الحفاظ والأكابر: الدمياطي، وابن دقيق العيد، وابن جماعة، وابن تيمية، ورحل إليه ابن سيد الناس، فوجده قد مات قبل وصوله بيومين، فتألم لذلك. قال الذهبي: وهو آخر من كان بينه وبين رسول الله ﷺ ثمانية رجال ثقات.
قلت: يريد: السماع المتصل. قال: وإن كان للدنيا بقاء، فليتأخرنَّ أصحابُه - إن شاء الله تعالى - إلى بعد السبعين والسبع مئة - يريد كثرتهم -، وكذا وقع. ومن نظمه:
تكرَّرت السنونَ عليّ حتى ... بُليت وصرت من سَقَطِ المتاعِ
وقَلَّ النفعُ عندي غيرَ أني ... أعلل للروايةِ والسماعِ
فإنْ يكُ خالصًا فله جزاءٌ ... وإنْ يكُ مائقًا فإلى ضَياعِ
وله رح:
إليكَ اعتذاري من صلاتيَ قاعدًا ... وعَجْزِيَ عن سَعيي إلى الجُمُعاتِ
وتركي صلاةَ الفرضِ في كلِّ مسجدٍ ... يجمع فيه الناس للصلواتِ
فيا ربِّ لا تمقُتْ صلاتي ونَجِّني ... من النار واصفحْ لي عن الهَفَواتِ
وله رح:
أتتْكَ مقدماتُ الموتِ تسعى ... وقلبُكَ غافلٌ عنها وساهي
فجدَّ فقد دنَتْ منك المنايا ... ودعْ عنكَ التشاغلَ بالملاهي
ولا تأمنْ لمكر الله واحذرْ ... وكنْ متقاصرًا عندَ التناهي
فكمْ ممَّنْ يُساق إلى جحيمٍ ... صحائفُه مسوَّدَة كما هي
وليسَ كمنْ يُساق إلى نعيمٍ ... وجناتٍ مزخرَفةٍ زَواهي
فلا تظننْ بربِّكَ ظنَّ سوءٍ ... فحسنُ الظنِّ جدًا غير واهي
توفي سنة ٦٩٠، وكانت جنازته مشهودة، شهدها القضاة والأمراء والأعيان وخلق كثير، رح.
стр. 247
٢٨٠ - أحمد بن عبد الرحمن بنِ عبدِ المنعمِ، المقدسيُّ، النابلسيُّ، العابرُ، الفقيهُ، المحدثُ .
ولد سنة ٦٤٨. سمع من جماعة، وأجاز له محمود بن منده، والمديني، وتفقه في المذهب، وبرع في معرفة تعبير الرؤيا، وانفرد بذلك بحيث لم يشارك فيه، ولم يدرك شأوه، وكان الناس يتحيرون منه إذا عبر الرؤيا لما يخبر الرائي بأمور جرت له، وربما أخبره باسمه وولده ومنزله، ويكون من بلد ناءٍ. وله في ذلك حكايات كثيرة غريبة، وهي من أعجب العجب، وكان جماعة من العلماء يقولون: إن له رئيًا من الجن، وكان مع ذلك كثير العبادة.
قال ابن رجب: وقد رأيت لأبي العباس القرافي كلامًا حسنًا في التعبير، رأيت أن أذكره ها هنا، قال: اعلم أن تفسير المنامات قد اتسعت تقيداته، وتشعبت تخصيصاته، وتنوعت تفريعاته؛ بحيث صار لا يقدر الإنسان يعتمد فيه على مجرد المنقولات؛ لكثرة التخصيصات بأحوال الرائين، بخلاف تفسير القرآن الكريم، والتحدث في الكتاب والسنة والفقه وغير ذلك من العلوم؛ فإن ضوابطها محصورة أو قريبة من الحصر، وعلمُ المنامات منتشر انتشارًا شديدًا لا يدخل تحت الضبط، لا جرم احتاج الناظر فيه مع ضوابطه وقوانينه إلى قوة من قوى النفس المعينة على الفراسة والاطلاع على المغيبات؛ بحيث إذا توجه الحزر إلى شيء لا يكاد يخطىء بسبب ما يخلقه الله تعالى في تلكم النفوس من القوة الغيبية على تقريب المغيب أو تحقيقه؛ فمن الناس من هو كذلك، وقد يكون ذلك عامًا في جميع الأنواع، وقد يهبه الله ذلك باعتبار المنامات فقط، أو بحسب علم الرمل فقط؛ فلا يفتح له صحة القول والمنطق في غيره، ومن ليس له قوة في نفس هذا النوع صالحة في ذلك لعلم تعبير الرؤيا، لا يكاد يصيب إلا على الندور، فلا ينبغي له التوجه إلى علم التعبير، ومن كانت له قوة نفس هو الذي ينتفع بتعبيره؛ وقد رأيت من له قوة نفس مع القواعد، فكان يتحدث بالعجائب والغرائب في المنام اللطيف، ويخرج منه الأشياء الكثيرة، والأحوال المتباينة، ويخبر فيه عن الماضيات والحاضرات والمستقبلات، وينتهي في المنام اليسير
стр. 248
إلى نحو مئة من الأحكام، حتى يقول من لا يعلم أحوال قوى النفس: إن هذا من الجان والمكاشفة، وليس كما قال، بل قوة نفس يجد بسببها هذه الأحوال عند توجهه بالمنام، ورأيت أنا جماعة من هذا النوع، واختبرتهم، انتهى كلامه، وأظنه يشير إلى الشيخ المذكور؛ فإنه معاصره.
قال الذهبي: كان إمامًا فاضلاً، وليَ مشيخة دار الحديث الأشرفية؛ وأسمع بها الحديث، وذكر مرة لقضاء الحنابلة، وحدث بدمشق ومصر وغيرهما؛ وسمع منه خلق من الحفاظ وغيرهم؛ كالمزي والبرزالي، والذهبي، وشيخنا ابن القيم، توفي سنة ٦٩٧، وكانت جنازته حافلة، خرج نائب السلطنة للصلاة عليه والقضاةُ والأكابر ﵀.
٢٨١ - أحمد بن محمد بن أنجب بن الكسار، الواسطيُّ الأصل، البغداديُّ، المحدثُ، الحافظُ .
ولد سنة ٤٢٦ سمع ببغداد من القطيعي، وابن اللتي، واكثرَ عن المتأخرين، وقرأ الكثير من الكتب والأجزاء، وعُني بالحديث، وكانت له معرفة حسنة به، قال الشيخ صفي الدين: تفرد في زمانه بمعرفة الحديث وأسماء الرواة، وكان ضنينًا بالفوائد. قال الفرضي: كان فقيهًا محدثًا حافظًا، وهو متماسك، وله عمل كثير في الحديث وشهرة، وكان قارئًا بدار الحديث المستنصرية، مفيدًا بها، وكان بعض الشيوخ ينسبه إلى التهاون في الصلاة، وقال بعضهم: إنهم كانوا يحسدونه لما كان برز عليهم في الكلام والمجالس، توفي سنة ٦٩٨.
قال ابن رجب: بلغني أن رجلاً من أهل سامرة أشكل عليه الجمع بين الحديثين؛ وهما: قوله ﷺ : "من همَّ بسيئةٍ فلم يعملْها، كتبت له حسنة"، وقوله في الذي رأى ذا مال ينفقه في المعاصي: لو أن لي - مثل ما لفلان - لفعلت ما فعل، فقال النبي ﷺ : "هما في الوزر سواء"، فقدم بغداد، فلم يجبه أحد بجواب شافٍ حتى دل على ابن الكسار، فقال له على الفور ما معناه: إن المعفو عنه إنما هو الهَمُّ المجرَّدُ، فأما إن اقترن به القول أو العمل، لم يكن معفوًا عنه، وذكر قوله ﷺ : "إن الله تجاوز لأمتي ما حَدَّثت به، ما لم تتكلمْ به، أو تعملْ".
стр. 249
٢٨٢ - محمد بن عبد القوي بن بدران المقدسيُّ، الفقيهُ، المحدثُ، النحويُّ .
ولد سنة ٦٣٠، وسمع الحديث، وطلب وقرأ وتفقه، وبرع في العربية واللغة، واشتغل ودرَّس وأفتى وصنَّف، وكان يحضر دار الحديث ويشغل بها. قال الذهبي: لي منه إجازة؛ وممن قرأ عليه الشيخ تقي الدين بن تيمية. توفي سنة ٦٩٩.
٢٨٣ - علي بن محمد بنِ أحمدَ اليونيني، الفقيهُ، المحدثُ، الزاهدُ .
ولد سنة ٦٢١ ارتحل بعد الأربعين إلى مصر لطلب العلم والحديث، فسمع بها، ولازم الحافظ عبد العظيم المنذري، وتخرج به، وعُني بالحديث، واستنسخ "صحيح البخاري"، واعتنى بأمره كثيرًا.
قال الذهبي: قرأ بنفسه, وكتب بخطه, وأفتى ودرس، وعني باللغة. وقال البرزالي: يحفظ كثيرًا من الأحاديث بلفظها وبفهم معانيها، وكان فصيح العبارة، حسن الكلام، وكان له قبول من الناس، مُديمًا للمطالعة، كثيرَ المحاسن، منوَّرَ الشيبة، عظيمَ الهيبة. توفي سنة ٧٠١ ببعلبك، وصلِّي عليه يوم الجمعة بجامع دمشق صلاة الغائب، وكان موته شهادة في رمضان.
٢٨٤ - موسى بن إبراهيم بنِ يحيى بن علوان، الأزديُّ، الشقراويُّ، الفقيهُ، المحدثُ، النحويُّ المعدِّلُ .
ولد سنة ٦٢٤، وسمع من أبيه، والضياء المقدسي، ويوسف ابن سبط الجوزي، وعُني بالحديث، وقرأ بنفسه، وكتب بخطة ما لا يوصف، وتفقه وأفتى، وولي مشيخة دار الحديث العالية بالسفح، ودار الحديث العزيَّة بالشرف الأعلى.
قال الذهبي: كان إمامًا مفتيًا، له معرفة بالحديث واللغة والعربية، كثير المحفوظ، حدَّث، وروى عنه الذهبي، توفي سنة ٧٠٢ - رحمه الله تعالى -.
стр. 250
٢٨٥ - إبراهيم بن أحمد بنِ محمدٍ الرقيّ، الزاهد، المحدثُ .
ولد سنة ٦٤٧ قرأ ببغداد، وسمع بها الحديث بعد الستين، قال الذهبي: عُني بتفسير القرآن، وتقدم في علم الطب، وشارك في علوم الإسلام، له المواعظ، والنظم العذب، والعناية بالآثار النبوية، وكان كلمة إجماع، وربما حضر السماع وتواجد. قال البرزالي: كان عارفًا بالتفسير والحديث والفقه والأصلين. قال ابن رجب: سمع منه الذهبي، والبرزالي، وغيرهما، قال الذهبي: له النظم الرائق يستحق أن تطوى إلى لقيه مراحل. توفي سنة ٧٠٣.
٢٨٦ - علي بن مسعود بن نفيس، الحلبيُّ، الصوفيُّ، المحدثُ، الحافظُ، الزاهدُ، نزيلُ دمشق .
ولد سنة ٦٣٤. سمع بحلب من ابن رواحة، وجماعة بمصر؛ وقرأ كتبًا مطولة مرارًا وعُني بالحديث عناية تامة، وكانت قراءته مفسرة حسنة.
وكان يجوع ويشتري الأجزاء، ويتعفف، ويقنع بكسرة، وكان فقيهًا على مذهب أحمد؛ سمع منه الذهبي وجماعة، توفي سنة ٧٠٤، وشيعه شيخ الإسلام ابن تيمية، رح.
٢٨٧ - محمد بن إسماعيل بن أبي سعد، الآمديُّ، ثم المصريُّ، الأميرُ الكبيرُ، الأديب .
ولد سنة ٦٣٧، سمع بمصر ودمشق من جماعة، وسمع الحديث ورواه، وكان محدثًا فاضلاً متقنًا، وزيرًا للملك السعيد الأرتقي صاحب ماردين.
سمع منه جماعة، منهم: ابن تيمية شيخ الإسلام، توفي سنة ٧٠٤، وكان سبب موته أنه سقط عن فرسه، فتكسرت أعضاؤه، وبقي أيامًا ثم مات ﵀.
٢٨٨ - محمد بن عبد الله بنِ عمر، البغداديُّ، المقرىءُ، المحدثُ، الصوفيُّ، الكاتبُ .
ولد سنة ٦٢٣. سمع الكثير من ابن روزبه، وابن الخازن، وابن اللتي، وعُني
стр. 251
بالحديث، وسمع الكتب الكبار والأجزاء، وكتب بخطه - وخطُّه في غاية الحسن -، ولي مشيخة دار الحديث المستنصرية، ولبس خرقة التصوف؛ وانتهى إليه علوُّ الإسناد، وسمع منه خلق كثير من أهل بغداد والرحالين إليه، وحدَّث بالكثير، توفي سنة ٧٠٧، ودفن بمقبرة الإمام أحمد ﵁.
٢٨٩ - محمد بن عبد الرحمن بن شامة بن كوكب الطابيُّ، الينبسيُّ، المحدثُ، الحافظُ، الزاهدُ، العابدُ .
ولد سنة ٦٦٢ طلب بنفسه، وسمع من جماعة، منهم: ابن البخاري، ورحل إلى مصر، وسمع بها وبالإسكندرية من أعيانها، ورحل إلى بغداد وأصبهان وحلب وواسط، وعُني بهذا الفن، وحصَّل الأصول، وكتب العالي والنازل، وخرَّج لنفسه. قال الحافظ عبد الكريم الحلبي: طاف البلاد، وقرأ الكثير، وسمع من صغره إلى حين وفاته. قال البرزالي: قراءته حسنة صحيحة معربة؛ خالطه الفقر، وصارت له أوراد وكثرة تلاوة، وحظوة وشهرة بالحديث وقراءته، وكان ملازمًا للتلاوة في مشيه، مواظبًا على الكتابة والنسخ وقراءة الحديث؛ ونسخَ "الصحيحين" بخطه، وقابلهما وقرأهما، وبيعا في تركته بألف درهم رغبةً فيه وفي تصحيحه. قال الذهبي: أحد الرحالين والحفاظ المكثرين، وكان ثقة صحيح النقل عارفًا بالأسماء، مفيدًا للطلبة، على طريقة السلف في لبسه وتواضعه وترك التكلف، حدَّث، وسمع منه البرزالي، والذهبي، وغيرهما. توفي سنة ٧٠٨ بمصر ﵀.
٢٩٠ - محمد بن أبي الفتح بنِ أبي الفضلِ، البعليُّ، الفقيهُ، المحدثُ، النحويُّ، اللغويُّ .
ولد سنة ٦٤٥، وقيل: سنة ٦٤٤، سمع من الحفاظ الكبار، وعُني بالحديث، وطلبَ، وقرأ بنفسه، وكتب بخطه، وبرع، وأفتى، وصنف تصانيف، له تخاريج كثيرة في الحديث يروي فيها الحديث بأسانيده، وتكلم على المتون من جهة الإعراب والفقه وغير ذلك، ودرَّس الحديث بالمدارس، وأفتى
стр. 252
زمانًا طويلًا. قال الذهبي: كان إمامًا في الحديث والعربية والمذهب، غزيرَ الفوائد، وكان ثقة صالحًا على طريقة السلف، حدثنا بدمشق وبعلبك وطرابلس، وتوفي سنة ٧٠٩.
٢٩١ - أحمد بن إبراهيم بنِ عبد الرحمنِ، الواسطيُّ، الحزاميُّ، الزاهدُ، القدوةُ، العارفُ، المحدثُ .
ولد سنة ٦٥٧. ألهمه الله من صغره طلب الحق ومحبته، والنفورَ عن البدع وأهلها، اجتمع بالفقهاء الشافعية، وخالط طوائف الفقراء، ولم يسكن قلبه إلى شيء من الطوائف المحدثة، واجتمع بالإسكندرية بالطوائف الشاذلية، فوجد عندهم ما يطلبه من لوائح المحبة والمعرفة والسلوك - فأخذ عنهم، وانتفع بهم، واقتفى طريقتهم وهديَهم، ثم قدم دمشق، فرأى الشيخ تقي الدين بن تيمية، وصاحبه، فدله على مطالعة السيرة النبوية، فأقبل على مطالعة كتب الحديث والسنة والآثار، وتخلى من جميع طرائقه وأذواقه وسكونه، واقتفى آثار الرسول ﷺ وهديه وطرائقه المأثورة عنه في كتب السنن والآثار، واعتنى بأمر السنة أصولاً وفروعًا، وشرع في الرد على الطوائف المبتدعة الذين خالطهم وعرفهم من الاتحادية وغيرهم، وبَيَّنَ عوراتِهم، وكشف أستارَهم، وانتقل إلى مذهب الإمام أحمد، وألف تآليف كثيرة في الطريقة النبوية، والسلوك الأثري، والفقر المحمدي، وهي من أنفع كتب الصوفية للمريدين، انتفع بها خلق كثير من متصوفة أهل الحديث ومتعبديهم.
وكان الشيخ تقي الدين بن تيمية يعظمه ويُجله، ويقول: هو جنيد وقته، وكتب إليه كتاباً من مصر أوله: إلى شيخنا العارفِ الإمامِ القدوةِ السالكِ ...
قال البرزالي: له كلام متين في التصوف الصحيح، وهو داعية إلى طريق الله، وقلمه أبسطُ من عبارته، واختصر "السيرة النبوية"، وكان يتقوت من النسخ، ولا يكتب إلا مقدار ما يدفع به الضرورة، وكان محبًا لأهل الحديث، معظمًا لهم، وأوقاته محفوظة.
قال الذهبي: وكان داعية إلى السنة، ومذهبه مذهب السلف في الصفات
стр. 253
يُمِرُّها كما جاءت؛ وقد انتفع به جماعة صحبوه، ولا أعلم خلف بدمشق في طريقته مثله.
قال ابن رجب: ومن تصانيفه "شرح منازل السائرين"، وله نظم حسن في السلوك؛ كتب عنه البرزالي، والذهبي، وسمع منه جماعة، وكان له مشاركة جيدة، وخطه في غاية الحسن، وكان معمور الأوقات بالعبادات والتصنيف والمطالعة والذكر والفكر؛ مصروفَ العناية إلى المراقبة والمحبة والأنسِ بالله، وقطع الشواغل والعوائق عنه، حثيثَ السير إلى وادي الفناء بالله والبقاء به؛ كثيرَ اللهج بالأذواق والتجليات والأنوار القلبية، منزويًا عن الناس، لا يجتمع إلا بمن يحبه ويحصل له باجتماعه منفعة دينية، ولم يزل على ذلك إلى أن توفي في سنة ٧١١، وصلِّي عليه من الغد - رحمه الله تعالى -.
٢٩٢ - محمد بن أحمد بن نصر الدياهيُّ .
ولد سنة ٦٣٧، جاور بمكة عشر سنين، ودخل الروم والجزيرة ومصر والشام، ثم استوطن دمشق، وبها توفي.
قال ابن الزملكاني: لديه فضل، وعنده مشاركات جيدة في علوم، وله عبارة حسنة فيما يكتبه، لا يُرى خاليًا من أعمال الخير والبر، ويلازم الجماعات في الجامع، ولا يخشى السلاطين ولا الولاة ولا أهل الدنيا، وكان يحب سلوك طريق السلف الصالح، وله جمع وتأليف، عديم التكلف، وافر الإخلاص، متبع السنة، سيد من السادات. قال الذهبي: وكان حسنَ المجالسة، متبعًا للسنة، محذرًا من البدعة، كثيرَ الطلب، يصحب بقايا الصوفية، ويقتفي آثارهم، وقرأ الفقه في شبيبته على مذهب أحمد، ولما لمعت له أنوار شيخ الإسلام ابن تيمية، ظفر بأضعاف تطلبه، سمع منه البرزالي، والذهبي، وانتقل إلى رحمة الله تعالى في سنة ٧١١، وأنشد لبعضهم:
الدهرُ ساوَمَني عُمري فقلتُ له ... لا بعتُ عُمريَ بالدنيا وما فيها
ثمَّ اشتراه تَفاريقًا بلا ثمنٍ ... تَبَّتْ يدا صفقةٍ قد خابَ شاريها
стр. 254
٢٩٣ - مسعود بن أحمد بنِ مسعودٍ، الحارثيُّ، المصريُّ، الفقيهُ، المحدثُ، الحافظُ، قاضي القضاة، سعدُ الدين .
ولد سنة ٦٥٢. سمع بمصر من جماعة، وبدمشق من خلق من هذه الطبقة؛ وعني بالحديث، وقرأ بنفسه، وكتب بخطه الكثير، وخرَّج لجماعة من الشيوخ معاجم، وصنف "شرح سنن أبي داود"، وخرَّج لنفسه أمالي، وتكلم فيها على الحديث ورجاله، وعلى التراجم، فاحسن وشفى، وكلامه في الحديث أجودُ من كلامه في الفقه؛ فإنه كان أجودَ فنونه؛ وكان يكتب خطًا حسنًا؛ وحجَّ غير مرة، ودرَّس، وكان سُنيًا أثريًا متمسكًا بالحديث.
قال الذهبي: كان عالمًا بالحديث وفنونه، حسنَ الكلام عليه، وعلى الأسماع، روى عنه أبو الحجاج المزي، وأبو محمد البرزالي، وذكره الذهبي أيضًا في "طبقات الحفاظ". قال ابن رجب: روى عنه جماعة من شيوخنا. توفي سنة ٧١١.
٢٩٤ - سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم، الطوفيُّ الصرصريُّ، الأصوليُّ الفقيهُ .
ولد سنة بضع وسبعين وست مئة، وبرع في العلوم، وسمع الحديث، وسافر إلى الصعيد، ولقي بها جماعة، وحج وجاور الحرمين الشريفين، وسمع بهما.
له تصانيف، منها: "دفع التعارض عما يوهم التناقض في الكتاب والسنة"، ولم يكن له يد فيه؛ وفي كلامه تخبيط كثير، له قصائد في مدح النبي ﷺ ، ومدح الإمام أحمد؛ وكان مع ذلك كله شيعيًا منحرفًا في الاعتقاد عن السنة، حتى إنه قال: في نفسه حنبلي رافضي أشعري هذه إحدى العبر، وصنف كتابًا سماه: "العذاب الواصب على أرواح النواصب"، ومن دسائسه الخبيثة أنه قال في "شرح الأربعين" للنووي: اعلم أن من أسباب الخلاف الواقع بين العلماء تعارضَ الروايات والنصوص، وبعضُ الناس يزعم أن السبب في ذلك عمر بن الخطاب، وذلك أن الصحابة استأذنوه في تدوين السنة من ذلك الزمان، فمنعهم ذلك، وقال: لا أكتب مع القرآن غيرَه، مع علمه أن النبي ﷺ قال: "اكتبوا لأبي شاه"
стр. 255
خطبةَ الوداع، وقال: "قيدوا العلم بالكتاب"، قال: فلو ترك الصحابة وتدوين كل واحد منهم ما روى عن النبي ﷺ ، لانضبطت السنة، ولم يبق بين آخر الأمة وبين النبي ﷺ في كل حديث إلا الصحابي الذي دون روايته؛ لأن تلك الدواوين كانت تواترت عنهم إلينا كما تواتر البخاري ومسلم وغيرهما.
قال ابن رجب: فانظر إلى هذا الكلام الخبيث المتضمن أن أمير المؤمنين عمر ﵁ هو الذي أضلَّ الأمة قصدًا منه وتعمدًا، ولقد كذب في ذلك وفجر، ثم إن تدوين السنة اكثر ما يفيد صحتها وتواترها، وقد صحت - بحمد الله تعالى -، وحصل العلم بكثير من الأحاديث الصحيحة المتفق عليها أو اكثرها لأهل الحديث العارفين به من طرق كثيرة، دونَ من أعمى الله بصيرته؛ لاشتغاله عنها بشُبه أهل البدع والضلال؛ والاختلاف لم يقع لعدم تواترها، بل وقع من تفاوت فهم معانيها؛ وهذا موجود، سواء دونت وتواترت أو لا، وفي كلامه إشارة إلى أن حقها اختلط بباطلها، ولم يتميز، وهذا جهل عظيم. وقد كان الطوفي أقام بالمدينة المنورة مدة يصحب شيخ الرافضة السكاكيني المعتزلي، ويجتمعان على ضلالتهما، وقد هتكه الله وعجل الانتقام منه بالديار المصرية.
قال تاج الدين القيسي في حقه: قدم علينا بمصر في زي أهل الفقر، واشتهر عنه الرفض والوقوع في أبي بكر وابنته عائشة، فرفع أمر ذلك إلى القاضي الحنبلي، وقامت عليه بذلك البينة، فتقدم إلى بعض نوابه بضربه وتعزيره واسهابه، وطيف به، ونودي عليه بذلك، وحبس أيامًا. قال ابن رجب: وقد ذكر بعض شيوخنا عمن حدثه عن آخر أنه أظهر له التوبة - وهو محبوس - وهذا من تقيته ونفاقه، توفي سنة ٧١٦.
٢٩٥ - عبدالله بن أحمد بنِ تمامٍ، البليُّ، الصالحيُّ، الأديبُ، الزاهدُ .
ولد سنة ٦٣٥، وسمع الحديث من ابن قميرة، والمرسي، وجماعة، وقرأ النحو والأدب، وأقام بمصر مدة صحب الفقراء والفضلاء، وكان شيخًا زاهدًا متقللاً من الدنيا؛ لم يكن له أثاث ولا طاسة ولا فراش ولا سراج، بل كان بيته
стр. 256
خاليًا من ذلك كله. توفي سنة ٧١٨، له نظم كثير حسن رائق، أنشد لنفسه:
أشاهِدُ من محاسنِكم مَنارًا ... يكادُ البدرُ يُشبهه شقيقا
وأصحبُ من جَمالكم خليلاً ... فأنَّى سرتُ يرشدني الطريقا
أرى نجمَ الزمان بكم سعيدًا ... ومعنى حسنكم معنى دقيقا
وبدرُ التَّمِّ يزهى من سناكُم ... وشمسُ جمالكم برزت شُروقا
وروضُ عبير أرضكم نهارًا ... جَرى ذهبُ الأصيل به خَلوقا
حديثي والغرامُ بكم قديمٌ ... وشوقي يزعج القلبَ المَشوقا
وأنفاسٌ بعثتُ بها إليكم ... سلوا عنها النسيمَ أو البُروقا
ولي صدقُ المودةِ في حِماكم ... سقى الله الحمى ورعى الصديقا
وله أيضًا:
أكرر فيكمُ أبدًا حديثي ... فيحلو والحديثُ بكم شُجونُ
وأَنظمه عُقودًا من دموعي ... فتنثرهُ المحاجرُ والجُفونُ
وأَبتكر المعاني في هواكم ... وفيكمْ كُلُّ قافيةٍ تهونُ
وأَعتنق النسيمَ لأنَّ فيه ... شمائلَ من معاطِفِكم تَبينُ
وأَسألُ عنكمُ النكباءَ سِرًّا ... وسرُّ هواكمُ سرٌّ مَصونُ
٢٩٦ - محمد بن عمر بنِ عبدِ المحمود، الحرانيُّ، الفقيهُ، الزاهد .
ولد سنة ٦٣٧، وسمع بها من عيسى الحافظ، والشيخ مجد الدين بن تيمية، وبدمشق من ابن عبد الدائم، وعُني بسماع الحديث إلى آخر عمره. قال الذهبي: كان فقيهًا زاهدًا ناسكًا سلفيَّ الجملة، عارفًا بمذهب الإمام أحمد، حدَّث وسمع منه جماعة، منهم الذهبي. وسافر إلى مصر لزيارة الشيخ تقي الدين بن تيمية، فأسر، وبقي مدة في الأسر، ويقال: إن الفرنج لما رأوا ديانته وأمانته واجتهاده، اكرموه واحترموه، يقال: توفي سنة ٧١٨ - رحمه الله تعالى -.
стр. 257
٢٩٧ - عبد الرزاق بن أحمد بنِ محمدٍ، من نسل مَعْن بنِ زائدةَ الشيبانيِّ، المروزيُّ الأصل، البغداديُّ، الأخباريُّ، المؤرخُ، الكاتبُ، الأديبُ، يعرف بابن الفوطي .
ولد سنة ٦٤٢. سمع من الصاحب محيي الدين بن الجوزي، ثم أسر في وقعة بغداد، وخلصه النصير الطوسيُّ الفيلسوفُ - وزير الملاحدة -، فلازمه، وأخذ عنه علوم الأوائل، وبرع في الفلسفة وغيرها، وسمع من المبارك بن المستعصم بالله، وعُني بالحديث، وقرأ وكتب الكثير بخطه المليح، ذكره الذهبي في "طبقات الحفاظ"، وقال: له النظم والنثر، والباع الأطول في ترصيع تراجم الناس، وله ذكاء مفرط، سمع الكثير، وعُني بهذا الشأن، وجمع وأفاد، فلعل الحديث أن يكفر عنه، عمل تاريخًا في خمسين مجلدًا سماه: "مجمع الآداب في معجم الأسماء على معجم الألقاب"، وكتب حوادث المئة السابعة إلى أن مات. وخرَّج معجمًا لشيوخه بلغوا خمس مئة شيخ. قال ابن رجب: حدَّث؛ وسمع منه جماعة، وأصابه فالج في آخر عمره، وتوفي سنة ٧٢٣ - سامحه الله تعالى -.
٢٩٨ - محمد بن سعد بنِ عبدِ الأحد، الحرانيُّ، الإمامُ شرفُ االدين .
سمع من ابن البخاري وغيره، وطلب الحديث، وقرأ بنفسه وتفقه وأفتى، وصحب الشيخ تقي الدين بن تيمية ولازمه. وكان صحيح الذهن، جيد المشاركة في العلوم، من خيار الناس وعقلائهم وعلمائهم، دفن بالبقيع سنة ٧٢٣،- وفي تلك السنة توفي الشيخ الإمام محمد بن محمود الجيلي نزيل بغداد -، وكان فاضلاً، له مصنف في الفقه سماه: "الكفاية"، ذكر فيه أن أحمد نصَّ على أن من وصى بقضاء الصلاة المفروضة عنه، نفذت وصيته.
٢٩٩ - محمد بن مسلم بنِ مالكِ بنِ مزروع، الزينيُّ .
ولد سنة ٦٦٢. سمع من ابن البخاري وطبقته، وأكثر عن ابن الكمال، وقرأ بنفسه، وكتب بخطه، وعُني بالحديث، وتفقه وبرع وأفتى، وتصدى للاشتغال والإفادة، واشتهر اسمه.
стр. 258
وكان من قضاة العدل، مصممًا الحق، لا يخاف في الله لومة لائم، وهو الذي حكم على ابن تيمية بمنعه من الفتيا بمسائل الطلاق وغيرها مما يخالف المذهب، وقد حدث وسمع منه جماعة، توفي سنة ٧٢٦، ودفن بالبقيع، ذكر ذلك ابن رجب.
قلت: وفتواه بمسألة الطلاق معتمدة على الأدلة النيرة الصحيحة، ليس فيها شيء يخالف المذهب الحق، وما تعقب به ابن رجب على شيخ الإسلام في بعض أقواله، فقد أجاب عليه صاحبنا السيد العلامة خير الدين البغدادي نعمان آلوسي زاده، - حماه الله تعالى - في كتابه "جلاء العينين في محاكمة الأحمدين".
٣٠٠ - عبد الله بن عبد الحليم بنِ عبدِ السلام، الحرانيُّ - أخو الشيخ ابن تيمية - رح .
ولد في سنة ٦٦٦. سمع من ابن علان، والصيرفي، وابن أبي الخير، وخلقٍ من هذه الطبقة، وسمع "المسند"، و"الصحيحين"، وكتب السنن، وتفقه وبرع، وأفتى في الفرائض والحساب والهيئة، وله مشاركة قوية في الحديث، وكان كثير العبادة والمراقبة والخوف من الله تعالى، ذا كرامات وكشوف، وحجَّ مرات متعددة، وكان له يد طولى في معرفة تراجم السلف ووفياتهم، وحُبس مع أخيه في الديار المصرية مدة، وقد استدعي غير مرة إلى المناظرة، فناظر وأفحم الخصوم. وذكره الذهبي في "معجمه المختص"، فقال: كان بصيرًا بكثير من علل الحديث ورجاله، فصيحَ العبارة، عارفًا بالعربية، وقال غيره: له مشاركة جيدة في الحديث، توفي - رح - سنة ٦٢٧، صلى عليه أخوه ابن تيمية، وزين الدين - وهما محبوسان بالقلعة - وخلقٌ معهما من داخل القلعة، وكان التكبير يبلغهم، وكثر البكاء تلك الساعة، وكان وقتًا مشهودًا، ثم صُلِّي عليه مرة ثالثة ورابعة، وحُمل على الرؤوس والأصابع إلى مقابر الصوفية، وحضر جنازته جمع كثير، وعالم عظيم، وكثر الثناء والتأسف عليه - رحمه الله تعالى -.
٣٠١ - محمد بن عبد المحسن بنِ أبي الحسن، القطيعيُّ، الأزجيُّ، المحدثُ، الواعظُ، يعرف بابن الدواليبي .
ولد سنة ٦٣٤، وقيل غير ذلك.
стр. 259
سمع "صحيح مسلم"، وأجاز له جماعة كثيرة، وسمع "المسند" من جماعة، وشارك في العلوم، وصار مسنِدَ أهلِ العراق في وقته، وحدث بالكثير. قال الشيخ صفي الدين: شيخ جليل، كثيرُ المسموعات، توفي سنة ٧٢٨، وشيعه خلق كثير.
٣٠٢ - إسماعيل بن محمد بن إسماعيل، الحرانيُّ، الدمشقيُّ، الإمامُ، الزاهدُ، مجدُ الدين، أبو الفداء .
ولد سنة ٦٤٥، أو سنة ٦٤٦، سمع الكثير من ابن البخاري وغيره، وسمع "المسند"، والكتب الكبار، وبرع في الفقه، وله معرفة بالحديث والأصول، وتصدَّى للاشتغال والفتوى مدة طويلة. قال الطوفي: كان عالمًا بالفقه والحديث وأصول الفقه والفرائض. وقال الذهبي: كان شيخ الحنابلة وكان حافظًا لأحاديث الأحكام.
قال ابن رجب: وكان سريع الدمعة، ولا يَذكر النبيَّ ﷺ في درسه إلا ودموعه جارية، ولا سيما إن ذكرَ شيئًا من الرقاق وأحاديث الوعيد، قرأ عليه عامةُ شيوخنا ومن قبلهم، توفي سنة ٧٢٩. وقد رأيت له جزءًا فيه مسألتان - قيل: إنهما من كلامه - إحداهما: في طلاق الغضبان، وأنه لا يقع، والثانية: في مسألة الظفر، ونصر جواز الأكل مطلقًا، قال: والظاهر من حاله وورعه وشدة تمسكه يشهد بعدم صحة ذلك، والله أعلم.
٣٠٣ - عبد الرحمن بن محمد، البعليُّ، الدمشقيُّ، الفقيهُ، المحدثُ .
ولد سنة ٦٨٥. وعني بالحديث وارتحل فيه مرات، وكتب العالي والنازل، وهلم جرًا، وخرج لغير واحد من الشيوخ، وأفاد وتفقه وأفتى، وفسر بعض القرآن، وحدَّث، سمع منه الذهبي وجماعة، حجَّ مرات، وأقام بمكة أشهرًا، وله مواعيد كثيرة لقراءة الحديث والرقائق، ولما حبس الجماعة الذين كتبوا على مسألة الزيارة - موافقة للشيخ تقي الدين بن تيمية - لم يتعرضوا إليه هيبة له واحترامًا، وحبس سائرهم وأوذوا، وله شعر كثير جيد، لعله ديوان تام. قال القاضي برهان الدين الزرعي: هو إمامنا، لو أمكنني الرحلة إليه، لرحلت إليه،
стр. 260
وكان قد رأى الشيخ ابن تيمية بدمشق، واجتمع معه، وبالجملة: فقد كان من محاسن زمانه، توفي سنة ٧٣٩. قال ابن رجب: له شعر، أكثر هجو الرافعي وغيره، حتى قال في نفسه:
تلامذةُ المرتب كلُّ فَدْمٍ ... بعيدِ الذهنِ لا فضلٌ لَدَيْهِ
لقد صدقَ الذي قد قالَ قِدْمًا ... شبَيهُ الشيءِ مُنْجَذِبٌ إليهِ
٣٠٤ - عُبادة بن عبد الغني بن منصورٍ، الحرانيُّ .
ولد سنة ٦٧١، وسمع من جماعة وطلب الحديث، وتفقه على شيخ الإسلام ابن تيمية. قال الذهبي: تقدم في الفقه، وناظر وتميز عنده "صحيح مسلم" عن القاسم الأربلي يسع الجماعة بالخدمة والإفضال والحلم، خرَّجت له جزءًا، وحدث بصحيح مسلم، انتهى. توفي سنة ٧٠٥. سمع منه جماعة، رح.
٣٠٥ - حسين بن بدران بنِ داودَ، الباصريُّ، الفقيهُ، المحدثُ، النحويُّ .
ولد سنة ٧١٢. قال ابن رجب: سمع الحديث متأخرًا من جماعة من شيوخنا وغيرهم، وعُني بالحديث، وقرأ بنفسه، وكتب بخطه الكثير، وبرع في الأدب والعربية ونظم الشعر الحسن؛ وصنف في علوم الحديث وغيرها، واختصر "الإكمال" لابن ماكولا، وعلقته في حياته، وقرأت عليه بعضه، وسمعتُ بقراءته "صحيح البخاري"، وولي إفادة المحدثين بدار الحديث المستنصرية، فكان يقرأ بها علوم الحديث وغيرها، وحضرت له مجالسه كثيرًا؛ وكان له مشاركة حسنة في علوم الحديث والتواريخ، مع براعة في الأدب والصيانة والديانة، توفي مطعونًا شهيدًا في سنة ٧٤٩ - رحمه الله تعالى -.
٣٠٦ - عمر بن علي بن موسى الأزجيُّ البزاز، الفقيهُ، المحدثُ، سراجُ الدين أبو حفص .
ولد سنة ٦٨٨ تقريبًا. سمع من جماعة، وعني بالحديث، وقرأ الكثير، ورحل إلى دمشق، فقرأ بها "صحيح البخاري"، وحضر قراءته الشيخ ابن تيمية وخلقٌ كثير؛ وجالس الشيخ تقي الدين، وأخذ عنه؛ وكان حسنَ القراءة للقرآن
стр. 261
والحديث؛ ذا عبادة وتهجد، وصنف كثيرًا في الحديث، وحج، وتوفي سنة ٧٤٩ - رحمه الله تعالى -.
٣٠٧ - أحمد بن علي بن محمد البابصري، البغداديُّ، الفقيهُ، الفرضيُّ، الأديبُ .
ولد سنة ٧٠٧ تقريبًا، سمع الحديث متاخرًا على الشيخ صفي الدين، ونظم الشعر الحسن، وكتب بخطه الحسن كثيرًا. قال ابن رجب: سمعت بقراءته الحديث، وحضرت درسه وأشغاله غير مرة، توفي في طاعون سنة ٧٥٠ ببغداد - بعد رجوعه من الحج -، وصُلِّي عليه صلاة الغائب بدمشق - رحمه الله تعالى رحمة واسعة -.
قف: هذا وفي طبقات الحفاظ كتب كثيرة مختصة بهم، منها: كتاب الحافظ الذهبي، وكتاب ابن الدباغ، وكتاب ابن المفضل، وكتاب الحافظ ابن حجر، وكتاب ابن فهد المكي، وكتاب الشيخ جلال الدين السيوطي، وغيرهم. وقد وقفت على ملخص طبقات الذهبي في "تذكرة الحفاظ"، قال فيه: هذه تذكرة بأسماء معدلي حملة العلم النبوي، ومن يرجع إلى اجتهادهم في التوثيق والتضعيف والتصحيح والتعريف، وشرع فيه بذكر حفاظ الصحابة، وهم أهل الطبقة الأولى، وهلمَّ جرًّا، وبدأ بذكر أبي بكر الصديق ﵁.
وقال تحت الطبقة الثانية: قال الذهبي: وقد كان في هذا القرن الفاضل خلق عظيم من أهل العلم وأئمة الاجتهاد، وأبطال الجهاد في أقطار البلاد، وسادة العباد والأبدال والأوتاد، ولعل فيمن تركناهم من هو أجل وأعلم، وكان الإسلام ظاهرًا غالبًا قد طبق الأرض، وافتتحت بلاد الترك وإقليم الأندلس بعد التسعين في دولة الوليد، وجميع الأمة تحت أوامره، بل بعض نوابه - وهو الحجاج الظالم - الذي كان في رتبة أعظم السلطان، وعمر إذ ذاك مسجد النبي ﷺ بأكمل زخرفة، وأنشىء جامع دمشق. وكان خراج الدنيا لا يكاد ينحصر كثرة، فقد كان رتب بجزية على القبط في العام اثني عشر ألف ألف دينار، فما ظنك بجزية الروم؟! فما ظنك بجزية الفرس؟! ولقد كان الخليفة - من بني أمية - ولو شاء أن
стр. 262
يبعث بعوثه إلى أقصى الصين لفعل؛ لكثرة الجيوش والأموال، انتهى.
وذكر في الطبقة الثالثة - وهي الوسطى - من التابعين: الحسن البصري، وقال: قال ابن سعد: وما أرسلَه ليس بحجة، وقال: هو مدلِّس، فلا يحتج بقوله فيمن لم يدركه، وقد دلس عمن لقيه، وقال تحت ترجمة أبي الشعثاء جابر بن زيد الأزدي: روي أنه لقي ابنُ عمر جابرًا المذكورَ في الطواف، فقال: يا جابر! إنك من فقهاء البصرة، وإنك تستفتى، فلا تفتين إلا بقرآن ناطق، أو سنة ماضية، فإن لم تفعل، هلكت وأهلكت، قال: وكان في هذا الوقت من علماء التابعين عدد كثير في مملكة الإسلام، وسَمَّاهم.
ثم ذكر بعد تمام الطبقة الرابعة ما نصه: في هذه الطبقة تحولت دولة الإسلام من بني أمية إلى بني العباس في عام ١٣٢، فجرى بسبب ذلك التحول سيول من الدماء، وذهب تحت السيوف عالَم لا يحصيهم إلا الله بخراسان وعراق والجزيرة والشام، ومات فلان وفلان، سمَّاهم، وهم علماء الوقت وحفاظه، قال: وفي هذا الزمان ظهر بالبصرة الاعتزالُ والقولُ بالقدر، وظهر بخراسان مُقاتل بنُ سليمان، وبالغ في إثبات الصفات حتى جَسَّم، وقام على هؤلاء علماء التابعين، وأئمة السلف، وحذروا من بدعهم، وشرع الكبار في تدوين السنن، وتأليف الفروع، وتصنيف العربية، ثم أكثر ذلك في أيام الرشيد، وكثرت التصانيف، وألفوا في اللغات، وأخذ حفظ العلماء ينقص.
فلما دونت الكتب، اتكلوا عليها، وإنما كان قبل ذلك علم الصحابة والتابعين في الصدور، فهي كانت خزانة العلم لهم.
ثم لوَّحَ بذكر الطبقة الخامسة، وذكر منها الإمام أبا حنيفة النعمان، وحكى عن ابن معين: أنه لا بأس به، وذكر آخرين، منهم: ابن جريج، قال: وكان يرى المتعة، فتزوج ستين امرأة، ومنهم: مقاتل بن حيان، قال: مات قبيل الخمسين بأرض الهند، ومنهم: سفيان الثوري، ومن قوله: والله إنَّ طلبَ الحديث شيءٌ غيرُ الحديث، فطلبُ الحديث اسمٌ عرفي لأمور زائدة على تحصيل ماهية الحديث؛ من تحصيل النسخ، وتكثير الشيوخ، والفرح بالألقاب، وتمني العمر
стр. 263
الطويل ليروي، وحب التفرد إلى أمور لازمة للأغراض النفسانية لا للأعمال الربانية، فإذا كان طلبك للحديث محفوفًا بهذه الآفات، فمتى خلاصك منها إلى الإخلاص؟
قال الذهبي: وإذا كان علم الآثار مدخولاً، فما ظنك بعلم المنطق والجدل وحكمة الأوائل التي تسلب الإيمان، وتورث الشكوك والحيرة التي لم تكن والله! من علم الصحابة، ولا من علم الأوزاعي والثوري، والأئمة الأربعة، ولا عرفها أصحاب الأمهات الستة وأمثالُهم، بل كانت علومهم القرآن والحديث والفقه والنحو وشبيه ذلك، قال الثوري: ما من علم أفضل من طلب الحديث إذا صحت النية؛ يعني: طلبه للعمل مع الإخلاص، لا لغيره. قال: وفي زمان هذه الطبقة كان الإسلام وأهله في عز تام، وعلم غزير، وأعلام الجهاد منشورة، والسنن مشهورة، والبدع مكبوبة، والقوالون بالحق كثير، والعباد متوافرون، والناس في بُلَهْنِيَة - أي: سعة من العيش - بالأمن، وكثرة الجيوش المحمدية من أقصى المغرب وجزيرة الأندلس إلى قرب مملكة الخطا، وبعض الهند، وإلى الحبشة، وخلفاء هذا الزمان: أبو جعفر المنصور، ثم ابنه المهدي، ثم هارون الرشيد، وكان محبًا للسنن، قال: وكان في هذا الوقت من الصالحين مثل إبراهيم بن أدهم، وفلان وفلان، ومن النحاة: الخليل، ومن القراء كحمزة، ومن الشعراء عدد كثير، قال: وإنما اقتصرت على هؤلاء - الذين هم نيف وسبعون إمامًا - طلبًا للتخفيف.
ثم ذكر الطبقة السادسة، وهم تسعة وتسعون إمامًا، منهم: أبو يوسف القاضي - صاحب أبي حنيفة -، وحكى عنه: أنه قال: كل ما أفتيتُ به فقد رجعتُ عنه إلا ما وافق الكتاب والسنة، وفي لفظ: إلا ما وافق القرآن، واجتمع عليه المسلمون، ومنهم: يحيى بن القطان. قال: وكان له مسبحة يسبح بها، توفي سنة ١٩٨. ومنهم: عبد الله بن وهب بن مسلم الفهري أحد الأعلام، قال: وكان ثقة حجة حافظًا مجتهدًا لا يقلد أحدًا، مات سنة ١٩٩. ومنهم: النضر بن شميل، قال أبو حاتم: هو صاحب سنة، وقال ابن المصعب: هو أول من أظهر
стр. 264
السنة بمرو وخراسان، ومن لطائفه: أنه قال: لا يجد الرجل لذة العلم حتى يجوع وينسى جوعه. ثم قال: وكان في زمان هؤلاء خلائق من أصحاب الحديث؛ كالترمذي، وأمثاله، ومن مشائخ القوم؛ كشقيق البلخي، ونظرائه، والدولة لهارون الرشيد والبرامكة، ثم بعدهم اضطربت الأمور، وضعف أمر الدولة بخلافة الأمين، فلما قتل، واستخلف المأمون على رأس مئتين، نجم التشيُّع، وأبدى صفحته، وبزغ فجر الكلام، وعُرِّبت حكمةُ الأوائل، ومنطقُ اليونان، وعمل رصد الكواكب، ونشأ للناس علم جديد لا يطابق أحكام النبوة، ولا يوافق توحيد المؤمنين، وكانت الأمة في عافية قبل ذلك، وقويت شوكة الرافضة والمعتزلة، وحمل المأمون المسلمين على القول بخلق القرآن، ودعاهم إليه، وامتحن العلماء.
قال الذهبي: وإن من البلاء أن تعرف ما كنت تنكر، وتنكر ما كنت تعرف، وتقدم عقول الفلاسفة، وتعتزل منقول اتباع الرسل، وتماري في القرآن، وتنبرم بالسنن والآثار، وتقع في الحيرة، فالفرارَ الفرارَ قبل حلول الدمار، وإياك ومضلات الأهواء ومجاراة العقول ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠١].
ثم ذكر الطبقة السابعة من حفاظ العلم النبوي، وقال: هم عدد كثير، واقتصرتُ منهم على الأعلام، وهم مئة نفس - رحمهم الله تعالى -، قال: ومنهم: الشعبي البصري، قيل له: رجع أبو حنيفة عن مسائل كثيرة، قال: إنما يرجع الفقيه إذا اتسع علمه، ومن كلامه: ليس الدين بالكلام، إنما الدين بالآثار، ومنهم: الإمام الشافعي، كان حافظًا للحديث، بصيرًا بعلله، ومنهم: حفصُ بن عبد الله، عالمُ نيسابور وقاضيها، وكان لا يقضي بالرأي ألبتة. روى الذهبي بسنده عنه إلى سالم: أنه سمع رجلًا من أهل الشام يسأل ابن عمر عن التمتع بالعمرة إلى الحج؟ فقال: هي الحلال، قال السائل: إن أباك قد نهى عنها، قال: أرأيتَ إن كان أبي قد نهى عنها، وقد صنعها رسولُ الله ﷺ ، أتتبع أمرَ أبي، أم أمر رسول الله ﷺ ؟ فقال: قد صنعها رسول الله ﷺ .
стр. 265
ثم ذكر الطبقة الثامنة، وذكر منهم أحمدَ بن حبان الحافظَ الحجةَ صاحب "المسند"، وحكى عنه: أنه قال: ليس في الدنيا مبتدع إلا وهو يبغض أصحاب الحديث، وإذا ابتدع الرجل بدعة، نزعت حلاوة الحديث من قلبه، مات سنة ٢٥٦. قال الذهبي رح - بعد ترجمة أبي التقى -: فهؤلاء المسمَّوْن في هذه الطبقة هم نقاوة الحفاظ، ولعل قد أهملنا طائفة من نظرائهم، فإن المجلس الواحد - في هذا الوقت - كان يجتمع فيه أزيدُ من عشرة آلاف محبرة يكتبون الآثار النبوية، ويعتنون بهذا الشأن، وبينهم نحو من مئتي إمام قد برزوا وتأهلوا للفتيا، فلقد تقالَّ أصحاب الحديث وتلاشوا، وتبدل الناس بطلبة يهزأ بهم أعداء الحديث والسنة، ويسخرون منهم، وصار علماء العصر في الغالب عاكفين على التقليد في الفروع من غير تحرير لها، ومكبين على عقليات من حكمة الأوائل، وآراء المتكلمين، من غير أن يتعقلوا أكثرها، فعَمّ البلاء، واستحكمت الأهواء، ولاحت مبادي رفع العلم وقبضه من الناس، فرحم الله امرأً أقبل على شانه، وقصر من لسانه، وأقبل على تلاوة قرآنه، وبكى على زمانه، وأمعن النظر في "الصحيحين"، وعبدَ الله قبل أن يبعثه الأجل، اللهمَّ وفق وارحمْ واجعلنا منهم.
ثم ذكر الطبقة التاسعة - وعدتهم مئة وستة أنفس -، ومنهم: الذهلي حافظ نيسابور، قال أبو عمرو: رأيته في النوم، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي، قلت: فما فعل بحديثك؟ قال كُتب بماء الذهب، ورُفع في أعلى عليين، توفي الذهلي سنة ٢٥٨. ومنهم: الإمام الحافظ أبو بكر محمد بن عتاب الأعين، قال الذهبي: لما مات، وبلغ خبره أحمد بن حنبل، قال: إني لأغبطه، مات ولم يعرف غير الحديث، ومنهم: داود الظاهري الحافظ الفقيه المجتهد، قال أبو إسحاق: كان في مجلسه أربع مئة طيلسان، وقال ثعلب: كان عقل داود أكثرَ من علمه، مات سنة ٢٧٠. ومنهم: أبو داود - صاحب "السنن" -، قال: كتبت عن النبي ﷺ خمس مئة ألف حديث، انتخبت منها هذه السنن، فيه أربعة آلاف وثمان مئة حديث، مات سنة ٢٧٥.
قال الذهبي في آخر هذه الطبقة: ولقد كان في هذا العصر وما قاربه من أئمة
стр. 266
الحديث النبوي ﷺ في الدنيا خلق كثير، ما ذكرنا عشرهم ها هنا، وأكثرهم المذكورون في "تاريخي الكبير"، وكذلك كان في هذا الوقت خلق من أهل الرأي والفروع، وعدد من أساطين المعتزلة والشيعة، وأصحاب الكلام الذين مشوا وراء المعقول، وأعرضوا عما عليه السلف من التمسك بالآثار النبوية ﷺ ، وظهر في الفقهاء التقليد، وتناقص الاجتهاد، فسبحان من له الخلق والأمر! فبالله عليك يا شيخ! ارفق بنفسك، والزم الإنصاف، ولا تنظر إلى هؤلاء الحفاظ النظر الشزر، ولا ترمقنَّهم بعين النقص، ولا تعتقد فيهم أنهم من جنس محدثي زماننا هذا - حاشا وكلا -، فما فيمن سميت أحد - ولله الحمد - إلا وهو بصير بالدين، عالم بسبيل النجاة، وليس في كبار محدثي زماننا أحد يبلغ رتبة أولئك في المعرفة، وإني أحسبك؛ لفرط هواك، وسعة جهلك، تقول بلسان الحال، إن أعذرك المقال: من أحمد؟ وما ابن المديني؟ وأي شيء أبو زرعة، وداود؟ وهؤلاء المحدثون، ولا يدرون الفقه ولا أصوله، ولا يفقهون الرأي، ولا علم لهم بالبيان والمعاني، ولا بالدقائق، ولا خبرة لهم بالبرهان والمنطق، ولا يعرفون الله تعالى بالدليل، ولا هم من فقهاء الملة، فاسكتْ بحلم، أو انطقْ بعلم، فالعلم النافع هو ما جاء عن أمثال هؤلاء، ولكن نسبتك إلى أئمة الفقه كنسبة محدثي عصرنا إلى أئمة الحديث، فلا نحن، ولا أنت، وإنما يَعرف الفضلَ لأهل الفضل ذو الفضل، فمن اتقى، راقب الله، واعترف بنقصه، ومن تكلم بالجاه وبالجهل، أو بالشر والهوى، فأعرضْ عنه، وذرْه وغيَّه، فعقباه إلى وبال، نسأل الله العفو والسلامة.
ثم عقد الطبقة العاشرة: وذكر فيها من أئمة أهل الحديث النبوي: تسعة وتسعين حافظًا، منهم: بقي بن مخلد القرطبي، قال: وكان إمامًا عَلَمًا قدوة مجتهدًا، لا يقلد أحدًا، محى (١) السنة، تعصبوا عليه؛ لإظهاره مذهب أهل الأثر، فدفعهم عنه أمير الأندلس محمد بن عبد الرحمن المرواني، واستنسخ كتبه، وقال لبقي: انشر علمك، وروي عن بقي، قال: لقد غرستُ للمسلمين
стр. 267
غرسًا بالأندلس لا يُقلع إلا بخروج الدجال، توفي سنة ٢٧٦. ومنهم: الحافظ الكبير أحمد بن أبي عاصم قاضي أصبهان، قال: كان مذهبه القول بالظاهر وترك القياس، قال أبو نعيم الحافظ: كان ظاهريَّ المذهب، مات سنة ٢٨٧. ومنهم: قاسم بن محمد الحافظ الأندلسي، قال: صار إمامًا مجتهدًا لا يقلد أحدًا، وهو مصنف كتاب "الإيضاح في الرد على المقلدين"، وكان مذهبه الحجة والنظر، ولم يكن بالأندلس مثله في حسن النظر والبصر بالحجة، مات سنة ٢٧٦. ومنهم: ابن خزيمة الحافظ المشهور، ومن كلامه: ليس لأحد مع رسول الله ﷺ قول إذا صح الخبر، ومن لم يقر بأن الله قد استوى على عرشه فوق سبع سماواته، فهو كافر حلال الدم، وكان ماله فيئًا، مات سنة ٣١١. ومنهم: الإمام محمد بن إسحاق شيخ الحديث بخراسان، يعرف بالسراج، كان يضحي كل أسبوع أو أسبوعين عن النبي ﷺ ، ثم يجمع أصحاب الحديث ويطعمهم حتى قال: ختمت عن رسول الله ﷺ ألف ختمة، وضحيت عنه اثني عشر ألف أضحية.
ومنهم: ابن المنذر الحافظ شيخ الحرم - صاحب الكتب التي لم يصنف مثلها -. قال الذهبي: وكان مجتهدًا لا يقلد أحدًا، وكان غاية في معرفة الاختلاف والدليل، توفي سنة ٣١٨.
ومنهم: الأرغياني الحافظ البارع محمد بن مسيب النيسابوري، قال الذهبي: كان من العباد المجتهدين، مات سنة ٣١٥.
ومنهم: الحافظ البارع حسين بن محمد - يعرف بالسنجي -. قال ابن ماكولا: ما بخراسان أكثر حديثًا منه، وكان لا يحدث أهل الرأي إلا بعد الجهد.
ومنهم: ابن شريح الإمام العلامة شيخ الإسلام أحمدُ بن عمر البغدادي، وكان صاحب سنة واتباع.
ومنهم: عبد المؤمن بن خلف الحافظ الإمام أبو يعلى، كان من علماء الظاهرية، وكان شديد البحث للآثار، محطًا على أهل القياس، ناسكًا متبعًا، قال الحافظ المستغفري: شهدنا جنازته، فغشينا أصوات مثل ما يكون من العساكر،
стр. 268
حتى ظننا جميعًا أن جيشًا قد قدم، فكنا نقول: ليتنا صلينا عليه قبل أن يغشانا، فلما اجتمع الناس، وقاموا للصلاة، كأن الصوت لم يكن، ثم إني رأيت في النوم كأن إنسانًا واقف على رأس درب أبي يعلى وهو يقول: أيها الناس! من أراد منكم الطريق المستقيم. فعليه بطريق أبي يعلى، أو نحو هذا، مات سنة ٣٤٦.
قلت: وهذا من بركة اتباع السنة.
ومنهم: الحافظ الكبير حسن بن سعيد القرطبي، قال الذهبي: وكان علامة مجتهدًا لا يقلد.
ومنهم: ابن شاهين الحافظ الإمام المفيد - محدث العراق - عمر بن أحمد البغدادي، ذكر الذهبي عن الخطيب، عن الداودي: أنه كان لا يعرف الفقه، وكان إذا ذكر له مذهب أحد يقول: أنا محمدي المذهب. مات سنة ٣٥٨.
ثم عقد الذهبي الطبقة الحادية عشرة: وسمى منهم بضعًا وسبعين إمامًا.
ثم ذكر في الطبقة الثانية عشرة: ثلاثين نفسًا من الأئمة، منهم: الحافظ الصوري محمد بن علي الساحلي، قال الخطيب: كان من أحرص الناس على الحديث، وأكثرَهم كتبًا، ومن كلامه:
قلْ لمن عاتدَ الحديثَ وأضحى ... عائِبًا أهلَه ومَنْ يَدَّعيهِ
أبِعِلْمٍ تقولُ هذا أَبِنْ لي ... أَمْ بجهلٍ فالجهلُ خُلْقُ السفيهِ
أَيُعاب الذين حفظوا الديـ ... ـنَ من التُرَّهاتِ والتَّمويهِ
وإلى قولِهم وما قَدْ رَوَوْهُ ... راجعٌ كلُّ عالِمٍ وفَقيهِ
توفي سنة ٤٤١.
ومنهم: شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري الهروي، قال الذهبي: كان مظهرًا للسنة، داعيًا إليها، رادًا على أهل الفلسفة والإلحاد، لا يخاف في الله لومة لائم، حافظًا للحديث، بارعًا في اللغة، قال أبو سعد السمعاني: كان مظهرًا للسنة، داعيًا إليها، محرضًا عليها، وكان سيفًا مسلولاً على المخالفين، وجذعًا في أعين المتكلمين، وطودًا في الحديث لا يتزلزل، وقد امتُحن، مات
стр. 269
سنة ٤٨١. ومنهم: الحافظ الحميدي - صاحب "الجمع بين الصحيحين" -، وكان إمامًا في الحديث وعلِله ورواتِه، محققًا على مذهب أصحاب الحديث بموافقة الكتاب والسنة، وكان ظاهريًا تلمذ لابن حزم، فدعاه، وكان يتعصب له، ويميل إلى قوله، وقد أصابته فيه فتنة، ولما سدوا على ابن حزم، خرج الحميدي إلى المشرق، مات سنة ٤٨٨. ومنهم: ابن الخاضية حافظُ بغداد ومفيدُها، قال السمعاني: نسخ "صحيح مسلم" بالأجرة سبع مرات، مات سنة ٤٨٩. ومنهم: الحافظ محمد بن طاهر المقدسي، قال ابن منده: كان لازمًا للأثر، داوديَّ المذهب، جمع أطراف الصحاح الستة، فأخطأ في مواضع. ومنهم: العبدريُّ الإمام الحافظ، كان من أعيان الحفاظ وفقهاء الظاهرية، وكان داودي المذهب، يحمل الآيات على ظواهرها، مات سنة ٥٤٤.
ثم عقد الطبقة الثالثة عشرة، وسمى منهم خمسة عشر إمامًا، منهم: كوتاه الحافظُ الإمامُ المفيدُ عبدُ الجليل الأصفهاني، قال الذهبي: هو من أولاد المحدثين، قال: ما أعلم طريقًا إلى الجنة أهدى ممن يسلك طريق الحديث، مات سنة ٥٥٣.
ثم ذكر في الطبقة الرابعة عشرة أربعة وعشرين حافظًا كانوا أثريين.
وذكر في الطبقة الخامسة عشرة ستًا وعشرين نفسًا من الحفاظ العاملين بالسنة، التاركين للمذهب، الطارحين للتقليد، وقال في ترجمة الحافظ الناقد ابن الرومية الأندلسي: كان ظاهريًا متعصبًا لابن حزم بعد أن كان مالكيًا، مات سنة ٦٣٧. وقال في ترجمة ابن الصلاح صاحب كتاب "علوم الحديث" الإمامِ المشهورِ: كان سلفيًا حسنَ الاعتقاد، كافًّا عن تأَويل المتكلمين، مؤمنًا بما ثبت من النصوص، غيرَ خائض ولا معمق، انتقل إلى الله تعالى سنة ٦٤٣.
ثم عقد الطبقة السادسة عشرة إلى الطبقة العشرين، وذكر في كل طبقة جمعًا جَمًّا من الحفاظ المحدثين الأثريين، ومنهم: ابن الظاهري، قال الذهبي: شيخنا الإمام المحدث الحافظ، قلّ من رأيت مثله، ما اشتغل بغير الحديث إلى أن توفي سنة ٦٩٦. وذكر في ترجمة الحافظ ابن الزبير المتوفى سنة ٧٠٨: قد قلّ من يقنع
стр. 270
بالآثار ومعرفتها في هذا الوقت في مشارق الأرض ومغاربها على رأس السبع مئة، أما المشرق وأقاليمه، فقد غلقت الأبواب، وانقطع الخطاب، والله المستعان، وأما المغرب، وما بقي من جزيرة الأندلس، فيندر من يعتني بالرواية، فضلاً عن الدراية.
ثم ذكر الطبقة الحادية والعشرين: وسمَّى من حفاظها: شيخ الإسلام بن تيمية، وقال: الشيخ الإمام العلامة، الحافظ الناقد المجتهد، المفسر البارع، شيخُ الإسلام، علم الزهاد، نادرة العصر،، أحد الأعلام، قال: وكان من بحور العلم، ومن الأذكياء المعدودين، وأفراد الشجعان، أثنى عليه الموافق والمخالف، توفي سنة ٧٢٨. ثم ذكر المزيَّ محدثَ الشام، وأثنى عليه كثيرًا، قال: يرافق هو وابن تيمية كثيرًا في سماع الحديث، وكان يقرر طريقة السلف من السنة، ويعضد ذلك بالمباحث النظرية، والقواعد الكلامية، وجرى بيننا مجادلات ومعارضات في ذلك، تركُها أسلمُ وأولى.
٣٠٨ - أبو بكر بن المعافري (١) الإمامُ، القاضي.
وهو فخر المغرب، إمام في الأصول والفروع، قال الشيخ العلامة أحمد بن محمد الشهير بالمَقَّري في كتابه "نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب": ومن شعره - وقد ركب مع أحد أمراء الملثمين - وكان ذلك الأمير صغيرًا، فهز عليه رمحًا - كان في يده - مداعبًا له، فقال:
يَهُزَّ عَلَيَّ الرمحَ ظبيٌ مُهَفْهَفٌ ... لَعوبٌ بِأَلبابِ البريَّةِ عابثُ
فلو كانَ رمحًا واحدًا لاتَّقيته ... ولكنَّه رمحٌ وثانٍ وثالِثُ
وقد اختلف حذاق الأدباء فى قوله: ثان وثالث، ما هما؟ فقيل: القَدَّ واللَّحظ، وقيل غير ذلك، انتهى. ذكره الحجازي في "المسهب"، وابن الإمام في "سمط الجمان"، والشقندي في "الطرف". سمع - يعني: الحديث -
стр. 271
بالأندلس ومصر والإسكندرية ودمشق من جماعة من الحفاظ، وكان ثاقب الذهن، ذكره ابن بشكوال في "الصلة"، وقال: الإمام الحافظُ، ختامُ علماء الأندلس، دخل الشام والعراق وبغداد، وسمع بها من كبار العلماء، ثم حج، ولما غرب، صنف "عارضة الأحوذي شرح سنن الترمذي"، وولي القضاء بإشبيلية، مولده سنة ٤٦٨، وتوفي سنة ٥٤٣، سمع ودرَّس الفقه والأصول، وجلس للوعظ والتفسير، وصنف في غير فن، والتزم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى أوذي في ذلك بذهاب كتبه وماله، فأحسن الصبر على ذلك كله، روى عنه خلق كثير، منهم: القاضي عياض، ترجم له المَقَّري ترجمةً حافلة حسنة، وقال: كنت نقلت من "المطمح" في حقه ما صورته: علمُ الأعلام، الطاهرُ الأثواب، الباهرُ الأبواب، الذي أنسى ذكاءَ إياس، وترك التقليد للقياس، وأنتج الفرع من الأصل، وغدا في الإسلام أمضى من النصل، ومن تصانيفه: كتاب "القبس في شرح موطأ ومالك بن أنس"، وكتاب "ترتيب المسالك في شرح موطأ مالك"، وكتاب "أحكام القرآن"، وكتاب "مشكل الكتاب والسنة"، وكتاب "النيرين في الصحيحين"، وكتاب "الرد على من خالف السنة من ذوي البدع والإلحاد". ومن فوائده: قوله: قال علماء الحديث: ما من رجل يطلب الحديث إلا كان على وجهه نضرة؛ لقول النبي ﷺ : "نَضَّرَ اللهُ امْرَأً سمعَ مقالتي، فوعاها فأداها، كما سمعها" الحديث، قال: وهذا دعاء منه ﷺ لحملة علمه، ولا بد - بفضل الله تعالى - من نيل بركته، انتهى. وإلى هذه النضرة أشار أبو العباس العزفي بقوله:
أهلُ الحديثِ عصابةُ الحق ... فازوا بدعوةِ سَيَّدِ الخَلْقِ
فوجوهُهم زُهْرٌ مُنَضَّرَةٌ ... لألاؤُها كتألُّقِ البرقِ
يا ليتني معهم! فيُدرِكَني ... ما أَدركوهُ بها من السَّبْقِ
ومن فوائده: قوله: تذاكرت بالمسجد الأقصى مع شيخنا أبي بكر الفهري حديثَ أبي ثعلبة (١) المرفوع: "إن من ورائكم أيامًا للعامل فيها أجرُ خمسين
стр. 272
منكم"، فقالوا: مِنْهم؟ فقال: "بل منكم؛ لأنكم تجدونَ على الخير أعوانًا، وهم لا يجدون عليه أعوانًا"، وتفاوضنا: كيف يكون أجرُ من يأتي من الأمة أضعافَ أجر الصحابة، مع أنهم قد أسسوا الإسلام، وعضدوا الدين، وأقاموا المنار، واقتحموا الأمصار، وحموا البيضة، ومهدوا المِلَّة، وقد قال ﷺ في الصحيح (١): "لو أنفقَ أحدُكم كلَّ يومٍ مثلَ أُحدٍ ذهبًا، ما بلغَ مُدَّ أحدِهم، ولا نَصيفَهُ"، فتراجعنا القول، وتحصل ما أوضحناه في "شرح الصحيح"، وخلاصته: أن الصحابة كانت لهم أعمال كثيرة لا يلحقُهم فيها أحد، ولا يدانيهم فيها بَشَر، وأعمالٌ سواها من فروع الدين يساويهم فيها في الأجر من أخلص إخلاصهم، وخلصها من شوائب البدع والرياء بعدهم، والأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر بابٌ عظيم هو ابتداء الدين، والإسلام هو أيضًا انتهاؤه، وقد كان قليلاً في ابتداء الإسلام، صعبَ المرام؛ لغلبة الكفار على الحق، وفي آخر الزمان أيضًا يعود كذلك، لوعد الصادق ﷺ بفساد الزمان، وظهور الفتن، وغلبة الباطل، واستيلاء التبديل والتغيير على الحق من الخلق، وركوب من يأتي سَنَن من مضى من أهل الكتاب؛ كما قال ﷺ : "لتركبنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُم شِبْرًا بشبرٍ، وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جُحْرَ ضَبٍّ خَرِبٍ، لدخلتُموه"، وقال ﷺ : "بدأ الإسلامُ غريبًا، وسيعودُ غريبًا كما بدأ" [فطوبى للغرباء، رواه مسلم] فلا بد - والله تعالى أعلم بحكم هذا الوعد الصادق - أن يرجع الإسلام إلى واحد كما بدأ من واحد، ويضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى إذا قام به قائم، مع
стр. 273
احتواشه بالمخاوف، وباع نفسه من الله تعالى في الدعاء إليه، كان له من الأجر أضعافُ ما كان لمن كان متمكنًا منه، معانًا عليه بكثرة الدعاة إلى الله تعالى، وذلك قولُه: "لأنكم تجدون على الخير أعوانًا، وهم لا يجدون عليه أعوانًا" حتى ينقطع ذلك انقطاعًا تامًا؛ لضعف الدين، وقلة اليقين، كما قال ﷺ : "لا تقومُ الساعةُ حتى لا يُقال في الأرض: الله، الله" [رواه مسلم]- يروى برفعِ الهاءِ ونصبها -، فالرفعُ على معنى: لا يبقى موحَّدٌ يذكر الله ، والنصب على معنى: لا يبقى آمرٌ بالمعروف، وناهٍ عن منكر يقول: أخاف الله، وحينئذ يتمنى العاقل الموت، كما قال ﷺ : "لا تقومُ الساعةُ حتى يمرَّ الرجلُ بقبرِ الرجل، فيقول: يا ليتني كنتُ مكانَه"، انتهى. وأنشد - رحمه الله تعالى - لبعض الصوفية:
امتحنَ اللهُ بذا خَلْقَهُ ... فالنارُ والجنَّةُ في قَبْضَته
فهجرُهُ أعظمُ من نارِه ... ووصلُه أَطْيَبُ من جَنَّتِه
ومن فوائده: أنه قال: كنت بمجلس الوزير العادل أبي منصور بن جهير، فقرأ القارىء ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤]، وكنت بظهر أبي الوفاء ابن عقيل إمام الحنبلية - بمدينة السلام -، وكان معتزلي الأصول، فلما سمعت الآية، قلت لصاحب لي كان يجلس على يساري: هذه الآية دليل على رؤية الله تعالى في الآخرة؛ فإن العرب لا تقول: لقيت فلانًا، إلا إذا رأته، فصرف أبو الوفاء وجهه مسرعًا إلينا، وقال: ينتصر لمذهب الاعتزال في أن الله لا يُرى في الآخرة، فقد قال الله تعالى ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ [التوبة: ٧٧]، وعندك أن المنافقين لا يرون الله تعالى في الآخرة، وقد شرحنا وجه الآية في "المشكلين"، وتقدير الآية: فأعقبهم هو نفاقًا في قلوبهم إلى يوم يلقونه، فيحتمل ضمير - يلقونه - أن يعود إلى ضمير الفاعل في - أعقبهم - المقدر بقولنا: هو، ويحتمل أن يعود إلى النفاق مجازًا على تقدير الجزاء، انتهى. ومنها: قوله: إنه كان بمدينة السلام إمامٌ من الصوفية وأيُّ إمام، يعرف بابن عطاء، فتكلم يومًا على يوسف وأخباره حتى ذكر تبرئته مما نسب إليه من مكروه، فقام
стр. 274
رجل من آخر مجلسه وهو مشحون بالخليقة من كل طائفة، فقال: يا شيخ يا سيدنا! فإذَنْ يوسفُ هَمَّ وما تَمّ، فقال: نعم؛ لأن العناية من ثَمّ، فانظروا إلى حلاوة العالم والمتعلم، وفطنة العامي في سؤاله، والعالِم في اختصاره واستيفائه، ولذا قال علماؤنا الصوفية: إن فائدة قوله تعالى: ﴿لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [يوسف: ٢٢] أن الله أعطاه العلم والحكمة أيام غلبة الشهوة؛ لتكون سببًا للعصمة، انتهى. ومنها: قوله: كنت بمكة مقيمًا في سنة ٤٨٩، وكنت أشرب من ماء زمزم كثيرًا، وكلما شربته، نويت العلم والإيمان، ففتح الله تعالى لي ببركته في المقدار الذي يسره لي في العلم، ونسيت أن أشربه للعمل، ويا ليتني شربته لهما حتى يفتح الله لي فيهما، ولم يقدر، فكان صفوي للعلم أكثر منه للعمل، وأسأل الله الحفظ والتوفيق برحمته، ومنها: قوله حكاية عن الجوهري: أنه كان يقول: إذا أمسكت علاقة الميزان بالإبهام والسبابة، وارتفعت سائر الأصابع، كان شكلها مقروءًا بقولك: "الله"، فكأنها إشارة منه سبحانه في تيسير الوزن إلى أن الله سبحانه مطلعٌ عليك، فاعدل في وزنك، انتهى. ومنها: قوله في تفسير قوله تعالى: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ [فصلت: ١٦] قيل: إنها كانت آخر شوال من الأربعاء إلى الأربعاء، والناس يكرهون السفر يوم الأربعاء لأجل هذه الرواية، انتهى. قلت: وفي المغازي: أن النبي ﷺ دعا على الأحزاب من يوم الاثنين إلى يوم الأربعاء - بين الظهر والعصر -، فاستجيب له، وهي ساعة فاضلة، فالآثار الصحاح تدل على فضل هذا اليوم، فكيف يدعى فيه التحذير والنحس بأحاديث لا أصل لها؟! وقد صور قوم أيامًا من الأشهر الشمسية ادّعوا فيها الكراهية، لا يحل لمسلم أن ينظر إليها، فحبسهم الله، انتهى. ومنها: وكان يقرأ معنا برباط أبي سعد على الإمام دانشمند من بلاد المغرب - خنثى ليس له لحية، وله ثديان (١) - وعنده جارية - فربُّك أعلمُ به، ومع طول الصحبة، عَقَلَني الحياء عن سؤاله، وبودي اليوم لو كاشفته حاله، انتهى. ومن شعره:
стр. 275
ليتَ شعري هلْ دَرَوْا ... أَيَّ قلب مَلَكوا
وفؤادي لو دَرَى ... أَيَّ شِعْبٍ سَلَكوا
أَتُراهم سَلِموا ... أَمْ تُراهم هَلَكوا
حارَ أربابُ الهوى .... في الهوى وارتبكوا
انتهى من "نفح الطيب" ملخصًا، وذكر ترجمته أيضًا سليم الخوري في "آثار الأدهار"، وأثنى عليه، وذكر له مؤلفات كبارًا، وبعضَ الأشعار، وحفيدُه محمد بن عبد الله بن أحمد يعرف بابن العربي أيضًا، قال في "الآثار": حج، فسمع من السِّلفي، ثم رحل إلى الشام والعراق، وأخذ عن عبد الوهاب بن سكينة وطبقته، ورجع، فأخذوا عنه، ثم تصوف وتعبد، وتوفي بالإسكندرية سنة ٦١٧، قاله الذهبي في "تاريخه الكبير"، انتهى. وفيه شيء.
٣٠٩ - عبد الملك بنُ حبيبٍ السلميُّ .
عالم الأندلس، قد عرف به القاضي عياض في "المدارك"، وغير واحد، بلغت تواليفه ألفًا، وهو مشهور عند علماء المشرق، وقد نقل عنه الحافظ ابن حجر، وصاحب "المواهب"، وغيرهما: تصرفَ في فنون العلوم، وعرفَ كل معلوم. قال في "المطمح": ولم يكن له علم بالحديث، وكان عرضه الإجازة، قال المَقَّري: وأما عدمُ معرفته بالحديث، فهو غير مسلَّم، وقد نقل عنه غير واحد من جهابذة المحدثين، نعم لأهل الأندلس غرائبُ لم يعرفها كثير من المحدثين، حتى إن في "شفاء عياض" أحاديثَ لم يعرف أهل المشرق النقاد مخرجَها، مع اعترافهم بجلالة حفاظ الأندلس الذين نقلوها؛ كبقي بن مخلد، وابن حبيب، وغيرهما، على ما هو معلوم.
٣١٠ - إسماعيل بن محمد بنِ يوسفَ، الأنصاريُّ، الأندلسيُّ، الآبذي، يلقب: برهان الدين .
سمع بمكة وغيرها من البلاد، وبدمشق من الحافظ ابن طبرزد، وكان فاضلاً صالحًا شاعرًا، توفي سنة ٦٥٦.
стр. 276
٣١١ - القاضي منذر بنُ سعيدٍ البلوطيُّ .
قاضي الجماعة بقرطبة، وكان متفننًا في ضروب العلوم، وغلب عليه التفقه بمذهب داود بن علي الأصبهاني المعروف بالظاهري، فكان يؤثر مذهبه، ويجمع كتبه، ويحتج لمقالته، ويأخذ به في نفسه وذويه، توفي سنة ٣٥٥.
له كتاب "أحكام القرآن"، و"الناسخ والمنسوخ"، و"الرد على أهل المذاهب"، ذكر ابن أصبغ الهمداني: أنه خطب يومًا، وأراد التواضع، فكان من فصول خطبته أن قال: حتى متى وإلى متى أعظ ولا أتعظ، وأزجر ولا أنزجر، أدلُّ الطريق إلى المستدلين، وأبقى مقيمًا مع الحائرين؟! كلا ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ [الصافات: ١٠٦] ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأعراف: ١٥٥] الآية. اللهم فَرِّغنْي لما خلقتني له، ولا تشغلني بما تكفَّلْت لي به، ولا تحرمني وأنا أسألك، ولا تعذبني وأنا أستغفرك يا أرحم الراحمين.
٣١٢ - قاسم بن أصبغ بن محمد البياني المالكي - وبنانة من أعمال قرطبة .
سمع من بقي بن مخلد، وبمكة من محمد بن إسماعيل الصائغ، ودخل عراق وبغداد، وسمع بها من عبد الله بن الإمام أحمد، والحارث بن أسامة، وسمع بمصر وبالقيروان، وانصرف إلى الأندلس بعلم كثير، فمال الناس إليه، وكان بصيرًا بالحديث والرجال، نبيلاً في النحو والغريب والشعر، صنف على كتاب "السنن" لأبي داود كتابًا في الحديث، وفيه من الحديث المسند ألفان وأربع مئة وتسعون حديثًا في سبعة أجزاء، مولده سنة ٤٤٧. حكى القرطبي في "تفسيره": أنه قال: أخذتُ عن بكر بن حماد حديثَ مسدد، فقرأت عليه: أنه قدم عليه قوم من مضر مجتابي النِّمار، فقال: إنما هو مجتابي الثمار، فقلت: إنما هو النِّمار، فسألت الشيخ، فقال كما قلتُ، وهم قوم كانوا يلبسون الثياب مشققة جيوبُهم أمامهم، فقال بكر - وأخذ بأنفه -: رغمَ أنفي للحق، قال المَقَّري: وهذه الحكاية دالة على عظيم قدر الرجلين.
стр. 277
٣١٣ - قاسم بن ثابت العوفيُّ السَّرَقُسْطِيُّ .
سمع من النسائي، والبزار، وابن الجارود، واعتنى بجمع الحديث واللغة - هو وأبوه -، وألف في شرح الحديث كتابًا سماه: "الدلائل" بلغ فيه الغاية في الإتقان، ومات قبل إكماله، فأكمله ابنه ثابت بعده، وكان متقدمًا في معرفة الحديث والنحو والشعر، وكان مع ذلك ورعًا ناسكًا، وكان مجاب الدعوة، توفي السنة ٣٠٣ الهجرية.
٣١٤ - قاسم بن محمد بنِ قاسم .
إمام أهل قرطبة، وجدُّه مولى الوليد بن عبد الملك. سمع بمصر من المزني، والبرقي، وابن المنذر، وغيرهم.
قال المَقَّري: وكان يذهب مذهب الحجة والنظر وترك التقليد، قال له ابنه - محمد بن القاسم -: يا أبت! أوصني، قال: أوصيك بكتاب الله، فلا تنس حظك منه، واقرأ منه كل يوم جزءًا، واجعل ذلك واجبًا عليك، وإن أردت أن تأخذ من هذا الأمر بحظ - يعني: الفقه -، فعليك برأي الشافعي؛ فإني رأيته أقل خطأ، قال الفرضي: لم يكن بالأندلس مثله في حسن النظر والبصر بالحجة، توفي سنة ٢٧٨.
٣١٥ - محمد بن إبراهيم بن حيون .
من أهل وادي الحجارة قال ابن الفرضي: سمع من ابن وضاح، والخشني، ورحل إلى المشرق، وسمع بصنعاء ومكة وبغداد، ولقي جماعة من أصحاب الإمام أحمد، وكان إمامًا في الحديث، عالمًا حافظًا للعلل، بصيرًا بالطرق، ولم يكن بالأندلس قبله أبصر بالحديث منه، وهو ضابط متقن، حسن التوجه للحديث، صدوق، لم يذهب مذهب مالك، روى عنه ابن أيمن، وابن أصبغ، قال خالد بن سعيد: لو كان الصدق لسانًا، لكان ابن حيون، توفي سنة ٣٠٥.
٣١٦ - محمد بن إبراهيم بنِ موسى، يعرف بابن شق الليل .
من أهل طُلَيْطلة، سمع بمصر وغيرها من جماعة، وحدث عن جماعة من المحدثين كثيرة.
стр. 278
قال ابن بشكوال: وكان حافظًا للحديث والفقه، قائمًا بهما، متقنًا لهما، إلا أن المعرفة بالحديث وأسماء رجاله والبصر بمعانيه وعلله كان أغلب عليه، وكان مليحَ الخط، جيد الضبط، من أهل الرواية والدراية، والمشاركة في العلوم، وكان أديبًا شاعرًا، كثير التصانيف والكلام على علم الحديث، توفي سنة ٤٥٥.
٣١٧ - أبو سلمة محمد بنُ عليِّ، البياسيُّ الغرناطيُّ .
روى عن الحافظ ابن الزبير، وقدم إلى القاهرة، واستوطنها بعد الحج حتى مات بها سنة ٧٠٣.
وكان عارفًا بالحديث، وكتب منه كثيرًا، ومال إلى مذهب الظاهرية، وانتفع به جماعة من طلبة الحديث، وكان ثقة - رحمه الله تعالى -.
٣١٨ - محمد بن الوليد بنِ محمدٍ الفهريُّ الطرطوشيُّ، يعرف بابن أبي رَندقة .
كان عالمًا فقيهًا، شاعرًا فاضلاً جيدًا، أخذ عنه الحافظ ابن العربي وغيره، ومن نظمه قوله من رسالة:
أُقَلِّبُ طَرْفي في السماءِ تَرَدُّدًا ... لَعَلَّي أَرى النجمَ الذي أنتَ تنظُرُ
وأَستعرِضُ الركبانَ من كل وِجْهَةٍ ... لَعَلِّي بمن قد شَمَّ عَرْفَك أَظْفَرُ
وأَستقبلُ الأرواحَ عندَ هُبوبها ... لعلَّ نسيمَ الريحِ عنك يُخَبِّرُ
وأَمشي وما لي في الطريقِ مآربٌ ... عسى نغمةٌ باسم الحبيب سَتُذْكَرُ
وأَلْمَحَ مَنْ ألقاه من غيرِ حاجةٍ ... عسى لمحة من نورِ وجهِك تسْفِرُ
وكان يقول: إذا عرض لك أمر دنيا وأخرى، فبادر بأمر الأخرى، يحصل لك أمر الدنيا والأخرى، له كتاب "بدع الأمور ومحدثاتها"، ولد سنة ٤٥١ تقريبًا، وتوفي سنة ٥٢٠.
٣١٩ - حسين بن محمد بنِ فيرةَ بنِ حَيُّون، يعرف بابن سُكره .
روى عن الباجي، ورحل إلى المشرق، وحج، ثم سار إلى البصرة، ودخل بغداد وواسط، وسمع من جماعة من حفاظها، واستوطن الأندلس، وقعد
стр. 279
يحدث الناس بجامعها، ورحل الناس من البلدان إليه، وكثر سماعهم عليه. وكان عالمًا بالحديث وطُرقه، عارفًا بعلله وأسماء رجاله ونَقَلَته، وكان حافظًا لمصنفات الحديث، قائمًا عليها، ذاكرًا لمتونها وأسانيدها ورواتها، وكتب منها "صحيح البخاري" في سفر، و"صحيح مسلم" في سفر، وكان قائمًا على الكتابين مع "سنن الترمذي"، وفُقد في فتنة كندة سنة ٥١٤، وذكر غيرُ واحد: أنه حدث ببغداد بحديث واحد، وهو من أبناء الستين. ذكر له سليم الخوري في "آثار الأدهار" والمَقَّري في "نفح الطيب" ترجمة توافق ما ذكرنا في هذا الموضع، مع زيادة يسيرة.
٣٢٠ - الشيخ الفاضل، والأديب الكامل، شهابُ الدين، محمود الخفاجي .
صاحب "ريحانة الألباء وزهرة الحيوة الدنيا"، حامل عَلَمِ العلم وناشرُه، وجالب متاع الفضل وتاجرُه. كان ممن شُدت إليه مسألة الكمال رحالَها؛ إذ ورث من سماء المعالي بدرها وهلالها، وحوى طارفها وتليدها، وأرضعَ من در الفنون كهلَها ووليدها، وسفرت له خرائد العلوم رافعة النُّقُب، وتزينت بمنظومه ومنثوره صدورُ المجالس والكُتب.
حرر لنفسه ترجمة في كتابه "الريحانة"، وقال ما ملخصه: كنت بعد سن التمييز في مغرس طيبِ النبات، عزيزًا في حَجْر والدي، ممتعًا بذخائر طريفي وتالدي، مربًّى بغذاء على الظاهر والباطن، في النعيم المقيم بأرفع المساكن، فلما درجتُ من عُشِّي، قرأت على خالي علوم العربية، ثم ترقيت فقرأت المعاني والمنطق وبقية علوم الأدب الاثني عشر، ونظرت كتب المذهبين - مذهب أبي حنيفة والشافعي - مؤسسًا على الأصلين من مشايخ العصر، ومن أجل من أخذت عنه: شيخ الإسلام الشمس الرملي، حضرت دروسه الفرعية، وقرأت عليه شيئًا من "مسلم"، فأجازني بذلك، وبجميع مؤلفاته ومروياته بروايته عن شيخ الإسلام القاضي زكريا الأنصاري، وعن والده، ومنهم: العارف بالله الشيخ نور الدين الزيادي - زاد الله حسناته -، حضرت دروسه زمانًا طويلاً، ومنهم: العلامة علي بن غانم المقدسي الحنفي، قرأت عليه الحديث، وكتبَ لي إجازة
стр. 280
بخطه، ومنهم: العلامة الفهامة خاتمةُ حفاظ المحدثين إبراهيمُ العلقمي، قرأت عليه "الشفاء" بتمامه، وأجازني به وبغيره، وشملني نظره وبركة دعائه، وممن أخذت عنه الأدب والشعر: شيخنا العلامة أحمد العلقمي، وممن أخذت عنه العروض: الشيخ محمد المغربي - المعروف بركروك -، وممن أخذت عنه الطب: الشيخ داود البصير، ثم ارتحلت مع والدي للحرمين الشريفين، وقرأت ثمة على الشيخ علي بن جاد الله، وعلى حفيد العصام، وغيره، ثم ارتحلت إلى قسطنطينية، واستفدت ممن بها؛ كابن عبد الغني، ومصطفى بن عربي، والحبر داود، وهو ممن أخذتُ عنه الرياضيات، وقرأت عليه إقليدس وغيره، وأجلهم إذ ذاك أستاذي سعدُ الدين بنُ حسن، وعدت إليها ثانيًا بعد ما توليت قضاء العساكر بمصر، فإن أردتَ ما لي من المآثر، فمن تآليفي: "الرسائل الأربعون"، و"حاشية تفسير البيضاوي" في مجلدات، و"حاشية شرح الفرائض"، و"شرح الدرة"، و"طراز المجالس"، و"حديقة السحر"، وكتاب "السوامج والرحلة"، و"حواشي الرضى والجامي"، و"شرح الشفاء"، وغير ذلك، ولي من النظم ما هو مسطور في ديواني، فلا حاجة لذكره. ومن المنثور رسائل ومكاتيب لم أجمعها، انتهى حاصله.
ومن مؤلفاته: كتاب "الريحانة": وفيها مقاماته، يزري عَرْفُه عَرْفَ الجل والجادي، ويشدو بحداه الحادي، لم تر عين الزمان مثلَه في الكتب، ولا مثل أدبه وبلاغة كلامه في حسن البلاغة وتمام الفصاحة ومحاسن الخطب.
وكان ﵀ أديبًا علامة في العربية ولسان العرب، حاشيتُه على "تفسير البيضاوي" تدل على علو علمه، وسعة فضله، وكمال ذكائه، وغاية اطلاعه، ونهاية تحقيقه، لم يقم في الحنفية مثله في الزمان، ولم يساوه في فضائله ومناقبه إنسان، ذكر له مدير مطابع مصر ترجمة حافلة في أول تلك الحاشية، ويا لها من ترجمة أنوارها فاشية!
قال الخفاجي في "الريحانة": وقد جعلوا خضرةَ العِمامة، علامةً للسيادة المستلزمة للتقدم والإمامة، وربما جعلوا فيها شطفة، تدل على أن فيهم من
стр. 281
النبوة والرسالة نطفة، وقد يفرقون بين أولاد البنين والبنات، ولم يفهموا مشاركة حطب الأغصان لهم والنبات.
كأنَّ الله لم يخلُقْه إلا ... لتنعطفَ القلوبُ على يزيد
وقد قال أصحاب التواريخ: إن أول حدوث هذه العلامة كان في سنة ٧٧٣، لما أمر الملك الأشرف بمصر أن يميز الأشراف عن الناس بعصائب خضر على العمائم، وفي "الطبقات الكبرى" للسبكي: أن من أئمة الشافعية أحمدَ بن عيسى - شارح "التنبيه" - استنبط من قوله تعالِى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: ٥٩] أن ما يفعله علماء هذا الزمان، في ملابسهم من سعة الأكمام والعِمَّة ولبسِ الطيلسان، حسن وإن لم يفعله السلف؛ لأن فيه تمييزًا لهم، وبذلك يُعرفون، فيُلتفت إلى فتاواهم وأقوالهم، انتهى. ومنه يعلم أن تمييز الأشراف بعلامة أمر مشروع أيضًا لما سمعته آنفًا.
أقول: فيه أمران: الأول: إن قولهم: كان ذلك أولاً بأمر الملك الأشرف يرد عليه ما نقله السخاوي في كتابه "مناقب العباس": أن عليًا الرضا بن موسى الكاظم عهد له الخليفة العباسي، وجعله وليَّ عهده بعده، وبويع، فغير لباس العباسيين - وهو السواد - بلبس الأخضر، فساء ذلك العباسيين، ولكنه عوجل؛ فإنه مات سنة ٢٠٣ في حياة المأمون وعد ذلك من الألطاف؛ لما فيه من سد باب الفتنة، انتهى.
الثاني: ما نقل من أن زِيَّ العلماء والأشراف سنة، رده ابن الحاج في "المدخل" بأنه مخالف لزيهم في زمن النبي ﷺ ، وزمن الخلفاء الراشدين ومَنْ بعدهم من خير القرون، فإن قيل: إنهم به يعرفون، قيل: إنهم لو بقوا على الزي الأول، عرفوا به أيضًا؛ لمخالفة ما عليه غيرهم الآن، وأطال في إنكار ما قالوه، وقد يجاب عنه، فتأمل فيه، انتهى. قال: لم يزل الناس على وضع الريحان - ونحوِه من الخضر - على القبور، وقد ورد هذا في الحديث وفي الأشعار، وعليه عملُ الناس إلى الآن، حتى وقفوا لذلك أوقافًا، وأنكره ابن الحاج في
стр. 282
"المدخل"، والخطابي، فقال: شقُّ النبيِّ ﷺ له، وإلقاؤه على القبر، وقوله: "لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا" - كما في البخاري وغيره، إنما هو ببركة مس يده له، وجعل بقاء الرطوبة حدًّا لما وقع به من المسألة من تخفيف العذاب؛ لأن في الجريد الرطب معنًى ليس في اليابس، والعامة يفرشون الخُوص على القبور، فكأنهم ذهبوا إلى [أن] هذا ليس له وجه، انتهى. ورده العلامة ابن حجر - في "شرح البخاري" -، فقال: إنه ﷺ أخذ جريدة رطبة، فشقها نصفين، فغرز في كل قبر واحدة إلى آخره، وأنكره الخطابي وغيره، ولا يلزم من كوننا لا نعلم تعذيبه وغيره أنا لا نتسبب في أمر يخفف عذابه كما ندعو له بالرحمة، ولم يصرح في الحديث بمسه له، وقد تأسى به بريدة الصحابي، فأوصى بوضع الجريدة على قبره، وهو أولى أن يتأسى به، انتهى.
قلت - عفا الله عني -: الذي وضعه رسول الله ﷺ على القبر هو الجريد، لا الريحانُ، ولا غيره، وهذا فعله ﷺ مرة واحدة، ولا عموم للفعل، وفعلُ الصحابي لا يصلح للحجة، فالذي ذهب إليه ابن الحاج وغيره لعله هو الصواب - إن شاء الله تعالى -.
قال: اعلم أن معجزة كل نبي على وفق زمانه وقومه، ولما كان أشرف الخلق العرب، وأعظم ما عندهم الشجاعة والفصاحة والكرم، كان أعظم معجزات نبينا ﷺ القرآن المعجز بفصاحته وبلاغته، ولما كان خاتم الرسل، ولا نبي بعده، جعل له معجزة باقية إلى القيامة لا تزال تتلى، وجديدةً على كثرة الترداد لا تَخْلَق ولا تَبْلى، انتهى. قلت: ومن هنا طالت يد سلف هذه الأمة وأئمتها إلى تعلم العربية حتى ملكوا ناصيتها، وبلغوا قاصيتها، وهذا اللسان العربي المبين هو لغة شريعتنا الحقة، فكان من الواجب علينا أخذه على وجهه، ولكن تقاعدت همم الخلف عن بلوغ ذروته حتى بقوا غير عارفين به وبمحاورته وصلاته، وحيث عاد بهم الحال إلى هذا المقام، فمن أين رجاءُ فهم معاني الكتاب والسنة لهم؟ قال: وعلى ذكر الهدية، نهدي إليك فائدة سنية: كان ﷺ يقبل الهدية، ولا يقبل الصدقة، وأهدى إليه أعرابي هدية، فقبلها، فجاءه، وقال: يا رسول الله! إني كنت أهديت هدية، فأعطاه
стр. 283
عطية، فذهب، ثم أتاه مرة أخرى فأعطاه، ثم أتى مرة أخرى، فقال رسول الله ﷺ : "إني عزمتُ ألا أقبلَ هديةً إلا من قرشيٍّ أو ثقفيٍّ"، فقال حسان:
إِنَّ الهدايا تجاراتُ اللئامِ، وما ... يرجو الكرامُ لِما يهُدون من ثَمَنِ
وكان عمر ﵁ لا يقبل هدية العمال، وإذا قبلها، وضعها في بيت المال، فقيل له: إن رسول الله ﷺ كان يقبل الهدية، فقال: إنها كانت هدية، وهي الآن رشوة، ولذا قال الزاهد ابن عمران:
تَوَقَّ وحاذِرْ من قَبولِ هديَّةٍ ... وإنْ جاءنا فيه حديثٌ مُرَغِّبُ
فقد حدثَتْ بعدَ الرسولِ حوادثٌ ... تحذَّرُنا عنها وعَنْها تُرَغَّبُ
وكانَتْ هدايا في الأوائلِ قبلَنا ... تؤلِّفُ فيما بينَهم وتُحَبِّبُ
فعادَتْ بلايا يسرعُ المَنُّ بعدَها ... تُفَرَّقُ فيما بينَنا وتُجَنِّبُ
٣٢١ - السيد العلامة، والشريف الفهامة، أبو أحمد، حسنُ بنُ عليٍّ، الحسينيُّ، البخاريُّ، القنوجيُّ - والدُ محرر السطور -.
فرعٌ من ذوابة هاشم، ونبعة من وشيج تلك المكارم، من آل السيد جلال الدين البخاري.
وهم مشايخ سادة مكرمون، لا يمس صحفَ مجدِهم إلا المطهرون من حدث البشرية، ودنس الهيولى الدنية، من كل من قضى للعلياء وطرَها، وتلا آيات الكرامة وسُوَرَها، تعبق منهم أنفاسُ النبوة، وتجر لهم على وجه البسيطة أذيالُ الفتوة، ولم تُمْحَ محاسنُهم من صحائف الليالي والأيام، ولا تثمر بمثلها أغصانُ اليراع والأقلام.
ولد ﵁ في سنة ١٢١٠، وتوفي - رحمه الله تعالى - في سنة ١٢٥٣. قرأ القرآن، وتعلم الفنون الآلية، وحصل الأدب، وسافر إلى البلاد، ودار على المشايخ الأمجاد، من أجلَّهم: أبناءُ الشيخ الأجل أحمد وليَّ الله المحدَّثِ الدهلوي، وهم: الشيخ عبد العزيز، والشيخ رفيع الدين، والشيخ عبد القادر - رحمهم الله تعالى -. وكان له محبة أكيدة مع الشيخ إسماعيل الشهيد، والشيخ عبد الحي المرحوم، وكانت بيعته على يد السيد العارف أحمد
стр. 284
البريلوي، سافر معه إلى خراسان، وجاهد في الله باللسان والجنان، والبيان والصارم والسنان، ثم عاد إلى موطنه قنوج، وألقى به عصا التسيار، واشتغل بالتأليف والتذكير، وهدى الناس إلى دين الله الجبار، فبلغ عدد من باع على يده الشريفة واهتدوا بهديه عشرة آلاف إنسان تقريبًا، وكان آية بينة من آيات الله في التقوى والعمل، وتأثير الوعظ وقلة الأمل، وإيثار القناعة في المشرب والمأكل، ذا أبهة عظيمة، وهيبة فخيمة، يخافه الأمراء والعلماء، لسانه أمضى من السيف البتار، وسوطه على المبتدعين والمشركين يثير عنهم قتار الدمار، لم يزل مواظبًا للطاعات والعبادات، قائمًا لله تعالى بالحجج البينات، عاملاً بالدليل، تاركًا للتقليد، متمسكًا بالسنة المطهرة في كل حقير وجليل، معتصمًا بكتاب الله العزيز، لا يبالي بعده [...] ولا خليل، مات شابًا ولم يخلف شيئًا غير الكتب التفسيرية والحديثية، تأسف الناس على فقده فوق الوصف، ومنذ توفي ذهب رونقُ الإسلام وعلو شعائر الدين من ذلك البلد.
وكان قد نوى الهجرة من ديار الهند إلى الحرمين الشريفين، فاخترمته المنية، قبلَ بلوغ هذه الأُمنيَّة، وإنما الأعمال بالنيات. كتب بخطه الشريف الحسن المليح كتبًا كثيرة، بعضُها موجود عندنا الآن، وضاع بعضها في زمن غدر هندستان، لا يزال يُرى النور على قبره الشريف، والناس يتبركون به. له مؤلفات ممتعة نافعة، غالبها باللسان الهندي - نظمًا ونثرًا -، أقل منها باللسان الفارسي، وأقل قليل منها باللسان العربي، وهي معروفة شائعة في أهل الإسلام، وكلها مملوءة بتوحيد الله سبحانه، وردَّ الإشراك والبدع، والحطَّ على أهلها، أرخ وفاته بعضُ العلماء من أحبابه وأصحابه بكلمة: "مات بخير" [أي ١٢٥٣ هـ]- رحمه الله تعالى رحمة واسعة، وجعل الجنة مثواه ومنزله -.
٣٢٢ - السيد العلامة الأديب النحوي الأصولي الفقيه المناظر، المتخلص بالعرشي: أحمد بن حسن بنِ عليٍّ - رحمه الله تعالى -.
شبلُ ذاك الأسد، وأخو هذا العبد، كان أكبر مني بسنتين، نشأ في موطنه، وقرأ وروى، وحدَّث، وبرع في الفنون كلها جملة وتفصيلاً، وكان يتوقد ذكاء
стр. 285
وفطنة، وشجاعة وسيادة وفخامة، طاف البلاد، ولقي العلماء، وصحب المشايخ، وأخذ عنهم العلوم، وألف في رد التقليد رسائل ومسائل باللسان العربي المبين، وأتى فيها بالعجب العجاب، وأفحَمَ المقلدين، وأدخل عليهم العجزَ من كل باب، جاهد في الله جهادًا، وارتحل في آخر عمره إلى الحرمين الشريفين، فتوفي ﵀ في الطريق في بلدة بزوده من أضلاع [أي: مقاطعات] كجرات، وقبره هناك - ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠]، وقال النبي ﷺ : "موت الغربة شهادة"، وكانت وفاته في سنة ١٢٧٧. له اليد الطولى في الشعر العربي والفارسي، كان ينظم - في ساعة نجومية - قصيدة طويلة فصيحةَ المبنى، بليغةَ المعنى، قلَّ من يقدر على إنشاء مثلها في أسبوع، بل في شهر كامل، كتب إلى علماء عصره وأدباء مصره كتبًا ورسائل لم يجمعها، وقد أوردت له أشعارًا في "إتحاف النبلاء"، وظني أن لحمه وعظمه وعصبه كلها كانت علومًا وذكاء، لم تر عيني مثلَه في جودة ذهنه، ووسعة اطلاعه، وحفظه للعلوم ومسائلها، وحضور خاطره، وبداهة طبعه، ولقد كان - والله - عديمَ النظر، وفقيد المثيل في أقرانه وأمثاله، بارعًا متقنًا في جميع أقواله وأحواله وأفعاله، بل كان تاجًا على رأس الزمن، و [هو] كاسمه أحمد وحسن، لم يلتفت إلى كتب الفروع والرأي وأهلها قط، ولم يعمل في خاصة نفسه إلا بالدليل من الكتاب والسنة، وكان له همة سامية في ذلك، وحمية نامية فيما هنالك - رحمه الله تعالى رحمة واسعة، وغفر لي وله ومنحه الحسنى وزيادة -.
٣٢٣ - ابن باجه، هو أبو محمد بنُ يحيى التُّجيبيُّ، الأندلسيُّ، السرقسطيُّ، ويعرف بابن الصائغ، الفيلسوفُ، الشاعر .
ذكره الفتح بن خاقان في "قلائد العقيان"، ونسبه إلى انحلال العقيدة؛ لعداوة كانت بينهما، وجعله آخر ترجمة في كتابه، فقال: هو رَمَدُ عينِ الدين، وكَمَدُ نفوس المهتدين، اشتهر سخفًا وجنونًا، وهجر مفروضًا ومسنونًا، فما يتشرع ولا يأخذ في غير الأضاليل، ولا يشرع نظر في تلك التعاليم، وفكر في