الحديث، فاشتهر به، وبالغ في طلبه إلى أن جمع منه ما لم يتفق لغيره، ورحل وطَوَّفَ وجاب البلاد، ولقي المشائخ.
وكان رفيقَ الحافظ أبي سعيد، عبدِ الكريم السمعاني في الرحلة، وكان حافظًا دَيِّنًا، جمعَ بين المتون والأسانيد، سمع ببغداد في سنة ٥٢٠ من أصحاب البرمكي، والتنوخي، والجوهري، ثم رجع إلى دمشق، ثم رحل إلى خراسان ودخل نيسابور، وهراة، وأصبهان، والجبال، وصنف التصانيف المفيدة، وخرج التخاريج.
وكان حسنَ الكلام على الأحاديث، محفوظًا في الجمع والتأليف، صنف "التاريخ الكبير" لدمشق، في ثمانين مجلدًا، أتى فيه بالعجائب، وهو على نسق "تاريخ بغداد"، وله غيره تواليف حسنة، وأجزاء ممتعة، وله شعر لا بأس به، فمن ذلك قوله:
ألا! إن الحديثَ أجلُّ علمٍ ... وأشرفُه الأحاديثُ العَوالي
وأنفعُ كلِّ نوع منه عندي ... وأحسنُه الفوائدُ والأمالي
وإنك لن ترى للعلم شيئًا ... يُحققه كأفواهِ الرجال
فكنْ يا صاحِ ذا حرصٍ عليه ... وخذْه عن الرجال بلا مَلالِ
ولا تأخذْهُ من صحفٍ فتُرمى ... من التَّصحيفِ بالداء العُضالِ
ومن المنسوب إليه:
أيا نفسُ ويحكِ جاءَ المشيبُ ... فماذا التصابي وماذا الغَزَلْ
تولَّى شبابي كأنْ لم يَكُنْ ... وجاء مشيبي كأن لم يَزَلْ
كأني بنفسي على غِرَّةٍ ... وخَطْبُ المَنون بها قد نَزَلْ
فيا ليتَ شِعريَ مِمَّنْ أكونُ ... وما قَدَّرَ اللَّهُ لِي بالأزَلْ
قال في الآثار: وله كتاب "الاجتهاد في إقامة فرض الجهاد"، وكتاب "تبيين الوهم والتغليط الواقع في حديث الأطيط"، وهو رسالة في جزء ردّ فيه الحديثَ الذي أخرجه أبو داود، وهو: أن أعرابيًا أتى النبيَّ ﷺ ، فاستشفع للمطر، وفيه لفظ: أطيط الرحل بالراكب، ذكره ابن كثير. وله كتاب "تبيين كذب المفتري فيما
стр. 72
نُسب إلى أبي الحسن الأشعري"، قال ابن السبكي: وهو من أجل الكتب فائدة، فيقال: كل سُنِّيٍّ لا يكون عنده ذلك الكتاب، فليس من نفسه على بصيرة، ولا يكون الفقيه شافعيًا على الحقيقة حتى يحصل له ذلك، اختصره الإمام اليافعي، وكتاب "مُبْهمات القرآن"، وغير ذلك، انتهى.
وكانت ولادته في أول المحرم سنة ٤٩٩، وتوفي ليلة الاثنين الحادي والعشرين من رجب سنة ٥٧١ بدمشق، وحضر الصلاة عليه السلطان صلاح الدين ﵀.
وكان ولده أبو محمد القاسم الملقبُ: بهاء الدين أيضًا حافظًا، وتوفي أخوه الفقيه المحدِّث الفاضل صائنُ الدين هبة اللَّه بن الحسين سنة ٥٦٣ بدمشق، ودرس في جامع دمشق، وأفتى وحدث.
٦٢ - أبو الحسن، علي بن الحسن بن الحسين بن محمد القاضي المعروف بالخُلَعيِّ، الموصليُّ الأصل، المصريُّ الدار، الشافعيُّ، صاحبُ "الخلعيات" المنسوبة إليه .
سمع أبا الحسن الحوفي، وأبا محمد بن النحاس، وأبا الفتح العداس، وأبا سعيد الماليني، وغيرهم.
قال القاضي عياض: سألت أبا علي الصدفيَّ عنه، فقال: فقيه، له تواليف حسنة، ولي القضاء، وقضى يومًا واحدًا، واستعفى، وانزوى بالقرافة الصغرى، وكان مسنِدَ مصر بعد الحَبّال، وذكره أبو بكر بن العربي، فقال: له علو في الرواية، وعنده فوائد، وحدث عنه الحميدي، وكنى عنه بالقرافي.
وقال الحافظ أبو طاهر السِّلَفي: كان أبو الحسن الخلعي إذا سمع الحديث، يختم مجالسه بهذا الدعاء: "اللهمَّ ما مننتَ به فتمِّمْه، وما أنعمتَ به فلا تسلبْه، وما سترتَه فلا تهتكه، وما عَلِمْتَه فاغفرْه".
وكانت ولادته سنة ٤٠٥ بمصر، وتوفي بها سنة ٤٩٢. والخلعي: نسبة إلى الخلع؛ لأنه كان يبيع بمصر الخلعَ لأملاك مصر، فاشتهر بذلك وعرف به.
стр. 73
٦٣ - أبو الحسن، علي بن محمد بن خلف، المعافريُّ، القرويُّ، المعروف بابن القابسي .
كان إمامًا في علم الحديث ومتونه وأسانيده، وجميعِ ما يتعلق به.
وكان للناس فيه اعتقاد كثير، وصنف في الحديث كتاب "المخلص" جمعَ فيه ما اتصل إسناده من حديث مالكِ بن أنس ﵁ في كتاب "المؤطأ" رواية أبي عبد اللَّه، عبدِ الرحمن بن القاسم المصري، وهو - على صغر حجمه - جيدٌ في بابه.
كانت ولادته سنة ٣٢٤، وحج سنة ٣٥٣، وسمع كتاب البخاري بمكة من أبي زيد، ذكر الحافظ السلفي في "معجم السفر": أن شخصًا قال في مجلس القابسي وهو بالقيروان، ما أقصر المتنبي في معنى قوله:
يُراد من القلبِ نسيانُكم ... وتأَبى الطَّباعُ على الناقِلِ
فقال له: يا مسكين! أين أنت من قوله تعالى: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠].
توفي في سنة ٤٠٣، وبات عند قبره من الناس خلق كثير، وضُربت الأخبية، وأقبل الشعراء بالمراثي ﵀. وقابس: مدينة بأفريقية بالقرب من المَهْدِيَّة.
٦٤ - أبو محمد، عليُّ بنُ أحمدَ بنِ سعيدِ بنِ حزمِ بنِ غالبِ بنِ صالحِ بنِ خلفٍ (١).
وأولُ من أسلم من أجداده يزيدُ مولى يزيدَ بن أبي سفيان، وأصلُه من فارس، وجده خلفٌ أولُ من دخل الأندلس من آبائه.
ومولدُه بقرطبةَ من بلاد الأندلس يوم الأربعاء قبل طلوع الشمس، سلخَ
стр. 74
رمضان سنة أربع وثمانين وثلاث مئة، في الجانب الشرقي منها.
وكان حافظًا عالمًا بعلوم الحديث وفقهه، مستنبطًا للأحكام من الكتاب والسنة، بعد أن كان شافعيَّ المذهب، فانتقل إلى مذهب أهل الظاهر.
وكان متفننًا في علوم جمَّة، عاملًا بعلمه، زاهدًا في الدنيا بعد الرئاسة التي كانت له ولأبيه من قبله في الوزارة وتدبير الملك، متواضعًا، ذا فضائل جمة، وتواليف كثيرة، وجمع من الكتب في علوم الحديث والمصنفات والمسندات شيئًا كثيرًا، وسمع سماعًا جمًّا.
وألف في فقه الحديث كتابًا سماه: "الإيصال إلى فهم الخصال" الجامعة لجمل شرائع الإسلام في الواجب والحلال والحرام والسنة والإجماع.
أورد فيه أقوالَ الصحابة والتابعين ومَنْ بعدهم من أئمة المسلمين ﵃ أجمعين - في مسائل الفقه والحجة لكل طائفة وعليها، وهو كتاب كبير.
وله كتاب "الإحكام لأصول الأحكام" في غاية التقصِّي وإيراد الحجج، وكتاب "في الإجماع ومسائله" على أبواب الفقه.
قال ابن بشكوال في حقه: كان أبو محمد أجمعَ أهل الأندلس قاطبةً لعلوم الإسلام، وأوسعَهم معرفةً، مع توسُّعه في علم اللسان، ووفور حظه من البلاغة والشعر والمعرفة والسير والأخبار، أخبرَ ولدُه أبو رافع الفضلُ: أنه اجتمع عنده بخط أبيه من تأليفه نحو أربع مئة مجلد، تشتمل على قريب من ثمانين ألف ورقة.
وقال الحافظ أبو عبد اللَّه محمد بن فتوح الحميدي: ما رأينا مثله فيما اجتمع له من الذكاء، وسرعة الحفظ، وكرم النفس، والتدين، وما رأيت من يقول الشعر على البديهة أسرع منه، ثم قال: ومن شعره:
وَذي عَذَلٍ فيمن سَباني حسنُه ... يُطيلُ مَلامي في الهوى ويقولُ
أفي حسنِ وَجْهٍ لاحَ لم ترَ غيرَه ... ولم تدرِ كيفَ الجسمُ أنتَ قتيلُ
فقلتُ له أسرفتَ في اللوم ظالمًا ... وعندي ردٌّ لو أردت طويلُ
ألم ترَ أنِّي ظاهريٌّ وأنني ... على ما بدا حتى يقومَ دليلُ
стр. 75
وكان كثيرَ الوقوع في العلماء المتقدِّمين، لا يكاد يسلَم أحد من لسانه، فنفرت عنه القلوب، واستهدف لفقهاءِ وقته، فتمالؤوا على بغضه، وردُّوا قوله، وأجمعوا على تضليله، وشنَّعوا عليه، وحذروا سلاطينهم من فتنته، ونهوَا عوامَّهم عن الدنوِّ منه، والأخذ عنه، فأقْصَتْه الملوك، وشردته عن بلاده، حتى انتهى إلى بادية لِبلى، فتوفي بها آخر نهار الأحد لليلتين بقيتا من شعبان سنة ٤٥٦، وقيل: إنه توفي في "منت ليشم"، وهي قرية ابن حزم المذكورة ﵀.
وكانت ولادته بعد طلوع الفجر، وقبل طلوع الشمس يوم الأربعاء سلخَ رمضان سنة أربع وثمانين وثلاث مئة، قاله ابن صاعد.
وفيه قال أبو العباس بن العريف: كان لسانُ ابن حزم وسيفُ الحجاج بنِ يوسف الثقفي شقيقينِ، وإنما قال ذلك؛ لكثرة وقوعه في الأئمة.
وكانت وفاة والده أبي عمر أحمد في سنة ٤٠٢، وكان وزيرَ الدولة العامرية، وهو من أهل العلم والأدب والبلاغة والخير. وقال ولده أبو محمد المذكورُ: أنشدني والدي الوزيرُ في بعض وصاياه لي - رحمه اللَّه تعالى -:
إذا شئتَ أن تَحْيا غنيًا فلا تكنْ ... على حالةٍ، إلا رضيتَ بِدونِها
وكان لأبي محمد المذكور ولدٌ نبيهٌ سريٌّ فاضلٌ يقال له: أبو رافع، الفضلُ بنُ أبي محمد، وكان في خدمة المعتمد بن عباد، صاحبِ إِشبيلية وغيرِها من بلاد الأندلس، وقُتل أبو رافع المذكورُ في وقعة الزَّلَّاقة مع مخدومه المعتمِد في سنة ٤٧٩ الهجرية.
ولبله: بلدة بالأندلس، ومنت ليشم - بالشين -: قرية من أعمال لبله، كانت ملكَ ابن حزم، وكان يتردد إليها، واللَّه أعلم.
قال المقري في "نفح الطيب" في ترجمته الشريفة: قال ابن حيان وغيرُه: كان ابن حزم صاحبَ حديثٍ وفقهٍ وجَدَل، وله كتب كثيرة في المنطق والفلسفة، وكان شافعيَّ المذهب، يناضل الفقهاء عن مذهبه، ثم صار ظاهريًا، فوضع
стр. 76
الكتب في هذا المذهب، وثبت عليه إلى أن مات، وكان له تعلُّق بالأدب، وشنَّع عليه الفقهاء، وطعنوا فيه، وأقصاه الملوك، وأبعدوه عن وطنه.
قال صاعد في "تاريخه": كان ابن حزم أجمعَ أهل الأندلس قاطبة لعلوم الإسلام، وأوسعَهم معرفةً، مع توسُّعه في علم اللسان، والبلاغة، والشعر، والسير، والأخبار.
قال الذهبي: وكان إليه المنتهى في الذكاء وحدة الذهن، وسَعَة العلم بالكتاب والسنة، والمذاهب والمِلل والنِّحَل، والعربية والآداب، والمنطق والشعر، مع الصدق والديانة، والحشمة والسؤدد والرئاسة والثروة، وكثرة الكتب.
قال الغزالي: وجدت في أسماء اللَّه تعالى كتابًا لابن حزم يدل على عِظَم حفظه، وسيلانِ ذهنه، انتهى.
وعلى الجملة: فهو نسيجُ وحدِه لولا ما وُصف به من سوء الاعتقاد، والوقوع في السَّلف الذي اثار عليه الانتقاد، سامحه اللَّه تعالى.
قال محرر هذه السطور - عفا اللَّه عنه -: لم يكن موصوفًا بسوء الاعتقاد كما زعم المَقَّري، بل كانت عقيدته الكتابَ والسنة والمحصنة، وهذه فضيلةٌ لا يساويها فضيلة، وأما وقوعُه في السلف، فكان ذبًّا عن الإسلام، وهو لا ينافي العلم، وعمره اثنتان وسبعون سنة، وكان كثير المواظبة على التأليف، ذكر جملة منها المقري.
وقال ابن سعيد فيه: الوزير العالم الحافظ، وشهرته تغني عن وصفه، وذكر له المَقَّري أشعارًا كثيرة بديعةَ المبنى والمعنى.
وأثنى عليه الشيخ العارف محيي الدين بن عربي، صاحب "الفتوحات المكية" كثيرًا، وقال في الباب الثالث والعشرين ومئتين، في معرفة حال التفرقة في (صفحة ٦٨٤ من النسخة المطبوعة بمصر) ما نصه: وهذه غايةُ الوصلة أن يكون الشيء عينَ ما ظهرَ، ولا يُعرف أنه هو كما رأيتُ النبيَّ ﷺ وقد عانق أبا محمدٍ بنَ حزم المحدِّثَ، فغاب الواحدُ في الآخرَ، فلم يُر إلا واحد، وهو
стр. 77
رسولُ اللَّه ﷺ ، فهذه غايةُ الوصلة، وهو المعبر عنه بالاتحاد؛ أي: كون الاثنين عينا للواحد، وما في الوجود أمر زائد، انتهى. وللَّه در القائل:
تَوَهَّمَ واشِينا بِلَيْلِ مَزارِنا ... فَهَمَّ ليسعى بينَنا بالتباعُدِ
فعانَقْتُهُ حتى اتَّحَدْنا تعانُقًا ... فلمَّا أتانا ما رأى غيرَ واحدِ
وفي معناه ما قال الشاعر بالفارسية:
جذبه وصل بحديست من وتو ... كه رقيب آمد وبرسيد نشان من وتو
ولا غرو في ذلك، فقد قلنا في كتابنا "الحِطَّة بذكر الصِّحاح الستة" ما نصه: إن أهل الحديث - كَثَّرَ اللَّه تعالى سوادَهم، ورفع في العالمين عمادَهم - لهم نسبةٌ خاصة، ومعرفة مخصوصة بالنبيِّ ﷺ ، لا يشاركهم فيها أحد من العالمين، فضلًا عن سائر الناس أجمعين، فإنهم لا يزال يجري صفاته العليا وأحواله الكريمة وشمائله الشريفة على لسانهم، ولم يبرح تمثالُ جماله الكريم وخيالُ وجهه الوسيم ونورُ حديثه المستبين وبركةُ العمل بسنته المطهرة يتردَّدُ في حاق وسطِ جَنانهم، فعلاقة باطنهم بباطنه العلي متصلة، ونسبةُ ظاهرهم بظاهره النقي مسلسلة، فهم أهلُ الودِّ والاتحاد حقًا، وأصحاب الوحدة المطلقة عدلًا وصدقًا، فأكرمْ بهم من كرام يشاهِدون عظمةَ المسمَّى حين يذكر الاسم، ويصلُّون عليه كلَّما مر ذكره الشريف بأحسنِ الحدِّ والرسم، وخاضوا في بحار العلوم المحمدية خوضًا، وصاروا به نحو المعلوم، خدموا الأحاديث الأحمدية خدمة، وعادوا معها عينَ المخدوم، انتهى.
وذكر له سليم الخوري في كتاب "آثار الأدهار" ترجمة حسنة، وقال: كان ابن حزم خبيرًا بالأحكام، بصيرًا بأمور السياسة، وقد أُحرقت داره في قرطبةَ لما استولى عليها البربرُ، وسُبيت نساؤه، ونُهبت أمواله، ونُفي منها، ثم عاد، وكان عبدُ الرحمن الرابعُ المرتضى قد ولي أمرَها، وحضر فيها الوقعة التي جرت بين عبد الرحمن وزاوي صاحب غرناطة، فأسر وبقي في أسر البربر مدة، ثم أطلقوه، وكان متشيِّعًا للأموية، لا يفتُر عن الدعوة إليهم، فانكشف أمرُه لخيران رئيسِ الصقالبة، فقبض عليه، ونفاه.
стр. 78
ولما ولي عبد الرحمن الخامس الملقبُ بالمستظهر أمرَ قرطبة، استوزر ابنَ حزم لنفسه، وقربه، ورفع منزلته، ثم قُتل عبد الرحمن المذكور، فقُبض على ابن حزم، واعتقل هو وابن عمه عبدُ الوهاب بن حزم، ثم أُطلق، فاعتزل السياسة والأَشغال المعايشة، وأكبَّ على الدرس والمراجعة، وأصاب من العلم نصيبًا جزيلًا، انتهى.
وذكرَ له مؤلفاتٍ كثيرةً سماها بأسمائها، قال: وقد أَحرق المعتضدُ بنُ عباد كتبه بإشبيلية. ومن شعره:
دَعُوني من إحراقِ رَقٍّ وكاغدٍ ... وقولوا بعلمٍ كي يرى الناس مَنْ يدري
فإنْ تُحْرِقوا القِرْطاسَ لَمْ تحرقوا الذي ... تَضَمَّنَهُ القِرطاسُ، بل هو في صَدْري
وفي كتاب "دائرة المعارف" للمعلم بطرس البستاني في ترجمته: ومن شعره:
لَئِنْ أَصبحتُ مرتحلًا بجسمي ... فَرُوحي عندَكُم أبدًا مقيمُ
ولكنْ للعيانِ لطيفُ معنًى ... لهُ سألَ المُعاينةَ الكَليمُ
وله أيضًا في المعنى:
يقول أخي شَجاكَ رحيلُ جسمٍ ... ورُوحُك ما لَها عَنَّا رَحيلُ
فقلتُ لهُ المعاينُ مطمئنٌّ ... لذا طلبَ المُعاينَةَ الخَليلُ
قال: وكانت بينه وبين أبي الوليد الباجي مناظراتٌ وماجرياتٌ يطولُ شرحها.
* ولا يخفى عليك أن كتاب "آثار الأدهار"، و"دائرة المعارف"، و"الروضة الغناء في دمشق الفيحاء"، كل ذلك من مؤلفات العلماء المسيحية، ولا مضايقة في نقلنا عنها؛ لأنها تشتمل على معارف صحيحة، ونقُول ثابتة من كتب الإسلام في تراجم الأعلام والآثار، و"الدائرة" قد احتوت على غالب طبقات العلماء، قلَّ من فات عنهم ترجمته.
وإنما أخذنا منهما في هذا الكتاب نبذة يسيرة، ولو ذهبنا نأخذ منهما الكثير،
стр. 79
لجاء كتاب مفرد، ولا ريب أنهما على ترتيب حسن، وتهذيب أنيق، وهذا المختصر لم نراع فيه هذين الأمرين فليكن ذلك على ذكر منك.
ويالله العجب من أهل ملة الإسلام! إنهم قعدوا عن إدراك العلوم والفنون، وتركوا قواعد التأليف والتحقيق مع حدودها والرسوم.
والذين ليسوا من أهل جلدتنا، ولا من أصحاب ملتنا، قد اعتنوا بجميع الكمالات، وفاقوا فيها غالب أهل الصناعات؛ بحيث لا يلحق شأوَهم أحدٌ من العُصبة الحاضرة، والجماعة الموجودة من الناس المختلفين مذهبًا ومشربًا، وهذا من عجائب قدر اللَّه وقواه، فاللَّه يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد.
٦٥ - أبو الحسن، علي بنُ أبي الكرم، محمدِ بنِ محمدِ بنِ عبدِ الكريم بنِ عبدِ الواحدِ، الشيبانيُّ، المعروف بابن الأثير، الجزريُّ، الملقب: عزُّ الدين .
ولد بالجزيرة، ونشأ بها، ثم سار إلى الموصل، وسكن بها، وسمع بها من أبي الفضل الخطيب الطوسي ومَنْ في طبقته، وقدمَ بغدادَ مرارًا حاجًّا ورسولًا من صاحب الموصل، ثم رحل إلى الشام والقدس، وسمع هناك من جماعة، ثم عاد إلى الموصل، ولزم بيته منقطعًا إلى التوفر على النظر في العلم والتصنيف.
وكان بيته مجمعَ الفضل لأهل المَوْصل والواردين عليها، وكان إمامًا في حفظ الحديث ومعرفته وما يتعلق به، وحافظًا للتواريخ المتقدمة والمتأخرة، وخبيرًا بأنساب العرب وأيامهم ووقائعهم وأخبارهم، وله كتاب "أخبار الصحابة" في ست مجلدات كبار.
قال ابن خلكان: واجتمعت به، فوجدته رجلًا مكملًا في الفضائل وكرم الأخلاق وكثرة التواضع، فلازمت التردد إليه.
وكانت ولادته سنة ٥٥٥، بجزيرة ابن عمر، وهو من أهلها، وتوفي سنة ٦٣٠ بالموصل.
стр. 80
٦٦ - أبو الخطاب، عمرُ بنُ الحسنِ بنِ عليِّ بنِ محمدٍ الجميل، المعروفُ بابن دحية، الأندلسيُّ، الحافظُ .
قال الذهبي: وفي تواليفه أشياء تنقم عليه من تصحيح وتضعيف.
كان من أعيان العلماء، ومشاهير الفضلاء، متقنًا لعلم الحديث النبوي وما يتعلق به، عارفًا بالنحو واللغة، وأيام العرب وأشعارها، واشتغل بطلب الحديث في أكثر بلاد الأندلس الإسلامية، ولقي بها علماءها ومشايخها، ثم رحل إلى مراكش وإفريقية والديار المصرية، ثم إلى الشام والشرق والعراق، وسمع ببغداد وواسِط، ودخل إلى عراق العجم وخراسان وما والاها، كلّ ذلك في طلب الحديث، والاجتماع بأئمته، والأخذ عنهم، وهو في تلك الحال يؤخذ عنه، ويستفاد منه.
وقدم مدينة أربل سنة ٦٠٤، فرأى صاحبها الملكَ المعظم مولَعًا بعمل مولد النبيِّ ﷺ ، عظيمَ الاحتفال به، فعمل له كتاب "التنوير في مولد السراج المنير"، وقرأه عليه بنفسه، وختم هذا الكتاب بقصيدة طويلة، أولها:
لولا الوشاةُ لهم ... أَعداؤنا ما وهموا
ودفع له الملكُ ألفَ دينار، وله عدة تصانيف.
وكانت ولادته سنة ٥٤٤، وتوفي سنة ٦٣٣ بالقاهرة.
ذكر له المَقَّري في "نفح الطيب" ترجمةً حافلة، وأثنى عليه، وذكر من شعره الرائق شيئًا، وقال: ولد سنة ٥٤٨، وتكلم فيه جماعة فيما ذكره ابن النجار، وقدرُه أجلُّ مما ذكروه.
سمع بالأندلس من ابن بشكوال، وببغداد من ابن الجوزي، وطاف البلاد، وكل ذلك في طلب الحديث، وله مؤلفات كثيرة حسنة، وكان ظاهريَّ المذهب، من كبار المحدِّثين، ومن الحفاظ الثقات الأثبات المحصَّلين، روى وأَسمع، وكان من أحفظ أهل زمانه باللغة، حتى صار حوشِيُّ اللغة عنده مستعملًا غالبًا، وكان قصده أن يشتهر بنوع ينفرد به دون غيره؛ كما فعل كثير من الأدباء، إلى آخر ما قال.
стр. 81
٦٧ - أبو زيد، عمر بنُ شَبَّةَ، واسمه زيد، وشبةُ لقب ابنِ عبيدةَ بنِ زيد، ويقال: ابن رابطة، النميريُّ، البصريُّ .
كان صاحب أخبار ونوادر واطلاع كثير، وصنف "تاريخ البصرة"، سمع منه أبو محمد بن الجارود، وسئل عنه أبو حاتم الرازي، فقال: صدوق، وروى عنه الحافظ محمد بن ماجه، صاحب "السنن"، وغيره.
ولد في رجب سنة ١٧٣، وتوفي سنة ٢٦٢ - وقيل: سنة ٢٦٣، بِسُرَّ مَنْ رأى، رح.
٦٨ - أبو حفص، عمرُ بنُ أبي بكر محمدِ بنِ معمر، المعروفُ بابن طَبَرْزَد، المحدثُ المشهورُ، البغداديُّ .
كان أخوه الأكبر أبو البقاء قد أسمعه الكثيرَ من الحديث، ثم استقل بإفادة نفسه، وعُمِّرَ حتى حدَّث سنين.
وكان سماعه من أبي القاسم هبةِ اللَّه الحريريِّ، وأبي المواهب، والأنماطيِّ، وخلقٍ كثير، وكان سماعه صحيحًا على تخليط فيه، وحدث بأربل، والموصل، وحران، وحلب، ودمشق، وغيرها، وعاد إلى بغداد، وحدث بها.
وتفرد بالرواية عن جماعة، منهم: الراعوني، والشروطي، وغيرهما، وجمع له ابن المديني مشيخة فى جزأين وبعض ثالث، فيها ثلاثة وثمانون شيخًا، وكان عاليَ الأسناد في سماع الحديث، طاف البلاد، وأفاد أهلها، وأَلحق الأصاغرَ بالأكابر، وطبق الأرض بالسماعات والإجازات، وامتدت له الحياة، فخلا له العصر، وكان فيه صلاح وخير.
مولده سنة ٥١٦، وتوفي في سنة ٦٠٧ ببغداد. وطَبَرْزَد: اسم نوع من السكر.
٦٩ - القاضي أبو الفضل، عياض بنُ موسى بنِ عياض، اليحصبيُّ السبتيُّ .
كان إمامَ وقته بالحديث وعلومِه، والنحو واللغة وكلام العرب، وأيامهم وأنسابهم، وصنف التصانيف المفيدة: منها: كتاب "الإكمال في شرح كتاب
стр. 82
مسلم"، كمل به "المُعْلِم في شرح كتاب مسلم" للمازري، ومنها: "مشارق الأنوار"، وهو كتاب مفيد جدًا في تفسير غريب الحديث المختص بالصحاح الثلاثة، وهي الموطأ، والبخاري، ومسلم، وشرح حديث أم زَرْع شرحًا مستوفًى، وله كتاب سماه: "التنبيهات"، جمع فيه غرائب وفوائد.
وبالجملة: فكل تواليفه بديعة، ذكره أبو القاسم بن بشكوال في كتاب "الصلة"، فقال: دخل الأندلس طالبًا للعلم، فأخذ بقرطبة عن جماعة، وجمع من الحديث كثيرًا، وكان له عناية كثيرة به، والاهتمام بجمعه وتقييده، وهو من أهل اليقين والعلم، والذكاء والفطنة والفهم، واستقضي ببلده يعني مدينة سبتة مدة طويلة حُمدت سيرتُه فيها، ثم نُقل منها إلى قضاء غرناطة، فلم تطل مدته فيها، انتهى كلامه.
وله شعر حسن، وذكره العمادُ في "الخريدة"، فقال: كبير الشأن، غزير البيان، وذكره ابن الأبَّار في أصحاب علي الغساني، وقال: أحدُ الأئمة الحفاظ الفقهاء المحدثين الأدباء، تواليفه وأشعاره شاهدة بذلك. كتب إليه أبو علي في جماعة جلة، ولقي أيضًا آخرين مثلهم، وشيوخه يقاربون المئة.
ولد سنة ٤٧٦ بسَبْتَة، وتوفي بمراكش سنة ٥٤٤. واليَحْصُبِيُّ - مثلثة الصاد -: نسبة إلى يحصب بن مالك: قبيلة من حِمْيَر، وسَبْتَة: مدينة مشهورة بالمغرب، وكذلك غرناطة مدينة بالأندلس - رحمه اللَّه تعالى -.
٧٠ - أبو عبيد القاسمُ بنُ سَلَّام - بتشديد اللام -.
كان أبوه عبدًا روميًا لرجل من أهل هراة، واشتغل أبو عبيد بالحديث والأدب والفقه، وكان ذا دِينٍ وسيرة جميلة، ومذهبٍ حسن وفضلٍ بارع، حسنَ الرواية، صحيحَ النقل.
قال القاضي أحمد بن كامل: لا أعلم أحدًا من الناس طعن عليه في شيء من أمر دينه. ولي القضاء بمدينة طرطوس ثماني عشرة سنة، روى عن: أبي زيد الأنصاري، والأصمعي، وابن الأعرابي، والكسائي، والفراء، وجماعة كثيرة،
стр. 83
وروى عنه الناسُ من كتبه المصنفة بضعةً وعشرين كتابًا في القرآن الكريم، والحديث وغريبه والفقه.
ويقال: إنه أول من صنف في "غريب الحديث (١) "، ولما وضع كتابَ الغريب، عرضه على عبد اللَّه بن طاهر، فاستحسنه. وقال محمد بن وهب: سمعت أبا عبيد يقول: مكثتُ في تصنيف هذا الكتاب أربعين سنة، وربما كنت أستفيد الفائدة من أفواه الرجال، فأضعها في موضعها من الكتاب، فأبيتُ ساهرًا فرحًا مني بتلك الفائدة، وأحدُكم يجيئني فيقيم عندي أربعة أو خمسة أشهر، فيقول: قد أقمت كثيرًا!
قال الهلال بن علاء الرَّقِّي: مَن اللَّه تعالى على هذه الأمة بأربعة في زمانهم:
١ - بالشافعي، تفقه في حديث رسول اللَّه ﷺ ٢ - وبأحمد بن حنبل، ثبت في المحنة، ولولا ذاك لكفر الناس، ٣ - ويحيى بن معين، نفى الكذب عن حديث رسول اللَّه ﷺ ، ٤ - وبأبي عبيد القاسم بن سلام، فسر "غريب الحديث"، ولولا ذاك، لاقتحم الناس الخطأ. وقال إسحاق بن راهويه: أبو عبيد أوسعُنا علمًا، وأكثرنا أدبًا، وأجمعُنا جمعًا، إنا نحتاج إليه، وهو لا يحتاج إلينا.
وكان يخضب بالحناء، أحمرَ الرأس واللحية، وكان له وقار وهيبة.
قدم بغداد، فسمع الناس منه كتبَه، ثم حجَّ وتوفي بمكة، وقيل: بالمدينة بعد الفراغ من الحج سنة ٢٢٣، وقال البخاري: سنة ٢٢٤.
وقال الخطيب في "تاريخ بغداد": بلغني أنه عاش سبعًا وستين سنة.
٧١ - قاضي الخافقين أبو بكر، محمد بنُ أحمدَ القاسم بنِ المظفر بن علي، الشهرزوريُّ .
اشتغل بالعلم على أبي إسحاق الشيرازي، وولي القضاء بعدة بلاد، ورحل إلى العراق وخراسان والجبال، وسمع الحديث الكثير، وسمع منه السمعانيُّ.
стр. 84
ولد سنة ثلاث، أو ٤٥٤، وتوفي سنة ٥٣٨ ببغداد، وإنما قيل له: قاضي الخافقين؛ لكثرة البلاد التي ولي فيها.
٧٢ - أبو محمد، القاسمُ بن فيرةَ بنِ خلفِ بنِ أحمدَ الشاطبيُّ، الضريرُ، المقرىءُ .
صاحبُ القصيدة التي سماها: "حرزَ الأماني ووجه التهاني" في القراءات، وعدتها ألف ومئة وثلاثة وسبعون بيتًا، ولقد أبدع فيها كل الإبداع، وهي عمدة قراء هذا الزمان في نقلهم.
وكان عالمًا بكتاب اللَّه تعالى قراءةً وتفسيرًا، وبحديث رسول اللَّه ﷺ ، مبرزًا فيه، وكان إذا قرىء عليه "صحيح البخاري"، و"مسلم" و"الموطأ" يصحح النسخ من حفظه، ويملي النكت على المواضع التي تحتاج إليها.
وكان أوحدَ زمانه في علم النحو واللغة، عارفًا بعلم الرؤيا، وسمع الحديث من أبي عبد اللَّه محمد بن يوسف الخزرجي، والحافظ أبي الحسن بن النعمة، وغيرهما.
وانتفع به خلق كثير.
ولد سنة ٥٣٨، وتوفي سنة ٥٩٠. والشاطبي: نسبة إلى شاطبة، مدينة كبيرة ذات قلعة حصينة بشرق الأندلس، وفِيرُّه (١) بكسر الفاء وسكون التحتية وتشديد الراء وضمها - هو بلغة اللطيني (٢) من أعاجم الأندلس، معناه بالعربي: الحديد.
قال المَقَّري، في "نفح الطيب": حكي أن الأمير عز الدين موسك الذي كان والد ابن الحاجب - حاجبًا له، بعث إلى الشاطبي يدعوه إلى الحضور عنده، فأمر الشيخ بعض أصحابه يكتب إليه:
قل للأمير مقالة ... من ناصحٍ فَطِنٍ نَبيهٍ
إنَّ الفقيهَ إذا أتى ... أبوابَكُمْ لا خيرَ فيه
стр. 85
٧٣ - الإمام أبو عبد اللَّه، مالكُ بنُ أبي عامرِ بنِ عمرِو بنِ الحارث، الأَصْبَحيُّ، المَدَنيُّ، إمامُ دار الهجرة، وأحدُ الأئمة الأعلام .
أخذ القراءة عرضًا عن نافع بن أبي نعيم، وسمع الزهري، ونافعًا مولى ابن عمر، وروى عنه: الأوزاعي، ويحيى بن سعيد، وأخذ العلم عن ربيعة الرأي، وأفتى معه عند السلطان، وقال مالك: قلَّ رجلٌ كنت أتعلَّمُ منه ما مات حتى يجيئني ويستفتيني.
وكان مالك إذا أراد أن يحدث: توضأ، وجلس على صدر فراشه، وسرَّحَ لحيته، وتمكن في جلوسه بوقار وهيبة، ثم حدَّث، فقيل له في ذلك، فقال: أحبُّ أن أُعَظِّم حديثَ رسول اللَّه ﷺ ، ولا أحدث به إلا متمكنًا على طهارة.
وكان يكره أن يحدث على الطريق، أو قائمًا، أو مستعجلًا، ويقول: أحبُّ أن أتفهم ما أحدِّثُ به عن رسول اللَّه ﷺ .
وكان لا يركب في المدينة، مع ضعفه وكبر سنه، ويقول: لا أركب في مدينة فيها جثةُ رسول اللَّه ﷺ مدفونة.
وكان يأتي المسجدَ ويشهد الصلوات والجمعة والجنائز، ويعود المرضى، ويقضي الحقوق، ويجلس في المسجد، ويجتمع إليه أصحابه، ثم ترك الجلوس في المسجد، فكان يصلي وينصرف إلى مجلسه، وترك حضورَ الجنائز، فكان يأتي أهلها فيعزيهم، ثم ترك ذلك كله، فلم يكن يشهد الصلوات في المسجد، ولا الجمعة، ولا يأتي أحدًا يعزيه، ولا يقضي له حقًا، واحتمل الناس له ذلك حتى مات.
وكان ربما قيل له في ذلك، فيقول: ليس كل الناس يقدر أن يتكلم بعذره. وسعي به إلى جعفر بن سليمان بن علي بن عبد اللَّه بن عباس ﵄، وهو عم أبي جعفر المنصور، وقالوا له: لا يرى أيمانَ بيعتِكم هذه بشيء، فغضب جعفر، ودعا به وجرده، وضربه بالسياط، ومدت يده حتى انخلعت كتفه، وارتكب منه أمرًا عظيمًا، فلم يزل بعد ذلك الضرب في علو ورفعة، وكأنما كانت تلك السياط حليًا حُلِّي به.
стр. 86
وذكر ابن الجوزي في "شذور العقود"، في سنة ١٤٧: وفيها ضُرب مالك بن أنس سبعين سوطًا؛ لأجل فتوى لم توافق غرضَ السلطان، واللَّه أعلم.
كانت ولادته في سنة خمس وتسعين للهجرة، وحُمل به ثلاث سنين، وتوفي في شهر ربيع الأول سنة ١٧٩ ﵁، فعاش أربعًا وثمانين سنة.
قال الواقدي: مات وله تسعون سنة. وقال ابن الفرات في "تاريخه" المرتب على السنين: توفي مالك بن أنس الأصبحي لعشر مضين من ربيع الأول سنة ١٧٩.
وقيل: إنه توفي في سنة ١٧٨، وقيل: إن مولده سنة تسعين للهجرة. وقال السمعاني في كتاب "الأنساب": إنه ولد في سنة ثلاث، أو أربع وتسعين، واللَّه أعلم.
وحكى الحافظ أبو عبد اللَّه الحميدي في كتاب "جذوة المقتبس"، قال: حدث القَعْنبيُّ، قال: دخلتُ على مالك بن أنس في مرضه الذي مات فيه، فسلمتُ عليه، ثم جلست، فرأيته يبكي، فقلت: يا أبا عبد اللَّه! ما الذي يُبكيك؟ فقال لي: يا بن قعنب! وما لي لا أبكي؟ ومن أحقُّ بالبكاء مني؟ واللَّه! لوددتُ أني ضُربت بكل مسألة أفتيت فيها برأيي بسوط سوط، وقد كانت لي السعة فيما قد سبقت إليه، وليتني لم أفت برأيي، أو كما قال.
وكانت وفاته بالمدينة - على ساكنها أفضل الصلاة والسلام - ودفن بالبقيع.
وكان شديدَ البياض إلى الشقرة، طويلًا، عظيمَ الهامة، أصلعَ، يلبس الثياب العدنيةَ الجيادَ، ويكره حلقَ الشارب، ويعيبه، ويراه من المُثْلَة، ولا يغير شيبه.
ورثاه أبو محمد جعفر بن أحمد بن الحسين السراج، بقوله:
سقى جَدَثًا ضَمَّ البقيع لمالك ... مِنَ المُزْنِ مِرْعادُ السَّحائِبِ مِبْراقُ
إمامٌ مُوَطَّاهُ الذي طبقتْ به ... أقاليمُ في الدنيا، فِساحٌ وآفاقُ
أقامَ به شرعَ النبيِّ محمدٍ ... له حذرٌ من أن يُضام وإشفاقُ
له سَنَدٌ عالٍ صحيحٌ وهيبةٌ ... فللكلِّ منه حينَ يرويه إطراقُ
стр. 87
وأصحابُ صدقٍ كلهم عَلَمَ، فَسَلْ ... بهمْ إنهم إنْ أنتَ ساءلت حُذَّاقُ
ولو لم يكنْ إلا ابنُ إدريس وحدَه ... كفاهُ، ألا إنَّ السعادةَ أرزاقُ
والأصبحيُّ: نسبة إلى ذي أصبح، واسمُه الحارثُ بن عوف بن مالك، إلخ.
٧٤ - أبو السعادات، المبارك بنُ أبي الكرم، محمدُ بنُ محمدِ بنِ عبدِ الكريم بنِ عبدِ الواحدِ، الشيبانيُّ، المعروفُ بابن الأثير الجزريُّ، الملقبُ: مجد الدين .
قال أبو البركات بن المستوفي في "تاريخه" في حقه: أشهر العلماء ذكرًا، وأكبر النبلاء قَدْرًا، وأحد الأفاضل، المشار إليه، وفردُ الأماثل، المعتمَدُ في الأمور إليه.
أخذ النحو عن شيخه أبي محمد، سعيدِ بنِ المبارك بنِ الدهان، وسمع الحديث متأخرًا، ولم تتقدم روايته.
وله المصنفاتُ البديعة، والرسائل الوسيعة، منها: "جامع الأصول في أحاديث الرسول" جمع فيه بين الصحاح الستة، وهو على وضع كتاب رزين، إلا أن فيه زيادات كثيرة عليه، ومنها كتاب "النهاية في غريب الحديث" في أربع مجلدات، وله كتاب "المصطفى المختار في الأدعية والأذكار"، وكتاب "الشافي في شرح مسند الإمام الشافعي"، وغير ذلك من التصنيفات.
كانت ولادته بجزيرة ابن عمر، في أحد الربيعين سنة أربع وأربعين وخمس مئة، وكانت وفاته بالموصل يوم الخميس سلخ ذي الحجة سنة ست وست مئة - رحمه اللَّه تعالى -.
٧٥ - أبو البركات، المباركُ بنُ أبي الفتح، أحمدَ بنِ المبارك، اللخميُّ، الملقب: شرف الدين، المعروفُ "بابن المستوفي" الأربلي .
كان رئيسًا جليلَ القدر، كثيرَ التواضع، واسعَ الكرم، لم يصل إلى أربل أحدٌ من الفضلاء إلا وبادر إلى زيارته، وحمل إليه ما يليق بحاله، ويقرب إلى قلبه بكل طريق.
стр. 88
وكان جم الفضائل، عارفًا بعدة فنون، منها: الحديثُ، وعلومه، وأسماء رجاله، وجميع ما يتعلق به، وكان إمامًا فيه، وكان ماهرًا في فنون الأدب؛ من النحو واللغة والعروض والقوافي، وعلم الأنساب، وأشعار العرب وأخبارها وأيامها ووقائعها وأمثالها.
قال ابن خلكان: وسمعت منه كثيرًا، وسمعت بقراءته على المشايخ الواردين على أربل شيئًا كثيرًا، فإنه كان يعتمد القراءة بنفسه، وله ديوان شعر أجاد فيه.
ولد في سنة ٥٦٤، وتوفي بالموصل سنة ٦٣٧ - رحمه اللَّه تعالى -.
٧٦ - أبو بكر، المباركُ بنُ أبي طالب المبارك، المعروف بابن الدهان، النحويُّ، الضريرُ، الواسطيُّ، الملقب بالوجيه .
ولد ببلده، ونشأ بها، وحفظ القرآن، وقرأ القراءات، واشتغل بالعلم، وسمع بها، ثم قدم بغداد واستوطنها، وسمع الحديث من أبي زرعة، طاهرِ بن محمدٍ المقدسيِّ، وتفقه على مذهب أبي حنيفة بعد أن كان حنبليًا.
ثم شغر منصبُ تدريس النحو بالمدرسة النظامية، وشرط الواقف ألا يفوض إلا إلى شافعي المذهب، فانتقل إلى مذهب الشافعي، وتولاه.
وفي ذلك يقول المؤيد أبو البركات بن زيد التكريتي:
وَمَنْ مبلِغٌ عنِّي الوجيهَ رسالةً ... وإن كانَ لا تُجدي إليه الرسائلُ
تَمَذْهَبْتَ للنعمانِ بعدَ ابنِ حنبلٍ ... وذلك لمَّا أعوزَتْكَ المآكلُ
وما اخترتَ قولَ الشافعيِّ تدينًا ... ولكنَّما تهوى الذي منه حاصلُ
وعما قليل أنتَ لا شكَّ صائرٌ ... إلى مالكٍ، فافطنْ لما أنا قائلُ
ولد سنة اثنتين وخمس مئة بواسط، وتوفي سنة ٦١٢ ببغداد، ودفن من الغد بالوردية - رحمه اللَّه تعالى -.
٧٧ - القاضي أبو علي، المحسنُ بن أبي القاسم علي بن محمد، التنوخيُّ .
له كتاب "الفرج بعد الشدة"، وذكر فيه: أنه كان على العيار في دار الضرب بسوق الأهواز، في أوائل هذا الكتاب، ثم ذكر أنه كان على القضاء بجزيرة ابن عمر.
стр. 89
وله ديوان شعر، وسمع بالبصرة من أبي العباس الأثرم، وأبي بكر الصولي، وطبقتهم، ونزل بغداد، وأقام بها، وحدث إلى حين وفاته، وكان سماعه صحيحًا، وكان أديبًا شاعرًا إخباريًا، وكان أول سماعه الحديث في سنة ٣٣٣. وله أشياء فائقة.
كانت ولادته في سنة ٣٢٧، وتوفي في سنة ٣٨٤ ببغداد - رحمه اللَّه تعالى -.
٧٨ - الإمام أبو عبد اللَّه، محمدُ بنُ إدريسَ بنِ العباسِ بنِ عثمانَ بنِ شافعِ بنِ السائبِ بنِ عبيدِ بنِ عبدِ يزيدَ بنِ هاشمِ بنِ المطلبِ بنِ عبد مناف، القريشيُّ، المطلبيُّ الشافعيُّ .
يجتمع مع رسول اللَّه ﷺ في عبدِ مناف المذكور، وباقي النسب إلى عدنان معروف، لقي جدُّه شافعٌ رسولَ اللَّه ﷺ وهو مترعرع.
وكان أبوه السائب صاحبَ راية بني هاشم يوم بدر، فأُسر، وفدى نفسه، ثم أسلم، فقيل له: لِمَ لم تسلمْ قبل أن تفدي نفسك؟ فقال: ما كنت أحرمُ المؤمنين مطمعًا لهم فِيَّ.
وكان الشافعي كثير المناقب، جمَّ المفاخر، منقطع القرين، اجتمعتْ فيه من العلوم بكتاب اللَّه وسنة رسول اللَّه ﷺ ، وكلام الصحابة ﵃ وآثارهم، واختلاف أقاويل العلماء، وغير ذلك؛ من معرفة كلام العرب، واللغة والعربية، والشعر، حتى إن الأصمعي - مع جلالة قدره في هذا الشأن - قرأ عليه أشعارَ الهُذَليين ما لم يجتمع في غيره، حتى قال أحمد بن حنبل ﵁: ما عرفتُ ناسخَ الحديث من منسوخه حتى جالستُ الشافعي. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: ما رأيت رجلًا قط أكملَ من "الشافعي".
وقال عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: أَيَّ رجل كان الشافعيُّ، سمعتك تكثر من الدعاء له؟ فقال: يا بني! كان الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للبدن، هل لهذين من خلف، أو عنهما من عِوَض؟
وقال أحمد: ما بت منذ ثلاثين سنة إلا وأنا أدعو للشافعي، وأستغفر له.
стр. 90
وقال يحيى بن معين: كان أحمد بن حنبل ينهانا عن الشافعي، ثم استقبلته يومًا والشافعيُّ راكبٌ بغلةً وهو يمشي خلفه، فقلت: يا أبا عبد اللَّه! تنهانا عنه، وتمشي خلفه؟! فقال: اسكت! لو لزمتَ البغلة لانتفعتُ.
وقال الشافعي: قدمت على مالك بن أنس، وقد حفظتُ "الموطأ"، فقال لي: أَحضرْ من يقرأ لك، فقلت: أنا قارىء، فقرأت عليه "الموطأ" حفظًا، فقال: إن يكُ أحدٌ يفلح، فهذا الغلام.
وكان سفيان بن عُيينة إذا جاءه شيء من التفسير أو الفتيا، التفت إلى الشافعي، فقال: سلوا هذا الغلام. وقال الحميدي: سمعت الزنجيَّ بنَ خالد - يعني: مسلمًا - يقول للشافعي: أَفتِ يا أبا عبد اللَّه! فقد واللَّه آنَ لك أن تفتي، وهو ابن خمس عشرة سنة.
وقال محفوظ بن أبي توبة البغدادي: رأيت أحمد بن حنبل عند الشافعي في المسجد الحرام، فقلت: يا أبا عبد اللَّه! هذا سفيان بن عُيينة في ناحية المسجد يحدث، فقال: إن هذا يفوت وذاك لا يفوت.
وقال أبو حسان الزيادي: ما رأيت محمدَ بنَ الحسن يعظِّم أحدًا من أهل العلم تعظيمَه للشافعي، ولقد جاءه يومًا، فلقيه وقد ركب محمد بن الحسن، فرجع إلى منزله، وخلا به يومه إلى الليل، ولم يأذن لأحد عليه.
والشافعي أول من تكلم في أصول الفقه، وهو الذي استنبطه. وقال أبو ثور: من زعم أنه رأى مثلَ محمد بن إدريس في علمه وفصاحته ومعرفته وثباته وتمكنه، فقد كذب، كان منقطع القرين في حياته، فلما مضى لسبيله، لم يعتض منه.
وقال أحمد بن حنبل: ما أحد ممن بيده محبرة أو ورق إلا وللشافعي في رقبته منة. وكان الزعفراني يقول: كان أصحاب الحديث رقودًا حتى جاء الشافعي فأيقظهم، فتيقظوا. ومن دعائه: "اللهمَّ يا لطيفُ أسألك اللطفَ فيما جرت به المقادير"، وهو مشهور بين العلماء بالإجابة، وهو مجرب، وفضائله أكثر من أن تعد.
ومولده سنة خمسين ومئة، وقد قيل: إنه ولد في اليوم الذي تُوفي فيه الإمام
стр. 91
أبو حنيفة ﵀. وكانت ولادته بمدينة غزة، وقيل: بعسقلان، وقيل: باليمن، والأول أصح، وحُمل من غزة إلى مكة وهو ابن سنتين، فنشأ بها، وقرأ القرآن الكريم.
وحديث رحلته إلى مالك مشهور، فلا حاجة إلى التطويل فيه، وقدم بغداد سنة ١٩٥ فأقام بها سنتين، ثم خرج إلى مكة، ثم عاد إلى بغداد فأقام بها شهرًا.
ثم خرج إلى مصر، وكان وصوله إليها في سنة تسع وتسعين ومئة، ولم يزل بها إلى أن توفي يوم الجمعة آخر يوم من رجب سنة أربع ومئتين، ودفن بعد العصر من يومه بالقرافة الصغرى، وقبره يزار بها.
قال الربيع بن سليمان المرادي: رأيت هلال شعبان وأنا راجعٌ من جنازته، وقال: رأيته في المنام بعد وفاته، فقلت: يا أبا عبد اللَّه! ما صنع اللَّه بك؟ فقال: أجلسني على كرسي من ذهب، ونثر عليَّ اللؤلؤ الرطب. وذكر الشيخ أبو إسحق الشيرازي في كتاب "طبقات الفقهاء" ما مثاله.
وحكى الزعفرانيُّ عن أبي عثمان بن الشافعي، قال: مات أبي وهو ابن ثمان وخمسين سنة. وقد اتفق العلماء قاطبة من أهل الحديث والفقه والأصول واللغة والنحو وغير ذلك على ثقته وأمانته وعدالته، وزهده وورعه ونزاهة عرضه وعفة نفسه، وحسن سيرته وعلو قدره وسخائه، وأخبرني أحد المشايخ الأفاضل: أنه عمل في مناقب الشافعي ثلاثة عشر تصنيفًا، انتهى ملخصًا وتركًا للأبيات.
٧٩ - أبو بكر، محمد بنُ مسلم بنِ عبيدِ اللَّه بنِ عبدِ اللَّه بنِ شهابٍ، القرشيُّ الزهريُّ ﵀ -.
أحدُ الفقهاء والمحدثين والأعلام التابعين بالمدينة.
رأى عشرة من الصحابة ﵃، وروى عنه جماعةٌ من الأئمة، منهم: مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وسفيان الثوري.
وكان قد حفظ علم الفقهاء السبعة، وكتبَ عمر بن عبد العزيز إلى الآفاق: عليكم بابن شهاب؛ فإنكم لا تجدون أحدًا أعلمَ بالسنة الماضية منه.
توفي في سنة أربع وعشرين ومئة - رضي الله تعالى عنه -.
стр. 92
٨٠ - أبو عبد اللَّه، محمدُ بنُ الحسنِ بنِ فرقدٍ الشيبانيُّ بالولاء، الفقيهُ الحنفيُّ .
أصله من قرية اسمها: حرستا؛ على باب دمشق في وسط الغوطة.
وقدم أبوه من الشام إلى العراق، وأقام بواسط، فولد بها محمدٌ المذكور، ونشأ بالكوفة، فطلب الحديث، ولقي جماعة من أعلام الأئمة، وحضر مجلس الإمام أبي حنيفة سنين، ثم تفقه على أبي يوسف؛ صاحب أبي حنيفة.
وصنف الكتب الكثيرة النادرة: منها: "الجامع الكبير"، و"الجامع الصغير"، وغيرهما، وله في مصنفاته المسائل المشكلة، خصوصًا المتعلقة بالعربية ونشر علم أبي حنيفة.
وكان من أفصح الناس، وكان إذا تكلم خُيل إلى سامعه أن القرآن نزل بلغته.
ولما دخل الإمام الشافعي بغداد، كان بها؛ وجرى بينهما مجالس ومسائل بحضرة هارون الرشيد. وقال الشافعي: ما رأيت أحدًا يسأل عن مسالة فيها نظر، إلا تبينت الكراهة في وجهه، إلا محمد بن حسن، وقال أيضًا: حملتُ من علم محمد بن الحسن وقر بعير. وقال أيضًا ما رأيتُ سمينًا ذكيًا إلا محمدَ بن الحسن.
وكان الرشيد قد ولاه قضاء الرقة، ثم عزله عنها، وقدم بغداد، ولم يزل ملازمًا للرشيد حتى خرج إلى الري، فخرج معه.
ومولده سنة خمس وثلاثين، ومات في سنة تسع وثمانين ومئة، وقيل: مات هو والكسائي في يوم واحد بالري، ومحمدٌ المذكورُ ابنُ خالة الفراء صاحبِ النحو واللغة.
٨١ - أبو عبد اللَّه، محمدُ بنُ أبي الحسنِ، إسماعيل بنِ إبراهيم بنِ المغيرة بن الأحنفِ، الجعفيُّ بالولاء، البخاريُّ .
الحافظ الإمام في علم الحديث، صاحب "الجامع الصحيح"، و"التاريخ" (١) ".
стр. 93
رحل في طلب الحديث إلى أكثر محدِّثي الأمصار، وكتب بخراسان والجبال، ومدن العراق والحجاز والشام ومصر، وقدم بغداد، واجتمع إليه أهلها، واعترفوا بفضله، وشهدوا بتفرده في علم الرواية والدراية.
حكى أبو عبد اللَّه الحميديُّ في كتاب "جذوة المقتبس"، والخطيبُ في "تاريخ بغداد": أن البخاريَّ لما قدم بغداد، سمع به أصحاب الحديث، فاجتمعوا، وعمدوا إلى مئة حديث، فقلبوا مُتونها وأسانيدها، وجعلوا متنَ هذا الإسناد لإسناد آخر، ودفعوا إلى عشرة أنفس إلى كل رجل عشرة أحاديث، وأمروهم إذا حضروا المجلس: أن يلقوا ذلك على البخاري، وأخذوا الموعد للمجلس، فحضر المجلسَ جماعةٌ من أصحاب الحديث من الغرباء من أهل خراسان وغيرها من البغداديين، فلما اطمئن المجلس بأهله، انتدب إليه واحد من العشرة، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث، فقال البخاري: لا أعرفه، فسأله عن آخر، فقال: لا أعرفه، فما زال يلقي عليه واحدًا بعد واحد حتى فرغ من عشرته، والبخاري يقول: لا أعرفه.
فكان الفقهاء ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض؛ ويقولون: الرجل فهم، ومن كان منهم ضد ذلك، يقضي على البخاري بالعجز والتقصير وقلة الفهم.
ثم انتدب رجل آخر من العشرة، فسأله من تلك الأحاديث المقلوبة، فقال البخاري: لا أعرفه، فسأله عن الآخر، فقال: لا أعرفه، فلم يزل يلقي عليه واحدًا بعد واحد حتى فرغ من عشرته، والبخاري يقول: لا أعرفه.
ثم انتدب الثالث والرابع إلى تمام العشرة حتى فرغوا كلهم من الأحاديث المقلوبة، والبخاري لا يزيدهم على قوله: لا أعرفه.
فلما علم البخاري أنهم فرغوا، التفتَ إلى الأول منهم، فقال: أما حديثُك الأول، فهو كذا، وحديثك الثاني فهو كذا، والثالث والرابع على الولاء حتى أتى
стр. 94
على تمام العشرة، فردّ كلَّ متن إلى إسناده، وكلَّ إسناد إلى متنه، وفعل بالآخرين كذلك، ورد متونَ الأحاديث إلى أسانيدها، وأسانيدَها إلى متونها، فأقر له الناس بالحفظ، وأذعنوا له بالفضل، وكان ابنُ صاعد إذا ذكره، يقول: الكبش النطاح.
ونقل عنه محمدُ بن يوسف الفربريُّ أنه قال: ما وضعت في كتابي "الصحيح" حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك، وصليت ركعتين. وعنه أنه قال: صنفت كتابي "الصحيح" لستَّ عشرةَ سنة، خرَّجته من ست مئة ألف حديث، وجعلته حجة فيما بيني وبين اللَّه.
وقال الفربريُّ: سمع "صحيح البخاري" تسعون ألفَ رجل، فما بقي أحد يروي عنه غيري، وروى عنه أبو عيسى الترمذي.
وكانت ولادته يوم الجمعة، بعد الصلاة لثلاثَ عشرةَ ليلةً خلت من شوال سنة ١٩٤. وقال أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد": إن ولادته كانت لاثنتي عشرة ليلة خلت من الشهر المذكور.
وتوفي ليلة السبت بعد صلاة العشاء، وكانت ليلة عيد الفطر، ودفن يوم الفطر بعد صلاة الظهر سنة ٢٥٦ بخرتنك - رحمه اللَّه تعالى -.
وكان خالد بن أحمد بن خالد الذهلي أميرُ خراسان قد أخرجه من بخارى إلى خرتنك، ثم حج خالد المذكور، فوصل إلى بغداد، فحبسه الموفق بن المتوكل أخو المعتمد الخليفة، فمات في حبسه.
وكان البخاري نحيفَ الجسم، لا بالطويل ولا بالقصير.
والبخاري: نسبة إلى بخارى، وهي من أعظم مدن ما وراء النهر، بينها وبين سمرقند مسافة ثمانية أيام.
وخرتنك: قرية من قرى سمرقند، ونسبته إلى سعيد بن جعفر الجعفي، والي خراسان، وكان له عليهم الولاء، فنسبوا إليه ﵁.
стр. 95
٨٢ - أبو جعفر، محمدُ بنُ جريرِ بنِ يزيدَ بنِ خالد (١) الطبري، صاحب التفسير الكبير، والتاريخ الشهير.
كان إمامًا في فنون كثيرة، منها: التفسير، والحديث، والفقه، والتاريخ، وغير ذلك، وله مصنفات مليحة في فنون عديدة تدل على سعة علمه وغزارة فضله.
وكان من الأئمة المجتهدين، لم يقلد أحدًا.
وكان أبو الفرج المعافى بن زكريا النهرواني، المعروف بابن طرار على مذهبه، وكان ثقة في نقله. وتاريخُه أصح التواريخ وأثبتها.
وذكره الشيخ أبو إسحق الشيرازي في "طبقات الفقهاء" في جملة المجتهدين، ذكره سليم الخوري في "الآثار"، قال: ومن تصانيفه كتابُ في اختلاف العلماء، لم يذكر فيه أحمد بن حنبل، وقال: لم يكن أحمد فقيهًا، وإنما كان محدثًا.
ولذلك رموه بعدَ موته بالرفض، وله التاريخ المشهور، قال ابن الجوزي: بسط فيه الكلام على الوقائع بسطًا، وجعله مجلدات، وإن المشهور المتداول مختصر من الأصل، وإنه هو العمدة في هذا الفن، وللطبري كتاب في التفسير ذكره السيوطي في "الإتقان"، فقال: إنه أجلُّ التفاسير وأعظمُها؛ فإنه يتعرض لتوجيه الأقوال، وترجيح بعضها على بعض، والإعراب والاستنباط، فهو يفوق بذلك تفاسير الأقدمين، انتهى.
وقال النووي: أجمعت الأمة على أنه لم يُصنف مثل "تفسير الطبري". وقال أبو حامد الإسفراييني: لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصل له تفسير ابن جرير، لم يكن ذلك كثيرًا، وذكره ابن السبكي في "طبقاته"، انتهى.
стр. 96
ولد سنة ٢٢٤ بآمل طبرستان، وتوفي سنة ٣١٠ ببغداد.
٨٣ - أبو جعفر، محمد بنُ أحمدَ بنِ نصرٍ الترمذيُّ، الفقيهُ، الشافعيُّ، المحدِّثُ .
لم يكن للفقهاء الشافعية في وقته أرأس منه، ولا أورع، ولا أكثر تقللًا (١).
كان يسكن بغداد، وحدَّث بها عن يحيى بن بكير المصري، ويوسف بن عدي، وكثير بن يحيى، وغيرهم، وروى عنه: أحمد بن كامل القاضي، وعبد الباقي بن قانع، وغيرهما، وكان ثقة، من أهل العلم والفضل، والزهد في الدنيا.
قال أبو الطيب، أحمدُ بنُ عثمان السمسارُ والدُ أبي حفص، عمرَ بنِ شاهين: حضرت عند أبي جعفر الترمذي؛ فسأله سائل عن حديث رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه تعالى ينزل إلى سماء الدنيا"، فالنزول كيف؟ أيبقى فوقه علو؟ فقال أبو جعفر: النزولُ معقول، والكيفُ مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
وكان يقول: تفقهت على مذهب أبي حنيفة، فرأيت النبي ﷺ في مسجد المدينة عام حججت، فقلت: يا رسول اللَّه! قد تفقهت بقول أبي حنيفة، أفآخذ به؟ قال: لا، فقلت: أفآخذ بقول مالك بن أنس؟ فقال: خذ منه ما وافقَ سنتي، قلت: أفآخذ بقول الشافعي؟ فقال: ما هو بقوله إلا أنه أخذ بسنتي، وردّ على من خالفها، فخرجت في أثر هذه الرؤيا إلى مصر، وكتبتُ كتبَ الشافعي.
قال الدارقطني: هو ثقة مأمون ناسكٌ، وكان يقول: كتبت الحديث تسعًا وعشرين سنة.
ولد في سنة ٢١٠، وتوفي في سنة ٢٩٥، ولم يغير شيبه، وكان قد اختلط في آخر عمره اختلاطًا عظيمًا ﵀.
قال السمعاني في نسبة الترمذي: هذه النسبة إلى مدينة قديمة على طرف نهر
стр. 97
بلخ؛ الذي يقال له: جيحون، والناس يختلفون في كيفية هذه النسبة؛ بعضهم يقول: - بفتح التاء ثالث حرف -؛ وبعضهم يقول: - بضمها -؛ وبعضهم يقول: - بكسرها -.
والمتداوَل على لسان أهل تلك المدينة - بفتح التاء وكسر الميم -، والذي كنا نعرفه قديمًا: - كسر التاء والميم جميعًا -.
والذي يقوله المتنوقون وأهل المعرفة - بضم التاء والميم -، وكل واحد يقول معنى لما يدَّعيه؛ هذا كله كلام السمعاني؛ واللَّه أعلم.
قال ابن خلكان: وسألت من وراءها؛ هل هي في ناحية خوارزم؛ أم في ناحية ما وراء النهر؟ فقال: بل هي في حساب ما وراء النهر من ذلك الجانب.
توفي سنة إحدى وسبعين وثلاثمئة بمرو - رحمه الله تعالى -.
٨٤ - أبو بكر محمدُ بنُ عليِّ بنِ إسماعيلَ القفالُ، الشاشيُّ؛ الفقيه، الشافعيُّ .
إمام عصره بلا مدافعة، كان فقيهًا محدثًا أصوليًا لغويًا شاعرًا، لم يكن بما وراء النهر للشافعيين مثله في وقته، رحل إلى خراسان والعراق والحجاز والشام والثغور، وسار ذكره في البلاد.
روى عن: محمد بن جرير الطبري، وروى عنه: الحاكمُ أبو عبد اللَّه، وأبو عبد اللَّه بن منده، وأبو عبد الرحمن السلمي، وجماعة كثير.
ووقع الاختلاف في وفاته، فقيل: في سنة ست وثلاثين وثلاث مئة، وقيل: خمس وستين وثلاث مئة. والشاشي: نسبة إلى شاش، مدينة وراء نهر سيحون، خرج منها جماعة من العلماء، وهذا القفال غيرُ القفال المروزي، وهو متأخر عن هذا.
٨٥ - أبو زيد، محمدُ بنُ أحمدَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ محمدٍ، المروزيُّ، الفاشاني، الفقيهُ، الشافعيُّ ﵀ -.
كان من الأئمة الأجلاء، حافظًا للمذهب، دخل بغداد، وحدث بها، وسمع
стр. 98
منه الحافظ أبو الحسن الدارقطني، ومحمد بن أحمد بن القاسم المحاملي، ثم خرج إلى مكة، وجاور بها سنين؛ وحدث هناك بصحيح البخاري عن محمد بن يوسف الفربري.
قال الخطيب: وأبو زيد أجلُّ من رَوى هذا الكتاب، قال أبو بكر البزار: عادلت الفقيهَ أبا زيد من نيسابور إلى مكة، فما أعلم أن الملائكة كتبت عليه - يعني: خطيئة -.
وقال أبو زيد: رأيت رسول اللَّه ﷺ في المنام - وأنا بمكة -، وكأنه يقول لجبريل ﵇: يا روح اللَّه! اصحبه إلى وطنه.
توفي سنة إحدى وسبعين وثلاثمئة بمرو - رحمه الله تعالى -.
٨٦ - أبو عبد اللَّه، محمدُ بنُ سلامة بنِ جعفرِ بنِ عليٍّ القُضاعِيُّ، الفقيهُ، الشافعيُّ .
ذكره الحافظ ابن عساكر في "تاريخ دمشق"، وقال: روى عنه عبد اللَّه الحميدي، وتولى القضاء بمصر نيابة من جهة المصريين، وتوجه منهم رسولًا إلى جهة الروم.
وله عدة تصانيف، منها كتاب "الشهاب"، وكتاب "مناقب الإمام الشافعي وأخباره"، وله كتاب "خطط مصر"، وذكره الأمير أبو نصر بن ماكولا في كتاب "الإكمال"، وقال: كان متفننًا في عدة علوم.
وتوفي بمصر سنة أربع وخمسين وأربع مئة. وذكر السمعاني في كتاب "الذيل" في ترجمة الخطيب؛ صاحب "تاريخ بغداد": أنه حج سنة ٤٤٥، وحج تلك السنة أبو عبد اللَّه القضاعي المذكور، وسمع الحديث منه. والقُضاعيُّ - بالضم -: نسبة إلى قضاعة، ويقال: هو من حِمْيَر، وهو الأكثر والأصح - رحمة الله تعالى عليه -.
٨٧ - أبو المعالي، محمدُ بنُ أبي الحسن عليِّ بنِ محمدٍ، المعروفُ بابن زكي الدين الدمشقي، الفقيهُ، الشافعيُّ .
كان ذا فضائل عديدة من الفقه والأدب وغيرهما، وله النظم المليح،
стр. 99
والخطب والرسائل، وتولى القضاء بدمشق، وكان والده أبو الحسن خرج إلى مكة حاجًا، وعاد إلى بغداد، وكان عالي الطبقة في سماع الحديث؛ سمع خلقًا كثيرًا، وحدث ببغداد مدة إقامته، وسمع عليه الناس، ولم يزل بها إلى أن توفي ﵀ سنة ٥٩٨.
٨٨ - أبو بكر، وقيل: أبو عبد اللَّه، محمدُ بنُ إسحقَ بنِ يسارٍ المُطَّلبيُّ بالوَلاء، المدنيُّ، صاحبُ "المغازي والسير ".
كان ثبتًا في الحديث عند أكثر العلماء، وأما في المغازي والسير، فلا تجهل إمامته، وذكره البخاري في "تاريخه". وقال سفيان بن عيينة: ما أدركتُ أحدًا يتهم ابنَ إسحق في حديث، وقال شعبة بن الحجاج: محمدُ بنُ إسحقَ أميرُ المؤمنين - يعني: في الحديث -، ويحكى عن الزهري: أنه خرج إلى قرية، فاتبعه طلاب الحديث، فقال لهم: أين أنتم من الغلام الأحول؟ أو: قد خلفتُ فيكم الغلام الأحول - يعني: محمد بن إسحق -.
وذكر الساجي: إن أصحاب الزهري كانوا يلجؤون إلى محمد بن إسحق فيما شكوا فيه من حديث الزهري ثقةً منهم بحفظه، وحكى عن يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن سعيد القطان أنهم وثقوا محمد بن إسحق، واحتجوا بحديثه، وإنما لم يُخرج البخاري عنه، وقد وثقه؛ وكذلك مسلم بن الحجاج لم يخرج عنه إلا حديثًا واحدًا في الرجم؛ من أجل طعن مالك بن أنس فيه، وإنما طعن مالك فيه؛ لأنه بلغه عنه أنه قال: هاتوا حديث مالك! فأنا طبيب بعلله، فقال مالك: وما ابن إسحق؟ إنما هو دجال من الدجاجلة، نحن أخرجناه من المدينة - يشير، والله أعلم إلى أن الدجال لا يدخل المدينة.
وحكى الخطيب في "تاريخ بغداد": أن محمد بن إسحق رأى أنسَ بنَ مالك ﵁، وعليه عمامة سوداء، والصبيان خلفه يشتدون، ويقولون: هذا رجل من أصحاب رسول اللَّه ﷺ لا يموت حتى يلقى الدجال، توفي ببغداد سنة ١٥١ - رحمه الله تعالى -.
стр. 100
٨٩ - أبو عيسى، محمدُ بنُ عيسى بنِ سورةَ بنِ موسى بنِ الضحاك السلميُّ، الضريرُ، البوغيُّ، الترمذي (١)، الحافظُ المشهور.
أحد الأئمة الذين يقتدى بهم في علم الحديث.
صنف كتاب "الجامع"، و"العلل" تصنيفَ رجل متقِن، وبه كان يضرب المثل، وهو تلميذ أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، وشاركه في بعض شيوخه مثل: قتيبة بن سعيد، وعلي بن حجر، وابن بشار، وغيرهم، وتوفي لثلاث عشرة ليلة خلت من رجب، ليلة الاثنين، سنة ٢٧٩ بترمذ، وقال السمعاني: توفي بقرية بوغ في سنة ٢٧٥، وذكره في كتاب "الأنساب" في نسبة البوغي. وبوغ: قرية من قرى ترمذ، على ستة فراسخ منها، وقد تقدم الكلام على الترمذي، والاختلاف في كسر التاء وضمها وفتحها في ترجمة (٢) أبي جعفر، محمد بن أحمد الفقيه الشافعي - رحمه الله تعالى -.
٩٠ - أبو عبد الله، محمد بنُ يزيدَ ابنُ ماجَه، الربعيُّ بالولاء، القزوينيُّ، الحافظُ المشهور، مصنف كتاب "السنن" في الحديث .
كان إمامًا في الحديث، عارفًا بعلومه وجميع ما يتعلق به، ارتحل إلى العراق والبصرة والكوفة وبغداد ومكة والشام والري ومصر لكتب الحديث، وله "تفسير القرآن الكريم"، وتاريخ مليح، وكتابه في الحديث أحدُ الصحاح الستة.
وكانت ولادته سنة ٢٠٩، وتوفي يوم الاثنين، ودفن يوم الثلاثاء لثمان بقين من شهر رمضان سنة ثلاث وسبعين ومئتين - رحمه الله تعالى -، وصلى عليه أخوه أبو بكر، وتولى دفنه أخواه أبو بكر وعبد الله، وابنه عبد الله.
وماجَهْ: - بفتح الميم والجيم وبينهما ألف وفي الآخر هاء ساكنة -. والربعي: - بفتح الراء - نسبة إلى ربيعة، وهي اسم لعدة قبائل، لا أدري إلى أيها يُنسب المذكور.
стр. 101
والقزويني - بفتح القاف وكسر الواو -: نسبة إلى قزوين، وهي من أشهر مدن عراق العجم، خرج منها جماعة من العلماء.
٩١ - أبو عبد الله، محمدُ بنُ عبدَ الله بنِ محمدِ بنِ حمدويه بنِ نعيم بنِ الحكمِ، الضبيُّ، الطهمانيُّ الحاكمُ، النيسابوريُّ، الحافظُ، المعروف بابن البَيِّع، إمامُ أهل الحديث في عصره، والمؤلف فيه الكتبُ التي لم يسبق إلى مثلها .
كان عارفًا واسعَ العلم، تفقه، ثم طلب الحديث، وغلب عليه، فاشتهر به، وسمعه من جماعة لا يحصون كثرة؛ فإن معجمَ شيوخه يقرب من ألفي رجل، حتى روى عمن عاش بعده؛ لسعة روايته، وكثرة شيوخه، وصنف في علومه ما يبلغ ألفًا وخمس مئة جزء، منها: "الصحيحان"، و"العلل"، و"الأمالي"، و"فوائد الشيوخ"، و"أمالي العشيات"، و"تراجم الشيوخ". وأما ما تفرد بإخراجه، فـ "معرفة الحديث"، و"تاريخ علماء نيسابور"، و"المدخل إلى علم الصحيح"، و"المستدرك على الصحيحين"، و"ما تفرد به كل واحد من الإمامين"، و"فضائل الإمام الشافعي"، وله إلى الحجاز والعراق رحلتان.
وكانت الرحلة الثانية سنة ستين وثلاث مئة، وناظر الحفاظَ، وذاكرَ الشيوخ، وكتب عنهم أيضًا، وباحث الدارقطنيَّ فرضيه، وتقلد القضاء بنيسابور في سنة ٣٥٩ في أيام الدولة السامانية، ووزارة أبي النصر محمد بن عبد الجبار العتبي، وقلد بعد ذلك قضاء جرجان، فامتنع، وكانوا ينفذونه في الرسائل إلى ملوك بني بويه.
وكانت ولادته في ربيع الأول سنة إحدى وعشرين وثلاث مئة بنيسابور.
وتوفي بها يوم الثلاثاء ثالث صفر سنة ٤٠٥، وقال الجيلي في كتاب "الإرشاد": توفي سنة ثلاث وأربع مئة، وسمع الحديث في سنة ٣٣٠، وأملى بما وراء النهر سنة ٥٥،، وبالعراق سنة ٣٦٧، ولازمه الدارقطنيُّ، وسمع منه أبو بكر القفال الشاشي، وأنظارهما.
والبَيِّع: - بتشديد الياء وكسرها -، وإنما عرف بالحاكم؛ لتقلده القضاء.
стр. 102
٩٢ - أبو عبد الله، محمدُ بنُ أبي نصر، فتوح بنِ عبدِ الله بنِ حُميد بن يصل، الأزديُّ، الحميديُّ، الأندلسي الميورقيُّ، الحافظ المشهور .
أصله من قرطبة من ربض الرصافة، وهو من أهل جزيرة ميورقة، روى عن أبي محمد علي بن حزم الظاهري - المقدم ذكره -، واختص به، ولازمه، وأكثر من الأخذ عنه، وقرأ عليه، وشهر بصحبته، وصار على مذهبه، إلا أنه لم يكن يتظاهر به، وسمع عن أبي عمر يوسف بن عبد البر صاحب كتاب "الاستيعاب"، وعن غيرهما من الأئمة، ورحل إلى المشرق سنة ٤٤٨، فحج، وسمع بمكة - حرسها الله تعالى -، وبإفريقية، وبأندلس، ومصر والشام والعراق، واستوطن بغداد.
وكان موصوفًا بالنباهة والمعرفة والإتقان والدين والورع، وكانت له نغمة حسنة في قراءة الحديث، وذكره الأمير أبو نصر علي بن ماكولا صاحبُ كتاب "الإكمال" المقدم ذكرُه، فقال: أخبرنا صديقنا أبو عبد الله الحميدي، وهو من أهل العلم والفضل والتيقظ، وقال: لم أر مثله في عفته ونزاهته وورعه وتشاغله بالعلم.
ولأبي عبد الله المذكور كتابُ "الجمع بين الصحيحين" - البخاري ومسلم -، وهو مشهور، وأخذه الناس عنه، وله أيضًا: تاريخ علماء الأندلس، سماه: "جذوة المقتبس" في مجلد واحد، - ذكر في خطبته: أنه كتبه من حفظه، وقد طلب ذلك منه ببغداد.
وكان يقول: ثلاثة أشياء من علوم الحديث يجب تقديم التهمم بها: ١ - كتاب العلل، وأحسن كتاب وضع فيه: كتاب الدارقطني، ٢ - وكتاب المؤتلف والمختلف، -وأحسن كتاب وضع فيه: كتاب الأمير أبي نصر بن ماكولا، ٣ - وكتاب وفيات الشيوخ، وليس فيه كتاب. وقد كنت أردت أن أجمع في ذلك كتابًا، فقال لي الأمير: رتبه على حروف المعجم، بعد أن رتبته على السنين، قال أبو بكر بن طرخان: فشغله عنه "الصحيحان" إلى أن مات، وقال ابن طرخان المذكور: أنشدنا الحميدي لنفسه:
стр. 103
لقاءُ الناسِ ليس يفيدُ شيئًا ... سوى الهذيانِ من قيلٍ وقالِ
فأَقلِلْ من لقاء الناس، إلا ... لأخذِ العلمِ أو إصلاحِ حالِ
وكان قد أدرك بدمشق الخطيبَ أبا بكر الحافظ، وروى عنه وعن غيره، وروى الخطيب أيضًا عنه.
كانت ولادته قبل العشرين وأربع مئة، وتوفي ليلة الثلاثاء سابع عشر ذي الحجة سنة ٤٨٨ ببغداد. قال السمعاني في كتاب "الأنساب" في ترجمة الميورقي: إنه توفي في صفر سنة إحدى وتسعين وأربع مئة، هكذا وجدته في "المختصر"، الذي اختصره أبو الحسن علي بن الأثير الجزري المقدم ذكره، وفي كتاب "الذيل" للسمعاني: أنه توفي ليلة الثلاثاء السابع عشر من ذي الحجة سنة ٤٨٨، وهو الصواب.
والحُمَيْدي - بضم الحاء - نسبة إلى حُميد جدّ المذكورَ - رحمه الله تعالى -، ذكر له المقري في "نفح الطيب" ترجمة حافلة حسنة، وقال: كان إمامًا من أئمة المسلمين في حفظ الحديث، ومعرفة علله، وحرصه على نشر العلم، وبثِّه في أهله، وذكره الحجازي في "الملهب"، وأثنى عليه ثناء حسنًا، قال: وهو من علماء أئمة الحديث، لازمَ ابن حزم في الأندلس، واستفاد منه. ومن شعره ﵁:
ألفتُ الهَوى حتى أنستُ بوحشِها ... وصرتُ بها لا في الصَّبابَةِ مولَعا
فلمْ أُحْصِ كم رافقتُه من موافِقٍ ... ولم أُحْصِ كَمْ خيمتُ في الأرض مَوْضِعا
ومن بعدِ جَوْبِ الأرض شرقًا ومغربًا ... فلا بدَّ لي من أن أوافيَ مَصْرَعا
وله رح:
طريقُ الزهدِ أفضلُ ما طريقِ ... وتقوى الله تاليةُ الحقوقِ
فثقْ باللَّه يَكفكَ واستَعِنْه ... يُعِنْكَ ودعْ بنياتِ الطريقِ
وله:
كلام الله قولي ... وما صَحَّتْ به الآثارُ دِيني
стр. 104
وما اتَّفَقَ الجميعُ عليه بدءًا ... وعَوْدًا، فهو عن حَقٍّ مُبينِ
فدعْ ما صَدَّ عن هذا وهذا ... تكنْ منها على عَيْنِ اليقينِ
٩٣ - أبو عبد الله، محمدُ بنُ عليِّ بنِ عمرَ بنِ محمدٍ، التميميُّ، المازريُّ، الفقيهُ المالكيُّ، المحدِّثُ .
أحدُ الأعلام المشار إليهم في حفظ الحديث، والكلامِ عليه.
شرح "صحيح مسلم" شرحا جيدًا سماه: "كتاب المعلم بفوائد كتاب مسلم"، وعليه بنى القاضي عياض "كتاب الإكمال"، وهو تكملة لهذا الكتاب، وله في الأدب كتب متعددة، وله كتاب "إيضاح المحصول في برهان الأصول"، وكان فاضلًا متفننًا.
توفي في الثامن عشر ربيع الأول سنة ٥٣٦، وعمره ثلاث وثمانون سنة.
والمازريُّ - بفتح الميم وبعدها ألف ثم زاي مفتوحة، وقد تكسر أيضًا ثم راء - هذه النسبة إلى مازر: وهي بُليدة بجزيرة صِقِلِّية.
٩٤ - أبو موسى، محمدُ بنُ أبي بكرٍ عمرَ بنِ أبي عيسى أحمدَ بنِ عمرَ بنِ محمدِ بنِ أبي عيسى الأصبهانيُّ المدينيُّ، الحافظُ المشهورُ .
كان إمامَ عصره في الحفظ والمعرفة، وله في الحديث وعلومه تواليف مفيدة، وصنف "كتاب المغيث" في مجلد، كمل به كتاب "الغريبين" للهروي، واستدرك عليه، وهو كتاب نافع، وله كتاب "الزيادات" في جزء لطيف جعله ذيلًا على كتاب شيخه أبي الفضل، محمدِ بن طاهر المقدسي، الذي سماه: كتاب "الأنساب"، وذكر من أهمله وما أقصر فيه. ورحل عن أصبهان في طلب الحديث، ثم رجع إليها وأقام بها.
ولد سنة ٥٠١، وتوفي ليلة الأربعاء تاسع جمادى الأولى سنة ٥٨١ بأصبهان.
والمديني: نسبة إلى مدينة أصفهان، وذكر الحافظ أبو سعد السمعاني في كتاب "الأنساب": هذه النسبة إلى عدة مدن: أولاها: مدينة رسول الله ﷺ ،
стр. 105
والثانية: مرو، والثالثة: نيسابور، والرابعة: أصبهان، والخامسة: مدينة المبارك قزوين، والسادسة: بخارى، والسابعة: سمرقند، والثامنة: نسف. وذكر أن النسبة إلى هذه المدن كلها: المديني، وقال: أكثر ما ينسب إلى مدينة رسول الله ﷺ : المَدَني.
٩٥ - أبو الفضل، محمدُ بنُ طاهرِ بنِ عليِّ بنِ أحمدَ، المقدسيُّ، الحافظُ المعروفُ بابن القيسراني ﵀ -.
كان أحد الرحالين في طلب العلم والحديث، سمع بالحجاز والشام ومصر والثغور والجزيرة والعراق والجبال وفارس وخوزستان وخراسان، واستوطن همدان.
وكان من المشهورين بالحفظ والمعرفة بعلوم الحديث، وله في ذلك مصنفات ومجموعات تدل على غزارة علمه وجودة معرفته، وصنف تصانيف كثيرة منها: "أطراف الكتب الستة"، وهي: صحيح البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، و"أطراف الغرائب"، تصنيف الدارقطني، وكتاب "الأنساب" في جزء لطيف، وهو الذي ذيله الحافظ أبو موسى الأصبهاني، وغير ذلك من الكتب.
وكانت له معرفة بعلم التصوف وأنواعه متفننًا فيه، وله فيه تصنيف أيضًا، وله شعر حسن، وكتب عنه غير واحد من الحفاظ، منهم: أبو موسى المذكور.
ولد في السادس من شوال سنة ٤٤٨ ببيت المقدس، وأول سماعه سنة ٤٦٠، ودخل بغداد، ثم رجع إلى بيت المقدس، فأحرم من ثمَّ إلى مكة، وتوفي عند قدومه من الحج آخر حجاته يوم الجمعة لليلتين بقيتا من ربيع الأول سنة ٥٠٧ ببغداد. وكان ولده أبو زرعة طاهرُ بنُ محمد بن طاهر من المشهورين بعلو الإسناد، وكثرة السماع، ولم يكن له معرفة بالعلم، لكن كان والده قد أسمعه في صباه من جماعة منهم: أبو محمد عبد الرحمن بن أحمد الدوبي بالري، وأبو الفتح، عبدوس بن عبد الله بهمذان، وأبو عبد الله، محمد بن عثمان الكامخي، وأبو الحسن مكي بن منصور السلار، وقدم به بغداد، فسمع بها من
стр. 106
أبي القاسم علي بن أحمد بن ريان، وغيره، وسكن بعد وفاة أبيه بهمدان.
وكان يقدم بغداد للحج، فحدث بها أكثر سماعاته، وسمع منه الوزير أبو المظفر يحيى بن هبيرة، وغيره.
وكان مولده بالري سنة ٤٨١، وتوفي سنة ٥٦٦ بهمدان. والقيسراني: نسبة إلى قيسرية، وهي بُليدة بالشام على ساحل البحر، وهي الآن بيد الفرنج - خذلهم الله تعالى -.
قلت: ثم استنقذها من أيديهم الملكُ الظاهر ركنُ الدين بيبرس الصالحيُّ في شهور سنة ٦٦٣، وخربها، وهي الآن خراب.
٩٦ - أبو عبد الله، محمدُ بنُ يحيى بن مَنْدَهْ، العبديُّ، الحافظُ المشهورُ صاحبُ كتاب "تاريخ أصبهان ".
كان أحد الحفاظ الثقات، وهم أهل بيت كبير؛ خرج منه جماعة من العلماء ولم يكونوا عبديين، وإنما أمُّ الحافظ أبي عبد الله المذكور، واسمها برة بنت محمد، كانت من بني عبد ياليل، فنسب إلى أخواله، ذكر ذلك الحافظ أبو موسى الأصبهاني في كتاب "زيادات الأنساب"، واستوفى رفع نسبها هناك.
قال ابن خلكان: فأَضربتُ عن ذكره لطوله، وكذلك ذكره الحازمي في كتاب "العجالة"، لكنه لم يرفع في نسبها، توفي الحافظ المذكور في سنة ٣٠١.
ومنده: - بفتح الميم والدال المهملة بينهما نون ساكنة وفي الآخر هاء ساكنة أيضًا -.
٩٧ - أبو عبد الله، محمدُ بنُ يوسفِ بنِ مطرِ بنِ صالحِ بنِ بشرِ "الفربري" رح .
راويةُ "صحيح البخاري" عنه، رحل إليه الناس، وسمعوا منه هذا الكتاب.
ولد في سنة ٢٣١، وتوفي ثالث شوال سنة ٣٢٠. ونسبته إلى فَرَبْر - بفتح الفاء والراء وسكون الباء الموحدة وفي آخرها راء ثانية -، وهي بلدة على طرف جيحون مما يلي بخارى، وهو آخر من روى "الجامع الصحيح" عن البخاري - رحمه الله تعالى -.
стр. 107
٩٨ - أبو عبد الله، محمدُ بنُ الفضلِ بنِ أحمدَ بنِ محمدِ بنِ أحمدَ الصاعديُّ، الفَراوِيُّ، النيسابوريُّ .
كان فقيهًا محدثًا مفتيًا مناظرًا واعظًا، وكان يحمل الطعام إلى المسافرين الواردين عليه، ويخدمهم بنفسه مع كبر سنه.
سمع "صحيح مسلم" من عبد الغافر الفارسي، و"صحيح البخاري" من سعيد بن أبي سعيد، وسمع من الشيخ إسحق الشيرازي، والحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، وأبي القاسم القشيري، وإمام الحرمين. وتفرد برواية عدة كتب للحافظ البيهقي، مثل "دلائل النبوة"، و"الأسماء والصفات"، و"البعث والنشور"، و"الدعوات الكبيرة"، و"الصغيرة"، وكان يقال في حقه: الفراوي ألف راوي.
ولد سنة ٤٤١ أو ٤٤٢ بنيسابور، وسمع الحديث سنة ٤٧، وتوفي سنة ٥٣٠.
والفَراوي: نسبة إلى فَراوة، وهي بليدة مما يلي خُوارزم، يقال لها: رباط فراوة، بناها عبد الله بن طاهر في خلافة المأمون، وهو يومئذ أمير خراسان.
٩٩ - أبو بكر، محمد بنُ الحسينِ بنِ عبدِ الله، الآجُرِّيُّ، الفقيهُ، المحدِّث، الشافعيُّ، صاحب كتاب "الأربعين حديثًا"، وهي مشهورة به .
وكان صالحًا عابدًا، وروى عن أبي مسلم الكُجِّي، وأبي شعيب الحَرَّاني، وأحمدَ بن يحيى الحُلْواني، وخلق كثير من أقرانِهم، ذكره محمد بن إسحق النديم في كتابه الذي سماه "الفهرست"، وصنف في الفقه والحديث كثيرًا.
وذكره الحافظ الخطيب البغدادي في "تاريخه"، وكان ثقة صدوقًا دينًا، وله تصانيف كثيرة، وحدَّث ببغداد، ثم انتقل إلى مكة، فسكنها حتى توفي بها. وروى عنه جماعة من الحفاظ، منهم: أبو نعيم الأصبهاني صاحب كتاب "حلية الأولياء"، وغيره.
قال ابن خلكان: وأخبرني بعض العلماء: أنه لما دخل مكة - حرسها الله
стр. 108
تعالى -، أعجبته، فقال: اللهمَّ ارزقني الإقامة بها سنة، فسمع هاتفًا يقول له: بل ثلاثين سنة، فعاش بعد ذلك ثلاثين سنة؛ ثم مات بها في المحرم سنة ستين وثلاث مئة.
قال الخطيب: قرأت ذلك على بلاطة قبره بمكة. والآجري - بفتح الهمزة الممدودة وضم الجيم وتشديد الراء -: هذه النسبة إلى الآجُرّ، ولا أعلم لأي معنًى نُسب إليه. قال ابن خلكان: ورأيت حاشية على كتاب "الصلة" صورتها: الإمام أبو بكر الآجري نسب إلى قرية من قرى بغداد، يقال لها: آجر، واستوطن مكة - حرسها الله تعالى -.
وتوفي بها أول يوم من المحرم سنة ستين وثلاث مئة - رحمه الله تعالى -.
١٠٠ - أبو الفضل، محمدُ بنُ ناصرِ بنِ محمدِ بنِ عليِّ بنِ عمرَ، البغداديُّ، الحافظُ، الأديبُ، المعروفُ بالسلامي .
كان حافظ بغداد في وقته، وكان له حظ وافر من الأدب، وأخذ الأدب عن الخطيب أبي زكريا التبريزي، وخطُّه في غاية الصحة والإتقان، وكان كثير البحث عن الفوائد وإثباتها، روى عنه الأئمة فأكثروا، وأخذ عنه علماء عصره، منهم: الحافظ أبو الفرج بن الجوزي، وأكثرُ روايته عنه، وذكره الحافظ أبو سعد بن السمعاني في كتبه.
ولد سنة سبع وستين وأربع مئة، وتوفي سنة ٥٥٠ ببغداد، وأُخرج من الغد، وصُلِّي عليه بالقرب من جامع السلطان ثلاث مرات، وعُبر به إلى جامع المنصور، فصلُّي عليه، ثم إلى الحربية، وصلي عليه، ودُفن بباب حرب. والسلامي: نسبة إلى مدينة السلام "بغداد". قال ابن السمعاني؛ كذا كان يكتب لنفسه "السلامي" - يعني: الحافظ المذكور -.
١٠١ - أبو بكر، محمدُ بنُ أبي عثمانَ بنِ موسى الحازميُّ، الهمذانيُّ، الملقبُ: زين الدين .
أحدُ الحفاظ المتقِنين، وعبادِ الله الصالحين. حفظ القرآن، وحضر بهمدان
стр. 109
أبا الوقت عبدَ الأول السجزيَّ، وسمع بها من أبي المنصور شهردار بن شيرويه الديلمي، وأبي زرعة طاهر بن محمد المقدسيِّ، وأبي العلاء الحسن بنِ أحمدَ الحافظِ، وجماعة كثيرة، وتفقه وسمع الحديث ببغداد من أبي الحسين عبد الحق، وأبي نصر عبد الرحيم، وأبي الفتح عبيد الله، وغيرهم.
ثم عني بنفسه، فارتحل في طلبه إلى عدة بلاد من العراق، ثم إلى الشام والموصل، وبلاد فارس وأصبهان وهمدان، وكثير من بلاد آذربيجان، وكتب عن أكثر شيوخ هذه البلاد.
وغلب عليه الحديث، وبرع فيه، واشتهر به، وصنف فيه وفي غيره كتبًا مفيدة، منها: "الناسخ والمنسوخ" في الحديث، وكتاب "الفيصل في مشتبه النسبة"، وكتاب "سلسلة الذهب فيما رواه الإمام أحمد بن حنبل عن الإمام الشافعي"، و"شروط الأئمة"، وغير ذلك. واستوطن بغداد، ولم يزل مواظب الخير إلى أن اخترمته المنية وغصنُ شبابه نضير، وذلك في ليلة الاثنين الثامن والعشرين من جمادى الأولى سنة ٥٨٤ بمدينة بغداد، ودفن مقابل قبر الجُنيد ﵁، بعد أن صلى عليه خلق كثير، وفرق كتبه على أصحاب الحديث.
وكانت ولادته في سنة ثمان أو تسع وأربعين وخمس مئة بطريق همدان، وحمل إليها، ونشأ بها - رحمه الله تعالى -. والحازمي: نسبة إلى جده حازم.
١٠٢ - أبو بكر، محمدُ بنُ الحسن بن زيادِ بنِ هارونَ بنِ جعفرٍ المقرىء، المعروفُ بالنقاش، الموصليُّ الأصل، البغداديُّ المولد والمنشأ .
كان عالمًا بالقرآن والتفسير، وسافر الكثير شرقًا وغربًا وسمع بالكوفة والبصرة ومكة ومصر والشام والجزيرة والموصل والجبال وخراسان وما وراء النهر، وفي حديثه مناكير بأسانيد مشهورة، وذُكر النقاشُ عند طلحة بن محمد بن جعفر، فقال: كان يكذب في الحديث، والغالب عليه القصص، وروى عن جماعة من جلة العلماء، وروا عنه.
قال البرقاني: كل حديث النقاش مناكير، وليس في تفسيره حديث صحيح.
стр. 110
ولد سنة ٢٦٥، وتوفي سنة ٣٥١. والنقاش: مَنْ ينقش السقوف والحيطان وغيرها، وكان أبو بكر المذكور في مبدأ أمره يتعاطى هذه الصنعة، فعرف بها.
١٠٣ - أبو العباس محمدُ بنَ صبح مولى بنى عِجْل المعروف بابن السماك، القاصُّ الكوفيُّ، الزاهدُ المشهورُ .
لقي جماعة من الصدر الأول، وأخذ عنهم؛ مثل: هشام بن عروة، والأعمش، وغيرهما، وروى عنه أحمد بن حنبل وأنظاره.
ومن كلامه: خَفِ الله كأنك لم تُطعه، وارجُ الله كأنك لم تَعصه. ودخل على بعض الأمراء يشفع إليه في رجل، فقال له: إني أتيتك في حاجة، وإن الطالب والمطلوب منه عزيزان، إن قضيت الحاجة ذليلان، إن لم تقضها فاختر لنفسك: عزَّ البذل على ذل المنع، واختر لي عزَّ النجح على ذلِّ الرد، فقضى حاجته. ومن كلامه: من جرعته الدنيا حلاوتها بميله إليها، جرعته الآخرة مرارتَها بتجافيها عنه.
توفي سنة ١٨٣ بالكوفة. والسماك - بالميم المشددة -: نسبة إلى بيع السمك، وصيده.
١٠٤ - أبو بكر، محمدُ بنُ أبي محمدٍ القاسمِ بنِ محمدِ بنِ بشارِ بنِ الحسنِ، الأنباريُّ النحويُّ .
كان علامة وقته في الأدب، وأكثر الناس حفظًا له، وكان صدوقًا، ثقة، دَيِّنًا، خيرًا، من أهل السنة، صنف كتبًا كثيرة.
قال أبو علي القالي: كان أبو بكر الأنباري يحفظ فيما ذكر ثلاثَ مئة ألف بيت شاهد في القرآن الكريم، وقيل: إنه كان يحفظ مئة وعشرين تفسيرًا للقرآن بأسانيدها، وكتابه "غريب الحديث" قيل: خمسة وأربعون ألف ورقة.
ولد سنة إحدى وسبعين ومئتين، وتوفي سنة سبع وعشرين وثلاث مئة ﵀.