوا إلى الشام (ولك أن تتصور أيها العاقل كيف يكون ابن عمر تلميذاً لكعب فيروي عنه). والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال هذا من أوابد أبي رية ذكره في صفحة (١٧١) من الطبعة الثالثة لكتابه الخبيث, وذكر في الهامش أنه في صفحة ٦٩ جـ ١٣ من فتح الباري وقد نقله المؤلف من كتاب أبي رية معتمداً عليه لغباوته وكثافة جهله, وقد راجعت فتح الباري فلم أجد فيه حديثاً بهذا اللفظ عن كعب الأحبار فضلاً عن أن يكون رواه عنه ابن عمر ﵄, ولا شك أن أبا رية هو الذي وضع هذا الأثر بهذا اللفظ ونسبه إلى كعب الأحبار وزعم أن ابن عمر ﵄ رواه عنه وأن نافعاً رواه عن ابن عمر وهذا من الإِفك والبهتان. الوجه الثاني أن يقال قد كان المؤلف وأبو رية ينكران وضع الأحاديث أشد الإِنكار ولكنهما قد نقضا ذلك بالفعل فأبو رية يضع الحديث على قدر رغبته وما يمليه عليه شيطانه وهواه, والمؤلف يتابعه متابعة الأعمى لقائده نعوذ بالله من عمى القلوب وانتكاسها والله المسئول أن يعافينا وإخواننا المسلمين مما ابتلاهما به من عداوة السنة وأهلها وبهت الأبرياء ومتابعة الهوى. الوجه الثالث أن يقال قد ذكر الحافظ ابن حجر حديث ابن عمر رضي الله

стр. 255

عنهما مرفوعاً إلى النبي ﷺ فقال في صفحة ٣٧٨ ج ١١ طبع المطبعة السلفية ما نصه, وفي حديث ابن عمر عند أحمد وأبي يعلى مرفوعاً «تخرج نار قبل يوم القيامة من حضرموت فتسوق الناس» الحديث وفيه قالوا فما تأمرنا قال «عليكم بالشام» وفي لفظ آخر «ذلك نار تخرج من قعر عدن ترحل الناس إلى المحشر» هذا ما ذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري وليس فيه ذكر لكعب الأحبار ولا لنافع, وهذا الحديث قد رواه الإِمام أحمد في مسنده بأسانيد صحيحة من حديث سالم بن عبد الله بن عمر قال حدثني عبد الله بن عمر ﵄ قال قال لنا رسول الله ﷺ «ستخرج نار قبل يوم القيامة من بحر حضرموت تحشر الناس» قالوا فما تأمرنا يا رسول الله قال «عليكم بالشام» وفي رواية قال سمعت رسول الله ﷺ يقول «تخرج نار من حضرموت أو بحضرموت» الحديث وقد رواه الترمذي وابن حبان في صحيحه وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث ابن عمر ﵄, قال وفي الباب عن حذيفة بن أسيد وأنس وأبي هريرة وأبي ذر ﵃. وأما قوله ولك أن تتصور أيها العاقل كيف يكون ابن عمر تلميذاً لكعب فيروى عنه. فجوابه أن يقال بل ينبغي للعاقل أن يتصور جراءة أبي رية على الوضع على ابن عمر ﵄ وعلى كعب الأحبار وعلى نافع. وأن يتصور أيضاً جراءته على الافتراء على ابن عمر ﵄ حيث زعم أنه كان تلميذاً لكعب الأحبار, وأن يتصور غباوة المؤلف وكثافة جهله حيث كان يتابع أبا رية على ترهاته ويعتمد على بهتانه ومفترياته ولا يبالي بما يترتب على ذلك من الوعيد الشديد على بهت الأبرياء والوقوع في أعراضهم. فصل وقال المؤلف في صفحة (٥٨) ما نصه أبو هريرة ورأي علماء الحديث فيه ممثلاً في مدرسة المنار, قال الأستاذ الفقيه المحدث رشيد رضا لو طالت حياة عمر حتى مات أبو هريرة ما وصلت إلينا تلك الأحاديث الكثيرة, وقال عن أحاديثه المشكلة (لا يتوقف على شيء منها إثبات أصل

стр. 256

من أصول الدين) ص ٨٥١ جـ ١٠ المنار, ص ١٤٠ جـ ١٩ المنار. وسوف يزداد الأمر عجباً وعجباً إذا عرفنا أن أبا هريرة لم يعاصر النبي - ص - إلا عاما وتسعة أشهر. وقد قال أبو محمد ابن حزم إن مسند تقي بن مخلد قد احتوى من حديث أبي هريرة على ٥٣٧٤ روى البخاري منها ٤٤٦ وقال أبو هريرة عن نفسه في البخاري ما من أصحاب النبي - ص - أحد أكثر حديثا مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فقد كان يكتب ولا أكتب, ولو بحثنا عن كل ما رواه ابن عمرو هذا لوجدناه ٧٠٠ حديثا روى البخاري منها سبعة ومسلم ٢٠, والحقيقة التاريخية تقول أن ابن عمرو هو أحد الرواة عن كعب الأحبار وكان قد أصاب زاملتين من كتب أهل الكتاب كان يرويها للناس فتجنب الأخذ عنه كثير من أئمة التابعين. وكان يقال له لا تحدثنا عن الزاملتين. وقال فيها الخطيب البغدادي ومغيرة (ما يسرني أنها لي بفلسين. ووضح ذلك في صفحة ٩٣ تأويل مختلف الحديث, وقال ابن حجر في الفتح ثبت أن أبا هريرة لم يكن يكتب ص ٦٧٧ جـ ٢ فتح الباري وكذلك لم يحفظ القرآن. والجواب أن يقال هذا مما نقله المؤلف من كتاب أبي رية والكلام عليه من وجوه أحدها أن يقال إن شرار العصريين قد جعلوا أبا هريرة ﵁ غرضاً لسهامهم الخبيثة فأكثروا الوقيعة فيه والتنقص له ورموه ظلماً وزوراً بكل ما يرون أنه يشينه ويقدح فيه, وقد تولى كبر ذلك أبو رية ونشره في كتابه الذي هو ظلمات بعضها فوق بعض, ونقل أقوال الشانئين لأبي هريرة ﵁ من الروافض ومشايخ أبي رية وغيرهم من متشدقة العصريين, وسيقف أبو هريرة ﵁ والشانئون له بين يدي حكم عدل لا يظلم مثال ذرة فيأخذ للمظلوم حقه من الظالم, ولو كان أبو رية وأشباهه من أعداء السنة وأعداء أهلها يؤمنون بوقوع القصاص يوم القيامة لما تجرءوا على أصحاب رسول الله ﷺ وتنقصوهم واستحلوا أعراضهم بغير حق. وقد ورد النهي الأكيد عن سب الصحابة وإيذائهم, وورد أيضا الوعيد الشديد على ذلك, وقد ذكرت ذلك في الفصل الحادي عشر في أول هذا الكتاب فليراجع هناك (١).

стр. 257

وقد عجلت العقوبة في الدنيا لبعض المستهزئين بأبي هريرة ﵁ والطاغين فيه (ولعذاب الآخرة أشد وأبقى) قال أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي في سننه «باب عقوبة من بلغه عن النبي ﷺ حديث فلم يعظمه ولم يوقره» أخبرنا عبد الله بن صالح حدثني الليث حدثني ابن عجلان عن العجلان عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال «بينما رجل يتبختر في بردين خسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة» فقال له فتى قد سماه وهو في حلة يا أبا هريرة أهكذا كان يمشي ذلك الفتى الذي خسف به ثم ضرب بيده فعثر عثرة كاد يتكسر منها فقال أبو هريرة ﵁ «للمنخرين وللفم» (إنا كفيناك المستهزئين). وذكر أبو سعد السمعاني عن الشيخ العارف يوسف الهمداني عن الشيخ الفقيه أبي إسحاق الشيرازي عن القاضي أبي الطيب الطبري قال كنا جلوساً بالجامع ببغداد فجاء خراساني سألنا عن المصراة فأجبنا فيها واحتججنا بحديث أبي هريرة ﵁ فطعن في أبي هريرة فوقعت حية من السقف وجاءت حتى دخلت الحلقة وذهبت إلى ذلك الأعجمي فضربته فقتلته, ذكر هذه الحكاية شيخ الإِسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في جواب له في الرد على من تكلم في أبي هريرة ﵁. وهذا الجواب في المجلد الرابع من مجموع الفتاوى صفحة ٥٣٢ - ٥٣٩ فليراجع فإنه مهم جداً, وليراجع المجلد كله ففيه الرد على من يسب الصحابة وأهل الحديث ويتنقصهم. وقد تصدى غير واحد من المعاصرين للدفاع عن أبي هريرة ﵁ والرد على الطاعنين فيه بالإِفك والبهتان. فجزاهم الله عن دفاعهم عن أصحاب رسول الله ﷺ خير الجزاء وشكر سعيهم. الوجه الثاني أن يقال من المجازفة وصف المؤلف وأبي رية لرشيد رضا بالفقيه المحدث, ومن نظر في كتب رشيد رضا وكان ذا بصيرة علم يقينا أنه لا يستحق أن يوصف بهذين الوصفين وإنما يستحق أن يوصف بأنه فيلسوف متضلع من الثقافة الغربية وأنه ممن يحاول التوفيق بين العلوم الشرعية وبين الثقافة الغربية على طريقة شيخه محمد عبده. الوجه الثالث أن يقال قد يغتر بعض الناس بكلام المؤلف وأبي رية فيتوهم

стр. 258

أن علماء الحديث قد تكلموا في أبي هريرة ﵁, وإنما أراد المؤلف وأبو رية بعض العصريين مثل صاحب المنار وأشباهه من ذوي الجراءة على رد بعض الأحاديث الصحيحة إذا كانت مخالفة لآرائهم أو آراء من يعظمونهم من مشايخهم وغير مشايخهم, وهؤلاء ليسوا من علماء الحديث فلا يعتمد على أقوالهم في الجرح والتعديل ولا يلتفت إلى كلامهم في أبي هريرة وعبد الله بن سلام ﵄ وغيرهما من الصحابة. ولا في كعب الأحبار ووهب بن منبه وغيرهما من ثقات التابعين. وأما ما نقله المؤلف تبعاً لأبي رية عن رشيد رضا أنه قال لو طالت حياة عمر حتى مات أبو هريرة ما وصلت إلينا تلك الأحاديث الكثيرة. فجوابه أن يقال قد أجاب عن ذلك العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي في كتابه «الأنوار الكاشفة» فقال «وما يدريك لعل عمر لو طال عمره حتى استحر الموت بحملة العلم من الصحابة لأمر أبا هريرة وغيره بالإِكثار وحث عليه, وحفظ الله ﵎ لشريعته وتدبيره بمقتضى حكمته فوق عمر وفوق رأي عمر في حياة عمر وبعد موت عمر». وقال المعلمي أيضاً «وبعد فإِن الإِسلام لم يمت بموت عمر, وإجماع الصحابة بعده على إقرار أبي هريرة على الإِكثار مع ثناء جماعة منهم عليه وسماع كثير منهم منه وروايتهم عنه يدل على بطلان المحكي عن عمر من منعه بل لو ثبت المنع ثبوتا لا مدفع له لدل إجماعهم على أن المنع كان على وجه مخصوص أو لسبب عارض أو استحساناً محضاً لا يستند إلى حجة ملزمة, وعلى فرض اختلاف الرأي فإجماعهم بعد عمر أولى بالحق من رأي عمر» انتهى. وقد جاء عن عمر ﵁ أنه أذن لأبي هريرة ﵁ في التحديث, قال ابن كثير في «البداية والنهاية» قال مسدد حدثنا خالد الطحان حدثني يحيى بن عبد الله عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال بلغ عمر ﵁ حديثي فأرسل إلي فقال كنت معنا يوم كنا مع رسول الله ﷺ في بيت فلان قال قلت نعم وقد علمت لم تسألني عن ذلك قال ولم سألتك قلت إن رسول الله ﷺ قال يومئذ «من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار» قال أما إذا فاذهب فحدث

стр. 259

وقد تقدم قريبا (١) قول شيخ الإِسلام أبي العباس ابن تيمية أن عمر ﵁ كان يستدعي الحديث من أبي هريرة ﵁ ويسأله عنه ولم ينهه عن رواية ما يحتاج إليه من العلم الذي سمعه من النبي ﷺ ولا توعده على ذلك انتهى. وإن من نعم الله تعالى على هذه الأمة إطالة عمر أبي هريرة ﵁ حتى بلغ ما حفظه من أحاديث رسول الله ﷺ , وكذلك إطالة أعمار غيره من الصحابة الذين حفظوا أحاديث رسول الله ﷺ وبلغوها إلى الأمة فلله الحمد لا نحصي ثناء عليه. ومن ضاق ذرعا بشيء من الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ مما رواه أبو هريرة أو غيره من الصحابة ﵃ فلا وسع الله عليه. وأما قول المؤلف تبعاً لأبي رية, وقال عن أحاديثه المشكلة لا يتوقف على شيء منها إثبات أصل من أصول الدين. فجوابه أن يقال ليس في أحاديث أبي هريرة ﵁ الثابتة عنه مشكل لا فيما يتعلق بأصول الدين ولا فيما يتعلق بفروعه, وإنما يستشكلها من قل نصيبه من العلم النافع والدين ولاسيما تلاميذ الإِفرنج والمتخرجون من جامعاتهم ومن يقلدهم ويحذو حذوهم من ذوي الجهل المركب, فكثير من هذا الضرب يستشكلون أحاديث الصفات والقضاء والقدر والوعيد ويسلكون في تأويلها مسلك الجهمية والمعتزلة, وكذلك أحاديث أشراط الساعة مثل خروج المهدي وخروج الدجال ونزول عيسى بن مريم ﵊ وخروج يأجوج ومأجوج وخروج الدابة وطلوع الشمس من مغربها وأحاديث المعجزات وخوارق العادات وغير ذلك من الأحاديث التي يستشكلها بعض العصريين لأنها لا تتفق مع أفكارهم وأفكار من يعظمونهم من المستشرقين وأتباع المستشرقين. وأما قوله وسوف يزداد الأمر عجباً وعجباً إذا عرفنا أن أبا هريرة لم يعاصر النبي - ص - إلا عاماً وتسعة أشهر. فجوابه أن يقال بل الذين يزداد به الأمر عجباً وعجباً هو شدة غباوة المؤلف

стр. 260

بحيث كان يتابع أبا رية على تخبيطه وجهله ويعتمد على أوهامه وتخرصاته, ومن ذلك زعمه أن أبا هريرة ﵁ لم يعاصر النبي ﷺ إلا عاما وتسعة أشهر, وهذا خطأ واضح وجهل فاضح لأن أبا هريرة ﵁ قدم على النبي ﷺ بعد ما فتح خيبر وكان ذلك في أول سنة سبع من الهجرة. وقد روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال أتيت رسول الله ﷺ وهو بخيبر بعدما افتتحها» الحديث, فعلى هذا يكون أبا هريرة ﵁ قد صحب رسول الله ﷺ أربع سنين وزيادة أيام, وروى ابن سعد في الطبقات عن حميد بن عبد الرحمن قال صحب أبو هريرة النبي ﷺ أربع سنين, وروى ابن سعد أيضاً عن قيس بن أبي حازم عن أبي هريرة ﵁ قال «صحبت النبي ﷺ ثلاث سنين ما كنت في سنوات قط أعقل مني ولا أحب إلي أن أعي ما يقول رسول الله ﷺ مني فيهن». والجمع بين هذه الرواية والرواية قبلها أن أبا هريرة ﵁ ذكر الزمن الذي كان ملازماً للنبي ﷺ فيه وهو ثلاث سنين وأسقط السنة التي غاب فيها عن النبي ﷺ وذلك حين بعثه رسول الله ﷺ مع العلاء بن الحضرمي إلى البحرين. وأما ما نقله المؤلف تبعاً لأبي رية عن ابن حزم أنه قال إن مسند تقي بن مخلد قد احتوى من حديث أبي هريرة على ٥٣٧٤ روى البخاري منها ٤٤٦. فجوابه أن يقال أما قوله «تقي بن مخلد» فصوابه «بقي بن مخلد» بالباء الموحدة لا بالتاء المثناة, وقد وقع هذا التصحيف من المؤلف لا من أبي رية. وأما العدد الذي ذكره ابن حزم فلا يستكثر مثله من أبي هريرة ﵁ لأنه قد صحب النبي ﷺ أربع سنين وكان يلزم رسول الله ﷺ ويخدمه ويدور معه حيث دار, وكان حريصاً على أخذ الحديث عن رسول الله ﷺ وقد شهد له رسول الله ﷺ بالحرص على الحديث والعلم كما في صحيح البخاري عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁ أنه قال قلت يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة

стр. 261

فقال «لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك لما رأيت من حرصك على الحديث». وروى الإِمام أحمد وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه عن معاوية بن معتب الهذلي عن أبي هريرة ﵁ أنه سمعه يقول سألت رسول الله ﷺ ماذا رد إليك ربك في الشفاعة فقال «والذي نفس محمد بيده لقد ظننت أنك أول من يسألني عن ذلك من أمتي لما رأيت من حرصك على العلم» الحديث. قال الحاكم صحيح الإِسناد ووافقه الذهبي في تلخيصه. وقال الهيثمي في إسناد أحمد رجاله رجال الصحيح غير معاوية بن معتب وهو ثقة. وروى الحاكم أيضاً عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «أبو هريرة وعاء العلم». وقد روى القاضي أبو الحسين في طبقات الحنابلة عن أبي جعفر محمد بن منصور العابد المعروف بالطوسي قال سمعت أحمد بن حنبل يقول رأيت رسول الله ﷺ في المنام فقلت يا رسول الله كل ما روى عنك أبو هريرة حق قال نعم؟ وقد كان أبو هريرة ﵁ مشهوراً بالحفظ حتى قال الشافعي رحمه الله تعالى أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره, رواه البيهقي وغيره, وذكره النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» وابن كثير في «البداية والنهاية». وقال شيخ الإِسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى أبو هريرة حافظ الأمة على الإِطلاق يؤدي الحديث كما سمعه ويدرسه بالليل درساً فكانت همته مصروفة إلى الحفظ وتبليغ ما حفظه كما سمعه انتهى من المجلد الرابع من الفتاوى صفحة ٩٤. وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «مفتاح دار السعادة» هو حافظ الأمة على الإِطلاق وكل ما رواه عن النبي ﷺ فهو صحيح انتهى. وقال الحافظ ابن حجر في الإِصابة أجمع أهل الحديث على أنه أكثر الصحابة حديثاً. وقال البخاري روى عنه نحو الثمانمائة من أهل العلم وكان أحفظ من روى الحديث في عصره, قال وكيع حدثنا الأعمش عن أبي صالح قال كان أبو هريرة أحفظ أصحاب رسول الله ﷺ وأخرجه البغوي من رواية أبي بكر بن عياش عن الأعمش بلفظ ما كان أفضلهم ولكنه كان أحفظ, وأخرج ابن أبي

стр. 262

خيثمة من طريق سعيد ابن أبي الحسن قال لم يكن أحد من الصحابة أكثر حديثا من أبي هريرة وقال الحاكم أبو أحمد كان من أحفظ أصحاب رسول الله ﷺ وألزمهم له على شبع بطنه فكانت يده مع يده يدور معه حيث دار إلى أن مات ولذلك كثر حديثه, وقال أبو نعيم كان أحفظ الصحابة لأخبار رسول الله ﷺ ودعا له بأن يحببه إلى المؤمنين انتهى ملخصا. وذكر أبو الحسن ابن الأثير في كتابه «أسد الغابة, في معرفة الصحابة» عن البخاري أنه قال روى عن أبي هريرة ﵁ أكثر من ثمانمائة رجل من صاحب وتابع, فمن الصحابة ابن عباس وابن عمر وجابر وأنس وواثلة بن الأسقع انتهى. وروى الحاكم في مستدركه عن محمد بن عمرو بن حزم أنه قعد في مجلس فيه أبو هريرة يحدثهم عن رسول الله ﷺ ينكره بعضهم ويعرفه البعض حتى فعل ذلك مراراً فعرفت يومئذ أن أبا هريرة أحفظ الناس عن رسول الله ﷺ . وقال ابن عبد البر في الاستيعاب أسلم أبو هريرة عام خيبر وشهدها مع رسول الله ﷺ ثم لزمه وواظب عليه رغبة في العلم راضياً بشبع بطنه فكانت يده مع يد رسول الله ﷺ وكان يدور معه حيث دار وكان من أحفظ أصحاب رسول الله ﷺ وكان يحضر ما لا يحضر سائر المهاجرين والأنصار لاشتغال المهاجرين بالتجارة والأنصار بحوائطهم وقد شهد له رسول الله ﷺ بأنه حريص على العلم والحديث انتهى. وفي قوله إن أبا هريرة ﵁ شهد خيبر نظر والصحيح أنه لم يشهدها لما رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال «أتيت رسول الله ﷺ بخيبر بعدما افتتحها» فعلى هذا لا يعد أبو هريرة ﵁ فيمن شهد خيبر. وقال ابن كثير في «البداية والنهاية» وقد كان أبو هريرة من الصدق والحفظ والديانة والعبادة والزهادة والعمل الصالح على جانب عظيم انتهى. وقال أيضاً في أول «البداية والنهاية» لما ذكر حديث أبي هريرة ﵁ في احتجاج آدم وموسى من كذب بهذا الحديث فمعاند لأنه متواتر عن أبي هريرة ﵁ وناهيك به عدالة وحفظاً وإتقاناً انتهى.

стр. 263

ولحفظ أبي هريرة ﵁ سبب خصه به رسول الله ﷺ كما في صحيح البخاري وجامع الترمذي عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁ قال قلت يا رسول الله إني أسمع منك حديثاً كثيراً أنساه قال «ابسط رداءك» فبسطته قال فغرف بيده ثم قال «ضمه» فضممته فما نسيت شيئاً بعده, هذا لفظ البخاري وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح قد روي من غير وجه عن أبي هريرة, وفي جامع الترمذي أيضاً عن أبي الربيع عن أبي هريرة ﵁ قال أتيت النبي ﷺ فبسطت ثوبي عنده ثم أخذه فجمعه على قلبي فما نسيت بعده حديثاً, قال الترمذي هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. وروى النسائي في العلم من كتاب السنن أن رجلاً جاء إلى زيد بن ثابت فسأله فقال له زيد عليك بأبي هريرة فإِني بينما أنا وأبو هريرة وفلان في المسجد ندعو الله ونذكره إذ خرج علينا رسول الله ﷺ حتى جلس إلينا فقال «عودوا للذي كنتم فيه» قال زيد فدعوت أنا وصاحبي فجعل رسول الله ﷺ يؤمن على دعائنا ودعا أبو هريرة فقال إني أسألك ما سأل صاحباي وأسألك علماً لا ينسى فقال رسول الله ﷺ «آمين» فقلنا يا رسول الله ونحن نسأل الله علماً لا ينسى فقال «سبقكما بها الغلام الدوسي» قال الحافظ ابن حجر في الإِصابة سنده جيد. وفي صحيح البخاري عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁ قال حفظت من رسول الله ﷺ وعائين فأما أحدهما فبثثته وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم. قال ابن كثير في «البداية والنهاية» وهذا الوعاء الذي كان لا يتظاهر به هو الفتن والملاحم وما وقع بين الناس من الحروب والقتال وما سيقع التي لو أخبر بها قبل كونها لبادر كثير من الناس إلى تكذيبه وردوا ما أخبر به من الحق كما قال لو أخبرتكم أنكم تقتلون إمامكم وتقتتلون فيما بينكم بالسيوف لما صدقتموني, انتهى. وقد شهد غير واحد من أكابر الصحابة ﵃ لأبي هريرة ﵁ بالحفظ وأنكر بعضهم وبعض التابعين إكثاره من الحديث فرد عليهم أبو هريرة ﵁ فسكتوا ولم يعارضوه, وقد جاء في ذلك أحاديث كثيرة منها ما رواه الترمذي عن ابن عمر ﵄ أنه قال لأبي هريرة يا أبا هريرة أنت كنت

стр. 264

ألزمنا لرسول الله ﷺ وأحفظنا لحديثه, قال الترمذي هذا حديث حسن. وقد رواه الإِمام أحمد وفيه قصة ولفظه عن ابن عمر ﵄ أنه مر بأبي هريرة وهو يحدث عن النبي ﷺ أنه قال «من تبع جنازة فصلى عليها فله قيراط فإِن شهد دفنها فله قيراطان, القيراط أعظم من أحد» فقال له ابن عمر ﵄ أبا هر انظر ما تحدث عن رسول الله ﷺ فقام إليه أبو هريرة حتى انطلق به إلى عائشة فقال لها يا أم المؤمنين أنشدك بالله أسمعت رسول الله ﷺ يقول «من تبع جنازة فصلى عليها فله قيراط فإِن شهد دفنها فله قيراطان» فقالت اللهم نعم فقال أبو هريرة ﵁ إنه لم يكن يشغلني عن رسول الله ﷺ غرس الودي ولا صفق بالأسواق إني إنما كنت أطلب من رسول الله ﷺ كلمة يعلمنيها وأكلة يطعمنيها فقال له ابن عمر أنت يا أبا هريرة كنت ألزمنا لرسول الله ﷺ وأعلمنا بحديثه, وقد رواه مسلم في صحيحه مختصراً, ورواه الحاكم في مستدركه بنحو رواية الإِمام أحمد وقال صحيح الإِسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه, وقال الحافظ ابن حجر في «تهذيب التهذيب» والإِصابة قال ابن عمر «أبو هريرة خير مني وأعلم» زاد في الإِصابة «بما يحدث». ومنها ما رواه ابن سعد في الطبقات قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثني عبد الله بن نافع عن أبيه قال كنت مع ابن عمر ﵄ في جنازة أبي هريرة وهو يمشي أمامها ويكثر الترحم عليه ويقول كان ممن يحفظ حديث رسول الله ﷺ على المسلمين. ومنها ما رواه الترمذي والحاكم واللفظ له عن مالك بن أبي عامر قال كنت عند طلحة بن عبيد الله فدخل عليه رجل فقال يا أبا محمد والله ما ندري هذا اليماني أعلم برسول الله ﷺ أم أنه يقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل يعني أبا هريرة فقال طلحة والله ما نشك أنه سمع من رسول الله ﷺ ما لم نسمع وعلم ما لم نعلم إنا كنا قوماً أغنياء لنا بيوت وأهلون كنا نأتي نبي الله ﷺ طرفي النهار ثم نرجع وكان أبو هريرة مسكينا لا مال له ولا أهل ولا ولد إنما كانت يده مع يد النبي ﷺ وكان يدور معه حيثما

стр. 265

دار ولا أشك أنه قد علم ما لم نعلم وسمع ما لم نسمع ولم يتهمه أحد منا أنه تقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل, قال الترمذي هذا حديث حسن غريب وقال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وقال الذهبي على شرط مسلم. ومنها ما رواه ابن أبي خثيمة من طريق محمد بن إسحاق عن عمر أو عثمان بن عروة عن أبيه قال قال لي أبي الزبير ادنني من هذا اليماني - يعني أبا هريرة - فإِنه كان يكثر الحديث عن رسول الله ﷺ قال فأدنيته منه فجعل أبو هريرة يحدث وجعل الزبير يقول صدق كذب صدق كذب قال قلت يا أبت ما قولك صدق كذب قال يا بني أما أن يكون سمع هذه الأحاديث من رسول الله ﷺ فلا أشك ولكن منها ما يضعه على مواضعه ومنها ما وضعه على غير مواضعه. ومنها ما رواه الطبراني والحاكم عن أبي الشعثاء سليم بن الأسود قال قدمت المدينة فوجدت أبا أيوب يحدث عن أبي هريرة فقلت تحدث عن أبي هريرة وقد رأيت رسول الله ﷺ وفي رواية الحاكم وأنت صاحب منزلة عند رسول الله ﷺ فقال إن أبا هريرة قد سمع ما لم نسمع وإني إن أحدث عنه أحب إلي من أن أحدث عن رسول الله ﷺ ما لم أسمعه منه, قال الهيثمي رواه الطبراني من طريقين في إحداهما سعيد بن سيفان الجحدري وثقه غير واحد وفيه ضعف وبقية رجالها ثقات. ومنها ما رواه عبد الله بن الإِمام أحمد في زوائد المسند عن أبي بن كعب ﵁ أن أبا هريرة ﵁ كان جريئاً على أن يسأل رسول الله ﷺ عن أشياء لا يسأله عنه غيره, قال الهيثمي رجاله ثقات وثقهم ابن حبان. قلت وقد رواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه ولفظهما قال كان أبو هريرة جريئاً على النبي ﷺ يسأله عن أشياء لا نسأله عنها. ومنها ما رواه مسدد من طريق عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال كان ابن عمر ﵄ إذا سمع أبا هريرة ﵁ يتكلم قال إنا نعرف ما يقول ولكنا نجبن ويجترئ, ذكره الحافظ ابن حجر في الإِصابة. ومنها ما رواه أبو داود وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما من طريق عبد الواحد بن زياد عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قال قال

стр. 266

رسول الله ﷺ «إذا صلى أحدكم الركعتين قبل الصبح فليضطجع على يمينه» فقال له مروان بن الحكم أما يجزي أحدنا ممشاه إلى المسجد حتى يضطجع على يمينه قال لا, قال فبلغ ذلك ابن عمر فقال أكثر أبو هريرة على نفسه قال فقيل لا بن عمر هل تنكر شيئاً مما يقول قال لا ولكنه اجترأ وجبنا قال فبلغ ذلك أبا هريرة فقال ما ذنبي إن كنت حفظت ونسوا. ومنها ما رواه الحاكم من طريق الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة ﵁ قال قال رجل لابن عمر ﵄ إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله ﷺ فقال ابن عمر ﵄ أعيذك بالله أن تكون في شك مما يجيء به ولكنه اجترأ وجبنا. قال ابن الأثير الاجتراء الإِقدام على الشيء من غير خوف ولا فزع, والجبن خلافه انتهى. ومنها ما رواه ابن سعد عن الوليد بن رباح أن مروان قال يا أبا هريرة إن الناس قد قالوا إنك أكثرت على رسول الله ﷺ وإنما قدمت قبل وفاة النبي ﷺ بيسير فقال أبو هريرة ﵁ نعم قدمت ورسول الله ﷺ بخيبر سنة سبع وأنا يومئذ قد زدت على الثلاثين سنة سنوات وأقمت معه حتى توفي أدور معه في بيوت نسائه وأخدمه وأنا والله يومئذ مقل وأصلي معه وأحج وأغزو معه فكنت والله أعلم الناس بحديثه قد والله سبقني قوم بصحبته والهجرة إليه من قريش والأنصار وكانوا يعرفون لزومي له فيسألوني عن حديثه منهم عمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير فلا والله ما يخفى علي كل حديث كان بالمدينة وكل من أحب الله ورسوله وكل من كانت له عند رسول الله ﷺ منزلة, وذكر تمام الخبر. ومنها رواه الإِمام أحمد والبخاري ومسلم عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ قال إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثاً ثم يتلو (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات - إلى قوله - الرحيم) إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله ﷺ بشبع بطنه ويحضر ما لا يحضرون ويحفظ ما لا يحفظون, هذا لفظ البخاري في كتاب العلم, وقد رواه في

стр. 267

كتاب المزارعة, وفي كتاب الاعتصام بأطول من هذا, ولفظه في كتاب المزارعة قال يقولون إن أبا هريرة يكثر الحديث والله الموعد ويقولون ما للمهاجرين والأنصار لا يحدثون مثل أحاديثه وإن أخوتي من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق وإن إخوتي من الأنصار كان يشغلهم عمل أموالهم وكنت امرءاً مسكينا ألزم رسول الله ﷺ على ملء بطني فأحضر حين يغيبون وأعي حين ينسون وقال النبي ﷺ يوماً «لن يبسط أحد منكم ثوبه حتى أقضي مقالتي هذه ثم يجمعها إلى صدره فينسى من مقالتي شيئاً أبداً» فبسطت نمرة ليس علي ثوب غيرها حتى قضى النبي ﷺ مقالته ثم جمعتها إلى صدري فو الذي بعثه بالحق ما نسيت من مقالته تلك إلى يومي هذا والله لولا آيتان في كتاب الله ما حدثتكم شيئاً أبداً (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات - إلى قوله - الرحيم) , ورواه في كتاب البيوع من حديث سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن بنحوه. قال الحافظ ابن حجر في «تهذيب التهذيب» وهو من علامات النبوة فإِن أبا هريرة كان أحفظ من كل من يروي الحديث في عصره ولم يأت عن أحد من الصحابة كلهم ما جاء عنه, وقال في «الإِصابة» والحديث المذكور من علامات النبوة فإِن أبا هريرة كان أحفظ الناس للأحاديث النبوية في عصره انتهى. ومنها ما رواه مسلم عن أبي رزين قال خرج إلينا أبو هريرة ﵁ فضرب بيده على جبهته فقال ألا إنكم تحدثون أني أكذب على رسول الله ﷺ لتهتدوا وأضل الحديث. ومنها ما رواه البخاري عن سعيد المقبري قال قال أبو هريرة ﵁ يقول الناس أكثر أبو هريرة فلقيت رجلاً فقلت بما قرأ رسول الله ﷺ البارحة في العتمة فقال لا أدري فقلت لم تشهدها قال بلى قلت لكن أنا أدري قرأ سورة كذا وكذا. ومنها ما رواه الحاكم في مستدركه عن خالد بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص عن أبيه عن عائشة ﵂ أنا دعت أبا هريرة ﵁ فقالت له يا أبا هريرة ما هذه الأحاديث التي تبلغنا أنك تحدث بها عن النبي ﷺ هل سمعت إلا ما سمعنا وهل رأيت إلا ما رأينا قال يا أماه إنه كان يشغلك عن رسول الله ﷺ المرآة والمكحلة والتصنع لرسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 268

وإني والله ما كان يشغلني عنه شيء, قال الحاكم صحيح الإِسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه, وقد رواه أبو القاسم البغوي ولفظه أن عائشة ﵂ قالت لأبي هريرة ﵁ أكثرت الحديث عن رسول الله ﷺ يا أبا هريرة قال إنه والله ما كانت تشغلني عنه المكحلة والخضاب ولكن أرى ذلك شغلك عما استكثرت من حديثي قالت لعله. ومنها ما رواه أبو يعلي عن أبي رافع أن رجلاً من قريش أتى أبا هريرة في حلة وهو يتبختر فيها فقال يا أبا هريرة إنك تكثر الحديث عن رسول الله ﷺ فهل سمعته يقول في حلتي هذه شيئاً قال والله إنكم لتؤذوننا ولولا ما أخذ الله على أهل الكتاب (لتبيننه للناس ولا تكتمونه) ما حدثتكم بشيء, سمعت أبا القاسم ﷺ يقول «إن رجلاً ممن كان قبلكم بينما هو يتبختر في حلة إذ خسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها حتى تقوم الساعة» فو الله ما أدري لعله كان من قومك أو من رهطك شك أبو يعلى. وقال الحاكم في المستدرك قد تحريت الابتداء من فضائل أبي هريرة ﵁ لحفظه لحديث المصطفى ﷺ وشهادة الصحابة والتابعين له بذلك فإِن كل من طلب حفظ الحديث من أول الإِسلام وإلى عصرنا هذا فإِنهم من أتباعه وشيعته إن هو أولهم وأحقهم باسم الحفظ, وقد أخبرني عبد الله بن محمد بن زياد العدل قال سمعت أبا بكر محمد بن إسحاق الإِمام يقول وذكر أبا هريرة قال كان من أكثر أصحابه عنه رواية فيما انتشر من روايته ورواية غيره من أصحاب رسول الله ﷺ مع مخارج صحاح, وقال أبو بكر وقد روى عنه أبو أيوب الأنصاري مع جلالة قدره ونزول رسول الله ﷺ عنده, ثم ذكر رواية أبي الشعثاء أن أبا أيوب ﵁ كان يحدث عن أبي هريرة ﵁, وقد تقدم ذكرها قريباً, ثم قال الحاكم قال الإِمام أبو بكر فمن حرص أبي هريرة على العلم روايته عمن كان أقل رواية عن النبي ﷺ منه حرصاً على العلم فقد روى عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ ثم ساق بإِسناده عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «لا يشهرن أحدكم على أخيه السيف لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من حفر النار» قال أبو هريرة ﵁ سمعته من سهل بن سعد الساعدي سمعه من رسول الله صلى الله عليه

стр. 269

وسلم, قال أبو بكر فحرصه على العلم يبعثه على سماع خبر لم يسمعه من النبي ﷺ منه, وإنما يتكلم في أبي هريرة لدفع أخباره من قد أعمى الله قلوبهم فلا يفهمون معاني الأخبار, إما معطل جهمي يسمع أخباره التي يرويها خلاف مذهبهم الذي هو كفر فيشتمون أبا هريرة ويرمونه بما الله تعالى قد نزهه عنه تمويها على الرعاء والسفل أن أخباره لا تثبت بها الحجة, وإما خارجي يرى السيف على أمة محمد ﷺ ولا يرى طاعة خليفة ولا إمام إذا سمع أخبار أبي هريرة ﵁ عن النبي صلى الله عليه وسلم خلاف مذهبهم الذي هو ضلال لم يجد حيلة في دفع أخباره بحجة وبرهان كان مفزعه الوقيعة في أبي هريرة, أو قدري اعتزل الإِسلام وأهله وكفر أهل الإِسلام الذين يتبعون الأقدار الماضية التي قدرها الله تعالى وقضاها قبل كسب العباد لها إذا نظر إلى إخبار أبي هريرة التي قد رواها عن النبي ﷺ في إثبات القدر ولم يجد حجة تؤيد صحة مقالته التي هي كفر وشرك كانت حجته عند نفسه أن أخبار أبي هريرة لا يجوز الاحتجاج بها, أو جاهل يتعاطى الفقه ويطلبه من غير مظانه إذا سمع أخبار أبي هريرة فيما يخالف مذهب من قد اجتبى مذهبه وأخباره تقليداً بلا حجة ولا برهان تكلم في أبي هريرة ودفع أخباره التي تخالف مذهبه ويحتج بأخباره على مخالفيه إذا كانت أخباره موافقة لمذهبه, وقد أنكر بعض هذه الفرق على أبي هريرة أخباراً لم يفهموا معناها. قال الحاكم ﵀ وأنا ذاكر بمشيئة الله في هذا رواية أكابر الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين عن أبي هريرة, فقد روى عنه زيد بن ثابت وأبو أيوب الأنصاري وعبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وأبي بن كعب وجابر بن عبد الله وعائشة والمسور بن محزمة وعقبه بن الحارث وأبو موسى الأشعري وأنس بن مالك والسائب بن يزيد وأبو رافع مولى رسول الله ﷺ وأبو أمامة بن سهل وأبو الطفيل وأبو نضرة الغفاري وأبو رهم الغفاري وشداد بن الهاد وأبو حدرد عبد الله بن حدرد الأسلمي وأبو رزين العقيلي وواثلة بن الأسقع وقبيصة بن ذؤيب وعمرو بن الحمق والحجاج الأسلمي وعبد الله بن عكيم والأغر الجهني والشريد بن سويد ﵃ أجمعين فقد بلغ عدد من روى عن أبي هريرة من الصحابة ثمانية وعشرين رجلاً فأما التابعون فليس فيهم أجل ولا أشهر وأشرف وأعلم من أصحاب أبي هريرة, وذكرهم في هذا الموضع يطول لكثرتهم, والله

стр. 270

يعصمنا من مخالفة رسول رب العالمين والصحابة المنتخبين وأئمة الدين من التابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين ﵃ أجمعين في أمر الحافظ علينا شرائع الدين أبي هريرة ﵁ انتهى كلام الحاكم رحمه الله تعالى. وفيما نقله عن الإِمام أبي بكر ابن خزيمة رحمه الله تعالى أبلغ رد على المؤلف وأبي رية وأشباههما من سخفاء العصريين الذين ينتقصون أبا هريرة ﵁ ويرمونه ظلماً وعدواناً بكل ما يرون أنه يشينه ويقدح فيه, وهذا دليل على قلة الإِيمان فيهم أو عدمه لما رواه الإِمام أحمد ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال قلت يا رسول الله أدع الله أن يحببني وأمي إلى عباده المؤمنين ويحببهم إلينا قال فقال رسول الله ﷺ «اللهم حبب عبيدك هذا - يعني أبا هريرة - وأمه إلى عبادك المؤمنين وحبب إليهما المؤمنين» فما خُلق مؤمن يسمع بي ولا يراني إلا أحبني. قلت دعاء النبي ﷺ مستجاب بلا شك, وعلى هذا فلا يبغض أبا هريرة ﵁ أحد في قلبه إيمان, ولا يتنقصه ويرميه بالإِفك والبهتان أحد في قلبه إيمان. وقد نقل القاضي أبو الحسين في طبقات الحنابلة عن أبي محمد البربهاري أنه قال في «شرح كتاب السنة» إذا رأيت الرجل يحب أبا هريرة وأسيداً فاعلم أنه صاحب سنة إن شاء الله, قال ومن تناول أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه أراد محمداً ﷺ وقد آذاه في قبره, وذكر عن سفيان بن عيينة أنه قال من نطق في أصحاب رسول الله ﷺ بكلمة فهو صاحب هوى. وأما قول المؤلف تبعاً لأبي رية وقال أبو هريرة عن نفسه في البخاري ما من أصحاب النبي - ص - أحد أكثر حديثا مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فقد كان يكتب ولا أكتب, ولو بحثنا عن كل ما رواه ابن عمرو هذا لوجدناه ٧٠٠ حديثا روى البخاري منها سبعة ومسلم ٢٠. فجوابه أن يقال ما ذكره أبو هريرة ﵁ عن عبد الله بن عمرو رضي الله نهما أنه كان أكثر حديثاً منه فقد قال ذلك والله أعلم بحسب ما ظهر له من فعل عبد الله بن عمرو ﵄ حيث كان يكتب ما يسمعه من النبي صلى الله

стр. 271

عليه وسلم وكان أبو هريرة لا يكتب, ولكن الواقع المطابق للحقيقة أن أبا هريرة ﵁ كان أكثر الصحابة حديثاً بدون استثناء, ويحتمل أن يكون عند عبد الله بن عمرو ﵄ حديث كثير جداً ولكنه لم ينتشر كما انتشر الحديث عن أبي هريرة ﵁, قال النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» وإنما قلّت الرواية عنه مع كثرة ما حمل لأنه سكن مصر وكان الواردون إليها قليلا بخلاف أبي هريرة فإِنه استوطن المدينة وهي مقصد المسلمين من كل جهة انتهى. وقد حاول المؤلف وأبو رية النيل من أبي هريرة ﵁ والطعن فيه بكثرة ما روى من الحديث فكانا كمن ينطح الجبل العظيم ويظن أنه يضره وإنما يضر نفسه ولا يضر الجبل شيئاً. وما مثل المؤلف وأبي رية وكلامهما في أبي هريرة ﵁ إلا كما قال الشاعر: وما ضر نور الشمس أن كان ناظراً ... إليه عيون لم تزل دهرها عميا وكما قال الأعشى: كناطح صخرة يوماً ليوهيها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل وكما قال الحسين بن حميد: يا ناطح الجبل العالي ليكلمه ... أشفق على الرأس لا تشفق على الجبل وبعد فإِن أبا هريرة ﵁ حافظ الأمة على الإِطلاق وهو البار الصادق فيما روى وإن رغم أنف أبي رية وأنف المؤلف وأنوف أعداء السنة من الرافضة وأتباعهم من العصريين. وأما قوله روى البخاري منها سبعة ومسلم ٢٠. فجوابه أن يقال هذا خطأ مردود فقد ذكر النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» والخزرجي في «الخلاصة» أن البخاري ومسلماً اتفقا على سبعة عشر من أحاديث عبد الله بن عمرو وانفرد البخاري بثمانية ومسلم بعشرين, فعلى هذا يكون البخاري قد أخرج لعبد الله بن عمرو ﵄ خمسة وعشرين حديثاً وأخرج له مسلم سبعة وثلاثين حديثاً. وأما قوله والحقيقة التاريخية تقول إن ابن عمرو هو أحد الرواة عن كعب الأحبار.

стр. 272

فجوابه أن يقال هذا من كيس أبي رية وتخرصاته, وقد تبعه المؤلف على ذلك وزاد الطين بلة فزعم أن هذه الكذبة التي كذبها أبو رية حقيقة تاريخية, وهذه ترجمة عبد الله بن عمرو ﵄ موجودة في كتب التاريخ وأسماء الرجال وليس في شيء منها أنه روى عن كعب الأحبار, فأين الحقيقة التي زعمها المؤلف. وأما قوله وكان قد أصاب زاملتين من كتب أهل الكتاب كان يرويها للناس فتجنب الأخذ عنه كثير من أئمة التابعين. فجوابه أن يقال إن عبد الله بن عمرو ﵄ لم يكن يروي للناس من الزاملتين إلا الشيء القليل مما له تصديق في القرآن أو في السنة. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» رواه الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ وقال حسن صحيح, ورواه الإِمام أحمد وأبو داود وابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁, ورواه الإِمام أحمد أيضاً من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ وإسناده صحيح على شرط الشيخين. وروى أبو يعلى والبزار نحوه من حديث جابر ﵁. وقد كان النبي ﷺ يحدث أصحابه عن بني إسرائيل رواه الإِمام أحمد وأبو داود وابن حبان في صحيحه عن حديث عبد الله بن عمرو ﵄, ورواه الإِمام أحمد أيضاً والبزار والطبراني من حديث عمران بن حصين ﵄ وإسناد أحمد حسن وإسناد الطبراني صحيح. وفي هذه الأحاديث أبلغ رد على من أنكر على عبد الله بن عمرو ﵄ في روايته من الزاملتين لأن عبد الله ﵁ قد أخذ بقول النبي ﷺ وتأسى به في فعله. وأما قوله فتجنب الأخذ عنه كثير من أئمة التابعين. فجوابه أن يقال هذا القول من المجازفات التي ليس لها مستند صحيح, والواقع يرد هذه المجازفة فقد روى عن عبد الله بن عمرو ﵄ أكثر من أربعين, منهم ستة من الصحابة ﵃ منهم أنس بن مالك وأبو أمامة بن سهل بن حنيف ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في «تهذيب التهذيب» وقال في «الإِصابة» قال أبو نعيم حدث عنه من الصحابة ابن عمر وأبو أمامة والمسور والسائب

стр. 273

بن يزيد وأبو الطفيل وعدد كثير من التابعين, ثم ذكر الحافظ منهم أربعة عشر وذكر في «تهذيب التهذيب» منهم ستة وثلاثين ثم قال وغيرهم, وفي الذين رووا عنه كثير من كبار التابعين وأئمتهم, وفيما ذكره الحافظ ابن حجر أبلغ رد على مجازفة أبي رية وعلى المؤلف حيث كان يتلقى ترهات أبي رية بالقبول ويشاركه في مجازفاته. وأما قوله وكان يقال له لا تحدثنا عن الزاملتين وقال فيها الخطيب البغدادي ومغيرة ما يسرني أنها لي بفلسين ووضوح ذلك في ص ٩٣ تأويل مختلف الحديث. فجوابه أن يقال هذا مما نقله المؤلف من هامش كتاب أبي رية وقد أساء التصرف في النقل وحرف كلام أبي رية فنقل ما قيل في الصحيفة الصادقة إلى الزاملتين وهذا من جهله وتخبيطه, وهذا نص كلام أبي رية «وكان يقال له لا تحدثنا عن الزاملتين, أما صحيفته التي كان يسميه الصادقة ويحرص عليها فهي أدعية وصلوات كما قال الخطيب البغدادي وقال فيها مغيرة ما تسرني أنها لي بفلسين ص ٩٣ تأويل مختلف الحديث». وأقول أما صحيفة عبد الله بن عمرو ﵄ التي كان يسميها الصادقة فقد ذكرها ابن سعد وابن عبد البر وأبو الحسن ابن الأثير, فأما ابن سعد فقال في «الطبقات» أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي أويس عن سليمان بن بلال عن صفوان بن سليم عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال استأذنت النبي ﷺ في كتابة ما سمعته منه قال فأذن لي فكتبته فكان عبد الله يسمي صحيفته تلك الصادقة رجاله كلهم ثقات من رجال الصحيحين. وقال ابن سعد أيضاً أخبرنا معن بن عيسى قال حدثنا إسحاق بن يحيى عن مجاهد قال رأيت عند عبد الله بن عمرو ﵄ صحيفة فسألته عنها فقال هذه الصادقة فيها ما سمعت من رسول الله ﷺ ليس بيني وبينه فيها أحد. إسحاق بن يحيى ضعيف جداً ولكن رواية صفوان بن سليم تؤيد روايته وتشهد لها بالصحة. وأما ابن عبد البر فروى في كتابه «جامع بيان العلم وفضله» عن ليث عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال «ما يرغبني في الحياة إلا خصلتان الصادقة والوهط فأما الصادقة فصحيفة كتبتها عن رسول الله ﷺ ,

стр. 274

وأما الوهط فأرض تصدق بها عمرو بن العاص كان يقوم عليها». وأما أبو الحسن ابن الأثير فقال في كتابه «أسد الغابة, في معرفة الصحابة ما نصه قال مجاهد أتيت عبد الله بن عمرو فتناولت صحيفة تحت مفرشه فمنعني قلت ما كنت تمنعني شيئاً قال هذه الصادقة فيها ما سمعت من رسول الله ﷺ ليس بيني وبينه أحد, إذا سلمت لي هذه وكتاب الله والوهط فلا أبالي علام كانت عليه الدنيا, قال ابن الأثير والوهط أرض كان يزرعها. وأما قول أبي رية إن الصحيفة الصادقة أدعية وصلوات فهو مردود بقول عبد الله بن عمرو ﵄ أن فيها ما سمعه من النبي ﷺ ليس بينه وبينه أحد, وكذلك ما ذكره ابن قتيبة عن مغيرة أنه قال ما يسرني أنها ليس بفلسين هو مردود بقول عبد الله بن عمرو ﵄, وما أبشع هذا القول من مغيرة إن كان ثابتا عنه وكذلك إيراد ابن قتيبة له في كتابه «تأويل مختلف الحديث» مستبشع أيضاً لما في ذلك من رد الأحاديث التي سمعها عبد الله بن عمرو ﵄ من النبي ﷺ والاستخفاف بشأنها, ولعل مغيرة وابن قتيبة لم يثبت عندهما قول عبد الله بن عمرو ﵄ أن الصحيفة الصادقة فيها ما سمعه من النبي ﷺ وكتبه بإِذنه أو أنهما ظنا أن الصحيفة هي مما أصابه يوم اليرموك من كتب أهل الكتاب فلهذا قال مغيرة ما قال ونقله عنه ابن قتيبة وأقره. وأما قول المؤلف تبعاً لأبي رية إن أبا هريرة ﵁ لم يحفظ القرآن. فجوابه من وجوه أحدها أن يقال لم يسند أبو رية هذا القول إلى مصدر موثوق به, والأحرى أن ذلك من كيسه, وما يدريه قاتله الله أن أبا هريرة ﵁ لم يحفظ القرآن (أعنده علم الغيب فهو يرى) , وقد ذكر ابن كثير في «البداية والنهاية» عن ابن جريح عمن حدثه قال قال أبو هريرة ﵁ إن أجزئ الليل ثلاثة أجزاء فجزءاً لقراءة القرآن وجزءاً أنام فيه وجزءاً أتذكر فيه حديث رسول الله ﷺ , وهذا يدل على أنه كان حافظا للقرآن. الوجه الثاني أن يقال قد ذكر ابن سعد في الطبقات من جمع القرآن من أصحاب رسول الله ﷺ وذكر منهم أبا هريرة, وفي هذا أبلغ رد على المؤلف وأبي رية.

стр. 275

الوجه الثالث أن يقال إن أبا هريرة ﵁ كان من أئمة القراءات وهو من شيوخ الأعرج وأبي جعفر القارئ وهما من شيوخ نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم أحد الأئمة السبعة في القراءات وهو الذي قام بالقراءة بمدينة الرسول ﷺ , ذكر ذلك أبو بكر بن مجاهد في كتاب «السبعة في القراءات» قال وكان عبد الرحمن - يعني ابن هرمز الأعرج - قد قرأ على أبي هريرة وابن عباس ﵄, حدثني أحمد بن محمد بن صدقة قال حدثنا إبراهيم بن محمد بن إسحاق المدني بقورس قال حدثنا عبيد بن ميمون التبان قال قال لي هارون بن المسيب قراءة من تقرأ قال قلت له قراءة نافع بن أبي نعيم قال فعلى من قرأ نافع قال قلت أخبرنا نافع أنه قرأ على الأعرج وأن الأعرج قال قرأت على أبي هريرة ﵁ وقال أبو هريرة قرأت على أبي بن كعب وقال أبي عرض علي رسول الله ﷺ القرآن وقال «أمرني جبريل أن أعرض عليك القرآن» ثم روى ابن مجاهد بإِسناده إلى عاصم بن بهدلة قال قلت للطفيل بن أبي بن كعب إلى أي معنى ذهب أبوك في قول رسول الله ﷺ «أمرت أن أقرأ عليك القرآن» فقال ليقرأ علي فأخذو ألفاظه, وقال محمد بن إسحاق الصنعاني عن أبي عبيد قال معنى هذا الحديث أن يتعلم أبي قراءة رسول الله ﷺ , لا أن رسول الله ﷺ يتعلم قراءة أبي ﵁. ثم قال ابن مجاهد وكان أبو جعفر - يعني يزيد بن القعقاع مولى عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي - لا يتقدمه أحد في عصره أخذ القراءة عن ابن عباس وأبي هريرة ﵄ وعن مولاه عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي, ثم ساق ابن مجاهد بإِسناده إلى سليمان بن مسلم بن جماز الزهري قال سمعت ابا جعفر يحكي لنا قراءة أبي هريرة ﵁ في (إذا الشمس كورت). وفيما ذكره ابن مجاهد عن أبي هريرة ﵁ أبلغ رد على المؤلف وأبي رية لأن أبا هريرة لم يكن ليقرئ القرآن إلا وهو حافظ له. ومما ذكرته في أول هذا الفصل وآخره يتضح أنه قد اجتمع في أبي هريرة ﵁ ثلاث خصال حميدة لا ينالها إلا القليل من الناس, أحدها أنه كان من حفاظ القرآن, الثانية أنه كان من أئمة القراءات, الثالثة أنه كان أحفظ من روى الحديث في عصره, وخصلة رابعة أيضاً لم يتقدم ذكرها وهو أنه كان من أئمة

стр. 276

الفتوى من الصحابة ﵃, قال ابن سعد في الطبقات أخبرنا محمد بن عمر أخبرنا عبد الحميد بن جعفر عن أبيه عن زياد بن ميناء قال كان ابن عباس وابن عمر وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص وجابر بن عبد الله ورافع بن خديج وسلمة بن الأكوع وأبو واقد الليثي وعبد الله بن بحينة مع أشباه لهم من أصحاب رسول الله ﷺ بفتون بالمدينة ويحدثون عن رسول الله ﷺ من لدن توفي عثمان إلى أن توفوا, والذين صارت إليهم الفتوى منهم ابن عباس وابن عمر وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة وجابر بن عبد الله ﵃ انتهى. فليتأمل الشانئون لأبي هريرة ﵁ ما ذكرنا من مناقبه الجليلة وليتقوا الله إن كانوا مسلمين, وليحذروا من العقوبات العاجلة أو الآجلة على بهتهم للصحابة ووقوعهم في أعراضهم, فما العقوبة من الظالمين ببعيد. فصل وقال المؤلف في صفحة (٥٩) وصفحة (٦٠) رأي الصحابة ورجال التخريج في أبي هريرة وكلامه مع عائشة بغير وقار لائق, روى مسلم بن الحجاج عن بسر بن سعد قال اتقوا الله وتحفظوا من الحديث لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة فيحدث عن رسول الله - ص - ويحدث عن كعب الأحبار ثم يقوم فاسمع بعض من كانوا معنا يجعل حديث رسول الله عن كعب وحديث كعب عن رسول الله، وفي رواية يجعل ما قاله كعب عن رسول الله وما قاله رسول الله عن كعب فاتقوا الله وتحفظوا في الحديث. وقال يزيد بن هارون سمعت شعبة يقول أبو هريرة كان يدلس أي يروي ما سمعه من كعب وما سمعه من رسول الله ولا يميز بين هذا من هذا, ذكره ابن عساكر, وكأن شعبة يشير إلى حديث «من أصبح جنباً فلا صيام له» فإِنه لما حوقق عليه قال أخبرني مخبر ولم أسمعه من رسول الله (ص ١٠٩ جـ ٨ البداية والنهاية لابن كثير, وقال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث وكان أبو هريرة يقول قال رسول الله - ص - كذا وإنما سمعه من الثقة فحكاه (ص ٥٠ تأويل مختلف الحديث) , وقال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث ص ٤٨ إنه لما أتى أبو هريرة من الرواية عن رسول الله ما لم يأت بمثله من صحبه من جلة أصحابه الأولون وأنكروا عليه وقالوا كيف سمعت هذا وحدك ومن سمعه معك

стр. 277

وكانت عائشة أشدهم إنكاراً عليه لتطاول الأيام به, وممن اتهم أبا هريرة بالكذب عمر وعثمان وعلي وغيرهم - كما قال الكاتب الإِسلامي الكبير مصطفى صادق الرافعي إنه أول راوية اتهم في الإِسلام (ص ٢٧٨ تاريخ آداب العرب) للأديب الرافعي, ولما قالت عائشة إنك لتحدث حديثاً ما سمعته من النبي - ص - أجابها بجواب لا أدب فيه ولا وقار إذ قال لها كما رواه ابن سعد والنجار وابن كثير وغيرهم شغلك عنه - ص - المرآة والمكحلة, وفي رواية ما كانت تشغلني عنه المكحلة والخضاب ولكن أرى ذلك شغلك عنه ثم عاد بعد ذلك واعترف بأنها أعلم منه في حديث «من أصبح جنباً لا صيام له» عندما واجهته بأن النبي - ص - كان يصبح جنبا وهو صائم فتراجع وقال إنه سمعه من الفضل وكان الفضل بن عباس قد مات, وقصة ذلك في صفحة ٢٨ من تأويل مختلف الحديث, ولما روى حديث «إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يضعها في الإِناء فإِن أحدكم لا يدري أين باتت يده» لم تأخذ به وقالت كيف نصنع بالمهراس, والمهراس صخر ضخم منقور لا يحمله الرجال ولا يحركونه يملؤنه ماءاً ويتطهرون منه ولما سمع الزبير بن العوام أحاديثه قال صدق كذب (١٠٩ جـ البداية والنهاية) وأنكر عليه ابن مسعود قوله من غسل ميتاً ومن حمله فليتوضأ وقال فيه قولا شديداً ثم قال يا أيها الناس لا تنجسوا من موتاكم (ص ٢٥ جـ٢ جامع بيان العلمي). والجواب أن يقال هذا مما نقله المؤلف من كتاب أبي رية وغير فيه بعض الكلمات. فمن ذلك قوله «بسر بن سعد» وصوابه «بسر بن سعيد» ومنها قوله «بعض من كانوا» وصوابه «بعض من كان» ومنها قوله «ولا يميز بين هذا من هذا» وصوابه «ولا يميز هذا من هذا» ومنها قوله «قال أخبرني مخبر» وصوابه «قال أخبرنيه مخبر» ومن ذلك قوله «وإنما سمعه من الثقة فحكاه» وصوابه «وإنما سمعه من الثقة عنده فحكاه» ومنها قوله «من جلة أصحابه الأولون» وصوابه «من جلة أصحابه والسابقين الأولين» ومن ذلك قوله «لتطاول الأيام به» وصوابه «لتطاول الأيام بها وبه» ومن ذلك قوله «والنجار» وصوابه «والبخاري» ومن ذلك قوله «جامع بيان العلمي» وصوابه «جامع بيان العلم». والكلام على ما في أول هذا الفصل من وجهين أحدهما أن يقال لم يثبت عن

стр. 278

أحد الصحابة ﵃ ولا عن أحد من التابعين ولا عن أحد من أئمة الجرح والتعديل أنه تكلم في أبي هريرة ﵁ بما يقدح فيه. وقد ذكرت قريبا ثناء بعض الأكابر من الصحابة عليه وشهادتهم بحفظه وكذلك ثناء كثير من أكابر العلماء عليه وشهادتهم بحفظه, وقول شيخ الإِسلام أبي العباس ابن تيمية وابن القيم أنه حافظ الأمة على الإِطلاق, وقول الشافعي وغيره أنه أحفظ من روى الحديث في دهره وأنه أحفظ الصحابة فليراجع ذلك (١). وقال شيخ الإِسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في جواب له إن الصحابة كلهم كانوا يأخذون بحديث أبي هريرة كعمر وابن عمر وابن عباس وعائشة, ومن تأمل كتب الحديث عرف ذلك, قال ولم يطعن أحد من الصحابة في شيء رواه أبو هريرة بحيث قال إنه أخطأ في هذا الحديث لا عمر ولا غيره, بل كان لأبي هريرة مجلس إلى حجرة عائشة فيحدث ويقول يا صاحبة الحجرة هل تنكرين مما أقول شيئاً فلما قضت عائشة صلاتها لم تنكر مما رواه لكن قالت إن رسول الله ﷺ لم يكن يسرد الحديث كسردكم ولكن كان يحدث حديثا لو عده العاد لحفظه, فأنكرت صفة الأداء لا ما أداه, وكذلك ابن عمر قيل له هل تنكر مما يحدث أبو هريرة شيئاً فقال لا ولكن اجترأ وجبنا فقال أبو هريرة ما ذنبي إن كنت حفظت ونسوا, وكانوا يستعظمون كثرة روايته حتى يقول بعضهم أكثر أبو هريرة حتى قال أبو هريرة الناس يقولون أكثر أبو هريرة والله الموعد - ثم ذكر الحديث وقد تقدم ذكره (٢) - قال وكان عمر بن الخطاب يستدعي الحديث من أبي هريرة ويسأله عنه ولم ينهه عن رواية ما يحتاج إليه من العلم الذي سمعه من النبي ﷺ ولا توعده على ذلك ولكن كان عمر يحب التثبت في الرواية حتى لا يجترئ الناس فيزاد في الحديث انتهى من الجزء الرابع من مجموع الفتاوى صفحة ٥٣٥ - ٥٣٦. الوجه الثاني أن أقول قد ذكرت في أثناء الفصل الذي قبل هذا الفصل ما ذكره الحاكم في المستدرك عن الإِمام محمد بن إسحاق بن خزيمة أنه قال إنما يتكلم في أبي هريرة لدفع أخباره من قد أعمى الله قلوبهم فلا يفهمون معاني الأخبار وهم إما معطل جهمي وإما خارجي أو قدري أو جاهل مقلد بلا حجة ولا برهان, وذكرت أيضاً

стр. 279

ما ذكره الحاكم من رواية أكابر الصحابة ﵃ عن أبي هريرة ﵁ وأنه قد بلغ عدد من روى عنه من الصحابة ثمانية وعشرين رجلاً, وذكرت قبل ذلك قول البخاري أنه روى عنه نحو الثمانمائة من أهل العلم فليراجع (١) ما تقدم ذكره ففيه أبلغ رد على المؤلف وأبي رية وغيرهما من المتنطعين الذين يتكلمون في أبي هريرة ﵁ ويتنقصونه ويطعنون في روايته. وأما قول بسر بن سعيد الذي رواه مسلم فإِنما رواه في كتاب التمييز وكان ينبغي لمن أورده أن ينبه على ذلك لئلا يتوهم أحد أنه في الصحيح, وإذا كان بعض المغفلين الذين ليسوا من أهل الحفظ والإِتقان والعناية بالعلم يحضرون مجلس أبي هريرة ﵁ فيقع منهم الغلط فيما سمعوه ولا يميزون بين ما رواه عن النبي ﷺ وما رواه عن غير النبي ﷺ فأي ذنب لأبي هريرة ﵁ في هذا حتى يجعل المؤلف وأبو رية ذلك من معائبه وإنما الذنب لغيره وقد قال الله تعالى (ولا تزر وازرة وزر أخرى). وأما قوله وقال يزيد بن هارون سمعت شعبة يقول أبو هريرة كان يدلس أي يروي ما سمعه من كعب وما سمعه من رسول الله ولا يميز بين هذا وهذا, ذكره ابن عساكر. فجوابه أن يقال يبعد كل البعد أن يقول شعبة هذا القول الباطل في أبي هريرة ﵁, ولا يبعد أن يكون ذلك من أكاذيب أعداء السنة الذين يختلقون المعائب لأبي هريرة ﵁ ثم ينسبونها إلى بعض أكابر العلماء. وقد قال العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي في كتابه «الأنوار الكاشفة» هي حكاية شاذة لا أدري كيف سندها إلى يزيد ويقع في ظني إن كان السند صحيحاً أنه وقع فيه تحريف فقد يكون الأصل «أبو حرة» فتحرفت على بعضهم فقرأها «أبو هريرة» وأبو حرة معروف بالتدليس كما تراه في طبقات المدلسين لابن حجر ص ١٧ وقوله «أي يروي ...» أراه من قول ابن عساكر بناه على قصة بسر السابقة, فقوله لا يميز هذا من هذا» يعني لا يفصل بين قوله قال النبي ﷺ ...» وقوله زعم كعب .......» مثلاً بفصل طويل حتى يؤمن أو يقل الالتباس على ضعفاء الضبط, وتسمية هذا تدليساً غريب فلذلك قال ابن كثير وحكاه

стр. 280

أبو رية «وكأن شعبة يشير بهذا إلى حديث «من أصبح جنباً فلا صيام له» فإِنه لما حوقق عليه قال أخبرنيه مخبر ولم أسمعه من رسول الله ﷺ . أقول يعني أنه قال أولاً قال رسول الله ﷺ ...» مع أنه إنما سمعه من بعض الصحابة عن النبي ﷺ , وهذا هو إرسال الصحابي الذي تقدم أنه ليس بتدليس ولكنه على صورته والله أعلم انتهى كلام المعلمي ﵀. وأما قوله وقال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث وكان أبو هريرة يقول قال رسول الله - ص - كذا وإنما سمعه من الثقة فحكاه. فجوابه أن يقال في تتمة كلام ابن قتيبة ما يرد على المؤلف وأبي رية وهو قوله, وكذلك كان ابن عباس يفعل وغيره من الصحابة وليس في هذا كذب بحمد الله ولا على قائله - إن لم يفهمه السامع جناح إن شاء الله انتهى. ولما كان مراد المؤلف وأبي رية ابتغاء العيوب لأبي هريرة ﵁ نقلا بعض كلام ابن قتيبة وتركا بعضه لأنهما لو ساقاه بتمامه لما حصل مقصودهما الخبيث من الطعن في أبي هريرة وفي أحاديثه, وقد قال عبد الرحمن بن مهدي أهل السنة يكتبون ما لهم وما عليهم وأهل البدعة يكتبون ما لهم ولا يكتبون ما عليهم. ولا خلاف أن الصحابة كلهم عدول قال النووي في خطبة شرح مسلم كلهم مقطوع بعدالتهم عند من يعتد به من علماء المسلمين انتهى. فإِذا روى بعض الصحابة عن بعض عن النبي ﷺ ولم يذكر الواسطة بينه وبين النبي ﷺ فهو مرسل صحابي وهو مقبول بالاتفاق. ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في فتح الباري في الباب الرابع من كتاب العلم وقرر صحة الاحتجاج بمراسيل الصحابة ﵃, وفي هذا رد على من طعن على أحد من الصحابة بالإِرسال كما فعل المؤلف وأبو رية في طعنهما على أبي هريرة ﵁ بالإرسال. وأما قوله وقال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث أنه لما أتى أبو هريرة من الرواية عن رسول الله ما لم يأت بمثله من صحبه من جلة أصحابه الأولون وأنكروا عليه وقالوا كيف سمعت هذا وحدك ومن سمعه معك وكانت عائشة أشدهم إنكاراً عليه لتطاول الأيام بها وبه.

стр. 281

فجوابه أن يقال هكذا قال المؤلف «الأولون» وصوابه «الأولين» وقد تقدم التنبيه على ذلك في أول الفصل, وقد اقتصر المؤلف تبعاً لأبي رية على هذه القطعة من كلام ابن قتيبة لأن غاية قصدهما سب أبي هريرة ﵁ وإلصاق العيوب به. وقد أجاب ابن قتيبة عن ذلك بقوله فلما أخبرهم أبو هريرة بأنه كان ألزمهم لرسول الله ﷺ لخدمته وشبع بطنه وكان فقيراً معدماً وأنه لم يكن ليشغله عن رسول الله ﷺ غرس الودي ولا الصفق بالأسواق, يعرض أنهم كانوا يتصرفون في التجارات ويلزمون الضياع في أكثر الأوقات وهو ملازم له لا يفارقه فعرف ما لم يعرفوا وحفظ ما لم يحفظوا - أمسكوا عنه انتهى. ولم يثبت عن أحد من الصحابة ﵃ أنه أنكر على أبي هريرة ﵁ كثرة الرواية إلا ابن عمر وعائشة ﵄. وقد تقدم ذكر ذلك في الفصل الذي قبل هذا الفصل وفيه أن ابن عمر ﵄ قال أكثر أبو هريرة على نفسه فقيل له هل تنكر شيئاً مما يقول قال لا, وتقدم أيضاً عن ابن عمر ﵄ أنه اعترف لأبي هريرة ﵁ بأنه كان ألزمهم لرسول الله ﷺ وأعلمهم بحديثه, وتقدم عن عائشة ﵂ أنها قالت لأبي هريرة ﵁ أكثرت الحديث عن رسول الله ﷺ فقال إنه والله ما كانت تشغلني عنه المكحلة والخضاب ولكن أرى ذلك شغلك عما استكثرت من حديثي قالت لعله. وفي رواية أن أبا هريرة ﵁ لما قال لعائشة ﵂ يا أماه إنه كان يشغلك عن رسول الله ﷺ المرآة والمكحلة والتصنع لرسول الله ﷺ وإني والله ما كان يشغلني عنه شيء. فسكتت. وهذا يدل على إقرارها لأبي هريرة ﵁ بالحفظ. قال العلامة المحقق عبد الرحمن بن يحيى المعلمي في كتابه «الأنوار الكاشفة» إن أبا هريرة كان شديد التواضع, وعائشة معروفة بالصرامة وقوة العارضة فجوابه يدل على قوة إدلاله بصدقه ووثوقه بحفظه, ولو كان عنده أدنى تردد في صدقه وحفظه لاجتهد في الملاطفة فإِن المريب جبان, وسكوت عائشة بل قولها «لعله» أي لعل الأمر كما ذكرت يا أبا هريرة يدل دلالة واضحة أنه لم يكن عندها ما يقتضي اتهام أبي هريرة, هذا وحجة أبي هريرة واضحة فإِن عائشة لم تكن ملازمة للنبي ﷺ بل انفردت عن الرجال بصحبته ﷺ في الخلوة, وقد انفردت

стр. 282

بأحاديث كثيرة تتعلق بالخلوة وغيرها فلم ينكرها عليها أحد ولم يقل أحد - ولا ينبغي أن يقول - إن سائر أمهات المؤمنين قد كان لهن من الخلوة بالنبي ﷺ مثل ما لها فما بال الرواية عنهن قليلة جداً بالنسبة إلى رواية عائشة انتهى. وأما قوله وممن اتهم أبا هريرة بالكذب عمر وعثمان وعلي وغيرهم. فجوابه من وجهين أحدهما أن يقال هذا من أكاذيب النظام ذكر ذلك ابن قتيبة في كتابه «تأويل مختلف الحديث» وقد نقل ذلك أبو رية في كتابه الذي هو ظلمات بعضها فوق بعض ورد عليه العلامة المحقق عبد الرحمن بن يحيى المعلمي في كتابه «الأنوار الكاشفة» فقال هذا أخذه من كتاب ابن قتيبة وإنما حكاه ابن قتيبة عن النظام بعد أن قال ابن قتيبة «وجدنا النظام شاطراً من الشطار يغدو على سكر ويروح على سكر ويبيت على جرائرها ويدخل في الأدناس ويرتكب الفواحش والشائنات, ثم ذكر أشياء من آراء النظام المخالفة للعقل وللإجماع وطعنه على أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وحذيفة, فمن كان بهذه المثابة كيف يقبل نقله بلا سند, ومن الممتنع أن يكون وقع من عمر وعثمان وعلي وعائشة أو واحد منهم رمي لأبي هريرة بتعمد الكذب أو اتهام به ثم لا يشتهر ذلك ولا ينقل إلا بدعاوي من ليس بثقة ممن يعادي السنة والصحابة كالنظام وبعض الرافضة, وقد تقدم ثناء بعض الصحابة على أبي هريرة وسماع كثير منهم منه وروايتهم عنه, وأطبق أئمة التابعين من أبناء أولئك الأربعة وأقاربهم وتلاميذهم على تعظيم أبي هريرة والرواية عنه والاحتجاج بأخباره, وعند أهل البدع من المعتزلة والجهمية والرافضة والناصبة حكايات معضلة مثل هذه الحكاية تتضمن الطعن القبيح في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعائشة وغيرهم وفي كثير منها ما هو طعن في النبي ﷺ , والحكم في ذلك واحد وهو تكذيب تلك الحكايات البتة انتهى. الوجه الثاني أن يقال إن عمر ﵁ قد استعمل أبا هريرة على البحرين ثم عزله ثم أراده على العمل فأبى قال عبد الرزاق حدثنا معمر عن أيوب عن ابن سيرين أن عمر استعمل أبا هريرة على البحرين فقدم بعشرة آلاف فقال له عمر استأثرت بهذه الأموال أي عدو الله وعدو كتابه فقال أبو هريرة لست بعدو الله ولا عدو كتابه ولكن عدو من عاداهما فقال فمن أين هي لك قال خيل نتجت وغلة رقيق لي وأعطية تتابعت علي فنظروا فوجدوه كما قال فلما كان بعد ذلك دعاه عمر ليستعمله

стр. 283

فأبى أن يعمل له فقال له تكره العمل وقد طلبه من كان خيراً منك طلبه يوسف ﵇ فقال إن يوسف نبي ابن نبي ابن نبي ابن نبي وأنا أبو هريرة ابن أميمة وأخشى ثلاثاً واثنتين قال عمر فهلا قلت خمساً قال أخشى أن أقول بغير علم وأقضي بغير حلم أو يضرب ظهري وينزع مالي ويشتم عرضي. وفي استعمال عمر ﵁ لأبي هريرة ﵁ أبلغ رد على من زعم أن عمر وعثمان وعلياً ﵃ اتهموا أبا هريرة ﵁ بالكذب لأنه لو كان متهماً عند عمر ﵁ لما استعمله فإِنه لم يكن متساهلاً في أمر الولاة بل كان بغاية الحزم والتدقيق عليهم ولم يكن يولي أحداً من المتهمين بالكذب ولو كان أبو هريرة ﵁ متهماً بالكذب عند عثمان وعلي وغيرهما من الصحابة ﵃ لكانوا ينكرون توليته ويتكلمون فيه عند عمر ﵁, ولما لم يوجد منهم إنكار لتوليته دل ذلك على أنه لم يكن متهماً عندهم. وأما قول مصطفى الرافعي في أبي هريرة ﵁ أنه أول راوية اتهم في الإِسلام. فجوابه من وجهين أحدهما أن يقال هذه كلمة بشعة جداً وهي تنم عما في قلب قائلها من الغيظ على أبي هريرة ﵁ والبغض له, وقد تقدم في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ دعا لأبي هريرة وأمه أن يحببهما الله إلى عباده المؤمنين ودعاء النبي ﷺ مستجاب بلا شك, ويستفاد من هذا الحديث أنه لا يبغض أبا هريرة ﵁ أحد في قلبه إيمان. الوجه الثاني أن يقال إنما يتهم أبا هريرة ﵁ من أعمى الله قلوبهم من الخوارج والروافض والقدرية والمعتزلة والجهمية ومن يقلدهم ويأخذ بأقوالهم من المتقدمين والمتأخرين. ومنهم مصطفى الرافعي وأبو رية والمؤلف وكثيرون سواهم من شرار العصريين الذين قد جعلوا أبا هريرة ﵁ غرضاً للطعن والتنقص, وقد تقدم قريباً كلام ابن خزيمة في ذم المتكلمين في أبي هريرة ﵁ وأنه لم يتكلم فيه إلا أهل البدع وأتباعهم فليراجع (١). فأما أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة العلم والهدى فلم

стр. 284

يثبت عن أحد منهم أنه اتهم أبا هريرة ﵁. وقد تقدمت الآثار عن بعض الصحابة ﵃ في الثناء على أبي هريرة ﵁ ووصفه بالحفظ وفيها أبلغ رد على من زعم أنه أول راوية اتهم في الإِسلام (١). وأما قوله ولما قالت عائشة إنك لتحدث حديثاً ما سمعته من النبي - ص - أجابها بجواب لا أدب فيه ولا وقار إذ قال لها كما رواه ابن سعد والنجار «صوابه البخاري» وابن كثير وغيرهم شغلك عنه - ص - المرآة والمكحلة, وفي رواية ما كانت تشغلني عنه المكحلة والخضاب ولكن أرى ذلك شغلك عنه. فجوابه من وجهين أحدهما أن يقال ليس في جواب أبي هريرة ﵁ لعائشة ﵂ ما يخل بالأدب والوقار إذ ليس فيه بذاء ولا فحش وليس في ذكر اشتغال المرأة بالمرآة والمكحلة والخضاب ما تستحي منه المرأة وتخجل من ذكره حتى يقول المبطلون إن ذكر أبي هريرة ﵁ لذلك لا أدب فيه ولا وقار. وقد تقدم في أثناء الفصل الذي قبل هذا الفصل أن أبا هريرة ﵁ لما قال لعائشة ﵂ إنه والله ما كانت تشغلني عن النبي ﷺ المكحلة والخضاب ولكن أرى ذلك شغلك عما استكثرت من حديثي قالت لعله - أي لعل الأمر كما ذكرت يا أبا هريرة - وفي رواية أنها سكتت, وهذا يدل على أنها لم تر فيما قاله أبو هريرة ﵁ بأسا. ولو كان في كلامه ما يخل بالأدب والوقار لأنكرت ذلك عائشة فإِنها كانت معروفة بالصرامة وقوة العارضة. الوجه الثاني أن يقال إن سوء الأدب وعدم الوقار في الحقيقة هما في مكابرة المؤلف وأبي رية في رد الحديث الصحيح الدال على تفضيل عائشة ﵂ على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام, وقد زعما أن هذا الحديث موضوع مع أنه ثابت في الصحيحين من حديث أنس ابن مالك ﵁, ومروي أيضاً في غير الصحيحين عن أنس بن مالك وأبي موسى وعائشة وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وقرة بن إياس المزني ﵃, وأسانيد هذه الأحاديث ما بين صحيح وحسن, وقد تقدم إبرادها في أثناء الكتاب فلتراجع (٢) ففيها أبلغ رد على المؤلف وأبي رية.

стр. 285

وقد جمع المؤلف وأبو رية بين سوء الأدب على رسول الله ﷺ وسوء الأدب على عائشة ﵂, فأما سوء أدبهما على النبي ﷺ فيتجلى ذلك في رد الحديث الثابت عنه ﷺ وقلة المبالاة به, وأما سوء أدبهما على عائشة ﵂ فيتجلى ذلك في إنكار ما خصها الله به من التفضيل على النساء. وأما قوله ثم عاد بعد ذلك واعترف بأنها أعلم منه في حديث «من أصبح جنبا لا صيام له» عندما واجهته بأن النبي - ص - كان يصبح جنبا وهو صائم فتراجع وقال إنه سمعه من الفضل وكان الفضل بن عباس قد مات, وقصة ذلك في صفحة ٢٨ من تأويل الحديث. فجوابه من وجوه أحدها أن يقال هذا من أقوال النظام التي طعن بها على أبي هريرة ﵁ ذكر ذلك ابن قتيبة في كتابه «تأويل مختلف الحديث» وقد نقل أبو رية كلام النظام من كتاب ابن قتيبة ولم يذكر أنه من كلام النظام فأوهم من لا علم لهم أنه من كلام ابن قتيبة وقد نقله المؤلف من كتاب أبي رية واختصره وغير فيه بعض الكلمات ولم يذكر أنه من أقوال النظام. وفي هذا أوضح دليل على أنه لا أمانة لأبي رية ولا للمؤلف, وقد ذكر ابن قتيبة قبل هذا الكلام أقوالاً للنظام يطعن بها على أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وحذيفة وأبي هريرة ﵃, وقد رد عليه ابن قتيبة فقال, هذا قوله في جلة أصحاب رسول الله ﷺ ورضي عنهم كأنه لم يسمع بقول الله في كتابه الكريم (محمد رسول الله والذين معه) إلى آخر السورة. قلت وفي آخر الآية وهو قوله تعالى (ليغيظ بهم الكفار) أوضح دليل على كفر من يغتاظ من أصحاب رسول الله ﷺ , وقد تقدم عن الإِمام مالك أنه قال من أصبح وفي قلبه غيظ على أصحاب رسول الله ﷺ فقد أصابته هذه الآية, ومن تأمل أقوال النظام في الطعن على أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وحذيفة وأبي هريرة ﵃ لم يشك أنها فيض مما في قلبه من الغيظ على أصحاب رسول الله ﷺ فالله يجازيه على ذلك بعدله. ثم قال ابن قتيبة ولم يسمع بقوله تعالى (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم) ولو كان ما ذكرهم به
следующие страницы →