وعلو شأنه، وليس ذلك من فضل الله ببديع ولا عجب ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧]، ولقد هذب أحوال هذه الناحية عن البدع بأسرها، ونقح أمورهم عما اعتادوا منها في أمرها، وحملهم على الاعتقاد الذي لا مطعن لمسلم عليه، ولا سبيل لمبتدع إلى القدح إليه، انتهى حاصله. ومن جملة ما أخذه أهلُ هراة عنه من محاسن سيره: التبكيرُ بصلاة الصبح، وأداءُ الفرائض في أوائل أوقاتها، واستعمالُ السنن والآداب فيها، ومن ذلك تسمية الأولاد في الأغلب بالعبد - المضاف إلى أسماء الله تعالى -؛ كعبد الخالق، وعبد الهادي، وعبد العزيز، وعبد السلام، وإلى غير ذلك، فما زال يحثهم ويدعوهم إلى ذلك، فتعودوا الجري على تلك السنة وغير ذلك من آثاره.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب "الأجوبة المصرية": شيخُ الإسلام الهرويُّ مشهورٌ معظم عند الناس، هو إمام في الحديث والتصوف والتفسير، وهو في الفقه على مذهب أهل الحديث، والغالب عليه اتباع الحديث على طريقة ابن المبارك ونحوه، انتهى. وله شعر كثير حسن جدًا، ولأجل هذا ذكره الباخرزي في كتابه "دمية القصر في شعراء العصر"، وقد اعتنى بشرح كتابه "منازل السائرين" جماعةٌ، وهو كثيرُ الإشارة إلى مقام الفناء في توحيد الربوبيّة، واضمحلال ما سوى الله في الشهود لا في الوجود، فيتوهم فيه أنه يشير إلى الاتحاد حتى انتحله قوم من الاتحادية، وعظموه لذلك، وذمه قوم من أهل السنة، وقدحوا فيه بذلك، وقد برأه الله من الاتحاد.
قال ابن رجب في "الطبقات": وقد انتصر له شيخنا ابن القيم في كتابه الذي شرح (١) فيه "المنازل"، وبين أن حمل كلامه على قواعد الاتحاد زورٌ وباطل.
توفي شيخ الإسلام في مكة المكرمة يوم الجمعة بعد العصر، ودفن بهراة ﵀.
стр. 177
١٨١ - عبدُ الواحد بنُ محمد بنِ علي، أبو الفَرَج، الأنصاريُّ، الدمشقيُّ .
شيخ الشام في وقته، سكن بيت المقدس، فنشر مذهب الإمام أحمد فيما حوله، ثم أقام بدمشق، فنشر المذهب، وتخرج به الأصحاب، وسمع بها من أبي عثمان الصابوني، وكان شديدًا في السنة، وكانت له وقعات مع الأشاعرة، ظهر عليهم بالحجة في مجالس السلاطين ببلاد الشام، وتكلم في مجلس وعظه فصاح رجل متواجد، فمات في المجلس، وكان يومًا مشهودًا، وله تصانيف عدة في أصول الدين، وأصول الفقه، وكتاب "الجواهر" في التفسير في ثلاثين مجلدًا. توفي سنة ٤٨٦.
وذُكر عنه: أن الوضوء في أواني النحاس مكروه، وأن التسمية على الوضوء يصحُّ الإتيان بها بعد غسل الأعضاء، ولا يشترط تقدمُها على غسلها، وقد نسب هذا ابن منجا في كتابه "النهاية" إلى أبي الفرج ابن الجوزي، وهو وهم.
وله غرائب كثيرة، منها: أن مس الأمرد بشهوة ينقض الوضوء، ومنها: أن الجنب يُكره له أن يأخذ من شعره وأظفاره، وهو مخالف لمنصوص أحمد في رواية جماعة، ومنها: أنه يعتبر لوجوب الزكاة في جميع الأموال إمكانُ الأداء، إلى غير ذلك مما حكاه ابن رجب في "طبقاته".
١٨٢ - يعقوب بن إبراهيم بن أحمد القاضي، أبو يعلى .
سمع الحديث، وولي القضاء ثم عزل نفسه عنه، ذكره السمعاني، وقال: كانت له يدٌ قويةٌ في القرآن والحديث والفقه والمحاضرة. قال ابن الجوزي: حدث، وروى عنه أشياخنا، انتهى. وكان مباركَ التعليم، لم يدرس عليه أحد إلا أفلح، وصار فقيهًا.
وله المقامات المشهورة بالديوان حتى يقال: إنه كعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة من الصحابة في قوة الرأي، له تصانيف ممتعة. واختار جواز أخذ الزكاة لبني هاشم - إذا مُنعوا حقَّهم - من الخمس. توفي سنة ٤٨٦، وقيل سنة ٤٨٠.
стр. 178
١٨٣ - رزق الله بنُ عبد الوهاب بن عبد العزيز، التميميُّ، البغداديُّ، المقرىءُ المحدثُ، الفقيهُ الواعظُ .
شيخ أهل العراق في زمانه. ولد سنة ٤٠١، وقيل: سنة ٤٠٤. وقال هو: مولدي سنة ٣٩٦. سمع الحديث من جماعة، وأجاز له السلميّ الصوفي، وكان جميل الصورة، وكانت له المعرفة الحسنة بالقرآن، والحديث والأصول، والتفسير، والعربية، وكان أحلى الناس عبارة في النظر، وأجرأهم قلمًا في الفتيا، وأحسنهم وعظًا، له شعر حسن، ذكره في "طبقاته"، وذكر في ترجمته بعض فتاوه، وقال: ذكر ابن الجوزي في "تاريخه": أن جلال الدولة أمره أن يكتب "بشاهنشاه الأعظم ملك الملوك"، وخطب له بذلك، فنفر العامة، ورجموا الخطباء ووقعت فتنة سنة ٤٢٩، فاستفتى الفقهاء، فكتب الصيمري أن هذه الأسماء يعتبر فيها القصد والنية، وكتب أبو الطيب الطبري: أن إطلاق "ملك الملوك" جائز، ويكون معناه: ملك ملوك الأرض، وإذا جاز أن يقال: قاضي القضاة، وكافي الكفاة، جاز أن يقال: ملك الملوك، وكتب التميمي نحو ذلك، وأن القاضي الماوردي منع ذلك.
قال ابن الجوزي: والذي ذكره الأكثرون هو القياس إذا قصد به ملوك الدنيا، إلا أني لا أرى إلا ما رآه الماوردي؛ لأنه قد صح في الحديث ما يدل على المنع، لكنهم عن النقل بمعزل، ثم ساق حديث أبي هريرة في "الصحيحين".
قال ابن رجب: وابن الجوزي وافق على جواز التسمية بقاضي القضاة ونحوه، وقد ذكر شيخنا أبو عبد الله بن القيم، قال، وقال بعض العلماء: وفي معنى ذلك - يعني: ملك الملوك - كراهيةُ التسمية بقاضي القضاة، وحاكم الحكماء، فإن حاكم الحكماء في الحقيقة هو الله تعالى، وقد كان جماعة من أهل الدين والفضل يتورعون عن إطلاق قاضي القضاة. وحاكم الحكماء؛ قياسًا على ما يبغضه الله ورسوله من التسمية بملك الأملاك، وهذ حض القياس.
قلت: وكان شيخنا أبو عمرو عبدُ العزيز بنُ محمد بن إبراهيم بن جماعة الكناني الشافعي قاضي الديار المصرية وابن قاضيها؛ يمنع الناسَ أن يخاطبوه
стр. 179
بقاضي القضاة، أو يكتبوا له ذلك، وأمرهم أن يبدلوا ذلك بقاضي المسلمين، وقال: إن هذ لفظ مأثور عن علي ﵁ يوضح ذلك أن التلقيب بملك الملوك، إنما كان من شعار ملوك الفرس من الأعاجم المجوس ونحوهم، وكذلك أن المجوس يسمون قاضيهم: موبذ موبذان، يعنون بذلك: قاضي القضاة، فالكلمتان من شعائرهم، ولا ينبغي التسميةُ بهم، انتهى.
١٨٤ - علي بن المبارك أبو الحسن، الكرخيُّ النهريُّ .
كان كثير الذكاء، سمع الحديث الكثير، وتوفي سنة ٤٨٩.
قال القاضي أبو الحسين: تفقه على الوالد، وقال لي: كنت في بعض الأيام أمشي مع القاضي الإمام والدك، فالتفت، فقال لي: لا تلتفت إذا مشيت؛ فإنه يُنسب فاعل ذلك إلى الحمق، قال: وقال لي يومًا آخر وأنا أمشي معه: إذا مشيت مع من تعظمه، أين تمشي منه؟ قلت: لا أدري، قال: عن يمينه، تقيمه مقام الإمام في الصلاة، وتخلي الجانب الأيسر، فإذا أراد أن يستنثر أو يزيل أذى، جعله في الجانب الأيسر.
١٨٥ - محمد بن الحسين بن جعفرٍ الراذانيُّ، الزاهدُ .
سمع الحديث من جماعة، وحدث باليسير، وقال السمعاني: كان صاحب كرامات، مجاب الدعوة، وذكر ابن النجار بإسناده: أن رجلاً حلف بالطلاق أنه رآه بعرفة، ولم يكن الشيخ حج تلك السنة، فأخبر الشيخ بذلك، فأطرق، ثم رفع رأسه وقال: أجمعت الأمةُ قاطبةً على أن إبليس عدو الله يسير من المشرق إلى المغرب في افتنان مسلم أو مسلمة في لحظة واحدة، فلا ينكر لعبد من عبيد الله أن يمضي في طاعة الله بإذن الله في ليلة إلى مكة ويعود، ثم التفت إلى الحالف، وقال: طبْ نفساً؛ فإن زوجتك معك حلال. قال ابن الجوزي: كان الراذاني كثير التهجد، ملازمًا للصيام، توفي سنة ٤٩٤.
١٨٦ - جعفر بن أحمد بنِ الحسين، السراجُ المقرىءُ، المحدِّثُ الأديبُ .
ولد سنة ٤١٧، ذكره السَّلَفي عنه، وقال شجاع الذهلي: سنة ٤١٦، سمع
стр. 180
خلقًا كثيرًا، وسافر إلى مكة، وسمع بها، ودخل الشام، وسمع بدمشق، وتوجه إلى الديار المصرية، وصنف كتبًا حسانًا، منها: كتاب "مصارع العشاق". قال ابن الجوزي: حدث عنه أشياخُنا، وآخر من حدَّث عنه شهدة بنت الأبري، قال: وقرأت عليها كتابه المسمى بمصارع العشاق بسماعها منه، قال: ومن أشعاره:
بانَ الخَليطُ فأَدْمُعي ... وَجْدًا عليهمْ تَسْتَهِلُّ
وَحَدا بهم حادِي الفرا ... قِ عَنِ المنازِلِ فاستقلُّوا
قُلْ للذين تَرَحَّلوا ... عَنْ ناظِري والقلبَ حَلُّوا
وَدَمِي بلا جُرْمٍ أَتيتُ ... غداةَ بَيْنِهِمُ استَحَلُّوا
ما ضَرَّهُمْ لو أَنْهَلوا ... مِنْ ماءِ وَصْلِهِمُ وعَلُّوا
قال السِّلفي: وكان ممن يُفتخر برؤيته وروايته؛ لديانته ودرايته، كانت له معرفة بالحديث والأدب، وحدَّث بالكثير على استقامة وسَداد، وسمع منه الأئمةُ الكبار والحفاظ، ومن شعره:
للهِ دَرُّ عصابَةٍ ... يَسْعَوْنَ في طَلَبِ الفوائِدْ
يُدعَوْنَ أصحابَ الحديثِ ... بهمُ تَجَمَّلَتِ المشَاهِدْ
طَوْرًا تَرَاهُم بِالصَّعيـ ... ـدِ وتَارَةً في ثَغْرِ آمِدْ
يَتَتَبَّعونَ من العلو .... مِ بكلِّ أرضٍ كلَّ شارِدْ
فَهُمُ النُّجومُ المُهْتَدَى ... بِهِمُ إِلى سُبُلِ المَقاصِدْ
قال ابن الجوزي: كان جعفر السراج صحيح البدن، لم يعتوره في عمره مرض يُذكر، فمرض أيامًا، وتوفي سنة ٥٠٠.
١٨٧ - جعفر بن الحسن، الأذربيجانيُّ .
سمع الحديث من ابن البناء.
كان أَمّارًا بالمعروف، نَهّاءً عن المنكر، قوالاً للحق، مَهيبًا وقورًا عندَ الملوك، لا يتجاسر أحد أن يقدم عليه إذا أنكر منكرًا، توفي - في الصلاة ساجدًا - في سنة ٥٠٦.
стр. 181
قال عبد الوهاب الشعراني: رأيته جاء إلى بغداد، فالتقى به أبو الحسن، فقال له: كيف تركت الصبيان؟ فقال: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء: ٩]، تقوى الله لنا ولهم.
١٨٨ - علي بن محمد بنِ عليٍّ القاضي، أبو منصور، الأنباريُّ .
ولد سنة ٤٢٥. قرأ القرآن، وسمع الحديث، وبرع في الفقه، وأفتى ووعظ، وكان مظهرًا للسنة في مجالسه، وولي القضاء، توفي سنة ٥٠٧، وتبعه من الخلق ما لا يحصى كثرةً، ولا يعدُّهم إلا أسرعُ الحاسبين.
١٨٩ - محفوظ بنُ أحمدَ بنِ الحسنِ الكلوذاني، أبو الخطاب، البغداديُّ .
أحد الأئمة، ولد في سنة ٤٢٣، وسمع الحديث على جماعة، وكتب بخطه كثيرًا من مسموعاته، وبرع في المذهب والخلاف، ودرَّس وأفتى، وصنف كتبًا حسانًا في الأصول وغيرها، وحدَّث بالكثير على صدق واستقامة، وهو من أئمة أصحاب أحمد، وكان الكياهراسي إذا رآه مقبلاً، قال: قد جاء الفقهُ.
وذكر ابن السمعاني: أن أبا الخطاب جاءته فتوى في بيتين من شعر، وهما:
قلْ للامامِ أبي الخَطَّاب مسألةٌ ... جاءتْ إليك وما يُرجى سِواكَ لَها
ماذا على رجلٍ رام الصلاةَ فمذ ... لاحَتْ لناظرِه ذاتُ الجمال لَها
فكتب عليها في الحال:
قلْ للأديبِ الذي وافى بمسألةٍ ... سَرَّتْ فؤادي لَمَّا أَنْ أَصخْتُ لَها
إنَّ الذي فتنتْهُ عن عبادتِهِ ... خريدةٌ ذاتُ حسنٍ فانثنى وَلَها
إنْ تابَ ثمَّ قضى عنه عبادَتَهُ ... فرحمةُ اللهِ تَغْشى مَنْ عَصَى وَلَها
توفي سنة ٥١٠، ودفن إلى جانب قبر الإمام أحمد.
قال ابن رجب: رأيت بخط أبي العباس بن تيمية ﵀ في تعاليقه القديمة، رُئي الإمام أبو الخطاب في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فأنشد ﵀:
стр. 182
أتيتُ رَبِّي بمثلِ هَذَا ... فقالَ ذا المذهبُ الرشيدُ
محفوظ! نم في الجِنان حتى ... ينقلَكَ السائِقُ الشَّهيدُ
وله مسائل ينفرد بها عن الأصحاب، منها: أن للعصر سنةً راتية قبلَها أربع ركعات، ومنها: أن الكفار لا يملكون أموال المسلمين بالقهر، وإنما ترد إلى من أُخذت منه من المسلمين على كل حال، ولو قسمت في المغنم إذا أسلم الكافر وهي في يده، ومنها: أن الأضحية يزول الملك فيها بمجرد الإيجاب، ولا يملك صاحبُها أبدًا لها بحال، ومنها: أن الزافة حرام. قال السامري: هو سهو منه، ومنها: أن القرآن إذا كُتب بالذهب تجب فيه الزكاة إن بلغ نصابًا، ويجوز له حكه وأخذه، ووافقه ابن الزاغوني، وزاد: أن كتابته بالذهب حرام، ويؤمر بحكه، ولا يجوز للرجل اتخاذه.
١٩٠ - طلحة بن أحمد بنِ طلحةَ، القاضي أبو البركات .
ولد سنة ٤٣٢. سمع من جماعة، قال ابن شافع: سماعه صحيح، وكان ثقة أمينًا، مضى على السلامة والستر، سمع منه ابن كامل وغيره. قال: كان لي صديق اسمه ثابت، رأيته في المنام، وقلت له: كيف أنت بقرب أحمد بن حنبل؟ - لأنه دفن هناك -، فقال: ليس في قرب أحمد أحدٌ يعذب بالنار. توفي سنة ٥١٢.
١٩١ - علي بن عقيل بنِ محمدِ، أبو الوفاء .
أحد الأعلام وشيخ الإسلام، ولد سنة ٤٣١، حفظ القرآن، وسمع الحديث، وتعلم الفرائض والأصول، وبرع في العلوم كلها. ذكره أبو إسحق الشيرازي، وقال: إمام الدنيا وزاهدها، وفارس المناظرة وواحدها. قال ابن الجوزي: درَّس وناظرَ الفحولَ وصنَّف، وكان دائمَ التشاغل بالعلم، حتى إني رأيت بخطه: لا يحلُّ في أن أُضيع ساعة من عمري، وإني لأجد من حرصي على العلم - وأنا في عمر الثمانين - أشدَّ مما كنت أجده وأنا ابن عشرين. فلما كانت سنة ٤٧٥ جرت فيها فتن بين الحنابلة والأشاعرة، فترك الوعظ، واقتصر على التدريس، ومتعه الله بسمعه وبصره وجميع جوارحه.
стр. 183
قال السِّلفي: ما رأتْ عيناي مثلَه، ما كان أحد يقدر أن يتكلم معه؛ لغزارة علمه، وحسن إيراده، وبلاغة كلامه، وقوة حجته، وله في ذم الكلام وأهله شيء كثير، قال: أنا أقطعُ أن الصحابة ماتوا وما عرفوا الجوهر والعرض، قال: ولقد بالغتُ في الأصول طول عمري، ثم رجعت القهقرى إلى مذهب المكتب، وله من الكلام في السنة، والانتصارِ لها، والردِّ على المتكلمين شيءٌ كثير، وقد صنف في ذلك مصنفًا.
وكتب بعضهم إليه يقول له: صف لي أصحابَ أحمدَ على ما عرفتَ من الإنصاف، فكتب إليه يقول: هم قوم خشن، تقلصت أخلاقهم عن المخالطة، وغلُظت طباعهم عن المداخلة، وغلب عليهم الجد، وقلَّ عندهم الهزل، وعَرِيَتْ نفوسهم عن ذلَّ المرايات، وفزعوا عن الآراء إلى الروايات، وتمسكوا بالظاهر تحرجًا عن التأويل، وغلبت عليهم الأعمال الصالحة، فلم يدققوا في العلوم الغامضة، بل دققوا في الورع، وأخذوا ما ظهر من العلوم، ولم أحفظ على أحد منهم تشبيهًا، إنما غلب عليهم الشناعة؛ لإيمانهم بظواهر الآي والأخبار، من غير تأويل ولا إنكار، والله يعلم أنني لا أعتقد في الإسلام طائفة محقة خاليةً من البدع سوى مَنْ سلكَ هذا الطريق، والسلام.
ومن كلامه: ومن عجيب ما أسمعه من هؤلاء الأحداث الجهال: أنهم يقولون: أحمد ليس بفقيه، لكنه محدِّث، وهذا غاية الجهل؛ لأنه قد خرَّجَ اختيارات بناها على الأحاديث بناء لا يعرفه أكثرُهم، وخرَّج من دقيق الفقه ما لا تراه لأحد منهم وذكر مسائل من كلام أحمد، وقال: إن أكثر العلماء يقولون: أصلي: أصلُ أحمد، وفرعي: فرع فلان، فحسبُك بمن ترضى به الأصول قدوة.
وكان يقول: هذا المذهب إنما ظلمه أصحابه؛ لأن أصحاب أبي حنيفة والشافعي إذا برع واحد منهم في العلم، تولى القضاء وغيرَه من الولايات، فكانت الولاية سببًا لتدريسه واشتغاله بالعلم، وأما أصحاب أحمد، فإنه قلَّ فيهم من يعلق بطرف من العلم إلا ويخرجه ذلك إلى التعبد والتزهد؛ لغلبة الخير على القوم، فينقطعون عن التشاغل بالعلم.
стр. 184
وكان مع ذلك يتكلم كثيرًا بلسان الاجتهاد والترجيح واتباع الدليل الذي ظهر له، ويقول: الواجب اتباعُ الدليل، لا اتباعُ أحمدَ. ولابن عقيل مسائلُ كثيرة ينفرد بها، ويخالف فيها المذهب، فإن نظره كثيرًا يختلف، واجتهاده يتنوع.
وكان يقول: عندي أن من أكبر فضائل المجتهد أن يتردَّد في الحكم عند تردُّد الحجة. ومن مسائله: أن النساء لا يجوز لهن استعمال الحرير إلا في اللبس دون الافتراش والاستناد. ومنها: أن صلاة الفذ تصح في الجنازة الخاصة. ومنها: أن الربا لا يجري إلا في الأعيان الستة المنصوص عليها، ومنها: أن الوقف لا يجوز بيعُه وإن خرب وتعطل نفعُه، ومنها: أن المشروعِ في عطية الأولاد التسويةُ بين الذكور والإناث، ومنها: أنه لا يجوز وطء المكاتبة، وإن اشتُرط وطئها في عقد الكتابة، ومنها: أن الزروع والثمار التي تسقى بماء نجس طاهرة مباحة، وإن لم تُسق بعده بماء طاهر.
ومن غرائبه: أنه اختار وجوب الرضاء بقضاء الله في الأمراض والمصائب، واختار: أن النهار أفضل من الليل. وقيل له: ما تقول في عزلة الجاهل؟ فقال: خبال ووبال، تضرُّه ولا تنفعه، فقيل له: فعزلة العالم؟ قال: مالكَ ولَها؟ معها حذاؤها وسقاؤها، ترد الماء، وترعى الشجر إلى أن تلقى ربَّها، وله شعر رائق.
توفي سنة ٥١٣. ترجم له ابن رجب ترجمة حسنة إلى أوراق في طبقاته.
١٩٢ - محمد بن عبد الباقي بنِ محمدٍ، أبو بكر الكعبيُّ .
من نسل كعب بن مالك الأنصاري ﵁. ولد سنة ٤٤٢.
حفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، وحضر على جماعة من العلماء، وكانت له إجازة عن التنوخي، وقرأ الفرائض والحساب والهندسة، وبرع في ذلك، وتفنن في علوم كثيرة، قال ابن السمعاني: عارفٌ بالعلوم، متفنن، حسنُ الكلام، حلوُ المناظرة، مليحُ المحاورة، وما رأيت أجمعَ للفنون منه، نظر في كل علم، وسمعته يقول: تُبْتُ من كل علم تعلمته إلا الحديثَ وعلمَه.
وكان سريعَ النسخ، حسنَ القراءة للحديث، يقول: ما ضيعتُ ساعة من
стр. 185
عمري في لهو ولعب. تفرَّد في الدنيا بعلوَّ الإسناد، ورحل إليه المحدِّثون من البلاد.
قال ابن الجوزي: وقع في أيدي الروم، فبقي في أسرهم سنة ونصفًا، وقيدوه، وجعلوا الغُلَّ في عنقه، والسلاسلَ على يديه ورجليه، وأرادوا منه أن ينطق بكلمة الكفر - يعني: المسيح ابن الله -، فلم يفعل، قال: وسمعته يقول: يجب على المعلم ألا يعنف، وعلى المتعلم ألا يأنف، ومن خدم المحابر، خدمتْه المنابر، وذكر أن منجمين حضرا حين ولد، فأجمعا أن عمره اثنتان وخمسون سنة، وها أنا قد جاوزت التسعين، توفي سنة ٥٣٥. أطال ابن رجب في ترجمته - رحمه الله تعالى -.
١٩٣ - موهوب بن أحمد بنِ محمد، يعرف بابن الجواليقي .
شيخ أهل اللغة في عصره، ولد سنة ٤٦٥.
سمع الحديث الكثير، وقرأ الأدب، ودرَّس، وكان من أهل السنة المحامين عليها.
قال ابن الجوزي: كان غزيرَ العقل، طويلَ الصمت، لا يقول الشيء إلا بعد التحقيق والفكر الطويل، وكثيرًا ما كان يقول: لا أدري، سمعتُ منه كثيرًا من الأحاديث وغريبه، وقرأت عليه كتابه "المغرب"، وله كتاب "أدب الكاتب".
وكان يصلي بالمقتفي بالله فدخل عليه، وهو أول من دخل، فما زاد على أن قال: السلام على أمير المؤمنين، فقال له ابن التلميذ النصراني - وكان قائمًا، وله إدلال الخدمة والطب -: ما هكذا يُسلَّم على أمير المؤمنين يا شيخ، فلم يلتفت إليه، وقال: يا أمير المؤمنين! سلامي هو ما جاءت به السنة النبوية - وروى الحديث -، ثم قال: يا أمير المؤمنين! لو حلف حالف أن نصرانيًا أو يهوديًا لم يصل إلى قلبه نوع من أنواع العلم على الوجه، ما لزمته كفارة؛ لأن الله ختم على قلوبهم، ولن يفك ختمَ الله إلا الإيمان، فقال: صدقت وأحسنت، وكأنما ألجم ابن التلميذ بحجر، مع فضله وغزارة أدبه، رح.
стр. 186
١٩٤ - عبد الله بن علي بنِ أحمدَ، سبطُ أبي منصور الخياط .
سمع الحديث الكثير، وأقرأَ الأدب، وبرع في العربية واللغة، وسمع منه الحديث خلق كثير من الحفاظ وغيرهم، منهم: ابن ناصر، وابن السمعاني، وابن الجوزي، وكان قويًا في السنة، رأس أصحاب أحمد، ولد سنة ٤٦٤، وتوفي سنة ٥٤١.
١٩٥ - دعوان بن علي بن حماد الجبي .
ولد سنة ٤٦٣، تفقه وتأدب ودرَّس، وأقرأ القرآن، وحدث، وانتفع به الناس، قرأ عليه جماعة، وحدث عنه آخرون، منهم: ابن السمعاني، قال ابن الجوزي: كان خيرًا دينًا، ذا ستر وصيانة وعفاف، وطرائق محمودة على سبيل السلف الصالح.
توفي سنة ٥٤٢، رآه بعضهم في المنام - وكان عليه ثياب بيض وعمامة بيضاء -، فقال له إيش لقيت؟ قال: عُرضت على الله خمسين مرة، وقال لي: إيش عملت؟ فقلت: أي رب! قرأت القرآن وأقرأته، فقال لي: أنا أتولاك.
١٩٦ - عبد الله بن عبد الوهاب القاضي، بهاءُ الدين، الدمشقيُّ، شرفُ الإسلام .
تفقه ودرَّس وأفتى وناظر، وكان إمامًا فاضلاً مستقلاً، مفتيًا على مذهب الإمام أحمد، وكان يعرف اللسان الفارسي مع العربي، وهو حسن الحديث في الجد والهزل، توفي سنة ٥٤٥، وكثر الباكون حول سريره، والمتأسفون عليه، وكان يومًا مشهودًا.
١٩٧ - أحمد بن معالي .
ذكره ابن الجوزي في عدة مواضع من كتبه، وقال: سمعت درسه، وكان قد انتقل إلى مذهب الشافعي، ثم عاد إلى مذهب أحمد، ووعظ، له معاشرة بالصوفية، توفي سنة ٥٥٤، وكان مرضه يومين أو ثلاثة.
стр. 187
١٩٨ - أحمد بن نصر بنِ أحمدَ، الحافظُ الفقيهُ الأديب، أبو العلاء، المعروفُ بأعمش الهمداني، ولد سنة ٤٣١ .
سمع من عبد الله بن منده، وأبي مسلم النهاوندي، وروى عنه السلفي، وذكره الذهبي في "تذكرة الحفاظ" وقال: شيخ، حافظ، ثقة مكثر، مع بصيرة بهذا الشأن، وكان عارفًا بفقه أحمد بن حنبل، ناصرًا للسنة، أملى عدة مجالس من حفظه.
قال السمعاني: أجاز في مروياته، وكان عارفًا بالحديث، حافظًا، ثقة، سمع الكثير بنفسه، وأملى وحدَّث، توفي سنة ٥٢١.
١٩٩ - حسن بن محمد الراذانيُّ، الفقيهُ، الواعظُ .
سمع ببغداد من جماعة، سمع منه أبو الحسن الحراني جزءًا فيه أجوبة عن مسائل وردت من الموصل تتضمن عدة مسائل من أصول الدين، أجاب عنها في كراس بجواب حسن موافق لمذهب أهل الحديث، توفي سنة ٥٤٦، وكان موته فجاءة.
٢٠٠ - محمد بن ناصر بنِ محمد، السلاميُّ، الحافظُ، الأديبُ، اللغويُّ .
ولد سنة ٤٦٧، سمع الحديث، وتفقه على مذهب الشافعي، ثم جد في طلب الحديث وسماعه، وعني بهذا الفن، وكانت له إجازات قديمة من ابن ماكولا وغيره، وخالط الحنابلة، ومال إليهم، وانتقل إلى مذهبهم؛ لمنام رأى فيه النبي ﷺ .
قال ابن النجار: وقف كتبه على أصحاب الحديث، رأيت بخطه وصيته أوصى بها ذكر فيها صفة ما يخلفه من التركة، وهو: ثياب بدنه، وكلها خَلَق مغسولة، وأثاث منزله، وكان مختصرًا جدًا، وثلاثة دنانير من العين لم يذكر سوى ذلك، مات ولم يعقب.
ومن غرائبه: أنه كان يذهب إلى أن السلام على الموتى يقدم فيه لفظة: عليكم، فيقال: عليكم السلام؛ لظاهر حديث أبي جري الجهيمي، وذكر في
стр. 188
بعض تصانيفه: أن الإحداد على الميت بترك الطيب والزينة لا يجوز بحال، ويجوز للنساء على أقاربهن ثلاثة أيام، دون زيادة عليها، وعلى زوجها المتوفَّى عنها أربعة أشهر وعشرًا، انتهى.
٢٠١ - يحيى بن محمد بنِ هُبيرة، الوزيرُ، العالمُ، العادلُ، صدرُ الوزراء عونُ الدين، أبو المظفر .
ولد سنة ٤٩٩، دخل بغداد شابًا، وقرأ القرآن بالروايات على جماعة، وسمع الحديث الكثير من جماعة.
قال ابن الجوزي: وكان متشددًا في اتباع السنة وسير السلف، قال ابن رجب صنف الوزير كتاب "الإفصاح في معاني الصحاح" في عدة مجلدات، وهو شرح "صحيح البخاري" و"مسلم"، ولما بلغ فيه إلى حديث: "من يُردِ الله به خيرًا، يُفقهه في الدين" شرح الحديث وتكلم على معاني الفقه، وآل به الأمر إلى أن ذكر مسائل الفقه؛ المتفَق عليها، والمختلف فيها بين الأئمة الأربعة المشهورين، وقد أفرده الناس من الكتاب، وسموه بكتاب الإنصاح، وهو قطعة منه، وهذا الكتاب صنفه في ولايته الوزارة، واعتنى به، وجمع عليه أئمة المذاهب، وأوفدهم من البلدان إليه لأجله، بحيث إنه أنفق على ذلك مئة ألف دينار، وثلاثة عشر ألف دينار، فاجتمع الخلق العظيم لسماعه عليه، وكتب به نسخة لخزانة المستنجد، وبعث ملوك الأطراف ووزراؤها وعلماؤها، فاستنسخوا لهم نسخًا، ونقلوها إليهم، حتى السلطان نور الدين الشهيد، واشتغل به الفقهاء في ذلك الزمان على اختلاف مذاهبهم، يدرِّسون منه في المدارس والمساجد، ويعيده المعيدون، ويحفظ منه الفقهاء. وله مؤلفات كثيرة غير ذلك، وصنف كتاب "العبادات الخمس" على مذهب الإمام أحمد، وحدث به بحضرة من أئمة المذاهب.
وكان في أول أمره فقيرًا، فاحتاج إلى أن دخل في الخدم السلطانية إلى أن استدعاه المقتفي بالله، وقلده الوزارة، وخلع عليه، وخرج في أبهة عظيمة، ومشى أرباب الدولة وأصحاب المناصب كلهم بين يديه، وهو راكب إلى الإيوان في الديوان، وحضر القراء والشعراء، وكان يومًا مشهودًا، وخوطب: بالوزير
стр. 189
العالم العادل عون الدين جلال الإسلام الصفي الإمام شرف الأنام معز الدولة مجير الملة عماد الأمة مصطفى الخلافة تاج الملوك والسلاطين صدر الشرق والغرب سيد الوزراء ظهير أمير المؤمنين، انتهى.
قال محرر هذه السطور: وحالي صارت كحاله في هذه الحال، فإني كنت إمرأً فقيرًا في أول أمري، واحدًا من الخدم الرياسية [الدولة] منسلكًا في زمرة الإنشاء، ثم في نظارة المدارس إلى أن اقتنت الرئيسة إياي من بينهم لهذا الشأن الذي تراه، وعملت في هذه الحالة تفسيرًا في أربع مجلدات، وأنفقت عليه من المعلوم ما بلغ خمسًا وعشرين ألفًا [ربية]، ولله الحمد.
قال ابن رجب: ولما ولي الوزارة، بالغ في تقريب خيار الناس من المحدِّثين والفقهاء والصالحين، واجتهد في إكرامهم، وإيصال النفع إليهم، وارتفع به أهل السنة غاية الإرتفاع. قال ابن الجوزي: وكان إذا استفاد شيئًا، قال: أفادنيه فلان. وكان بعض الفقراء يقرأ القرآن في داره كثيرًا، فأعجبه، فقال لزوجته: أريد أن أزوجه ابنتي، فغضبت الأم من ذلك.
وكان يقرأ عنده الحديث كل يوم بعد العصر، وكان يكثر مجالسة العلماء والفقراء، وقال: ما وجبت عليَّ زكاة قط. قلت: وفي ذلك يقول بعض الشعراء:
يقولون يحيى لا زكاةَ لمالِه ... وكيفَ يزكِّي المالَ مَنْ هو باذِلُهْ
إذا دار حولٌ لا يُرى في بيوته ... من المال إلا ذكرُه وفضائلُهْ
وكان يتحدث بنعم الله تعالى عليه، ويذكر في منصبه شدة فقره القديم، ويجتهد في اتباع الحق، ويحذر من الظلم، ولا يلبس الحرير، وكان مبالغًا في تحصيل التعظيم للدولة العباسية، قامعًا للمخالفين بأنواع من الحيل.
قال صاحب سيرته: وكان لا يلبس ثوبًا يزيد فيه الإبريسم على القطن، فإن شك في ذلك، سل من طاقاته، ونظر هل القطن فيه أكثر أم الإبريسم؟ فإن استويا، لم يلبسه، قال له بعض الفقهاء: يا مولانا! إذا استويا، جاز لبسُه في أحد الوجهين لأصحابنا، فقال: إني لا آخذ إلا بالأحوط. وذكر يومًا بين يديه أنه
стр. 190
كان للصاحب ابن عباد دست من ديباج، فقال: قبيحٌ والله بالصاحب أن يكون له دستٌ من ديباج؛ فإنه وإن كان زينة، فهو معصية ومحنة. وقال ابن الدبيتي في "تاريخه": كان فاضلاً عالمًا عاملًا، ذا رأي صائب، وسريرة صالحة، وكان يقرأ عنده الحديث عليه وعلى الشيوخ بحضوره، ويجري من البحث والفوائد ما يكثر ذكره وكان مقربًا لأهل العلم والدين.
وقال ابن القطيعي: كان جميل المذهب، شديد التظاهر بالسنة، ومن كثرة ميله إلى العمل بالسنة، كان كلما اجتاز في سوق بغداد، قال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير". وللوزير من الكلام الحسن، والفوائد المستحسنة، والاستنباطات الدقيقة من كلام الله ورسوله ما هو كثير جدًا، وله في أصول السنة وذم مَنْ خالفها شيء كثير.
قال ابن الجوزي في "المقتبس": سمعته يقول في قوله تعالى ﴿فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ [الحجر: ٣٧] ليس هذا بإجابة سؤاله، وإنما سأل الإنظار، فقيل له: كذا قدر، لا أنه جواب سؤالك، لكنه ما فهم، وسمعته يقول في قوله تعالى ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥] أهل التفسير يقولون: ساترًا، والصواب حمله على ظاهره، وأن يكون الحجاب مستورًا عن العيون فلا يرى، وذلك أبلغ. قال: وقد تدبرت قوله تعالى ﴿لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّه﴾ [الكهف: ٣٩] فرأيت ثلاثة أوجه: أحدها: أن قائلها يتبرأ من حوله وقوته، ويسلم الأمر إلى الله، والثاني: أن يعلم أنه لا قوة للمخلوقين إلا بالله، فلا يخاف منهم؛ إذ قواهم لا تكون إلا بالله، وذلك يوجب الخوف من الله وحده، والثالث: أنه رد على الفلاسفة والطبائعين الذين يدعون القوى في الأشياء بطبعها؛ فإن هذه الكلمة بينت أن القوى لا تكون إلا بالله، وسمعته يقول في قوله تعالى ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف: ٩٧] قال: التاء من حروف الشدة، تقول في الشيء القريب: ما اسطعته، وفي الشديد: ما استطعته، فالمعنى: ما أطاقوا ظهوره لضعفهم، وما قدروا على نقبه لقوته وشدته.
قال ابن الجوزي: كان الوزير يتأسف على ما مضى من زمانه، ويندم على
стр. 191
ما دخل فيه، ثم صار يسأل الله الشهادة، ويتعرض لأسبابها، وكان ليس به بأس، فنام ليلة في عافية، فلما كان وقت السحر، قاء، فحضر طبيب كان يخدمه، فسقاه شيئًا، فيقال: إنه سَمَّه، فمات، وسُقي الطبيبُ بعده بنحو ستة أشهر سُمّاً، فكان يقول: كما سَقَيت سُقيت، فمات سنة ٥٦٠. ومن إنشاده:
وكَمْ شامِتِ بي بعدَ موتي جاهل ... بظلم يسلُّ السيفَ بعدَ وفاتي
ولو علمَ المسكينُ ماذا ينالُه ... من الضُّرَّ بعدي ماتَ قبل مماتي
قال ابن زفر: رأيت بالمنام - وأنا بأرض جزيرة ابن عمر - كأن جماعة من الملائكة يقولون لي: قد مات في هذه الليلة ببغداد وليٌّ من الأولياء، فاستيقظت منزعجًا، وحدثت بالمنام الجماعة الذين كانوا معي وأرَّخنا تلك الليلة، فلما قدمت بغداد، سألت: من مات في تلك الليلة؟ فقيل لي: مات بها الوزير عونُ الدين بنُ هبيرة.
قال مصنف السيرة: ولو استقصيت ما ذكر له من المنامات الصالحة، لجاءت بمفردها كتابًا ضخمًا. وقد أطال ابن رجب في ترجمته الشريفة إلى أوراق، وختمها بذكر حديث أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يزدادُ الأمرُ إلا شدة، ولا يزداد الناسُ إلا شُحّاً، ولا تقوم الساعة إلا على شِرار الناس"، رواه بسنده، وقال: وفي هذا الإسناد سلسلة عجيبة بالحفاظ والملوك.
٢٠٢ - سعد الله بن نصر بنِ سعيدٍ المعروفِ بابن الدجاجي، وبابن الحيواني، الفقيهُ، الواعظُ، المقرىء، الصوفي، الأديب، أبو الحسن، ويلقب: مهذب الدين .
ولد سنة ٤٨٢. روى عن ابن عقيل كتاب "الإنتصار لأهل السنة والحديث".
قال ابن الجوزي: تفقه وناظر ودرس ووعظ، وكان لطيف الكلام، حلو الإيراد، ملازمًا لمطالعة العلم إلى أن مات. وقال ابن نقطة: شيخ فاضل، صحيح السماع، حدَّث، وحدَّث عنه جماعة من شيوخنا، وقال صدقة في "تاريخه": كان من أصحاب أبي بكر الدينوري، وكان يعظ ويقرىء القرآن ويسمع الحديث، أثنى عليه ابن النجار، وابن قدامة، قال ابن الجوزي: وسئل
стр. 192
في مجلس وعظه - وأنا أسمع - عن أخبار الصفات، فنهى عن التعرض لها، وأمر بالتسليم. قال ابن القطيعي: بلغني أنه حضر بالديوان العزيز وجماعة من الفقهاء، فاستدل شخص بحديث النبي ﷺ ، فقال ابن البغدادي الحنفي: هذا الحديث لا يصح عن النبي ﷺ ، فقال الخصم: قد أخرجه البخاري ومسلم، فقال ابن البغدادي: قد طعن فيهما أبو حنيفة، فقال ابن الدجاجي: هل كان مع أبي حنيفة ملحمة؟ توفي صاحب الترجمة سنة ٥٦٤.
٢٠٣ - عثمان بن مرزوق بنِ حميد، القرشيُّ، الفقيهُ، العارفُ، الزاهدُ، أبو عمرو، نزيلُ مصر .
صحب شرف الإسلام عبد الوهاب بن الحنبلي بدمشق.
أفتى ودرَّس وناظر وتكلم على المعارف والحقائق، وانتهى إليه خلق كثير من الصلحاء، وأثنى عليه المشائخ، وحصل له قبول تام من الخاص والعام، وكان يعظم الشيخ عبد القادر، ويقال: إنه اجتمع به هو وأبوه مدين بعرفات، ولبسا منه الخرق، وسمعا منه جزءًا من مروياته، وسمع الحديث، ورواه، وحدَّث عنه جماعة، وله كرامات وأحوال ومقامات، وكلام حسن على لسان أهل الطريقة، فمن ذلك قوله: الطريق إلى معرفة الله وصفاته الذكرُ والاعتبارُ بحكمه وآياته، ولا سبيل للألباب إلى معرفة كنه ذاته، ولو تناهت الحكمة الإلهية في حد العقول، وانحصرت القدرة الربانية في درك العلوم لكان ذلك تقصيرًا في الحكمة ونقصًا في القدرة، لكن احتجبت أسرار الأزل عن العقول، كما احتجبت سبحات الجلال عن الأبصار، فقد رجع معنى الوصف في الوصف، وعمي الفهم عن الدرك، ودار الملك في الملك، وانتهى المخلوق إلى مثله، واستند الطلب إلى شكله، ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨]، فجميع المخلوقات من الذرة إلى العرش متصل إلى معرفته، وحجج بالغة على أزليته، والكون جميعه ألسن ناطقة بوحدانيته، والعالم كله كتاب يقرأ حروف أشخاصه المتبصرون على قدر بصائرهم.
ومن كلامه أيضًا: من لم يجد في قلبه زاجرًا، فهو خراب، ومن عرف نفسه،
стр. 193
لم يغتر بثناء الناس عليه، ومن لم يصبر على صحبة مولاه، ابتلاه بصحبة العبيد، ومن انقطعت آماله إلا من مولاه، فهو عبد حقيقة، والدعوى من رعونة النفس واستلذاذ البلاء تحقق بالرضاء، وحلية العارف: الخشية والهيبة، إياكم ومحاكاة أصحاب الأحوال قبل أحكام الطريق وتمكن الأقدام.
قال الشيخ تقي الدين بن تيمية: وثم جماعات ينسبون إليه، ويقولون أشياء مخالفة لما كان عليه الشيخ، وهذا الشيخ كان ينسب إلى مذهب الإمام أحمد، توفي سنة ٥٦٤.
٢٠٤ - عبد الله بن أحمدَ بنِ عبدِ الله، يعرف بابن الخشاب، البغداديُّ، المحدثُ، اللغويُّ، النحويُّ، الإمامُ أبو محمد بنُ أبي الكرم .
قرأ القرآن بالروايات، وسمع الحديث، وقرأ على أبي القاسم الحريري، وقد عده ابن نقطة في أول "استدراكه" من الحفاظ الذين يعتمد على ضبطهم، وقرنه مع السَّلفي، وأبي العلاء، وابن عساكر. وأثنى عليه الشيخ فخر الدين بن تيمية، وابن النجار، وقال: سمع الحديث الكثير، وعرف صحيحه من سقيمه، وبحث عن أحكامه، وتبحر في علومه. وذكره ابن السمعاني، وقال: له معرفة تامة بالحديث، ويقرأ الحديث قراءة سريعة حسنة صحيحة مفهومة، وجمع الأصول الحسان. وذكره ابن القطيعي وجماعة ووصفوه: بأنه كان عالمًا بالتفسير والحديث مع تشدُّدٍ في السنة، وتظاهُرٍ بها في محافل علومه ومجالس تلاميذه وأصحابه، يتبجل بمذهب الإمام أحمد، ويتبصر به على غيره من المذاهب، ويصرح ببراهينه وحججه على ذلك.
وذكر ياقوت الحموي، قال: كان الحافظ ابن ناصر ابن عمة أم ابن الخشاب، قالت لي أمي: يا بني! ما لي لا أراك تصلي صلاة الرغائب على عادة الناس؟ فقلت: يا أمي! أنا أوثر ما ورد من الصلوات عن النبي ﷺ وأصحابه، وهذه الصلاة لم ترد عن رسول الله ﷺ ، ولا عن أحد من أصحابه، فقالت: لا أسمع ذلك منك، فاسأل لي ابن عمي، فاتفق أني لقيته، فقلت: الوالدة تسلم عليك، وتسألك عن صلاة الرغائب، هل وردت عن النبي ﷺ وعن أصحابه؟
стр. 194
فقال لي: فهلاَّ أخبرتها بحقيقة ذلك، فقلت: قد أبت إلا أن أخبرها عنك، فقال: سلم عليها، وقل لها: أنا أسنّ منها، فإنها أُحدثت في زمني وعصري، وقد مضت برهة ولا أحد يصليها، وإنما وردت من الشام، وتداولها الناس حتى أجروها مجرى ما ورد من الصلوات المأثورة.
قال ابن رجب: ولابن الخشاب تصانيف، منها: كتاب "أغلاط الحريري في مقاماته". وقرأ عليه الخلق الكثيرُ الحديثَ والأدب، وروى عنه خلق من الحفاظ، وكان ثقة في الحديث والنقل، صدوقًا حجة نبيلاً، ومن شعره في القصيدة، شعر:
واسْتَنَّ بالسَّلَف الصُّلحاء وكُنْ رجلاً ... مُبَرأً عن دواعي الغَيَّ والفِتَنِ
ودعْ مذاهبَ قومٍ أحدثَتْ أَثَمًا ... فيها خلافٌ على الآثارِ والسُّنَنِ
ولد سنة ٤٩٢، وتوفي يوم الجمعة ثالث رمضان سنة ٥٦٧، ودفن بمقبرة الإمام أحمد قريبًا من بِشْر الحافي. قال ابن الجوزي: مرض نحوًا من عشرين يومًا، دخلت عليه قبل موته بيوم ويومين - وقد يئس نفسه -، فقال لي: عند الله أحتسبُ نفسي.
وحدثني عبد الله الجبائي العبد الصالح، قال: رأيته في المنام بعد موته بأيام ووجهُه يضيء، فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر في، قلت: وأدخلك الجنة؟ قال: وأدخلني الجنة، إلا أنه أعرض عني، قلت: أعرض عنك؟ قال: نعم، وعن جماعة من العلماء تركوا العمل، انتهى. قال المؤلف - عفا الله عنه -: وإذا كان هذا بالخيار، فكيف بأمثالنا، لم نعمل بما علمنا، إلا أن يتغمدنا الله برحمته.
٢٠٥ - حسن بن أحمد بنِ حسنٍ، المحدِّثُ المقرىء، الحافظُ، الأديبُ، اللغويُّ، الزاهدُ، أبو العلاء، المعروف بالعطار، شيخ همدان .
ولد سنة ٤٨٨. قرأ القرآن بالروايات، وسمع الحديث، وأكثر عنه، وحدَّث، وانقطع إلى إقراء القرآن، وروايةِ الحديث إلى آخر عمره، وحدث بأكثر مسموعاته، وسمع منه الكبار، والأئمة والحفاظ، وسمع منه خلق كثير. ذكره
стр. 195
ابن السمعاني، وابن الجوزي، وعبد القادر الرهاوي، وأثنوا عليه ثناء حسنًا، وبرع على حُفَّاظ عصره في حفظ ما يتعلق بالحديث، والأنساب، والتواريخ والأسماء والكنى، والقصص والسير.
وله التصانيف الكثيرة في أنواع من علوم الحديث، والزهد والرقائق، وغير ذلك، له "زاد المسافر" نحو من خمسين مجلدة، وكان لا يأكل من أموال الظَّلَمة، ولا قبل منهم مدرسة ولا رباطًا، وإنما كان يُقرىء في داره، وكان يقرىء نصف نهاره القرآن، ونصفه الحديث، وكان لا يخشى السلاطين، ولا تأخذه في الله لومة لائم، ولا يمكن أحدًا أن يعمل في محلته منكرًا ولا سماعًا، وكان يُنزل كلَّ إنسان منزلته حتى تآلفت القلوب على محبته، وحسنِ الذكر له في الآفاق البعيدة، حتى أهل خوارزم الذين هم معتزلة، مع شدته في الحنبلية. قال الرهاوي: وكان حسن الصلاة، لم أر أحدًا في مشايخنا أحسن صلاة منه، وكان مشددًا في أمر الطهارة، لا يدع أحدًا يمس مداسه. قلت: هذه زلة من عالم. قال: وكان ثيابه قصارى، وأكمامه قصارى، وعمامته نحو سبعة أذرع، وكانت السنة شعاره ودثاره اعتقادًا وفعلاً، ومن نوادره - رحمه الله تعالى - أنه كان يمشي في اليوم الواحد ثلاثين فرسخًا، توفي سنة ٥٦٩.
قال ابن الجوزي: وبلغني أنه رُئِي في المنام في مدينة جميعُ جدرانها من الكتب، وحوله كتب لا تحد، وهو مشتغل بمطالعتها، فقيل له: ما هذه الكتب؟ قال: سألت الله تعالى أن يشغلني بما كنت أشتغل به في الدنيا، فأعطاني، انتهى. قلت: وهذه مسألتي من الله تعالى أيضًا في عالم البرزخ، فإن ولعي بالكتب الشريفة الحديثية والقرآنية، وشغفي بالعلم مما لا ينكر، وهو سبحانه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير.
٢٠٦ - عبد الرحمن بن النفيس بن الأسعد المقرىء، يعرف بالأغرِّ البغدادي .
كان في ابتداء أمره يغني، وله صوت حسن، ثم تاب، وحسنت توبته، وقرأ القرآن في زمن يسير، وتعلم الحفظ في أيام قلائل، وكان ذكيًا جدًا، يحفظ في
стр. 196
يوم واحد ما لا يحفظه غيره في شهر، سافر إلى الشام، وسكن دمشق، وأَمَّ بالحنابلة في جامعها. قال ابن اللتي: كان قويًا في دين الله، متمسكًا بالآثار، لا يرى منكرًا ولا يسمع به إلا غيَّره، ولا يحابي في قول الحق أحدًا، قال: صحبته، وسمعت عليه معتقدًا في السنة، خرج من بغداد سنة ٥٦٠.
٢٠٧ - المبارك بن حسن، يعرف بابن القابلة .
ولد تقريبًا سنة ٥٠٥. سمع من طلحة. ذكره ابن القطيعي، وقال: كان حنبلي المذهب، أَمَّارًا بالمعروف، شديدًا على أهل البدع، توفي سنة ٥٧١.
٢٠٨ - علي بن عساكر بن المرجب بن عرام البطائحيُّ، المقرىءُ، النحويُّ .
ولد سنة ٤٨٩. قال الشيخ موفق الدين المقدسي: كان عالمًا بالعربية، إمامًا في السنة، قرأ عليه القرآن جماعة من الكبار، وحدَّث عنه جماعة من الحفاظ، منهم: عبد الغني المقدسي، وعبد القادر الرهاوي، وروى عنه بإجازة الخليفة الناصر العباسي، وقرأ عليه القرآن أيضًا الوزيرُ ابن هبيرة - ويدخل باطن دار الخلافة -، وكان ضريرًا يحفي شاربه، ووقف كتبه بمدرسة الحنابلة، توفي سنة ٥٧٢.
٢٠٩ - صدقة بن الحسين بنِ الحسنِ بنِ بختيار، البغداديُّ، الفقيهُ، الأديبُ الشاعرُ، المتكلمُ، الكاتبُ، المؤرخ، أبو الفرج .
ولد سنة ٤٩٧. قرأ القرآن بالروايات، وسمع الحديث من أبي السعادات المتوكلي، وتفقه على ابن عقيل، وحدَّث، وسمع منه جماعة، له جزء سماه: "ضوء الساري إلى معرفة الباري"، وله في التاريخ والأصول مصنفات، وكان قوته من أجرة نسخه ولم يطلب من أحد شيئًا. قال ابن القطيعي: كان بينه وبين ابن الجوزي مباينة شديدة، وكل واحد يقول في صاحبه مقالة - الله أعلم بها - مات - سامحه الله - سنة ٥٧٣.
وذكر ابن الجوزي عمن حدثه أنه رُئِي له منامات غير صالحة، وأنه عريان، وأنه أخبر عن نفسه أنه مسجون مضيق عليه، وأنه لم يغفر له، فالله يسامحه
стр. 197
ويتجاوز عنه. وذكر ابن النجار عن علي الفاخراني قال: رأيت صدقة في المنام، فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بعد شدة، فسألته عن علم الأصول، فقال: لا تشتغل به، فما كان شيءٌ أضرَّ عليَّ منه، وما نفعني إلا خمس قسبات، أو قال: تميرات تصدقت بها على أرملة.
قال ابن رجب: هذا المنام حق، وما كانت مصيبة إلا من علم الكلام، ولقد صدق القائل: ما ارتدى أحد في الكلام فأفلح، وبسبب شبهة المتكلمين والمتفلسفة كان يقع له أحيانًا حيرة وشك - يذكرها في أشعاره -، ويقع منه من الكلام والاعتراض ما يقع. وقد رأيت له مسألة في القرآن قرر فيها: أن ما في المصحف ليس بكلام الله حقيقة، وإنما هو عبارة عنه، ودلالة عليه، وإنما سمي: كلامَ الله، مجازًا، قال: ولا خلاف بيننا وبين المخالفين في ذلك إلا عندنا أن مدلوله: هو كلام الله الذي هو الحروف والأصوات، وعندهم مدلول الكلام: هو المعنى القائم بالذات، انتهى.
قلت: والحق في هذه المسألة: أن لفظ القرآن الكريم ومعناه كلاهما من الرحمن الرحيم، وكلامه سبحانه حرف وصوت؛ كما نطقت به الأحاديث الصحيحة، والكلام النفسي - الذي أثبته الأشاعرة - لا رائحة له في الكتاب ولا في السنة، وكما أن كلامه ليس له مثل، فكذلك حرفه وصوته لا مثل لهما، وتنزيله على منازل الكلام البشر وسائر مخلوقاته وصفاتها لا يجوز، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤].
٢١٠ - محمد بن أبي الأغالب بنِ أحمدَ، الضريرُ، المحدثُ، الحافظُ، أبو بكر .
ولد بباقدار - قرية من قرى بغداد -، تلا على جماعة، وسمع الحديث من سبط الخياط، وابن ناصر الحافظ، وحدَّث وسمع. ذكره ابن المديني، وقال: انتهى إليه معرفة رجال الحديث وحفظه، وعليه كان المعتمد فيه. وقال الحافظ الخضري: كان آخر من بقي من حفاظ الحديث الأئمة، أثنى عليه الدبيتي، والحافظ المنذري.
стр. 198
له جزء في حديث ابن عباس: جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر من غير خوف ولا مطر، فقيل لابن العباس: لم فعل ذلك؟ قال: كي لا يحرجَ أمته.
قلت: تحقيق المسألة: أن هذا الجمع كان صوريًا، والجمع بين الصلاتين بلا أعذار غير جائز، توفي الباقداري سنة ٥٧٥ وهو في سن الكهولة، ودفن بتربة الجنيد - قدس سره -.
٢١١ - عبد الله بن علي بنِ الحسين الطباخ، البغداديُّ، نزيلُ مكة المكرمة، إمامُ الحنابلة بالحرم الشريف، المحدثُ، الحافظُ .
سمع الكثير ببغداد من جماعة الحفاظ، وعني بالطلب، وكتب بخطه، وكان حافظ الحديث بمكة في زمانه، وسمع منه جماعة، توفي سنة ٥٧٥ بمكة، وكان يوم جنازته مشهودًا.
٢١٢ - عبد المغيث بنُ زهير بن علوي الحربي، المحدثُ، الزاهدُ .
ولد سنة ٥٠٠ تقريبًا، سمع من جماعة، وعني بهذا الشأن، وقرأ بنفسه على المشائخ، وكتب بخطه، وحصل الأصول، ولم يزل يسمع حتى سمع من أقرانه.
وكان صالحًا متدينًا صدوقًا أمينًا، حسن الطريقة، جميل السيرة، حميد الأخلاق، مجتهدًا في اتباع السنة والآثار، منظورًا إليه بعين الديانة والأمانة، جمع وصنف وحدَّث، وبورك له حتى حدث بجميع مروياته، وسمع منه الكبار.
قال الدبيتي: عني بطلب الحديث وبسمعه وجمعه من مظانه، فسمع الكثير، وقرأ عليه الشيوخ ونعم الشيخ كان. روى عنه ابن السمعاني في كتابه شعرًا، وقال عنه: رفيقنا.
قال ناصح الدين بن حنبلي: كنت إذا رأيته، خيل إلي أنه أحمدُ بن حنبل، غير أنه كان قصيرًا. وقال الحافظ المنذري: اجتهد في طلب الحديث وجمعِه، وصنف وأفاد، وحدث بالكثير. قال ابن القطيعي: كان أحد المحدثين، مع صلابة في الدين، واشتهار بالسنة، وقراءة القرآن، وقع بينه وبين ابن الجوزي نفرة، كان سببها الطعن على يزيد بن معاوية، وكان عبد المغيث يمنع من سبه،
стр. 199
وصنف في ذلك كتابًا، وأسمعه، وصنف الآخر كتابًا سماه: "الرد على المتعصب العنيد المانع من ذم يزيد"، وقرأته عليه، مات عبد المغيث وهما متهاجران. وقلت: هذه المسألة وقع بينهما بسببها فتنة، ويقال: إنه تبع أبا الحسين بن البناء؛ فإنه صنف في "منع ذم يزيد ولعنه"، وابن الجوزي صنف في جواز ذلك، وقد حكى فيه: أن القاضي أبا الحسين صنف كتابًا فيمن يستحق اللعن، وذكر فيهم يزيد، وذكر كلام أحمد في ذلك، وكلام أحمد، إنما فيه لعنُ الظالمين جملة، ليس فيه تصريح بجواز لعن يزيد معينًا، وقد ذكر القاضي في المعتمد نصوص الإمام أحمد في هذه المسألة، وأشار إلى أن فيها خلافًا عنه.
حكى أن عبد المغيث كان يومًا في زيارة قبر الإمام أحمد، وأن الخليفة الناصر وافاه في ذلك اليوم عند قبر الإمام أحمد، فقال له: أنت عبد المغيث الذي صنف مناقب يزيد؟ فقال: معاذ الله أن أقول: إن له مناقب، ولكن من مذهبي أن الذي هو خليفة المسلمين إذا طرأ عليه فسق لا يوجب خلعه، فقال: أحسنت يا حنبلي! واستحسن منه هذا الكلام، وأعجبه غاية الإعجاب. قال ابن الصيرفي حاكيًا عن ابن الجوزي: أنه كان يقول: إني لأرجو من الله أن اجتمع أنا وعبد المغيث في الجنة، قال: وهذا يدل على أنه كان يعلم أن الشيخ عبد المغيث من عباد الله الصالحين، فرحمة الله عليهما، وصنف عبد المغيث: "الانتصار لمسند الإمام أحمد"، أظنه ذكر فيه أن أحاديث المسند كلها صحيحة، وقد صنف في ذلك قبله أبو موسى، وبذلك أفتى أبو العلاء الهمذاني، وخالفهم الشيخ ابن الجوزي.
ولصاحب الترجمة كتاب "الدليل الواضح في النهي عن ارتكاب الهوى الفاضح" يشتمل على تحريم الغناء وآلات اللهو، وذكر فيه تحريم الدف بكل حال، في العرس وغيره، وأجاب عن حديث: "أعلنوا النكاح، واضربوا عليه بالدف" بأن معناه: أعلنوا إعلانًا يبلغ ما يبلغ صوت الدف - لو ضرب به - لتمحوا سنة الجاهلية من نكاح البغايا المستسر به، وأجاب عن حديث الجاريتين اللتين كانتا تغنيان في بيت عائشة ﵂: بأنهما لم تكونا مكلفتين
стр. 200
لصغرهما، قال: وقد أقر النبي ﷺ أبا بكر على تسميته: مزمور الشيطان، وربما أشار إلى أنه منسوخ، وهذا مذهب ضعيف، توفي - رحمه الله تعالى - سنة ٥٨٣.
وذكر ابن النجار في ترجمة داود بن أحمد الضرير: أنه سمعه يقول: سمعت يعقوب بن يوسف الحربي، يقول: رأيت عبد المغيث في المنام بعد موته فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال:
العلمُ يُحيي أُناسًا في قبورِهِمُ ... والجهلُ يُلْحِقُ أحياءً بأمواتِ
٢١٣ - عبد الوهاب بن الشيخ العارف عبدِ القادرِ الجيلاني - قدس سره -.
ولد سنة ٥٢٢، وأسمعه والده في صباه من ابن البناء، والقزاز، والأرموي، وأبي الوقت، وغيرهم، وقرأ الفقه على والده حتى برع فيه، ودرس نيابة عن والده بمدرسته وهو حي، وقد نيف على العشرين من عمره، وكان كَيَّسًا ظريفًا من ظرفاء أهل بغداد، متماجنًا، وله لسان فصيح في الوعظ، وإيراد مليح، مع عذوبة ألفاظ، وحدة خاطر، وكان لطيفًا مليح النادرة، ذا مزاح ودعابة، وكانت له مروءة وسخاء.
قال أبو شامة: قيل له يومًا في مجلس وعظه: ما تقول في أهل البيت؟ قال: أعموني، وكان أعمش أجاب عن بيت نفسه. وقيل له يومًا: بأي شيء تعرف المُحِقَّ من المبطل؟ قال: بليمونة - أراد: من يخضب، يزول خضابُه بليمونةِ. وقال ابن البزوري: وعظ يومًا، فقال له شخص: ما سمعنا بمثل هذا، فقال: لا شك يكون هذيان. وكان له نوادر كثيرة. وسمع منه جماعة، منهم: ابن القطيعي، وروى عنه ابن الدبيتي.
وتوفي سنة ٥٩٣، ودفن عند عبد الدائم الواعظ - رحمهما الله تعالى رحمة واسعة -.
٢١٤ - طلحة بن مظفر بن غانم العلثيِّ، الفقيهُ، الخطيبُ، المحدِّثُ، الفَرَضيُّ، النظَّارُ، المفسرُ، الزاهدُ، الورعُ، العارفُ، تقيُّ الدين أبو محمد .
حفظ الكتاب، وسمع الحديث الكثير، وقرأ "صحيح مسلم" في ثلاثة
стр. 201
مجالس، وكان يقرىء الحديث فيبكي، ويتلو القرآن في الصلاة فيبكي، يرحم الفقراء، ولا يخالط الأغنياء. قال المنذري: تفقه ببغداد على ابن المَنَّي، وابن الجوزي، وابن بندار، وقرأ بلفظه على الشيوخ، وعني بالحديث، وكان أديبًا شاعرًا فصيحًا، وكثر أتباعه، وانتفع به الناس.
قال ابن الجوزي: حدثني طلحة: أنه ولد عندهم بالعلث مولودٌ لستة أشهر، فخرج له أربعة أضراس. قال المنذري: توفي سنة ٥٩٣، ودفن بالعلث - وهي قرية من قرى بغداد -، وخلف ثلاثة أولاد سمعوا الحديث، وحدَّثوا.
٢١٥ - الحسن بن مسلم بنِ الحسنِ الجوزي، زاهدُ وقته .
ولد سنة ٥٠٤، وقرأ القرآن، وسمع الحديث، وتفقه في المذهب، وصحب الشيخ عبد القادر.
وكان كثير البكاء، دائمَ العبادة على منهج السلف، ذا كراماتٍ. ذكره ابن الدبيتي وقال: سمع الحديث، ولم يزل على طريقة محمودة، وروى عنه الكرخي، قال: أخبار الصفات صناديق مقفلة مفاتيحها بيد الرحمن. وذكره أبو شامة، فقال: كان من الأبدال، ملازمًا طريق السلف، وذكر من تسخير السباع له، وليس تحته كبير أمر.
وذكر ابن القادسي، فقال: كان يصوم النهار، ويقوم الليل أربعين سنة، لم يكلم فيها أحدًا، كثير الاجتهاد في العبادة، كثير البكاء، غزير الدمعة، رقيق القلب، له الفراسة الصائبة، توفي سنة ٥٩٤ - رحمه الله تعالى -.
٢١٦ - حماد بن هبة الله بن حماد، أبو الثناء، الحرانيُّ، التاجرُ، السَّفارُ، المحدِّثُ، المؤرخُ .
ولد سنة ٥١١، وتوفي سنة ٥٩٨.
سمع ببغداد من جماعة من الحفاظ، وبهَراةَ ومصر والإسكندرية من الحافظ السِّلفي، وجمع تاريخًا لحران، وحدث به فيها، وله شعر جيد، روى عنه: الحافظ الرهاوي، والعلم السخاوي، وغيرهما. أنشد ابن رجب بسنده عنه قول أبي نواس:
стр. 202
ألا رُبَّ وجهٍ في التراب عتيقِ ... ألا ربَّ رامٍ في التراب رفيقِ
أرى كلَّ حيٍّ هالكًا وابنَ هالك ... وذو حسب في الهالكين عريقِ
فقل لمقيم الدار: إنك ظاعِنٌ ... إلى سفرٍ نائي المحلِّ سحيقِ
إذا امتحنَ الدنيا لبيبٌ، تَكَشَّفَتْ ... له عن عدوٍّ في ثيابِ صديقِ
٢١٧ - عبد الغني بن عبد الواحد بنِ عليِّ بنِ سرورٍ، الجماعيليُّ، المقدسيُّ، الحافظُ، الزاهدُ، أبو محمدٍ، ويلقب: تقي الدين، حافظُ الوقت، ومحدِّثُه .
ولد سنة ٥٤١، وقيل: سنة ٥٤٣، وقيل: سنة ٥٤٤، قدم دمشق، وسمع من حفاظها، ورحل إلى بغداد، وقرأ على الشيخ عبد القادر شيئًا من الحديث، ورجع إلى الإسكندرية، وسمع بها من الحافظ السلفي، وأكثر عنه - حتى قيل: لعله كتب عنه ألف جزء -، وسافر إلى أصبهان وهمدان وموصل، وسمع من حفاظها، وعاد إلى دمشق، ولم يزل ينسخ ويصنف ويفيد المسلمين، ويعبد الله.
قال الحافظ الضياء: كان عبد الغني أميرَ المؤمنين في الحديث. قال: ورأيت فيما يرى النائم وأنا بمدينة مرو - كأن الحافظَ عبدَ الغني جالس، والإمام محمد بن إسمعيل البخاري بين يديه، يقرأ عليه جزءًا أو كتابًا، وكان الحافظ يرد عليه شيئًا، أو ما هذا معناه. قال: وجاء رجل إليه، فقال: رجل حلف بالطلاق إنك تحفظ مئة ألف حديث، فقال: لو قال أكثرَ لصدق. قال التاج الكندي: لم ير الحافظ مثلَ نفسه، وما رأيت أحفظَ منه. وأنشد ربيعة بن الحسن فيه شعر:
يا أصدقَ الناسِ في بَدْوٍ وفي حَضَرٍ ... وأَحفظَ الناس فيما قالت الرسلُ
إنْ يحسدوك فلا تَعْبَأْ بقائِلِهم ... هُمُ الغثاءُ وأنتَ السيدُ البَطَلُ
وأنشدت فيه:
إن قِيسَ علمُك في الورى بعلومِهم ... وجدوكَ سَحْبانا وغيرك باقِلُ
ذكره ابن النجار في "تاريخه"، وقال: حدَّث بالكثير، وصنف التصانيف الحسنة في الحديث، وكان كثيرَ العبادة، ورعًا، متمسكًا بالسنة على قانون السلف، ولم يزل يحدث إلى أن تكلم في الصفات والقرآن بشيء أنكره عليه أهل
стр. 203
التأويل من الفقهاء، وسَعَوا به عليه، وعُقد له مجلس بدار السلطان حضرة القضاة، فأصر على قوله، وأباحوا إراقة دمه، فشفع فيه جماعة إلى السلطان من الأمراء والأكراد، وتوسطوا في أمره على أن يخرج من دمشق إلى مصر - فأُخرج إلى مصر، وأقام بها خاملاً إلى حين وفاته.
قال يوسف بن خليل: دُعي إلى أن يقول: لفظي بالقرآن مخلوق، فأبى، فمُنع من التحديث بدمشق، وسافر إلى مصر، فأقام بها إلى أن مات. وكان السلفيُّ لا يقول لأحد: الحافظ، إلا لعبد الغني، وكان مجتهدًا على طلب الحديث وسماعه للناس من قريب وغريب، فكان كل غريب يأتي يسمع عليه، أو يعرف أنه يطلب الحديث، يكرمه، ويبره، ويحسن إليه إحسانًا كثيرًا، وأحيا به الله حديث رسوله ﵇.
قال الحافظ إبراهيم العراقي: ما رأيت الحديث كله في الشام إلا ببركته، وذكر أنه كان يفضل الرحلة للسماع على غزو، وعلى سائر النوافل، وكان يقرأ الحديث ويبكي ويُبكي الناس. قال بعض المصريين: ما كنا إلا مثل الأموات حتى جاء الحافظ، فأخرجنا من القبور. قال موفق الدين: كمل الله فضيلته بابتلائه بأذى أهل البدعة، وعداوتِهم إياه، وقيامهم عليه، إلا أنه لم يُعَمَّر حتى يبلغ غرضه في رواية الأحاديث ونشرها ﵀. وكان لا يكاد يضيع شيئًا من زمانه بلا فائدة، وكان يقول: تعال! حتى نحافظ على الوضوء لكل صلاة، قال أيضًا: وكان يستعمل السواك كثيرًا حتى كأن أسنانه البَرَد، وكان لا يرى منكرًا إلا غيره بيده أو لسانه، وكان لا تأخذه في الله لومة لائم، ولقد رأيته مرة يهريق خمرًا، فجبذ صاحبُه السيفَ، فلم يخف من ذلك، وأخذه من يده، وكان - رح - قويًا في بدنه، قويًا في أمر الله، وكثيرًا ما كان يكسر الطنابير والشبابات بدمشق، وكان قد وضع الله له الهيبة في قلوب الخلق، وأنه دخل يومًا على الملك العادل، فلما رآه، قام له، فقال الناس: آمنا بكرامتك يا حافظ. وذكروا أن العادل قال: ما خفتُ من أحد ما خفتُ من هذا، فقلنا: أيها الملك! هذا رجل فقيه، أيش خفت من هذا؟ قال: لما دخل، ما خُيل إليَّ إلا أنه سَبعُ: يريد أن يأكلني، فقلنا: هذه كرامة الحافظ.
стр. 204
قال: وما أعرف أحدًا من أهل السنة رأى الحافظَ إلا أحبه حبًا شديدًا، ومدحه مدحًا كثيرًا، وكان ليس بالأبيض الأمهق، بل يميل إلى السمرة، حسنَ الشعر، كثَّ اللحية، واسع الجبين، عظيم الخلق، تام القامة، كأَن النورَ يخرج من وجهه.
وكان قد ضعف بصره من كثرة البكاء والنسخ والمطالعة، ويقول: إنه أبلغ ما يسأل العبد ربه ثلاثة أشياء: ١ - رضوان الله ، ٢ - والنظر إلى وجهه الكريم، ٣ - والفردوس الأعلى. وقال: يقال: إن من العصمة ألا تجد. ثم قال: هي أعظم العصمة؛ فإنها عصمة النبي ﷺ . وسئل: هؤلاء المشايخ يُحكى عنهم من الكرامات ما لا يحكى عن العلماء، أيش السبب في هذا؟ فقال: اشتغال العلماء بالعلم كرامة، أو قال: أتريد للعلماء كرامة أفضل من اشتغالهم بالعلم؟ وقد كان للحافظ كرامات كثيرة، ذكر بعضها ابن رجب في "الطبقات"، وذكر الضياء أشياء كثيرة منها.
وقال الحافظ: رأيت النبي ﷺ في النوم يمشي وأنا أمشي خلفه، إلا أن بيني وبينه رجلاً. وعن رجل فقيه - وكان ضريرًا يبغض الحافظ -، فرأى النبيَّ ﷺ في النوم ومعه الحافظ، ويده في يده في جامع عمرو بن العاص، وهما يمشيان، وهو يقول له: يا رسول الله! حدثت عنك بالحديث الفلاني، والنبي ﷺ يقول: صحيح، حتى عدد مئة حديث، فأصبح، فتاب من بغضه.
وقال آخر: رأيت الحافظ في النوم يمشي مستعجلاً، فقلت: إلى أين؟ قال: أزور النبي ﷺ ، فقلت: وأين هو؟ قال: في المسجد الأقصى، فإذا النبيُّ ﷺ وعنده أصحابه، فلما رأى الحافظ، قام له النبي ﷺ ، وأجلسه إلى جانبه، قال: فبقي الحافظ يشكو إليه ما لقي، ويبكي، ويقول: يا رسول الله! كذبت في الحديث الفلاني، والحديث الفلاني، والنبي ﷺ يقول: صدقتَ يا عبد الغني.
ومن مصنفاته كتاب "المصباح في عيون الأحاديث الصحاح" أربعون جزءًا، يشتمل على أحاديث "الصحيحين"، وكتاب "الصفات"، وكتاب "محنة الإمام أحمد"، وكتاب "العمدة في الأحكام" مما اتفق عليه البخاري ومسلم، وكتاب
стр. 205
"النصيحة في الأدعية الصحيحة"، وكتاب "الاقتصاد في الاعتقاد"، وكتاب "الكمال في معرفة الرجال" يشتمل على رجال "الصحيحين"، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه في عشر مجلدات، وفيه إسناده وذكر الضياء محنَ الحافظ، منها: أن الحافظ قال: كنا بالموصل نسمع "الجرح والتعديل" للعقيلي، فأخذني أهل الموصل، وحبسوني في دار، وأرادوا قتلي من أجل ذكر أبي حنيفة فيه، وجاءني رجل طويل، ومعه سيف، فقلت: لعل هذا يقتلني وأستريح، فلم يصنع شيئًا، ثم إنهم أطلقوني. ثم ذكر الضياء طرفًا من فراسته وهي ملحقة بنوع من كراماته، توفي ﵀ في سنة ٦٠٠. ووقع لابن الحنبلي في وفاته وهم، فقال: سنة ٥٩٥. ورثاه غير واحد، منهم: الإمام العلامة محمد بن سعيد المقدسي بقصيدة، أولها:
هذا الذي كنتُ يومَ البينِ احتسبُ ... فليقْضِ دمعُك عني بعضَ ما يجبُ
يا خيرَ من قالَ بعدَ الصحبِ حَدَّثنا ... ومن إليه التُّقى والدينُ ينتسبُ
أحييتَ سُنَّتَه من بعدِ ما دُفنت ... وشِدْتَها وقد انهدَّتْ لها رُتَبُ
وصُنْتَها عن أباطيلِ الرُّواةِ لها ... حتى استنارتْ فلا شَكٌّ ولا رِيَبُ
ما زلتَ تمنحُها أهلاً وتمنَعُها ... من كانَ يُلهيه عنها الثغرُ والشَّنَبُ
روى: أن النور يُرى على قبر الحافظ كل ليلة جمعة. ورأى رجل في النوم: أنه في أرض واسعة، وفيها قوم عليهم ثياب، وهم كثيرون، فقال: ما هؤلاء؟ فقيل له: هؤلاء ملائكة السماء نزلوا لموت الحافظ عبد الغني. وقال الإمام أحمد بن محمد بن عبد الغني: رأيت البارحة الكمال - يعني: عبد الرحيم - في النوم، وعليه ثوب أبيض، فقلت له: يا فلان! أين أنت؟ قال: في جنة عدن، فقلت: أيما أفضل الحافظُ عبدُ الغني أو الشيخ أبو عمرو؟ فقال: ما أدري، وأما الحافظ، فكلَّ ليلة جمعة يُنصب له كرسي تحت العرش، ويُقرأ عليه الحديث، ويُنثر عليه الدر والجوهر، وهذا نصيبي منه، وكان في كمه شيء. وقد ذكروا له غير ذلك من المنامات المرئية له في حياته وبعد مماته، رح.
стр. 206
٢١٨ - عبد المنعم بن عليٍّ بنِ نصرٍ، الحَرَّانيُّ .
قال أبو المظفر سبطُ ابن الجوزي: كان صالحًا دينا نزهًا عفيفًا، كيسًا لطيفًا متواضعًا، كثيرَ الحياء، وكان يزور جدي، ويسمع معنا الحديث، حضرتُ مجالسه، وكان يقصد التجانسَ في كلامه، وسمعته ينشد:
وأَشتاقُكم يا أهلَ وُدِّي وبينَنا ... كما زعمَ البينُ المُشِتُّ فَراسِخُ
فأمَّا الكَرى عن ناظري فمُشَرَّدٌ ... وأَما هواكُم في فؤادي فَراسِخُ
سمع من جماعة من الحفاظ، وأَسمع الكثيرَ، وكتب، وحصَّل، وناظر في مجالس الفقهاء، ودرَّس، وأفاد الطلبة، وله مصنفات حسنة، وكلام في الوعظ بديعٌ، استوطن بغداد لوحشة جرت بينه وبين خطيب حران ابن تيمية. قال ابن النجار، توفي سنة ٦٠١.
٢١٩ - محمد بن أحمد بن حامد الإرتاحي المصريُّ .
ولد سنة ٥٠٧ تخمينًا، وسمع بمصر، وحدث بها بشيء كثير، قال المنذري: كتب عنه جماعة من الحفاظ وغيرهم من أهل البلد، والواردين عليها، حدَّثوا عنه، وهو أول شيخ سمعتُ منه الحديث. ونعتَه أبو الثناء، فقال: هو من بيت القرآن والحديث والصلاح، توفي سنة ٦٠١.
٢٢٠ - عبد الرزاق بن الشيخ عبدِ القادرِ الجيلي البغدادي، المحدثُ، الحافظُ .
ولد سنة ٥٢٨، وسمع الكثير بإفادة والده، وبنفسه من ابن صرما، والحافظ ابن ناصر، وابن البناء، وأبي الوقت، وطبقتهم، وعني بهذا الشأن، وكانت معرفته بالحديث غلبت على معرفته بالفقه. قال ابن نقطة: كان حافظًا ثقة مأمونًا، قال الحافظ الضياء: لم أر ببغداد في تيقظه وتحريه مثله. قال ابن النجار: كان حافظًا متقنًا صدوقًا، حسن المعرفة بالحديث، فقيهًا على مذهب الإمام أحمد، ثنى عليه أبو شامة، وذكره الذهبي، وقال: حدث عنه الدبيتي، وابن النجار، والضياء المقدسي، وآخرون، توفي سنة ٦٠٣.
стр. 207
٢٢١ - عبد الرحمن بن عيسى، البزوريُّ، المحدث، الواعظ .
ولد سنة ٥٣٩. سمع من أبي الوقت، وابن الجوزي يذكر على الكرسي: أن الثعبان لم يلاع أبا بكر الصديق، ولم يصح ذلك، وذكر ذلك لابن الجوزي، فقال: إن هذا الحديث ذكره اللالكائي، وكان من سادة أهل الحديث. قال ابن النجار: تفقه على مذهب الإمام أحمد.
٢٢٢ - محمد بن النفيس بن مسعود السلامي، الطحانُ، الفقيهُ، الأديبُ .
ولد سنة ٥٥٣، قرأ القرآن، وسمع الحديث من الأقران، قال المنذري: حدث بشيء من تآليفه، ومن شعره:
رقَّ يا مَنْ قلبُه حجرٌ ... لجفونٍ حَشْوُها سَهَرُ
ولجسمٍ ما لِناظره ... منهُ إلا الرسمُ والأَثَرُ
فغرامي لو تَحَمَّلَه ... صخرُ رَصْوى كاد ينفطر
إنَّ لومي في هواك لَمِنْ ... شَرِّ ما يأتي به القَدَرُ
كم رأينا وجنةً فتنت ... فمحا أثارها الشَّعَرُ
صِلْ ووجْهُ الدهرِ متبلٌ ... فزمانُ الوَصلِ مُخْتَصَرُ
توفي سنة ٦٠٤.
٢٢٣ - عبد الله بن أبي الحسن بنِ أبي الفرج، الجَيَّانيُّ، الطَّرابُلُسيُّ، الفقيهُ، الزاهدُ .
قال القطيعي: سألته عن مولده، فقال: سنة ٥٢١ تقريبًا. قرأ القرآن، وسمع الحديث، ورجع إلى بغداد، فسمع حديثها، ولقي مشايخها، وصحب الشيخ عبد القادر الجيلي مدةٍ مائلاً إلى الزهد والصلاح، والخير والانقطاع. قال ابن النجار: وكان يومًا يتكلم في الإخلاص والرياء والعجب، وأنا حاضر في المجلس، فخطر في نفسي: كيف الخلاصُ من العجب؟ فالتفت إليّ، وقال: إذا رأيت الأشياءَ من الله، وأنه قد وفقك لعمل الخير للخير، وأخرجت نفسك من
стр. 208
البين، سلمتَ من العُجْب، قال: حدثني الشيخ طلحة: أنه رأى النبي ﷺ في المنام، فقال: يا رسول الله! أيثاب الرجل على قراءة القرآن؟ فقال: نعم، فقلت: بفهم أو بغير فهم؟ قال: بفهم وبغير فهم، قلت: كلام الله بحرف وصوت؟ قال: وهل يكون كلامٌ بغير حرف وصوت؟ قاله ثلاثًا، قال: وهذا المنام عندي بخط الشيخ طلحة. وحدثني الجياني ببغداد وأصبهان، وروى عنه ابن الجوزي عدة منامات في كتبه. توفي سنة ٦٠٥، ذكره ابن نقطة، والمنذري، والقطيعي.
٢٢٤ - أسعد، ويسمى: محمد بن المنجا بنِ بركات، التنوخيُّ المعريُّ، الدمشقيُّ، القاضي، وجيهُ الدين، أبو المعالي .
ولد سنة ٥١٩. سمع بدمشق، وتفقه على مذهب أحمد مدة، وروى عنه جماعة، منهم: الحافظ المنذري، وابن النجار. توفي سنة ٦٠٦.
قال الشيخ موفق الدين: حدثنا ابن المنجا، قال: كنت يومًا عند الشيخ أبي البيان، وقد جاءه ابن تميم، فقال: ويحك! الحنابلة إذا قيل لهم: من أين لكم أن القرآن بحرف وصوت؟ قالوا: قال الله تعالى: الم، حم، كهيعص، وقال النبي ﷺ : لا أقول: "الْمَ حرف، ألفٌ حرف، ولامٌ حرف، وميمٌ حرف"، أو كما قال، وأنتم إذا قيل لكم: من أين قلتم: إن القرآن معنى في النفس؟ قلتم: قال الأخطل:
إنَّ الكلامَ لَفي الفؤادِ وإنَّما ... جُعِلَ اللسانُ على الفؤادِ دَليلا
فالحنابلة أتوا بالكتاب والسنة، وقالوا: قال الله، وقال رسوله، وأنتم قلتم: قال الأخطل - شاعر نصراني خبيث -، أما استحييتم من هذا القبيح؟! جعلتم دينكم مبنيًا على قول نصراني، وخالفتم قول الله وقولَ رسوله ﷺ ، أو كما قال. قال ابن الخشاب: فتشت دواوين الأخطل، فلم أجد هذا البيتَ فيها، قال أبو النصر السجزيم: إنما قال الأخطل: "إن البيان من الفؤاد"، فحرفوه وقالوا: إن الكلام .......
стр. 209
٢٢٥ - محمد بن أحمد بنِ محمدِ بنِ قدامةَ بنِ مقدام، الجماعيليُّ، المقدسيُّ الدمشقيُّ، المحدثُ، الصالح، الزاهد والعابد، أبو عمر .
مولده سنة ٥٢٨. حفظ القرآن، وسمع الحديث من جماعة من حفاظ الزمان، وحدث وسمع منه جماعات، منهم: الضياء، والمنذري، وكان سريع الكتابة، وربما كتب في اليوم كراسين بالقطع الكبير. قال الضياء: وكان لا يكاد يسمع دعاء إلا حفظه، وعمل به، مات وهو عاقد على أصبعه يسبح، وكان لا يكاد يسمع بجنازة إلا حضرها، ولا بمريض إلا عاده، ولا جهادٍ إلا خرج فيه، وكان يزور القبور كلَّ جمعة بعد العصر، ولا ينام إلا على وضوء، ويحافظ على سنن وأذكار عند نومه، ولا يترك غُسل الجمعة، ويلبس الخشن، وينام على الحصير، وكان ثوبه إلى نصف ساقه، وكُمُّه إلى رُسْغِه، وكان له هيبة عظيمة في القلوب، واستسقى، ودعا مرة، فجاء المطر حينئذ، وجرت الأودية، وله كرامات كثيرة يطول ذكرها. قال سبط ابن الجوزي في "مرآة الزمان": كان معتدل القامة، حسن الوجه، عليه أنوار العبادة، لم يَنْهَر أحدًا، ولم يوجع قلب أحد، وكان يقول: أنا زاهد، لكن في الحرام.
بنى المدرسة والمصنع بعلو همته، وكان مجاب الدعوة، وما كتب لأحد ورقة للحُمَّى إلا وشفاه الله تعالى، وفضائله غزيرة. وقال غيره: له آثار جميلة. قال أبو المظفر: كان على مذهب السلف الصالح، حسنَ العقيدة، متمسكًا بالكتاب والسنة والآثار المروية، ويُمِرُّها كما جاءت، من غير طعن على أئمة الدين، وعلماء المسلمين، وينهى عن صحبة المبتدعين، ويأمر بصحبة الصالحين، وأنشد لنفسه:
أَلَم يكُ ملهاةً عن اللهوِ أنني ... بدا في شيبُ الرأس والضعفُ والألمُ
ولما كان - عشية الاثنين ثامن عشر ربيع الأول سنة ٦٠٧، جمع أهله، واستقبل القبلة، ووصاهم بتقوى الله ومراقبته، وأمرهم بقراءة يس، وكان آخر كلامه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] وتوفي رح. ولما خرجوا بجنازته، وكان يومًا شديد الحر، أقبلت غمامة، فأظلت الناسَ
стр. 210
إلى قبره، وكان يُسمع منها دوي كدوي النحل، ولم يخلف دينارًا ولا درهمًا، لا قليلاً ولا كثيرًا، وحزر من حضر جنازته فكانوا عشرين ألفًا، وقرأ بعضهم عند قبره سورة الكهف، فسمع من القبر يقول: "لا إله إلا الله"، وذكر له عدة منامات، ورأى بعض الصلحاء الإمام الشافعي في المنام، فسأله: إلى أين تمضي؟ فقال أزور أحمدَ بن حنبل، فاتبعته أنظر ما يصنع، فدخل دارًا؛ فسألت: لمن هي؟ فقيل: للشيخ أبي عمر. ورثاه الأديب العلامة محمد بن سعد المقدسي بقصيدة منها:
أَبَعْدَ أَن فقدت عيني أَبا عمرٍ ... يَضُمُّني في بقايا العُمر عُمرانُ
ما للمساجدِ منه اليوم مقفرةً ... كأنها بعدَ ذاك الجمع قِيعانُ
ما للمحاريبِ بعدَ الأُنس موحِشة ... كأن لم يُتْلَ فيها الدهرَ قرآنُ
تبكي عليه عيونُ الناس قاطبةً ... إذ كان في كلَّ عينٍ منه إنسانُ
وكان في كلِّ قلبٍ منه نورُ هُدًى ... فصار في كلِّ قلبٍ منه نِيرانُ
لا زالَ يسقي ضريحًا أنت ساكنُهُ ... وكلُّ ميت رآه فهو فرحانُ
وكلَّ حيّ رأينا فهو ذو أَسَفٍ ... سحائبٌ غيثُها عفوٌ وغفرانُ
كم مَيَّتٍ ذكرُه حيٌّ، ومتصفٌ ... بالحيِّ مَيْتٌ، له الأثوابُ أكفانُ
قال ابن الحنبلي: سمعت والدي يقول: لو كان نبي يُبعث في زمان الشيخ أحمد بن قدامة، كان هو.
٢٢٦ - إسمعيل بن علي بنِ حسين، البغداديُّ، الأزجيُّ، المأمونيُّ، الفقيهُ، الأصوليُّ المناظرُ، المتكلمُ، يعرف بابن الوفا، وبابن الماشطة .
ولد سنة ٥٤٩. سمع الحديث من ابن المني، برع في الفقه والخلاف والأصلين، والنظر والجدل، ودرَّس وحدَّث، وسمع منه جماعة، وقد حطَّ عليه أبو شامة، ونسبه إلى الظلم في ولايته، قال ابن رجب: وأظنه أخذ ذلك من "مرآة الزمان"، وكذلك ابن النجار صنف كتابًا سماه: "نواميس الأنبياء"، يذكر فيه أنهم كانوا حكماء؛ كهرمس الهرامسة، وأرسطاطاليس، ونعوذ بالله من ذلك، وكان دائمًا يقع في الحديث، وفي رواته، ويقول: هم جهال لا يعرفون العلوم
стр. 211
العقلية، ولا معاني الأحاديث الحقيقية، بل هم مع اللفظ الظاهر، ويذمهم، ويطعن عليهم، انتهى. وأقول: وهكذا شيمة أهل العقول قديمًا وحديثًا في طعنهم أصحاب المنقول وأرباب الحديث، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] ومن شعره:
دليلٌ على حِرْصِ ابنِ آدمَ أنَّه ... ترى كَفَّه مضمومةً وقتَ وَضْعِهِ
ويبسطُها عندَ المماتِ إشارةً ... إلى صفرِها مما حوى بعدَ جمعِهِ
توفي - رحمه الله تعالى - سنة ٦١٠، كذا ذكره ابن القادسي، وأبو شامة، وغيرهما.
٢٢٧ - عبد السلام بن عبد الوهاب بنِ الشيخ عبد القادر الجيلانيّ، البغداديّ .
ولد سنة ٥٤٨، وسمع الحديث من جده، وقرأ بنفسه، وكتب بخطه - وخطه رديء -، وتفقه على أبيه، ودرَّس، وكان أديبًا كَيِّسًا مطبوعًا، عارفًا بالمنطق والفلسفة وغير ذلك من العلوم الرِدَّيَّة، وبسبب ذلك نسب إلى عقيدة الأوائل، وكان غيرَ ضابط للسانه، ولا مشكورًا في طريقته وسيرته، يُرمى بالفواحش والمنكرات، وقد جرت عليه محنة في أيام الوزير ابن يونس، وأُحرقت كتبه، وفي بعضها مخاطبة زحل: أيها الكوكب المضيء! أنت تدير الأفلاك، وتحيي وتميت، وأنت إلهنا، وفي حق المريخ من هذا الجنس، فقال ابن يونس: هذا خطك؟ قال: نعم، قال: لم كتبته؟ قال: لأرد على قائله ومن يعتقده، فأمر بإحراق كتبه، وأُودع في الحبس مدة، ولما أُفرج عنه، أخذ خطه: بأنه يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن الإسلام حق، وما كان فيه باطل، وأُطلق. توفي سنة ٦١١.
٢٢٨ - عبد العزيز بن محمود بنِ المباركِ، تقيُّ الدين، يعرف بابن الأخضر الجنابذي، البغداديُّ، البزازُ، المحدثُ، الحافظ، محدثُ العراق .
ولد سنة ٥٢٤. أول سماعه بإفادة أبيه وأستاذه ابن بكروس، وسمع هو بنفسه عن ابن البناء، وابن ناصر الحافظ، وأبي الوقت، وطبقِتهم، ومَنْ بعدهم. وبالغ
стр. 212
في الطلب، وقرأ بنفسه، وكتب بخطه، وحصَّل الأصول، وأخذ علم الحديث، ولم يزل يسمع ويقرأ على الشيوخ لإفادة الناس إلى آخر عمره. قال ابن النجار: لم يكن في أقرانه أكثر سماعًا منه، ولا أحسن أصولاً كأنها الشمس وضوحًا، وعليها أنوار الصدق، وبارك الله له بالرواية، حتى حدث بجميع مروياته، صحبتُه مدة طويلة، وقرأت عليه في حلقته، وكان ثقة نبيلاً. وقال ابن نقطة: منه تعلمنا واستفدنا، وما رأينا مثله. وقال ابن الدبيتي: جمع الحديث، وبوَّب، وخرَّج، وكان صدوقًا له معرفة بهذا الشأن، ونعمَ الشيخُ كان.
قال أبو شامة: صنف الكتب الحسان، وتصانيفه تدل على فهمه وضبطه وحسن معرفته. قال المنذري: حدث نحوًا من ستين سنة، وانتفع به جماعة، ولنا منه إجازة، وكان حافظ العراق في وقته، له جزء تتبع فيه الأوهام التي ذكرها الخطيب للأئمة، وأجاب عنها، وفي بعض أجوبته تعسُّف شديد، وبعضها لا يوافق عليه البتة، ولا يحتمله اللفظ بحال، وفي بعضها فوائد حسنة. توفي سنة ٦١١.
٢٢٩ - عبد القادر بن عبد الله الفهميُّ، الرهاويُّ، ثم الحرانيُّ، المحدثُ، الحافظُ، الرحالُ؛ محدث الجزيرة .
ولد سنة ٥٣٦. سمع من جماعات الحفاظ في بلاد كثيرة، وسمع منه جماعات أيضًا ذكر ابن رجب أساميهم، وكان يمشي في أسفاره على قدميه، وكتبه محمولة مع الناس، وكتب بخطه الكثير من الكتب والأجزاء، وولي بالموصل مشيخة دار الحديث وحدث بها بأكثر مسموعاته، ثم انتقل منها إلى حران، وسكنها إلى حين وفاته، أثنى عليه ابن نقطة، وابن الدبيتي، وابن خليل، وقال: ختم به علم الحديث. وقال ابن النجار: كان على طريقة السلف الصالح، قال المنذري: لنا منه إجازة، وقال أبو شامة: له تصانيف في الحديث. قال الذهبي: له أوهام نبهتُ على مواضعَ منها في "الأربعين" له، وحدث بالإسكندرية في حياة السلفي، توفي ﵀ سنة ٦١٢.
стр. 213
٢٣٠ - عبد المنعم بنُ محمدِ بنِ الحسين .
ولد سنة ٥٥٠، برع في الفقه والأصول والخلاف والجدل، ودرَّس، وأم الناس في الصلاة.
قال ابن النجار: سمع معنا أخيرًا من مشايخنا فأكثر، حدَّث بيسير، وأفتى، وقد روى عنه ابن الساعي بالإجازة، وقال: أنشدني هذين البيتين:
إذا أفادَكَ إنسانٌ بفائدةٍ ... من العلوم فأظهرْ شكرَها أَبَدا
وقلْ فلانٌ جزاه الله صالحةً ... أفادنيها وألقِ الكبرَ والحسدا
وتوفي سنة ٦١٢.
٢٣١ - أبو الفتح محمد بنُ عبد الغني بنِ عبدِ الواحد، الحافظُ، ويلقب: عز الدين .
ولد سنة ٥٦٦ بدمشق، واسمعه بها والده في صغره من أبي المعالي، وارتحل إلى بغداد وأصبهان، وسمع بها من حفاظها، وسمع من ابن الجوزي "مسند الإمام أحمد"، وقرأ على أبي البقاء الفقه واللغة، وسمع بمصر من البوصيري.
قال ابن النجار: سمعنا منه وبقراءته كثيرًا، وكتبَ بخطه كثيرًا، وحصَّل كثيرًا من الأصول شراء، واستنسخ كثيرًا، وكان من أئمة المسلمين، حافظًا للحديث متنًا وإسنادًا، عارفًا بمعانيه وغريبه ومشكله، مع صدق وأمانة وحسن طريقة.
قال الحافظ الضياء: وكان غزير الدمعة عند القراءة، وكان يقرأ الحديث للناس كل ليلة جمعة، وخرَّج التخاريج، روى عنه: ابناه، والحافظ ضياء الدين، وابن النجار.
توفي سنة ٦١٣. رُئي له منامات صالحة متعددة، منها: أنه رئي في المنام بعد موته - وكأن وجهَه البدر - قال الرائي: ما رأيت أحدًا في الدنيا على صورته، وله شعر باين من تحت عمامته، لم أر شعرًا مثل سواده، فقلت له: يا عز الدين! كيف أنت؟ قال: أنا وأنت من أهل الجنة. ورآه آخر، فقال له: بالله عليك! ماذا
стр. 214
لقيت من ربك؟ قال: كل خير جميل. رآه آخر، فقال له: جاء إليَّ النبي ﷺ ، فقضى لي كل حاجة، وفي حديث عبادة بن الصامت: أن النبي ﷺ قال: "رؤيا المؤمن جزءٌ من ستة وأربعين جزءًا من النبوة" رواه مسلم، وأبو داود الطيالسي، ورواه ابن رجب بسنده عن المترجَم له.
٢٣٢ - إبراهيم بن عبد الواحد أخو الحافظ عبد الغني الجماعيلي .
ولد سنة ٥٤٣. وكان يقول: أخي عبد الغني أكبر مني بسنتين، برع وناظر وأفتى، وأقبل على نفع الناس، كان داعية إلى السنة وتعليم القرآن والدين، وكان يُقرىء الضعفاء القرآن، ويطعمهم، وكان من أكثر الناس تواضعًا، واحتقارًا لنفسه، وخوفًا من الله تعالى.
وما أعلم أنني رأيت أحدًا أشدَّ خوفًا منه، وكان كثير الدعاء، ويطيل الركوع والسجود، ويقصد أن يقتدي بصلاة رسول ﷺ ، ونقلت له كرامات كثيرة، ولقد صحبه جماعة من أنواع المذاهب، فرجعوا عن مذاهبهم لما شاهدوا منه، وكان لا يكاد يفتر عن الأشتغال إما بالقرآن أو بالحديث، وما أعلم أنه أدخل نفسه في شيء من أمر الدنيا، ولا تعرض له، ولا نافس فيها.
وكان كثير الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وكان داعية إلى اتباع السنة.
ذكر له ابن رجب ترجمة حسنة طويلة مشتملة على سيره الجميلة. وذكره أبو المظفر سبطُ ابن الجوزي في "تاريخه"، وأثنى عليه ثناء كثيرًا، وقال: ما تحرك حركة ولا مشى خطوة ولا تكلم بكلمة إلا لله، وكان يحضر مجالسي، ويقول: صلاح الدين يوسف فتح الساحل، وأظهر الإسلام، أنت يوسف أحييت السنة بالشام - يشير إلى كلام جده في إمرار الصفات على ظاهرها، وإثباتها على ما جاءت. توفي سنة ٦١٤، ولما جاءه الموت، جعل يقول: يا حيُّ يا قيوم! قال الضياء: ما رأيت جنازة قط أكثرَ خلقًا منها. وقال سبط ابن الجوزي: وكان يومًا لم يُر في الإسلام مثله، ولما كان الليل، نمت - وأنا متفكر في جنازته -، وذكرت أبياتِ سفيان الثوري التي أنشدها في المنام:
стр. 215
نظرتُ إلى ربي كِفاحًا فقالَ لي ... هنيًا رضايَ عنك يا بنَ سعيدِ
فقد كنتَ قَوَّامًا إذا أقبل الدجى ... بعبرةِ مشتاقٍ وقلبِ عَميدِ
فدونَك فاختر أيَّ قصر أردتَه ... وزُرْني فإني منكَ غيرُ بعيدِ
وقلت: أرجو أن العماد - يعني: إبراهيم المترجَم له - يرى ربه كما رآه سفيان عند نزول حفرته، فنمت، فرأيت العماد في النوم عليه حلة خضراء، وعمامة خضراء، وهو في مكان متسع كأنه روضة، وهو يرقى في درج مرتفعة، فقلت: يا عماد الدين! كيف بت؟ فإني والله متفكر فيك، فنظر إليّ وتبسم على عادته، وقال:
رأيتُ إلهي حين أُنزلْتُ حفرتي ... وفارقتُ أصحابي وأَهلي وجِيرتي
فقالَ جُزيتَ الخيرَ عنَّي فإنني ... رضيتُ، فها عفوي لديكَ ورحمتي
وبتَّ زمانًا تامُلُ الفوزَ والرضا ... فَوُقَّيت نيراني ولُقَّيتَ جنتي
قال: فانتبهت مرعوبًا، وكتبت الأبيات. وأيضًا رئي في النوم على حصان، فقيل له: إلى أين؟ فقال: أزور الجبار . ورآه آخر، فقال: ما فعل الله بك؟ فقال: ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس: ٢٦، ٢٧]، ورآه الإمام عثمان المقدسي يقول: رأيت الحق في النوم، والشيخ عماد عن يمينه، ووجهُه مثل البدر، وعليه لباس ما رأيت مثله. وقال الإمام عبد الحميد المقدسي: شممت من قبره مرتين رائحة طيبة. وقد حدث بالكثير، وسمع منه خلق من الحفاظ والأئمة؛ كالضياء، والمنذري.
٢٣٣ - عبد الرحمن بن عمر بنِ أبي نصر البغداديُّ الواعظُ، يلقب: شهاب الدين .
ولد سنة ٥٤٤، سمع الكثير بإفادة والده، وبنفسه من ابن البناء، وأبي الوقت، وأبي زرعة، وعني بهذا الشأن. قال ابن النجار: وسمعت بقراءته كثيرًا. وحدَّث، وسمع منه جماعة، وأجاز للمنذري.
توفي سنة ٦١٥، ورأيته في المنام وعليه ثياب فاخرة، فسألته: ما فعل الله