النبوة والرسالة نطفة، وقد يفرقون بين أولاد البنين والبنات، ولم يفهموا مشاركة حطب الأغصان لهم والنبات.
كأنَّ الله لم يخلُقْه إلا ... لتنعطفَ القلوبُ على يزيد
وقد قال أصحاب التواريخ: إن أول حدوث هذه العلامة كان في سنة ٧٧٣، لما أمر الملك الأشرف بمصر أن يميز الأشراف عن الناس بعصائب خضر على العمائم، وفي "الطبقات الكبرى" للسبكي: أن من أئمة الشافعية أحمدَ بن عيسى - شارح "التنبيه" - استنبط من قوله تعالِى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: ٥٩] أن ما يفعله علماء هذا الزمان، في ملابسهم من سعة الأكمام والعِمَّة ولبسِ الطيلسان، حسن وإن لم يفعله السلف؛ لأن فيه تمييزًا لهم، وبذلك يُعرفون، فيُلتفت إلى فتاواهم وأقوالهم، انتهى. ومنه يعلم أن تمييز الأشراف بعلامة أمر مشروع أيضًا لما سمعته آنفًا.
أقول: فيه أمران: الأول: إن قولهم: كان ذلك أولاً بأمر الملك الأشرف يرد عليه ما نقله السخاوي في كتابه "مناقب العباس": أن عليًا الرضا بن موسى الكاظم عهد له الخليفة العباسي، وجعله وليَّ عهده بعده، وبويع، فغير لباس العباسيين - وهو السواد - بلبس الأخضر، فساء ذلك العباسيين، ولكنه عوجل؛ فإنه مات سنة ٢٠٣ في حياة المأمون وعد ذلك من الألطاف؛ لما فيه من سد باب الفتنة، انتهى.
الثاني: ما نقل من أن زِيَّ العلماء والأشراف سنة، رده ابن الحاج في "المدخل" بأنه مخالف لزيهم في زمن النبي ﷺ ، وزمن الخلفاء الراشدين ومَنْ بعدهم من خير القرون، فإن قيل: إنهم به يعرفون، قيل: إنهم لو بقوا على الزي الأول، عرفوا به أيضًا؛ لمخالفة ما عليه غيرهم الآن، وأطال في إنكار ما قالوه، وقد يجاب عنه، فتأمل فيه، انتهى. قال: لم يزل الناس على وضع الريحان - ونحوِه من الخضر - على القبور، وقد ورد هذا في الحديث وفي الأشعار، وعليه عملُ الناس إلى الآن، حتى وقفوا لذلك أوقافًا، وأنكره ابن الحاج في
стр. 282
"المدخل"، والخطابي، فقال: شقُّ النبيِّ ﷺ له، وإلقاؤه على القبر، وقوله: "لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا" - كما في البخاري وغيره، إنما هو ببركة مس يده له، وجعل بقاء الرطوبة حدًّا لما وقع به من المسألة من تخفيف العذاب؛ لأن في الجريد الرطب معنًى ليس في اليابس، والعامة يفرشون الخُوص على القبور، فكأنهم ذهبوا إلى [أن] هذا ليس له وجه، انتهى. ورده العلامة ابن حجر - في "شرح البخاري" -، فقال: إنه ﷺ أخذ جريدة رطبة، فشقها نصفين، فغرز في كل قبر واحدة إلى آخره، وأنكره الخطابي وغيره، ولا يلزم من كوننا لا نعلم تعذيبه وغيره أنا لا نتسبب في أمر يخفف عذابه كما ندعو له بالرحمة، ولم يصرح في الحديث بمسه له، وقد تأسى به بريدة الصحابي، فأوصى بوضع الجريدة على قبره، وهو أولى أن يتأسى به، انتهى.
قلت - عفا الله عني -: الذي وضعه رسول الله ﷺ على القبر هو الجريد، لا الريحانُ، ولا غيره، وهذا فعله ﷺ مرة واحدة، ولا عموم للفعل، وفعلُ الصحابي لا يصلح للحجة، فالذي ذهب إليه ابن الحاج وغيره لعله هو الصواب - إن شاء الله تعالى -.
قال: اعلم أن معجزة كل نبي على وفق زمانه وقومه، ولما كان أشرف الخلق العرب، وأعظم ما عندهم الشجاعة والفصاحة والكرم، كان أعظم معجزات نبينا ﷺ القرآن المعجز بفصاحته وبلاغته، ولما كان خاتم الرسل، ولا نبي بعده، جعل له معجزة باقية إلى القيامة لا تزال تتلى، وجديدةً على كثرة الترداد لا تَخْلَق ولا تَبْلى، انتهى. قلت: ومن هنا طالت يد سلف هذه الأمة وأئمتها إلى تعلم العربية حتى ملكوا ناصيتها، وبلغوا قاصيتها، وهذا اللسان العربي المبين هو لغة شريعتنا الحقة، فكان من الواجب علينا أخذه على وجهه، ولكن تقاعدت همم الخلف عن بلوغ ذروته حتى بقوا غير عارفين به وبمحاورته وصلاته، وحيث عاد بهم الحال إلى هذا المقام، فمن أين رجاءُ فهم معاني الكتاب والسنة لهم؟ قال: وعلى ذكر الهدية، نهدي إليك فائدة سنية: كان ﷺ يقبل الهدية، ولا يقبل الصدقة، وأهدى إليه أعرابي هدية، فقبلها، فجاءه، وقال: يا رسول الله! إني كنت أهديت هدية، فأعطاه
стр. 283
عطية، فذهب، ثم أتاه مرة أخرى فأعطاه، ثم أتى مرة أخرى، فقال رسول الله ﷺ : "إني عزمتُ ألا أقبلَ هديةً إلا من قرشيٍّ أو ثقفيٍّ"، فقال حسان:
إِنَّ الهدايا تجاراتُ اللئامِ، وما ... يرجو الكرامُ لِما يهُدون من ثَمَنِ
وكان عمر ﵁ لا يقبل هدية العمال، وإذا قبلها، وضعها في بيت المال، فقيل له: إن رسول الله ﷺ كان يقبل الهدية، فقال: إنها كانت هدية، وهي الآن رشوة، ولذا قال الزاهد ابن عمران:
تَوَقَّ وحاذِرْ من قَبولِ هديَّةٍ ... وإنْ جاءنا فيه حديثٌ مُرَغِّبُ
فقد حدثَتْ بعدَ الرسولِ حوادثٌ ... تحذَّرُنا عنها وعَنْها تُرَغَّبُ
وكانَتْ هدايا في الأوائلِ قبلَنا ... تؤلِّفُ فيما بينَهم وتُحَبِّبُ
فعادَتْ بلايا يسرعُ المَنُّ بعدَها ... تُفَرَّقُ فيما بينَنا وتُجَنِّبُ
٣٢١ - السيد العلامة، والشريف الفهامة، أبو أحمد، حسنُ بنُ عليٍّ، الحسينيُّ، البخاريُّ، القنوجيُّ - والدُ محرر السطور -.
فرعٌ من ذوابة هاشم، ونبعة من وشيج تلك المكارم، من آل السيد جلال الدين البخاري.
وهم مشايخ سادة مكرمون، لا يمس صحفَ مجدِهم إلا المطهرون من حدث البشرية، ودنس الهيولى الدنية، من كل من قضى للعلياء وطرَها، وتلا آيات الكرامة وسُوَرَها، تعبق منهم أنفاسُ النبوة، وتجر لهم على وجه البسيطة أذيالُ الفتوة، ولم تُمْحَ محاسنُهم من صحائف الليالي والأيام، ولا تثمر بمثلها أغصانُ اليراع والأقلام.
ولد ﵁ في سنة ١٢١٠، وتوفي - رحمه الله تعالى - في سنة ١٢٥٣. قرأ القرآن، وتعلم الفنون الآلية، وحصل الأدب، وسافر إلى البلاد، ودار على المشايخ الأمجاد، من أجلَّهم: أبناءُ الشيخ الأجل أحمد وليَّ الله المحدَّثِ الدهلوي، وهم: الشيخ عبد العزيز، والشيخ رفيع الدين، والشيخ عبد القادر - رحمهم الله تعالى -. وكان له محبة أكيدة مع الشيخ إسماعيل الشهيد، والشيخ عبد الحي المرحوم، وكانت بيعته على يد السيد العارف أحمد
стр. 284
البريلوي، سافر معه إلى خراسان، وجاهد في الله باللسان والجنان، والبيان والصارم والسنان، ثم عاد إلى موطنه قنوج، وألقى به عصا التسيار، واشتغل بالتأليف والتذكير، وهدى الناس إلى دين الله الجبار، فبلغ عدد من باع على يده الشريفة واهتدوا بهديه عشرة آلاف إنسان تقريبًا، وكان آية بينة من آيات الله في التقوى والعمل، وتأثير الوعظ وقلة الأمل، وإيثار القناعة في المشرب والمأكل، ذا أبهة عظيمة، وهيبة فخيمة، يخافه الأمراء والعلماء، لسانه أمضى من السيف البتار، وسوطه على المبتدعين والمشركين يثير عنهم قتار الدمار، لم يزل مواظبًا للطاعات والعبادات، قائمًا لله تعالى بالحجج البينات، عاملاً بالدليل، تاركًا للتقليد، متمسكًا بالسنة المطهرة في كل حقير وجليل، معتصمًا بكتاب الله العزيز، لا يبالي بعده [...] ولا خليل، مات شابًا ولم يخلف شيئًا غير الكتب التفسيرية والحديثية، تأسف الناس على فقده فوق الوصف، ومنذ توفي ذهب رونقُ الإسلام وعلو شعائر الدين من ذلك البلد.
وكان قد نوى الهجرة من ديار الهند إلى الحرمين الشريفين، فاخترمته المنية، قبلَ بلوغ هذه الأُمنيَّة، وإنما الأعمال بالنيات. كتب بخطه الشريف الحسن المليح كتبًا كثيرة، بعضُها موجود عندنا الآن، وضاع بعضها في زمن غدر هندستان، لا يزال يُرى النور على قبره الشريف، والناس يتبركون به. له مؤلفات ممتعة نافعة، غالبها باللسان الهندي - نظمًا ونثرًا -، أقل منها باللسان الفارسي، وأقل قليل منها باللسان العربي، وهي معروفة شائعة في أهل الإسلام، وكلها مملوءة بتوحيد الله سبحانه، وردَّ الإشراك والبدع، والحطَّ على أهلها، أرخ وفاته بعضُ العلماء من أحبابه وأصحابه بكلمة: "مات بخير" [أي ١٢٥٣ هـ]- رحمه الله تعالى رحمة واسعة، وجعل الجنة مثواه ومنزله -.
٣٢٢ - السيد العلامة الأديب النحوي الأصولي الفقيه المناظر، المتخلص بالعرشي: أحمد بن حسن بنِ عليٍّ - رحمه الله تعالى -.
شبلُ ذاك الأسد، وأخو هذا العبد، كان أكبر مني بسنتين، نشأ في موطنه، وقرأ وروى، وحدَّث، وبرع في الفنون كلها جملة وتفصيلاً، وكان يتوقد ذكاء
стр. 285
وفطنة، وشجاعة وسيادة وفخامة، طاف البلاد، ولقي العلماء، وصحب المشايخ، وأخذ عنهم العلوم، وألف في رد التقليد رسائل ومسائل باللسان العربي المبين، وأتى فيها بالعجب العجاب، وأفحَمَ المقلدين، وأدخل عليهم العجزَ من كل باب، جاهد في الله جهادًا، وارتحل في آخر عمره إلى الحرمين الشريفين، فتوفي ﵀ في الطريق في بلدة بزوده من أضلاع [أي: مقاطعات] كجرات، وقبره هناك - ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠]، وقال النبي ﷺ : "موت الغربة شهادة"، وكانت وفاته في سنة ١٢٧٧. له اليد الطولى في الشعر العربي والفارسي، كان ينظم - في ساعة نجومية - قصيدة طويلة فصيحةَ المبنى، بليغةَ المعنى، قلَّ من يقدر على إنشاء مثلها في أسبوع، بل في شهر كامل، كتب إلى علماء عصره وأدباء مصره كتبًا ورسائل لم يجمعها، وقد أوردت له أشعارًا في "إتحاف النبلاء"، وظني أن لحمه وعظمه وعصبه كلها كانت علومًا وذكاء، لم تر عيني مثلَه في جودة ذهنه، ووسعة اطلاعه، وحفظه للعلوم ومسائلها، وحضور خاطره، وبداهة طبعه، ولقد كان - والله - عديمَ النظر، وفقيد المثيل في أقرانه وأمثاله، بارعًا متقنًا في جميع أقواله وأحواله وأفعاله، بل كان تاجًا على رأس الزمن، و [هو] كاسمه أحمد وحسن، لم يلتفت إلى كتب الفروع والرأي وأهلها قط، ولم يعمل في خاصة نفسه إلا بالدليل من الكتاب والسنة، وكان له همة سامية في ذلك، وحمية نامية فيما هنالك - رحمه الله تعالى رحمة واسعة، وغفر لي وله ومنحه الحسنى وزيادة -.
٣٢٣ - ابن باجه، هو أبو محمد بنُ يحيى التُّجيبيُّ، الأندلسيُّ، السرقسطيُّ، ويعرف بابن الصائغ، الفيلسوفُ، الشاعر .
ذكره الفتح بن خاقان في "قلائد العقيان"، ونسبه إلى انحلال العقيدة؛ لعداوة كانت بينهما، وجعله آخر ترجمة في كتابه، فقال: هو رَمَدُ عينِ الدين، وكَمَدُ نفوس المهتدين، اشتهر سخفًا وجنونًا، وهجر مفروضًا ومسنونًا، فما يتشرع ولا يأخذ في غير الأضاليل، ولا يشرع نظر في تلك التعاليم، وفكر في
стр. 286
أجرام الأفلاك وحدود الأقاليم، رفضَ كتابَ الله الحكيم العليم، واقتصر على الهيئة، وأنكر أن تكون له إلى الله فَيْئَةَ، قال: فهو يعتقد أن الزمان دَوْر، وأن الإنسان نبات أو نَوْر، ثمامه واختطافه قطافه، قد محا الإيمانَ من قلبه، فما له فيه رسم، ونسي الرحمن لسانه، فما يمر له عليه اسم. إلى آخر ما قال. وأثنى عليه المَقَّري في "نفح الطيب"، وسبب العداوة بينه وبين الفتح ذكره لسانُ الدين بن الخطيب في "الإحاطة"، وحكاه سليم الخوري في "آثار الأدهار". توفي بفاس عام ٥٤٤، وقيل: إن جماعة من أطبائها سَمُّوه حسدًا وعدوانًا، وذكره ابن أبي أُصَيْبِعَة في كتاب "عيون الأنباء"، وذكره ابن الطفيل، وهما متعاصران.
٣٢٤ - ابن بَطَّال: هو أبو الحسن عليُّ بنُ خلف بنِ عبدِ الملك بنِ بطال، الإمامُ، الحافظُ المالكيُّ البكريُّ .
أصله من قرطبة، وأخرجته الفتنة إلى بَلَنْسِيَة، وكان عالمًا فقيهًا، عني بالحديث، وله شرح على "صحيح البخاري"، وولي قضاء لُورْقَة، وروى عنه جماعة، وله كتاب "الاعتصام" في الحديث، وكانت وفاته سنة ٤٤٤، أو سنة ٤٤٩.
٣٢٥ - ابن جماعة: هو محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ سعدِ الله، الكنانيُّ، الشافعيُّ، قاضي القضاة .
سمع من جماعة، وحدث، وكان له مشاركة جيدة في الفقه والأصول والحديث والتفسير، وكان خطيبًا دينًا، ولي الخطابة بالقدس، ثم القضاء بمصر، ثم بالشام، وحصلت له دنيا واسعة، ثم ولي بعد ذلك مناصب عديدة.
ولد سنة ٦٤٩ بحماة، وتوفي سنة ٧٤٤، وكان يقرض الشعر، وله تصانيفُ جيدة منها: كتاب "التبيان في مبهمات القرآن"، ورد على المشبهة في الآية ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وكتاب "المنهل الروي في الحديث النبوي"، وهو مختصر في الحديث، جمع فيه خلاصة المحصول من علوم الحديث لابن الصلاح، وزاد عليه.
стр. 287
وله كتاب "المسالك في علوم المناسك"، ذكر أنه جمع فيه من مهمات الدقائق وإشارات الحقائق ما لا يعلم أن أحدًا سبقه إلى وضعه، ذكره في "آثار الأدهار".
٣٢٦ - ابن حِبّان: هو أبو حاتم، محمدُ بنُ حبان أحمد، البستيُّ، التميميُّ .
كان إمامًا فاضلاً رحالة، مكثرًا من الحديث، عالمًا بالمتون والأسانيد، أدرك كثيرًا من العلماء، وأخذ عنهم، وروى عنه جماعة كثيرة، وولي القضاء بسمرقند، مدة طويلة، وكان من حفاظ الآثار المشهورين في الأقطار، عالمًا بالطب والنجوم وفنون العلم.
وكان من عقلاء الرجال، وله التصانيف الكثيرة، منها: كتاب "الصحابة" (١)، و"كتاب التابعين"، وكتاب "أتباع التابعين"، وكتاب "تبع الأتباع"، وكتاب "تباع التبع"، وكتاب "علل مناقب أبي حنيفة ومثالبه" عشرة أجزاء، وكتاب "علل ما استند إليه أبو حنيفة"، وكتاب "مناقب الشافعي"، وكتاب "الهداية إلى العلم السنن"، وهو من أنبل كتبه وأعزها، قصد فيه إظهار صناعة الحديث والفقه، ومن أجل كتبه: كتاب "التقاسيم والأنواع (٢) " المعروف "بصحيح ابن حبان"، وكتاب "الجرح والتعديل"، وكتاب "شعب الإيمان"، وغير ذلك.
وكان آية في الحفظ واللغة والفقه، أخرج من علوم الحديث ما عجز عنه غيره، وسبَّل كتبه ووقفها، وذهب أكثرُها بتطاول الزمان، واستيلاء ذوي العيث والفساد على تلك البلاد، توفي سنة (٣) ٤٥٤، ذكره في "الآثار".
٣٢٧ - ابن الخراز: هو يحيى بن عبد العزيز القرطبيُّ .
سمع من العتبي، وعبد الله بن خالد، ونظائرهما من رجال الأندلس، ورحل
стр. 288
إلى مصر ومكة، وسمع فيها من جماعة، وسمع منه الناس، وكان يميل في فقهه إلى مذهب الشافعي، وحدَّث عنه من أهل الأندلس غير واحد، توفي سنة ٢٩٥.
٣٢٨ - ابن خزيمة: هو محمدُ بنُ إسحاقَ بنِ خزيمة (١) النيسابوريُّ، الفقيهُ، الإمامُ، الحافظُ.
كان قوي البادرة، كثير الاطلاع، غزير المادة، صنف كثيرًا، وأفاد وكان ينعت بإمام الأئمة، وذكر له حجي خليفة كتاب "الصحيح"، منسوبًا إليه، وكتابًا في التوحيد وإثبات الصفات.
وكان مولده (٢) سنة ٤٢٤، وتوفي سنة ٥١١، ذكر ترجمته الخوري في "الآثار"، وكان عالمًا بالدليل، تاركًا للتقليد، صاحبَ السنة والاتباع، شديدَ العداوة للابتداع.
٣٢٩ - ابن الراوندي: أحمد بن يحيى بن إسحاق، العالمُ - الملحدُ المشهورُ -.
من أهل مرد الروذ، سكن بغداد، وكان من الفضلاء في عصره، ومن متكلمي المعتزلة، ثم فارقهم، وصار ملحدًا زنديقًا، له نحو من مئة وأربعة عشر كتابًا، وله مجالس ومناظرات مع جماعة من علماء الكلام، وقد انفرد بمذاهب، وكان يلازم أهل الإلحاد، فإذا عوتب في ذلك، قال: إنما أريد أن أعرف مذاهبهم، ثم إنه كاشف وناظر. وذكر الطبري: أنه كان لا يستقر على مذهب، ولا يثبت على حال، وقيل: إنه تاب عند موته مما كان منه، وأظهر الندم، واختُلف في زمان وفاته، قال ابن خلكان: سنة ٢٤٥ - وعمره أربعون سنة -، وقال ابن النجار: سنة ٢٩٨، وفي "كشف الظنون": سنة ٤٠١. ومن شعره:
стр. 289
أليسَ عجيبًا بأَنَّ امْرَأً ... لطيفَ الخِصام رقيقَ الكَلِمْ
يموتُ وما حَصَّلَتْ نفسُه ... سِوى علمِه أَنَّه ما عَلِمْ
وقوله:
سبحانَ مَنْ وضعَ الأشياءَ موضِعَها ... وفَرَّقَ العِزَّ والإذلالَ تَفْريقا
كَمْ عاقِلٍ عاقِلٍ أَعْيَتْ مَذاهِبُهُ ... وجاهِلٍ جاهِلٍ تَلْقاهُ مَرْزوقا
هذا الذي تركَ الأفكارَ حائرةً ... وصَيَّرَ العالِمَ النِّحْريرَ زِنْديقا
٣٣٠ - ابن رشد: هو القاضي أبو الوليد، محمدُ بن أحمدَ بنِ رُشْد، المالكيُّ، الأندلسيُّ، القرطبيُّ، العالمُ، الفيلسوفُ، الطبيبُ المشهورُ .
واحد آحادِ عصره ذكاءً وعلمًا واجتهادًا.
ولد (١) سنة ٥١٤ في بيت فقه وقضاء قديم، أخذ الأدبَ عن جماعة، واشتغل بالفقه والعربية، ودأبَ، ثم رأى من نفسه ارتياحًا إلى الحكمة، فطلبها، واشتغل بها، ولزم ابنَ العربي وغيرَه، ولم يزل مُجِدًا في الاشتغال بها حتى صار ابنَ بَجْدَتها، وأبا عذرَتِها.
وكان كثيرَ الدرس والمطالعة، لا يشغلُه عن البحث والنظر شاغل، وتشهد بذلك كثرةُ مؤلفاته. قال ابن الأبار: إنه لم يصرف ليلةً من عمره بلا درس أو تصنيف إلا ليلةَ عرسه وليلةَ وفاة أبيه، وكان أكثر تلامذته من اليهود والنصارى، وقلَّ من كان يقرأ عليه من المسلمين؛ لأنه كان يرمي بضعف المعتقد، ولم يزل يزداد شهرة ورفعة قدر حتى أكثر حساده، واتهموه بتفضيل فلسفة القدماء على الإسلام.
ذكر ترجمته سليم الخوري في "الآثار" حافلة طويلة جدًا، وقيل: كان يهوديَّ الأصل يُظهر الإسلام، ويكتم اليهودية مع تمسكه بها.
وله تصانيف كثيرة، منها: كتاب "التحصيل" جمع فيه اختلاف أهل العلم من
стр. 290
الصحابة والتابعين وتابعيهم، وكتاب "نهاية المجتهد" (١) في الفقه، وكتاب "التهافت" رد به "تهافت" الغزالي، ذكر فيه أن ما ذكره الغزالي بمعزل عن مرتبة اليقين والبرهان، وقال في آخره: لا شك أن هذا الرجل أخطأ على الشريعة كما أخطأ على الحكمة، وقد أوصل ابن رشد الفلسفةَ العربية إلى غاية بعيدة، ولم يأتِ في الإسلام من بعده مَنْ يضاهيه في الفلسفة.
وصار لمذهبه شهرة وقبول في المدارس النصرانية واليهودية، وقد رد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كثير من مقالاته، فليعلم.
٣٣١ - ابن سعود: هو محمد بن سعود النجديُّ .
هو: الأمير محمد بن سعود بن محمد بن مقرن بن مرخان ابن إبراهيم بن موسى بن ربيعة بن مانع العنزي، سلم زمام الحكم إليه (١١٣٩ هـ ١٧٢٦ م) إلى أن مات سنة (١١٧٩ هـ ١٧٦٥ م)، ومدة حكمه أربعون سنة تقريبًا.
قال في "الآثار": أحد مشايخ عرب عنزة، كان فيهم شيخ قبيلة المساليخ، وله قرابة بعرب وائل وتغلب وشمر، كان شهمًا كريمَ الأخلاق، وقورًا جوادًا متعقلاً، وجدُّه سعود رأس بيته، نزل الدرعية بقبيلته، وكان من عمال ابن عمار صاحب عيانة (٢).
ولما ظهر [الإمام شيخ الإسلام] محمد بن عبد الوهاب بالدعوة الوهابية، وانقبض عنه القرامطة، لجأ إليه ابن سعود هذا، فصدق دعوته، وقام بتأييدها، وقد غره منه وعده أن يسلطه على بلاد نجد، وكان ذلك نحو سنة (٣) ١٧٦٠
стр. 291
للميلاد، وتزوج (١) بابنة عبد الوهاب، وانحاز إلى تصديق الدعوة مع ابن سعود رجالُ قبيلته، ففشت الدعوة الوهابية في البلاد، وتكاثرت أتباعها من عرب تلك الجهات، وشرع حينئذ [الأمير محمد] ابن سعود في التغلب على قبائل اليمن، فخدمه حظه، وكثرت أنصاره وأخلافه.
وانتشب بينه وبين ابن دعاس [هو دهام بن دواس] صاحب اليمامة حربٌ تفاقمت خطوبُها، أفضت إلى انتصار ابن سعود، وأفلت بن دهاس، فلحق بالقطيف؛ حيث قضى نحبه، فاستتب [للأمير محمد] ابن سعود الولايةُ على جميع بلاد نجد الجنوبية، وعظم أمره، ورأى أن يستأثر بالأمر على سائر بلاد نجد، فعمل على ذلك، وانتصر على عرار القرمطي، فأنزل به الويل، ثم قصد بلاد القصيم والأحساء وعسير، فدانت له، ودخلت تحت لوائه. ومات وقد خلف لبنيه مملكة كبيرة أقام في تشييدها عدة سنين بين حروب وخطوب. وقد تم له ما وعد (٢) به ابن (٣) عبد الوهاب من نفوذ الكلمة، فهابته البلاد المجاورة، وخشيت بأسه.
وكان عاليَ الهمة، ثابتَ العزم، حزومًا، ذا خبرة بتقلبات الأيام، بصيرًا بعواقب الأمور، حسنَ الخلق، عذب الفكاهة، أديبًا متفننًا، زاد في عمارة "الدرعية"، وبنى فيها المساجد والقصور، وجعلها حاضرة إمارته، وكان الناس
стр. 292
يميلون إليه، ويرغبون التقرب منه؛ لكثرة حلمه، واتضاع جانبه، وكان يأبى سفك الدماء، وفي أيامه لم يجر شيء من مذابح وبلاء في البلاد التي دانت لسطوته، بل عامل أهلها بالرفق والحلم، مع القيام على الدعوة الوهابية، وتلقب بالأمير، وأقبل على السياسة والأحكام، مع إبقاء زمام الدين في يد ابن عبد الوهاب، وكانت وفاته (١) بعد سنة ١٧٩٠ للميلاد تقديرًا، انتهى.
٣٣٢ - الأمير عبد العزيز بن محمد بن سعود .
قال في "آثار الأدهار": خلف أباه محمدًا، وجرى على سننه في السياسة والأحكام، أظهر الحرصَ على انتشار الشِّيْعة الوهابية، وتشييد سطوتها، وتمادى في الغزو والفتوح، مع تجشم الحروب والأتعاب، وكان من أكابر العلماء وأعيانهم، شديدَ البأس، عاليَ الهمة، مقدامًا، امتدت كلمته في جميع البلاد من الخليج [العربي] العجمي إلى الحجاز، ودانت له المدن والأنصار، وقد واصل الغزو بنفسه وبابنه سعود مرات، ولم تهزم له بها راية، ولا فُلَّ له جيش.
ولما تمكن من الملك، صرف عنايته إلى التغلب على قبائل العرب الحجازية، فأنكر عليه ذلك غالِبٌ الشريفُ صاحب مكة، فوقع بينهما مغاضبة أفضت إلى الحرب، وذلك في نحو سنة ١٧٩٢، أو سنة ١٧٩٤ ميلادية، واستمرت الحرب بينهما على ساق وقدم شهورًا وأيامًا إلى أن تغلب الوهابية على مدينة مكة المكرمة.
وقصد [الأمير] عبد العزيز القطيف، فدهمها على عجل، فتمكن منها، وذبح أهلها، واكتسحها، ثم قصد البحرين، فافتتحها والجزائر القريبة منها في الخليج [العربي] الفارسي، وانقض على البلاد الواقعة على ساحل الخليج الشرقي، فدانت له وطأتها، وكانت لملك العجم، ثم سرح جيشه إلى عمان، وعقد قيادته
стр. 293
لابنه سعود، فدوخ البلاد، وعاث في خلال ديارها، وتعقب السلطان سعيد إلى مسقط، فنازله بها، وشدد عليه الحصار، فضاقت على السلطان المسالك، فأرسل يستأمن إلى ابن سعود، فأمنه، وأشرط عليه أن ينفذ إليه الجزية في كل عام، وأن يكون للوهابية خَفَرٌ في معاقل البلدان، وأن يكون لهم حقٌّ في بناء المساجد في مسقط وغيرها من مدن عمان.
وفي خلال ذلك، كان الوهابية يثخنون في ديار البصرة، ويوقعون بقبائل العرب فيها، فيعودون عنهم بالغنيمة - ودامت الحال هذه إلى سنة ١٧٩٧، وفيها سير سليمان باشا - والي بغداد - جيشًا انحاز إليه كثير من عرب ظفر، وبني شمر، والمنتفج، وسار الجيش قاصدًا الدرعيَّة، وتحول في طريقه إلى الأحساء، وأقام على حصار قلعتها نحوًا من شهر، فأنفذ حاميتها الخبر إلى عبد العزيز، فأسرع إلى نجدتهم، فالتزم سليمان باشا برفع الحصار عن القلعة، واتفقا على المهادنة مدة ست سنين، فانقلب سليمان باشا راجعًا إلى بغداد.
وفي سنة ١٨٠١ عمد "عبد العزيز" إلى غزو مشهد الحسين ﵁، فجهز جيشًا كثيفًا وخرج في مقدمته وسار على ضفة الفرات، وخشيت إذ ذاك قويط وطأته فاستسلمت إليه وبذلت له الخدم الوافرة والتحف السنية، فكف عنها ووجه [الأمير] "عبد العزيز" سربا من جيشه لفتح مدن "زبير" وسوق الشيويح وسماوه وسار متقدمًا إلى أن بلغ مشهد علي ﵁، فحاصرها للحال، وشدد عليها الحصار، فنازله أهلها، وأوقعوا به، فرحل عنها، وسار إلى كربلاء فنازلها، ودخلها عنوة، وبذل السيف في أهلها، وأطلقها للنهب، واستباح أموال مشهد قبر الحسين ﵁، وخَرَّبه، ودوخ تلك البلاد، ثم عاد إلى الدرعية، وتجهز للقاء جيش من العثمانيين أنفذه إليه والي بغداد، فلقيه على مسافة من الدرعية، وأوقع به فمزق شمله.
وفي هذه السنة أيضًا عاود القتال مع غالبٍ الشريف - صاحب مكة -، ثم أرسل في السنة التالية جيشًا إلى الطائف، فامتلكها عنوة، ومكَّن السيف من
стр. 294
أهلها كما فعل في كربلاء، واستباح أموالهم، ولم ينج أحد منهم، وفيها استولى على "قنفذة"، وهي على سبعة أيام من جدة إلى جنوب منها.
وفي سنة ١٨٠٤ أرسل عبد العزيز جيشًا من الوهابية قدم عليه ابنه سعود؛ ليغزو "مكة"، فسار حتى وطئها، ونزل عليها، وقعد على حصارها ثلاثة أشهر، ولم يكن فيها من الرجال عدد يدفعه عنها، وضاقت المسالك على أهل مكة، ونفد الزاد والميرة، فعمدوا إلى التسليم، فنجا غالبٌ الشريف، ولحق بجدة، ودخل سعود بن عبد العزيز مكة (١) في نيسان أو أيار - من السنة المذكورة -، فرعى ذِمةَ أهلها، وحرمةَ المقام، وقال (٢) بعضهم: بل قتل حَاميتها وأشرافَها، وجرد الكعبة من متاعها، وألزمَ أهلَها الدخول في الدعوة الوهابية، ثم زحف إلى جدة، وأقام على حصارها أحد عشر يومًا، فتعذر عليه فتحها، فبذل له غالب الشريف الأموال، فرفع عنها الحصار.
وفي هذه الأثناء قُضي على عبد العزيز؛ فإنه مات قتيلاً في منتصف السنة المذكورة سنة ١٢١٨ الهجرية، [الموافق ١٨٠٣ م]، وذلك أنه وثب عليه - وهو يصلي في المسجد - رجل شيعي فارسي من جيلان اسمه (٣) عبد القادر، وعاجله بضربة بين كتفيه ألقاه بها على الأرض يخبط بدمه، فاضطرب لذلك الحاضرون، وألقوا القبض على القاتل، وبادروه بأسنتهم، فنهشت جسمه، أما سبب قتله، فهو: أن ملك فارس نقم على ابن سعود؛ لتمليصه بلاد القطيف وجزائر البحرين من ولايته وتخريبه مشهد الحسين ﵁، ولما لم يكن له طاقة في محاربته، والتوصُّل إليه، عمد إلى الإيقاع به بالحيلة، فأنفذ إليه عبد القادر المذكور، فأتى الدرعيةَ، وتظاهر بالتديُّن والعبادة، ولازمَ العبادةَ والمساجد حتى
стр. 295
ظفر بمبتغاه، وكان ابن سعود يلازم الصلوات في أوقاتها، وذلك شأن غيره من أمراء الوهابية، وقيل: بل قتله عبد القادر المذكور آخذًا بثأر عياله، وقد هلكت بحد السيف حين أخذ عبد العزيز كربلاء. وخلف عبد العزيز ابنه سعود الآتي ذكره، انتهى ما في "الآثار"، وسيأتي له ذكر في غير هذا الموضع من هذا الكتاب، وإنما فرقناه، وإن كان الجمع مناسبًا؛ حفظًا لأخباره عن مؤرخي حاله على حالها.
٣٣٣ - أبو عبد الله، سعود بن عبد العزيز (١).
خلف أباه سنة ١٨٠٣ للميلاد.
قال في "آثار الأدهار": وكان شهمًا، كريمَ النفس، ثابتَ العزم، عاليَ الهمة، وسيمًا، حسنَ البِزَّة، غايةً في الذكاء والاستقامة، أديبًا وقورًا عالمًا، متفننًا، خبيرًا بتقلبات الأيام، شجاعًا مقدامًا، يتجشم صعاب الأمور، ويتحمل هولَ المشاق.
وكان له عند أبيه مكانة أرفعُ من مكانة إخوته، وعقدَ له غيرَ مرة على قيادة للجيش الوهابي، وأنفذه به إلى داني البلاد وقاصيها، فخدمه الحظ، وساعدته الأيام على بلوغ غايته، وكان فيه من التدين والحلم والعدل ما استمال إليه الخاصة والعامة من الناس، فارتفع مقامُه عندهم، وكان صارمًا في إنفاذ الأحكام، يعاقب المجرمين أشدَّ العقاب، وقد جهد وسعَه [على] إبطال الطلاق، وشدد في حفظ فريضة رمضان، ولقي منه مغايرو ذلك عظيم عناء، [و] ظل السعد خادمًا له أيام إمارته، مرافقًا له في دولته إلى أن توفي، فحل البلاء في أهل بيته، وتفرقت كلمتهم.
وكان ذا نعم وافرة، وبيت واسع كثير الحشم، وكان جثيلَ شعر العِذار
стр. 296
والشارب، سماه أهل الدرعية بأبي الشوارب، ولد له من امرأته الأولى ثمانية بنين، ومن الثانية ثلاثة.
ولما توفي والده عبد العزيز، كان سعود هذا في الحجاز مشتغلاً بمحاربة غالبٍ الشريف، فضيق عليه المسالك، وألزمه التسليم، وكان غالبٌ قد عاد إلى مكة على حين غفلة، وقد حدثته نفسه أن يستأثر بها على رغم من الوهابية، فأحسن سعود معاملته، وقربه منه، ثم غزا بني حرب، وأثخن في بلادهم، ونزل على بلد ينبع، فسلمت له، ثم قصد المدينة المنورة، ونازلها أيامًا، فدخلها، وألزم أهلها الجزية، وجرَّد ضريح النبي ﷺ مما في خزائنه وذخائره، ونقلها إلى الدرعية، قيل: بلغت مقدار ستين وقر جمل، هكذا فعل أيضًا بضريحي أبي بكر وعمر ﵄.
وعقد على المدينة لمزين شيخ بني حرب، وألزم أهلَها الدخول في الدعوة الوهابية، وهمّ سعود بتخريب قبة الضريح النبوي، ولم يفعل، وأمر ألا يحج إلى البيت إلا من كان وهابيًا، وشدَّد بمنع العثمانيين من دخولها، فانقطع الحج بضعة سنين، وتوقف حجاج الشام والعجم عن إتمام فريضتهم؛ مخافةَ إضرار الوهابية بهم (١).
وفي أواخر سنة ١٨٠٤ أنفذ سعود أبا نقطة شيخَ العسيريين برجالته إلى بلاد صنعاء اليمن، فعاثوا في خلال ديارها، واستباحوا مدينتي "لحيا"، و"حديدة"، ثم عادوا إلى بلادهم، فالتزم حمود - صاحب صنعاء - الدخولَ في الدعوة الوهابية؛ ليأمن شرهم، ودانت لسعود بلاد الحجاز، فنفذ أمره فيها، وانبسطت سطوته على جميع بلاد العرب، إلا حضرموتَ وقسمًا من اليمن، فاتسع نطاق ولايته، وامتدت أرجاؤها.
ثم أنفذ سعود رجالته غيرَ مرة إلى البصرة وما بين النهرين، فأثخنوا في
стр. 297
البلاد، ونزلوا البصرة، فامتنعت عليهم، ثم سير حرك غلامه إلى صحراء الشام، فأوقع فيها بالعرب، وتعقبهم إلى "حلب"، فعبر بعض رجاله الفرات، ووطئوا الأرض، والنهرين، ودوخوا ديارها، وما بقي بينهم وبين بغداد إلا مسافة قليلة، بأثناء ذلك كانت الحرب منتشبة بين أبي نقطة العسيري، وحمود صاحبِ صنعاء.
وفي سنة ١٨٠٩ ولي الشام يوسف باشا، فجهد نفسه في محاربة الوهابية، ولم ينجح، وفي هذه السنة أيضًا أتى الخليج العجمي أسطولٌ للإنكليز، ورمى بلد "رأس الخيمة (١) " بالقنابل، فخربها، وكان أهلها، لصوصًا (٢) - يقطعون البحر على التجار الإنكليز.
وفي سنة ١٨١٠ قصد سعود بلاد الشام بستة آلاف فارس، فأثخن فيها، وخرب ٤٥ بلدًا من حوران، وتوغل في البلاد إلى أن بقي بينه وبين دمشق مسيرة يومين، فخشي أهلُها قدومه، ولم يكن ليوسف باشا - واليها - طاقةٌ في ردعه، إلا أنه ارتد قبل وصوله إليهم غانمًا ظافرًا، وقد بلغه أن بعض مشايخ بلاد حارك تواطؤوا على نبذ طاعته وإثارة الفتن، فعاجلهم الحال ببعض جنده، ودخل بلادهم، واكتسحها، وخرب مدنها وقراها، ودخل بلد حتوة عنوةً، فمكَّن السيف من أهلها كابر وصاغر، وكان عددهم عشرة آلاف نسمة، فلم يسلم منهم أحد.
ولما استفحل أمر الوهابية في أيامه، وتفاقم خطبُهم على البلاد، عمد السلطان محمود خان [العثماني] إلى تنكيلهم، وكف شرهم، فأنفذ أمره إلى محمد علي باشا - خديو مصر - أن يكرههم على إخلاء البلاد الحجازية، ويرفع ولايتهم عنها، فأذعن، وادخر الميرة والعدد، وجهز جيشًا، عقد قيادته لابنه طوسون باشا، وأرسله في أسطول من ٢٨ سفينة من السويس إلى ينبع، فنزلها
стр. 298
الجيش في تشرين الأول من سنة ١٨١١ [الموافق ١٢٢٦ هـ]، ثم خرج الجيش من ينبع قاصدًا المدينة المنورة، وفي طريقها استولى على بدر، والصفراء، ثم دهم عبد الله بن سعود وأخوه فيصل هذا الجيش في مضيق الحديدة على نحو مرحلة من المدينة، فأوقعا به، وأكثرا القتل فيه، فانهزم إلى بدر.
وقد غنم الوهابيون العُدَد والميرةَ، وأربعة مدافع، ثم أتى طوسون باشا نجدة، فجدد السير إلى المدينة، ونزل عليها في تشرين الأول سنة ١٨١٢، وشدد عليها الحصار، ودخلها عنوة في تشرين الثاني من السنة المذكورة، ومكن السيف من الوهابيين، وأطلق المدينة للنهب، وامتنع بعض الجند في قلعتها، فضيق عليهم، ولما نفد زادهم، استأمنوا إليه، فأمنهم، فخرجوا من القلعة، حتى إذا صاروا على بعد من المدينة، طاردتهم العساكر، وأوقعت بهم، فلم يسلم منهم إلا من ساعده الفرار.
وفي كانون الثاني من سنة ١٨١٤ تمكن طوسون باشا من فتح مكة المكرمة، واستولى على جدة والطائف، وجرى بينه وبين الوهابيين مناوشات ومحاربات، انجلى أكثرها عن ظفر الوهابيين، وفي آذار من سنة ١٨١٤ استولى المصريون على قنفذة، ولم يلبثوا أن دهمهم فيها الوهابيون، فأجفلوا، وأركنوا إلى الفرار، ودخل الوهابيون البلد، وأعملوا السيف فيها.
وبأثناء ذلك قضي على سعود بن عبد العزيز - المترجَم له - بإثر حمى أصابته، وذلك في الثامن من جمادى الأولى سنة (١٢٢٩ للهجرة - ٢٨ نيسان سنة ١٨١٤ للميلاد)، وله من العمر ثمانٍ وستون سنة.
٣٣٤ - [الأمير] عبد الله (١) بن سعود" - المتقدم ذكرُه -.
خلف أباه سنة ١٨١٤، وكان شهمًا شجاعًا - اعتمده أبوه في أيامه، وعول
стр. 299
عليه في صعاب الأمور، وقد فاق أباه في علو الهمة وشدة البأس، إلا أنه كان أقل عزمًا ونظرًا منه، انشبك في محاربة محمد علي باشا - عزيز مصر -، وكان قد قدم الحجاز يتفقد حالة جيشه، ويأخذ بنصرته، فأثخن في بلاد الحجاز الجنوبية، وتغلب على الوهابية، وأمن الناس من شرهم، ثم عاد العزيز إلى مكة في آذار سنة ١٨١٨، عرض على ابن سعود الصلح مشترطًا عليه رد أسلاب الضريح النبوي الشريف، وإن لم يفعل، قصده في جيشه إلى الدرعية، فلم يجبه ابن سعود، بل سار في عرب نجد للقاء طوسون باشا، فإنه كان نازلاً في "خبرة" من القصيم. فنزل هو في شنانة على بعد ساعات من "خبرة"، وقطع المسالك على المصريين، وأحاط بهم، فخشُوا كثرة العدد، ورغبوا في المسالمة، ودسوا إلى ابن سعود في ذلك، فصغى لهم؛ لأنه كان قد أعجزه أمرهم، وانحاز إليهم كثير من قبائل الحجاز ونجد؛ لما بذلوه لهم من المال، فأبرم ابن سعود صلحًا مع طوسون باشا على شروط تقررت بينهما، منها: إخلاء [مكة] من الوهابية، وإباحة الحج لهم بدون معارضة، وإخلاء القصيم من المصريين، ورد مشايخ العرب الذين كانوا قد نبذوا عهده، وانحازوا إلى المصريين، والإقرار بسلطنة السلطان، وغير ذلك، وعاد طوسون باشا بجيشه من "خبرة" إلى الرص، ثم إلى المدينة، فدخلها في أواخر حزيران سنة ١٨١٥، ولم يجد أباه فيها، فإنه كان قد عاد إلى مصر لشاغل بدا له فيها، فسار رسولا ابن سعود إلى مصر، ولحقا بالعزيز فيها، وطالبا إليه التوقيع على صك المصالحة، فأبى إلا إعطاء "الأحساء" إلى الدولة، وكانت أجود بلاد الوهابية تربةً، وأوفرها خصبًا، فعاد الرسولان إلى ابن سعود، وأخبراه بما كان، فأنكر على المصريين فعلَهم، وتجهز ثانية لقتالهم، ودامت الحال هذه إلى سنة ١٨١٦.
وفي شهر آب من السنة المذكورة: سار إبراهيم باشا بن محمد علي باشا في مقدمة الجيش إلى الحجاز، وبذل وسعه في محاربة ابن سعود، والتغلب على بلاده، فآتاه الله بالفتح، وجرى بين ابن سعود، وإبراهيم باشا عدةُ وقعات انجلت عن انهزام الوهابيين، ومنها وقعة الماوية، حصلت في ١٢ أيار من سنة ١٨١٧،
стр. 300
ووقعة عنيزة، والشقراء في ١٤ كانون الثاني من سنة ١٨١٨، ثم ضرمة، ثم الدرعية، وتدخر ابن سعود الميرة والعدد في الدرعية، وتحصن بها، فنزل عليها إبراهيم باشا، وأقام على حصارها مدة إلى أن تم له فتحها، فدخلها، وقبض على ابن سعود، وأهل بيته، فلم يفلت منهم سوى ابنه تركي.
وقال بعضهم: إن ابن سعود لما يئس من النجاة، وقد دهم الدرعية الخراب، من قنابر وكرات المصريين مدةَ الحصار، أرسل يستأمن إلى إبراهيم باشا، فأمنه، وكان ذلك في الثامن من ذي القعدة سنة (١٢٤٤ هجرية - ١٩ أيلول سنة ١٨١٨ ميلادية)، فأتى ابن سعود إبراهيم باشا، وسلم عليه، وطلب منه أن يمهله إلى الغد، فأمهله، وأحسن معاملته، وبالغ في إكرامه، وفي الغد عاد إليه قيامًا بحق كلمته، ورضي بالمسير إلى مصر إجابة لأمر السلطان، فسار ابن سعود إلى مصر في خفر من الجند في ١٤ ذي القعدة، ووصلها في ١٨ من المحرم، فأكرمه محمد علي باشا عزيزُ مصر، وألبسه خلعة، ثم أنفذه إلى الآستانة العلية، فبلغها في ١٧ صفر ١٦ كانون الأول من السنة المذكورة، فشوهر، وأميت صبرًا، هو وسري خزنداره، وعبد العزيز بن سلمان كاتبه، انتهى.
٣٣٥ - [الإمام شيخ الإسلام] محمد بن عبد الوهاب (١) [﵀].
قال كرنيل يوسف قنديك الأميركاني في كتابه "المرآة الوضية في الكرة الأرضية" في الفصل الرابع - في بلاد العرب - في صفحة ٢٢٦، ما لفظه:
стр. 301
وفي أوائل هذا القرن قويت الطائفة الوهابية، وهي منسوبة إلى رجل من تميم، يقال له: محمد بن عبد الوهاب سكن في الدرعية بنجد.
وكان يومئذ سعود (١) بن عبد العزيز العنزي - من ربيعة الفرس - شيخَ البلد، ومحمد بن عبد الوهاب من المساليخ، من ولد علي (٢)، ولهذه القبيلة بواقي في نواحي زبيد على خليج المعجم، فاتفق سعود مع ابن عبد الوهاب على إذاعة تعاليمه، وكان ذلك (٣) نحو سنة ١٧٦٠ مسيحية، وقام بعده عبد العزيز بن سعود (٤)، واستظهر على كتيبتين أرسلهما إليه وزير بغداد، وظفر بجيش عظيم تحت راية زيد بن مساعد شريف مكة سنة ١٧٩٤، وقوي هذا الحزب في العراق، واستولى على مسجد علي، وأخربه.
وفي سنة ١٨٠٤ بعث عبد العزيز بابنه سعود، ومعه ١٢٠٠٠ رجل، فاستملك الطائف ومكة، ثم تقدم إلى جدة، وحاصرها، وهناك بلغه خبر وفاة أبيه، فرجع إلى الدرعية، وفي سنة ١٨٠٤ رجع إلى الحجاز، وأخذ المدينة المنورة، وتسلط على تلك الأطراف إلى سنة ١٨١٥، فنهض لطرده إبراهيم باشا - صاحب مصر -، وانتصر عليه في وقائع عديدة إلى أن أخرجه من الحجاز.
ومات (٥) سعود في الدرعية بمرض الحمى - وقد ناهز الخمسين من عمره -، ولم يزل نسله متسلطًا على نجد وما يليها إلى الآن، وقصبتهم مدينة "الرياض"
стр. 302
وهم من الوهابيين، انتهى. وتاريخ تأليف هذا الكتاب سنة ١٨٥٢، وعام مراجعته سنة ١٨٧١.
وسيأتي ذكر نجد وأميرها (١)، وذكر "محمد بن عبد الوهاب" نقلاً من كتاب "البدر الطالع" - إن شاء الله تعالى -، قال: وأما نجد، فهي ما يتصل بالشام شمالاً، والعراق شرقًا، والحجاز غربًا، واليمامة جنوبًا، وهي أطيب أرض في بلاد العرب، وقد لهجت به الشعراء كثيرًا، قال قيس بن المُلَوَّح:
تَمَتَّعْ من شَميمِ عَرارِ نَجْدٍ ... فَما بعدَ العَشِيَّةِ من عَرارِ
وقال الآخر:
سقى اللهُ نجدًا والسلامُ على نجدِ ... ويا حَبَّذا نجدٌ على القربِ والبُعْدِ
وفيها الأرض العالية، التي حماها كُلَيب بنُ وائل بنِ ربيعة، وأفضى ذلك إلى قتله، وانتشاب حرب البسوس (٢) التي يُضرب بها المثل، وجبل عكاد الذي لم تثبت العربية الفصيحة - بعد تمادي الأجيال - إلا بين أهله، انتهى.
٣٣٦ - ابن الطبري: هو أحمدُ بنُ الحسين بنِ عليٍّ، المروزيُّ، يعرف بابن الطبري .
سمع على جماعة، قال الخطيب: كان أحد العباد المجتهدين، والعلماء المتقنين، حافظًا للحديث، بصيرًا بالأثر، ورد بغداد، وعاد إلى خراسان، فولي بها قضاء القضاة، وصنف الكتب وروى، ثم دخل بغداد - وقد علت سنه -، فحدث بها، وكتب الناس عنه، وكان من الفقهاء الكبار لأهل الري، كتب الحديث الكثير، وخرج وصنف التاريخ، وسكن بخارى، ومات بها سنة ٤٧٧.
٣٣٧ - ابنُ شاهين عمرُ بنُ عثمانَ، الحافظُ، الواعظُ، البغداديُّ .
كان ثقة في الحديث، مكثرًا منه، وروى وحدَّث عن جماعة، وسمع منه غير
стр. 303
واحد، ولد سنة ٣٩١، وتوفي سنة ٤٨٥. وله تآليف مفيدة، منها: "جزء في الحديث"، وكتاب "ناسخ الحديث ومنسوخه"، اختصره إبراهيم بن علي، المعروفُ بابن عبد الحق.
٣٣٨ - ابن طباطبا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ إسماعيلَ العلويُّ .
ظهر سنة ١٩٩ بالكوفة، يدعو إلى الرضا، من آل محمد ﷺ ، والعمل بالكتاب والسنة.
وكان القيم بأمره في الحرب أبو السرايا، السري ابن منصور، وبايعه أهل الكوفة.
٣٣٩ - ابن العفيف التلمسانيُّ شمسُ الدين محمدُ بنُ سليمانَ .
كان شاعرًا أديبًا لطيفًا، حسن البادرة والذكاء، ترجمه القاضى شهاب الدين بن فضل الله، وأثنى عليه، ومما قاله فيه: وكان لأهل عصره ومَنْ جاء على آثارهم افتنانٌ بشعره وخاصة أهل دمشق، فإنه بين غمائم حياضهم رَبا، وفي كَمائم رِياضهم حَبا، حتى تدفَّق نهرُه، وأينعَ زهرُه، وأكثرُ شعره لا بل كلُّه، رشيقُ الَألفاظ، سهلٌ على الحفاظ، لا يخلو من الألفاظ العامية، وما تحلو به المذاهب الكلامية، وله أشعار كثيرة، منها قوله:
ما بينَ هجرِكَ والنوى ... قد ذبتُ فيك من الجَوى
وحَياةِ وجهِك لا سلا ... عنكَ المحبُّ ولا نَوى
يا فاتني بمعاطِفٍ ... سجدَتْ لها قضب اللوى
يا مَن حكى بقَوامِه ... قدَّ القَضيب إذا الْتَوى
ما أنتَ عندي والقضيـ ... ـبُ اللَّدْن في حال سوى
هَذَاك حَرَّكَه الهوى ... وأنتَ حَرَّكْتَ الهَوى
ولد بالقاهرة سنة ٦٦١، وتوفي في شرخ شبابة سنة ٦٨٨ بدمشق، ذكرَ له حجي خليفة "مقامات العشاق" في ورقتين، وديوان شعر، انتهى ما في "الآثار".
стр. 304
٣٤٠ - ابن الفارض: هو أبو حفص، عمرُ بن أبي الحسن عليِّ بنِ المرشد بنِ عليّ، الحمويُّ الأصل، المصريُّ المولدِ والدارِ والوفاة، المعروفُ بابن الفارض المنعوت بأشرف .
ولد سنة ٥٦٠، وقيل غير ذلك.
كان رجلاً صالحًا، كثيرَ الخير، على قدم التجرُّد، جاور [في] مكة المشرفة زمانًا، وكان حسنَ الصحبة، محمودَ العشرة، له ديوان شعر لطيف، وأسلوبه فيه رائق ظريف ينحو منحى طريقة الفقراء، له قصيدة - مقدار ست مئة بيت - على اصطلاحهم ومنهجهم في التصوف، وهي المعروفة بالتائية الكبرى، أو بنظم السلوك، أولها:
سَقَتْني حُمَيَّا الحُبِّ راحةُ مقلتي ... وكأسي محيا مَنْ عنِ الحُسْن جلَّتِ
فأَوْهَمت صَحبي أَنَّ شربَ شرابهم ... به سِرُّ سِرِّي في انتشاري بِنَظْرَةِ
توفي بالقاهرة سنة ٦٤٢ هجرية، ورثاه بعضهم. وقال ولده: كان أبي معتدلَ القامة، وجههُ جميلٌ مشرَب بحمرة ظاهرة، وإذا استمع وتواجد، وغلب عليه الحال، يزداد وجهه جمالا ونورًا، وينحدر العرق من كل جسده حتى يسيل تحت قدميه على الأرض، ومن فهم معاني كلامه، دلته معرفته على مقامه، وكان إذا مشى في المدينة، تزدحم الناس، يلتمسون منه البركة والدعاء، ويقصدون تقبيل يده، فلا يمكَّن أحدًا من ذلك، بل يصافحه، وكان إذا حضر في مجلس، يظهر على ذلك المجلس سكونٌ وهيبة ووقار، وإذا خاطبوه، فكأنهم يخاطبون ملكًا عظيمًا، وكان ينفق على من يرد عليه نفقة متسعة، ويعطي من يده عطاء جزيلاً، ولم يكن يتسبب في تحصيل شيء من الدنيا، ولا يقبل من أحد شيئًا، وبعث إليه السلطان محمد الملك الكامل ألفَ دينار، فردها إليه.
وله كرامات كثيرة، ودخل مكة المكرمة حاجًا، وأقام بها خمس عشرة سنة، وطاف أوديتها وجبالها، وكان يستأنس فيها بالوحوش ليلاً ونهارًا، وأشار إليه في قصيدته "التائية"، ثم عاد إلى القاهرة، وأقام بها إلى أن توفي.
стр. 305
وكان في غالب أوقاته دهشًا، وبصره شاخصًا، لا يسمع مَنْ يكلمه ولا يراه، فتارة يكون واقفًا، وتارة يكون قاعدًا، وتارة يكون مضطجعًا على جنبه، وتارة يكون مستلقيًا على ظهره مغطًّى كالميت، ويمر عليه عشرة أيام متواصلة - وأقل من ذلك وأكثر - وهو على هذه الحالة، لا يأكل ولا يشرب، ولا يتكلم ولا يتحرك، ثم يستفيق وينبعث من هذه الغيبة، ويكون أول كلامه أنه يملي من القصيدة ما فتح الله عليه، فجاءت قصيدة غراء، وفريدة زهراء، لم ينسج على منوالها، ولا سمح خاطر بمثلها، وهي مذكورة في ديوانه، المسمى "بالبحر الفائض في ديوان ابن الفارض"، وهو الذي شخصت إليه الأعين، وانبهرت به الأفكار؛ لسمو معانيه، وحسن أسلوبه، وقال جماعة: إنه لم ينظمها على حد نظم الشعراء أشعارهم، بل كانت تحصل له جذبات يغيب فيها عن حواسه نحو الأسبوع والعشرة أيام، فإذا أفاق، أملى ما فتح الله عليه منها، ثم يدع حتى يعاود ذلك الحال.
طبع ديوانه في بيروت، وفي الديار المصرية، وعليه شروحات كثيرة، وكَفَّرَ ابن الفارض برهانُ الدين إبراهيم بن عمر البقاعي، في كتاب سماه: "تدمير المعارض في تكفير ابن الفارض"، فرد عليه بعضهم مبرئًا ابن الفارض مما اتهم به.
٣٤١ - ابن الفصيح: هو فخر الدين، أبو طالب أحمد بن علي بن أحمد، الهمدانيُّ، يعرف بابن الفصيح الكوفيُّ .
كان إماما عالمًا علامة معظمًا معيدًا مدرسًا، له صيت في بلاد العراق، ثم قدم دمشق، فأكرمه الطنبغا نائب الشام، ودرَّس، وكان من فقهاء الحنفية، له مؤلفات. أرخ الذهبي مولده سنة ٦٧٩ تقديرًا. وأرخ الصفدي وجزم به سنة ٦٨٥. قال الذهبي: أفتى ودرَّس وناظر، وظهرت فضائله. وقال الكمال جعفر: نظم الكثير، وأجاز له إسماعيل بن الكيال، وتقدم في العربية والقراءات والفرائض وغيرها، كان كثيرَ التودد، لطيفَ المحاضرة، تصدَّر ببغداد لإقراء العربية، وهو القائل:
стр. 306
ما العلمُ إلَّا في الكتا ... ب وفي أحاديث الرسول
وسواهما عند المحقـ ... ـق خرافات الفضول
وكانت وفاته بدمشق سنة ٧٥٥، كذا في "طبقات التميمي" - رحمه الله تعالى -.
٣٤٢ - الشيخ شهابُ الدين بنُ محمدِ بنِ داود المنزلاويُّ ﵁ -.
قال الشيخ عبد الوهاب الشعراني في "طبقاته الكبرى" في حقه: الشيخ الصالح السني المحمدي، كان ملازمًا للعمل بالكتاب والسنة، ما رأت عيني بعد الشيخ محمد بن عثمان (١) أضبطَ للسنة منه، وكان يقول: من أراد حفظ السنة، فليعمل بها؛ فإنها تتقيد عنده، ولا ينساها، وكان يدرس العلم، ويقرأ كتب التصوف في زاويته على بحيرة دمياط.
وكان موردًا للضيوف الواردين من دمياط والصادرين، صحبته ﵁ نحوًا من أربعين سنة، ما رأيته قط زاغ عن السنة في شيء من أحواله، انتهى.
مات سنة ٩٥١ عن نيف وثمانين سنة. وقال في ترجمة والده: محمد بن داود وولده الشيخ شهاب الدين، كان يُضرب به المثل في اتباع الكتاب والسنة، وما رأيت في عصري هذا أضبطَ منه للسنة، ولا من الشيخ يوسف الحريثي، انتهى.
أَهِيمُ بِلَيْلَى ما حَيِيتُ وَإِنْ أَمُتْ ... أُوَكِّلْ بِلَيْلَى مَنْ يَهيمُ بِها بَعْدي
٣٤٣ - الشيخُ العالمُ الصالحُ، محمد بن أحمد الطوسي .
قال الشعراني في "الطبقات": وكان يقول: عليكم باتباع السواد الأعظم، قالوا له: من السواد الأعظم؟ قال: هو الرجل العالم، أو الرجلان المتمسكان بسنة رسول الله ﷺ وطريقته، وليس المراد به مطلق المسلمين، فمن كان مع
стр. 307
هذين الرجلين، أو الرجل، وتبعه، فهو الجماعة، ومن خالفه، فقد خالف أهل الجماعة، وتوفي ﵀ سنة ٢٢٦.
٣٤٤ - أبو محمد سهلُ بنُ عبدِ الله التستريُّ .
ذكر له الشعراني ترجمة حسنة حافلة في "طبقاته"، وقال: هو أحد أئمة القوم، ومن أكابر علمائهم المتكلمين في علوم الإخلاص والرياضات وغيوب الأفعال، وكان ﵁ يقول: الفتنة على ثلاثة أقسام: فتنة العامة: دخلَتْ عليهم من صناعة العلم، وفتنة الخاصة: دخلَتْ عليهم من الرخص والتأويلات، وفتنة العارفين: دخلَتْ عليهم من تأخير الحق الواجب إلى وقت آخر. وكان يقول: أصولنا سبعة أشياء: التمسك بكتاب الله، والاقتداء بسنة رسول الله ﷺ ، وأكلُ الحلال، وكفتُّ الأذى، واجتناب المعاصي، والتوبةُ، وأداءُ الحقوق. وكان يقول: لقد أيس العلماء في زماننا هذا من هذه الثلاث خصال: ملازمة التوبة، ومتابعة السنة، وترك أذى الخلق. وكان يقول: ما عمل عبدٌ بما أمره الله تعالى عند فساد الأمور، وتشويش الزمان، واختلاف الناس في الرأي، إلا جعله الله تعالى إمامًا يُقتدى به، هاديًا مهديا، وكان غريبًا في زمانه. وكان يقول: يأتي على الناس زمان يذهب الحلال من أيدي أغنيائهم، وتكون الأموال من غير حلها، فيسلط الله بعضهم على بعض - يعني بالأذى والمرافعات عند الحكام -، فتذهب لذة عيشهم، ويلزم قلوبهم خوف فقر الدنيا، وخوف شماتة الأعداء، ولا يجد لذةَ العيش إلا عبيدُهم ومماليكهم، وتكون ساداتهم في بلاء وشقاء وعناء وخوف من الظالمين، ولايستلذ بعيش يومئذ إلا منافقٌ، لا يبالي من أين أخذ، ولا فيما أنفق، ولا كيف أهلك نفسه، وحينئذ تكون رتبة القراء رتبة الجهال، وعيشهم عيش الفجار، وموتهم موت أهل الحيرة والضلال، انتهى.
٣٤٥ - الأستاذ علي بن محمد وفا .
ذكر له الشعراني ترجمة كاملة في "طبقاته"، وقال: كان في غاية الظرف والجمال، لم ير في مصر أجمل منه وجهًا ولا ثيابًا، وله نظم شائع، وعدة
стр. 308
مؤلفات شريفة، وكان يقول: علماء السوء أضرُّ على الناس من إبليس، يلبسون الحقَّ بالباطل، ويزيدون الأحكام على وفق الأغراض والأهواء بزيغهم وجدالهم، فمن أطاعهم، ضلَّ سعيهُ، وهو يحسب أنه يحسن صنعًا، فاستعذ بالله منهم، واجتنبهم، وكن مع العلماء الصادقين. وكان يقول: من المتفقهين تستفيد دعوى العلم بأحكام الدين، ومن العلماء العاملين تستفيد العمل بأحكام الدين، فانظر أيُّ الفائدتين أقربُ قُربى عند رب العالمين، فاستمسكْ بها. وكان يقول: لا تطلب ألا يكون لك حاسد، ولا ألا يحسدك حاسد؛ فإن الحكم الوجودي اقتضى مقابلة النعم بالحسد، فمن طلب ألا يكون له حاسد، فقد طلب ألا تكون له نعمة، ومن طلب الوقاية من شر الحاسد المتحققِ الحسد، فقد طلب ظهور النعمة عليه مع الأمان من التشويش ومن فيها، فافهم. فلذلك قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: ١ - ٥] وأتى: بإذا، ولم يقل: إن حسد، فافهم! انتهى. قلت:
هُمْ يُحْسَدون وشَرُّ الناسِ كُلَّهِمِ ... مَنْ عاشَ في الناس يومًا غيرَ محسودِ
اللهمَّ لك الحمدُ على ما جعلتني محسودًا لأعدائي، ولم تجعلْني حاسدًا، فقِني شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك.
٣٤٦ - أبو حفص عمرُ بنُ حسن الهوزنيُّ، الحسيبُ، العالمُ، المحدثُ .
رحل إلى مصر، ثم مكة، وسمع "صحيح البخاري"، وعنه أخذ أهل الأندلس، ورجع وسكن إشبيلية، وخدم المعتضد، فقتله سنة ٤٦٠، له شعر يحرض فيه على الجهاد.
٣٤٧ - خلف بن القاسم بنِ سهلِ بن الدباغ، الحافظُ، الأندلسيُّ .
رحل إلى المشرق، وكان حافظًا فهمًا عارفًا بالرجال، حدث حديث مالك وشعبة، وأشياء في الزهد، وسمع بمصر ودمشق ومكة وقرطبة، وتوفي سنة ٣٩٣.
стр. 309
٣٤٨ - الحافظُ، المقرىء الإمامُ أبو عمر، الداني، عثمانُ بنُ سعيدٍ الأمويّ - مولاهم - القرطبيُّ .
عرف بالداني؛ لسكناه دانية. ولد سنة ٣٧١. رحل إلى المشرق، ومكث بالقيروان، ودخل مصر، وحج ورجع إلى الأندلس، وقرأ بالروايات بقرطبة، وسمع من البزار وغيرِ واحد؛ كالقابسي، وتلا عليه خلق، وحدث عنه جمع كثير، لم يكن في عصره ولا بعده مَنْ يدانيه في حفظه وتحقيقه.
وكان أحدَ الأئمة في علم القرآن والحديث، وله معرفة بطرق الحديث وإعرابه وأسماء رجاله، وكان حسنَ الخط والضبط والذكاء واليقين، وكان دَيَّنًا فاضلاً ورعًا سُنيًا، وقال بعضهم: كان مجابَ الدعوة، مالكيَّ المذهب، له مئة وعشرون مصنفًا.
وكانت وفاته سنة ٤٤٤ - رحمه الله تعالى رحمة واسعة -.
٣٤٩ - الحافظ أبو عامر محمدُ بنُ سعدون بن مرجي القرشيُّ، العبدريَّ .
من أهل ميورقة من بلاد الأندلس، سكن بغداد، وسمع بها من ابن خيرون، والحميدي، وجماعة، ولم يزل يسمع إلى حين وفاته، وكتب بخطه كثيرًا، وجمع وخرَّج.
وكان صحيح العقل، معتمَدَ الضبط، وكفاه فخرًا وشرفًا أن روى عنه الحافظ السِّلفي، وابنُ ناصر، وكان فهامة علامة، ذا معرفة بالحديث، متعففًا مع فقره، وكان يذهب إلى أن المناولة والعرض كالسماع، قال السلفي: إنه من أعيان علماء الإسلام بمدينة السلام، وكان داودي المذهب، وقد كتبَ عني وكتبت عنه، وسمعنا معًا على كثير من شيوخ بغداد، وقال ابن عساكر: كان أحفظَ شيخٍ لقيته، توفي سنة ٥٢٤.
٣٥٠ - محمد بن سعدون، الباجيُّ .
سمع بمصر من: ابن الورد، وابن السكن، وابن رشيق، وبمكة: من الآجري، وكان حافظًا فاضلاً.
стр. 310
حدَّث ومات سنة ٣٩٢، ومولده سنة ٣٢٢ - رحمه الله تعالى رحمة كاملة واسعة -.
٣٥١ - محمد بن سعدون، التميميُّ الجزيريُّ .
كانت آدابه كثيرة حج غير مرة، ورابط ببلاد المغرب، وكان حسنَ الصوت بالقرآن، سمع الحديث بمصر من الجماعة وبمكة. صحب الفقراء، وطاف بالشام، وغزا غزوات، وتعرض للجهاد، وحَرَّض عليه، ذكر أنه صلى بمصر الضحى اثنتي عشرة ركعة، ثم نام، فرأى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إن مالكًا والليث اختلفا في الضحى، فمالك يقول: ثنتا عشرة ركعة، والليث يقول: ثمانية، فضرب عليه بين وركيه! وقال: رأي مالك هو الصواب، ثلاث مرات. قال: وكان في وركي وجع، فمن تلك الليلة زال عني. وكان له براهين من نور، يضيء عليه إذا صلى ونحوه، وأنشد شعر:
سجنُ اللسانِ هو السلامةُ للفتى ... من كلِّ لازمةٍ لها استئصالُ
إنَّ اللسانَ إذا حَلَلْتَ عِقالَه ... ألقاكَ في شنعاءَ ليس تُقالُ
توفي سنة ٣٤٤. رح.
٣٥٢ - محمد بن طاهر بنِ عليٍّ، الخزرجيُّ .
من أهل دانية سمع من ابن عبد البر، ولقي أبا الحسن الحصري، وقال أنشدني لنفسه:
يموتُ مَنْ في الأنام طُرًّا ... مِنْ طَيِّبٍ كانَ ومن خَبيثِ
فَمُستريحٌ ومُستَراحٌ ... منه، كما جاءَ في الحديثِ
وكان شديد الوسوسة في الوضوء، ذكره ابن عساكر، حج، فقدم دمشق سنة ٥٠٤، رح.
٣٥٣ - محمد بن الحسين، يعرف بالميورقي .
روى عن الصدفي، ورحل حاجًا، فسمع بمكة وبالإسكندرية، وحدث في غير ما بلدٍ؛ لتجوله. وكان فقيهًا ظاهريًا، عارفًا بالحديث وأسماء الرجال، غلب
стр. 311
عليه الزهد والصلاح، وصار أخيرًا إلى بجاية، وحدَّث هنالك، وسمع منه في سنة ٥٣٧ ﵀ عليه -.
٣٥٤ - محمد بن علي الجَيّاني .
وكان يعلم بالقرآن، ويسمع الحديث طاف البلاد، وسمع ببلخ جماعة منهم، ووقف كتبَه على أصحاب الحديث، وله عوال مخرجة من حديثه، ساوى بعضَ شيوخه، البخاريَّ، ومسلمًا، وأبا داود، والترمذي، والنسائي، مات سنة ٥٦٣ - رحمه الله تعالى -.
٣٥٥ - محمد بن عبد الرحمن التُّجيبيُّ .
نزيلُ تلمسان، وسمع في الرواية، وكتبَ العلم عن جماعة كثيرة - أزيدَ من مئة وثلاثين -، من أعيانهم: أبو الطاهر السلفي، صحبَه، واختصَّ به، وأكثر عنه، وقال له: تكون محدَث المغرب - إن شاء الله تعالى -، ودعا له بطول العمر، وله أربعون حديثًا في المواعظ، مولده في نحو سنة ٥٤٠، وتوفي سنة ٦١٠.
٣٥٦ - أبو العباس المرسيُّ .
كان من أكابر الأولياء صحب أبا الحسن الشاذلي - قبره بالإسكندرية مشهور -، ذكره ابنُ عطاء الله في كتابه "لطائف المنن"، والصفدي في "الوافي"، وله كلام بديع في تفسير القرآن، كلامه يدل على عظيم ما منحه الله من علوم لَدُنَّيَّة، قال: الفتوة: الإيمان، قال سبحانه ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ [الكهف: ١٣]، وقال في قوله تعالى حاكيًا عن الشيطان الرجيم: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧] الآية، قال: ولم يقل: من فوقهم، ولا من تحتهم؛ لأن فوقهم التوحيد، وتحتهم الإسلام، وقال في قوله ﷺ : "أنا سيد ولد آدم، ولا فخر"؛ أي: لا أفتخر بالسيادة، وإنما الفخر لي بالعبودية، وقال في قول سمنون المحب:
وليسَ لي في سواكَ حَظٌّ ... فكيفما شِئْتَ فاخْتَبِرْني
стр. 312
قال: الأَولى أن يقول: فكيفما شئت فاعف عني، إذ طلبُ العفو أولى من طلب الاختبار، وقال: الزاهد جاء من الدنيا إلى الآخرة، والعارف جاء من الآخرة إلى الدنيا، توفي سنة ٦٨٦ - رحمة الله تعالى عليه -.
٣٥٧ - محمد بن أحمد بن يحيى بن مفرج القرطبيُّ .
ولد سنة ٣٢٨.
سمع بقرطبة من قاسم بن أصبغ كثيرًا، وسمع بمكة من ابن الأعرابي، ولزمه حتى مات، وسمع بها من جماعة غيره، وسمع بجدة والمدينة، ودخل صنعاء وزَبيد وعدن، وسمع بها من جماعة، وسمع بمصر من البرقي، وسمع من السيرافي، وبغزة وعسقلان وطبرية، ودمشق وطرابلس، وبيروت وصيدا، والرملة وصور، وقيسارية والقلزم، والفرما والإسكندرية، فبلغت شيوخه إلى مئتين وثلاثين شيخًا، وروى عنه جماعة، ومات سنة ٣٤٨. قال الحميدي: وهو محدث جليل، صنف كتابًا في فقه الحديث، وفي فقه التابعين، وقال ابن الفرضي: كان عالمًا بالحديث، بصيرًا برجاله، صحيح النقل، حافظًا جيد الكتابة على كثرة ما جمع. وقال ابن عفيف في حقه: كان من أغنى الناس بالعلم، وأحفظهم للحديث، وأبصرهم بالرجال، ما رأيت مثله في هذا الفن، وكان من أوثق المحدثين بالأندلس، وأصحهم كتبًا، وأشدهم تعبًا لروايته، وأجودهم ضبطًا لكتبه، وأكثرهم تصحيحًا لها، لم يدع فيها شبهة - رحمه الله تعالى -.
٣٥٨ - موسى بن سعادة .
من أهل مرسية، سمع من صهره ابن سكرة الصدفي، ولازمه، وأكثر عنه، وروى عن الشاطبي، وابن شفيع، قرأ عليهما "الموطأ" ورحل، وحج وسمع السنن، وعُني بالرواية، وانتسخ "الصحيحين" للبخاري ومسلم بخطه، وسمعهما على صهره نحو ستين مرة. حدَّث عنه جماعة، فُقد في سنة ٥١٤.
٣٥٩ - محمد بن عبد الله السلميُّ المرسيُّ .
قال ابن النجار: ولد سنة ٥٧٠، وقال غيره: في التي قبلها، دخل مصر،
стр. 313
وسار إلى الحجاز، وعاد إلى بغداد، وأقام بها يسمع ويقرأ، وسافر إلى خراسان ونيسابور وهراة، وحدث بكتاب "السنن الكبرى" للبيهقي، وبكتاب: "غريب الحديث" للخطابي، وكان من الأئمة الفضلاء في جميع فنون العلوم من علم القراءات والحديث والفقه والنحو واللغة، وله فهم ثاقب. قال ابن النجار: ما رأيت مثله في فنه، وكان شافعي المذهب، وله تفسير سماه: "ري الظمآن" كبير جدًا، وتعليق على "الموطأ"، له نظم بليغ، ومن شعره:
مَنْ كانَ يرغبُ في النجاة، فما لَهُ ... غيرُ اتِّباعِ المُصْطَفى فيما أَتَى
ذاكَ السبيلُ المستقيمُ، وغيره ... سبلُ الغوايةِ والضلالةِ والرَّدَى
فاتبعْ كتابَ الله والسننَ التي ... صَحَّتْ فذاك إذا اتَّبَعْتَ هو الهُدى
ودَع السؤالَ بكَمْ وكيف، فإنه ... بابٌ يَجُرُّ ذوي البصيرة للعَمى
الدَّينُ: ما قال النبيُّ وصَحْبُه ... والتابعون ومن مَناهِجهم قفا
توفي ﵀ سنة ٦٥٥.
٣٦٠ - علي بن موسى بن سعيد، العنسيُّ، متممُ كتاب "المُغْرب في أخبار المَغْرب ".
ذكر له المَقَّري في "نفح الطيب" ترجمة حافلة إلى كراسة، وذكر من أشعاره كثيرًا. قال في "المغرب": وأنا أعتذر في إيراد ترجمتي هنا بما اعتذر به ابن الإمام في كتاب "سمط الجُمان"، وبما اعتذر به الحجازي في كتاب "المسهب"، وابن القطاع في "الدرة"، وغيرهم من العلماء، انتهى. قال المَقَّري تحت ترجمته: وكان وصولُه بالإسكندرية في سنة ٦٣٩، وحكي أنه قال: أخذتُ مع والدي يومًا في اختلاف مذاهب الناس، وأنهم لا يسلِّمون لأحد في اختياره، فقال متى أردتَ أن يسلم لك أحدٌ في هذا التأليف - أعني: "المغرب" -، ولا يعترض، أتعبتَ نفسك باطلاً، وطلبت غايةً لا تُدرك، وأنا أضرب لك مثلاً ... إلى قوله: يا بني! سمعتُ كلامهم، وعلمتُ أن أحدًا لا يسلم من اعتراض الناس على أي حالة كان اعتراضهم، انتهى.
ثم ذكر المَقَّري قصائد كثيرة أنشدها علماء دمشق وأدباؤها في مدح المَقَّري،
стр. 314
واعتذر عن إيرادها، وقال: قلت: وذكري لكلام أعيان دمشق - حفظهم الله تعالى - ومديحِهم لي ليس - عَلِمَ الله - لاعتقادي في نفسي فضلاً، بل أتيت به دلالة على فضلهم الباهر؛ حيث عاملوا مثلي من القاصرين بهذه المعاملة، وكَسَوه حُللَ تلك المجاملة، مع كوني لست في الحقيقة له بأهل؛ لما أنا عليه من الخطأ والخطل والجهل، انتهى.
قلت - عفا الله عني -: وأنا أيضًا أتفوه بهذه المقالة في إيرادي لمدائح الناس لي في كتبي، وتحرير تقاريظهم في آخر مؤلفاتي، وجمعي لمكاتيبهم ونمائقهم في ثنائي في مصنفاتي؛ فإني إنما أتيت بذلك إبانةً لعلمهم وفضلهم في الأقران في بلاغة النثير، وفصاحة النظيم؛ ليعرف العارفون أن الزمان ليس خاليًا عن أهل العلم في حين من الأحيان، وإن كان الدهر عاد في هذا الوقت طريدًا غريبًا، ولا ترى فيه واحدًا من المئتين عالمًا كاملاً، ولا شاعرًا أديبًا، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦] "وإنما الأعمال بالنيات"، وإنما العبرة بالخواتيم، ختم الله لي بالحسنى وزيادة.
٣٦١ - أحمد بن محمد بن مفرج الأمويُّ، يعرف بابن الرومية .
كان عارفًا بالعشب والنبات، ورحل إلى البلاد، ودخل حلب، وسمع الحديث بالأندلس وغيرها، وحج في رحلته، ولقي كثيرًا، له مختصر كتاب "الكامل" لأحمد بن عدي في رجال الحديث، وله كتاب "المُعْلِم بما زاده البخاري على كتاب مسلم"، مولده سنة ٥٦١، وتوفي سنة ٦٣٧. وسمع ببغداد من جماعة، وحدث بمصر أحاديث من حفظه، ويقال له الحَزمي: بفتح الحاء؛ نسبة إلى مذهب ابن حزم؛ لأنه كان ظاهريَّ المذهب، وكان زاهدًا صالحًا، وكان متعصبًا لابن حزم بعد أن تفقه في المذهب المالكي، وكان بصيرًا بالحديث ورجاله، كثير العناية، واختصر كتاب الدارقطني في "غريب حديث مالك"، رح.
٣٦٢ - أحمد بن مَعَدِّ بنِ عيسى، يعرف بابن الإقليشي .
أخذ العربية والآداب، وسمع الحديث من الحافظ أبي بكر بن العربي،
стр. 315
وجاور بمكة. وكان عالمًا عاملاً متصوفًا شاعرًا مجردًا، له تصانيف، منها: كتاب "الغرر من كلام سيد البشر". كان الناس يدخلون عليه بيته والكتب عن يمينه وشماله، ومن شعره:
أَسيرُ الخطايا عندَ بابِكَ واقفٌ ... له عن طريقِ الحقِّ قلبٌ مخالِفُ
قديمًا عصى عَمْدًا وجَهْلاً وغِرَّةً ... ولم يَنْهَهُ قلَبٌ من الله خائِفُ
تزيدُ سِنوه وهو يزدادُ ضِلَّةً ... فها هو في ليلِ الضلالةِ عاكِفُ
تَطَلَّعَ صبحُ الشيبِ والقلبُ مظلِمٌ ... فما طافَ منه من سنى الحقَّ طائِفُ
ثلاثون عامًا قد تَوَلَّتْ كأنها ... حلومٌ تَقَضَّتْ أو بُروقُ خواطِفُ
وجاءَ المَشيبُ المُنْذِرُ المرءَ أنه ... إذا رحلتْ هذي الشبيبةُ تالِفُ
فيا أحمدَ الخوان! قد أدبرَ الصِّبا ... وناداكَ من سِنَّ الكُهولة هاتِفُ
فهل أَرَّقَ الطرفَ الزمانُ الذي مضى ... وأبكاه ذنبٌ قد تقدَّمَ سالِفُ
فَجُدْ بالدموعِ الحُمرِ حُزنًا وحسرةً ... فدمعُك يُنْبِي أَنَّ قلبَك آسِفُ
قال المقري في "نفح الطيب": وقد وافق في أول هذه القطعة قول أبي الوليد بن الفرضي، أو أخذه منه نقلاً. توفي سنة ٥٥٠، وقيل: سنة ٥٥١ - رحمة الله عليه -.
٣٦٣ - الشيخ أحمد بن محمد بنِ أحمدَ، المَقَّرِيُّ التلمسانيُّ المولد، المالكيُّ المذهب، نزيلُ القاهرة .
قال في "خلاصة الأثر": حافظ المغرب، جاحظ البيان، ومن لم ير نظيره في جودة القريحة، وصفاء الذهن وقوة البديهة.
وكان آية باهرة في علم التفسير والحديث، ومعجزًا باهرًا في الأدب والمحاضرات، له المؤلفات الشائعة، منها: "عَرْف الطيب في أخبار ابن الخطيب"، انتهى.
قلت: وذكر في "كشف الظنون" أنه سماه بعد ذلك: "نفح الطيب عن غصن الأندلس الرطيب"، انتهى. وله "إضاءة الدجنة في عقائد أهل السنة". ولد بتلمسان، ونشأ بها، وحفظ القرآن، وقرأ على عمه سعيد بن أحمد المقري -
стр. 316
مفتي تلمسان ستين سنة -، ومن جملة ما قرأ عليه "صحيح البخاري" سبع مرات، وروى عنه الكتب الستة، وأن الفتوى صارت إليه في زمنه، ارتحل تاركًا للمنصب والوطن إلى حج بيت الله الحرام سنة ١٠٢٧، ثم ورد إلى مصر، وتزوج بها من السادة الوفائية سنة ١٠٢٨
ثم زار بيت المقدس سنة ١٠٢٩، وكرر الذهاب إلى مكة، وأملى بها دروسًا، وفد على "طيبة" سبع مرات، وأملى الحديث النبوي بمرأى منه ﷺ ومسمع، ثم رجع إلى مصر سنة ١٠٣٩، ثم ورد إلى دمشق، وأملى "صحيح البخاري"، وحضره غالب أعيان دمشق من العلماء، وأما الطلبة، فلم يتخلف منهم أحد، وكان يوم ختمه حافلاً جدًا، اجتمع فيه الألوف من الناس، وعلت الأصوات بالبكاء، وأُتي له بكرسي الوعظ، فصعد عليه، وتكلم بكلام في العقائد والحديث لم يسمع نظيره أبدًا، وتكلم على ترجمة البخاري، وأنشد له بيتين، وأفاد أن ليس للبخاري غيرهما، وهما:
اغتنمْ في الفراغِ فَضْلَ رُكوعٍ ... فعسى أن يكونَ موتُك بَغْتَهْ
كَمْ صَحيحٍ قدْ ماتَ قبلَ سقيمٍ ... ذهبتْ نفسُه النفيسةُ فَلْتَهْ
وكانت الجلسة من طلوع الشمس إلى قرب الظهر، ثم ختم الدرس بأبيات قالها حين ودَّع المصطفى ﷺ ، وهي قوله:
يا شفيعَ العُصاةِ أنتَ رجائي ... كيف يخشى الرجاءُ عندَك خَيْبَهْ
وإذا كنتَ حاضرًا بفؤادي ... غيبةُ الجسمِ عنكَ ليسَ بِغَيْبَهْ
ليسَ بالعيشِ في البلادِ انقطاعٌ ... أطيبُ العيشِ ما يكونُ بِطَيْبَهْ
ونزل عن الكرسي، فازدحم الناس على تقبيل يده، وكان ذلك نهار الأربعاء سابع عشر رمضان سنة ١٠٣٩، ولم يتفق لغيره من العلماء الواردين إلى دمشق ما اتفق له من الحظوة وإقبال الناس، وكان بعد ما رأى من أهلها ما رأى، كثر الاهتمام بمدحها، وقد عقد في كتابه "نفح الطيب" فصلاً يتعلق بها وبأهلها، وأورد في مدحها أشعارًا، وجرى بينه وبين أدبائها وعلمائها مطارحات شتى، ودخل مصر، واستقرَّ بها مدة يسيرة، ثم طلق زوجته الوفائية، وأراد العودة إلى
стр. 317
دمشق للتوطن بها، ففاجأه الحِمام قبل نيل المرام، وكانت وفاته سنة ١٠٤١ - رحمه الله تعالى -.
ذكره الخفاجي في "ريحانة الألباء"، وامتدحه بعبارة ابتهر لها العلماء، وأنشد له أشعارًا، وقال: رأيت له نظمًا ونثرًا، ومحاسن تملأ الأفواه والأسماع دُرًّا، ومن تأليفه: "أزهار الرياض في أخبار عياض"، انتهى.
٣٦٤ - العلامة زين الدين، أبو الفرج، عبدُ الرحمن بنُ شهاب الدين أبي العباس أحمد بن حسن بن رجب، شيخ الحنابلة والمحدثين .
قال نعمان أفندي قساطلي في كتابه "الروضة الغناء في تاريخ دمشق الفيحاء": هو الإمامُ الأصوليُّ المحدِّث الفقيهُ الواعظُ الشهيرُ، كان إمامًا في العلوم، له مصنفات كثيرة، منها "شرح البخاري"، و"شرح الأربعين النووية"، و"طبقات الحنابلة"، و"القواعد"، و"رياض الأنس"، وغيرها، مات بدمشق، ودفن بباب الصغير عند قبر معاوية، انتهى.
قلت: وهذه الروضة مؤلفها نصراني، قد عقد فصلاً في كتابه المذكور لذكر من مات واشتُهر ضريحُه بدمشق من الأولياء المقربين، والعلماء العاملين، وذكر فيها جمعًا من حفاظ الحديث، منهم: ابنُ عساكر بن حسين بن هبة الله، وقال: هو الفخر الحافظ الكبير، أبو القاسم، إمام أهل الحديث، ألف "تاريخ الشام" في ثمانين مجلدًا، وله تآليف - غير التاريخ - بلغت ثمانية وعشرين مصنفًا، توفي سنة ٥٧١، ودفن بالحجرة التي فيها معاوية، انتهى. ومنهم: إبراهيم الناجي شيخ المحدثين بدمشق، كان إمامًا ورعًا، عارفًا بالصحابة ورجال الحديث، مات بدمشق، وقبره على الطريق. ومنهم: الشيخ عمر بن حسن الخرقي من تابعي أصحاب الإمام أحمد، ومن علماء مذهبه المعتبرين، ومن المعوَّل عليهم بالفقه، وكان زاهدًا عالمًا قانعًا بالقليل، رحل من بغداد، وسكن بدمشق، فرأى يومًا منكرًا، فأنكره، ونهى عنه، فقُتل لأجل ذلك. ومنهم: تقي الدين بن الصلاح، وهو عثمان بن عبد الرحمن الكردي الشهرزوري، كان إمامًا في التفسير والحديث والفقه، متبحرًا في الأصول، مات بدمشق سنة ٥٤٤.
стр. 318
٣٦٥ - الشيخ شهاب الدين أحمدُ بنُ محمدِ بنِ عبدِ الله بنِ إبراهيم، الدمشقيُّ، الأنصاريُّ، يعرف بابن عربشاه - طيب الله ثراه -.
كذا نسب نسبه في شرح قصيدته التي سماها: عقود النصيحة، ذكره السيوطي في "أعيان الأعيان"، فقال: الدمشقي، الحنفي، كان عالمًا أديبًا ناظمًا، جال في البلاد، وأخذ عن الأكابر.
ولد سنة ٧٩١، ومات سنة ٨٥٤. وذكر في شرح القصيدة من شرح حاله ما ملخصه: أنه جَوَّدَ القرآن بمدينة سمرقند، وقرأ بها النحو والصرف على تلامذة السيد الشريف الجرجاني، وكان يحضر أيضًا مجلس السيد، ويسمع دروسه، ثم إنه طاف بلاد ما وراء النهر والمغل إلى حدود الخطا، وقطع سيحون، واجتمع بمشايخ لا يحصون، من أعظمهم: الخواجة عبد الأول، وابن عمه عصام الدين، وغيرهما، وأسمع البخاري على عالمها الرباني الخواجة محمد زاهد، ومكث بما وراء النهر نحوًا من ثمان سنين، واجتمع بخوارزم بعالمها نور الله، وحافظ الدين البزاري، وأقام عنده نحو أربع سنوات، وقرأ عليه الفقه وأصوله، والمعاني والبيان، ثم قدم الديار الرومية، وأقام بها نحو عشر سنين، واجتمع بعلمائها، وقرأ على بعضهم العلوم العقلية والنقلية، وتنقلت به الأحوال إلى أن اتصل بخدمة السلطان غياث الدين أبي الفتح محمد بن عثمان، وأقرأ أولادَه، ومنهم: السلطان مراد خان، وكان يكتب عند السلطان غياث الدين إلى سائر الأطراف عربيًا وفارسيًا وتركيًا وغير ذلك، ثم قال: والحاصل: أني لم أخل برؤية أحد ممن يشار إليه من ملك وسلطان، ولا عالم ولا شيخ، ولا كبير على حسب ما يتفق، ولم يبق من العلوم فن إلا وكان في فيه حظ وافر، ولا منصبٌ إلا وكان لي فيه نصيب من التدريس والخطابة والإمامة، والكتابة والوعظ والتصنيف والترجمة، وغير ذلك، ومن شعره:
فعشْ ما شئتَ في الدنيا وأدرِكْ ... بها ما شئتَ من صِيتٍ وصَوْتِ
فحبلُ العيشِ موصولٌ بقَطْعٍ ... وخيطُ العمرِ معقودٌ بمَوْتِ
стр. 319
وقد ذكر له في "الضوء اللامع" ترجمة واسعة، وأثنى عليه، وذكر له من التأليف: "العقد الفريد" في التوحيد، و"فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء"، و"خطاب الإهاب الناقب وجواب الشهاب الثاقب"، وكان آخر ما ألفه كتابًا على لسان الحيوانات، فيه العجائب والغرائب، وأثنى عليه الأئمة؛ كابن حجر، والمقريزي، وغيرهما، حتى وصفه بعضهم بقوله: الإمام العلامة، أحد أفراد الدهر في النثر والنظم وعلم المعاني والبديع، وترجم كتابه "عجائب المقدور"، وطبع في هولاندة، وطبع الأصل العربي بمصر، وكذلك طبع أيضًا كتابه "فاكهة الخلفاء" بمصر، وفي ألمانيا سنة ١٨٥٢، انتهى ما في "آثار الأدهار". وكتاباه هذان عندنا وقفنا عليهما، وهما فريدان في بابهما، خطيبان في محرابهما، قلَّ نظيرُهما في كتب التواريخ والأدب والعربية، والله أعلم. وبالجملة: فقد كان فاضلاً جيدًا أديبًا، كاملاً لبيبًا أريبًا، وحيدَ عصره في العربية واللسان، فريدَ دهره في الأدب والبيان، شهرته تغني عن الإطناب في ذكره، والإسهابِ في أمره.
كتابه "عجائب المقدور في أخبار تيمور" يدل على سَعَة علمه واطلاعه، وقوة دركه وفهمه وبراعة يراعه، عقد فيه فصلاً فيمن حصل في أيام استيلاء تيمور - بسمرقند - من الفقهاء. قال: ومن المحققين: مولانا سعد الدين التفتازاني، توفي سنة ٧٩١ بسمرقند، والسيد الشريف محمد الجرجاني، توفي بشيراز، ومن المحدثين: الشيخ شمس الدين محمد بن الجوزي، كان أخذه من الروم، وكان قد هرب إليها من مصر بعد توجهه من بلاد الشام قبل الفتنة، توفي بشيراز. والمفسر الحافظ المحدث محمد الزاهد البخاري، فسر القرآن الكريم في مئة مجلد توفي بمدينة النبي ﷺ سنة ٨٢٢. ومن حفاظ القرآن المجودين قراءة وصوتًا: عبد اللطيف الدامغاني، ومولانا أسد الدين الحافظ الحسيني، ومحمود المحرق الخوارزمي، وعبد القادر المراغي الأستاذ في علم الأدوار. ومن الوعاظ المتكلمين: مولانا أحمد بن شمس الأئمة السرائي، كان يقال له: ملك الكلام عربيًا وفارسيًا وتركيًا، وكان أعجوبة الزمان، ومولانا أحمد الترمذي،
стр. 320
ومولانا منصور القاغاني. ومن الكتاب الموجودين: السيد الخطاط ابن بندكير، وتاج الدين السلماني وغيرهما، إلى آخر ما قال.
قال: وكان في سمرقند إنسان يسمى بالشيخ العريان فقيرًا دهمى بشكل بهي وعزم سمي، قيل: إن عمره - على ما هو فيهم شائع، وبين أكابرهم وأفاضلهم ذائع - ثلاث مئة وخمسون سنة، مع أن قامته مستوية، وهيئته حسنة، كان المشايخ الهرمون، والأكابر المعمَّرون يقولون: لقد كنا ونحن أطفال نرى هذا الرجل على هذا الحال، وكذلك نروي عن آبائنا الأكرمين، ومشائخنا الأقدمين ناقلين ذلك عن آبائهم، والمعمرين من كبرائهم، وكان أطلس، وله قوة ناهضة وحِدَّة، من رآه يتصور أنه لم يبلغ أشدَّه، ولم يكن للكبر بوجهه تجعيد ولا أثر، وكان الأمراء والكبراء والأعيان والصلحاء والفضلاء والرؤساء يترددون إلى زاويته، ويتبركون بطلعته، ويلتمسون بركة دعوته، انتهى حاصله.
٣٦٦ - [الأمير] سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود .
قال في "البدر الطالع": ولد تقريبًا سنة ١١٦٠، أو قبلها بقليل، أو بعدها بقليل في وطنه، ووطن أهله القرية المعروفة بالدرعية من البلاد النجدية، وكان قائد جيوش أبيه عبد العزيز.
وكان جده محمد شيخًا لقريته التي هو فيها، فوصل إليه الشيخ العلامة محمد بن عبد الوهاب الداعي إلى التوحيد، المنكر على المعتقدين في الأموات، فأجابه، وقام بنصره، وما زال يجاهد من يخالفه، وكانت تلك البلاد قد غلبت عليها الأمور الجاهلية، وصار الإسلام فيها غريبًا، ثم مات محمد بن سعود، وقد دخل في الدين بعض البلاد النجدية، وقام ولده عبد العزيز مقامه، فافتتح جميع الديار النجدية، والبلاد العارضية، والأحساء والقطيف، وجاوزها إلى فتح كثير من البلاد الحجازية، ثم استولى على الطائف ومكة والمدينة، وغالب جزيرة العرب.
وغالب هذه الفتوح على يد ولده سعود، ثم قام بعده ولده سعود، فتكاثرت جنوده، واتسعت فتوحه، ووصلت جنوده إلى اليمن، فافتتحوا بلاد أبي عريش،