← Тараджим

Тараджим · id 17349

التاج المكلل من جواهر مآثر الطراز الآخر والأول

صديق حسن خان

Полный текст (544 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

أبي القاسم علي بن أحمد بن ريان، وغيره، وسكن بعد وفاة أبيه بهمدان. وكان يقدم بغداد للحج، فحدث بها أكثر سماعاته، وسمع منه الوزير أبو المظفر يحيى بن هبيرة، وغيره. وكان مولده بالري سنة ٤٨١، وتوفي سنة ٥٦٦ بهمدان. والقيسراني: نسبة إلى قيسرية، وهي بُليدة بالشام على ساحل البحر، وهي الآن بيد الفرنج - خذلهم الله تعالى -. قلت: ثم استنقذها من أيديهم الملكُ الظاهر ركنُ الدين بيبرس الصالحيُّ في شهور سنة ٦٦٣، وخربها، وهي الآن خراب. ٩٦ - أبو عبد الله، محمدُ بنُ يحيى بن مَنْدَهْ، العبديُّ، الحافظُ المشهورُ صاحبُ كتاب "تاريخ أصبهان ". كان أحد الحفاظ الثقات، وهم أهل بيت كبير؛ خرج منه جماعة من العلماء ولم يكونوا عبديين، وإنما أمُّ الحافظ أبي عبد الله المذكور، واسمها برة بنت محمد، كانت من بني عبد ياليل، فنسب إلى أخواله، ذكر ذلك الحافظ أبو موسى الأصبهاني في كتاب "زيادات الأنساب"، واستوفى رفع نسبها هناك. قال ابن خلكان: فأَضربتُ عن ذكره لطوله، وكذلك ذكره الحازمي في كتاب "العجالة"، لكنه لم يرفع في نسبها، توفي الحافظ المذكور في سنة ٣٠١. ومنده: - بفتح الميم والدال المهملة بينهما نون ساكنة وفي الآخر هاء ساكنة أيضًا -. ٩٧ - أبو عبد الله، محمدُ بنُ يوسفِ بنِ مطرِ بنِ صالحِ بنِ بشرِ "الفربري" رح . راويةُ "صحيح البخاري" عنه، رحل إليه الناس، وسمعوا منه هذا الكتاب. ولد في سنة ٢٣١، وتوفي ثالث شوال سنة ٣٢٠. ونسبته إلى فَرَبْر - بفتح الفاء والراء وسكون الباء الموحدة وفي آخرها راء ثانية -، وهي بلدة على طرف جيحون مما يلي بخارى، وهو آخر من روى "الجامع الصحيح" عن البخاري - رحمه الله تعالى -.

стр. 107

٩٨ - أبو عبد الله، محمدُ بنُ الفضلِ بنِ أحمدَ بنِ محمدِ بنِ أحمدَ الصاعديُّ، الفَراوِيُّ، النيسابوريُّ . كان فقيهًا محدثًا مفتيًا مناظرًا واعظًا، وكان يحمل الطعام إلى المسافرين الواردين عليه، ويخدمهم بنفسه مع كبر سنه. سمع "صحيح مسلم" من عبد الغافر الفارسي، و"صحيح البخاري" من سعيد بن أبي سعيد، وسمع من الشيخ إسحق الشيرازي، والحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، وأبي القاسم القشيري، وإمام الحرمين. وتفرد برواية عدة كتب للحافظ البيهقي، مثل "دلائل النبوة"، و"الأسماء والصفات"، و"البعث والنشور"، و"الدعوات الكبيرة"، و"الصغيرة"، وكان يقال في حقه: الفراوي ألف راوي. ولد سنة ٤٤١ أو ٤٤٢ بنيسابور، وسمع الحديث سنة ٤٧، وتوفي سنة ٥٣٠. والفَراوي: نسبة إلى فَراوة، وهي بليدة مما يلي خُوارزم، يقال لها: رباط فراوة، بناها عبد الله بن طاهر في خلافة المأمون، وهو يومئذ أمير خراسان. ٩٩ - أبو بكر، محمد بنُ الحسينِ بنِ عبدِ الله، الآجُرِّيُّ، الفقيهُ، المحدِّث، الشافعيُّ، صاحب كتاب "الأربعين حديثًا"، وهي مشهورة به . وكان صالحًا عابدًا، وروى عن أبي مسلم الكُجِّي، وأبي شعيب الحَرَّاني، وأحمدَ بن يحيى الحُلْواني، وخلق كثير من أقرانِهم، ذكره محمد بن إسحق النديم في كتابه الذي سماه "الفهرست"، وصنف في الفقه والحديث كثيرًا. وذكره الحافظ الخطيب البغدادي في "تاريخه"، وكان ثقة صدوقًا دينًا، وله تصانيف كثيرة، وحدَّث ببغداد، ثم انتقل إلى مكة، فسكنها حتى توفي بها. وروى عنه جماعة من الحفاظ، منهم: أبو نعيم الأصبهاني صاحب كتاب "حلية الأولياء"، وغيره. قال ابن خلكان: وأخبرني بعض العلماء: أنه لما دخل مكة - حرسها الله

стр. 108

تعالى -، أعجبته، فقال: اللهمَّ ارزقني الإقامة بها سنة، فسمع هاتفًا يقول له: بل ثلاثين سنة، فعاش بعد ذلك ثلاثين سنة؛ ثم مات بها في المحرم سنة ستين وثلاث مئة. قال الخطيب: قرأت ذلك على بلاطة قبره بمكة. والآجري - بفتح الهمزة الممدودة وضم الجيم وتشديد الراء -: هذه النسبة إلى الآجُرّ، ولا أعلم لأي معنًى نُسب إليه. قال ابن خلكان: ورأيت حاشية على كتاب "الصلة" صورتها: الإمام أبو بكر الآجري نسب إلى قرية من قرى بغداد، يقال لها: آجر، واستوطن مكة - حرسها الله تعالى -. وتوفي بها أول يوم من المحرم سنة ستين وثلاث مئة - رحمه الله تعالى -. ١٠٠ - أبو الفضل، محمدُ بنُ ناصرِ بنِ محمدِ بنِ عليِّ بنِ عمرَ، البغداديُّ، الحافظُ، الأديبُ، المعروفُ بالسلامي . كان حافظ بغداد في وقته، وكان له حظ وافر من الأدب، وأخذ الأدب عن الخطيب أبي زكريا التبريزي، وخطُّه في غاية الصحة والإتقان، وكان كثير البحث عن الفوائد وإثباتها، روى عنه الأئمة فأكثروا، وأخذ عنه علماء عصره، منهم: الحافظ أبو الفرج بن الجوزي، وأكثرُ روايته عنه، وذكره الحافظ أبو سعد بن السمعاني في كتبه. ولد سنة سبع وستين وأربع مئة، وتوفي سنة ٥٥٠ ببغداد، وأُخرج من الغد، وصُلِّي عليه بالقرب من جامع السلطان ثلاث مرات، وعُبر به إلى جامع المنصور، فصلُّي عليه، ثم إلى الحربية، وصلي عليه، ودُفن بباب حرب. والسلامي: نسبة إلى مدينة السلام "بغداد". قال ابن السمعاني؛ كذا كان يكتب لنفسه "السلامي" - يعني: الحافظ المذكور -. ١٠١ - أبو بكر، محمدُ بنُ أبي عثمانَ بنِ موسى الحازميُّ، الهمذانيُّ، الملقبُ: زين الدين . أحدُ الحفاظ المتقِنين، وعبادِ الله الصالحين. حفظ القرآن، وحضر بهمدان

стр. 109

أبا الوقت عبدَ الأول السجزيَّ، وسمع بها من أبي المنصور شهردار بن شيرويه الديلمي، وأبي زرعة طاهر بن محمد المقدسيِّ، وأبي العلاء الحسن بنِ أحمدَ الحافظِ، وجماعة كثيرة، وتفقه وسمع الحديث ببغداد من أبي الحسين عبد الحق، وأبي نصر عبد الرحيم، وأبي الفتح عبيد الله، وغيرهم. ثم عني بنفسه، فارتحل في طلبه إلى عدة بلاد من العراق، ثم إلى الشام والموصل، وبلاد فارس وأصبهان وهمدان، وكثير من بلاد آذربيجان، وكتب عن أكثر شيوخ هذه البلاد. وغلب عليه الحديث، وبرع فيه، واشتهر به، وصنف فيه وفي غيره كتبًا مفيدة، منها: "الناسخ والمنسوخ" في الحديث، وكتاب "الفيصل في مشتبه النسبة"، وكتاب "سلسلة الذهب فيما رواه الإمام أحمد بن حنبل عن الإمام الشافعي"، و"شروط الأئمة"، وغير ذلك. واستوطن بغداد، ولم يزل مواظب الخير إلى أن اخترمته المنية وغصنُ شبابه نضير، وذلك في ليلة الاثنين الثامن والعشرين من جمادى الأولى سنة ٥٨٤ بمدينة بغداد، ودفن مقابل قبر الجُنيد ﵁، بعد أن صلى عليه خلق كثير، وفرق كتبه على أصحاب الحديث. وكانت ولادته في سنة ثمان أو تسع وأربعين وخمس مئة بطريق همدان، وحمل إليها، ونشأ بها - رحمه الله تعالى -. والحازمي: نسبة إلى جده حازم. ١٠٢ - أبو بكر، محمدُ بنُ الحسن بن زيادِ بنِ هارونَ بنِ جعفرٍ المقرىء، المعروفُ بالنقاش، الموصليُّ الأصل، البغداديُّ المولد والمنشأ . كان عالمًا بالقرآن والتفسير، وسافر الكثير شرقًا وغربًا وسمع بالكوفة والبصرة ومكة ومصر والشام والجزيرة والموصل والجبال وخراسان وما وراء النهر، وفي حديثه مناكير بأسانيد مشهورة، وذُكر النقاشُ عند طلحة بن محمد بن جعفر، فقال: كان يكذب في الحديث، والغالب عليه القصص، وروى عن جماعة من جلة العلماء، وروا عنه. قال البرقاني: كل حديث النقاش مناكير، وليس في تفسيره حديث صحيح.

стр. 110

ولد سنة ٢٦٥، وتوفي سنة ٣٥١. والنقاش: مَنْ ينقش السقوف والحيطان وغيرها، وكان أبو بكر المذكور في مبدأ أمره يتعاطى هذه الصنعة، فعرف بها. ١٠٣ - أبو العباس محمدُ بنَ صبح مولى بنى عِجْل المعروف بابن السماك، القاصُّ الكوفيُّ، الزاهدُ المشهورُ . لقي جماعة من الصدر الأول، وأخذ عنهم؛ مثل: هشام بن عروة، والأعمش، وغيرهما، وروى عنه أحمد بن حنبل وأنظاره. ومن كلامه: خَفِ الله كأنك لم تُطعه، وارجُ الله كأنك لم تَعصه. ودخل على بعض الأمراء يشفع إليه في رجل، فقال له: إني أتيتك في حاجة، وإن الطالب والمطلوب منه عزيزان، إن قضيت الحاجة ذليلان، إن لم تقضها فاختر لنفسك: عزَّ البذل على ذل المنع، واختر لي عزَّ النجح على ذلِّ الرد، فقضى حاجته. ومن كلامه: من جرعته الدنيا حلاوتها بميله إليها، جرعته الآخرة مرارتَها بتجافيها عنه. توفي سنة ١٨٣ بالكوفة. والسماك - بالميم المشددة -: نسبة إلى بيع السمك، وصيده. ١٠٤ - أبو بكر، محمدُ بنُ أبي محمدٍ القاسمِ بنِ محمدِ بنِ بشارِ بنِ الحسنِ، الأنباريُّ النحويُّ . كان علامة وقته في الأدب، وأكثر الناس حفظًا له، وكان صدوقًا، ثقة، دَيِّنًا، خيرًا، من أهل السنة، صنف كتبًا كثيرة. قال أبو علي القالي: كان أبو بكر الأنباري يحفظ فيما ذكر ثلاثَ مئة ألف بيت شاهد في القرآن الكريم، وقيل: إنه كان يحفظ مئة وعشرين تفسيرًا للقرآن بأسانيدها، وكتابه "غريب الحديث" قيل: خمسة وأربعون ألف ورقة. ولد سنة إحدى وسبعين ومئتين، وتوفي سنة سبع وعشرين وثلاث مئة ﵀.

стр. 111

١٠٥ - أبو عبد الله، محمدُ بنُ عمرَ بنِ واقدٍ، الواقديُّ، المدنيُّ، مولى بني هشام . كان إمامًا عالمًا؛ له التصانيف في المغازي وغيرها. سمع من أبي ذئب، ومعمر بن راشد، ومالك بن أنس، والثوريِّ، وغيرهم، وروى عنه كتابه: محمدُ بن سعد، وتولى القضاء بشرقي بغداد، وولاه المأمون القضاء بعسكر المهدي، وضعفوه في الحديث، وتكلموا فيه. ولد في أول سنة ١٠٣، وتوفي سنة ٢٠٧. قال ابن قتيبة: وهو يومئذ قاض ببغداد، وله ثمان وسبعون سنة - رحمه الله تعالى -. ١٠٦ - أبو عبد الله، محمدُ بنُ سعدٍ، الزهريُّ كاتبُ الواقديِّ . كان أحد الفضلاء والنبلاء، صحب الواقدي، وسمع سفيان بن عيينة وأنظاره، وروى عنه: أبو بكر بن أبي الدنيا، وأبو محمد الحارث بن أبي أسامة التميمي. وصنف كتابًا كبيرًا في طبقات الصحابة والتابعين والخلفاء (١) إلى وقته، فأجاد فيه، وأحسن، وهو يدخل في خمس عشرة مجلدة. وكان صدوقًا، ثقة، وكان كثير العلم، غزير الحديث والرواية، كثير الكتب، كتب الحديث والفقه وغيرهما. قال الخطيب في "تاريخ بغداد": محمد بن سعد عندنا من أهل العدالة، وحديثُه يدل على صدقه؛ فإنه يتحرى في كثير من رواياته، وهو من موالي بني العباس. توفي سنة ٢٣٠ ببغداد - رحمه الله تعالى -. ١٠٧ - أبو بشر، محمدُ بنُ أحمدَ بنِ حمادِ بنِ سعدٍ، الأنصاريُّ الولاء، الورَّاقُ، الرازيُّ، الدولابيُّ . كان عالمًا بالحديث والأخبار والتواريخ؛ سمع الأحاديث بالشام والعراق.

стр. 112

وروى عن: محمد بن بشار، وأحمد بن عبد الجبار العطاردي، وخلقٍ كثير، وروى عنه: الطبراني، وأبو حاتم بن حبان البستي. وله تصانيف مفيدة في التاريخ ومواليدِ العلماء ووَفياتهم، واعتمد عليه أربابُ هذا الفن في النقل، وأخبروا عنه في كتبهم ومصنفاتهم المشهورة. وبالجملة: فقد كان من الأعلام في هذا الشأن، وممن يرجَع إليه، وكان حسن التصنيف. توفي سنة ٣٢٠ بالعرج. والدولابيُّ: نسبة إلى دولاب، وهي قرية من أعمال الري - رحمه الله تعالى -. ١٠٨ - أبو عبد الله، محمدُ بنُ عمرانَ بنِ موسى بنِ سعيد، الكاتبُ المرزبانيُّ . صاحب أخبار (١). وتواليفه كثيرة، وكان ثقة في الحديث، ومائلًا إلى التشيع في المذهب، حدَّث عن: عبد الله بن محمد البغوي، وأبي بكر بن داود السجستاني، في آخرين. ولد سنة ٢٩٧، أو سنة ٢٩٦ وتوفي سنة ٣٨٤، والمرزُباني: نسبة إلى أجداده، وكان اسمه المَرْزُبان، وهذا الإسم لا يطلق عند العجم إلا على الرجل المقدم العظيم القدر، وتفسيره بالعربية: حافظ الحد، قاله ابن الجواليقي في كتابه "المعرب". ١٠٩ - أبو عبد الله، محمدُ بنُ القاسمِ الخضرِ بنِ محمدِ بنِ عليِّ بنِ عبدِ الله المعروفُ بابن تيمية الحَرَّاني، الملقب: فخر الدين، الخطيبُ، الواعظُ، الفقيهُ، الحنبليُّ . كان فاضلًا، تفرد في بلاده بالعلم، وكان المشار إليه في الدين، لقي جماعة من العلماء، وأخذ عنهم العلوم، وقدم بغداد، وتفقه بها على أبي الفتح بن المَنِّي. وسمع الحديث بها من: شهدة بنتِ الأبري، وابنِ المقرب، وابن البطي، وغيرهم؛ وصنف في مذهب الإمام أحمد مختصرًا أحسنَ فيه، وله ديوان خطب مشهور، وهو في غاية الجودة، وله "تفسير القرآن الكريم"، وله شعر حسن.

стр. 113

وكانت إليه الخطابة بحرَّان، ولأهلِه من بعده، ولم يزل أمرُه جاريًا على سداد وصلاح حال. ولد سنة ٥٤٢ بمدينة حَرّان، وتوفي بها سنة ٦٢١. ذكره أبو البركات بنُ المستوفي في "تاريخ أربل"، فقال: ورد أربل حاجًّا، ثم قال: سألته عن اسم تيمية ما معناه؟ فقال: حج أبي أو جدي، وكانت امرأته حاملًا، فلما كان بتيماء، رأى جويرية حسنة قد خرجت من خباء، فلما رجع إلى حران، وجد امرأته قد وضعت جارية، فلما رفعوها إليه، قال: يا تيمية! يا تيمية! يعني: أنها تشبه التي رآها بتيماء، فسمي بها، أو كلامًا هذا معناه. وتيماء: بليدة في بادية تبوك، وتيمية: منسوبة إلى هذه البليدة، وكان ينبغي أن يكون تيماوية؛ لأن النسبة إلى تيماء تيماوية، لكنه هكذا قال، واشتهر كما قال. قال ابن رجب في ترجمته: قرأ القرآن، وشرع في الاشتغال بالعلم من صغره، وارتحل إلى بغداد، وسمع الحديث بها، وأيضًا بحران، ولازم أبا الفرج ابنَ الجوزي ببغداد، وسمع منه كثيرًا من مصنفاته، وقرأ الأدب على ابن الخشاب، وبرع في الفقه، والتفسير، وغيرهما، ثم أخذ في التدريس والوعظ والتصنيف، وشرع في إلقاء التفسير بكرةَ كل يوم بجامع حران، وولي الخطابة والإمامة بها، وبنى مدرسة، وهو واعظ البلد، وله القبول من عوام البلد، والوجاهة عند ملوكها. وكان بارعًا في تفسير القرآن، وجميع العلوم له فيها يد بيضاء، أثنى عليه ابن نقطة، وقال ابن النجار: سمعت منه ببغداد وحران، وقال المنذري: له خطب مشهورة وشعر، ولنا منه إجازة، وحجَّ، وله تصانيف كثيرة، منها: "ترغيب القاصد في تقريب المقاصد"، و"بلغة الساغب وبغية الراغب". وكانت بينه وبين الشيخ موفق الدين مراسلاتٌ ومكاتبات، ووقع بينهما تنازع في مسألة تخليد أهل البدع المحكوم بكفرهم في النار، وكان الشيخ الموفق لا يطلق عليهم التخليد، فأنكر عليه الشيخ الفخر، وقال: إن كلام الأصحاب مخالف لذلك.

стр. 114

وأرسل يقول للشيخ موفق الدين: انظر! كيف تستدرك هذه الهفوة، فأرسل إليه الشيخ الموفق كتابًا، أوله: أخوه في الله عبدُ الله بن أحمد يسلِّم على أخيه الإمام الكبير فخر الدين جمال الإسلام ناصر السنة - أكرمه الله بما أكرم به أولياءه، وأجزل من كل خير عطاءه، وبلغه أمله ورجاءه؛ وأطال في طاعة الله بقاءه - إلى أن قال: إنني لم أنه عن القول بالتخليد نافيًا له، ولاعِبْتُ القولَ به منتصرًا لضده، وإنما نهيت عن الكلام فيها من الجانبين إثباتًا أو نفيًا؛ كفًا للفتنة بالخصام فيها، واتباعًا للسنة في السكوت عنها، إذ كانت هذه المسألة من جملة المُحْدَثات، وأشرت على من قبل نصيحتي بالسكوت عما سكت عنه رسول الله ﷺ وصحابته، والأئمة المقتدى بهم من بعده، إلى أن قال: وأما قوله - وفقه الله -: إني كنت مسألة إجماع فصرت مسألة خلاف، فإنني إذا كنت مع رسول الله ﷺ في حزبه متبعًا للسنة، ما أبالي مَنْ خالفني، ولا مَنْ خالف فيَّ، ولا أستوحش لفوات من فارقني، وإني لمعتقد أن الخلق كلهم لو خالفوا السنة وتركوها، وعادَوْني من أجلها، لما ازددت لها إلا لزومًا، ولا بها إلا اغتباطًا - إن وفقني الله لذلك -؛ فإن الأمور كلها بيده، وقلوب العباد بين إصبعيه. وأما قوله: إن هذه المسألة مما لا يخفى، فقد صدق وبرّ، ما هي - بحمد الله - عني خفية، بل هي متجلية مضيئة، ولكن إن أظهر عنده بسعادته تصويب الكلام فيها تقليدًا للشيخ أبي الفرج، وابن الزاغوني، فقد تيقنت تصويب السكوت عن الكلام فيها اتباعًا لسيد المرسلين ﷺ ، ومن هو حجة على الخلق أجمعين، ثم لخلفائه الراشدين، وسائر الصحابة والأئمة المرضيين، لا أبالي مَنْ لامني في اتباعهم، ولا من فارقني في وفاقهم، فأنا كما قال الشاعر: أجدُ الملامةَ في هواكِ لذيذةً ... حُبًّا لذِكْرِكِ فَلْيَلُمْني اللُّوَّمُ فمن وافقني على متابعتهم، وأجابني إلى مرافقتهم وموافقتهم، فهو رفيقي وحبيبي وصديقي، ومن خالفني في ذلك، فليذهب حيث شاء، فإن السبل كثيرة، لكن خطرة لا خضرة. وقوله بسعادته: إن تعلقه بأن لفظة التخليد لم ترد، ليس بشيء، فأقول: لكن عندي - أنا - هو الشيء الكبير، والأمر الجليل الخطير؛

стр. 115

فأنا أوافق أئمتي في سكوتهم كموافقتي لهم في كلامهم. أقول إذا قالوا؛ واسكت إذا سكتوا؛ وأسير إذا ساروا؛ وأقف إذا وقفوا، وأحتذي طريقتهم في أحوالهم جهدي، ولا أنفرد عنهم خيفة الضيعة إن سرت وحدي. إلى أن قال: إن النبي ﷺ قد أطلق التكفير في مواضع لا تخليد فيها؛ وذكر حديث: "سبابُ المؤمن فسوق، وقتاله كفر"، وغيره من الأحاديث، وقال، قال أبو نصر السجزي: اختلف القائلون بتكفير القائل بخلق القرآن، فقال بعضهم: كفرٌ ينقل عن الملة، وقال بعضهم: كفرٌ لا ينقل عن الملة. ثم إن الإمام أحمد الذي هو أشدُّ الناس على أهل البدع، قد كان يقول للمعتصم: يا أمير المؤمنين! ويرى طاعة الخلفاء الداعين إلى القول بخلق القرآن وصلاة الجمع والأعياد خلفهم، وأما قولك: انظر كيف تتلافى هذه الهفوة، وتزيل تكدير هذه الصفوة؛ فإن قنع مني بالسكوت، فهو مذهبي وسبيلي، وعليه تعويلي، وقد ذكرتُ عليه دليلي، وإن لم يرض مني إلا أن أقول ما لا أعلم، وأسلك السبيل الذي غيره أسد وأسلم واخلع عذاري في سلوك، ما فيه عثاري، ويسخط عليَّ الباري، ففي هذا التلافي إتلافي، وتكدير صافي أوصافي، ولا يرضاه لي الأخ المُصافي، ولا من يريد إنصافي، ولا من سعى في إسعافي، وما أتبعه ولو أنه بشرٌ الحافي. إلى أن قال: واعلم أيها الأخ الناصح أنك قادم على الله، ومسؤول عن مقالتك هذه، فانظر من السائل، وانظر ما أنت له قائل، فاعد للمسألة جوابًا؛ وادرع للاعتذار جلبابًا؛ ولا تظن أنه يقنع منك في الجواب تقليد بعض الأصحاب، ولا يكتفي منك بالحوالة على الشيخ أبي الفرج، وابن الزاغوني، وأبي الخطاب، ولا يخلصك الاعتذار بأن الأصحاب اتفقوا على أنهم من جملة الكفار، ولازم هذا الخلود في النار؛ فإن هذا كلام مدخول، وجواب غير مقبول. إلى أن قال: فأنتم إن كنتم أظهركم الله على غيبه، وبرأكم من الجهل وعيبه، وأطلعكم على ماهو صانع بخلقه، فنحن قوم ضعفاء، فقد قنعنا بقول نبينا ﵊، وسلوك سبيله، ولم نتجاسر على أن نتقدم بين يدي الله ورسوله، فلا

стр. 116

تجملوا قوتكم على ضعفنا، ولا علمكم على جهلنا. قال ابن رجب وهي رسالة طويلة لخَّصتُ منها هذا القدر. وأخذَ العلمَ عن الشيخ فخر الدين جماعة، منهم: ولده أبو محمد عبد الغني خطيب حران، وابن عمه الشيخ مجد الدين عبد السلام، وسمع منه خلق كثير من الأئمة والحفاظ، منهم: ابن نقطة، وابن النجار، وسبط ابن الجوزي، وله شعر كثير حسن منه: أَرى قُوَّتي في كلِّ يومٍ وليلة ... تؤول إلى نقصٍ وتُفْضي إلى ضعفِ وما ذاكَ من كَرِّ الليالي ومَرِّها ... ولكنْ صروفُ الدهرِ صرفٌ على صَرْفِ فراقٌ وهجرٌ واخترامُ منيةٍ ... وكيدُ حسودٍ للعداوة لا يُخفي وداءٌ دخيلٌ في الفؤاد مقلقلُ ... الضُّلوعِ يَجِلُّ الخَطْبُ فيه عنِ الوَصْفِ وعِشْرةُ أبناءِ الزمان ومكرُهم ... وواحدةٌ منها لِهَدِّ القُوَى تكفي بُليت بها منذُ ارتقيتُ ذرا العلا ... كما البدرُ في النقصان من ليلةِ النصفِ وما برحَتْ تَتْرى إلى أن بكيت من ... تَضاعيفها ضَعفًا يزيدُ على ضَعْفِ وأصبحت شبهًا بالهلال صبيحةَ ... الثلاثينَ أخفاه المحاقُ عن الطَّرْفِ توفي - رحمه الله تعالى - يوم الخميس عاشر صفر سنة ٦٢١، ولما مات، كان في الصلاة. وقد ذكر ولده مناماتٍ صالحة رُئيت له بعد وفاته، وهي كثيرة جدًا، جمعَها في جزء. منها: أن رجلًا حدثه: أنه رأى والده الشيخ فخر الدين جالسًا على تخت عالٍ، وعليه ثياب جميلة، فقلت له يا سيدي! ما هذا؟ فقرأ: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ [الكهف: ٣١]. ورآه آخر فسأله: ماذا فعل الله بك؟ قال: غفر لي. ورأى غير واحد جماعة معهم سيوف ورايات، فسألوا عن حالهم، فقالوا: السلطان يركب، ونحن في انتظاره، فقيل له: من السلطان؟ قالوا: الشيخ فخر الدين. ورآه رجل آخر وهو على أحسن حالة، فقال: أليس قد مِتَّ؟ قال: بلى! ولكن أنا - إن شاء الله تعالى - في الأحياء. ورآه آخر، فقال أخبرني الموت كيف هو؟ فقال: والله! الموت وقت حضوره صعب شديد، وبعد الموت كله هين، ثم

стр. 117

قال لي: الصلاة ما عند الله شيء أفضل منها، فمن واظب عليها محافظًا على السنة والجماعة، ما يلقى إلا الخير الكثير. ورآه أبو الحسن النجار، وكان يلازم الشيخَ لسماع الحديث، قال: رأيته بعد موته في المنام على كرسي، وتحته رجال ونساء كثير، سمعته ينشد: تَجَلَّى الحبيبُ لأحبابِهِ ... فطوبى لمَنْ كان يُعنىِ بهِ فلمَّا تجلَّى لهم كَبَّروا ... وخَرُّوا سجودًا على بابِهِ والمنامات الصالحة له كثيرة. ١١٠ - أبو بكر، محمدُ بنُ عبدِ الغنيِّ بنِ أبي بكرِ بنِ شجاع، الحنبليُّ، المعروفُ بابن نقطة، الملقب: معين الدين، البغداديُّ، المحدثُ . كان من طلبة الحديث المشهورين به، المكثرين من سماعه وكتابته، والراحلين في تحصيله، دخل خراسان وبلاد الجبل والجزيرة والشام ومصر، ولقي المشايخ، وأخذ عنهم، واستفاد منهم، وكتب الكثير، وعلق التعاليق النافعة، وذَيَّلَ على "الإكمال" كتابِ الأمير أبي نصر بن ماكولا المقدَّم ذكره، وما أقصر فيه، وجاء في مجلدين، وله كتاب آخر لطيف في الأنساب، مثل الذيل على كتابي محمدِ بن طاهرٍ المقدسيَّ، وأبي موسى الأصبهاني، وكتاب "التقييد لمعرفة الرواة والسنن المسانيد". قال ابن خلكان: وكنت أسمع به في وقته، ولم أجتمع به، وذكره أبو البركات بن المستوفى في "تاريخ أربل"، وعده في جملة من وصل إليها، وسمع الحديث بها، وأثنى عليه. توفي في الثاني والعشرين من صفر سنة ٦٢٩ ببغداد، وهو في سن الكهولة - رحمه الله تعالى -، ذكر له ابن رجب ترجمة حسنة، وأثنى عليه كثيرًا. ١١١ - أبو عبد الله، محمدُ بنُ أبي المعالي سعيدِ بنِ أبي طالبٍ يحيى بنِ أبي الحسنِ، المعروفِ بابن الدبيتي، الفقيهُ الشافعيُّ، المؤرخ، الواسطيُّ . سمع الحديث كثيرًا، وعلق تعاليق مفيدة، وكانت له محفوظات حسنة، وكان يوردها ويستعملها في محاورته.

стр. 118

وكان في الحديث وأسماء رجاله والتاريخ من الحفاظ المشهورين، والنبلاء المذكورين، وصنف كتابًا جعله ذيلًا على تاريخ أبي سعد عبد الكريم بن السمعاني الحافظ المقدم المذيل على "تاريخ بغداد" للخطيب، وذكر فيه ما لم يذكره السمعاني ممن أغفله، وما أقصر فيه، وهو في ثلاث مجلدات، وصنف تاريخًا لواسط، وصنف غير ذلك، ذكره ابن المستوفي في "تاريخ أربل"، ولم يزل على اجتهاده وتعليقه إلى أن توفي. ولد سنة ثمان وخمسين وخمس مئة بواسط، وتوفي سنة ٦٣٧ ببغداد ﵀. والدبيتي: نسبة إلى دبيتا، وهي قرية بنواحي واسط، وأصله من كنجه، وقدم جده من دبيتا، وسكن واسط، وبها توالدوا. ١١٢ - أبو الحسين، مسلمُ بنُ الحَجَّاج بنِ مسلم، القُشيريُّ، النيسابوريُّ . صاحبُ "الصحيح"، أحدُ الأئمة الحفاظ، وأعلام المحدثين. رحل إلى الحجاز والعراق والشام ومصر، وسمع يحيى بن يحيى النيسابوري، وأحمد بن حنبل، وإسحقَ بنَ راهويه، وعبد الله بن مسلمة القعنبيَّ، وغيرَهم، وقدم بغداد غير مرة، فروى عنه أهلها، وآخر قدومه إليها في سنة ٢٥٩، وروى عنه الترمذي، وكان من الثقات. وقال محمد الماسرجسيُّ: سمعت مسلمَ بنَ الحجاج يقول: صنفت هذا المسند الصحيح من ثلاث مئة ألف حديث مسموعة. وقال الحافظ أبو علي النيسابوري: ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم في علم الحديث. وقال الخطيب البغدادي: كان مسلم يناضل عن البخاري حتى أوحش ما بينه وبين محمد بن يحيى الذهلي بسببه، وقال أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ: لما استوطن البخاري نيسابور، أكثر مسلم من الاختلاف إليه، فلما وقع بين محمد بن يحيى والبخاري ما وقع في مسألة اللفظ، ونادى عليه، ومنع الناس من الاختلاف إليه حتى هجر، وخرج من نيسابور في تلك المحنة، وقطعه

стр. 119

أكثر الناس غير مسلم؛ فإنه لم يتخلف عن زيارته، فأُنهي إلى محمد بن يحيى أن مسلم بن الحجاج على مذهبه قديمًا وحديثًا، وأنه عوتب على ذلك بالحجاز والعراق، ولم يرجع عنه، فلما كان يوم مجلس محمد بن يحيى، قال في آخر مجلسه - إلا من قال - باللفظ: فلا يحل أن يحضر مجلسنا. فأخذ مسلم الرداء فوق عمامته، وقام على رؤوس الناس، وخرج من مجلسه، وجمع كلَّ ما كتب منه، وبعث به على ظهر حَمَّال إلى باب محمد بن يحيى، فاستحكمت بذلك الوحشة، وتخلف عنه وعن زيارته. وتوفي مسلمٌ المذكور عشيةَ يوم الأحد، ودُفن بنصر آباد ظاهرَ نيسابور يوم الاثنين لخمس، وقيل: لست بقين من شهر رجب الفرد سنة ٢٦١ بنيسابور، وعمره خمس وخمسون سنة، هكذا وجدته في بعض الكتب، ولم أر أحدًا من الحفاظ ضبط مولده، ولا تقدير عمره، وأَجمعوا على أنه ولد بعد المئتين. قال ابن خلكان: وكان شيخنا تقي الدين أبو عمرو عثمان المعروف بابن الصلاح يذكر مولده، وغالب ظني أنه قال: سنة ٢٠٢، ثم كشفت ما قاله ابن الصلاح، فإذا هو في سنة ٢٠٦، نقل ذلك من كتاب "علماء الأمصار" تصنيف الحاكم أبي عبد الله بن البيع النيسابوري الحافظ. ووقفت على الكتاب الذي نقل منه، وملكت النسخة التي نقل منها أيضًا، وكانت ملكه، وبيعت في تركته، ووصلتْ إليَّ وملكتُها، وصورة ما قاله: إن مسلم بن الحجاج توفي بنيسابور لخمس بقين من شهر رجب الفرد سنة ٢٦١، وهو ابن خمس وخمسين سنة، فتكون ولادته في سنة ٢٠٦، والله أعلم. وأما محمد بن يحيى المذكور، فهو أبو عبد الله محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد ابن فارس بن ذؤيب الذهلي النيسابوري، وكان أحد الحفاظ الأعيان، روى عنه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه القزويني، وكان ثقة مأمونًا، وكان سبب الوحشة بينه وبين البخاري: أنه لما دخل البخاري مدينة نيسابور، شغب عليه محمد بن يحيى في مسألة خلق اللفظ، وكان قد سمع منه، فلم يمكنه تركُ الرواية عنه، وروى عنه في الصوم،

стр. 120

والطب، والجنائز، والعتق، وغير ذلك مقدار ثلاثين موضعًا، ولم يصرح باسمه، فيقول: حدثنا محمد بن يحيى الذهلي، بل يقول: حدثنا محمد، ولا يزيد عليه، ويقول: محمد بن عبد الله، فينسبه إلى جده، وينسبه أيضًا إلى جد أبيه، وتوفي محمد المذكور سنة ٢٥٢، وقيل: سبع، وقيل: ثمان وخمسين ومئتين ﵀. ١١٣ - أبو أيوب، مطرفُ بنُ مازن، الكنانيُّ بالولاء، وقيل: القيسيُّ بالولاء، الصنعانيُّ . ولي القضاء بصنعاء اليمن، وحدث عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، وجماعة كثيرة، وروى عنه الإمام الشافعي وخلق كثير، واختلفوا في روايته، فنقل عن يحيى بن معين: أنه سئل عنه، فقال: كذاب. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال السعدي: يتثبت في حديثه حتى يملي ما عنده. وقال أبو حاتم محمد بن حبان البستي: مطرفٌ يروي عن معمر، وابن جريج، وروى عنه الشافعي، وأهل العراق، وكان يحدث بما لا يسمع، ويروي ما لا يكتب عمن لم يره، ولا تجوز الرواية عنه إلا عند الخواص للاعتبار فقط. قال حاجب بن سليمان: كان مطرف رجلًا صالحًا، وذكر عنه حكاية في إبرار قسم من أقسم على أمر شنيع يفعله به، وذكر أبو أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني أحاديث من رواية مطرف، وقال لمطرف غير ما ذكرت أفرادٌ يتفرد بها عمن يرويها عنه، ولم أر فيما يرويه منكرًا. توفي سنة إحدى وتسعين ومئة - رحمه الله تعالى -. ١١٤ - أبو الحسن، مقاتلُ بنُ سليمانَ بنِ بشيرٍ، الأزديُّ بالولاء، الخراسانيُّ المروزيُّ . أصله من بلخ، وانتقل من البصرة، ودخل بغداد، وحدث بها، وأخذ الحديث عن مجاهد بن جبر، وعطاء بن أبي رباح، وروى عنه: بقيةُ بن الوليد

стр. 121

الحمصي، وعبد الرزاق بن همام الصنعاني. وكان من العلماء الأجلاء، حكى عن الإمام الشافعي، وقد اختلف العلماء في أمره، فمنهم من وثقه في الرواية، ومنهم من نسبه إلى الكذب. قال بقية بن الوليد: كنت كثيرًا أسمع شعبةَ بنَ الحجاج وهو يُسأل عن مقاتل؛ فما سمعته قطُّ ذكره إلا بخير، وسئل عبد الله بنُ المبارك عنه، فقال: ﵀، لقد ذُكر لنا عنه عبادة، وروي عن عبد الله بن المبارك أيضًا: أنه ترك حديثه، وسئل إبراهيم الحربي عن مقاتل، هل سمع من الضحاك بن مزاحم؟ فقال: لا، مات الضحاك قبل أن يولد مقاتل بأربع سنين، وقال إبراهيم أيضا: لم يسمع مقاتل عن مجاهد شيئًا، ولم يلقه، وقال أحمد بن يسار: كان من أهل بلخ، وتحول إلى مرو، وخرج إلى العراق، وهو متهم متروك الحديث مهجور القول، وكان يتكلم في الصفات بما لا تحل الرواية عنه، وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: كان دجالًا جسورًا. وقال أبو عبد الرحمن النسائي: الكذابون المعروفون بوضع الحديث على رسول الله ﷺ أربعة؛ ١ - ابنُ أبي يحيى بالمدينة، ٢ - والواقدي ببغداد، ٣ - ومقاتل بن سليمان بخراسان، ٤ - ومحمد بن سعيد - ويعرف بالمصلوب - بالشام. وذكر وكيع يومًا مقاتلًا، فقال: كان كذابًا. وقال أبو بكر الآجري: سألت أبا داود سليمانَ بن الأشعث عن مقاتل؟ فقال: تركوا حديثه، وقال عمرو بن علي الفلاس: كذاب، متروك الحديث. وقال البخاري: سكتوا عنه؛ وقال في موضع آخر: لا شيء البتة، وقال يحيى بن معين: ليس حديثه بشيء. وقال أحمد بن حنبل: ما يعجبني أن أروي عنه شيئًا. وقال أبو حاتم الرازي: هو متروك الحديث، وقال زكريا بن يحيى الساجي: قالوا: كان كذابًا متروك الحديث. وقال أبو حاتم محمد بن حبان البستي: كان يأخذ عن اليهود والنصارى علمَ القرآن العزيز الذي يوافق كتبهم، وكان مشبهًا يشبه الربَّ بالمخلوقين، وكان يكذب مع ذلك في الحديث.

стр. 122

وبالجملة: فإن الكلام في حقه كثير، وقد خرجنا عن المقصود، ولكن أردنا ذكر اختلاف أقاويل العلماء في شأنه. توفي سنة ١٥٠ بالبصرة - رحمه الله تعالى -. ١١٥ - أبو عبد الله، مكحولُ بنُ عبدِ الله، الشاميُّ من سبي كابل . كان سِنْديًا لا يُفصح، وكان معلم الأوزاعي، قال الزهري: العلماءُ أربعة: سعيد بن المسيب بالمدينة، والشعبي بالكوفة، والحسن البصري بالبصرة، ومكحول بالشام، ولم يكن في زمنه أبصر منه بالفتيا، وكان لا يفتي حتى يقول: لا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم، هذا رأيي، والرأي يخطىء ويصيب. وسمع أنسَ بن مالك، وواثلةَ بن الأسقع، وأبا هند الرازي، وغيرهم. وكان مقامه بدمشق، وكان في لسانه عُجمة ظاهرة، ويبدل بعض الحروف بغيره، قال: أساهر أنا؟ - يريد: أساحر أنا؟ -، ويقول لرجل: ما فعلت تلك الهاجة؟ - يريد: الحاجة -، وهذه العجمة تغلب على أهل السند. توفي سنة ١١٨. وكابل: ناحية معروفة ببلاد السند - رحمه الله تعالى -. ١١٦ - أبو الحسن المؤيدُ بنُ محمدِ بنِ عليٍّ، الطوسيُّ الأصلِ، النيسابوريُّ الدارِ، المحدث . كان أعلى المتأخرين إسنادًا، لقي جماعة من الأعيان، وأخذ عنهم. وسمع "صحيح مسلم" من الفقيه أبي عبد الله محمد بن الفضل الفَراويِّ، وهو آخر من بقي من أصحابه، وسمع "صحيح البخاري" من أبي بكر وجيه بن طاهر بن محمد الشحَّامي، وأبي الفتوح عبد الوهاب بن شاه بن أحمد الشاذياخي، وسمع "الموطأ" رواية أبي مصعب، إلا ما استثنى منه من أبي محمد هبة الله بن سهل بن عمر البسطامي المعروف بالسدِّي، وسمع أيضًا من جماعة من شيوخ نيسابور، منهم: أبو محمد عبد الجبار بن محمد الحواري؛ وأم الخير فاطمة بنت أبي الحسن علي بن المظفر بن رعيل، وحدث بالكثير، ورحل إليه من الأقطار. قال ابن خلكان: ولنا منه إجازة كتبها من خراسان باستدعاء الوالد -

стр. 123

رحمه الله -، وإنما ذكرته لشهرته وتفرده في آخر عصره. ولد سنة ٥٢٤ ظنًا، وتوفي سنة سبع عشرة وست مئة بنيسابور - رحمه الله تعالى -. ١١٧ - أبو عبد الله، نافعٌ مولى عبدِ الله بنِ عمرَ - رضي الله تعالى عنهم -. هو من كبار التابعين، سمع مولاه، وأبا سعيد الخدري، وروى عنه: الزهري، وأيوب السختياني، ومالك بن أنس، وهو من المشهورين بالحديث، ومن الثقات الذين يؤخذ عنهم، ويُجمع حديثهم، ويعمل به، ومعظمُ حديث ابنِ عمر عليه دار. وقال مالك: كنت إذا سمعت حديث نافع، عن ابن عمر، لا أبالي ألا أسمعه من أحد غيره. وأهل الحديث يقولون: رواية الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر: سلسلة الذهب؛ لجلالة كل واحد من هؤلاء الرواة. توفي سنة سبع عشرة، وقيل: سنة عشرين ومئة ﵁. ١١٨ - أبو الحسن، النضرُ بنُ شُميل بنَ خرشةَ بنِ يزيدَ، التميميُّ المازنيُّ النَّحْوِيُّ البصريُّ . كان عالمًا بفنون العلم، صدوقًا، ثقة. صاحب غريب، وفقه وشعر، ومعرفة بأيام العرب، ورواية الحديث؛ وهو من أصحاب الخليل بن أحمد. ذكره أبو عبيدة في كتاب "مثالب أهل البصرة"، فقال: ضاقت المعيشة على النضر بن شميل البصري بالبصرة، فخرج يريد خراسان، فشيعه من أهل البصرة نحو من ثلاثة آلاف رجل، ما فيهم إلا محدِّث أو نحوي أو لغوي أو عروضي أو إخباري، فلما صار بالمربد، جلس؛ وقال: يا أهل البصرة! يعز عليّ فراقُكم، ووالله! لو وجدتُ كلَّ يوم كَيْلَجة باقلى ما فارقتكم، فلم يكن أحد فيهم يتكلف له ذلك، فسار حتى وصل خراسان، فأفاد بها مالًا عظيمًا، توفي سنة ٢٠٤ - رحمه الله تعالى -.

стр. 124

١١٩ - الإمام أبو حنيفة، النعمانُ بنُ ثابتٍ ﵁ ابنِ زوطي بنِ ماه، مولى تيمِ الله بنِ ثعلبة، وهو من رهط حمزة الزيات . كان خزازًا - يبيع الخز -، وجده زوطي من أهل كابل، وقيل: من أهل بابل، وقيل: من أهل الأنبار، وقيل: من أهل نَسا، وقيل: من أهل ترمذ، وهو الذي مسَّه الرق، فأُعتق، وولد ثابت على الإسلام. وقال إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة: أنا من أبناء فارس من الأحرار، والله! ما وقع علينا رَقٌّ قطُّ، ولد جدي سنة ٨٠، وذهب ثابت إلى علي بن أبي طالب ﵁ وهو صغير، فدعا له بالبركة فيه وفي ذريته، ونحن نرجو أن يكون الله تعالى قد استجاب ذلك لِعَلِيّ فينا. قال الخطيب في "تاريخه" - والله أعلم -: أدرك أبو حنيفة أربعةً من الصحابة، وهم: ١ - أنس بن مالك بالبصرة، ٢ - وعبد الله بن أبي أوفى بالكوفة، ٣ - وسهل بن سعد الساعدي بالمدينة، ٤ - وأبو الطفيل عامر بن واثلة بمكة. ولم يلق أحدًا منهم، ولا أخذ عنه. وأصحابه يقولون: لقي جماعة من الصحابة، وروى عنهم، ولم يثبت ذلك عند أهل النقل، وذكر الخطيب في "تاريخ بغداد": أنه رأى أنس بن مالك، وأخذ الفقه عن حماد بن سليمان، وسمع عطاء بن أبي رباح، وأبي إسحاق السَّبيعي، ومحارب بن دثار، والهيثم بن حبيب الصراف، ومحمد بن المنكدر، ونافعًا مولى عبد الله بن عمر ﵃، وهشام بن عروة، وسِماكَ بن حرب، وروى عنه: عبد الله بن المبارك، ووكيع بن الجراح، والقاضي أبو يوسف، ومحمد بن الحسن الشيباني، وغيرهم. وكان عالمًا عاملًا زاهدًا عابدًا ورعًا تقيًا؛ كثيرَ الخشوع، دائمَ التضرع إلى الله تعالى، وأراد أبو جعفر المنصور أن يوليه القضاء، فحلف ألا يفعل، فأمر به إلى الحبس. وكان يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري أميرَ العراقين أراده أن يلي القضاء بالكوفة أيام مروان بن محمد آخرِ ملوك بني أمية، فأبى عليه، فضربه مئة سوط وعشرة أسواط، كل يوم عشرة أسواط، وهو على الامتناع، فلما رأى ذلك، خلَّى سبيله.

стр. 125

وكان أحمد بن حنبل إذا ذكر ذلك، بكى، وترحم على أبي حنيفة، وذلك بعد أن ضُرب أحمد على القول بخلق القرآن. وكان أبو حنيفة حسنَ الوجه، حسنَ المجلس، شديدَ الكرم، حسنَ المواساة لإخوانه، وكان ربعةً من الرجال؛ وقيل: كان طوالًا تعلوه سمرة، أحسنَ الناس منطقًا وأحلاهم نغمة. وذكر الخطيب في "تاريخه": إن أبا حنيفة رأى في المنام: كأنه ينبش قبر رسول الله ﷺ ، فبعث مَنْ سأل ابنَ سيرين، فقال: صاحب هذه الرؤيا يثور علمًا لم يسبقه إليه أحد قبله. قال الشافعي: قيل لمالك: هل رأيت أبا حنيفة؟ فقال: نعم! رأيت رجلًا لو كلمته في هذه السارية أن يجعلها ذهبًا، لقام بحجته. وقال الشافعي: من أراد أن يتبحَّر في الفقه، فهو عيال على أبي حنيفة، وكان أبو حنيفة ممن وفق له الفقه. وقال جعفر بن ربيع: أقمت على أبي حنيفة خمس سنين، فما رأيت أطولَ صمتًا منه، فإذا سئل عن الفقه، تفتح وسال كالوادي، وسمعت له دويًا وجهارةً في الكلام، وكان إمامًا في القياس. وقال علي بن عاصم: دخلت على أبي حنيفة وعنده حجام يأخذ من شعره، فقال للحجام: تتبع مواضع البياض، فقال الحجام: ولا تزد، فقال: ولم؟ قال: لا يكثر؛ قال: فتتبعْ مواضعَ السواد لعله يكثر، وحكيت لشريك هذه الحكاية، فضحك، وقال: لو ترك أبو حنيفة قياسه، لتركه مع الحجام. وقال ابن المبارك: قلت لسفيان الثوري: يا عبد الله! ما أبعد أبا حنيفة عن الغيبة! ما سمعته يغتاب عدوًا له قط، فقال: هو أعقل من أن يسلط على حسناته ما يذهبها، ومناقبه وفضائله كثيرة، وقد ذكر الخطيب في "تاريخه" منها شيئًا كثيرًا، ثم أعقب ذلك بذكر ما كان الأليق تركه والإضراب عنه، فمثل هذا الإمام لا يشك في دينه، ولا في ورعه وبحفظه، ولم يكن يُعاب بشيء سوى قلة العربية. ولد سنة ٨٠، وتوفي سنة ١٥٠، وكانت وفاته ببغداد في السجن ليليَ القضاء فلم يفعل، هذا هو الصحيح. وقيل: إنه لم يمت في السجن، وقيل: توفي في

стр. 126

اليوم الذي ولد فيه الإمام الشافعي، ودفن في مقبرة الخيزران، وقبره هناك مشهور يزار. وزوطي - بالضم -: اسمٌ نبطي، وكابل: ناحية معروفة من بلاد الهند، ينسب إليها جماعة من العلماء وغيرهم. وبنى شرف الملك أبو سعد، محمدُ بن منصور الخوارزمي مستوفي مملكة السلطان ملك شاه السلجوقي، على قبر الإمام أبي حنيفة مشهدًا وقبة، وبنى عنده مدرسة كبيرة للحنفية، وكان بناء ذلك سنة ٤٥٩. ١٢٠ - السيدة نفيسة بنةُ أبي محمدٍ الحسنِ بنِ زيدِ بنِ الحسنِ بنِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵃ أجمعين -. دخلت مصر مع زوجها إسحاق بن جعفر الصادق، وقيل: دخلت مع أبيها الحسن. وكانت من النساء الصالحات التقيات. ويروى: أن الإمام الشافعي - لما دخل مصر - حضر إليها، وسمع عليها الحديث، وكان للمصريين فيها اعتقاد عظيم، وهو إلى الآن باقٍ كما كان. ولما توفي الإمام الشافعي، أدخلت جنازته إليها، وصلَّت عليه في دارها. وكانت في موضع مشهدها اليوم، ولم تزل به إلى أن توفيت في شهر رمضان سنة ٢٠٨، وقبرها معروف بإجابة الدعاء عنده، وهو مجرب (١) ﵂. ١٢١ - أبو البختري، وهبُ بنُ وهبِ بنِ وهبِ بنِ كثيرِ بنِ عبدِ الله بنِ زمعةَ، القرشيُّ الأسديُّ المدنيُّ . حدَّث عن عبيد الله بن عمر العمري؛ وهشام بن عروة بن الزبير؛ وجعفر بن محمد الصادق، وغيرهم، وروى عنه رجاء بن سهل الصاغاني، وأبو القاسم بن سعيد بن المسيب، وغيرهما، وكان متروك الحديث، مشهورًا بوضعه، وكان جعفر الصادق بن محمد الباقر قد تزوج أمه بالمدينة، وله عنه روايات وأسانيد.

стр. 127

روى الخطيب في "تاريخه": أن هارون الرشيد لما قدم المدينة - أعظمَ أن يرقى منبرَ الرسول ﷺ في قباء ومنطقة، فقال أبو البختري: حدثني جعفرُ بنُ محمد الصادق عن أبيه، قال: نزل جبريل على النبي ﷺ وعليه قباء ومنطقة مخنجرًا بخنجر، فقال المعافى التميميُّ - شعر: وَيْلٌ وغَوْلٌ لأبي البختري ... إذا توافى الناسُ للمَحْشَرِ من قولِهِ الزورَ وإعلانِه ... بالكذب في الناس على جَعفرِ واللهِ ما جالسه ساعةً ... للفقهِ في بَدْوٍ ولا مَحْضَرِ ولا رآه الناسُ في دهره ... يمرُّ بين القبر والمنبرِ يا قاتلَ الله ابنَ وهبٍ! لقد ... أعلنَ بالزور وبالمُنْكَرِ يزعُم أن المصطفى أحمدًا ... أتاهُ جبريلُ التقيُّ البَري عليه خُفٌّ وقبا أسودٌ ... مخنجرًا في الحقوِ بالخنجرِ وحكى جعفر الطيالسي: أن يحيى بنَ معين وقف على حلقته وهو يحدث بهذا الحديث عن جعفر الصادق، فقال له: كذبت يا عدو الله! على رسول الله ﷺ ، وقال ابن قتيبة في "كتاب المعارف": كان أبو البختري ضعيفًا في الحديث. توفي سنة مئتين للهجرة ببغداد، في خلافة المأمون. ١٢٢ - أبو القاسم، هبةُ اللَّهِ بنُ الفضلِ بنِ القطانِ عبدِ العزيز، الشاعرُ المعروفُ بابن القطان . سمع الحديث من جماعة، وسمع عليه. وكان غاية في الخلاعة والمجون؛ كثير المزاح، ذكره أبو سعد السمعاني في كتاب "الذيل"، وقال: كتبت عنه حديثين لا غير، وعلَّقت عليه مقطعات من شعره. وذكر الحافظ السِّلفَي أباه، وقال: إن بعض أولاد المحدثين سأله عن مولده، فقال: سنة ثمان عشرة وأربع مئة، وتوفي سنة ٤٩٨.

стр. 128

له حكايات ظريفة، وديوان شعر أكثرُه جيد، عبث فيه بجماعة من الأعيان، وثلبهم، ولم يسلم منه أحد، لا الخليفةُ ولا غيره، وله مع حيص بيص ماجرياتٌ، وأحواله ومضحكاته كثيرة، فإنه كان آية في هذا الباب، وكان مجمَعًا على ظرفه ولطفه، وكان الناس يشيرون إليه: هذا ابن قطان الهجاء، وأما ابن القطان أبو الحسين بن أحمد البغدادي الفقيه الشافعي، فإنه كان من كبار أئمة الأصحاب، أخذ عنه العلماء، وكانت الرحلة إليه بالعراق، توفي سنة تسع وخمسين وأربع مئة ﵀. ١٢٣ - أبو القاسم - وأبو الكرم، هبةُ الله بنُ عليِّ بنِ مسعودٍ، الأنصاريُّ، الخزرجيُّ، المعروف بالبوصيريِّ . كان أديبًا كاتبًا، له سماعات عالية، وروايات تفرد بها، وألحق الأصاغرَ بالأكابر في علو الإسناد، ولم يكن في آخر عصره في درجته مثله، وسمع بقراءة الحافظ أبي الطاهر السلفي، وإبراهيم بن حاتم الأسدي على أبي صادق مرشد بن يحيى بن القاسم المديني - إمامِ الجامع العتيق - بمصر. والبوصيريُّ آخر من روى في الدنيا كلها عن أبي صادق، وأبي الحسن، عليِّ بن الحسين بن عمر الفراء الموصلي سماعًا، وروى أيضًا عن أبي الفتح، سلطانِ بن إبراهيم بن مسلم المقدسي، وهو آخر من روى عنه سماعًا في الأرض كلها، وسمع عليه الناس، وأكثروا ورحلوا إليه من البلاد. ولد سنة ٥٠٦ بمصر، وتوفي سنة ٥٩٨ - رحمه الله تعالى -. ١٢٤ - أبو زكريا، يحى بن مَعين بنِ عونِ بنِ زياد بنِ بسطامِ، المريُّ البغداديُّ، الحافظُ المشهورُ . كان إمامًا عالمًا حافظًا متفننًا، قيل: إنه من قرية نحو الأنبار تسمى نقياي، وكان أبوه كاتبًا لعبد الله بن مالك، وقيل: إنه كان على خراج الري، فمات، فخلف لابنه يحيى المذكور ألفَ ألفِ درهم وخمسين ألف درهم، فانفق جميعَ المال على الحديث.

стр. 129

وسئل يحيى: كم كتبت من الحديث؟ فقال: كتبت بيدي هذه ست مئة ألف حديث. وقال راوي هذا الخبر - وهو أحمد بن عقبة -: وإني أظن أن المحدثين قد كتبوا له بأيديهم ست مئة ألف، وست مئة ألف، وخلف من الكتب مئة قِمَطر، وأربع حباب شرابية مملوءة كتبًا، وهو صاحب "الجرح والتعديل"، وروى عنه الحديث كبارُ الأئمة، منهم: أبو عبد الله، محمد بن إسماعيل البخاري، وأبو الحسين، مسلمُ بن الحجاج القشيري، وأبو داود السجستاني، وغيرُهم من الحفاظ. وكان بينه وبين الإمام أحمد بن حنبل من الصحبة والألفة والاشتراك بالاشتغال بعلوم الحديث ما هو مشهور، ولا حاجة إلى الإطالة فيه، وروى عنه: هو، وأبو خيثمة، وكانا من أقرانه. وقال علي بن المديني: انتهى العلم بالبصرة إلى يحيى بن أبي كثير، وقتادة، وعلمُ الكوفة إلى إسحاق، والأعمش، وانتهى علم الحجاز إلى ابن شهاب، وعمرو بن دينار، وصار علمُ هؤلاء الستة بالبصرة إلى سعيد بن أبي عروبة، وشعبة، ومعمر، وحماد بن سلمة، وأبي عوانة، ومن أهل الكوفة إلى سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، ومالك بن أنس، ومن أهل الشام إلى الأوزاعي، وانتهى علم هؤلاء إلى محمد بن إسحق، وهشيم، ويحيى بن سعيد، وابن أبي زائدة، ووكيع، وابن المبارك، وهو أوسع هؤلاء علمًا، وابن مهدي، ويحيى بن آدم، وصار علم هؤلاء جميعًا إلى يحيى بن معين. وقال أحمد بن حنبل: كل حديث لا يعرفه يحيى فليس هو بحديث، وكان يقول: ها هنا رجل خلقه الله لهذا الشأن، يُظهر كذب الكذابين؛ يعني: يحيى بن معين. وقال ابن الرومي: ما سمعت أحدًا قطُّ يقول الحق في المشايخ غير يحيى بن معين، وغيره كان يتحامل بالقول، وقال يحيى: ما رأيت على رجل قط خطأ إلا سترته، وأحببت أن أزين أمره، وما استقبلت رجلًا في وجهه بأمر يكرهه، ولكن أبين له خطأه فيما بيني وبينه، فإن قبل ذلك، وإلا تركته، وكان يقول: كتبنا عن

стр. 130

الكذابين، وسجرنا به التنور، وأخرجنا به خبزًا نضيجًا. وكان ينشد كثيرًا - شعر: المالُ يذهب حلُّه وحرامُه ... طُرًّا ويبقى في غدٍ آثامُهُ ليسَ التقيُّ بمتَّقٍ لإلَهِهِ ... حتى يطيبَ شرابُه وطعامُهُ ويطيب ما يحوي وتكسب كفه ... ويكون في حسن الحديثِ كلامُهُ نطقَ النبيُّ لنا به عن ربِّه ... فعلى النبيِّ صلاتُه وسلامُهُ وقد ذكره الدارقطني فيمن روى عن الإمام الشافعي ﵁، وقد سبق في ترجمة الشافعي ﵀ خبره معه، وما جرى بينه وبين الإمام أحمد في ذلك، وسمع أيضًا من عبد الله بن المبارك، وسفيان بن عيينة. وكان يحيى يحج، فيذهب إلى مكة، ويرجع إلى المدينة، فلما كان آخر حجة حجَّها، خرج إلى المدينة، ورجع إلى المدينة، فأقام بها ثلاثة أيام، ثم خرج حتى أتى المنزل مع رفقائه، فباتوا، فرأى في النوم هاتفًا يهتف به: يا أبا زكريا! أترغبُ عن جواري؟! فلما أصبح، قال لرفقائه: امضوا؛ فإني راجع إلى المدينة، فمضوا، ورجع، وأقام بها ثلاثة أيام، ثم مات، فحُمل على أعواد النبي ﷺ . وكانت وفاته لسبع ليال من ذي القعدة سنة ٢٣٣، هكذا قاله الخطيب في "تاريخ بغداد"، وهو غلط قطعًا؛ لما تقدم ذكره. وهو أنه خرج إلى مكة للحج، ثم رجع إلى المدينة، ومات بها، ومن يكون قد حج، كيف يتصور أن يموت بذي القعدة من تلك السنة؟ فلو ذكر أنه توفي في ذي الحجة، لأمكن، ويحتمل أن يكون هذا غلطًا من الناسخ. قال ابن خلكان: لكني وجدته في نسختين على هذه الصورة، فيبعد أن يكون من الناسخ، والله أعلم، ثم ذكر بعد ذلك: أن الصحيح أنه مات قبل أن يحج، وعلى هذا يستقيم ما قاله من تاريخ الوفاة. ثم نظرت في كتاب "الإرشاد في معرفة علماء الحديث"، تأليف أبي يعلى الخليل بن عبد الله بن أحمد بن إبراهيم بن الخليل الحافظ: أن يحيى بن معين

стр. 131

المذكور توفي لسبع ليال بقين من ذي الحجة من السنة المذكورة، فعلى هذا يكون قد حج. وذكر الخطيب أيضًا: أن مولده كان آخر سنة ١٥٨، ثم قال بعد ذكر وفاته: إنه بلغ سبعًا وسبعين سنة إلا عشرة أيام، وهذا أيضا لا يصح من جهة الحساب، فتأمله. ورأيت في بعض التواريخ: أنه عاش خمسًا وسبعين سنة، والله أعلم، وصلى عليه والى المدينة، ثم صُلَّي عليه مرارًا، ودفن بالبقيع ﵁. وكان بين يدي جنازته رجل ينادي: هذا الذي كان ينفي الكذب عن حديث رسول الله ﷺ . ورثاه بعض المحدثين، فقال: ذهبَ العليمُ بعيب كل محدِّثٍ ... وبكلِّ مختلفٍ من الإسناد وبكلِّ وهمٍ في الحديث ومشكلٍ ... يَعْيا به علماءُ كلِّ بلاد ومَعين: - بفتح الميم وكسر العين المهملة وسكون التحتية -، وبسطام: بكسر الباء، واللَّه أعلم. ١٢٥ - أبو محمد، يحيى بنُ يحيى بنِ كثير بن وسلاسٍ، الليثي . أصلُه من بربر من قبيلة يقال لها: مصمود، مولى بن الليث، فنسب إليهم جدّه كثير، يكنى: أبا عيسى، وهو الداخل إلى الأندلس. وسكن قرطبةَ، وسمع بها من زياد بن عبد الرحمن بن زياد اللخميِّ المعروفِ بسبطون القرطبي - راوي "موطأ مالك بن أنس"، وسمع من يحيى بن مضر القيسي الأندلسي، ثم رحل إلى المشرق وهو ابن ثمان وعشرين سنة، فسمع من مالك بن أنس "الموطأ" غير أبواب في كتاب الاعتكاف، شكَّ في سماعه فيها، فأثبت روايته فيها عن زياد، وسمع بمكة من سفيان ين عيينة، وبمصر من الليثِ بن سعد، وعبد الله بن وهب، وعبد الرحمن بن القاسم، وتفقه - بالمدينتين والمصرين، من أكابر أصحاب مالك بعد انتفاعه به وملازمته له. وكان مالك يسميه: عاقل أهل الأندلس، وسببُ ذلك - فيما يروي - أنه كان في

стр. 132

مجلس مالك جماعةٌ من أصحابه، فقال قائل: قد حضر الفيل، فخرج أصحاب مالك كلهم لينظروا إليه، ولم يخرج يحيى، فقال له مالك: ما لك لا تخرج فتراه لأنه لا يكون بالأندلس؟ فقال: إنما جئت من بلدي لأنظر إليك، وأتعلم من هديك وعلمك، ولم أجىء لأنظر إلى الفيل، فأعجب به مالك، وسماه: عاقل أهل الأندلس. ثم إن يحيى عاد إلى الأندلس، وانتهت إليه الرئاسة بها، وبه انتشر مذهب مالك في تلك البلاد، وتفقه به جماعة لا يحصون عددًا، وروى عنه خلق كثير، وأشهر روايات "الموطأ" وأحسنها رواية يحيى بن يحيى المذكور، وكان مع إمامته ودينه معظمًا عند الأمراء، مكينًا عفيفًا عن الولايات، متنزهًا، جلَّت رتبته عن القضاء، فكان أعلى قدرًا من القضاة عند ولاة الأمر هناك؛ لزهده في القضاء، وامتناعه منه. قال أبو محمد علي بن أحمد المعروف بابن حزم الأندلسي، المقدم ذكره: مذهبان انتشرا في مبدأ أمرهما بالرئاسة والسلطان: مذهب أبي حنيفة؛ فإنه لما ولي قضاء القضاة أبو يوسف يعقوب صاحبُ أبي حنيفة، كانت القضاة من قبله، فكان لا يولي قضاء البلدان من أقصى الشرق إلى أقصى إفريقية إلا أصحابَه، والمنتمين إليه، وإلى مذهبه. ومذهب مالك بن أنس عندنا في بلاد الأندلس، فإن يحيى بن يحيى كان مكينًا عند السلطان، مقبولَ القول في القضاة، فكان لا يلي قاض في أقطار بلاد الأندلس إلا بمشورته واختياره، ولا يشير إلا بأصحابه، ومن كان على مذهبه، والناس سراع إلى الدنيا، فأقبلوا عليه يرجون بلوغَ أغراضهم به، على أن يحيى بن يحيى لم يل قضاء قط، ولا أجاب إليه، وكان ذلك زائدًا في جلالته عندهم، وداعيًا إلى قبول رأيه لديهم. حكى أحمد بن أبي الفياض في كتابه، قال: كنت عند الأمير عبد الرحمن بن الحكم الأموي المعروف بالمرتضى، صاحبِ الأندلس، فأرسل إلى الفقهاء يستدعيهم إليه، فأتوا إلى القصر، وكان عبد الرحمن المذكورُ قد نظر في شهر

стр. 133

رمضان إلى جارية له كان يحبها حبًا شديدًا، فعبث بها، ولم يملك نفسَه أن وقع عليها، ثم ندم ندمًا شديدًا، فسأل الفقهاءَ عن توبته من ذلك وكفارته، فقال يحيى بن يحيى: يكفّر ذلك بصوم شهرين متتابعين، فلما بدر يحيى بن يحيى بهذه الفتيا، سكت بقيةُ الفقهاء حتى خرجوا من عنده، فقال بعضهم لبعض - وقالوا ليحيى: ما لك لم تفته بمذهب مالك؟ فعنده أنه مخير بين العتق والإطعام والصيام، فقال: لو فتحنا له هذا الباب، سهل عليه أن يطأ كل يوم، ويعتق رقبةً فيه، ولكن حملتُه على أصعب الأمور؛ لئلا يعود. ولما انفصل يحيى عن مالك ليعود إلى بلاده، ووصل إلى مصر؛ رأى عبد الرحمن بن القاسم يدون سماعه من مالك، فنشط إلى الرجوع إلى مالك ليسمع منه المسائل التي كان ابن القاسم دوّنها عنه، فرحل إليه ثانية، فلقي مالكًا عليلًا، فأقام عنده إلى أن توفي، وحضر جنازته، فعاد إلى ابن القاسم، وسمع منه سماعه من مالك. ذكر ذلك أبو الوليد بن الفرضي في "تاريخه". وكان أحمد بن خالد يقول: لم يعط أحد من أهل العلم بالأندلس منذ دخلها الإسلام من الحظوة وعظم القدر وجلالة الذكر ما أُعطيه يحيى بن يحيى. وقال ابن بشكوال في "تاريخه": إن يحيى بن يحيى مُجاب الدعوة، وكان قد أخذ في نفسه وهيئته ومقعده هيئة مالك، وحكي عنه أنه قال: أخذت ركاب الليث بن سعد، فأراد غلامه أن يمنعني، فقال: دعه، ثم قال لي الليث: خدمك أهلُ العلم، فلم تزل بي الأيام حتى رأيت ذلك، ثم قال. وتوفي يحيى بن يحيى في رجب سنة ٢٣٤؛ وقبره يُستسقى به - رحمه الله تعالى -، وقد ذكر له المقرىء في "نفح الطيب" ترجمةً حافلة حسنة، فارجع إليه. ١٢٦ - أبو محمد، يحيى بنُ أكثمَ بنِ محمدِ بنِ قطنِ بنِ سمعانَ، المروزيُّ . كان فقيهًا عالمًا بالفقه، بصيرًا بالأحكام، ذكره الدارقطني في أصحاب الشافعي، وقال الخطيب في "تاريخ بغداد": كان يحيى بن أكثم سليمًا من البدعة، ينتحل مذهب أهل السنة، سمع عبد الله بن المبارك، وسفيان بن عيينة،

стр. 134

وغيرهما، وروى عنه أبو عيسى الترمذي، وغيره، وقال طلحة بن محمد في حقه: أحد أعلام الدنيا، وقد اشتهر أمره، وعرف خبره، ولم يستتر عن الكبير والصغير من الناس فضلُه وعلمه ورئاسته وسياسته. توفي سنة ٢٤٢، وحكى أبو عبد الله الحسينُ بنُ عبد الله بن سعيد، قال: كان يحيى بن أكثم القاضي صديقًا لي، وكان يودني وأوده، فمات يحيى، فكنت أشتهي أن أراه في المنام، فأقول: ما فعل الله بك؟ فرأيته ليلة في المنام، فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي، إلا أنه وَبَّخني، ثم قال لي: يا يحيى! خلطت على نفسك الدنيا، فقلت: يا رب! اتكأت على حديث حدثني به أبو معاوية الضرير عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : إنَّك قلتَ: إني لأستحي أن أعذب ذا شيبة بالنار، فقال: قد عفوتُ عنك يا يحيى، وصدقَ نبيي، إلا أنك خلطت على نفسك في دار الدنيا، هكذا ذكره أبو القاسم القشيري في "الرسالة". ١٢٧ - أبو زكريا، يحيى بنُ عبد الوهاب بنِ الإمام أبي عبدِ الله، محمدِ بن إسحق بنِ محمدِ بنِ يحيى بن منَدْه، واسمُ منده: إبراهيم، ومنَدْه: لقب . كان من الحفاظ المشهورين، وأحد أصحاب الحديث المبرزين، وهو محدث ابن محدث ابن محدث ابن محدث ابن محدث ابن محدث، وكان جليل القدر، وافر الفضل، واسع الرواية، ثقة حافظًا فاضلًا مُكِثرًا صدوقًا، كثير التصانيف، حسن السيرة، بعيد التكلف، أوحدَ أهل بيته في عصره، خرَّج التخاريج لنفسه ولجماعة من الشيوخ الأصبهانيين، وسمع أبا بكر محمدَ بنَ عبد الله بن زيد الضبيَّ، وأبا طاهر محمدَ بنَ أحمد الكاتب، وأبا منصور محمدَ بنَ عبد الله بن فضلويه الأصبهاني، وأباه أبا عمرو، وعمه أبا الحسن عبيدَ الله، وأبا القاسم عبدَ الرحمن، وأبا العباس أحمدَ بنَ محمد بن أحمد القضاعي، وأبا عبد الله محمد بن علي بن محمد الجصاص، وأبا بكر محمدَ بنَ علي الجورداني، وأبا طاهر أحمد بن محمود الثقفي، ورحل إلى نيسابور، وسمع بها من أبي بكر أحمدَ بن منصور المقرىء، وأحمد بن

стр. 135

منصور البيهقي، وبهمدان، وبالبصرة، وجماعة كثيرة سواهم. ودخل بغداد حاجًا، وحدَّث بها، وأملى بجامع المنصور، وكتب عنه الشيوخ؛ لشهرته وثبته، وروى عنه: الأنماطيُّ الحافظ، وأبو الحسن علي الخياط البغدادي، وأبو طاهر يحيى بن عبد الغفار الصباغ، وجماعة كثيرة، وذكره الحافظ ابن السمعاني في كتاب "الذيل"، وقال: كتب لي الإجازة بجميع مسموعاته، ثم قال: سألت عنه أبا القاسم إسماعيل بن محمد الحافظ، فأثنى عليه، ووصفه بالحفظ والمعرفة والدراية، ثم قال: سمعت أبا بكر محمد بن نصر بن محمد الكفتواني الحافظ يقول: بيتُ ابن مندَه بُدىء بيحيى، وختم بيحيى، يريد: في معرفة الحديث والعلم والفضل، وذكره الحافظ عبد الغافر في مساق "تاريخ نيسابور"، فقال: ابن منده رجل فاضل، من بيت العلم والحديث المشهور في الدنيا، سافر وأدرك المشايخ، وسمع منهم، وصنف على "الصحيحين". وكان يروى بإسناده المتصل إلى بعض العلماء أنه قال: كثرةُ الضحك أمارةُ الحمق، والعجلةُ من ضعف العقل، وضعفُ العقل من قلة الرأي، وقلةُ الرأي من سوء الأدب، وسوءُ الأدب يورث المهانة، والمجونُ طرفٌ من الجنون، والحسدُ داء لا دواء له، والنمائمُ تورث الضغائن. ولد يوم الثلاثاء تاسع عشر شوال سنة ٤٣٤، وتوفي يوم عيد النحر سنة ٥١٢ بأصفهان، ومولده بها أيضًا، ولم يخلف في بيت ابن منده بعده مثله. وقال ابن نقطة في كتابه "الإكمال": توفي يوم السبت ثاني عشر ذي الحجة من سنة إحدى عشرة وخمس مئة. قال ابن رجب في "الطبقات": وذكره شيرويه بن شهردار الحافظ، فقال: كان حافظًا فاضلًا مكثرًا ثقة، يحسن هذا الشأن جدًا، كثير التصانيف، شيخ الحنابلة ومقدمهم، حسن الصورة، بعيدًا من التكلف، متمسكًا بالأثر، انتهى. وصنف مناقب الإمام أحمد في مجلد كبير، وفيه فوائد حسنة. وكتب له - ابن رجب - ترجمة حافلة حسنة.

стр. 136

١٢٨ - أبو بكر، يحيى بنُ سعدون بنِ تمام بنِ محمدٍ الأزديُّ، القرطبيُّ، الملقب: صائن الدين . أحد الأئمة المتأخرين في القرءات وعلوم القرآن الكريم، والحديث والنحو واللغة، وغير ذلك. خرج من الأندلس في عنفوان شبابه، وقدم ديار مصر، فسمع بالإسكندرية أبا عبد الله محمدَ بنَ أحمدَ بنِ إبراهيم الرازيَّ، وبمصر أبا طاهر السِّلَفي، وغيره، وقرأ الحديث على أبي بكر محمد بن عبد الباقي البزاز المعروف بقاضي المارستان، وكان دينًا ورعًا، عليه وقار وهيبة وسكينة، وكان ثقة صدوقًا نبيلًا، قليل الكلام كثير الخير، مفيدًا، توفي سنة ٥٦٧. ١٢٩ - أبو زكريا، يحيى بنُ عليِّ بنِ محمدِ بنِ الحسنِ بنِ بسطام، الشيبانيُّ، التبريزيُّ، المعروف بالخطيب . أحد أئمة اللغة، سمع الحديث بمدينة صور من الفقيه أبي الفتح سليم بن أيوب الرازي، وروى عنه الخطيب الحافظ صاحب "تاريخ بغداد"، والحافظ أبو الفضل محمد بن ناصر، وأبو منصور الجواليقي، وأبو الحسن سعد الخير الأندلسي، وغيرهم من الأعيان، وتخرج عليه خلق كثير وتلمذوا له، وله كتاب "تهذيب غريب الحديث"، وغيره. ولد سنة إحدى وعشرين وأربع مئة، وتوفي سنة ٥٠٢ ببغداد. ١٣٠ - القاضي أبو يوسف، يعقوبُ بنُ إبراهيمَ بنِ حبيب بن خنيس بنِ سعدِ بنِ حبتةَ الأنصاريُّ . وسعدُ بن حبتة أحد الصحابة، وهو مشهور في الأنصار بأمه، وهي حبتة بنت مالك من بني عمرو بن عوف. كان القاضي أبو يوسف من أهل الكوفة، وهو صاحب أبي حنيفة، وكان فقيهًا عالمًا حافظًا، سمع أبا إسحق الشيباني، وسليمان التيمي، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والأعمش، وهشامَ بنَ عروة، وعطاء بن السائب، ومحمدَ بن

стр. 137

إسحق بن يسار، وتلك الطبقة، وجالس محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ثم جالس أبا حنيفة النعمان بن ثابت، وكان الغالب عليه مذهب أبي حنيفة، وخالفه في مواضع كثيرة، وروى عنه: محمد بن الحسن الشيباني الحنفي، وبشر بن الوليد الكندي، وعلي بن جعد، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، في آخرين، وكان قد سكن بغداد، وتولى القضاء بها لثلاثة من الخلفاء: المهدي، وابنه الهادي، ثم هارون الرشيد، وكان الرشيد يكرمه ويُجِلُّه، وهو أول من دعي بقاضي القضاة، ويقال: إنه أول من غير لباسَ العلماء إلى هذه الهيئة التي هم عليها في هذا الزمان، وكان ملبوس الناس قبل ذلك واحدًا لا يتميز أحد عن أحد بلباسه. ولم يختلف يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وعلي بن المديني في ثقته في النقل، وذكر ابن عبد البر في كتاب "الانتهاء في فضائل الثلاثة الفقهاء": أن أبا يوسف كان حافظًا، وأنه كان يحضر المحدث، ويحفظ خمسين أو ستين حديثًا، ثم يقوم فيمليها على الناس، وكان كثير الحديث. وقال محمد بن جرير الطبري: وتحامى حديثَه قومٌ من أهل الحديث من أجل غلبة الرأي عليه، وتفريعه الفروع والأحكام، مع صحبة السلطان وتقلده القضاء. قال طلحة بن محمد بن جعفر: أبو يوسف مشهور الأمر، ظاهر الفضل، أفقَهُ أهل عصره، ولم يتقدمه أحد في زمانه، وكان النهايةَ في العلم والحكم والرئاسة والقدر، وهُوَ أول من وضع الكتب في أصول الفقه على مذهب أبي حنيفة، وأملى المسائل، ونشرها، وبث علم أبي حنيفة في أقطار الأرض. قال عمار بن أبي مالك: ما كان في أصحاب أبي حنيفة مثلُ أبي يوسف، لولا أبو يوسف ما ذكر أبو حنيفة، ولا محمد بن أبي ليلى، ولكنه هو الذي نشر قولَهما، وبث علمَهما. وقال أبو يوسف: سألني الأعمش عن مسألة، فأجبته عنها، فقال لي، من أين لك هذا؟ فقلت من حديثك الذي حدثتنا أنت، ثم ذكرتُ له الحديث، فقال لي: يا يعقوب! إني لأحفظ هذا الحديث قبل أن يجتمع أبواك؛ وما عرفتُ تأويله حتى الآن.

стр. 138

ومن كلام أبي يوسف: العلمُ شيء لا يعطيك بعضَه حتى تعطيه كُلَّك، وأنت إذا أعطيته كلك من إعطائه البعضَ على غرور. وأخبار أبي يوسف كثيرة، وأكثر الناس من العلماء على تفضيله وتعظيمه. وقد نقل الخطيب البغدادي في "تاريخه الكبير" ألفاظًا عن عبد الله بن المبارك، ووكيع بن الجراح، ويزيد بن هارون، ومحمد بن إسماعيل البخاري، وأبي الحسن الدارقطني، وغيرهم ينبو السمع عنها، فتركت ذكرها، واللَّه أعلم بحاله. وكانت ولادته سنة ١١٣، وتوفي يوم الخميس أول وقت الظهر لخمس خلون من شهر ربيع الأول سنة ١٨٢ ببغداد. وولي القضاء سنة ١٦٦، ومات وهو على القضاء. وأما ولدُه يوسف، فإنه كان قد نظر في الرأي، وفَقُهَ، وسمع الحديث من يونس بن أبي إسحق السَّبيعي، والسري بن يحيى، وغيرهما، وولي القضاء بالجانب الغربي من بغداد في حياة أبيه، وصلى بالناس الجمعة في مدينة منصور بأمر هارون الرشيد، ولم يزل على القضاء إلى أن مات في رجب سنة ١٩٢ ببغداد - رحمه الله تعالى -. ١٣١ - أبو عوانة، يعقوبُ بنُ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ بنِ زيدٍ، النيسابوريُّ، ثم الإسفراييني الحافظُ . صاحبُ "المسند الصحيح" المخرج على كتاب مسلم بن الحجاج. كان أبو عوانة أحد الحفاظ الجوَّادين، والمحدثين المكثرين، طاف الشام ومصر والبصرة والكوفة وواسط والحجاز والجزيرة واليمن وأصبهان والري وفارس. قال الحافظ أبو القاسم المعروف بابن عساكر في "تاريخ دمشق": سمع أبو عوانة بدمشق يزيدَ بن محمد بن عبد الصمد، وإسماعيل بن محمد بن قيراط، وشعيب بن شعيب بن إسحق، وغيرهم، وبمصر يونس بن عبد الأعلى، وابن أخي وهب، والمزني، والربيع، ومحمدًا وسعدًا ابني عبد الحكم. وبالعراق سعدانَ بنَ نصر، والحسن الزعفراني، وعمر ابن شبة، وغيرهم،

стр. 139

وبخراسان محمد بن يحيى الذهلي، ومسلم بن الحجاج، ومحمد بن رجاء السندي، وغيرهم، وبالجزيرة عليَّ بن حرب وغيره. وروى عنه: أبو بكر الإسماعيلي، وأحمد بن علي الرازي، وأبو علي الحسين بن علي، وأبو أحمد علي، وسليمان الطبراني، ومحمد بن يعقوب بن إسماعيل الحافظ، وأبو الوليد الفقيه، وابنه أبو مصعب محمدُ بن أبي عوانة. وحج خمس مرات، قال: وكنت بالمصيصة، فكتب إليَّ أخي محمد بن إسحاق، فكان في كتابه، شعر: فإنْ نحنُ التقينا قبلَ موتٍ ... شَفَينا النفسَ من مضضِ العِتابِ وإن سبقتْ بنا أيدي المنايا ... فكَمْ من غائب تحتَ الترابِ وقال أبو عبد الله الحاكم: أبو عوانة من علماء الحديث وأثباتهم، ومن الرحالة في أقطار الأرض لطلب الحديث. توفي سنة ٣١٦، قال أبو القاسم بن عساكر: إن قبر أبي عوانة بأسفرايين مزارُ العالم، ومتبَّرك الخلق، وبجنب قبره قبر الراوية عنه أبي نعيم عبد الملك بن أبي الحسن الأزهر الأسفراييني في مشهد واحد داخل المدينة على يسار الداخل من باب نيسابور من أسفرايين، وقريب من مشهده مشهد الإمام الأستاذ أبي إسحاق الأسفراييني على يمين الداخل من نيسابور، وبجنب قبره قبر الأستاذ أبي منصور البغدادي الإمام الفقيه المتكلم صاحبه الصاحب بالجنب حيًا وميتًا، المتظاهرين لنصرة الدين بالحجج والبراهين، سمعت جدي الإمام عمرَ بنَ الصفار - رحمه الله تعالى - ونظر إلى القبور حول قبر الإمام الأستاذ أبي إسحاق، وأشار إلى المشهد، وقال: قد قيل: ها هنا من الأئمة والفقهاء على مذهب الإمام الشافعي أربعون إمامًا، كل واحد منهم لو تصرف في المذهب، وأفتى برأيه واجتهاده - يعني: على مذهب الشافعي - لكان حقيقًا بذلك، والعوام يتقربون إلى مشهد الأستاذ أبي إسحق أكثرَ مما يتقربون إلى أبي عوانة، وهم لا يعرفون قدرَ هذا الإمام الكبير المحدَّث أبي عوانة؛ لبعد العهد بوفاته، وقرب العهد بوفاة الأستاذ أبي إسحق، وأبو عوانة هو الذي أظهر لهم مذهب الإمام الشافعي -

стр. 140

رحمه الله تعالى - بأسفرايين بعد ما رجع من مصر، وأخذ العلم عن أبي إبراهيم المزني، رح. وكان جدي إذا وصل إلى مشهد الأستاذ، لا يدخله احترامًا، بل كان يقبل عتبة المشهد، وهي مرتفعة بدرجات، ويقف ساعة على هيئة التعظيم والتوقير، ثم يعبر عنه كالمودع لعظيم الهيبة، وإذا وصل إلى مشهد أبي عوانة، كان أشد تعظيمًا له وإجلالا وتوقيرًا، ويقف أكثر من ذلك، رح. وعوانة: - بفتح العين المهملة وبعد الألف نون -. ١٣٢ - أبو البقا، يعيشُ بنُ عليِّ بنِ يعيشَ المعروفِ بابن الصائغ . سمع الحديث على أبي الفضل، عبدِ الله بن أحمد الخطيب الطوسي بالموصل، وعلى أبي محمد عبد الله بن عمرو بن سويد التكريتي، وبحلب من أبي الفرج يحيى بن محمود الثقفي، وبدمشق على تاج الكندي، وغيرهم، وحدث بحلب، وكان فاضلًا ماهرًا في النحو والتصريف. ولد سنة ٥٥٦ بحلب، وتوفي بها سنة ٦٤٣ - رحمه الله تعالى -. ١٣٣ - أبو بكر يموت بن المزرع بن يموت، العبديُّ البصريُّ . كان قد سمى نفسه محمدًا، ذكره الخطيب في "تاريخه الكبير" في المحمَّدين، ثم ذكره في حرف الياء، وقال: هو شيخ كبير، قدم بغداد، وحدث بها عن أبي عثمان المازني، وأبي حاتم السجستاني، وأبي الفضل الرياشي، ونصر بن علي الجَهْضَمي، وعبد الرحمن بن أخي الأصمعي، ومحمد بن يحيى الأزدي، وغيرهم. وروى عنه: أبو بكر الخرائطي، وأبو ميمون بن راشد، وأبو الفضل العباس بن محمد الرقي، وأبو بكر بن مجاهد المقرىء، وأبو بكر بن الأنباري، وغيرهم. وكان أديبًا أخباريًا، وله ملح ونوادر، وكان لا يعود مريضًا خوفًا من أن يتطير باسمه. وكان يقول: بليت بالاسم الذي سماني به أبي، فإني إذا عدت مريضًا،

стр. 141

فاستأذنتُ عليه، فقيل: من هذا؟ قلت: أنا ابن المزرع، وأسقطت اسمي. مات يموت بن المزرع سنة ٣٠٤ بدمشق، - رحمه الله تعالى -. ١٣٤ - أبو يعقوب، يوسفُ بنُ يحيى المصري البويطيُّ، صاحبُ الإمام الشافعي ﵁ -. كان واسطة عقد جماعته، وأظهرَهم نجابةً، اختص به في حياته، وقام مقامه في الدرس والفتوى بعد وفاته، سمع الأحاديث النبوية من عبد الله بن وهب الفقيه المالكي، ومن الإمام الشافعي، وروى عنه: أبو إسماعيل الترمذي، وإبراهيم بن إسحاق الحربي، والقاسم بن المغيرة الجوهري، وأحمد بن منصور الرمادي، وغيرهم. وكان قد حمل في أيام الواثق بالله من مصر إلى بغداد في مدة المحنة، وأُريد على القول بخلق القرآن، فامتنع من الإجابة إلى ذلك، فحُبس ببغداد، ولم يزل في السجن والقيد حتى مات، وكان صالحًا متنسكًا عابدًا زاهدًا. قال الربيع: دخلت على البويطي أيام المحنة، فرأيته مقيدًا إلى أنصاف ساقيه، مغلولةً يدُه إلى عنقه، وكتب إليَّ من السجن: إنه ليأتي عليّ أوقاتٌ لا أحس بالحديد على بدني حتى تمسه يدي، فإذا قرأتَ كتابي هذا، فأحسن خلقك مع أهل حلقتك، واستوصِ بالغرباء خاصة خيرًا، فكثيرًا ما كنت أسمع الشافعي ﵁ يقول: أُهينُ لهم نفسي لأكرمَهم بها ... ولن تُكرَم النفسُ التي لا تُهينها وأخباره كثيرة. توفي يوم الجمعة قبل الصلاة في رجب سنة ٢٣١ في القيد والسجن ببغداد. والبويطي: نسبة إلى بُوَيْط، وهي قرية من أعمال الصعيد الأدنى من ديار مصر. ١٣٥ - أبو عمرو، يوسف بنُ عبد البر بن محمد بن عبد البر بن عاصم، النَّمَريُّ، القرطبيُّ، الحافظُ جمالُ الدين . إمام عصره في الحديث والأثر وما يتعلق بهما.

стр. 142

روى بقرطبة عن أبي القاسم خلف بن القاسم الحافظ، وعبد الوارث بن سفيان، وأبي سعيد نصر، وأبي محمد بن عبد المؤمن، وأبي عمرو الباجي، وأبي عمر الطلمنكي، وأبي الوليد بن الفرضي، وغيرهم. وكتب إليه من أهل المشرق: أبو القاسم السقطي المكي، وعبد الغني بن سعيد الحافظ، وأبو ذر الهروي، وأبو محمد النحاس المصري، وغيرهم. قال القاضي أبو علي بن سكرة: سمعت شيخنا القاضي أبا الوليد الباجي يقول: لم يكن بالأندلس مثل أبي عمرو بن عبد البر في الحديث، وقال الباجي أيضًا: أبو عمرو أحفظ أهل المغرب. وقال أبو علي الغساني الأندلسي: إن ابن عبد البر أخذ كثيرًا من علم الأدب والحديث، ودأب في طلب العلم، وأفتى به، وبرع براعة فاق فيها مَنْ تقدمه من رجال الأندلس، وألف في "المؤطأ" كتبًا مفيدة، منها: كتاب "التمهيد لما في المؤطأ من المعاني والأسانيد"، ورتبه على أسماء شيوخ مالك على حروف المعجم، وهو كتاب لم يتقدمه أحد إلى مثله، وهو سبعون جزءًا. قال أبو محمد بن حزم: لا أعلم في الكلام على فقه الحديث مثلَه، فكيف أحسن منه؟! ثم صنع كتاب "الاستدراك لمذاهب الأعصار فيما تضمنه المؤطأ من معاني الرأي والآثار"، شرح فيه المؤطأ على وجهه، ونسق أبوابه، وجمع في أسماء الصحابة ﵃ كتابًا مفيدًا جليلًا سماه "الاستيعاب"، وله كتاب "جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله"، وغير ذلك من تأليفه. وكان موفقًا في التأليف، معانًا عليه، ونفع الله به، وكان - مع تقدمه في علم الآثر وبصره بالفقه ومعاني الحديث - له بسطةٌ كثيرة في علم النسب. تولى قضاء الاشبونة، وشنترين في أيام ملكها المظفر بن الأفطس. توفي يوم الجمعة آخر يوم من شهر ربيع الآخر سنة ٤٦٣ بمدينة شاطبة من شرق الأندلس، وولد يوم الجمعة - والإمام يخطب - لخمس بقين من شهر ربيع الآخر سنة ٣٦٨، وتقدم في ترجمة الخطيب أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت

стр. 143

البغدادي الحافظ: أنه كان حافظ المشرق، وابن عبد البر حافظ المغرب، وماتا في سنة واحدة، وهما إمامان في هذا الفن. والنَّمَري - بالفتح -: نسبة إلى نمر بن قاسط، وهي قبيلة كبيرة مشهورة ﵀. ١٣٦ - أبو موسى، يونسُ بنُ عبدِ الأعلى بنِ موسى الصدفيُّ، المصريُّ، الفقيهُ الشافعيُّ . أحد أصحاب الشافعي، والمكثرين في الرواية عنه، والملازمة له. وكان كثير الورع، متين الدين، وكان علامة في علم الأخبار، والصحيح والسقيم؛ لم يشاركه في زمانه في هذا أحد، وسمع سفيان بن عيينة، وعبدَ الله بن وهب المصري، وكان محدثًا جليلًا، ذكره القضاعي في كتاب "خطط مصر"، وقال: صحب الشافعيَّ، وأخذ عنه الحديث والفقه، وحدَّث بهما عنه جماعة، وله حبس في ديوان الحكم، وعقب، وله دار مشهورة في خطة الصدف مكتوبٌ عليها اسمه. وذكر غير القضاعي: أن يونس بن عبد الأعلى روى عنه: الإمامُ مسلم بن الحجاج القشيري وأبو عبد الرحمن النسائي، وأبو عبد الله بن ماجه القزويني، وغيرهم. قال يونس: قال لي الشافعي: يا يونس! دخلتَ بغداد؟ فقلت: لا، قال: ما رأيت الدنيا، ولا رأيت الناس. وقال علي بن قديد: كان يونس يحفظ الحديث، ويقوم به، وذكر أبو عبد الرحمن النسائي، فقال: هو ثقة وقال غيره. ولد سنة سبعين ومئة، وتوفي سنة أربع وستين ومئتين - رحمه الله تعالى -. ١٣٧ - قاضي القضاة، شمس الدين أبو العباس، أحمدُ بن إبراهيمَ بنِ أبي بكر، بن خَلِّكان، الأربليُّ الشافعيُّ، رح . هو من بيت كبير بناحية أربل مدينة بالعراق على الشاطىء الشرقي من نهر دجلة بالقرب من موصل، ذكره ابن كثير في تاريخه "البداية والنهاية" فيمن توفي من الأعيان في سنة ٦٨١، فقال: أحد الأئمة الفضلاء، والسادة العلماء،

стр. 144

الصدور الرؤساء، ولي التدريس بعدة مدارس لم تجتمع لغيره، ولم يبق معه في آخر وقته إلا منيته، وبيد ابنه كمال الدين موسى تدريس التجيبة. وكانت وفاته بالمدرسة المذكورة عن ثلاث وسبعين سنة، وقد كان له نظم حسن رائق، ومحاضرته في غاية الحسن، وله التاريخ المفيد الذي وسمه بـ "وفيات الأعيان" من أكبر المصنفات. وقال المؤلف نفسه في ترجمة أم المؤيد النيسابورية: ومولدي يوم الخميس بعد صلاة العصر - حادي عشر شهر ربيع الآخر سنة ٦٠٨، بمدينة أربل، بمدرسة سلطانها الملك المعظم مظفر الدين بن زين الدين، رح. وقال أيضًا في ترجمة عبد الأول السجزي، انه سمع "صحيح البخاري" سنة ٦٢١ بمدينة أربل على الشيخ الصالح ابن هبة الله. وبالجملة: فمن تتبع كتابه هذا وتصفحه يعلم أحواله وأطواره وتنقلاته، وكان له ميل إلى بعض أولاد الملوك، وله فيه أشعار رائقة، وهو الملك المسعود بن المظفر صاحب حماة، وكان قد تيمه حبه، وكرر هذين البيتين ليلة إلى أن أصبح: أنا واللهِ هالك ... آيسٌ من سلامتي أو أرى القامةَ التي ... قد أقامَتْ قيامتي وقال: تَمَثَّلْتُمولِي والديارُ بعيدة ... فَخُيِّل لي أن الفؤادَ لكم مَغْنَى وناجاكُمُ قلبي على البُعِد والنوى ... فأوحشتم لفظًا وآنَسْتُم معنَى وإلى هنا تم ما أخذته من كتابه "وفيات الأعيان"، مع زيادة عليه وتصرف فيه باختصار، وغالبه مرتب، وما يأتي بعد ذلك، فليس فيه رعاية الترتيب في شيء، فليعلم. ١٣٨ - إبراهيم بنُ إسحق الحربيُّ . قال الصلاحُ الكتبي في "فوات الوفيات": أحد الأئمة الأعلام، ولد سنة ١٩٨.

стр. 145

تفقه على الإمام أحمد، وكان من نجباء أصحابه. قال الخطيب: كان إمامًا في العلم، رأسًا في الزهد، حافظًا للحديث، مجيبًا للمسألة، قيمًا بالأدب، صنف "غريب الحديث" وكتبًا كثيرة، وأنشده رجل، شعر: أنكرت ذُلِّي فأيُّ شيء ... أحسنُ من ذِلَّةِ المُحِبِّ أليسَ شوقي وفَيْضُ دمعي ... وضعفُ جسمي شهودَ حُبِّي فقال إبراهيم: هؤلاء شهود ثقات. وقال: ما أنشدت شيئًا من الشعر إلا قرأت: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ثلاث مرات. وقال: إنه بلغني أن الإنسان إذا ابتُلي بحب صورة قبيحة، كان بلاء تجب الاستعاذة من مثله، وإن كان مليحًا، كان ابتلاء يجب الصبر عليه واحتمال المشقة، وكان أصله من مرو، وتوفي سنة ٢٨٥. ١٣٩ - إبراهيم بن سليمان ابن النجار، الدمشقيُّ . ولد سنة ٥٩٠، وتوفي سنة ٦٥١. حدث وكتب في الإجازات، وكتب عليه أبناء البلد، وله نظم وأدب، وسمع بدمشق من التاج الكندي، ومن شعره: لقد نبتتْ في صحنِ خَدِّك لحيةٌ ... تأنَّق فيها صانعُ الإنس والجِنِّ وما كنتَ محتاجًا إلى حسنِ نبِتها ... ولكنها زادَتْكَ حُسْنًا إلى حُسنِ وله أيضًا: جُبلْتُ على حُبِّي لها وأَلِفْتُه ... ولا بدَّ أن أَلْقى بهِ اللَّهَ مُعْلِنا ولَم يَخْلُ قلبي من هَواها بقدرِ ما ... أقولُ وقلبي خالِيًا فتمكَّنا ١٤٠ - شهاب الدين، أبو العباس، أحمدُ (١) بن أبي المعالي محيي الدين، القدسيُّ العدويُّ العمريُّ، الإمامُ الحافظُ. حجة الكتاب، إمام أهل الأدب، أحد رجالات الزمان كتابة وترسُّلًا، يتوقد
следующие страницы →