فاستأذنتُ عليه، فقيل: من هذا؟ قلت: أنا ابن المزرع، وأسقطت اسمي.
مات يموت بن المزرع سنة ٣٠٤ بدمشق، - رحمه الله تعالى -.
١٣٤ - أبو يعقوب، يوسفُ بنُ يحيى المصري البويطيُّ، صاحبُ الإمام الشافعي ﵁ -.
كان واسطة عقد جماعته، وأظهرَهم نجابةً، اختص به في حياته، وقام مقامه في الدرس والفتوى بعد وفاته، سمع الأحاديث النبوية من عبد الله بن وهب الفقيه المالكي، ومن الإمام الشافعي، وروى عنه: أبو إسماعيل الترمذي، وإبراهيم بن إسحاق الحربي، والقاسم بن المغيرة الجوهري، وأحمد بن منصور الرمادي، وغيرهم.
وكان قد حمل في أيام الواثق بالله من مصر إلى بغداد في مدة المحنة، وأُريد على القول بخلق القرآن، فامتنع من الإجابة إلى ذلك، فحُبس ببغداد، ولم يزل في السجن والقيد حتى مات، وكان صالحًا متنسكًا عابدًا زاهدًا.
قال الربيع: دخلت على البويطي أيام المحنة، فرأيته مقيدًا إلى أنصاف ساقيه، مغلولةً يدُه إلى عنقه، وكتب إليَّ من السجن: إنه ليأتي عليّ أوقاتٌ لا أحس بالحديد على بدني حتى تمسه يدي، فإذا قرأتَ كتابي هذا، فأحسن خلقك مع أهل حلقتك، واستوصِ بالغرباء خاصة خيرًا، فكثيرًا ما كنت أسمع الشافعي ﵁ يقول:
أُهينُ لهم نفسي لأكرمَهم بها ... ولن تُكرَم النفسُ التي لا تُهينها
وأخباره كثيرة.
توفي يوم الجمعة قبل الصلاة في رجب سنة ٢٣١ في القيد والسجن ببغداد.
والبويطي: نسبة إلى بُوَيْط، وهي قرية من أعمال الصعيد الأدنى من ديار مصر.
١٣٥ - أبو عمرو، يوسف بنُ عبد البر بن محمد بن عبد البر بن عاصم، النَّمَريُّ، القرطبيُّ، الحافظُ جمالُ الدين .
إمام عصره في الحديث والأثر وما يتعلق بهما.
стр. 142
روى بقرطبة عن أبي القاسم خلف بن القاسم الحافظ، وعبد الوارث بن سفيان، وأبي سعيد نصر، وأبي محمد بن عبد المؤمن، وأبي عمرو الباجي، وأبي عمر الطلمنكي، وأبي الوليد بن الفرضي، وغيرهم. وكتب إليه من أهل المشرق: أبو القاسم السقطي المكي، وعبد الغني بن سعيد الحافظ، وأبو ذر الهروي، وأبو محمد النحاس المصري، وغيرهم.
قال القاضي أبو علي بن سكرة: سمعت شيخنا القاضي أبا الوليد الباجي يقول: لم يكن بالأندلس مثل أبي عمرو بن عبد البر في الحديث، وقال الباجي أيضًا: أبو عمرو أحفظ أهل المغرب.
وقال أبو علي الغساني الأندلسي: إن ابن عبد البر أخذ كثيرًا من علم الأدب والحديث، ودأب في طلب العلم، وأفتى به، وبرع براعة فاق فيها مَنْ تقدمه من رجال الأندلس، وألف في "المؤطأ" كتبًا مفيدة، منها: كتاب "التمهيد لما في المؤطأ من المعاني والأسانيد"، ورتبه على أسماء شيوخ مالك على حروف المعجم، وهو كتاب لم يتقدمه أحد إلى مثله، وهو سبعون جزءًا.
قال أبو محمد بن حزم: لا أعلم في الكلام على فقه الحديث مثلَه، فكيف أحسن منه؟! ثم صنع كتاب "الاستدراك لمذاهب الأعصار فيما تضمنه المؤطأ من معاني الرأي والآثار"، شرح فيه المؤطأ على وجهه، ونسق أبوابه، وجمع في أسماء الصحابة ﵃ كتابًا مفيدًا جليلًا سماه "الاستيعاب"، وله كتاب "جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله"، وغير ذلك من تأليفه.
وكان موفقًا في التأليف، معانًا عليه، ونفع الله به، وكان - مع تقدمه في علم الآثر وبصره بالفقه ومعاني الحديث - له بسطةٌ كثيرة في علم النسب.
تولى قضاء الاشبونة، وشنترين في أيام ملكها المظفر بن الأفطس.
توفي يوم الجمعة آخر يوم من شهر ربيع الآخر سنة ٤٦٣ بمدينة شاطبة من شرق الأندلس، وولد يوم الجمعة - والإمام يخطب - لخمس بقين من شهر ربيع الآخر سنة ٣٦٨، وتقدم في ترجمة الخطيب أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت
стр. 143
البغدادي الحافظ: أنه كان حافظ المشرق، وابن عبد البر حافظ المغرب، وماتا في سنة واحدة، وهما إمامان في هذا الفن.
والنَّمَري - بالفتح -: نسبة إلى نمر بن قاسط، وهي قبيلة كبيرة مشهورة ﵀.
١٣٦ - أبو موسى، يونسُ بنُ عبدِ الأعلى بنِ موسى الصدفيُّ، المصريُّ، الفقيهُ الشافعيُّ .
أحد أصحاب الشافعي، والمكثرين في الرواية عنه، والملازمة له.
وكان كثير الورع، متين الدين، وكان علامة في علم الأخبار، والصحيح والسقيم؛ لم يشاركه في زمانه في هذا أحد، وسمع سفيان بن عيينة، وعبدَ الله بن وهب المصري، وكان محدثًا جليلًا، ذكره القضاعي في كتاب "خطط مصر"، وقال: صحب الشافعيَّ، وأخذ عنه الحديث والفقه، وحدَّث بهما عنه جماعة، وله حبس في ديوان الحكم، وعقب، وله دار مشهورة في خطة الصدف مكتوبٌ عليها اسمه.
وذكر غير القضاعي: أن يونس بن عبد الأعلى روى عنه: الإمامُ مسلم بن الحجاج القشيري وأبو عبد الرحمن النسائي، وأبو عبد الله بن ماجه القزويني، وغيرهم. قال يونس: قال لي الشافعي: يا يونس! دخلتَ بغداد؟ فقلت: لا، قال: ما رأيت الدنيا، ولا رأيت الناس. وقال علي بن قديد: كان يونس يحفظ الحديث، ويقوم به، وذكر أبو عبد الرحمن النسائي، فقال: هو ثقة وقال غيره.
ولد سنة سبعين ومئة، وتوفي سنة أربع وستين ومئتين - رحمه الله تعالى -.
١٣٧ - قاضي القضاة، شمس الدين أبو العباس، أحمدُ بن إبراهيمَ بنِ أبي بكر، بن خَلِّكان، الأربليُّ الشافعيُّ، رح .
هو من بيت كبير بناحية أربل مدينة بالعراق على الشاطىء الشرقي من نهر دجلة بالقرب من موصل، ذكره ابن كثير في تاريخه "البداية والنهاية" فيمن توفي من الأعيان في سنة ٦٨١، فقال: أحد الأئمة الفضلاء، والسادة العلماء،
стр. 144
الصدور الرؤساء، ولي التدريس بعدة مدارس لم تجتمع لغيره، ولم يبق معه في آخر وقته إلا منيته، وبيد ابنه كمال الدين موسى تدريس التجيبة.
وكانت وفاته بالمدرسة المذكورة عن ثلاث وسبعين سنة، وقد كان له نظم حسن رائق، ومحاضرته في غاية الحسن، وله التاريخ المفيد الذي وسمه بـ "وفيات الأعيان" من أكبر المصنفات.
وقال المؤلف نفسه في ترجمة أم المؤيد النيسابورية: ومولدي يوم الخميس بعد صلاة العصر - حادي عشر شهر ربيع الآخر سنة ٦٠٨، بمدينة أربل، بمدرسة سلطانها الملك المعظم مظفر الدين بن زين الدين، رح. وقال أيضًا في ترجمة عبد الأول السجزي، انه سمع "صحيح البخاري" سنة ٦٢١ بمدينة أربل على الشيخ الصالح ابن هبة الله. وبالجملة: فمن تتبع كتابه هذا وتصفحه يعلم أحواله وأطواره وتنقلاته، وكان له ميل إلى بعض أولاد الملوك، وله فيه أشعار رائقة، وهو الملك المسعود بن المظفر صاحب حماة، وكان قد تيمه حبه، وكرر هذين البيتين ليلة إلى أن أصبح:
أنا واللهِ هالك ... آيسٌ من سلامتي
أو أرى القامةَ التي ... قد أقامَتْ قيامتي
وقال:
تَمَثَّلْتُمولِي والديارُ بعيدة ... فَخُيِّل لي أن الفؤادَ لكم مَغْنَى
وناجاكُمُ قلبي على البُعِد والنوى ... فأوحشتم لفظًا وآنَسْتُم معنَى
وإلى هنا تم ما أخذته من كتابه "وفيات الأعيان"، مع زيادة عليه وتصرف فيه باختصار، وغالبه مرتب، وما يأتي بعد ذلك، فليس فيه رعاية الترتيب في شيء، فليعلم.
١٣٨ - إبراهيم بنُ إسحق الحربيُّ .
قال الصلاحُ الكتبي في "فوات الوفيات": أحد الأئمة الأعلام، ولد سنة ١٩٨.
стр. 145
تفقه على الإمام أحمد، وكان من نجباء أصحابه. قال الخطيب: كان إمامًا في العلم، رأسًا في الزهد، حافظًا للحديث، مجيبًا للمسألة، قيمًا بالأدب، صنف "غريب الحديث" وكتبًا كثيرة، وأنشده رجل، شعر:
أنكرت ذُلِّي فأيُّ شيء ... أحسنُ من ذِلَّةِ المُحِبِّ
أليسَ شوقي وفَيْضُ دمعي ... وضعفُ جسمي شهودَ حُبِّي
فقال إبراهيم: هؤلاء شهود ثقات. وقال: ما أنشدت شيئًا من الشعر إلا قرأت: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ثلاث مرات. وقال: إنه بلغني أن الإنسان إذا ابتُلي بحب صورة قبيحة، كان بلاء تجب الاستعاذة من مثله، وإن كان مليحًا، كان ابتلاء يجب الصبر عليه واحتمال المشقة، وكان أصله من مرو، وتوفي سنة ٢٨٥.
١٣٩ - إبراهيم بن سليمان ابن النجار، الدمشقيُّ .
ولد سنة ٥٩٠، وتوفي سنة ٦٥١. حدث وكتب في الإجازات، وكتب عليه أبناء البلد، وله نظم وأدب، وسمع بدمشق من التاج الكندي، ومن شعره:
لقد نبتتْ في صحنِ خَدِّك لحيةٌ ... تأنَّق فيها صانعُ الإنس والجِنِّ
وما كنتَ محتاجًا إلى حسنِ نبِتها ... ولكنها زادَتْكَ حُسْنًا إلى حُسنِ
وله أيضًا:
جُبلْتُ على حُبِّي لها وأَلِفْتُه ... ولا بدَّ أن أَلْقى بهِ اللَّهَ مُعْلِنا
ولَم يَخْلُ قلبي من هَواها بقدرِ ما ... أقولُ وقلبي خالِيًا فتمكَّنا
١٤٠ - شهاب الدين، أبو العباس، أحمدُ (١) بن أبي المعالي محيي الدين، القدسيُّ العدويُّ العمريُّ، الإمامُ الحافظُ.
حجة الكتاب، إمام أهل الأدب، أحد رجالات الزمان كتابة وترسُّلًا، يتوقد
стр. 146
ذكاء وفطنة، ويتلهب وينحدر سيله مذاكرة وحفظًا، ويتصبب ويتدفق بحرُه بالجواهر كلامًا، ويتألق إنشاؤه بالبوارق المستعرة نظامًا، ويقطر كلامه فصاحة وبلاغة، وتندي عبارته انسجامًا وصياغة، ذكره الصفدي، وأثنى عليه ثناء كثيرًا حكاه عنه في الآثار، وعرف به العلامة المقريزي، أذن له العلامة شمس الدين الأصفهاني في الإفتاء على مذهب الشافعي. ولد بدمشق سنة ٧٠٠.
قرأ العربية على ابن شهبة، والأحكام الصغرى على الشيخ تقي الدين بن تيمية، صنف كتاب "مسالك الأبصار (١) في ممالك الأمصار" في عشرين مجلدًا، وهو كتاب حافل، ما أعلم أن لأحد مثلَه. وله "دمعة الباكي"، و"يقظة الساهر"، و"نفحة الروض"، و"صبابة المشتاق" في المدائح النبوية، و"سفر السافر"، و"تذكرة الخاطر"، ذكر - له ولوالده - سليم الخوري ترجمةً حافلة في "الآثار". ونظم كثيرًا من القصائد والأراجيز والمقطعات، وأنشأ كثيرًا من التقاليد والمناشير والتواقيع ومكاتبات الملوك. توفي سنة ٧٤٩.
١٤١ - تقي الدين بن أبي اليسر .
مسند الشام، تفرد بأشياء كثيرة، وكان جيد النظم، حسنَ القول، صحيحَ السماع، ولي مشيخة الزاوية بدار الحديث الأشرفية، روى عنه: الصرصري، وابن العطار، وابن تيمية، وأخواه.
١٤٢ - أحمد بن محمد بن منصور القاضي ناصر الدين بن المُنَيّرِ الإسكندرانيُّ .
ولد سنة ٧٢٠، وتوفي سنة ٦٨٣.
وكان عالمًا فاضلًا متفننًا، له اليد الطولى في الأدب، وتفسيره نفيس، ولي قضاء الإسكندرية وخطابتها مرتين، وكان الشيخ عز الدين بن عبد السلام يقول:
стр. 147
ديار مصر تفتخر برجلين في طرفيها: ابن المنير - بالإسكندرية، وابن دقيق العيد - بقوص، وله ديوان خطب، وتفسير "حديث الاسراء".
١٤٣ - خالد بن يوسف بنِ سعد، الحافظُ المفيدُ، زينُ الدين، أبو البقا النابلسيُّ، ثم الدمشقيُّ .
ولد سنة ٥٨٥، وتوفي سنة ٦٦٣.
سمع من القاسم بن عساكر، وابن طَبْرَزَد، وطائفة، ونظر في اللغة والعربية، وكان يعرف جملة من الغريب، والأسماء، والمختلف والمؤتلف، روى عنه: النووي، والتاج الفزاري، وابن دقيق العيد.
١٤٤ - سليمان بنُ علي، الشيخُ الأديبُ البارع عفيفُ الدين التلمسانيُّ .
كان كوفي الأصل، وكان يدَّعي العرفان على اصطلاح القوم، وكان منتحلًا في - أقواله وأفعاله - طريقةَ ابن عربي.
توفي بدمشق في شهور سنة ٦٩٠، ودفن بمقابر الصوفية، ومن نظمه، شعر:
إنْ كان قتلي في الهوى يتعيَّنُ ... يا قاتلي! فبسيفِ طرفِكَ أَهْوَنُ
حَسْبي وحَسْبُك أن تكونَ مدامعي ... غسلي، وفي ثوبِ السَّقامِ أُكَفَّنُ
قلت: ومن هذا الوادي قولُ آزاد البلجرامي ﵀ بالفارسية:
اكر بخاطر عاطر بود شهادت ما ... زدست وتيغ تو مردن زهى سعادت ما
١٤٥ - سليمانُ بنُ حمزة الإمامُ المفتي مسندُ الشام، تقيُّ الدين أبو الفضل المقدسيُّ الجماعيليُّ الدمشقيُّ الحنبليُّ .
ولد سنة ٦٢٨، وتوفي سنة ٧١٥، ولي القضاء عشرين سنة، وكان إذا أراد أن يحكم، قال: صلوا على رسول الله ﷺ ، فإذا صلوا، حكم، رح.
١٤٦ - عبد الله بن محمد بن عبيد، يعرف بابن أبي الدنيا .
مولده سنة ٢٠٨، وتوفي سنة ٢٨٢ أو سنة ٢٨١.
وكان يؤدب المعتضد باللَّه، والمكتفي باللَّه في حداثتهما، وكان له عليهما كل
стр. 148
يوم خمسة عشر دينارًا، وهو أحد الثقات المصنفين للأخبار والسير.
وله كتب كثيرة تزيد على مئة كتاب، سمع من المشايخ، وروى عنه جماعة.
قال ابن أبي حاتم: كتبت عنه مع أبي، وكان صدوقًا، وكان إذا جالس أحدًا إن شاء أضحكه، وإن شاء أبكاه، رح. قال في "آثار الأدهار". وقيل: إنه كان يروي عن محمد بن إسحق البلخي، وهو كذاب لا يركن إليه، وتصانيفه كثيرة.
١٤٧ - عبدُ الحق بنُ إبراهيمَ بنِ محمدٍ، المرسيُّ، الأندلسيُّ الصوفيُّ، يعرف بابن سبعين .
كان صوفيًا على قواعد الفلاسفة من القائلين بوحدة الوجود، وله كلام كثير في العرفان، وتصانيف، وله أتباع ومريدون، يعرفون: بالسبعينية.
ذكر له سليم الخوري في "آثار الأدهار" ترجمة مطولة، قال: وقد رُمي بضعف المعتقد، واختلفت فيه الأقوال، وقال غير واحد: إن أغراض الناس فيه متباينة بعيدة عن الاعتدال، فمنهم المرهق المكفِّر، ومنهم المقلد المعظم الموقر، وحصل بهذين الطرفين من الشهرة والاعتقاد والنفرة والانتقاد ما لم يقع لغيره.
قال ابن خلدون: وكان حافظًا للعلوم الشرعية والعقلية، سالكًا مرتاضًا بزعمه على طريقة الصوفية، ويتكلم بمذاهب غريبة منها، ويقول برأي الوحدة، ويزعم بالتصرف في الأكوان على الجملة، فأرهق في عقيدته، ورُمي بالكفر أو الفسق في كلماته، وأعلن بالنكير عليه والمطالبة له السكوني، فلحق بالمشرق، انتهى. وقد ذهب ابن سبعين إلى القول بالحلول والوحدة المطلقة، وتوغل فيه، كالهروي، وابن عربي، وابن العفيف، وابن الفارض، والنجم الإسرائيلي، وهذا القول غريب في تعقله وتفاريعه.
ومن مكفريه: شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ والله أعلم.
قال الذهبي: ذكر شيخنا ابن دقيق العيد، قال: جلست مع ابن سبعين من ضحوة إلى قريب الظهر، وهو يسرد كلامًا تعقل مفرداته، ولا تعقل مركباته. قال
стр. 149
الذهبي: واشتهر أنه قال لقد تحجر ابن آمنة واسعًا بقوله: "لا نبيَّ بعدي"، قال: إن كان ابن سبعين قال هذا، فقد خرج من الإسلام، مع أن هذا الكلام هو أخفُّ وأهون من قوله في رب العالمين: إنه حقيقة الموجودات - تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا -، ثم إنه فصد يديه، وترك الدم يخرج حتى مات بمكة في سنة ٦٦٨، وله عدة رسائل، وكتاب "الإحاطة"، ويقال: إنه كان يعرف السيمياء والكيمياء، ويحكون عنه أشياء من الرياضة، وكلام فحل محشو بكلام.
١٤٨ - عبد الحق بنُ عبد الرحمن، الأزديُّ، الإشبيليُّ، يعرف بابن الخراط .
روى عن: شريح بن محمد، وأبي الحكم بن برجان، وغيرهم، أجاز له: ابنُ عساكر، وولى الخطبة والصلاة بالأندلس، وكان حافظًا عالمًا بالحديث وعلله ورجاله، موصوفًا بالخير والصلاح والزهد والتقلل من الدنيا، مشاركًا في الأدب وقول الشعر.
صنف في الأحكام نسختين؛ كبرى، وصغرى، وجمع بين الصحيحين، وبوبه، وجميع الكتب الستة، وله كتاب في المعتل من الحديث، وله كتاب "الزهد"، وكتاب "العاقبة في ذكر الموت"، وكتاب "الرقائق"، ومن شعره:
إنَّ في الموت والمعاد لَشُغْلًا ... وادِّكارًا لذي النُّهى وبَلاغا
فاغتنمْ خصلتين قبل المنايا ... صحةَ الجسمِ يا أخي والفراغا
وله في اللغة كتاب حافل ضاهى به كتاب الهروي.
وكانت وفاته في سنة ٥٨١، ذكر له سليم الخوري في "الآثار" ترجمة حسنة.
١٤٩ - عبد الرحمن بنُ إبراهيمَ بن سباع، تاجَ الدين، القراريُّ، البدريُّ، المصريُّ .
العلامة الإمام، فقيه الشام، ولد سنة ٦٢٤، وتوفي سنة ٦٩٠.
سمع من ابن النجار، وابن الصلاح، والسخاوي، وسع منه ابن تيمية، والمزي، وابن الزملكاني، وغيرهم، درَّس وناظرَ وصَنَّف. وكان ممن بلغ رتبة الاجتهاد، ومحاسنُه كثيرة، وكان يلثَغُ بالراء غينًا.
стр. 150
وكان أكبر من النووي، ويقول: أيش قال النووي في مزبلته؟ يعني: "الروضة".
عاش ستاً وستين سنة وثلاثة أشهر، وله "كشف القناع في حل السماع"، وله شعر رائق.
١٥٠ - عبد الرحمن بنُ أحمدَ بنِ يونسَ، الصدفيُّ، المصريُّ، الحافظُ المؤرخُ .
ولد سنة ٢٨١، وتوفي سنة ٣٤٧.
له كلام في الجرح والتعديل؛ يدل على تبصره بالرجال، ومعرفته بالعلل.
وكان إماماً في علم التاريخ، عمل لمصر تاريخين.
ولما مات، رثاه الخشاب النحوي.
١٥١ - عبد الرحمن بنُ إسماعيل بنِ إبراهيم، أبو شامة، المقدسيُّ، النحويُّ، المقرىءُ .
ولد سنة ٥٩٦ بدمشق، وتوفي سنة ٦٦٥.
حصل له عناية بالحديث، وسمع أولاده، وقرأ بنفسه، وأتقن الفقه، ودرَّس وأفتى، وبرع في العربية، له كتاب "الباعث على إنكار البدع والحوادث"، وغير ذلك، وحصل له الشيب وعمره خمس وعشرون سنة، ولي مشيخة دار الحديث الأشرفية، ومن نظمه في "السبعة يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله":
إمامٌ، محبٌّ، ناشىءٌّ، متصدِّقٌ ... وباكٍ، مُصَلًّ، خائفُ سطوةَ الباسِ
يُظِلُّهُمُ اللهُ الجليلُ بظلِّهِ ... إذا كان يومَ العرضِ لا ظِلَّ للنَّاسِ
أشرتُ بألفاظِ تدُلُّ عليهم ... فيذكرُهم في النظمِ من بعضهم ناسي
وقال في المعنى:
وقال النبيُّ المصطفى إنَّ سبعةً ... يُظِلُّهم اللهُ العظيمُ بظلِّهِ
مُحِبٌّ، عفيفٌ، ناشىءٌ، متصدِّقٌ ... وباكٍ، مصلًّ، والإمامُ بعدلِهِ
стр. 151
وهذا الأخير أورده الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" وزاد عليه أشياء، ونظمها، ذكرتها في "دليل الطالب" فليراجع.
١٥٢ - عبد الرحمن بن محمد بن إدريس أبو محمد بنُ أبي حاتمِ، التميميُّ، الحنظليُّ .
الإمام بنُ الإمام، الحافظ بن الحافظ، سمع أباه وغيره.
قال ابن مندَهْ: صنف ابن أبي حاتم "المسند" في ألف جزء، وله "مقدمة الجرح والتعديل"، و"اختلاف الصحابة والتابعين وعلماء الأمصار"، وله "الجرح والتعديل (١) " في عدة مجلدات تدل على سَعَة حفظه وإمامته، وكتاب "الرد على المجسمة"، وله تفسير كبير - سائره آثار مسندة - في أربع مجلدات.
وكان يُعد من الأبدال، وقد أثنى عليه جماعة بالزهد والورع التام، والعلم والعمل، توفي في المحرم سنة ٣٢٧ - رحمه الله تعالى -.
١٥٣ - عبد الرحمن بنُ محمدِ بنِ إسحقَ بنِ محمد بنِ يحيى بن منده، العبديُّ الأصفهانيُّ .
كأن كبير الشأن، جليل القدر، حسنَ الخطّ، واسع الرواية، له أصحاب وأتباع، وله تصانيف كثيرة، وردود جمة على أهل البدع، توفي سنة ٤٧٠.
قال ابن رجب في "طبقاته": كان كثير السماع، كبير الشأن، سافر إلى البلاد، وخرج التخاريج، وكان متمسكًا بالسنة، معرضًا عن أهل البدع. وكان سعد بن محمد الزنجاني يقول: حَفظ اللهُ الإسلام برجلين: أحدُهما بأصبهان، والآخر بهراة: عبد الرحمن بن منده، وعبد الرحمن الأنصاري. وقال يحيى بن منده: كان عمي سيفًا على أهل البدع.
وقال إسماعيل التيمي: خالف أباه في مسائل، وأعرض عنه مشايخ الوقت، وما تركني أبي أسمع منه، قال ابن رجب: وهذا ليس بقادح إن صح.
стр. 152
قال ابن السمعاني: سمعت الحسينَ بنَ عبد الملك يقول: سمعتُ ابن مندَهْ يقول: قد تعجبت من حالي مع الأقربين والأبعدين؛ فإني وجدت في الآفاق التي قصدتها أكثر من لقيته بها - موافقًا كان أو مخالفًا - دعاني إلى مساعدته على ما يقوله، وتصديق قوله والشهادة له في فعله على قبول ورضًا، فإن كنت صدقته، سماني: موافقًا، وإن وقعت في حرف من قوله وفي شيء من فعله، سماني: مخالفًا، وإن ذكرت في واحد منهما أن "الكتاب والسنة" بخلاف ذلك، سماني: خارجيًا، وإن أوردت حديثًا في التوحيد، سماني: مشبهاً، وإن كان في الرؤية، سماني: سالميًا، وأنا متمسك بالكتاب والسنة، متبرىء إلى الله من التشبيه والتمثيل والضد والند والجسم والأعضاء ومن كل ما ينسب إليَّ، ويُدَّعى عليَّ من أن أقول في الله تعالى شيئًا من ذلك، أو قلته أو أراه أو أتوهمه أو أتخذه أو انتحله.
ومن تصانيفه "الردُّ على الجهمية" قال ابن تيمية رح: كان ابنُ مندَهْ من الأصحاب، وكان يذهب إلى الجهر بالبسملة في الصلاة. قال ابن منده: علامة الإخلاص زيادة السر على الإعلان في إيثار قول الله وقول رسوله ﷺ على الأقوال كلها، وعلامة الصبر: حبسُ النفس في استحكام الدرس بالكتاب والسنة، وعلامة التسليم: الثقة بالله الحكيم في قوله، والسكون إلى الله العظيم بقول رسول الله ﷺ في جميع الأشياء، وقال في كتاب "الرد على الجهمية": التأويل عند أصحاب الحديث: فرعٌ من التكذيب.
١٥٤ - عبد الرحمن بن محمد بن الحسنِ يعرف بابن عساكر، الدمشقيُّ .
صنف في الحديث والفقه، ودرس في مواضع، وكان يتورع من المرور في رواق الحنابلة؛ لئلا يأثموا بالوقيعة فيه؛ لأن عوامهم يبغضون بني عساكر؛ لأنهم شافعية أشاعرة، وعرضوا عليه ولايات ومناصب، فتركها. توفي سنة ٦٢٠، ومولده سنة ٥٥٠.
١٥٥ - عبد الرحمن بنُ محمدِ بنِ المظفر، الداوديُّ .
جمالُ الإسلام، وشيخ خراسان، راوي البخاري من السرخسي، كان من الأئمة الكبار مع علو الإسناد.
стр. 153
وله حظ من النظم والنثر، أخذ في التدريس والفتوى والتصنيف، وعقد مجالس التذكير ورواية الحديث إلى أن توفي سنة ٤٦٧، وكان مولده في سنة ٣٧٤، ومن شعره:
كانَ اجتماعُ الناس فيما مضى ... يُؤرثُ البهجةَ والسَّلْوَهْ
فانقلبَ الأمرُ إلى ضِدِّهِ ... فصارتِ السلوةُ في الخلوهْ
وله أيضًا:
كان في الاجتماع من قبلُ نورٌ ... فمضى النورُ وادْلَهَمَّ الظلامُ
فَسَدَ الناسُ والزَمانُ جميعًا ... فعلى الناسِ والزمانِ السلامُ
١٥٦ - عبد الرحمن بن أحمد بن محمد، يعرفُ بابن الاخوة .
سمع من جماعة، وسافر إلى خراسان في طلب الحديث، وسمع بنيسابور، والري، وطبرستان، وأصبهان، وقرأ بنفسه، وكان سريع القراءة والكتابة، قال: كتبت بخطي ألف مجلد، وله معرفة بالأدب، ومن شعره:
الدهرُ كالميزانِ يرفعُ ناقصًا ... أبدًا، ويخفضُ زائدَ المقدارِ
وإذا انتحى الإنصافَ عادل عدله ... في الوزنِ بينَ حديدةٍ ونُضار
أنفقتُ شرخَ شبابي في ديارِكُمُ ... فما حَظيتُ ولا أنفدتُ إنفاقي
وخيرُ عمري الذي وَلَّى وقد ولعت ... به الهمومُ، فكيف الظنُّ بالباقي
١٥٧ - عبد الصمد بنُ عبدِ الوهاب بنِ الحسنِ بن عساكر، الإمامُ، المحدثُ، الزاهد، أبو اليمن، الدمشقيُّ نزيلُ الحرم .
سمع من جده، ومن ابن الزبيدي، وابن غسان، وأجاز له أبو روح الهروي، وطائفة، وحدث بالحرمين بأشياء، وكان جيد المشاركة في العلوم. وكان شيخَ الحجاز في وقته، وله تآليف في الحديث.
وله سنة ٦١٤، وتوفي سنة ٦٨٧.
стр. 154
١٥٨ - عبدُ العظيم بنُ عبد القويِّ بنِ عبدِ الله، الحافظُ، الإمامُ، زكيُّ الدين، أبو محمد، المنذريُّ المصريُّ .
ولد سنة ٥٨١، وتوفي سنة ٦٥٦.
قرأ القرآن على الأبارجي، وتأدب على جماعة من أهل العلم، وبرع، وسمع من جماعة، وخرج لنفسه معجمًا كبيرًا مفيدًا، روى عنه: الدمياطي، وابن دقيق العيد، وخلقٌ كثير، ودرَّس بالجامع الظافري بالقاهرة، ثم ولي مشيخة دار الحديث الكاملية، وانقطع بها نحوًا من عشرين سنة.
قلت: وله كتاب حافل في "الترغيب والترهيب" مفيدٌ نافع جدًا، وقد صدر أمر الرئيسة المعظمة العالية، والية "بهويال" المحمية - حفظها الله تعالى - بطبعه لهذا العهد سنة ١٢٩٨ - بدار العلم دهلي - في المطبعة الفاروقية، ولله الحمد حمدًا كثيرًا.
وله "تلخيص صحيح مسلم" في غاية الجودة والإتقان، يدل على علو كعبه في فهم السنة، علَّقت عليه شرحًا مختصرًا في هذه الأيام من غرة رجب سنة ١٣٩٨ للهجرة، وسميته: "السراج الوهاج" - أعان الله على إتمامه بمنه وكرمه -.
١٥٩ - عبد القادر الجيلاني بنُ أبي صالح موسى بن جنكي دوست، ينتهي نسبه إلى الحسين بن علي ﵄ الشيخُ أبو محمد، الجيليُّ، الحنبليُّ، الزاهدُ المشهورُ .
صاحبُ المقامات والكرامات والعلوم والمعارف والأحوال المشهورة، شيخُ الحنابلة، ولد بجيلان سنة ٤٩٠ أو سنة ٤٩١.
قدم بغداد شابًا، وسمع بها الحديث من الباقلاني، وجعفر السراج، وأبي بكر بن سوس. وقيل: قرأ أيضًا على ابن عقيل، والقاضي أبي الحسين، وبرع في المذهب والخلاف، وقرأ الأدب على أبي زكريا التبريزي، وصحب الشيخَ يحيى بن علي حماد الدباس الزاهد. قال ابن الجوزي: درس بمدرسة شيخه المخرمي، وكانت هذه المدرسة لطيفة، ففوضت إلى عبد القادر، فتكلم
стр. 155
على الناس بلسان الوعظ، وظهر له صيت بالزهد، وكان له سَمْتٌ وصمتٌ، وضاقت المدرسة بالناس، وكان يجلس عند سور بغداد مستندًا إلى الرباط ويتوب عنده في المجلس خلق كثير، فعمرت المدرسة ووسعت، وتعصب في ذلك العوام، وأقام في مدرسته يدرس إلى أن توفي، انتهى.
وذكره ابن السمعاني، فقال: حصل له القبول التام من الناس، واعتقدوا ديانته وصلاحه، وانتفعوا بكلامه ووعظه، وانتصر أهل السنة بظهوره، واشتهرت أحواله وأقواله وكراماته ومكاشفاته، وهابه الملوكُ فمَنْ دونهم.
قال الشيخ موفق الدين صاحب "المغني": لم أسمع عن أحد يحكى عنه من الكرامات أكثر مما يحكى عن الشيخ عبد القادر، ولا رأيت أحدًا يعظم من أجل الدين أكثر منه. وذكر الشيخ عز الدين بن عبد السلام: أنه لم تتواتر كرامات أحد من المشايخ إلا الشيخ عبد القادر؛ فإن كراماته نقلت بالتواتر. قال ابن رجب: جمع المقرىء أبو الحسن الشنطوفي المصري في أخباره ومناقبه ثلاث مجلدات، وقد رأيت بعض هذا الكتاب، ولا يطيب على قلبي أن أعتمد على شيء مما فيه، وذلك لكثرة ما فيه من الرواية عن المجهولين، وفيه من الشطح والطامات والدعاوى والكلام الباطل ما لا يحصى، ولا يليق نسبة مثل ذلك إلى الشيخ عبد القادر ﵀.
ثم وجدت الكمال جعفرًا الأدبوي، قد ذكر: أن الشنطوفي كان متهمًا في نفسه فيما يحكيه في هذا الكتاب بعينه، وذكر في هذا الكتاب، قال: جاءت فتيا من بلاد المعجم إلى بغداد - بعد أن عرضت على علماء العراقيين، فلم يتضح لأحد فيها جواب شافٍ، وصورتها: ما تقول العادة في رجل حلف بالطلاق الثلاث إنه لا بد أن يعبد الله عبادة ينفر بها دون جميع الناس في تلبسه بها، فما يفعل من العبادات؟ فكتب عليها على الفور: يأتي مكة، ويخلَّى له المطافُ أسبوعًا وحده، وتنحل له يمينه، فما بات المستفتي ببغداد.
فأما الحكاية عنه: أنه قال: قدمي هذه على رقبة كل ولي لله، فقد ساقها هذا المصنف من طرق متعددة، وأحسنُ ما قيل في هذا الكلام ما ذكره الشيخُ
стр. 156
أبو حفص السهرورديُّ في "عوارفه": أنه من شطحات الشيوخ التي لا يُقتدى بهم فيها، ولا يقدح في مقاماتهم ومنازلهم، فكل أحد يؤخذ من قوله ويترك، إلا المعصومَ ﷺ ، ومن ساق الشيوخ المتأخرين مساق الصدر الأول، وطالبهم بطرائقهم، وأراد منهم ما كان عليه الحسن البصري وأصحابه؛ من العلم العظيم، والعمل العظيم، والورع العظيم، والزهد العظيم، مع كمال الخشية والخوف، وإظهار الذل والحزن والانكسار، والإزراء على النفس، وكتمان الأحوال والمعارف، والمحبة والشوق، ونحو ذلك، فلا ريب أنه يزدري المتأخرين ويمقتهم، ويهضم حقوقهم، فالأولى تنزيلُ الناس منازلَهم، وتوفيتُهم حقوقَهم، ومعرفةُ مقاديرهم، وإقامةُ معاذيرهم، وقد جعل اللهُ لكل شيء قدرًا.
أقول: هذا الكتاب هو "بهجة الأسرار"، وفيه نسب الحكايات الشركية التي لا تلائم حال الأبرار إلى حضرة الشيخ - عليه الرحمة -، وهو مملوء بالأكاذيب والأباطيل، وقد سلك صاحب "أخبار الأخيار" وغيرُه من أهل الطبقات في مدائح الشيخ ومناقبه طريق المبالغة والإغراق، وذكروا أشياء لا يقبلها العقل السليم، والنقل المستقيم، والظاهر أنها مكذوبة عليه - رحمه الله تعالى -.
قال ابن رجب: ولما كان الشيخ أبو الفرج بن الجوزي عظيمَ الخبرة بأحوال السلف والصدر الأول، قلَّ من كان في زمانه يساويه في معرفة ذلك، وكان له أيضاً حظ من ذوق أحوالهم، وقسطٌ من المشاركة في معارفهم، كان لا يعذر المشايخ المتأخرين في طرائقهم المخالفة لطريق المتقدمين، ويشتد إنكارُه عليهم، وقد قيل: إنه صنف كتابًا ينقم فيه على الشيخ عبد القادر أشياءَ كثيرة، ولكن قد قلَّ في هذا الزمان من له الخبرة التامة بأحوال الصدر الأول، والتمييز بين صحيح ما يذكر عنهم من سقيمه، فأما من له مشاركة لهم في أذواقهم، فهو نادر النادر، وإنما ألم أهل هذا الزمان بأحوال المتأخرين، ولا يميزون بين ما يصح عنهم من ذلك من غيره، فصاروا يخبطون خبط عشواء في ظلمات، والله المستعان.
وللشيخ عبد القادر - رحمه الله تعالى - كلامٌ حسن في التوحيد والصفات
стр. 157
والقدر، وفي علوم المعرفة موافقٌ للسنة، وله كتاب "الغنية لطالبي طريق الحق "، وهو معروف، وله كتاب "فتوح الغيب"، وجمع أصحابه من مجالسه في الوعظ كثيرًا، وكان متمسكًا في مسائل الصفات والقدر ونحوهما بالسنة، مبالغًا في الرد على مَنْ خالفها.
قال في كتابه "الغنية": وهو بجهة العلو مستوٍ على العرش، محتوٍ على الملك، محيطٌ علمُه بالأشياء، إليه يصعد الكَلِمُ الطيب، والعملُ الصالح يرفعه، يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون، ولا يجوز وصفه بأنه في كل مكان، بل يقال: إنه في السماء - على العرش - كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وذكر آيات وأحاديث، إلى أن قال: وينبغي إطلاق صفة الاستواء من غير تأويل، وأنه استواء الذات على العرش، قال: وكونه على العرش مذكور في كل كتاب أنزل على لسان كل نبي أرسل بلا كيف، وذكر كلاماً طويلاً وذكر نحو هذا في سائر الصفات.
وذكر أبو زكريا الصرصري عن شيخه العارف علي بن إدريس: أنه سأل الشيخَ عبد القادر، فقال: يا سيدي! هل كان لله وليٌّ على غير اعتقاد أحمد بن حنبل؟ فقال: ما كان ولا يكون. وقد نظمه الصرصري في قصيدته.
وقال الشيخ تقي الدين بن تيمية، رح: حدثني الشيخ عز الدين أحمدُ بنُ إبراهيم الفاروقي: أنه سمع شهاب الدين عمر بن محمد السهرورديّ، صاحب "العوارف"، قال: كنت قد عزمت على أن أقرأ شيئًا من علم الكلام، وأنا متردد: هل أقرأ "الإرشاد" لإمام الحرمين، أو "نهاية الإقدام" للشهرستاني، أو كتاباً آخر، ذكره؟ فذهبت مع خالي أبي النجيب، وكان يصلي بجنب الشيخ عبد القادر، فالتفت الشيخ عبد القادر إليَّ، وقال لي: يا عمر! ما هو من زاد القبر؟ ما هو من زاد القبر؟ فرجعت عن ذلك، قال الشيخ تقي الدين: ورأيت هذه الحكاية معلقة بخط الشيخ موفق الدين بن قدامة المقدسي ﵀.
وحكى الشيخ الزاهد عليُّ بن سليمان الخباز عن الشيخ عبد القادر، وناهيك به! فإنه صاحب المكاشفات والكرامات التي لم ينقل لأحد من أهل عصره
стр. 158
مثلها: أنه قال: لا يكون لله ولي إلا على اعتقاد أحمد بن حنبل، قال الحافظ بن النجار في "تاريخه": كان الشيخ عبد القادر يقول: الخلق حجابُك عن نفسك، ونفسُك حجابك عن ربك، ما دمت ترى الخلق، لا ترى نفسَك، وما دمت ترى نفسك، لا ترى ربك.
وقال: ما ثَمَّ إلا خالق وخَلْق، فإن: اخترت الخالق، فقل كما قال الخليل: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٧]، ثم قال: من ذاقه فقد عرفه، فاعترضه سائل، فقال: يا سيدي! من غلبت عليه مرارة الصَّدِّ كيف يجدُ حلاوةَ الذوق؟ قال: يتعمد قيء الشهوات من قلبه.
قال ابن رجب: وأخبار الشيخ عبد القادر كثيرة. قال ابن الجوزي: توفي الشيخ ليلة السبت ثامن، وقال غيره: تاسع ربيع الآخر سنة ٥٦١ بعد المغرب، ودفن من وقته بمدرسته، وبلغ سبعين سنة. وسمعت أنه كان يقول عند موته: رفقًا رفقًا، ثم يقول: وعليكم السلام، وعليكم السلام، أجيء إليكم، وقبره ظاهر يزار بمدرسته ببغداد.
وروى ابن رجب أيضًا حديثًا بسنده - فيه الشيخ عبد القادر - ما نصه: عن كعب بن مالك ﵁، قال: قلّما كان رسول الله ﷺ يخرج إذا أراد سفرًا إلا يوم الخميس، انتهى.
ولد بجيلان سنة ٤٩١، وتوفي سنة ٥٦١، وروى عنه: أبو سعد السمعاني، والحافظ عبد الغني، وكان إمامَ زمانه، وقطبَ عصره، وشيخَ شيوخ الوقت بلا مدافعة، وله كلام على لسان أهل الطريق، درَّسَ وأفتى، وصنَّف في الفروع والأصول، وصار مجتهدًا، وولد له تسعة وأربعون ولدًا: عشرون ذكرًا، والباقي إناث - رحمه الله تعالى -.
١٦٠ - عبد الكريم بنُ محمد، أبو القاسم، الرافعيُّ، القزوينيُّ. ذكره ابن الصلاح، وقال: ما أظن في بلاد المعجم مثله، صنف "شرح الوجيز" في اثني عشر مجلدًا لم يُشرح الوجيزُ بمثله، قال النووي: له كرامات كثيرة ظاهرة .
стр. 159
وقال محمد الأسفراييني: هو شيخنا، إمام الدين، وناصر السنة، كان له مجلس في التفسير والحديث، صنف شرحًا لمسند الشافعي - رحمه الله تعالى -.
مات بقزوين سنة ٦٢٣، وكان ذا فنون، مجتهدًا عالمًا كبيرًا، خرج لكتاب ابن حجر تخريجًا سماه: "التلخيص".
١٦١ - عبد المحسن بن حمود بنِ عبدِ المحسن، أمينُ الدينِ التنوخيُّ، الحلبيُّ، الكاتبُ .
ولد سنة ٥٧٠، وتوفي سنة ٦٤٣.
رحل وسمع بدمشق من حنبل، وابن طَبَرْزَد، وجماعة، وعُني بالأدب، ومن شعره:
اشتغلْ بالحديث إنْ كنتَ ذا فَهْـ ... ـمٍ، ففيهِ المرادُ والايثارُ
وهوَ العلمُ للمَلا وبهِ بَيْـ ... ـنَ ذوي الدين تحسُنُ الآثارُ
إنما الرأيُ والقياسُ ظلامٌ ... والأحاديثُ للوَرَى أنوارُ
وإذا كنتَ عاملاً وعليمًا .... بالأحاديثَ، لم تمسَّكَ نارُ
١٦٢ - عبد المؤمن بن خلف بنِ شرفٍ، يعرف بالدمياطيِّ الإمامُ، البارعُ، الحافظُ، النسابةُ، المجوِّدُ، علم المحدثين، عمدة النقاد .
ولد سنة ٦١٣، ووفاته في سنة ٧٠٥.
طلب الحديث، وسمع من أصحاب السِّلَفي، وعُني بهذا الشأن روايةً ودرايةً، ولازم الحافظَ زكيَّ الدين، وسمع بالحرمين، وارتحل إلى الشام والجزيرة والعراق، وكتب العالي والنازل، وحدَّث وصنَّف، وأملى في حياة كبار مشايخه.
وكان مليحَ الهيئة، جميل الصورة، وكتب عنه طائفة، منهم: أبو حيان، وفتح الدين بن سيد الناس، والمزي، والتقي السبكي، والنووي، وما زال يسمع الحديث إلى أن مات فجاءة، وصُلِّي عليه بدمشق غائبًا ﵀.
стр. 160
١٦٣ - القاسمُ بنُ محمدِ بنِ يوسفَ، يعرف بابن العدل، الإمامُ، الحافظُ، المحدث، المؤرخ، علم الدين البرزاليُّ، الدمشقيُّ .
ولد سنة ٦٦٥. ولما سمع "صحيح البخاري" - من الأيلي - بعثه والده فسمع بنفسه سبعًا، وأحب الحديث، ونسخ الأجزاء، ودار على الشيوخ، وسمع من جماعة كثيرة، وبلغ عدد مشايخه بالسماع أكثر من الألفين، وبالإجازة أكثر من ألف.
قال الشوكاني في "البدر الطالع": أجاز له ابنُ عبد البر، وابن عدلان.
وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: نقلُ البرزاليِّ نقرٌ في حجر. ولي تدريسَ الحديث في مواضع. قال الذهبي: إنه كان رأسًا في صدق اللهجة والأمانة، وكان صاحبَ سنة واتباع ولزوم للفرائض. وله ود في القلوب، وحبٌّ في الصدور، حتى قال: وهو الذي حَبَّب إليَّ طلبَ الحديث، قال في: خطك يشبه خطَّ المحدَّثين، فأثَّر قوله لي، وسمعت، وتخرجت في أشياء توفي ذاهبًا إلى مكة غريبًا في سنة ٧٣٩، عن أربع وسبعين سنة ونصف، وتأسف الناس عليه.
١٦٤ - محمد بنُ محمدِ بنِ علي بن عربيّ الطائيُّ، الحاتميُّ، سعدُ الدين، الأديبُ الشاعرُ .
سمع الحديث، ودرس، وقال الشعر، وكان شاعرًا مجيدًا، له ديوان مشهور.
ولد في سنة ٦١٨، وتوفي بدمشق سنة ٦٨٦ - وهي السنة التي دخل فيها هولاكو ملكُ التتار بغدادَ، وقتل الخليفة المستعصم. ودفن المذكور عند والده الشيخ الأكبر صاحب "الفتوحات المكية" بسفح قاسيون، وأخوه عماد الدين أبو عبد الله محمد توفي بالصالحية سنة ٦٦٧، ودفن عند والده أيضًا، قال المَقَّرِيُّ في "نفح الطيب": ومن نظم سعد الدين:
سَهَري منَ المحبوبِ أصبحَ مُرْسَلاً ... وأراه متصلاً بفَيْضِ مَدامِعي
قالَ الحبيبُ بأنَّ ريقيَ نافعٌ ... فاسمعْ روايةَ مالكٍ عن نافعِ
стр. 161
ومن نظمه:
ورُبَّ قاضٍ لنا مَليح ... يُعْرِبُ عن منطقٍ لذيذِ
إذا رَمانا بسهمِ لَحْظ ... قلنا لهُ دائم النفوذِ
وله، رح:
علقتُ صوفيًا كبدرِ الدُّجى ... لكنَّه في وَصْلِيَ الزاهدُ
يشهدُ وجدي بغرامي له ... فَدَيْتُ صوفيًا له شاهِدُ
وله:
سائَلْتَني عن لفظةٍ لُغويةٍ ... فأجبتُ مبتدئًا بغير تفكُّرِ
خاطبتنَي متبسِّمًا فرأيتُها ... من نظمِ ثغرِكَ في "صِحاحِ الجوهري"
إلى غير ذلك مما لا يحصى.
١٦٥ - محمد بنُ عبد الله بن مالك، جمالُ الدين، الطائيُّ، الجيانيُّ، الشافعيُّ، النحويُّ .
نزيل دمشق، الإمامُ العلامةُ الأوحدُ، ولد سنة ٦٠٠.
سمع بدمشق، وصرف همته إلى اتقان لسان العرب حتى بلغ فيه الغايةَ، وأَربى على المتقدمين، وكان إليه المنتهى في اللغة، يشيعه ابن خلكان إلى بيته تعظيمًا له.
وكان في الصرف والنحو بحرًا لا يُشق لُججه، وأما اطلاعه على أشعار العرب التي يَستشهد بها على النحو، فكان أمرًا عجيبًا، وكان الأئمة الأعلام يتحيرون في أمره، وأما الاطلاع على الحديث، فكان فيه غاية، وكان أكثرَ ما يستشهد بالقرآن، فإن كان ما فيه شاهد، عدلَ إلى الحديث، فإن لم يكن فيه شيء، عدل إلى أشعار العرب، هذا مع ما هو عليه من الدين والعبادة، وكثرة النوافل، وحسن السمت، وكمال العقل.
وكان نظمُ الشعر عليه سهلاً، وله "إعراب مشكل البخاري"، توفي سنة ٦٧٢.
стр. 162
١٦٦ - محمد بن عبد المنعم بنِ محمدٍ، الخيميُّ، اليمنيُّ الأصل، المصريُّ الدار .
حدث بجامع الترمذي عن ابن البناء المكي، وحدث بكثير من مروياته، روى عنه الصقلي، وابن منير وابن الطاهري، وكان مقدَّمًا على شعراء عصره، مع المشاركة في كثير من العلوم، وشعره في الذروة الأعلى، ذكر له الصلاح الكتبي قصائد بديعة. عاش اثنتين وثمانين سنة، وتوفي سنة ٦٨٥ بالقاهرة.
١٦٧ - محمد بن عبد الواحد بنِ أحمدَ، الحافظُ، الحجةُ، الإمام، ضياءُ الدين السعديُّ، الدمشقيُّ الصالحيُّ .
ولد سنة ٥٦٩، ولزم الحافظ عبد الغني، وحفظ القرآن، ورحل إلى بغداد، وسمع من ابن الجوزي وغيره، وسمع بمكة، وأجازه السلفي وخلقٌ كثير. قال المزي: هو أعلم من الحافظ عبد الغني، ومن مؤلفاته: "الأحاديث المختارة"، و"مناقب أصحاب الحديث"، و"النهي عن سب الصحابة"، وبنى مدرسة، وجعلها دارَ حديث، ووقف عليها كتبه، توفي سنة ٦٤٣.
١٦٨ - محمد بن علي بن محمد بنِ أحمدَ بنِ عبدِ الله، الطائيُّ، الحاتميُّ، الأندلسيُّ .
من ولد عبد الله بن حاتم - أخي عدي بن حاتم -، يكنى: أبا بكر، يعرف: بابن عربي - بدون ألف ولام -، صاحبُ التصانيف في التصوف.
ولد سنة ٥٦٠، قرأ القرآن بالسبع، وسمع من أبي القاسم بن بشكوال، ومحمد بن أبي جمرة، وسمع ببغداد ومكة ودمشق، وسكن الروم.
قال ابن مسدي في جملة ترجمته: كان جميل الجملة والتفصيل، محصِّلاً لفنون العلم أخص تحصيل، وله في الأدب الشأوُ الذي لا يُلحق، والتقدم الذي لا يُسبق. قال: وكان ظاهريَّ المذهب في العبادات، باطنيَّ النظر في الاعتقادات، خاضَ بحارَ تلك العبادات، وتحقق بمحيا تلك الإشارات، وتصانيفُه تشهد له عند أولي البصر بالتقدم والإقدام، ومواقف النهايات في مزالق
стр. 163
الأقدام، ولهذا ما ارتبتُ في أمره، والله تعالى أعلمُ بسره، انتهى. وسمع الحديث أيضًا من عبد الحق الإشبيلي، وقال: حدثني بجميع مصنفاته في الحديث، وحدثني بكتب الإمام علي بن أحمد بن حزم. وسمع "صحيح مسلم" من أبي نصر، وكان يروي عن السِّلَفي بالاجازة العامة، وبرع في علم التصوف.
قال الشيخ شمس الدين الذهبي: إن له توسعًا في الكلام، وذكاءً وقوةَ خاطرٍ حافظةً، وتدقيقًا في التصوف، وتآليف جمة في العرفان معتبرة، ولولا شطحة في الكلام، لم يكن به بأس، ولعل ذلك وقع منه حالَ سُكْرِه وغيبته، فيرجى له الخير، انتهى. ولما صنف "الفتوحات"، كان يكتب كل يوم ثلاث كراريس، توفي سنة ٦٣٨.
ومن تصانيفه: "الفتوحات" المذكورة، "وفُصوص الحِكَم"، وعليه شرحٌ لابن سويدكين سماه: "نقش الفصوص".
قال: رأيت النبيَّ ﷺ في النوم، فقلت: يا رسول الله! أيُّما أفضلُ المَلَكُ أو النبيُّ؟ قال: الملكُ، قلت: أريد على هذا برهان دليل، إذا ذكرتُه عنك، أصدقُ فيه، فقال: أما جاء عن الله تعالى: أنه قال: "من ذكرَني في ملأ، ذكرتُه في ملأ خير منه؟ ". انتهى. وفيه نظر واضح.
قال الصلاح الكتبي: وعلى الجملة، فكان رجلاً صالحًا عظيمًا، والذي نفهمه من كلامه حسنٌ، والمشكلُ علينا نَكِلُ أمرَه إلى الله تعالى، وما كلفنا اتباعه، ولا العمل بما قاله، وقد عظمه ابن الزملكاني، فقال: قال الشيخ محيي الدين بن عربي البحرُ الزاخر في المعارف الإلهية. وذكر من كلامه جملة، وذكر له في "الفوات" شعرًا رائقًا كثيرًا، واختصر كتابه "الفتوحات" الشيخُ عبدُ الوهاب بنُ أحمدَ الشعراني، المتوفَّى سنة ٩٧٣، وسمى ذلك المختصر: "لواقح الأنوار القدسية المنتقاة من الفتوحات المكية"، ثم اختصر هذا المختصر، وسماه: "الكبريت الأحمر من علوم الشيخ الأكبر"، ومن تصانيفه: "كتاب الأحاديث القدسية" يشتمل على واحد ومئة من أحاديث إلهية، وأجازه جماعة، منهم: ابن عساكر، وابن الجوزي، ودخل مصر، وأقام بالحجاز مدة، ودخل
стр. 164
بغداد والموصل وبلاد الروم، وله قدم في الرياضة والمجاهدة، وكلامٌ على لسان أهل التصوف، والغالب عليه طريق أهل الحقيقة، وله أصحاب وأَتباع، ومن مؤلفاته مجموع ضمنها منامات رأى فيها النبي ﷺ ، وما سمع منه، ومنامات قد حدَّث بها عمن رآه ﷺ .
حكى سبطُ ابن الجوزي عنه: أنه كان يقول: إنه يحفظ الاسم الأعظم، ويعرف الكيمياء والسيمياء بطريق التنزل، لا بطريق التكسُّب.
قال ابن النجار في حقه: وكان قد صحب الصوفيةَ وأربابَ القلوب، وسلك طريق الفقراء، وحج وجاور، وكتب في علم القوم، وفي أخبار مشايخ المغرب وزهادها، وله أشعار حسنة، وكلام مليح، اجتمعتُ به في دمشق في رحلتي إليها، وكتبت عنه شيئًا من شعره، ونعمَ الشيخُ هو، وأنشدني لنفسه:
أَيا حائِرًا ما بينَ علم وشهوةٍ ... لِيَتَّصِلا، ما بينَ ضِدَّين من وَصْلِ
ومَنْ لم يكنْ يستنشقُ الريحَ لم يَكُنْ ... يرى الفَضلَ للمسكِ الفَتيق على الزبلِ
انتهى.
ومن شعره:
بينَ التَّذَلُّل والتَّدَلُّلِ نُقْطَةٌ ... فيها يتيهُ العالِمُ النَّحْريرُ
هي نقطةُ الأكوانِ، إن جاوَزْتَها ... كنتَ الحكيمَ، وعلمُك الإكسيرُ
وله ﵀:
يا دُرَّةً بيضاءَ لاهُوتِيَّةً ... قد رُكِّبَتْ صَدَفاً من الناسوتِ
جَهِلَ الخليقةُ قدرَها لِشَقائِهم ... وتَنَافَسوا في الدُّرَّ والياقوتِ
قال في "آثار الأدهار": أفرد له ابن خاتمة في كتابه "مزية المزية" ترجمةً، وأثنى عليه، وذكر من مؤلفاته كتبًا كثيرة سمّاها بأسمائها، منها: كتاب "جامع الأحكام في معرفة الحلال والحرام"، وهو على أبواب كلها في الأحاديث المسندة، وكتاب "الفتوحات" وهو من أعظم كتبه، وآخرُها تأليفًا، وكتاب "فصوص الحكم"، وقد اختلف الناس في هذا الكتاب - ردًا وقبولًا -، فبعضهم
стр. 165
اعتنى به، وتلقاه بحسن القبول، وشرحه؛ كابن الزملكاني، وغيره، وقال بعضهم: إن مصنفاته بلغت نيفًا وأربع مئة مصنف، وكان يقول بالقدم، وذهب في ذلك مذهبَ بعض المتصوفة، فكفَّره بعضُهم، ورموه بضعف المعتقَد، وأنكر عليه قومٌ لأجل كلمات وألفاظ وقعتْ في كتبه، قد قصرت أفهامُهم عن إدراك معانيها، أما المحققون، فقد أجمعوا على جلالته في سائر العلوم، وأنكروا على من يطالع كلامه من غير سلوك طريق الرياضة؛ خوفًا من حصول شبهة في معتقده وكراماته، ومناقبُه كثيرة لا تحصى، انتهى حاصل ما في "آثار الأدهار".
وقد تأول بعضُ العلماء قولَ الشيخ بإيمان فرعون: أن مراده بفرعون: النفس.
وبالجملة: فما لَهُ مِنَ المنامات والكرامات لا تحصرُه مجلدات، وهو حجة الله الظاهرة، وآيته الباهرة، وقد تصدى للانتصار له، والإذعان لفضله من فحول العلماء الجَمُّ الغفير، منهم شيخ الإسلام قاضي القضاة مجدُ الدين الفيروز آبادي صاحبُ "القاموس" قد ألف كتابه المسمى بـ: "الاغتباط بمعالجة ابن الخياط"، وأجاب على سؤال عنه وعن مطالعة كتبه بما حاصله: الذي أَعتقده في حال المسؤول عنه، وأدين الله تعالى به: أنه كان شيخ الطريقة - حالا وعلمًا -، وإمام الحقيقة - حقيقة ورسمًا -، ومحا رسومَ المعارف - فعلا واسمًا -، عبابٌ لا تكدره الدِّلاء، وسحاب لا تتقاصر عنه الأنواء، كانت دعواته تخترق السبعَ الطباق، وتفترق بركاته فتملأ الآفاق، وإني أصفه وهو يقينًا فوقَ ما وصفته، وناطق بما كتبته، وغالب ظني أني ما أنصفته.
وأما كتبه ومصنفاته، فالبحورُ الزواخر، التي - لكثرتها وجواهرها - لا يُعرف لها أولٌ ولا آخِر، ما وضع الواضعون مثلَها، وإنما خصَّ الله بمعرفة قدرِها أهلها، ومن خواص كتبه: أن من واظبَ على مطالعتها والنظر فيها، وتأمل ما في مبانيها، انشرح صدره لحل المشكلات، وفك المعضلات، وهذا الشأن لا يكون إلا لأنفاس مَنْ خصه الله بالعلوم اللدنية الربانية. وعدَّ من مصنفاته نيفًا وأربع مئة مصنف. وربما بلغ بهم الجهلُ إلى حد التكفير، وما ذاك إلا لقصور أفهامهم عن
стр. 166
إدراك مقاصد أقواله وأفعاله ومعانيها، ولم تصل أيديهم - لقصرها - إلى اقتطاف مجانيها، هذا الذي نعلم ونعتقد، وندين الله تعالى به في حقه، والله سبحانه أعلم، كتبه محمد الصديقي الملتجىء إلى حرم الله، انتهى حاصله.
وممن انتصر له أيضًا الشيخُ كمال الدين بن الزملكاني من أجل مشايخ الشام، وقال: وجدتُه بحرًا زاخرًا لا ساحلَ له. والشيخ عز الدين بن عبد السلام، وقال: إنه قطب زمانه. وقد أذعن له سعدُ الدين الحموي، وشهد له بالفضل الباهر.
وترجم له الصلاح الصفدي في "تاريخه" ترجمة عظيمة، وكذلك الحافظ السيوطي ألف في شأنه كتابًا سَمَّاه "تنبيه الغبي على تنزيه ابن عربي"، لكن رد عليه الشيخ إبراهيم بن محمد الحلبي في رسالة سماها: "تسفير الغبي في تكفير ابن عربي"، وقال الحافظ الذهبي - وهو من أعظم المنكرين وأشدهم على طائفة الصوفية -: ما أظن محيي الدين يتعمد الكذب أصلاً. وكان قاضي القضاة أحمد الحوبي يخدمه خدمةَ العبيد، وزوَّجه قاضي القضاة المالكية بنتَه، وترك القضاءَ بنظرة وقعت عليه منه.
وقال صاحب "عنوان الدراية": كان الشيخ الأكبر يُعرف بالأندلس بابن سُراقة، وقد نقم عليه أهل الديار المصرية، وسعوا في إراقة دمه، فخلصه الله تعالى على يد الشيخ أبي الحسن البجائي؛ فإنه سعى في خلاصه، وتأول كلامه، ولما وصل إليه بعد خلاصه، قال له الشيخ: كيف يجلس من حل منه اللاهوت في الناسوت؟ فقال له: يا سيدي! تلك شطحات في محل سكر، ولا عَتْبَ على سكران.
قال اليافعي: وقد مدحه طائفة؛ كالنجم الأصبهاني، والتاج ابن عطاء الله، وغيرُهما، وتوقف فيه طائفة، وطعن فيه آخرون، وما نسب إليهم - أي: المشايخ -؛ كابن عربي، وغيره، له محامل: الأول: لم تصح نسبته إليهم. الثاني: بعد الصحة يلتمس له تأويل موافق، فإن لم يوجد له تأويل في الظاهر، فله تأويل في الباطن لم نعلمه، وإنما يعرفه العارفون، الثالث: أن يكون صدور
стр. 167
ذلك منهم في حال السكر والغيبة، والسكران سُكرًا مباحًا غيرُ مؤاخَذ، ولا مكلَّف، انتهى حاصله وله ببلاد اليمن والروم صيتٌ عظيم، وهو من عجائب الزمان، وأثنى عليه الشيخ محمد بن سعد الكشني، قال المَقَّرِيُّ في "نفح الطيب": الشيخ الأكبر، ذو المحاسن التي تبهر، الصوفي، الفقيه المشهور، الظاهريّ، ثم أَطنب في ترجمته والثناء عليه من أهل العلم، وذكر نبذة من أشعاره الرائقة، منها قوله:
ما فازَ بالتَّوبةِ إلا الذي ... قد تابَ قِدْمًا والوَرَى نُوَّمُ
فمنْ يتبْ أدركَ مطلوبَه ... من توبةِ الناسِ ولا يعلَمُ
قال: وله من المحاسن ما لا يستوفى. وبالجملة: فهو حجة الله الظاهرة، وآيته الباهرة، أما كراماته، فلا تحصرها مجلدات. قال الشعراني: وقولُ المنكرين في حقه مثلُ غُثاء وهباء لا يُعبأ به. وبنى السلطان سليم خان على قبره مدرسة عظيمة، ورتب له الأوقاف. قال المَقَّرِي: وقد زرتُ قبره، وتبركت به مرارًا، رأيتُ لوائح الأنوار عليه ظاهرة، ولا يجد منصف محيدًا إلى إنكار ما يشاهد عند قبره من الأحوال الباهرة.
وكان يحدِّث بالإجازة العامة عن الحافظ السَّلفي، وأثنى عليه الإمام الصفي بن ظافر الأزدي في "رسالته"، وذكر له النعمان أفندي في "الروضة الغناء" ترجمة جميلة موجزة، وقال: إمام الصوفية، ورب طريقهم. ولد بمرسية سنة ٥٦٠، وكان مسكنه في دمشق، وظهوره فيها، وبها نشر علومه، توفي في دمشق سنة ٦٣٨، ألف في مناقبه ومواهبه الشيخ عبد الغني النابلسي مؤلفًا حسنًا سماه: "السر المختبي في ضريح ابن عربي"، وألف فيه أيضًا كتابًا جليلاً سماه: "الرد المتين على منتقص العارف محيي الدين"، والقوم لا ينقطعون عن زيارة الشيخ، يعتبرونه من أعظم أولياء، وفي كل يوم جمعة ترى مئاتٍ من الناس حول ضريحه للصلاة والزيارة، انتهى.
قلتُ: والمذهب الراجح فيه على ما ذهب إليه العلماء المحققون الجامعون بين العلم والعمل والشرع والسلوكِ: السكوتُ في شأنه، وصرفُ كلامه
стр. 168
المخالف لظاهر الشرع إلى محامل حسنة، وكف اللسان عن تكفيره وتكفير غيره من المشايخ الذين ثبت تقواهم في الدين، وظهر علمهم في الدنيا بين المسلمين، وكانوا في ذروة عليا من العمل الصالح، ومن ثم رأيتُ شيخَنا الإمام العلامة الشوكانيَّ في "الفتح الرباني" مال إلى ذلك، وقال: لكلامه محامل، ورجع عما كتبه في أول عمره بعد أربعين سنة.
وأما شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وتلميذه الحافظ ابن القيم، وأمثالُهما، فهم إنما يذبون عن الشرع المطهر، وهذا منصبهم، وليس إنكارهم عليه من قِبَل الخصومة النفسانية، ولا على طريق الحسد الجاري بين أكثر أهل العلم من علماء الدنيا لكل وجهة هو موليها، ومع ذلك، لا شبهة ولا شك في أن جمعًا جَمًّا ذهبوا إلى تكفيره، وحطوا عليه بما لم يكن في حساب؛ كما أشرت إلى ذلك في كتابي "أبجد العلوم".
وأقول في هذا الكتاب: إن الصواب: ما ذهب إليه الشيخ أحمد السرهندي - مجددُ الألف الثاني -، والشيخ الأجلُّ مسنِدُ الوقت أحمدُ وليُّ الله - المحدَّث الدهلويُّ -، والإمام المجتهد الكبير محمد الشوكاني؛ من قبول كلامه الموافق لظاهر الكتاب والسنة، وتأويل كلامه الذي يخالف ظاهرهما، تأويله بما يُستحسن من المحامل الحسنة، وعدم التفوه فيه بما لا يليق بأهل العلم والهدى، واللهُ أعلم بسرائر الخلق وضمائرهم، وإنما الشأنُ في العلم المؤسَّس على الحديث والقرآن والتقوى في العمل الذي عليه مدار صحة الإسلام والإيمان والإحسان، وهذان الأمران قد كانا فيه على الوجه الأتم لا يختلف فيه اثنان، وكان من اتباع السنة، وترك التقليد، وإيثار الاجتهاد، ورفض القال والقيل، وردّ الآراء بمكانٍ لا يمكن أن يُفصح عنه لسان القلم، وهذه فضيلةٌ لا يساويها فضيلة، ومنقبة لا يوازيها منقبة، وكلامُه في العمل بالدليل، وطرح التقليد الضئيل فوق كلام الناس، وشغفه بذلك يفوت عن حصر البيان، فجزاه الله عنا وعن سائر المسلمين جزاء حسنًا، وأفاض علينا من أنواره، وكسانا من حلل أسراره، وسقانا من حُمَيَّا شرابه، وحشرنا في زمرة أحبابه، بجاه سيد أصفيائه،
стр. 169
وخاتم أنبيائه - صلى الله عليه، عليهم وسلم، وشرف وكرم وعظم -.
١٦٩ - محمد بن علي بن عبد الواحد، قاضي القضاة، جمالُ الإسلام، كمالُ الدين ابن الزملكاني الدمشقيُّ، كبيرُ الشافعية في عصره .
سمع من ابن علان، وابن الواسطي، وطلب الحديث، وقرأه، وأفتى وله نيف وعشرون سنة، وكان يضرب بذكائه المثل، وقرأ على الصفي الهندي.
وكان شكلُه حسنًا، ومنظره رائعًا، وتجمله في بِزَّته وهيئته غاية، وشيبته منورة بنور الإسلام، يكاد الورد يُقتطف من وجنتيه، وعقيدتُه صحيحة متمكنة أشعرية، وفضائله عديدة. صنف أشياء: منها: "رسالة في الرد على ابن تيمية في مسألة الطلاق"، و"رسالة في الرد عليه في مسألة الزيارة"، ولكن الحق فيهما مع ابن تيمية؛ نظرًا إلى الدليل، وقد أثنى على شيخ الإسلام ثناء حسنًا كثيرًا كبيرًا.
ولد سنة ٦٦٧، وتوفي سنة ٧٢٧، قيل إنه سُمّ في الطريق، وأدركه الأجل في بلبيس، وعودي، وحُسد، وعُمل عليه، ولطف الله تعالى به، وله قصيدة يذكر فيها الكعبة المعظمة، ويمدح النبي ﷺ ، ذكرها في "الفوات".
١٧٠ - محمد بن محمودِ بنِ الحسنِ بنِ هبةِ اللهِ، الحافظُ الكبيرُ، محبُّ الدين، ابنُ النجار، البغداديُّ، صاحبُ "التاريخ ".
ولد سنة ٥٧٨، سمع من ابن الجوزي وجماعة، وله رحلة واسعة إلى الشام ومصر والحجاز وأصبهان وخراسان ومرو وهراة ونيسابور، وسمع الكثير، وحصل الأصول والمسانيد، واستدرك في "التاريخ" على الخطيب دلَّ على تبحره في هذا الشأن، وسعة حفظه، اشتملت مشيخته على ثلاثة آلاف شيخ، ورحل سبعًا وعشرين سنة.
يقال: إن السلطان سأله عن وفاة الشافعي، متى كانت؟ فبهت، هذا من التعجيز لمثل هذا الحافظ الكبير، فسبحان من له الكمال! وله كتاب "القمر المنير في المسند الكبير"، ذكر كل صحابي، وما له من الحديث. ومن شعره:
وقائل قالَ يومَ العيدِ لي ورأى ... تَمَلُّلي ودموعَ العينِ تَنْهَمِرُ
стр. 170
ما لي أراكَ حزينًا باكِيًا أسفًا ... كأنَّ قلبَكَ فيه النارُ تستعرُ
فقلت:
إنِّي بعيدُ الدار عن وطني ... ومُمْلِقُ الكَفِّ والأحبابُ قد هَجَروا
قلتُ: ومن هذا الوادي قول آفرين اللاهوري في الأبيات القسمية:
لعريان يتيمى تمنا نورد ... كه عيد آمد وجامه كلكون نكرد
١٧١ - أبو محمد، عبد الله البردانيُّ، الزاهدُ .
قال الإمام العالم المقرىء زينُ الدين أبو الفرج عبدُ الرحمن بن شهاب الدين أبو العباس أحمدُ بن حسن بن رجب الحنبليُّ - رحمه الله تعالى - في كتابه "الطبقات" في ذكر المترجَم له: كان منقطعًا في بيت بجامع المنصور يتعبد فيه خمسين سنة. [لا رهبانية في الإسلام]
روى عنه أبو بكر المرزوقي الفرضيُّ: أنه قال: رأيت النبيَّ ﷺ في المنام، فقال لي: يا عبد الله! من تمسك بمذهب أحمد في الأصول، سامحته فيما اجترح، أو فيما فرط في الفروع، توفي رح. سنة ٤٦١، ودفن في مقبرة الإمام أحمد، رح.
١٧٢ - علي بن الحسين بنِ أحمدَ، العكبريُّ، يعرف بابن جداء .
كان فاضلاً خيرًا ثقة، شديدًا في السُّنَّة، على مذهب أحمد، كثيرَ الصلاة، حسنَ التلاوة للقرآن، ذا لَسَن وفصاحة في المجالس، ذكره ابن الجوزي.
توفي سنة ٤٦٨، ودفن في مقبرة أحمد. روى عنه الخطيب: أنه قال: رأيت هبة الله الطبريَّ في المنام، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي، قلت: بماذا؟ قال: كلمة خفية: بالسنَّة. وحكى عن أحمد البجلي الحافظ أنه قال: دخل ابنُ فَوْرك على السلطان محمود، فتناظرا، فقال ابن فورك لمحمود: لا يجوز أن تصف الله بالفوقية؛ لأنه يلزمك أن تصفه بالتحتية؛ لأنه من يكون له فوق، جاز أن يكون له تحت، فقال محمود: ليس أنا وصفته بالفوقية، فيلزمني أن أصفه بالتحتية، وإنما هو وصف نفسه بذلك، قال: فبهت.
стр. 171
وذكر أن فتى من أصحاب الحديث أنشد في مجلس أبي زرعة الرازي هذه الأبيات، فاستحسنت منه:
دينَ النبيِّ محمدٍ أَختارُ ... نِعْمَ المطيَّةُ للفتى الآثارُ
لا تعدلَنَّ عن الحديثِ وأهلِه ... فالرأيُ ليلٌ، والحديثُ نهارُ
ولربَّما غلطَ الفتى إثْرَ الهدى ... والشمسُ بازغةٌ لها أنوارُ
١٧٣ - عبد الله بن محمد بن القاضي أبي يعلى الفراء .
ولد سنة ٤٤٣، سمع الحديث من والده وجدَّه لأمه ورحل في طلب الحديث والعلم إلى الأمصار الكثيرة، له معرفة بعلومه، وبالجرح والتعديل. وكان ذا عفة وديانة وصيانة وسُنة، وحسنَ التلاوة للقرآن، كثيرَ الدرس له.
توفي سنة ٤٦٩ ﵀ وعوضه الجنة -، وله ست وعشرون سنة.
١٧٤ - محمد بن أحمد أبو الحسن أحمد البرداني الفرضي .
ولد سنة ٣٨٨، صحب الوالد، وسمع الحديث، قال ابن النجار: كان رجلاً صالحًا صدوقًا، حافظًا لكتاب الله، عالمًا بالفرائض، خرَّج تخاريج، وجمع فنونًا من الأحاديث وغيرها.
قال: أنبأنا ابن مخلد، قال: أنبأنا إسماعيل الصفار، قال ابن عرفة، قال: أنبأنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت عاصم الأحول يقول: حدثني شرحبيل: أنه سمع أبا سعيد، وأبا هريرة، وابن عمر ﵃ يحدثون: أن نبي الله ﷺ قال: "الذهب بالذهب، وزنًا بوزن، مثلاً بمثل، من زاد وازداد، فقد أربى".
١٧٥ - عبد الخالق بنُ عيسى بنِ أحمدَ العباسيُّ، الشريفُ، أبو جعفر .
ولد سنة ٤١١. قال ابن الجوزي: كان عالمًا فقيهًا، ورعًا زاهدًا قوالاً بالحق لا يحابي، ولا تأخذه في الله لومة لائم، يقصده جماعة من الفقهاء المخالفين، وكان شديد القول واللسان على أهل البدع، ولم تزل كلمته عالية عليهم، ولا يرد يده عنهم أحد، وانتهت إليه في وقته الرحلةُ لطلب مذهب الإمام أحمد، ذكره ابن
стр. 172
سمعان، وقال: إمام الحنابلة في عصره بلا مدافعة، وكان عند الخليفة معظمًا، حتى إنه وصَّى عند موته بأن يغسله تبركًا به، وله تصانيف عدة. توفي سنة ٤٧٠. ورآه بعضهم في المنام، فقال له: ما فعل الله بك؟ قال: لما وُضعت في قبري، رأيتُ قبةً من درة بيضاء لها ثلاثة أبواب، وقائل يقول: هذه لك، ادخلْ من أيَّ أبوابها شئت. ورآه آخر في المنام، قال: ما فعل الله بك؟ قال: التقيتُ بأحمدَ بن حنبل، فقال لي: يا أبا جعفر! لقد جاهدتَ في الله حق جهاده، وقد أعطاك الله الرضاء. قال ابن رجب: ووقع في جملة من حديث الشريف أبي جعفر بالسماع، ثم ذكرها، وذكر ثباته في فتنة ابن القشيري وغيرها.
١٧٦ - الحسن بن أحمد بن عبد الله بن البناء، البغداديُّ، الإمامُ، المحدِّثُ، الواعظُ .
ولد سنة ٣٩٦. سمع الحديث عن جماعة، ودرس وأفتى زمانًا طويلاً.
وكان شديدًا على أهل الأهواء، يفيد المسلمين بالأحاديث، ويبعد غالبًا أن يجتمع في شخص من التفنن في العلوم ما اجتمع فيه، قال ابن الجوزي: ذكر عنه أنه قال: صنفت خمس مئة مصنف. توفي سنة ٤٧١. قال ابن رجب: وقد وقع لي الكثير من حديثه عاليًا، ثم ذكره، له جزء في "شرف أصحاب الحديث".
١٧٧ - علي بن محمد بن الفرح البزاز، ويعرف بابن اخي نصر، العكبريُّ .
كان له تقدم في القرآن والحديث، والفقه والفرائض، وجمع إلى ذلك النسك والورع، وتوفي سنة ٤٧٣. وحدث بشيء يسير، روى عنه جماعة، ومما أنشده لنفسه، رح:
اعجَبْ لمحتكرِ الدنيا وبانيها ... وعن قليلٍ على كُره يُخَلِّيها
دارٌ عواقبُ مفروحاتِها حَزَنٌ ... إذا أعارَتْ أساءتْ في تَقاضيها
قِفْ في منازلِ أهلِ العزِّ معتبرًا ... وانظرْ إلى أيِّ شيءٍ صارَ أهلوها
صاروا إلى جَدَثٍ قَفْرٍ، محاسِنُهم ... على الثرى، ودويُّ الدودِ يعلوها
ياامن يُسَرُّ بأيامٍ تسير به ... إلى الفناء وأيامٍ يُقضِّيها
стр. 173
١٧٨ - طاهر بن الحسين بنِ أحمدَ [أبو الوفاء] البغداديُّ .
ذكره ابنُ السمعاني، وقال: كان من أعيان الحنابلة وزُهادِهم، واعتكف في بيت الله خمسين سنة.
قال ابن البناء: إنه حدث في زمانه مسألة، وهي: هل يجوز أن يقرأ على المحدث الثقة كتاب، ذكر أنه سماعه، وليس هناك خط يشهد به من شيخ ولا غيره، وأن فقهاء عصرهم اتفقوا على جواز ذلك، وذكر أجوبة كثيرة، بها: جواب ابن القواس، ولفظه: الظاهرُ العدالة يقتنع بمجرد قوله، ولا يطالب بخط من أسند عنه من شيوخه، وذكر مثل ذلك عن ابن الدامغاني، وابن الصباغ، وأبي بكر الشامي، وغيرهم، وذكر أن مثل هذه المسألة وقع مرتين، وأن الفقهاء والمحدثين اتفقوا على السماع بذلك، منهم: الحافظ الصوري، قال: وامتنع من السماع بذلك نفر لا يُعتد بخلافهم، قال: ولا أعلم أحدًا يخالف في هذه المسألة من فقهاء العصر والمتقدمين قبلهم من أئمة أصحاب الحديث.
قال ابن رجب: قلت: وقد وقع في المئة السابعة مثل هذه المسألة في "صحيح مسلم" لما قال القاسم الأربلي: سمعته من المؤيد الطوسي، فقبُل ذلك منه، وسمع عليه الكتاب غير مرة، وسمعه منه الحُفَّاظُ والفقهاء، وأفتى بالسماع عليه جماعة، منهم: قاضي القضاة شمس الدين بنُ أبي عمر المقدسي.
١٧٩ - عبد الوهاب بن أحمدَ بنِ جلبة، البغداديُّ، ثم الحرانيُّ .
سمع الحديث من البرقاني، واستوطن حران، وتولى بها القضاء، وكان واعظًا فصيحًا.
ذكر أبو العباس بن تيمية في أول "شرح العدة": أن ابن جلبة كان يختار استحباب مسح الأذنين بماء جديد بعد مسحهما بماء الرأس، وكان غريبًا جدًا. وذكر ابن حمدان عنه: أنه قال: الحق أن الحروف كلها قديمة، وتركيبها في غير القرآن محدَث، إن قلنا: إن اللغة اصطلاح، وإن قلنا: توقيف، فقديمة.
стр. 174
١٨٠ - عبد الله بن محمد بنِ أحمدَ، الهرويُّ، الأنصاريُّ، الحافظُ، الصوفيُّ، الواعظُ، شيخُ الإسلام أبو إسماعيل .
ولد في شعبان سنة ٣٩٦، سمع الحديث بهراة، وصحب الشيوخ، وتأدب بهم، وأملى الحديث سنين، وصنف التصانيف، منها: كتاب "ذم الكلام"، وكتاب "منازل السائرين"، و"تفسير القرآن" بالفارسية. وكان ذا أحوال وكرامات ومجاهدات، شديدَ القيام في نصر السنة والذبِّ عنها، والقمعِ لمن خالفها، وجرى له بسبب ذلك محن عظيمة.
وكان شديد الانتصار والتعظيم لمذهب الإمام أحمد، يقول: مذهب أحمد أحمدُ مذهب. وأنشد على المنبر بهراة في يوم مجلسه:
أَنا حنبليٌّ ما حَييتُ وإنْ أَمُتْ ... فوَصِيَّتِي للناسِ أن يتحنبلوا
وقال: عرضت على السيف خمسَ مرات، لا يقال لي: ارجع عن مذهبك، لكن يقال لي: اسكت عمن خالفك، فأقول: لا أسكت. واجتمع أئمة الفريقين من أصحاب الشافعي وأصحاب أبي حنيفة، وطلبوا المناظرة معًا، فقال: أناظر على ما في كمي، فقالوا: وما في كمك؟ قال: كتاب الله - وأشار إلى كمه اليمين -، وسنة رسول الله ﷺ وأشار إلى كمه اليسار -، وكان فيه الصحيحان، فنظر السلطان إلى القوم كالمستفهم لهم، فلم يكن فيهم من يمكنه أن يناظره من هذا الطريق.
قال ابن رجب: وكان شيخ الإسلام الهرويُّ مشهورًا في الآفاق بالحنبلية، والشدة في السنة؛ وكان آية في التفسير، وحفظ الحديث، ومعرفة اللغة والأدب، وخلع على الشيخ من جهة الإمام القائم بأمر الله خلعة شريفة، وأخرى فاخرة من جهة الإمام المقتدي بالله مع الخطاب واللقب بشيخ الإسلام "شيخ الشيوخ زين العلماء"، وخلعة أخرى لابنه عبد الهادي، وكان السبب في هذا الخلع الوزير نظام الملك شفقةً منه على أصحاب الحديث، وصيانةً عن لحوق شَيْنٍ بهم.
стр. 175
وكان يقول: "ما صحَّ في رجبٍ وفي صيامه شيءٌ عن رسول الله ﷺ . وقال: كتاب أبي عيسى الترمذي عندنا أفيدُ من كتاب البخاري، ومسلم، قيل: ولم ذلك؟ قال: لأن كتابيهما لا يصل إلى الفائدة منهما إلا من يكون من أهل المعرفة التامة، وهذا الكتاب قد شرح حديثه، وبينهما، فيصل إلى فائدته كلُّ أحد من الناس؛ من الفقهاء والمحدثين وغيرهما، وقال: المحدث يجب أن يكون سريعَ المشي، سريعَ الكتابة، سريعَ القراءة. وقال ابن طاهر: سألته عن الحاكم - يعني: صاحب "المستدرك" -، فقال: ثقة في الحديث، رافضيٌّ خبيث، قال المؤتمن الساجي: كان يدخل عليه الجبابرة والأمراء، فما كان يبالي بهم، ويرى بعض أصحاب الحديث من الغرباء، فيكرمه إكرامًا يتعجب منه الخاص والعام، وكان يقول: إلهي! عصمة أو مغفرة، فقد ضاقت بنا طريق المعذرة، وقد أثنى عليه شيوخه وأقرانه، ومَنْ دونه من الفقهاء والمحدثين والصوفية والأدباء، ولما أُخرج من هراة، ووصل إلى مرو، قصده البغوي صاحب "التفسير"، فلما حضر عنده، قال لشيخ الإسلام: إن الله قد جمع لك الفضائل كلها، وكانت بقيت فضيلة واحدة، فأراد أن يكملها لك، وهي الإخراجُ من الوطن أسوة برسول الله ﷺ .
وكان من عادة إسحق القراب الحافظ الحثُّ على الاختلاف إليه، والبعث على القراءة عليه، واستماع الأحاديث بقراءته، والاستفادة منه والمواظبة على مجلسه، والاختيار له على غيره، وكان يقول: لا يمكن أن يكذب على النبي ﷺ كاذبٌ من الناس وهذا الرجلُ في الأحياء.
قال القاضي ابن عبد الجبار في "تاريخ هراة": كان صورة الإقبال في فنون الفضائل وأنواع المحاسن، منها: نصرة الدين والسنة، والصلابة في قهر أعداء الملة، والمنتحلين بالبدعة، حي على ذلك عمره من غير مداهنة ومراقبة لسلطان ولا وزير، ولا ملاينة مع كبير ولا صغير، وقد قاسى بذلك السبب قصد الحساد في كل وقت وزمان، وسعوا في روحه مرارًا، وعمدوا إلى إهلاكه أطوارًا، فوقاه الله شرهم، وأحاط بهم مكرهم، وجعل قصدهم أقوى سبب لارتفاع أمره
стр. 176
وعلو شأنه، وليس ذلك من فضل الله ببديع ولا عجب ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧]، ولقد هذب أحوال هذه الناحية عن البدع بأسرها، ونقح أمورهم عما اعتادوا منها في أمرها، وحملهم على الاعتقاد الذي لا مطعن لمسلم عليه، ولا سبيل لمبتدع إلى القدح إليه، انتهى حاصله. ومن جملة ما أخذه أهلُ هراة عنه من محاسن سيره: التبكيرُ بصلاة الصبح، وأداءُ الفرائض في أوائل أوقاتها، واستعمالُ السنن والآداب فيها، ومن ذلك تسمية الأولاد في الأغلب بالعبد - المضاف إلى أسماء الله تعالى -؛ كعبد الخالق، وعبد الهادي، وعبد العزيز، وعبد السلام، وإلى غير ذلك، فما زال يحثهم ويدعوهم إلى ذلك، فتعودوا الجري على تلك السنة وغير ذلك من آثاره.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب "الأجوبة المصرية": شيخُ الإسلام الهرويُّ مشهورٌ معظم عند الناس، هو إمام في الحديث والتصوف والتفسير، وهو في الفقه على مذهب أهل الحديث، والغالب عليه اتباع الحديث على طريقة ابن المبارك ونحوه، انتهى. وله شعر كثير حسن جدًا، ولأجل هذا ذكره الباخرزي في كتابه "دمية القصر في شعراء العصر"، وقد اعتنى بشرح كتابه "منازل السائرين" جماعةٌ، وهو كثيرُ الإشارة إلى مقام الفناء في توحيد الربوبيّة، واضمحلال ما سوى الله في الشهود لا في الوجود، فيتوهم فيه أنه يشير إلى الاتحاد حتى انتحله قوم من الاتحادية، وعظموه لذلك، وذمه قوم من أهل السنة، وقدحوا فيه بذلك، وقد برأه الله من الاتحاد.
قال ابن رجب في "الطبقات": وقد انتصر له شيخنا ابن القيم في كتابه الذي شرح (١) فيه "المنازل"، وبين أن حمل كلامه على قواعد الاتحاد زورٌ وباطل.
توفي شيخ الإسلام في مكة المكرمة يوم الجمعة بعد العصر، ودفن بهراة ﵀.
стр. 177
١٨١ - عبدُ الواحد بنُ محمد بنِ علي، أبو الفَرَج، الأنصاريُّ، الدمشقيُّ .
شيخ الشام في وقته، سكن بيت المقدس، فنشر مذهب الإمام أحمد فيما حوله، ثم أقام بدمشق، فنشر المذهب، وتخرج به الأصحاب، وسمع بها من أبي عثمان الصابوني، وكان شديدًا في السنة، وكانت له وقعات مع الأشاعرة، ظهر عليهم بالحجة في مجالس السلاطين ببلاد الشام، وتكلم في مجلس وعظه فصاح رجل متواجد، فمات في المجلس، وكان يومًا مشهودًا، وله تصانيف عدة في أصول الدين، وأصول الفقه، وكتاب "الجواهر" في التفسير في ثلاثين مجلدًا. توفي سنة ٤٨٦.
وذُكر عنه: أن الوضوء في أواني النحاس مكروه، وأن التسمية على الوضوء يصحُّ الإتيان بها بعد غسل الأعضاء، ولا يشترط تقدمُها على غسلها، وقد نسب هذا ابن منجا في كتابه "النهاية" إلى أبي الفرج ابن الجوزي، وهو وهم.
وله غرائب كثيرة، منها: أن مس الأمرد بشهوة ينقض الوضوء، ومنها: أن الجنب يُكره له أن يأخذ من شعره وأظفاره، وهو مخالف لمنصوص أحمد في رواية جماعة، ومنها: أنه يعتبر لوجوب الزكاة في جميع الأموال إمكانُ الأداء، إلى غير ذلك مما حكاه ابن رجب في "طبقاته".
١٨٢ - يعقوب بن إبراهيم بن أحمد القاضي، أبو يعلى .
سمع الحديث، وولي القضاء ثم عزل نفسه عنه، ذكره السمعاني، وقال: كانت له يدٌ قويةٌ في القرآن والحديث والفقه والمحاضرة. قال ابن الجوزي: حدث، وروى عنه أشياخنا، انتهى. وكان مباركَ التعليم، لم يدرس عليه أحد إلا أفلح، وصار فقيهًا.
وله المقامات المشهورة بالديوان حتى يقال: إنه كعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة من الصحابة في قوة الرأي، له تصانيف ممتعة. واختار جواز أخذ الزكاة لبني هاشم - إذا مُنعوا حقَّهم - من الخمس. توفي سنة ٤٨٦، وقيل سنة ٤٨٠.
стр. 178
١٨٣ - رزق الله بنُ عبد الوهاب بن عبد العزيز، التميميُّ، البغداديُّ، المقرىءُ المحدثُ، الفقيهُ الواعظُ .
شيخ أهل العراق في زمانه. ولد سنة ٤٠١، وقيل: سنة ٤٠٤. وقال هو: مولدي سنة ٣٩٦. سمع الحديث من جماعة، وأجاز له السلميّ الصوفي، وكان جميل الصورة، وكانت له المعرفة الحسنة بالقرآن، والحديث والأصول، والتفسير، والعربية، وكان أحلى الناس عبارة في النظر، وأجرأهم قلمًا في الفتيا، وأحسنهم وعظًا، له شعر حسن، ذكره في "طبقاته"، وذكر في ترجمته بعض فتاوه، وقال: ذكر ابن الجوزي في "تاريخه": أن جلال الدولة أمره أن يكتب "بشاهنشاه الأعظم ملك الملوك"، وخطب له بذلك، فنفر العامة، ورجموا الخطباء ووقعت فتنة سنة ٤٢٩، فاستفتى الفقهاء، فكتب الصيمري أن هذه الأسماء يعتبر فيها القصد والنية، وكتب أبو الطيب الطبري: أن إطلاق "ملك الملوك" جائز، ويكون معناه: ملك ملوك الأرض، وإذا جاز أن يقال: قاضي القضاة، وكافي الكفاة، جاز أن يقال: ملك الملوك، وكتب التميمي نحو ذلك، وأن القاضي الماوردي منع ذلك.
قال ابن الجوزي: والذي ذكره الأكثرون هو القياس إذا قصد به ملوك الدنيا، إلا أني لا أرى إلا ما رآه الماوردي؛ لأنه قد صح في الحديث ما يدل على المنع، لكنهم عن النقل بمعزل، ثم ساق حديث أبي هريرة في "الصحيحين".
قال ابن رجب: وابن الجوزي وافق على جواز التسمية بقاضي القضاة ونحوه، وقد ذكر شيخنا أبو عبد الله بن القيم، قال، وقال بعض العلماء: وفي معنى ذلك - يعني: ملك الملوك - كراهيةُ التسمية بقاضي القضاة، وحاكم الحكماء، فإن حاكم الحكماء في الحقيقة هو الله تعالى، وقد كان جماعة من أهل الدين والفضل يتورعون عن إطلاق قاضي القضاة. وحاكم الحكماء؛ قياسًا على ما يبغضه الله ورسوله من التسمية بملك الأملاك، وهذ حض القياس.
قلت: وكان شيخنا أبو عمرو عبدُ العزيز بنُ محمد بن إبراهيم بن جماعة الكناني الشافعي قاضي الديار المصرية وابن قاضيها؛ يمنع الناسَ أن يخاطبوه
стр. 179
بقاضي القضاة، أو يكتبوا له ذلك، وأمرهم أن يبدلوا ذلك بقاضي المسلمين، وقال: إن هذ لفظ مأثور عن علي ﵁ يوضح ذلك أن التلقيب بملك الملوك، إنما كان من شعار ملوك الفرس من الأعاجم المجوس ونحوهم، وكذلك أن المجوس يسمون قاضيهم: موبذ موبذان، يعنون بذلك: قاضي القضاة، فالكلمتان من شعائرهم، ولا ينبغي التسميةُ بهم، انتهى.
١٨٤ - علي بن المبارك أبو الحسن، الكرخيُّ النهريُّ .
كان كثير الذكاء، سمع الحديث الكثير، وتوفي سنة ٤٨٩.
قال القاضي أبو الحسين: تفقه على الوالد، وقال لي: كنت في بعض الأيام أمشي مع القاضي الإمام والدك، فالتفت، فقال لي: لا تلتفت إذا مشيت؛ فإنه يُنسب فاعل ذلك إلى الحمق، قال: وقال لي يومًا آخر وأنا أمشي معه: إذا مشيت مع من تعظمه، أين تمشي منه؟ قلت: لا أدري، قال: عن يمينه، تقيمه مقام الإمام في الصلاة، وتخلي الجانب الأيسر، فإذا أراد أن يستنثر أو يزيل أذى، جعله في الجانب الأيسر.
١٨٥ - محمد بن الحسين بن جعفرٍ الراذانيُّ، الزاهدُ .
سمع الحديث من جماعة، وحدث باليسير، وقال السمعاني: كان صاحب كرامات، مجاب الدعوة، وذكر ابن النجار بإسناده: أن رجلاً حلف بالطلاق أنه رآه بعرفة، ولم يكن الشيخ حج تلك السنة، فأخبر الشيخ بذلك، فأطرق، ثم رفع رأسه وقال: أجمعت الأمةُ قاطبةً على أن إبليس عدو الله يسير من المشرق إلى المغرب في افتنان مسلم أو مسلمة في لحظة واحدة، فلا ينكر لعبد من عبيد الله أن يمضي في طاعة الله بإذن الله في ليلة إلى مكة ويعود، ثم التفت إلى الحالف، وقال: طبْ نفساً؛ فإن زوجتك معك حلال. قال ابن الجوزي: كان الراذاني كثير التهجد، ملازمًا للصيام، توفي سنة ٤٩٤.
١٨٦ - جعفر بن أحمد بنِ الحسين، السراجُ المقرىءُ، المحدِّثُ الأديبُ .
ولد سنة ٤١٧، ذكره السَّلَفي عنه، وقال شجاع الذهلي: سنة ٤١٦، سمع
стр. 180
خلقًا كثيرًا، وسافر إلى مكة، وسمع بها، ودخل الشام، وسمع بدمشق، وتوجه إلى الديار المصرية، وصنف كتبًا حسانًا، منها: كتاب "مصارع العشاق". قال ابن الجوزي: حدث عنه أشياخُنا، وآخر من حدَّث عنه شهدة بنت الأبري، قال: وقرأت عليها كتابه المسمى بمصارع العشاق بسماعها منه، قال: ومن أشعاره:
بانَ الخَليطُ فأَدْمُعي ... وَجْدًا عليهمْ تَسْتَهِلُّ
وَحَدا بهم حادِي الفرا ... قِ عَنِ المنازِلِ فاستقلُّوا
قُلْ للذين تَرَحَّلوا ... عَنْ ناظِري والقلبَ حَلُّوا
وَدَمِي بلا جُرْمٍ أَتيتُ ... غداةَ بَيْنِهِمُ استَحَلُّوا
ما ضَرَّهُمْ لو أَنْهَلوا ... مِنْ ماءِ وَصْلِهِمُ وعَلُّوا
قال السِّلفي: وكان ممن يُفتخر برؤيته وروايته؛ لديانته ودرايته، كانت له معرفة بالحديث والأدب، وحدَّث بالكثير على استقامة وسَداد، وسمع منه الأئمةُ الكبار والحفاظ، ومن شعره:
للهِ دَرُّ عصابَةٍ ... يَسْعَوْنَ في طَلَبِ الفوائِدْ
يُدعَوْنَ أصحابَ الحديثِ ... بهمُ تَجَمَّلَتِ المشَاهِدْ
طَوْرًا تَرَاهُم بِالصَّعيـ ... ـدِ وتَارَةً في ثَغْرِ آمِدْ
يَتَتَبَّعونَ من العلو .... مِ بكلِّ أرضٍ كلَّ شارِدْ
فَهُمُ النُّجومُ المُهْتَدَى ... بِهِمُ إِلى سُبُلِ المَقاصِدْ
قال ابن الجوزي: كان جعفر السراج صحيح البدن، لم يعتوره في عمره مرض يُذكر، فمرض أيامًا، وتوفي سنة ٥٠٠.
١٨٧ - جعفر بن الحسن، الأذربيجانيُّ .
سمع الحديث من ابن البناء.
كان أَمّارًا بالمعروف، نَهّاءً عن المنكر، قوالاً للحق، مَهيبًا وقورًا عندَ الملوك، لا يتجاسر أحد أن يقدم عليه إذا أنكر منكرًا، توفي - في الصلاة ساجدًا - في سنة ٥٠٦.