← Тараджим

Тараджим · id 17349

التاج المكلل من جواهر مآثر الطراز الآخر والأول

صديق حسن خان

Полный текст (544 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

العقلية، ولا معاني الأحاديث الحقيقية، بل هم مع اللفظ الظاهر، ويذمهم، ويطعن عليهم، انتهى. وأقول: وهكذا شيمة أهل العقول قديمًا وحديثًا في طعنهم أصحاب المنقول وأرباب الحديث، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] ومن شعره: دليلٌ على حِرْصِ ابنِ آدمَ أنَّه ... ترى كَفَّه مضمومةً وقتَ وَضْعِهِ ويبسطُها عندَ المماتِ إشارةً ... إلى صفرِها مما حوى بعدَ جمعِهِ توفي - رحمه الله تعالى - سنة ٦١٠، كذا ذكره ابن القادسي، وأبو شامة، وغيرهما. ٢٢٧ - عبد السلام بن عبد الوهاب بنِ الشيخ عبد القادر الجيلانيّ، البغداديّ . ولد سنة ٥٤٨، وسمع الحديث من جده، وقرأ بنفسه، وكتب بخطه - وخطه رديء -، وتفقه على أبيه، ودرَّس، وكان أديبًا كَيِّسًا مطبوعًا، عارفًا بالمنطق والفلسفة وغير ذلك من العلوم الرِدَّيَّة، وبسبب ذلك نسب إلى عقيدة الأوائل، وكان غيرَ ضابط للسانه، ولا مشكورًا في طريقته وسيرته، يُرمى بالفواحش والمنكرات، وقد جرت عليه محنة في أيام الوزير ابن يونس، وأُحرقت كتبه، وفي بعضها مخاطبة زحل: أيها الكوكب المضيء! أنت تدير الأفلاك، وتحيي وتميت، وأنت إلهنا، وفي حق المريخ من هذا الجنس، فقال ابن يونس: هذا خطك؟ قال: نعم، قال: لم كتبته؟ قال: لأرد على قائله ومن يعتقده، فأمر بإحراق كتبه، وأُودع في الحبس مدة، ولما أُفرج عنه، أخذ خطه: بأنه يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن الإسلام حق، وما كان فيه باطل، وأُطلق. توفي سنة ٦١١. ٢٢٨ - عبد العزيز بن محمود بنِ المباركِ، تقيُّ الدين، يعرف بابن الأخضر الجنابذي، البغداديُّ، البزازُ، المحدثُ، الحافظ، محدثُ العراق . ولد سنة ٥٢٤. أول سماعه بإفادة أبيه وأستاذه ابن بكروس، وسمع هو بنفسه عن ابن البناء، وابن ناصر الحافظ، وأبي الوقت، وطبقِتهم، ومَنْ بعدهم. وبالغ

стр. 212

في الطلب، وقرأ بنفسه، وكتب بخطه، وحصَّل الأصول، وأخذ علم الحديث، ولم يزل يسمع ويقرأ على الشيوخ لإفادة الناس إلى آخر عمره. قال ابن النجار: لم يكن في أقرانه أكثر سماعًا منه، ولا أحسن أصولاً كأنها الشمس وضوحًا، وعليها أنوار الصدق، وبارك الله له بالرواية، حتى حدث بجميع مروياته، صحبتُه مدة طويلة، وقرأت عليه في حلقته، وكان ثقة نبيلاً. وقال ابن نقطة: منه تعلمنا واستفدنا، وما رأينا مثله. وقال ابن الدبيتي: جمع الحديث، وبوَّب، وخرَّج، وكان صدوقًا له معرفة بهذا الشأن، ونعمَ الشيخُ كان. قال أبو شامة: صنف الكتب الحسان، وتصانيفه تدل على فهمه وضبطه وحسن معرفته. قال المنذري: حدث نحوًا من ستين سنة، وانتفع به جماعة، ولنا منه إجازة، وكان حافظ العراق في وقته، له جزء تتبع فيه الأوهام التي ذكرها الخطيب للأئمة، وأجاب عنها، وفي بعض أجوبته تعسُّف شديد، وبعضها لا يوافق عليه البتة، ولا يحتمله اللفظ بحال، وفي بعضها فوائد حسنة. توفي سنة ٦١١. ٢٢٩ - عبد القادر بن عبد الله الفهميُّ، الرهاويُّ، ثم الحرانيُّ، المحدثُ، الحافظُ، الرحالُ؛ محدث الجزيرة . ولد سنة ٥٣٦. سمع من جماعات الحفاظ في بلاد كثيرة، وسمع منه جماعات أيضًا ذكر ابن رجب أساميهم، وكان يمشي في أسفاره على قدميه، وكتبه محمولة مع الناس، وكتب بخطه الكثير من الكتب والأجزاء، وولي بالموصل مشيخة دار الحديث وحدث بها بأكثر مسموعاته، ثم انتقل منها إلى حران، وسكنها إلى حين وفاته، أثنى عليه ابن نقطة، وابن الدبيتي، وابن خليل، وقال: ختم به علم الحديث. وقال ابن النجار: كان على طريقة السلف الصالح، قال المنذري: لنا منه إجازة، وقال أبو شامة: له تصانيف في الحديث. قال الذهبي: له أوهام نبهتُ على مواضعَ منها في "الأربعين" له، وحدث بالإسكندرية في حياة السلفي، توفي ﵀ سنة ٦١٢.

стр. 213

٢٣٠ - عبد المنعم بنُ محمدِ بنِ الحسين . ولد سنة ٥٥٠، برع في الفقه والأصول والخلاف والجدل، ودرَّس، وأم الناس في الصلاة. قال ابن النجار: سمع معنا أخيرًا من مشايخنا فأكثر، حدَّث بيسير، وأفتى، وقد روى عنه ابن الساعي بالإجازة، وقال: أنشدني هذين البيتين: إذا أفادَكَ إنسانٌ بفائدةٍ ... من العلوم فأظهرْ شكرَها أَبَدا وقلْ فلانٌ جزاه الله صالحةً ... أفادنيها وألقِ الكبرَ والحسدا وتوفي سنة ٦١٢. ٢٣١ - أبو الفتح محمد بنُ عبد الغني بنِ عبدِ الواحد، الحافظُ، ويلقب: عز الدين . ولد سنة ٥٦٦ بدمشق، واسمعه بها والده في صغره من أبي المعالي، وارتحل إلى بغداد وأصبهان، وسمع بها من حفاظها، وسمع من ابن الجوزي "مسند الإمام أحمد"، وقرأ على أبي البقاء الفقه واللغة، وسمع بمصر من البوصيري. قال ابن النجار: سمعنا منه وبقراءته كثيرًا، وكتبَ بخطه كثيرًا، وحصَّل كثيرًا من الأصول شراء، واستنسخ كثيرًا، وكان من أئمة المسلمين، حافظًا للحديث متنًا وإسنادًا، عارفًا بمعانيه وغريبه ومشكله، مع صدق وأمانة وحسن طريقة. قال الحافظ الضياء: وكان غزير الدمعة عند القراءة، وكان يقرأ الحديث للناس كل ليلة جمعة، وخرَّج التخاريج، روى عنه: ابناه، والحافظ ضياء الدين، وابن النجار. توفي سنة ٦١٣. رُئي له منامات صالحة متعددة، منها: أنه رئي في المنام بعد موته - وكأن وجهَه البدر - قال الرائي: ما رأيت أحدًا في الدنيا على صورته، وله شعر باين من تحت عمامته، لم أر شعرًا مثل سواده، فقلت له: يا عز الدين! كيف أنت؟ قال: أنا وأنت من أهل الجنة. ورآه آخر، فقال له: بالله عليك! ماذا

стр. 214

لقيت من ربك؟ قال: كل خير جميل. رآه آخر، فقال له: جاء إليَّ النبي ﷺ ، فقضى لي كل حاجة، وفي حديث عبادة بن الصامت: أن النبي ﷺ قال: "رؤيا المؤمن جزءٌ من ستة وأربعين جزءًا من النبوة" رواه مسلم، وأبو داود الطيالسي، ورواه ابن رجب بسنده عن المترجَم له. ٢٣٢ - إبراهيم بن عبد الواحد أخو الحافظ عبد الغني الجماعيلي . ولد سنة ٥٤٣. وكان يقول: أخي عبد الغني أكبر مني بسنتين، برع وناظر وأفتى، وأقبل على نفع الناس، كان داعية إلى السنة وتعليم القرآن والدين، وكان يُقرىء الضعفاء القرآن، ويطعمهم، وكان من أكثر الناس تواضعًا، واحتقارًا لنفسه، وخوفًا من الله تعالى. وما أعلم أنني رأيت أحدًا أشدَّ خوفًا منه، وكان كثير الدعاء، ويطيل الركوع والسجود، ويقصد أن يقتدي بصلاة رسول ﷺ ، ونقلت له كرامات كثيرة، ولقد صحبه جماعة من أنواع المذاهب، فرجعوا عن مذاهبهم لما شاهدوا منه، وكان لا يكاد يفتر عن الأشتغال إما بالقرآن أو بالحديث، وما أعلم أنه أدخل نفسه في شيء من أمر الدنيا، ولا تعرض له، ولا نافس فيها. وكان كثير الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وكان داعية إلى اتباع السنة. ذكر له ابن رجب ترجمة حسنة طويلة مشتملة على سيره الجميلة. وذكره أبو المظفر سبطُ ابن الجوزي في "تاريخه"، وأثنى عليه ثناء كثيرًا، وقال: ما تحرك حركة ولا مشى خطوة ولا تكلم بكلمة إلا لله، وكان يحضر مجالسي، ويقول: صلاح الدين يوسف فتح الساحل، وأظهر الإسلام، أنت يوسف أحييت السنة بالشام - يشير إلى كلام جده في إمرار الصفات على ظاهرها، وإثباتها على ما جاءت. توفي سنة ٦١٤، ولما جاءه الموت، جعل يقول: يا حيُّ يا قيوم! قال الضياء: ما رأيت جنازة قط أكثرَ خلقًا منها. وقال سبط ابن الجوزي: وكان يومًا لم يُر في الإسلام مثله، ولما كان الليل، نمت - وأنا متفكر في جنازته -، وذكرت أبياتِ سفيان الثوري التي أنشدها في المنام:

стр. 215

نظرتُ إلى ربي كِفاحًا فقالَ لي ... هنيًا رضايَ عنك يا بنَ سعيدِ فقد كنتَ قَوَّامًا إذا أقبل الدجى ... بعبرةِ مشتاقٍ وقلبِ عَميدِ فدونَك فاختر أيَّ قصر أردتَه ... وزُرْني فإني منكَ غيرُ بعيدِ وقلت: أرجو أن العماد - يعني: إبراهيم المترجَم له - يرى ربه كما رآه سفيان عند نزول حفرته، فنمت، فرأيت العماد في النوم عليه حلة خضراء، وعمامة خضراء، وهو في مكان متسع كأنه روضة، وهو يرقى في درج مرتفعة، فقلت: يا عماد الدين! كيف بت؟ فإني والله متفكر فيك، فنظر إليّ وتبسم على عادته، وقال: رأيتُ إلهي حين أُنزلْتُ حفرتي ... وفارقتُ أصحابي وأَهلي وجِيرتي فقالَ جُزيتَ الخيرَ عنَّي فإنني ... رضيتُ، فها عفوي لديكَ ورحمتي وبتَّ زمانًا تامُلُ الفوزَ والرضا ... فَوُقَّيت نيراني ولُقَّيتَ جنتي قال: فانتبهت مرعوبًا، وكتبت الأبيات. وأيضًا رئي في النوم على حصان، فقيل له: إلى أين؟ فقال: أزور الجبار . ورآه آخر، فقال: ما فعل الله بك؟ فقال: ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس: ٢٦، ٢٧]، ورآه الإمام عثمان المقدسي يقول: رأيت الحق في النوم، والشيخ عماد عن يمينه، ووجهُه مثل البدر، وعليه لباس ما رأيت مثله. وقال الإمام عبد الحميد المقدسي: شممت من قبره مرتين رائحة طيبة. وقد حدث بالكثير، وسمع منه خلق من الحفاظ والأئمة؛ كالضياء، والمنذري. ٢٣٣ - عبد الرحمن بن عمر بنِ أبي نصر البغداديُّ الواعظُ، يلقب: شهاب الدين . ولد سنة ٥٤٤، سمع الكثير بإفادة والده، وبنفسه من ابن البناء، وأبي الوقت، وأبي زرعة، وعني بهذا الشأن. قال ابن النجار: وسمعت بقراءته كثيرًا. وحدَّث، وسمع منه جماعة، وأجاز للمنذري. توفي سنة ٦١٥، ورأيته في المنام وعليه ثياب فاخرة، فسألته: ما فعل الله

стр. 216

بك؟ قال: غفر لي، وقليل العمل ينفع عند الله، وسألته عن عذاب القبر، أحق هو؟ قال: لا، فقلت مرة ثانية: عذابُ القبر حقّ؟ وجبذته كالمنكِر عليه، فقال: أنا ما، فما رأيتُه، فقلت له: فمنكر نكير؟ قال: إي واللهِ حق، نزلا عليّ، وسألاني - رحمة الله عليه -. ٢٣٤ - أحمد بن أحمد بنِ كرم، الحافظُ المحدِّثُ، المعدِّلُ، يعرف بابن البنديجي . ولد سنة ٥٤١، وتلقن القرآن من النهرواني، وقرأ بالروايات على البطائحي، وسمع الحديث الكثير من: أبي الوقت، وابن الشبلي، والشيخ عبد القادر الجبلي، وعُني بهذا الشأن، وكتب بخطه الكثير، وخرَّج، وأفاد، ووسمه جماعة بالحافظ، منهم: المنذري، وأثنى عليه الذهبي. توفي سنة ٦١٥، وفي الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "إن الشيطان قال: وعزتك يا رب! لا أبرحُ أُغوي عبادك ما دامت أرواحُهم في أجسادهم، قال الرب: وعزتي وجلالي! لا أزال أغفرُ لهم ما استغفروني" رواه ابن رجب بسنده عنه متصلاً. ٢٣٥ - عبد الله بن الحسين العكبري، أبو البقاء، الفقيهُ، المفسِّرُ، الفرضيُّ، اللغويُّ، النحويُّ، الضريرُ . ولد سنة ٥٣٨. قرأ القرآن، وسمع الحديث من أبي زرعة المقدسي، وابن هبيرة الوزير، وأخذ النحو عن ابن الخشاب، وبرع في فنون عديدة. وصنف التصانيف الكثيرة، ورحلت إليه الطلبة من النواحي، وكان معيدًا لابن الجوزي في المدرسة، وكان يفتي في تسعة علوم. قال الدبيتي، ونعم الشيخ كان. وقال ابن النجار: قرأت عليه كثيرًا من مصنفاته، وصحبته مدة طويلة، ذَكر لي: أنه بالليل تقرأ زوجته عليه في كتب الأدب وغيرها، وذَكر لي: أنه أضر في صباه في الجدري. وقال: جاء إليّ جماعة من الشافعية، فقالوا: انتقل إلى مذهبنا ونعطيك تدريسَ النحو واللغة بالنظامية، فأقسمت، وقلت: لو أقمتموني، وصببتم عليَّ الذهب حتى أتوارى، ما رجعت عن مذهبي. وله شعر رائق، أخذ عنه العربية

стр. 217

والحديث خلق كثير، وروى عنه الدبيتي، وابن النجار، والضياء، وابن الصيرفي، وبالإجازة جماعة، منهم: الكمال البزار. توفي سنة ٦١٦. وعن ابن عمر قال، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من نزعَ يدًا من طاعة إمام، لقيَ الله ليست له حجة، ومن ماتَ مفارقًا للجماعة، مات ميتةَ الجاهلية" رواه ابن رجب بسنده عنه متصلاً، وذكر عنه فوائد في "طبقاته". ٢٣٦ - محمد بن عبد الله بنِ الحسين السامريُّ، يعرف بابن سنينة . ولد سنة ٥٣٥، برع في الفقه والفرائض، وولي القضاء بسامرة. وتوفي سنة ٦١٦، وفي كتابه "المستوعب والفروق" فوائدُ جليلة، ومسائل غريبة. قال ابن رجب: رأيتُ لابن الوليد المحدث إليه رسالة يعاتبه فيها على قوله: إن أحاديث الصفات لا تقبل؛ لكونها أخبارًا آحادًا، وبسط القول في ذلك على طريقة أهل الحديث، وملأها بالأحاديث والآثار المسندة. ٢٣٧ - نصر بن محمد بنِ علي، أبو الفتوح بن الخضري، الحافظُ، المحدثُ، الزاهدُ، الأديبُ، يلقب: برهان الدين، نزيلُ مكة، وأمام حطيم الحنابلة . ولد سنة ٥٣٦. قرأ القرآن، وسمع الحديث الكثير من أبي الوقت وطبقته، وعني بهذا الشأن، وقرأ بنفسه، وكتب بخطه الكثير، ولم يزل يسمع ويقرأ ويفيد إلى أن علت سنه. أثنى عليه ابن الدبيتي، وابن نقطة، وقال ابن النجار: كان حافظًا حجة نبيلاً، جمَّ الفضائل، كثيرَ المحفوظ، من أعلام الدين، وأئمة المسلمين، قال أبو المظفر: سمعت منه بمكة - في المسجد الحرام -، وكان محدثًا حافظًا عابدًا، قال: إن سماعه ظهر، ولا أعلم أحدًا قال ذلك غيره، توفي سنة ٦١٩ - رحمه الله تعالى -. ٢٣٨ - عبد الله بن محمد بنِ أحمدَ بنِ قدامةَ، المقدسيُّ، شيخُ الإسلام، وأحدُ الأعلام . ولد سنة ٥٤١. قرأ القرآن، واشتغل وسمع، وقرأ عليه جماعة، وانتفع بعلمه طائفة كثيرة.

стр. 218

وكان كثير الحياء، عزوفًا عن الدنيا وأهلها، هينًا بينًا متواضعًا، محبًا للمساكين، من رآه، كأنما رأى بعض الصحابة، وكان كامل العقل، شديد التثبت، دائمَ السكوت، نزهًا ورعًا، عابدًا على قانون السلف، على وجهه النورُ، وعليه الوقار والهيبة، ينتفع الرجل برؤيته قبل أن يسمع كلامه. صنف التصانيف، قصده التلامذة والأصحاب، وسار اسمه في البلاد، واشتهر ذكره، وكان حسنَ المعرفة بالحديث، وله يدٌ في علم العربية. قال عمر بن الحاجب الحافظ في "معجمه": هو إمام الأئمة، ومفتي الأمة، خصه الله بالفضل الوافر، والخاطر الماطر، والعلم الكامل، فأما الحديث، فهو سابق فرسانه، وأما الفقه، فهو فارس ميدانه. وقال أبو شامة: كان شيخ الحنابلة، إمامًا من أئمة المسلمين، وعلمًا من أعلام الدين، سمعت عليه أشياء، ومن أظرف ما حُكي لي عنه: أنه كان يجعل في عمامته ورقة مصرورة فيها رمل يرمل به ما يكتبه للناس من الإجازات وغيرها، أثنى عليه الحافظ الضياء، وأفرد سيرته، وكذلك الذهبيُّ، وقال الضياء: كان إمامًا في القرآن وتفسيره، وفي الحديث ومشكلاته. قال إمام بن غنيمة: ما أعرف أحدًا في زماننا أدرك درجة الاجتهاد إلا الموفق - يعني: المترجم له -، وإن رسول الله ﷺ قال: "ما أنعم الله على عبد نعمةً أفضلَ من أن يُلهمه ذكره"، فقد ثبت بهذا أن إلهام الذكر أفضلُ من الكرامات، وأفضلُ الذكر ما يتعدى نفعُه إلى العباد، وهو تعليم العلم والسنة، وأعظمُ من ذلك ما كان جِبِلَّة وطبعًا؛ كالعلم والكرم والعقل والحياء. وكان لا يكاد يناظر أحدًا إلا وهو متبسم، حتى قال بعض الناس: هذا الشيخ يقتل خصمه بتبسمه، ومن كراماته: ما حكاه سبط ابن الجوزي، قال: قلت في نفسي: لو كان لي قدرة، لبنيت للموفق مدرسة، وأعطيته كل يوم ألف درهم، قال: فجئت بعد أيام، فسلمت عليه، فنظر إليّ وتبسم، وقال: إذا نوى شخص نية، كُتب له أجرُها. وذكر له ابن رجب كرامات أخرى، ثم ذكر تصانيفه، وقال: تصانيفه في

стр. 219

أصول الدين في غاية الحسن، أكثرُها على طريقة أئمة المحدثين، مشحونة بالأحاديث والآثار بالأسانيد كما هي طريقة الإمام أحمد وأئمة الحديث، ولم يكن يرى الخوض مع المتكلمين في دقائق الكلام، ولو كان بالرد عليهم، وهذه طريقة أحمد والمتقدمين، وكان كثيرَ المتابعة للمنقول في باب الأصول وغيره، لا يرى إطلاق ما لم يؤثر من العبارات، ويأمر بالإقرار والإمرار لما جاء في الكتاب والسنة - من الصفات - من غير تفسير ولا تكييف، ولا تمثيل ولا تحريف، ولا تأويل ولا تعطيل. ومن تصانيفه: "البرهان في مسألة القرآن"، و"مسألة العلو"، و"ذم التأويل" و"رسالة إلى الشيخ العالم فخر الدين بن تيمية" في تخليد أهل البدع في النار، و"مسألة في تحريم النظر في كتب أهل الكلام"، و"مختصر العلل" في فن الحديث، و"المغني" في الفقه، و"ذم الوسواس"، و"الروضة" في أصول الفقه، و"كتاب المتحابين في الله". قال الشيخ عز الدين: ما رأيت في كتب الإسلام في العلم مثلَ "المحلى" و"المجلى" من ابن العربي، وكتاب "المغني" للشيخ موفق الدين بن قدامة، في جودتهما، وتحقيق ما فيهما. وأيضًا قال: لم تطب نفسي في الفتيا حتى صار عندي نسخة "المغني" وقال ابن رجب: كتاب "المغني" عظم النفعُ به، وكثر الثناء عليه، وذكر من شعر ابن قدامة شيئًا كثيرًا، وقال: تفقه عليه خلق كثير، وسمع منه الحديث خلائقُ من الأئمة والحفاظ وغيرهم، وروى عنه الضياء والمنذري. توفي ﵀ سنة ٦٢٠. حكى إسماعيل الكاتب قال: رأيت ليلة عيد الفطر كأن مصحف عثمان قد رُفع من جامع دمشق إلى السماء، فلحقني غم شديد، فتوفي الموفق يوم العيد. ورأى آخر ملائكة ينزلون من السماء، فقال: ما هذا؟ قالوا: ينقلون الموفق لطيبه من الجسد الطيب. وقال آخر: رأيت كأن النبي ﷺ مات، فوصل الخبر بموت الموفق. وذكر ابن رجب نبذًا من فتاواه في "طبقاته".

стр. 220

٢٣٩ - إبراهيم بن المظفر بنِ إبراهيم البرني، الحربيُّ، الموصليُّ، الواعظُ، المحدِّثُ، يلقب: برهان الدين . ولد سنة ٥٤٢ قرأ الوعظ على ابن الجوزي، وولي مشيخة دار الحديث بالموصل، وحدث بها، ووعظ. قال ابن الحنبلي: كان واعظًا فاضلاً من أهل السنة، لم يكن بالموصل أعرفُ بالحديث والوعظ منه. وقال المنذري: لنا منه إجازة. ومن شعره: كَمْ جاهلٍ متواضِعٍ ... سترَ التواضُعُ جهلَهُ ومميز في علمِهِ .. هدمَ التكبُّر فضلَهُ فالكبرُ عيبٌ للفتى ... أبدًا يُقَبِّحِ فِعْلَهُ توفي سنة ٦١٢. ٢٤٠ - يعيش بن ريحان بنِ مالكٍ، البغداديُّ، الفقيهُ، المحدثُ، الزاهدُ . ولد سنة ٥٤١، وسمع كثيرًا من الحديث من صدقة، وأبي زرعة الدمشقي، وأبي حامد الغرناطي، وشهدة الكاتبة، وغيرهم. قال المنذري: لنا منه إجازة، وحدَّث، ومن شعره: ظعنَ الذين عهدتُمُ ... ولنظعنَنَّ كما ظعنْ يا غاسلاً لثيابِهِ ... اغسلْ هواك من الدَّرَنْ ما صَحَّ ظاهرُ مبطنٍ ... حتى يُصَحَّحَ ما بَطَنْ ولرَّبما احتلَبَتْ يدا ... كَ دمًا وتحسَبُه لَبَنْ وكان يتوسوس في طهارته وغسل ثيابه كثيرًا، توفي ﵀ سنة ٦٢٢. ٢٤١ - محمد بن أحمد بن صالح الجيلي ثم البغدادي . ولد سنة ٥٦٤. قرأ القرآن والحديث الكثير بنفسه، وكان طيب النغمة في قراءتهما، مواظبًا على قراءة الحديث، ويفيد الناس إلى آخر عمره. أثنى عليه ابن النجار، وقال: اصطحبنا مدة في طلب الحديث، فما رأيت منه إلا الخير،

стр. 221

ووصفه ابن نقطة، والمنذري، وابن الساعي وصفًا حسنًا، وقالوا: هو من بيت العدالة والرواية، أجاز للمنذري، توفي سنة ٦٢٧. ٢٤٢ - عبد الرحمن بن نجم بنِ عبدِ الوهاب، الأنصاريُّ، يعرف بابن الحنبلي . ولد سنة ٥٥٤، رحل إلى البلاد، وسمع من الحفاظ، وقدم مصر مرتين، وكان له حرمة عند الملوك، ووقع بينه وبين الشيخ الموفق في السماع اختلاف، فأجاب الموفق بإنكاره، وقال: ما من بدعة من البدع ولا قبيح من القبائح إلا قد سمعها المشايخ من الصوفية، وكتب هو: أن الغناء كالشعر فيه مذموم وممدوح؛ وذكر أحاديث في تغني جويريات الأنصار، وفي الغناء في الأعراس، وأحاديث في الحداء. وقال في اجتماع الرجال والنساء في مجلس: هو محرم إذا كان في غير معروف. فإن كان في صلاة جماعة أو جمعة، أو سماع خطبة أو موعظة، أو التقى في مجلس حكم، فذلك غير منكر، وله تصانيف، منها: كتاب "أسباب الحديث" في مجلدات، وكتاب "الإنجاد في الجهاد". توفي سنة ٦٣٤. ٢٤٣ - إسحاق بن أحمد بنِ محمدِ بنِ غانم، العلثيُّ . كان محدثًا فقيهًا عالمًا، زاهدًا، أمارًا بالمعروف، نهاء عن المنكر، لا يخاف أحدًا إلا الله، أنكر على الخليفة الناصر فمن دونه، وواجه الخليفة، وصدعه بالحق، وهو شيخ العراق، والقائم بالإنكار على الفقهاء والفقراء وغيرهم فيما ترخصوا فيه. قال المنذري: قيل: إنه لم يكن في زمانه أكثر إنكارًا للمنكر منه، وحبس على ذلك مدة، وأرسل رسالة إلى ابن الجوزي بالإنكار عليه فيما يقع من كلامه من الميل إلى أهل التأويل، يقول فيها: من فلان إلى فلان، حمانا الله وإياه من الاستكبار عن قبول النصائح، ووفقنا وإياه لاتباع السلف الصالح، وبصرنا بالسنة السنية، ولا حرمنا الاهتداء باللفظات النبوية، وأعاذنا من الابتداع في الشريعة المحمدية، فلا حاجة إلى ذلك، فقد تركنا على بيضاء نقية، وأكمل الله تعالى لنا

стр. 222

الدين، وأغنانا عن آراء المتنطعين، ففي كتاب الله وسنة رسوله مقنعٌ لكل من رغب أو رهب، رزقنا الله الاعتقاد السليم، ولا حرمنا التوفيق، فإذا حُرمه العبد، لم ينفع التعليم، وعرفنا أقدار نفوسنا، وهدانا الصراط المستقيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وفوق كل ذي علم عليم. وبعد حمد الله تعالى، والصلاة على رسوله، فلا يخفى أن الدين النصيحة، على الخصوص للمولى الكريم، والرب الرحيم، فكم قد زل قلم، وعثر قدم، وزلق متكلم، ولا يحيطون به علمًا، قال عز من قائل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِير﴾ [الحج: ٨] وأنت يا عبد الرحمن! فما يزال يبلغني عنك، ونشاهد في كتبك المسموعة عليك تذكر كثيرًا ممن كان قبلك من العلماء بالخطأ؛ اعتقادًا منك أنك تصدع بالحق من غير محاباة، ولا بد من الجريان في ميدان النصح، إما لتنتفع إن هداك الله، وإما لتركب حجة الله عليك، ويحذر الناس قولك الفاسد، ولا يغرك كثرة اطلاعك على العلوم، فربَّ مبلَّغٍ أوعى له من سامع، وربَّ حاملِ فقهٍ لأفقه منه، ورب بحر كدرٍ ونهر صاف. فلستَ أعلمَ من الرسول ﷺ حيث قال له عمر: أتصلَّي على ابن أُبَي؟! فنزل القرآن: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤]، ولو كان لا ينكر من قل علمُه على من أكثر علمه، إذًا لتعطَّل الأمر بالمعروف، وصرنا كبني إسرائيل حيث قال الله تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة: ٧٩] بل ينكر المفضول على الفاضل، وينكر الفاجر على الولي على تقدير معرفة الولي، وإلا فأين العنقا لتطلب؟ وأين السَّمندل ليُجلب؟ ... إلى أن قال: واعلم أنه قد كثر النكير عليك من العلماء الفضلاء، والأخيار في الآفاق بمقالتك الفاسدة في الصفات، وقد أبانوا أوهام مقالتك، وحكوا عنك أنك أبيتَ النصيحة، فعندك من الأقوال التي لا تليق بالسنة ما يضيق الوقت عن ذكرها، فذُكر عنك: أنك ذكرت في الملائكة المقربين الكرام الكاتبين فصلاً - زعمت أنه مواعظ - وهو تشقيق وتفيهق، وتكلف بشيع، خلا أحاديث رسول الله ﷺ ، وكلام السلف الصالح الذي لا يخالف سنة، فعمدتَ وجعلتها مناظرة معهم، فمن أذن لك في

стр. 223

ذلك، وهم يستغفرون للذين آمنوا، ولا يستكبرون عن عبادة الله، وقد قرن شهادتهم بشهادته قبل أولي العلم، وما كان علينا إن كان الآدمي أفضلَ منهم أم لا، فتلك مسألة أخرى ... إلى أن قال: ثم تعرضت لصفات الخالق تعالى كأنها صدرت لا من صدرِ سكن فيه احتشام العلي العظيم، ولا أملاها قلبٌ مليء بالهيبة والتعظيم، بل من وقعات النفوس المبهرجة الزيوف. وزعمت أن طائفة من أهل السنة والأخبار نقلوها وما فهموها، وحاشاهم من ذلك، بل كفوا عن الثرثرة والتشدق، لا عجزًا - بحمد الله - عن الجدل والخصام، ولا جهلاً بطريق الكلام، إنما أمسكوا عن الخوض في ذلك عن علم ودراية؛ لا عن جهل وعماية، والعجب ممن ينتحل مذهبَ السلف، ويرى الخوض في الكلام، ثم يقدم على تفسير ما لم يره أولاً، ويقول: إذا قلنا كذا، أدى إلى كذا ... إلى أن قال: فكيف يجوز أن تتبع المتكلمين في آرائهم، وتخوض مع الخائضين فيما خاضوا فيه، ولو أن مخلوقًا وصف مخلوقًا مثله بصفات من غير رؤية ولا خبر صادق، لكان كاذبًا في إخباره. فكيف تصفون الله تعالى بشيء ما وقفتم على صحته، بل بالظنون والواقعات؟! ثم لك في الكتاب الذي سميته: "الكشف لمشكل الصحيحين" مقالاتٌ عجيبة تحكيها عن الخطابي وغيره من المتأخرين، أطلع هؤلاء على الغيب، وأنتم تقولون: لا يجوز التقليد في هذا، ثم ذكره فلان ذكرت الكلام المحدث على الحديث، ثم قلت: والذي يقع لي، أفبهذا تقدم على الله ، وتقول: قال علماؤنا؟! ثم ما كفاك حتى قلت: هذا من تحريف بعض الرواة تحكما من غير دليل، وما رويت عن ثقة آخر أنه قال: غيّره الراوي، فلا ينبغي بالرواة العدول أنهم حرفوا، ولو جوزتم لهم الرواية بالمعنى، فهم أقرب إلى الإصابة منكم، وأهل البدع أيضًا كما رويتم حديثًا يتفرقون عنه يقولون: يحتمل أنه من تغيير بعض الرواة، فإذا كان المذكور في الصحيح المنقول من تحريف بعض الرواة، فقولكم ورأيكم في هذا: يحتمل أنه من رأي بعض الغواة. وتقول: قد انزعج الخطابي لهذه الألفاظ، فما الذي أزعجه دون غيره؟ ونراك

стр. 224

تبني شيئًا ثم تنقضه، وتقول: قد قال فلان وفلان، وتنسب ذلك إلى إمامنا أحمد ﵁، ومذهبُه معروف في السكوت عن مثل هذا، ولا يفسره، بل صحح الحديث، ومنع من تأويله، وكثير ممن أخذ عنك العلم إذا رجع إلى بيته، علم بما في عَيْبته من العيب، وذمَّ مقالتك، وأبطلها ... إلى قوله: فاتق الله، ولا تتكلم فيه برأيك، فهذا خبر غيب لا يسمع إلا من الرسول المعصوم، فقد انتصبتم حربًا للأحاديث الصحيحة، والذين نقلوها نقلوا شرائع الإسلام، قال: لقد آذيت عباد الله، وأضللتهم، فصار شغلك نقلَ الأقوال فحسب. وابن عقيل ﵀ قد حكى أنه تاب بمحضر من علماء وقته من مثل هذه الأقوال بمدينة السلام - عمرها الله بالإسلام والسنة -، فهو بريءٌ على هذا التقدير مما يوجد بخطه، أو ينسب إليه من التأويلات والأقوال المخالفة للكتاب والسنة. وأنا وافد الناس والعلماء والحفاظ إليك، فإما أن تنتهي عن هذه المقالات، وتتوب التوبةَ النصوح كما تابَ غيرك، وإلا كشفوا للناس أمرك، وسيروا ذلك في البلاد، وبينوا وجه الأقوال الغثة، وهذا أمر تشوور فيه، وقضي بليل، وَالأرض لا تخلو من قائم لله بحجج، والجرحُ - لا شكَّ - مقدَّم على التعديل، والله على ما نقول وكيل، وقد أعذر من أنذر. قال: وما زال أصحابنا يجهرون بصريح الحق في كل وقت ولو ضُربوا بالسيف، ولا يخافون في الله لومة لائم، ولا يبالغون بشناعة مشنع، وكذب كاذب، ولهم من الاسم العذب الهني، وتركِهم الدنيا، وإعراضِهم عنها اشتغالاً بالآخرة، ما هو معلوم معروف، ولقد سودت وجوهنا بمقالتك الفاسدة، وانفرادك بنفسك كأنك جبار من الجبابرة، ولا كرامة لك ولا نعمة، ولا نمكنك من الجهر بمخالفة السنة، ولو استقبل الرأي ما استدبر، لم يحك عنك في السهل ولا في الجبل، ولكن قدر الله وما شاء فعل، فبيننا وبينك كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩]، ولم يقل: إلى ابن الجوزي ... إلى أن قال: فانتبه يا مسكين قبلَ الممات، وحسِّن

стр. 225

القولَ والعمل، فقد قرب الأجل، ولله الأمر من قبل ومن بعد. انتهى صفوة ما نقله ابن رجب من كتابه. وللشيخ إسحق أجزاء مجموعة حديثية، وحدَّث، وسمع منه جماعة، وذكر ابن الدبيتي أنه سمع منه، وتوفي سنة ٦٣٤، أظنه بالعلث ﵁. ٢٤٤ - محمد بن أحمد بنِ عمرَ، القطيعيُّ، الأزجيُّ، المؤرخُ، المحدثُ . ولد سنة ٥٤٦. أسمعه والده من أبي الوقت "صحيح البخاري"، وهو آخر من حدث عنه ببغداد كاملاً عنه سماعًا، ثم طلب هو بنفسه، وسمع من جماعة، وقرأ على الشيوخ، وكتب بخطه، ورحل، وسمع بالموصل وبدمشق وبحران، وأخذ عن ابن الجوزي، وقرأ عليه كثيرًا من مروياته. وجمع تاريخًا في نحو خمسة أسفار، ذيل به على تاريخ السمعاني، سماه. "درة الإكليل في تتمة التذييل"، وفيه فوائد جمة مع أوهام وأغلاط، وقد بالغ ابن النجار في الحط على تاريخه - مع أنه أخذ عنه -، ونقل منه في تاريخه أشياء كثيرة، بل نقله كله، ولما عمر المستنصر مدرسته، جعل القطيعيًّ شيخَ دار الحديث بها، وكان ابن النجار بها مفيدًا للطلبة، وهذا من جملة الأسباب التي أوجبت تحاملَه عليه، وقد وصفه غير واحد من الحفاظ وغيرهم بالحافظ، وأثنى عليه عمر بن الحاجب في "تاريخه"، وروى عنه جماعة كثيرون، منهم: الأبرقوهي، والعراقي، قال ابن رجب: قد نقلت عنه في هذا الكتاب - يعني: "طبقاته" - كثيرًا، توفي - رحمه الله تعالى - سنة ٦٣٤. وفي حديث سلمة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من يقلْ عليَّ ما لم أقلْ، فليتبوأ مقعدَه من النار" رواه ابن رجب بسنده متصلاً عن القطيعي. ومن شعره: أهديتُ قلبي إليكم خُذوه ... وقتلي حرامٌ فلا تقربوهُ وها هو ذا عندَكُم واقفٌ ... يَرومُ الوِصال فلا تحرموهُ ومنه أيضًا: أَفي كلِّ يوم نُقْلَةٌ ورَحيل ... وشوقٌ لقلبي مزعجٌ ومزيلُ

стр. 226

٢٤٥ - عبد العزيز بن خلف، المقرىء، الناسخُ، الخازن، أبو محمد، يلقب: عفيف الدين . ولد سنة ٥٥٢. قرأ القرآن بالروايات الكثيرة، وقرأ عليه كثير، وسمع الحديث، وقرأ بنفسه الكثير، وكتب الكثير بخطه الحسن لنفسه وللناس، وحصل له بالخليفة الناصر أنس، فلما أفضت إليه الخلافة، ولاه النظرَ في ديوان التركات الحشرية، فسار فيها أحسن سيرة، ورد تركات كثيرة على الناس. أثنى عليه ابن الحنبلي، وابن النجار، وابن الساعي، وابن نقطة، والضياء، ووصفوه بخيرات غزيرة، وحسنات كثيرة من عبادة وعلم وفضيلة. توفي سنة ٦٣٧، وكان لا يمل من الشفاعة، وقضاء حوائج الناس، حتى لو قيل: إنه لم يبق ببغداد من غني ولا فقير إلا قضى حاجته، لكان حقًا ﵀. ٢٤٦ - عمر بن أسعد بن المنجا، التنوخيُّ المقرىء الحرانيُّ . ولد سنة ٥٥٧. تفقه على والده، وسمع بدمشق، ورحل إلى العراق وخراسان، وأفتى ودرَّس، وولي القضاء بحران، وحدَّث، وروى عنه البرزالي، ووزيرة ابنته، وهي خاتمة من روى عنه بالسماع، وأنه ذكر عن والده: أنه قال: مراد الأصحاب بقولهم: يؤجَّل العنين سنة: السنةَ الشمسية، لا الهلالية؛ لأن الشمسية تجمع الفصول الأربعة التي تختلف فيها الفصول، وتتغير فيها الأمزجة، فيحصل فيها مقصود الاختبار دون الهلالية، قال ابن رجب: وهذا غريب. توفي سنة ٦٤١. ٢٤٧ - إبراهيم بن محمد بنِ الأزهرِ الصريفينيُّ، الفقيهُ، المحدِّثُ، الحافظ، يلقب: تقي الدين . ولد سنة ٥٨١. قرأ القرآن، وسمع الحديث. قال عمر بن الحاجب: كان أحدَ حفاظ الحديث، وأحدَ أوعية العلم، إمامًا فاضلاً، دينًا صدوقًا خيرًا، ثبتًا ثقة حجة، واسعَ الرواية، كتب الكثير، وقرأ وأفاد، وكان شيخًا لدار حديث منبج، ثم تركها، واستوطن مدينةَ حلب، وولي بها دارَ الحديث، وكان يحدث بها، ويتكلم على الأحاديث وفقهها ومعانيها،

стр. 227

وكان من العارفين بهذا الشأن. قال أبو شامة: كان عالمًا بالحديث، وكان للقاضي ابن شداد له غلو في إعلاء مذهب الشافعي، فرأى في منامه رسولَ الله ﷺ ، قال: فسألته: أي المذاهب خير؟ ثم كتم جوابَ رسول الله ﷺ . قال الناصح: الظاهر أنه أشار إلى مذهب أحمد، ولو كان الجواب: مذهب الشافعي، لأظهره؛ لأنه كان داعية إليه. مال إلى الحنابلة، وأجلس الصريفينيَّ في دار الحديث، وقال: ندمت إذ وسمتُها بالشافعية. توفي سنة ٦٤١. ٢٤٨ - عبد الله بن محمد بن الوكيل، البغداديُّ، الحافظُ، المحدثُ . أحدُ من عُني بالحديث، وسمع الكثير من الرهاوي وغيره. وكان حافظًا مفيدًا مشهورًا بسرعة القراءة وجودتها، جمع وحدَّث وأجاز، له رسالة إلى السامري - صاحب "المستوعب" - ينكر عليه فيها تأويله لبعض الصفات، وقوله: إن الأخبار الآحاد لا تثبتُ بها الصفات. توفي رح سنة ٦٤٣، ودفن خلف بشر الحافي. ٢٤٩ - عبد الله بن محمد بنِ أحمدَ بنِ قدامةَ المقدسيّ . ولد سنة ٥٧٨ بدمشق، وسمع بها من جماعة؛ وببغداد من ابن الجوزي، وحدَّث، أثنى عليه جماعة من الحفاظ والفقهاء، توفي سنة ٦٤٣. ذكر ابن رجب في ترجمته: أن القاضي نجم الدين قال: رأيت رسول الله ﷺ في المنام - في صورة أخي موسى -، قال: وكان أثر ذلك أن تحول إلى حالة عظيمة في الخير والزهد وترك الدنيا، انتهى. قلت: ورأيت: - أنا - رسولَ الله ﷺ في صورة رجل صالح عامل بالحديث، فكان هذا المنام سببَ اشتغالي بعلم الحديث ومحبته - ولله الحمد -، حتى آل الأمر الآن إلى ما آل، والله أعلم بحقيقة الحال. ٢٥٠ - محمد بن عبد الواحد بنِ أحمدَ، المقدسيُّ، الحافظُ، الكبيرُ، ضياءُ الدين، محدِّثُ عصره، وشهرته تغني عن الإطناب في ذكرها، والاسهاب في أمره . ولد سنة ٥٦٩، سمع ببغداد الكثير من ابن الجوزي وطبقته، ورحل مرتين

стр. 228

إلى أصبهان، وسمع بها ما لا يوصف كثرة؛ وكتب بخطه الكثير من الكتب الكبار وغيرها، ويقال: إنه كتب [عن] أزيدَ من خمس مئة شيخ، وحصَّل أصولاً كثيرة، وأقام بهراةَ ومرو مدةً، وله إجازة من السِّلفي. قال ابن النجار: كتبتُ عنه، وهو حافظ متقن ثبت ثقة صدوق، نبيل حجة، عالم بالحديث وأحوال الرجال، له مجموعات وتخريجات، وهو محتاط في أكل الحلال، مجاهد في سبيل الله، ولَعمري! ما رأت عيناي مثله. أثنى عليه جمع جم من الحفاظ، منهم: عمر بن الحاجب، قال: رأيت جماعة من المحدثين ذكروه، فأطنبوا في حقه، ومدحوه بالحفظ والزهد، ومنهم: البرزالي، وابن النابلسي، والصريفيني. ونقل الذهبي عن المزي: أنه قال: كان أعلم بالحديث والرجال من الحافظ عبد الغني، ولم يكن في وقته مثله. وقال الذهبي: الإمامُ العالمُ الحافظُ، محدث الشام، شيخ السنة، ضياءُ الدين، صنف وصحَّح، ولَيَّنَ ورجَّح وعدَّل، وكان الرجوع إليه في هذا الشأن. وقال الشريف أبو العباس: كان أحدَ أئمة هذا الشأن، عارفًا بالرجال وأحوالهم، والحديث صحيحِه وسقيمِه، انتهى. بنى مدرسة للمحدِّثين، والغرباء الواردين مع الفقر والقلة، ويعمل فيها بنفسه، ولم يقبل من أحد فيها شيئًا، ومناقبه أكثر من أن تحصر. ومن مؤلفاته: كتاب "الأحاديث المختارة". قال ابن رجب: وهي الأحاديث التي يصلح أن يحتج بها سوى ما في "الصحيحين"، خرجها من مسموعاته، كتب منها تسعين جزءًا ولم تكمل. قال بعض الأئمة: هي خير من "صحيح الحاكم"، وله كتاب "مناقب أصحاب الحديث" أربعة أجزاء، وأطراف الموضوعات لابن الجوزي، وجزء في الاستدراك على الحافظ عبد الغني، وجزء "الأمر باتباع السنن واجتناب البدع"، إلى غير ذلك مما لا يحصى، توفي ﵀ سنة ٦٤٣، ودفن بسفح قاسيون.

стр. 229

٢٥١ - أحمد بن عيسى بنِ عبدِ الله بنِ قدامةَ المقدسي، المحدثُ، الحافظُ، سيفُ الدين بنِ شيخ الإسلام موفق الدين . ولد سنة ٦٠٥. سمع من جده الكثير، وكتب بخطه الكثير؛ وخرَّج وألف وحدَّث، وكتب العالي والنازل وجمع وصنف. قال الذهبي: كان ثقة حافظًا ذكيًا متيقظًا، مليحَ الخط، عارفًا بهذا الشأن، عالمًا بالأثر، صاحبَ عبادة وإنابة، قوالاً بالحق، ولو طال عمره، لساد أهلَ زمانه علمًا وعملاً، ومحاسنُه جَمَّة، له مصنفات حسنة، توفي سنة ٦٤٣، وله ثمان وثلاثون سنة، رح. ٢٥٢ - أحمد بن سلامة الحرانيُّ، المحدثُ، الزاهدُ، الصالحُ، القدوةُ . سمع الكثير، وكتب بخطه الأجزاء والطبقات، وصحب الحافظ عبد الغني، والحافظ الرهاوي، والشيخ موفق الدين المقدسي، وسمع منهم، وحدَّث، وسمع منه جماعة. قال ابن حمدان: سمعت عليه كثيرًا، وكان من دعاة أهل السنة وولاتهم بصدر منشرح وقلب طيب، توفي ﵀ بحران سنة ٦٤٦. ٢٥٣ - يوسف بن خليل بن قراجا، الدمشقيُّ، المحدث، الحافظ، ذو الرحمة الواسعة، أبو الحجاج الأرميُّ . ولد سنة ٥٥٥ بدمشق، وتشاغل بالكسب إلى الثلاثين من عمره، ثم طلب الحديث، وتخرج بالحافظ عبد الغني، واستفرغ فيه وُسعْهَ، وكتب ما لا يوصف بخطه المليح المتقن، ورحل إلى الأقطار، وسمع ببغداد. وكان إمامًا حافظًا ثقة، ثبتًا متقنًا عالمًا؛ واسعَ الرواية، جميلَ السيرة، متسعَ الرحلة، تفرد في وقته بأشياء كثيرة، وخرج، وسمع لنفسه معجمًا عن أزيدَ من خمس مئة شيخ، واستوطن آخر عمره بحلب، وصار حافظَها، والمشارَ إليه بعلم الحديث بها، حدَّث بالكثير. قال الذهبي: يدخل في شرط الصحيح، روى عنه

стр. 230

الدمياطي، والعراقي، والآمدي، وآخر من روى عنه إجازة زينبُ بنتُ الكمال، توفي سنة ٦٤٨ ﵀. ٢٥٤ - عبد اللطيف بن علي بنِ النفيس، المحدثُ، المعدلُ، ويلقب: نور الدين . ولد سنة ٥٨٩، وسمع من أبيه، وأجاز له ذاكر بن كامل، وعني بهذا الشأن، وقرأ الكتب، وكتب الكثير بخطه، وامتُحن بقراءته شيئًا من أحاديث الصفات، وسعى به بعض المتجهمة، وحبس مدة، ثم أفرج عنه. توفي سنة ٦٤٩، وكان له جمع عظيم، وشُدَّ تابوتُه بالحبال، وأكثرَ العوام الصياح في الجنازة، قال ابن رجب: هذه غايات الصالحين. قال ابن الساعي: ولم أر ممن كان على قاعدته فعلَ في جنازته مثلَ ذلك؛ فإنه كان كهلاً يتصرف في أعمال السلطان، ويركب الخيل، ويحلي فرسه بالفضة على عادة أعيان المتصرفين. قال ابن رجب: قلت: حصل له ذلك ببركة السنة. قال الإمام أحمد ﵁: بيننا وبينهم الجنائز. ٢٥٥ - عبد السلام بن عبد الله بنِ القاسمِ بنِ الخضرِ بنِ محمدِ بنِ عليِّ ابن تيمية الحراني، الفقيهُ، الإمامُ، المقرىءُ، المحدثُ، المفسرُ، الأصوليُّ، النحويُّ، مجدُ الدين، أبو البركات، شيخُ الإسلام، وفقيهُ الوقت، وأحدُ الأعلام، ابنُ أخي الشيخ فخرِ الدينِ محمد بنِ أبي القاسم السابقِ ذكرُه . ولد سنة ٥٩٠ تقريبًا بحران، وحفظ بها القرآن، وسمع من عمه المذكور، والحافظ عبد القادر الرهاوي، وحنبل الرصافي، ثم ارتحل إلى بغداد مع ابن عمه سيف الدين عبد الغني، فسمع بها من ابن سكينة، والحافظ ابن الأخضر، وابن طَبَرْزَد، وغيرهم، وأتقن العربية والحساب، والجبر والمقابلة والفرائض على أبي البقاء العكبري، وبرع في هذه العلوم وغيرها. قال الذهبي: كان الشيخ جمال الدين بنُ مالك يقول: أُلين للشيخ المجد الفقهُ كما أُلين لداودَ، الحديد. ولما حجَّ من بغداد في آخر عمره، اجتمع به العلامة ابن الجوزي، فابتهر له، وقال: هذا الرجل ما عندنا ببغداد مثلُه. أثنى عليه ابن حمدان، وقد سمع عليه.

стр. 231

قال عز الدين الشريف: حدث المجد بالحجاز والعراق والشام، وبلده حران، وصنَّف ودرَّس، وكان من أعيان العلماء، وأكابر الفضلاء ببلده، وبيتُه مشهور بالعلم والدين والحديث، وكان عجبًا في حفظ الأحاديث وسردِها، وحفظِ مذاهبِ الناس بلا كلفة. حكى البرهان المراغي: أنه اجتمع به، فأورد نكتة عليه، فقال المجد: الجواب عليها من ستين وجهًا: الأول كذا، والثاني كذا، وسردها إلى آخرها، ثم قال للبرهان: قد رضينا منك بإعادة الأجوبة، فخضع وابتهر. قال الذهبي: كان معدومَ النظير في زمانه، رأسًا في الفقه وأصوله، بارعًا في الحديث ومعانيه، له اليدُ الطولى في معرفة القرآن والتفسير، صنف التصانيف، واشتهر اسمه، وبعد صيته، فكان فرد زمانه في معرفة المذهب، مفرط الذكاء، متين الديانة، كبير الشأن. وقال عبد الرحمن بن عبد الحليم: كان المجد إذا دخل الخلاء يقول لي: اقرأ هذا الكتاب وارفعْ صوتك حتى أسمعَ. قال ابن القيم: يشير بذلك إلى قوة حرصه على العلم وحفظه لأوقاته. وللصرصري قصيدة في مدح الإمام أحمد وأصحابه، أثنى فيها عليه كثيرًا، وقال العلامة محمد بن علي الشوكاني في "نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار": هو الشيخ الإمام، علامة عصره، المجتهد المطلق، المعروف بابن تيمية، سمع من جماعة، وتفقه وبرع، واشتغل وصنف، وانتهت إليه الإمامة في الفقه، ودرس القراءات، وابتهر علماء بغداد لذكائه وفضائله، والتمس منه أستاذ دار الخلافة محيي الدين بن الجوزي الإقامة عندهم، فتعلل بالأهل والوطن، وصنف مع الدين والتقوى وحسن الاتباع، قال: وقد يلتبس على من لا معرفة له بأحوال الناس صاحب الترجمة هذا بحفيده شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم - شيخ ابن القيم - الذي له المقالات التي طال بينه وبين أهل عصره فيها الخصام، وأُخرج من مصر بسببها، وليس الأمر كذلك. قال في "تذكرة الحفاظ" في ترجمة شيخ الإسلام: هو أحمد بن المفتي عبد الحليم بن الشيخ الإمام المجتهد عبد السلام الحراني، انتهى. قال ابن رجب: ومن تصانيفه: المنتقى في أحاديث الأحكام"، وهو الكتاب المشهور، انتقاه من "الأحكام الكبرى" له في عدة مجلدات، ويقال: إن

стр. 232

القاضي بهاء الدين بن شداد هو الذي طلب ذلك منه بحلب، انتهى. قلت: وله شرح من شيخنا الشوكاني سماه "نيل الأوطار في شرح منتقى الأخبار"، أجاد فيه وأفاد، وأتى بما لم يأت به العلماء الأفراد. قال ابن رجب: قرأ على الشيخ مجد الدين القرآنَ جماعةٌ، وسمع منه خلق، وروى عنه ابنُه شهاب الدين، والحافظ عبد المؤمن الدمياطي، وابن الظاهري، ومحمد بن أحمد القزاز، وأحمد الدستي، وإسحق الآمدي، وغيرهم. وأجاز لابن حمزة الحاكم، ولزينب بنت الكمال، وأحمد بن علي الجزري - وهما خاتمة من روى عنه - وقد أجازا لي. وتوفي يوم عيد الفطر بعد صلاة الجمعة سنة ٦٥٢ بحران. وقال شيخ الإسلام بن تيمية: سنة ٦٥٣، ولم يبق في البلد من لم يشهد جنازته إلا معذور، وكان الخلق كثيرًا جدًا. وكان أحيانًا يفتي "أن الطلاق الثلاث المجموعة إنما يقع منها واحدة فقط"، وأنه كان يفتي بذلك سرًا، ولما حجَّ في آخر عمره، كان يفتي: أن المحرم لهُ لبسُ سرموجه ونحوها من الجمجم والخف المقطوع، وإن كان واجدًا للنعل، وهو وجه، حكاه القاضي في "شرح المذهب". وكان يقول: إذا حلف بالالتزامات؛ كالكفر واليمين بالحج والصيام ونحو ذلك، وكانت يمينه غموسًا: أنه يلزمه ما حلف عليه. وسئل عن ابن السبيل، إذا كان يقدر على القرض، يجوز له أن يأخذ من الزكاة؟ فقال: يلزمه أن يقترض إن قدر على ذلك، ولا يجوز له الأخذو ولا تبرأ ذمة من يعطيه إذا علم بقدرته على القرض، خلافًا لابن أخيه الشيخ عبد الرحمن. ٢٥٦ - محمد بن أحمد بن أحمد، الموصليُّ، المقرىء، الفقيهُ، الأديب، يعرف بشعلة . قرأ القرآن والعربية، وبرع في الأدب والقراءات، ونظم الشعر الحسن. كان المفضالي يصف شمائله وفضائله، ويثني عليه، وقال: كان هو نائمًا،

стр. 233

فاستيقظ، فقال لي: رأيت الساعة رسول الله ﷺ ، فطلبت منه العلم، فأطعمني تمرات، قال: ومن ذلك الوقت فتح الله عليه، وتكلم، له كتاب "الناسخ والمنسوخ"، وكلامه فيه يدل على تحقيقه وعلمه ومن نظمه قوله: دَعْ عنكَ ذكرَ فلانةٍ وفُلانِ ... واجتنبْ ما يُلهي عن الرحمانِ واعلمْ بأنَّ الموتَ يأتي بغتةً ... وجميعُ ما فوق البسيطةِ فانِ فإلى متى تلهو وقلبُك غافلٌ ... عن ذكرِ يومِ الحشرِ والميزانِ أتراك لم تكُ سامعًا ما قد أتى ... في النصِّ للآياتِ والقرآنِ فانظرْ بعينِ الإعتبارِ ولا تكنْ ... ذا غفلةٍ من طاعةِ الدَّيَّانِ واقصدْ لمذهبِ أحمدِ بنِ محمدٍ ... أعني: ابنَ حنبلٍ الفتى الشيباني فهو الإمامُ مقيمُ دينِ المصطفى ... من بعدِ درسِ معالم الإيمانِ أَحيا الهدى وأقام في إحيائه ... متجردًا للضرب غيرَ جبانِ كنْ حنبليًا ما حييتَ، فإنني ... أُوصيك خيرَ وصيةِ الإخوانِ ولقد نصحتُكَ إن قبلتَ، فأحمدٌ ... زينُ التقاة وسيدُ الفِتيانِ من ذا أقامَ كما أقامَ إمامُنا ... متجردًا من غيرِ ما أَعْوان مستعذِبًا للمُرِّ في نصرِ الهُدى ... متجرِّعًا لِمَضاضَةِ السلطانِ وسَخا بمهجتهِ وبايعَ ربَّهُ ... أَن لا يطيعَ أئمَّةَ العُدوانِ فعلى ابنِ حنبل السلامُ وصحبِه ... ما ناحَتِ الوَرْقاء في الأغصانِ إني لأرجو أن أفوزَ بحبِّه ... وأنالَ في بعثي رِضا الرَّحمنِ حَمدًا لربي إذْ هداني دينَه ... وعلى شريعةِ أحمدٍ أنشاني واختارَ مذهبَ أحمدٍ في مذهَبًا ... ومن الهوى والغَيِّ قد نجاني من ذا يقومُ من العبادِ بشكرِ ما ... أوَلاه سيدُه من الإِحسانِ توفي سنة ٦٥٦، وله ثلاث وثلاثون سنة، قال ابن رجب: وقرأت على بعض شيوخنا ببغداد: أنه توفي سنة ٦٥٠ الهجرية.

стр. 234

٢٥٧ - يوسف بن عبد الرحمن بنِ محمدِ بنِ عليٍّ، القرشيُّ، التيميُّ، البكريُّ، البغداديُّ، الأصوليُّ، الواعظُ، الشهيدُ، محيي الدين، أبو محمد بن الشيخ جمال الدين أبي الفرج بن الجوزي - المتقدمِ ذكرُه - أستاذ دار الخلافة المستعصمية . ولد في سنة ٥٨٠ ببغداد، وسمع بها من أبيه، وقرأ القرآن، ولبس الخرقة من الشيخ ضياء الدين بن سكينة، واشتغل بالفقه، والخلاف، والأصول، وبرع في ذلك، وكان أمهر فيه من أبيه، ووعظ في صغره على قاعدة أبيه، وعلى أمره، وعظم شأنه، وولي الولايات الجليلة، ثم انقطع في داره يعظ ويفتي ويدرس، وهو من العلماء الأفاضل، والكبراء الأماثل، أحد أعلام العلم، ومشاهير الفضل، ظهرت عليه آثار العناية الإلهية مذ كان طفلاً، فعني به والده، وأسمعه الحديث، ودربه من صغره في الوعظ، وبورك له في ذلك، وصار له قبول تام، وبانت عليه آثار السعادة. وتوفي والده وعمره إذ ذاك سبع عشرة سنة، وأنشأ مدرسة، ولم يزل كذلك إلى أن قتل صبرًا شهيدًا بسيف الكفار عند دخول هلاكو ملك التتار إلى بغداد، فقتل الخليفة المستعصم وأكثر أولاده، وقتل معه أعيان الدولة والأمراء، وشيخ الشيوخ، وأكابر العلماء، وقتل أستاذ الدار محيي الدين، وكان المستنصر له شباك على إيوان الحنابلة يسمع الدرس منهم - دون غيرهم -، وأثره باق، حدث ببغداد ومصر وغيرهما من البلاد. قال الذهبي: كل أحد يعوز زيادة عقل، إلا محيي الدين بن الجوزي؛ فإنه يعوز نقص عقل؛ ويحكي في هذا عجائب، منها: أنه مر في سويقة باب البريد، والناس بين يديه، وهو راكب البغلة؛ فسقط حانوت، فضج الناس، وصاحوا، وسقطت خشبة فأصابت كفل بغلته، فلم يلتفت، ولا تغير عن هيئته. وحكى أنه كان يناظر ولا يحرك له جارحة، وكانت خاتمة سعادته الشهادة، روي عن الشيخ محمد بن سكران الزاهد: أنه قال: رأيت أستاذ الدار ابن الجوزي في النوم، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: كَفَّرت ذنوبَنا سيوفُهم. له تصانيف عدة، منها: "معادن الإبريز في تفسير الكتاب العزيز"، ومنها: "المذهب الأحمد في مذهب

стр. 235

أحمد". سمع منه خلق ببغداد ودمشق ومصر، وروى عنه ابن أبي الجيش، والحافظ الدمياطي، وابن الظاهري، وابن القوطي، وبالإجازةِ خلقٌ - آخرهم زينب بنة الكمال المقدسي. ومن نظمه: صَبٌّ له من أجفانه آماقِه غَرَقُ ... وفي حُشاشَتِه من وَجْدِه حُرَقُ فأعجبْ لِضدَّينِ في حالٍ قد اجتمعا ... غريقُ دمعٍ بنارِ الوجدِ يحترقُ لم أنسَ عيشًا على سَلْعٍ ولعلعِها ... والبانُ مفترقٌ وَجْدًا ومُعتَنِقُ ونفحةُ الشِّيحِ تأتينا بعَنْبَرِهِ ... وعَرْفها بمغاني المُنْحَنَى عَبِقُ والقلبُ طيرٌ له الأشواقُ أجنحةٌ ... إلى الحَبيب رياحَ الحبِّ تخترقُ قلْ للحِمى باللِّوَى واعن الحلولَ بها ... ما ضَرَّهم بجريحِ القلبِ لو رفقوا وقد بقي رَمَقٌ منهُ فإِنْ هجَروا ... مَضى كما ليسَ يبقى ذلكَ الرَّمَقُ وقد قُتل وقد جاوز خمسين سنة، وسمع منه الشرفُ المنذري، وأجاز للعلامة ابنِ حمدان الحراني، ولسليمان بن حمزة القاضي. ومن شعره في مدحه ﷺ : فَضَلَ النَّبِيَّينَ الرسولُ محمدٌ ... شَرَفًا يزيدُ وزادَهم تَعْظيما يكفيه أَن الله ﷻ ... آوى فقالَ ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا﴾ دُرٌّ يتيمٌ في الفَخار، وإنما ... خيرُ اللاَّلي، أن يكون يَتيما ولقد سما الرسلَ الكرامَ فكلُّهم ... قَدْ سلَّموا لجلالِه تسليما واللهُ قد صلَّى عليه كرامةً ... صَلُّوا عليه وسَلَّموا تَسليما ٢٥٨ - يحيى بن يوسف بنِ يحيى، الأنصاريُّ، الصرصريُّ، الضريرُ، الفقيهُ، الأديب، اللغويُّ، الشاعرُ الزاهد . صاحبُ الديوان السائر في الناس في مدح النبي ﷺ ، كان حسان وقته، ولد سنة ٥٨٨. قرأ القرآن بالروايات على أصحاب ابن عساكر البطائحي، وسمع الحديث من الشيخ علي بن إدريس اليعقوبي، صاحبَ الشيخَ عبد القادر، وصحبه، تسلك به، ولبس منه الخرقة، وأجاز له الشيخ عبد المغيث الحربي وغيره، وحفظ الفقه

стр. 236

واللغة، ويقال: إنه كان يحفظ "صحاح الجوهري" بكمالها، وكان يتوقد ذكاء، ونظمه في الغاية؛ ويقال: إن مدائحه في النبي ﷺ تبلغ عشرين مجلدًا. وكان شديدًا في السنة، متحرفًا على المخالفين لها، وشعره مملوء بذكر أصول السنة، ومدح أهلها، وذم مخالفها، وكان قد رأى النبيَّ ﷺ في منامه، وبشره بالموت على السنة، ونظم في ذلك قصيدة طويلة معروفة، وحدَّث، وسمع منه الحافظ الدمياطي، وذكره في "معجمه"، وقتل شهيدًا ﵁ في سنة ٦٥٦. ٢٥٩ - عبد الرحمن بن عبد المنعم، النابلسيُّ، الفقيهُ، المحدثُ، جمال الدين أبو الفرج . ولد يوم عاشوراء سنة ٥٩٤، وسمع بالقدس من ابن البناء، وحدث بنابلس. توفي سنة ٦٥٦. ومن نظمه: يا طالبًا! علمَ خيرِ العلم مجتهدا ... علمُ الحديثِ يحوزُ اليمنَ والرشدا ما في العلوم له مِثْلٌ يماثِلُه ... فاطلبْه مقتصِدًا تَسُدْ به أبدًا فالفقُه يبنى عليه حيث كان إذ الـ ... أحكامُ مأخذُها منه إذا وُجِدا وكيف لا! وهو لولاه لما اتضحت ... سُبْلُ الرشادِ ولا بانَ الزمان هُدى وأهلُه خيرُ أهل العلمِ قاطبةً ... فكن محبًا لهم كيما تفوز غدا ترى سِواهُمْ إذا جاءَ الحديثُ لِما ... قالوه متبعًا ما يبسطنّ يَدا أو كانَ مِمَّن تراهم راجعينَ إلى ... أقوالِهم وكذا إن أسندوا سندا لولاهُمُ زادَ قومٌ في الشريعةِ ما ... شاؤوا ولكن حَمَوها كونهم أُسُدا هل يستوي مَنْ نأى عن أرضِه طلبًا ... له، وآخر عن تحصيلِه قَعَدا ومن ضرورةِ تفضيلِ الحديثِ على ... سِواه أن لا يرى شِبْهًا لهم أحدا شانيهمُ لا لقيتَ الدهرَ محمدةً ... ولا وُقيتَ مصابًا لا ولا فَنَدا ٢٦٠ - عبد الله بن أحمد بنِ أبي بكر، السعديُّ، المقدسيُّ، الصالحيُّ، المحدِّثُ، الرحَّالُ، الحافظُ . سمع بدمشق، ورحل إلى بغداد، وعُني بالحديث أتمَّ عناية، وأكثرَ السماع والكتابة، وحدَّث، توفي سنة ٦٥٨ وله أربعون سنة.

стр. 237

٢٦١ - محمد بن أحمد بنِ عبدِ الله بنِ عيسى بنِ أبي الرجال اليونيني . أحدُ الأعلام وشيوخ الإسلام، ولد سنة ٥٧٢، ونشأ يتيمًا بدمشق. وحفظ القرآن، وسمع الحديث عن الحافظ عبد الغني، وبرع في الحفظ، ولبس خرقة التصوف عن البطائحي صاحب الشيخ عبد القادر الجيلاني، وبرع في الحديث، وحفظ فيه الكتب الكبار حفظًا متقنًا؛ كـ "الجمع بين الصحيحين" للحميدي، و"صحيح مسلم" و"مسند الإمام أحمد"، ذكره ابنُ الحاجب، فأطنب في وصفه وأسهب، وقال: اشتغل بالفقه والحديث إلى أن صار إمامًا حافظًا ... إلى أن قال: ولم يُر في زمانه مثلُ نفسه في كماله وبراعته، وجمع بين علمي الشريعة والحقيقة، وأثنى عليه الحافظ عز الدين، قال: وكان يحفظ كثيرًا من الأحاديث النبوية، مشهورًا بذلك، انتهى. وكان حريصًا على سماع الحديث وقراءته، على علو سنه وعظم شأنه، وكان ذا أحوال وكرامات، وأوراد وعبادات، لا يُخِلُّ بها، ولا يؤخرها عن وقتها لورود أحد عليه، ولو كان من الملوك. وكان لا يرى إظهار الكرامات، ويقول: كما أوجب الله على الأنبياء إظهار المعجزات، أوجب على الأولياء إخفاءَ الكرامات. توفي ﵀ سنة ٦٥٨ ببعلبك. ٢٦٢ - عبد الرحمن بن سالم بنِ يحيى، الأنباريُّ، الدمشقيُّ، الفقيهُ . سمع من أبي اليمن الكندي، والحافظ الرهاوي، قال: كان يصلي بالمتأخرين صلاة الصبح بالجامع، ويُطيل بهم إطالة مفرطة خارجة عن المعتاد بكثير إلى أن تكاد تطلع الشمس، وهو في تطويله لا يتركه كل يوم. قال ابن رجب: تفقه وبرع، وأفتى ودرَّس وحدَّث، وسمع منه جماعة. توفي ﵀ سنة ٦٦١.

стр. 238

٢٦٣ - أحمد بن عبد الدائم بنِ أحمدَ، المقدسيُّ، ثم الصالحيُّ، الكاتبُ، المحدِّث، المعمَّرُ، الخطيبُ . ولد سنة ٥٧٥، وسمع الكثير بدمشق، ودخل بغداد، وسمع بها من أبي الفرج، وقرأ بنفسه، وعني بالحديث، وخرج النفسه مشيخة؛ وجمع تاريخًا لنفسه، وله نظم، وكان يكتب خطًا حسنًا، ويكتب سريعًا ما لا يوصف كثرة لنفسه وبالأجرة، حتى كان يكتب في اليوم إذا تفرغ تسع كراريس فأكثر، ويكتب مع اشتغاله بمصالحه الكراسين والثلاثة، وذكر أنه كتب بيده ألفي مجلدة، فإنه لازم الكتابة أزيدَ من خمسين سنة، حدَّث بالكثير، وانتهى إليه علو الإسناد، وكانت الرحلة إليه من أقطار البلاد، روى عنه الأئمة الكبار، والحفاظ المتقدمون والمتأخرون، منهم: النووي، وابن دقيق العيد، وتقي الدين بن تيمية، وخلق كثير، وتوفي سنة ٦٦٨. ورآه رجل ليلة موته في المنام كأن الناس في الجامع، وإذا ضجة، فسأل عنها، فقيل: مات هذه الليلة مالك بن أنس. ٢٦٤ - يوسف بن علي بنِ البقال، البغداديُّ الصوفيُّ، أبو الحجاج . كان صالحًا عالمًا ورعًا زاهدًا، له تصانيف في السلوك، حكي عنه: أنه قال: كنت بمصر زمن وقعة بغداد، فبلغني أمرُها، فأنكرته بقلبي، وقلت: يا رب! كيف هذا وفيهم أطفال، ومن لا ذنب له؟! فرأيت في المنام رجلًا وفي يده كتاب، فأخذته، فإذا فيه: دعِ الإعتراضَ، فما الأمرُ لك ... ولا الحكمُ في حركات الفلك توفي سنة ٦٦٨، وقيل: سنة ٦٦٦، والله أعلم. ٢٦٥ - محمد بن عبد المنعم بنِ عمار، الحرانيُّ، المحدثُ، الرحالُ . ولد سنة ٦٠٣، وسمع ببغداد من القطيعي، قال الشريف عز الدين: كتب بخطه، وطلب بنفسه، وحدَّث، ولي منه إجازة، وقال الذهبي: عُني بالحديث عناية كلية، وكتب الكثير، وتعب وحصَّل، وأَسمع الحديث، وتألف الناس على

стр. 239

روايته، ولديه فضيلة ومذاكرة جيدة. ووصفه الدمياطي بالإمام الحافظ، وسمع منه جماعة من الأكابر. توفي سنة ٦٧١. ٢٦٦ - علي بن محمد بنِ محمدِ بنِ وضاحٍ، الشهربانيُّ، الفقيهُ المحدثُ النَّحْوِيُّ، الزاهُد، الكاتبُ . ولد في رجب سنة ٥٩١ في شهربان، سمع بها "صحيح مسلم". روى عنه ابن الجوزي، وعُني بالحديث، وقرأ بنفسه، وكتب بخطه، وسمع الكتب الكبار، وتفقه، وبرع في العربية، وشارك في فنون من العلم، وصحب الصالحين، ولبس خرقة الصوفية، وهو أحد المُكْثِرين في الرواية، وخرَّجَ وصنَّف. ومن مصنفاته: كتاب: "الدليل الواضح في اقتفاء نهج السلف الصالح"، وكتاب "الرد على أهل الإلحاد"، وله إجازات من جماعة كثيرين، منهم: ابن قدامة، وله جزء في "مدح العلماء"، و"ذم الغناء"، و"الفرق بين أحوال الصالحين وأحوال المباحية أكَلة الدنيا والدين"، وله جزء في أن "الإيمان يزيد وينقص"، كتبه جوابًا عن سؤال فيمن حلف بالطلاق، على نفي ذلك، فأفتى بوقوع طلاقه، وبسط الكلام على المسألة، وذلك في زمن المستعصم، وقد أوذي بسبب ذلك هو والمحدثُ عبد العزيز القحيطي؛ فإنه وافق على هذا الجواب، وأخرج الشيخ من المدرسة التي كان مقيمًا بها، وأخرج القحيطي من بغداد. قال ابن رجب: وبذلك تحقق إيمانُهما وكونُهما - إن شاء الله تعالى - خلفاءَ الرسل في وقتهما، وحدَّث الشيخ بالكثير، وسمع منه خلق، وروى عنه الحافظ الدمياطي في "معجمه"، وأبو الثناء. توفي سنة ٦٧٢ وقال الذهبي سنة ٦٧١، وأبعد من ذلك ما قاله الدمياطي سنة ٦٧٣ أو سنة ٦٧٤ - وهذا قاله بالظن والتقريب؛ لبعد البلاد، وعدم من يراجعه في تحقيق ذلك. قال شيخنا صفي الدين: وكانت جنازته إحدى الجنائز المشهودة، واجتمع لها عالم لا يحصى، وغلقت الأسواق يومئذ، وشُدَّ تابوته بالحبال، وحمله الناس على أيديهم ودفن بحضرة قبر الإمام أحمد بن حنبل مقابلَ رجليه ﵀.

стр. 240

٢٦٧ - علي بن عثمان بنِ عبدِ القادر، الوجوهيُّ، المقرىء، الصوفيُّ، الزاهدُ . ولد سنة ٥٨٢، قرأ القرآن، وسمع الحديث، روى عنه الناس، توفي سنة ٦٧٢، رآه رجل عالم في النوم بعد موته، فقال: ما فعل الله بك؟ قال: نزلا عليَّ، فأجلساني، وسألاني، فقلت: لمثل ابن الوجوهي يقال ذلك؟! فأضجعاني، ومضيا - رحمه الله تعالى -. ٢٦٨ - عبد الصمد بن أحمد بنِ عبدِ القادرِ، القطفتيُّ، المقرىءُ، المحدثُ، النحويُّ، اللغويُّ؛ الخطيبُ، الواعظُ، الزاهدُ؛ شيخُ بغداد وخطيبُها . ولد سنة ٥٩٣، وقرأ القرآن بالروايات، وسمع الحديث، وقرأ بنفسه على الشيوخ، وجمع أسماء شيوخه بالسماع والإجازة، فكانوا فوق خمس مئة وخمسين شيخًا، وبعضهم بالإجازة العامة، وكثير منهم بالإجازة الخاصة من غير سماع. قال الشيخ صفي الدين: شيخ بغداد كلها، إليه انتهت رئاسة القراءة والحديث بها؛ وكان من العلماء العاملين، والأئمة الموصوفين بالعلم والفضل والزهد. صنف الخطبَ التي انفرد بفنها وأسلوبها وما فيها من الصنعة والفصاحة، وجمع منها شيئًا كثيرًا؛ ذهبت في واقعة بغداد مع كتب له أُخر بخطه وأصوله، حتى كان يقول: في قلبي حسرتان: ولدي، وكتبي، وكان ولده أحمد فاضلاً، حسنَ السمت، حسنَ الصورة، حسنَ القراءة، حدَّث بالكثير، وسمع منه خلائق، وكان شيوخ بغداد يقرؤون عليه كتب الحديث، حكى عنه ابن النجار في تاريخه، توفي سنة ٦٧٦. ٢٦٩ - يحيى بن أبي منصور بنِ أبي الفتح، الحيرانيُّ الصيرفيُّ، يعرف بابن الجيشي . نزيلُ دمشق، ولد سنة ٥٨٣، وسمع بها من الرهاوي، والخطيب فخر الدين، ورحل إلى بغداد، وسمع بها، وأخذ العربية عن أبي البقاء، وكتب الكثير

стр. 241

بخطه، وجمع، وصنف، وعلق فوائد وغرائب حسنة، وأفتى وناظر ودرس. وله مناقب جمة، منها: قيام الليل في معظم عمره، كان يقوم في وقت يعجز الشاب عن ملازمته، وهو جوف الليل، ومنها: التعصب في السنة، والمغالاة فيها، وقمع أهل البدعة، ومجانبتهم ومنابذتهم، ومنها: قول الحق، وإنكار المنكر على من كان، ولم يكن عنده من المداهنة والمراءاة شيء أصلاً، يقول الحق ويصدع به، حدَّث بجامع الترمذي وأشياء كثيرة. توفي سنة ٦٧٨، قال اليونيني: كانت جنازته حافلة مشهودة جدًا. ٢٧٠ - عبد الساتر بنِ عبد الحميد بنِ محمدٍ، المقدسيُّ . سمع وتفقه ومهر في المذهب، وعُني بالسنة، وجمع منها، وناظر الخصوم وكفرهم، وكان صاحب حرقة وتحرق على الأشعرية، فرموه بالتجسيم. قال الذهبي: رأيت له مصنفات في الصفات، فلم أر به باسًا، وفيه شراسة أخلاق مع صلاح ودين يابس. توفي سنة ٦٧٩ عن نيف وسبعين سنة. ٢٧١ - عبد الرحمن بن محمد بنِ أحمدَ بنِ محمدِ بنِ قدامةَ، المقدسيُّ، الجماعيليُّ، الإمامُ، الزاهدُ، الخطيبُ، قاضي القضاة، شيخُ الإسلام . ولد سنة ٥٩٧. سمع من أبيه وعمه موفقِ الدين، وجماعة، وأجاز له الصيدلاني، وابن الجوزي، وجماعة؛ ثم سمع بنفسه من أصحاب السلفي، وقرأ للناس على ابن الزبيدي وجماعة، وعني بالحديث. وعرض على عمه كتاب "المقنع (١) "، وشرح عليه، وأذن له في إقرائه. درَّس وأفتى، وأقرأ العلم زمانًا طويلاً، وانتفع به الناس، وانتهت إليه رئاسة العلم في زمانه، وكان معظمًا عند الخاص والعام، عظيمَ الهيبة عند الملوك.

стр. 242

قال النووي: هو أجلُّ شيوخي. حج ثلاث مرات؛ وكان آخرها قد رأى النبي ﷺ في المنام يطلبه الحج ذلك العام؛ وكان رقيق القلب، سريع الدمعة؛ وكان مجلسه عامرًا بالمحدثين والفقهاء. قال الذهبي: ما رأيت سير عالم أطول من سيره؛ حدث نحوًا من ستين سنة؛ كان شيخ الإسلام، وقدوة الأنام، وحسنة الأيام، ممن تفتخر به دمشق على سائر البلدان، بل هو يزهو به عصره على سائر متقدم العصور والأزمان. أثنى عليه البرزالي، واليونيني، وكان على قدم السلف الصالح على معظم أحواله، وممن أخذ عنه العلم: شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية، وأبو الحسن الحراني، وكان يقول: ما رأيت بعيني مثله، وحدَّث بالكثير، وروى عنه خلق كثير من الأئمة والحفاظ؛ مثل: الحارثي، والمزي والبرزالي. توفي سنة ٦٨٢، وكانت جنازته مشهودة، حضرها أمم لا يحصون، ويقال: إنه لم يسمع بمثلها من دهر طويل. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: بكت عليه العيون بأسرها، وعم مصابه جميع الطوائف وسائر الفرق، فأي دمع ما سجم؟ وأي أصل ما جذم؟ وأي ركن ما هدم؟ وأي فضل ما عدم؟ يا له من خطب ما أعظمه، وأجلَّ قدره! ومصاب ما أفخمه، وأكبر ذكره! انتهى. وقد رثاه نحو ثلاثين شاعرًا، ذكر له ابن رجب ترجمة حسنة حافلة. ٢٧٢ - عبدُ الحليم بنُ عبدِ السلام، الحرانيُّ، نزيلُ دمشق، وهو والد شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية . ولد سنة ٦٢٧. سمع من والده، ورحل إلى حلب، وسمع بها من الحفاظ، وتفنن في الفضائل. قال الذهبي: درَّس وأفتى وصنف، وصار شيخ البلد بعد أبيه، وخطيبَه وحاكمَه، وكان إمامًا محققًا لما ينقله، كثيرَ الفوائد، جيدَ المشاركة في العلوم، له يد طولى في الفرائض والحساب والهيئة، باشر بدمشق مشيخة دار الحديث؛ وكان له كرسي بالجامع يتكلم عليه أيام الجمع من حفظه، توفي سنة ٦٨٢.

стр. 243

٢٧٣ - عبيد الله بنُ محمد بنِ أحمدَ بنِ قدامةَ، المقدسيُّ، الفقيهُ، المحدثُ . ولد سنة ٦٣٥، سمع من كريمة القرشية وغيرها، وتفقه وبرع، وأفتى ودرَّس. قال البرزالي: سمع الكثير، وكتب بخطه، وشرع في تأليف كتاب في الحديث مرتبًا على أبواب الفقه، ولو تم، لكان نافعًا، رأى بعضُ الصالحين النبيَّ ﷺ في المنام، وقد جاء إلى الجبل، فقال له الرائي: يا رسول الله! فيم جئت إلى ها هنا؟ فقال: جئنا يقتبس عبيدُ الله من نورنا، توفي سنة ٦٨٤. ٢٧٤ - عبد الرحمن بنِ عمرَ بنِ أبي القاسم البصريُّ، الضريرُ، الفقيه، الإمامُ، نور الدين . ولد سنة ٦٢٤. حفظ القرآن ببغداد من ابن الجوزي، ومجد الدين بن تيمية. وله معرفة بالحديث، له تصانيف منها كتاب "جامع العلوم في تفسير كتاب الحي القيوم". وكان من العلماء المجتهدين، والفقهاء المنفردين، روى عنه جماعة من الشيوخ، وكانت له فطانة عظيمة، ونادرة عجيبة. اتفق جلوسه إلى جانب بهاء الدين في ديوان الإنشاء، فقال له: من أين الشيخ؟ قال: من البصرة، قال: والمذهب؟ قال: حنبلي، فقال: عجب بصري حنبلي! فقال: هنا أعجب من هذا؛ كردي رافضي! فخجل وسكت، وكان كرديًا رافضيًا، والرفض في الأكراد معدوم أو نادر. توفي سنة ٦٨٤، ومن فوائده: أن الماء لا ينجس إلا بالتغير، وإن كان قليلاً، وأن الترتيب يجب في التيمم إن تيمم بضربتين، ولا يجب إذا تيمم بواحدة، وأن الريق يطهر أفواه الحيوان والولدان، وأنه حكى لجواز التيمم لصلاة العيد إذا خيف فواتها روايتين، وأن بني هاشم يجوز لهم أخذ الزكاة إذا مُنعوا حقَّهم من الخمس. ٢٧٥ - عبد الرحيم بن محمد بنِ أحمدَ بنِ فارسٍ، العلثيُّ، البغداديُّ، الفقيهُ، المحدثُ، الأثريُّ الزاهدُ . أحد مشايخ العراق، ولد سنة ٦١٢. وسمع من عبد السلام، وأحمد بن

стр. 244

صرما، والقطيعي، وابن المَنِّي، وغيرهم. وأجاز لهم من دمشق: أبو القاسم الحرستاني، والافتخار الهاشمي، وجماعة. وعُني بالحديث أتم عناية، وقرأ بنفسه الكثير، والعالي والنازل، وسمع الناس بقراءته، وكتب بخطه الكثير، قال أبو العلاء الفرضي: كان شيخنا عالمًا فقيهًا، محدثًا مكثرًا مفيدًا، زاهدًا عابدًا، من بيت الحديث، متبعًا للسنة، شديدًا على المبتدعين، أثنى عليه محب الدين خطيب غرناطة، وقال صفي الدين شيخ ابن رجب كان من أجل شيوخ الحديث، ملتزمًا للسنة. وقال البرزالي: محدث بغداد في وقته، موصوف باتباع السنة ونصرها والذب عنها. قال الذهبي: له أَتباع وأصحاب يقومون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حدَّث بالكثير، وسمع منه الكبار؛ كالمزي، والبرزالي، وشيخ الإسلام ابن تيمية. وتوفي في طريق مكة سنة ٦٨٥. ٢٧٦ - خليل بن أبي بكر بنِ صديق المراغي، أبو الصفا، نزيلُ مصرَ . ولد سنة بضع وتسعين وخمس مئة، قرأ القرآن، وسمع الحديث من الحرستاني، وبرع في الأصول وجميع العلوم. قال الفرضي: كان ثقة عدلا مسندًا، من بيت الحديث والزهد، وعظ في شبابه ثم ترك، سمع منه جماعة، توفي سنة ٦٨٥. ٢٧٧ - عبد الرحمن بن يوسف بنِ محمدٍ البعليُّ، الفقيهُ، المحدثُ، الزاهدُ، فخرُ الدين . ولد سنة ٦١١. قرأ القرآن، وسمع الحديث من الأعيان، وقرأ الأصول وشيئًا من الخلاف على السيف الآمدي، والقاضي نجم الدين اللذين انتقلا إلى مذهب الشافعي، وصحب اليونيني البطائحي، والنووي، وولي مشيخة دار الحديث بمشهد، وبدار الحديث النورية والصدرية. قال في صحته وعافيته: أنا أعيش عمر الإمام أحمد، لكن شتان ما بيني وبينه! فكان كما قال. حدَّث بالكثير، وسمع منه جماعة من الأئمة الحفاظ، توفي سنة ٦٨٨.

стр. 245

٢٧٨ - محمد بن إبراهيم بنِ عبدِ الواحد السعديُّ المقدسيُّ، الصالحيُّ، المحدثُ الزاهدُ، القدوةُ، ابنُ أخ الحافظ الضياء المقدسي . ولد سنة ٦٠٧. سمع من جماعة ببغداد وغيرها، ولازم الحافظ الضياء، وتخرج به، وكتب الكثير بخطه، وقرأ على الشيوخ، وعني بالحديث، وأتم تصنيف "الأحكام" الذي جمعه عمه المذكور، درَّس بدار الحديث الأشرفية، وكان للطلبة عليه مواعيد يعلمهم قراءة الحديث، ويفيدهم ويرد عليهم الغلط، انتفع به جماعة. قال الذهبي: كان إمامًا فقيهًا محدثًا، زاهدًا عابدًا، له قدم رساخ في التقوى، ووقعٌ في النفوس، حدث نحوًا من أربعين سنة؛ سمع منه خلق كثير؛ وروى عنه جماعة من الأكابر، توفي سنة ٦٨٨ - رحمه الله تعالى -. ٢٧٩ - علي بن أحمد بن عبدِ الواحدِ السعديُّ، الصالحيُّ، الفقيهُ، المحدثُ، المعمَّرُ، سيدُ الوقت، فخرُ الدين بنُ الشيخ شمس الدين البخاري . ولد في آخر سنة ٥٩٥، وسمع بدمشق من ابن طبرزد، وأبي المحاسن، وأبي اليمن، وبالقدس ومصر والإسكندرية وحمص وبغداد، وتفرد بالرواية عن جماعة، وقرأ بنفسه، وسمع كثيرًا من الكتب الكبار والأجزاء، واستجاز له عمه الضياء الحافظ من خلق منهم: ابن الجوزي، وتفرد في الدنيا بالرواية العالية، وصار محدثَ الإسلام؛ روى الحديث فوق ستين سنة، وسمع منه الأئمة الحفاظ المتقدمون، وقد ماتوا قبله بدهر. قال الفرضي في "معجمه": كان شيخًا مسندًا، وقورًا صبورًا على قراءة الحديث، مكرمًا للطلبة، مواظبًا على العبادة، ألحق الأحفاد بالأجداد. قال الشيخ تاج الدين الفزاري: انتهت إليه الرئاسة في الرواية، وقصده المحدثون من الأقطار، وقال البرزالي: كان يحفظ كثيرًا من الأحاديث وألفاظها المشكلة، رجحوه على ابن الدائم. وقال المزي: أحد المشايخ الأكابر، والأعيان الأماثل، من بيت العلم والحديث. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ينشرح صدري إذا دخل ابن البخاري بيني وبين رسول الله ﷺ في حديث. وسمع منه عمر بن الحاجب، والحافظ المنذري، وحدث ببلاد كثيرة. ذكر له ابن رجب ترجمة حسنة، وقال: وممن سمع منه من

стр. 246

الحفاظ والأكابر: الدمياطي، وابن دقيق العيد، وابن جماعة، وابن تيمية، ورحل إليه ابن سيد الناس، فوجده قد مات قبل وصوله بيومين، فتألم لذلك. قال الذهبي: وهو آخر من كان بينه وبين رسول الله ﷺ ثمانية رجال ثقات. قلت: يريد: السماع المتصل. قال: وإن كان للدنيا بقاء، فليتأخرنَّ أصحابُه - إن شاء الله تعالى - إلى بعد السبعين والسبع مئة - يريد كثرتهم -، وكذا وقع. ومن نظمه: تكرَّرت السنونَ عليّ حتى ... بُليت وصرت من سَقَطِ المتاعِ وقَلَّ النفعُ عندي غيرَ أني ... أعلل للروايةِ والسماعِ فإنْ يكُ خالصًا فله جزاءٌ ... وإنْ يكُ مائقًا فإلى ضَياعِ وله رح: إليكَ اعتذاري من صلاتيَ قاعدًا ... وعَجْزِيَ عن سَعيي إلى الجُمُعاتِ وتركي صلاةَ الفرضِ في كلِّ مسجدٍ ... يجمع فيه الناس للصلواتِ فيا ربِّ لا تمقُتْ صلاتي ونَجِّني ... من النار واصفحْ لي عن الهَفَواتِ وله رح: أتتْكَ مقدماتُ الموتِ تسعى ... وقلبُكَ غافلٌ عنها وساهي فجدَّ فقد دنَتْ منك المنايا ... ودعْ عنكَ التشاغلَ بالملاهي ولا تأمنْ لمكر الله واحذرْ ... وكنْ متقاصرًا عندَ التناهي فكمْ ممَّنْ يُساق إلى جحيمٍ ... صحائفُه مسوَّدَة كما هي وليسَ كمنْ يُساق إلى نعيمٍ ... وجناتٍ مزخرَفةٍ زَواهي فلا تظننْ بربِّكَ ظنَّ سوءٍ ... فحسنُ الظنِّ جدًا غير واهي توفي سنة ٦٩٠، وكانت جنازته مشهودة، شهدها القضاة والأمراء والأعيان وخلق كثير، رح.

стр. 247

٢٨٠ - أحمد بن عبد الرحمن بنِ عبدِ المنعمِ، المقدسيُّ، النابلسيُّ، العابرُ، الفقيهُ، المحدثُ . ولد سنة ٦٤٨. سمع من جماعة، وأجاز له محمود بن منده، والمديني، وتفقه في المذهب، وبرع في معرفة تعبير الرؤيا، وانفرد بذلك بحيث لم يشارك فيه، ولم يدرك شأوه، وكان الناس يتحيرون منه إذا عبر الرؤيا لما يخبر الرائي بأمور جرت له، وربما أخبره باسمه وولده ومنزله، ويكون من بلد ناءٍ. وله في ذلك حكايات كثيرة غريبة، وهي من أعجب العجب، وكان جماعة من العلماء يقولون: إن له رئيًا من الجن، وكان مع ذلك كثير العبادة. قال ابن رجب: وقد رأيت لأبي العباس القرافي كلامًا حسنًا في التعبير، رأيت أن أذكره ها هنا، قال: اعلم أن تفسير المنامات قد اتسعت تقيداته، وتشعبت تخصيصاته، وتنوعت تفريعاته؛ بحيث صار لا يقدر الإنسان يعتمد فيه على مجرد المنقولات؛ لكثرة التخصيصات بأحوال الرائين، بخلاف تفسير القرآن الكريم، والتحدث في الكتاب والسنة والفقه وغير ذلك من العلوم؛ فإن ضوابطها محصورة أو قريبة من الحصر، وعلمُ المنامات منتشر انتشارًا شديدًا لا يدخل تحت الضبط، لا جرم احتاج الناظر فيه مع ضوابطه وقوانينه إلى قوة من قوى النفس المعينة على الفراسة والاطلاع على المغيبات؛ بحيث إذا توجه الحزر إلى شيء لا يكاد يخطىء بسبب ما يخلقه الله تعالى في تلكم النفوس من القوة الغيبية على تقريب المغيب أو تحقيقه؛ فمن الناس من هو كذلك، وقد يكون ذلك عامًا في جميع الأنواع، وقد يهبه الله ذلك باعتبار المنامات فقط، أو بحسب علم الرمل فقط؛ فلا يفتح له صحة القول والمنطق في غيره، ومن ليس له قوة في نفس هذا النوع صالحة في ذلك لعلم تعبير الرؤيا، لا يكاد يصيب إلا على الندور، فلا ينبغي له التوجه إلى علم التعبير، ومن كانت له قوة نفس هو الذي ينتفع بتعبيره؛ وقد رأيت من له قوة نفس مع القواعد، فكان يتحدث بالعجائب والغرائب في المنام اللطيف، ويخرج منه الأشياء الكثيرة، والأحوال المتباينة، ويخبر فيه عن الماضيات والحاضرات والمستقبلات، وينتهي في المنام اليسير

стр. 248

إلى نحو مئة من الأحكام، حتى يقول من لا يعلم أحوال قوى النفس: إن هذا من الجان والمكاشفة، وليس كما قال، بل قوة نفس يجد بسببها هذه الأحوال عند توجهه بالمنام، ورأيت أنا جماعة من هذا النوع، واختبرتهم، انتهى كلامه، وأظنه يشير إلى الشيخ المذكور؛ فإنه معاصره. قال الذهبي: كان إمامًا فاضلاً، وليَ مشيخة دار الحديث الأشرفية؛ وأسمع بها الحديث، وذكر مرة لقضاء الحنابلة، وحدث بدمشق ومصر وغيرهما؛ وسمع منه خلق من الحفاظ وغيرهم؛ كالمزي والبرزالي، والذهبي، وشيخنا ابن القيم، توفي سنة ٦٩٧، وكانت جنازته حافلة، خرج نائب السلطنة للصلاة عليه والقضاةُ والأكابر ﵀. ٢٨١ - أحمد بن محمد بن أنجب بن الكسار، الواسطيُّ الأصل، البغداديُّ، المحدثُ، الحافظُ . ولد سنة ٤٢٦ سمع ببغداد من القطيعي، وابن اللتي، واكثرَ عن المتأخرين، وقرأ الكثير من الكتب والأجزاء، وعُني بالحديث، وكانت له معرفة حسنة به، قال الشيخ صفي الدين: تفرد في زمانه بمعرفة الحديث وأسماء الرواة، وكان ضنينًا بالفوائد. قال الفرضي: كان فقيهًا محدثًا حافظًا، وهو متماسك، وله عمل كثير في الحديث وشهرة، وكان قارئًا بدار الحديث المستنصرية، مفيدًا بها، وكان بعض الشيوخ ينسبه إلى التهاون في الصلاة، وقال بعضهم: إنهم كانوا يحسدونه لما كان برز عليهم في الكلام والمجالس، توفي سنة ٦٩٨. قال ابن رجب: بلغني أن رجلاً من أهل سامرة أشكل عليه الجمع بين الحديثين؛ وهما: قوله ﷺ : "من همَّ بسيئةٍ فلم يعملْها، كتبت له حسنة"، وقوله في الذي رأى ذا مال ينفقه في المعاصي: لو أن لي - مثل ما لفلان - لفعلت ما فعل، فقال النبي ﷺ : "هما في الوزر سواء"، فقدم بغداد، فلم يجبه أحد بجواب شافٍ حتى دل على ابن الكسار، فقال له على الفور ما معناه: إن المعفو عنه إنما هو الهَمُّ المجرَّدُ، فأما إن اقترن به القول أو العمل، لم يكن معفوًا عنه، وذكر قوله ﷺ : "إن الله تجاوز لأمتي ما حَدَّثت به، ما لم تتكلمْ به، أو تعملْ".

стр. 249

٢٨٢ - محمد بن عبد القوي بن بدران المقدسيُّ، الفقيهُ، المحدثُ، النحويُّ . ولد سنة ٦٣٠، وسمع الحديث، وطلب وقرأ وتفقه، وبرع في العربية واللغة، واشتغل ودرَّس وأفتى وصنَّف، وكان يحضر دار الحديث ويشغل بها. قال الذهبي: لي منه إجازة؛ وممن قرأ عليه الشيخ تقي الدين بن تيمية. توفي سنة ٦٩٩. ٢٨٣ - علي بن محمد بنِ أحمدَ اليونيني، الفقيهُ، المحدثُ، الزاهدُ . ولد سنة ٦٢١ ارتحل بعد الأربعين إلى مصر لطلب العلم والحديث، فسمع بها، ولازم الحافظ عبد العظيم المنذري، وتخرج به، وعُني بالحديث، واستنسخ "صحيح البخاري"، واعتنى بأمره كثيرًا. قال الذهبي: قرأ بنفسه, وكتب بخطه, وأفتى ودرس، وعني باللغة. وقال البرزالي: يحفظ كثيرًا من الأحاديث بلفظها وبفهم معانيها، وكان فصيح العبارة، حسن الكلام، وكان له قبول من الناس، مُديمًا للمطالعة، كثيرَ المحاسن، منوَّرَ الشيبة، عظيمَ الهيبة. توفي سنة ٧٠١ ببعلبك، وصلِّي عليه يوم الجمعة بجامع دمشق صلاة الغائب، وكان موته شهادة في رمضان. ٢٨٤ - موسى بن إبراهيم بنِ يحيى بن علوان، الأزديُّ، الشقراويُّ، الفقيهُ، المحدثُ، النحويُّ المعدِّلُ . ولد سنة ٦٢٤، وسمع من أبيه، والضياء المقدسي، ويوسف ابن سبط الجوزي، وعُني بالحديث، وقرأ بنفسه، وكتب بخطة ما لا يوصف، وتفقه وأفتى، وولي مشيخة دار الحديث العالية بالسفح، ودار الحديث العزيَّة بالشرف الأعلى. قال الذهبي: كان إمامًا مفتيًا، له معرفة بالحديث واللغة والعربية، كثير المحفوظ، حدَّث، وروى عنه الذهبي، توفي سنة ٧٠٢ - رحمه الله تعالى -.

стр. 250

٢٨٥ - إبراهيم بن أحمد بنِ محمدٍ الرقيّ، الزاهد، المحدثُ . ولد سنة ٦٤٧ قرأ ببغداد، وسمع بها الحديث بعد الستين، قال الذهبي: عُني بتفسير القرآن، وتقدم في علم الطب، وشارك في علوم الإسلام، له المواعظ، والنظم العذب، والعناية بالآثار النبوية، وكان كلمة إجماع، وربما حضر السماع وتواجد. قال البرزالي: كان عارفًا بالتفسير والحديث والفقه والأصلين. قال ابن رجب: سمع منه الذهبي، والبرزالي، وغيرهما، قال الذهبي: له النظم الرائق يستحق أن تطوى إلى لقيه مراحل. توفي سنة ٧٠٣. ٢٨٦ - علي بن مسعود بن نفيس، الحلبيُّ، الصوفيُّ، المحدثُ، الحافظُ، الزاهدُ، نزيلُ دمشق . ولد سنة ٦٣٤. سمع بحلب من ابن رواحة، وجماعة بمصر؛ وقرأ كتبًا مطولة مرارًا وعُني بالحديث عناية تامة، وكانت قراءته مفسرة حسنة. وكان يجوع ويشتري الأجزاء، ويتعفف، ويقنع بكسرة، وكان فقيهًا على مذهب أحمد؛ سمع منه الذهبي وجماعة، توفي سنة ٧٠٤، وشيعه شيخ الإسلام ابن تيمية، رح. ٢٨٧ - محمد بن إسماعيل بن أبي سعد، الآمديُّ، ثم المصريُّ، الأميرُ الكبيرُ، الأديب . ولد سنة ٦٣٧، سمع بمصر ودمشق من جماعة، وسمع الحديث ورواه، وكان محدثًا فاضلاً متقنًا، وزيرًا للملك السعيد الأرتقي صاحب ماردين. سمع منه جماعة، منهم: ابن تيمية شيخ الإسلام، توفي سنة ٧٠٤، وكان سبب موته أنه سقط عن فرسه، فتكسرت أعضاؤه، وبقي أيامًا ثم مات ﵀. ٢٨٨ - محمد بن عبد الله بنِ عمر، البغداديُّ، المقرىءُ، المحدثُ، الصوفيُّ، الكاتبُ . ولد سنة ٦٢٣. سمع الكثير من ابن روزبه، وابن الخازن، وابن اللتي، وعُني
следующие страницы →